← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9801

الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (297 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خاتمة في ذكر منامات ونحوها، لا بأس بالإشارة إلى بعضها لأن فيها حثا لمن سمعها على الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ قال ابن هبيرة: كنت أصلّي على النبي ﷺ وعيناي مطبقتان، فرأيت من وراء جفني كاتبا يكتب بمداد أسود صلاتي على النبي ﷺ في قرطاس، وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس، ففتحت عيني لأنظره ببصري، فرأيته وقد توارى عني حتى رأيت بياض ثوبه. ورئي إنسان عليه حلة، وعلى رأسه تاج مكلل بالجواهر، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأكرمني وتوّجني وأدخلني الجنة، فقيل له: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على رسول الله ﷺ «١» . ورئي ماجن فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال: استمليت على بعض المحدثين حديثا مسندا، فصلّى الشيخ على النبي ﷺ ، فسمع أهل المجلس، فصلّوا عليه ﷺ ، فغفر لنا في ذلك اليوم كلّنا «٢» . ورأى الحافظ أبو الحسن الدارمي من يعرفه، فسأله عن حاله، فقال: غفر لي، وسأله عن عمل يدخل به الجنة، فقال: ألف ركعة في كل ركعة ألف

стр. 177

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فقال: لا أطيق ذلك، فقال: ألف مرة صلاة على النبي ﷺ كل ليلة، قال الدارمي: فأنا أفعل ذلك كل ليلة «١» . ورئي بعض الصالحين فسئل، فقال: رحمني وغفر لي وأدخلني الجنة، فقيل له: بماذا؟ قال: حسبت الملائكة ذنوبي وصلاتي على النبي ﷺ فرأوها أكثر، فقال لهم المولى جلّت قدرته: (حسبكم يا ملائكتي، لا تحاسبوه، واذهبوا به إلى جنتي) . ويروى: أن مسرفا من بني إسرائيل لمّا مات.. رموا به، فأوحى الله لموسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام: أن غسّله وصلّ عليه؛ فإني قد غفرت له، قال: يا ربّ؛ وبم ذلك؟ قال: إنه فتح التوراة يوما فوجد فيها اسم محمد ﷺ ، فصلّى عليه، فغفرت له بذلك. ورأى بعض الصالحين صورة قبيحة في النوم، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا عملك القبيح، قال لها: فبم النجاة منك؟ قالت: بكثرة الصلاة على المصطفى ﷺ . ورأى بعض الصالحين صالحا على هيئة حسنة، فاستخبره عما عندهم، فقال: كنت من الهالكين لولا كثرة صلاتي على رسول الله ﷺ ، فقال له: أين أنتم من الرؤية واللقاء؟ فقال: هيهات! قد رضينا منه بدون ذلك. ورأى الشّبليّ جارا له فسأله، فقال: مرّت بي أهوال عظيمة أرتج عليّ عند السؤال، فقلت في نفسي: من أين أتى عليّ؟! ألم أمت على الإسلام؟! فنوديت: هذه عقوبة إهمالك للسانك في الدنيا، فلما همّ بي الملكان.. حال بيني وبينهما رجل جميل طيب الرائحة، فذكّرني حجتي، فذكرتها، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا شخص خلقت لكثرة صلاتك على النبي ﷺ ، وأمرت أن أنصرك في كل كرب.

стр. 178

وحكي عن العارف أبي الحسن الشاذلي ﵀ ورضي عنه: أنه جاءه السباع بمفازة فخافهم، ففزع إلى الصلاة على النبي ﷺ ؛ مستندا إلى ما صح من أنه من صلّى عليه ﷺ .. صلّى الله عليه عشرا، وأن الصلاة من الله الرحمة، ومن رحمه.. كفاه همه، فنجا بذلك. وقال أبو بكير: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله؛ إن رجلا يكثر الصلاة عليك، قال: «من هو؟» ، قلت: فلان، قال: «لا جرم أنّ الله أعدّ له مقاما كريما» . وتوفّي تاجر عن مال وابنين وثلاث شعرات من شعره ﷺ ، فاقتسما المال نصفين وشعرتين، وبقيت واحدة، فطلب الأكبر قطعها نصفين، فأبى الأصغر؛ إجلالا له ﷺ ، فقال له الأكبر: تأخذ الثلاث بحظّك من المال؟ قال: نعم، ثم جعل الثلاث في جيبه، وصار يخرجها ويشاهدها ويصلّي على النبي ﷺ ، فعن قريب كثر ماله، وفني مال الأكبر، ولمّا توفي الصغير.. رآه بعض الصالحين، ورأى النبي ﷺ فقال له: «قل للناس: من كانت له إلى الله حاجة.. فليأت قبر فلان هذا ويسأل الله تعالى قضاء حاجته» ، فكان الناس يقصدون قبره، حتى بلغ أن كل من عبر على قبره ينزل ويمشي راجلا «١» . وجاء أبا الفضل بن زيرك خراسانيّ فقال: أتاني رسول الله ﷺ في منامي وأنا بمسجد المدينة وقال: «اقرأ على أبي الفضل منّي السلام» ، فقلت: يا رسول الله؛ لماذا؟ قال: «لأنه يصلّي عليّ في كل يوم مئة مرة» ، ثم سأل أبا الفضل أن يعلمه إياها، فعلمه: (اللهم؛ صلّ على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد، جزى الله محمدا ﷺ عنّا ما هو أهله) .

стр. 179

ورأى أبو عبد الله القسطلاني النبي ﷺ في النوم، وشكا إليه الفقر، فقال له: «قل: اللهمّ؛ صلّ على محمد وعلى آل محمد، وهب لنا اللهم من رزقك الحلال الطيّب المبارك ما تصون به وجوهنا عن التعرض إلى أحد من خلقك، واجعل لنا اللهم إليه طريقا سهلا من غير تعب ولا نصب، ولا منّة ولا تبعة، وجنبنا اللهم الحرام حيث كان، وأين كان، وعند من كان، وحل بيننا وبين أهله، واقبض عنا أيديهم، واصرف عنا قلوبهم، حتى لا نتقلب إلا فيما يرضيك، ولا نستعين بنعمك إلا على ما تحب، يا أرحم الراحمين» . وجاءت امرأة إلى الحسن البصري فقالت: توفّيت لي بنت، وأريد أن أراها في النوم، فأمرها أن تصلّي أربع ركعات بعد صلاة العشاء، [تقرأ] في كل ركعة (الفاتحة) و (ألهاكم التكاثر) مرة، ثم تضطجع وتصلّي على النبي ﷺ إلى أن تنام، ففعلت فرأتها في أقبح العذاب وأشده، فانتبهت وجاءت الحسن، فأمرها بصدقة عنها لعل الله يعفو عنها، ونام الحسن تلك الليلة، فرأى امرأة في أحسن النعيم، فقالت له: أتعرفني؟ أنا ابنة تلك المرأة التي أمرتها بالصلاة على محمد ﷺ ، فقال لها: إن أمك قد وصفت حالك بغير هذه الرؤية؟ فقالت: هو كما قالت، قال: فبماذا بلغت هذه المنزلة؟ قالت: كنا سبعين ألفا في العقوبة، فعبر رجل من الصالحين على قبورنا، وصلى على النبي ﷺ مرة، وجعل ثوابها لنا، فقبلها الله منه، وأعتقنا كلنا من تلك العقوبة ببركته، وبلغ نصيبي ما قد رأيته وشاهدته. وذكر العلامة المجد الفيروز اباذي عن ابن الخيام: أنه اجتمع بالخضر وإلياس، وأنهما أخبراه: أنهما رأيا النبي ﷺ وسمعاه يقول: «ما من مؤمن صلّى عليّ.. إلا نضّر به قلبه، ونوّره الله » . وسمعاه أيضا يقول: «من صلّى على محمد ﷺ .. طهر قلبه من النفاق، كما يطهّر الثوب الماء» .

стр. 180

ويقول: «ما من مؤمن يقول: صلّى الله على محمد.. إلا أحبه الناس وإن كانوا أبغضوه، ووالله لا يحبونه حتى يحبه الله » . ويقول على المنبر: «من قال: صلّى الله على محمد.. فقد فتح على نفسه سبعين بابا من الرحمة» . ويقول: «من قال سبع ليال: صلى الله على محمد.. رآني في المنام» . ويقول: «إذا جلستم مجلسا.. فقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد، يوكّل الله بكم ملكا يمنعكم من الغيبة، فإذا قمتم.. فقولوا ذلك؛ فإن الناس لا يغتابونكم، ويمنعهم الملك من ذلك» . وأخبراه أيضا: أن نبيا من بني إسرائيل لم ينصر على عدوّ له حتى أمر قومه بالصلاة على النبي ﷺ . اهـ «١» . والمجد وإن ذكر ذلك بسنده إلى ابن الخيام، لكن قال الذهبي وغيره: إنها موضوعة «٢» ؛ أي: وإن كان الصحيح أن الخضر حيّ. ومن أوضح الأدلة على ذلك ما صح عن إمام الهدى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أن الخضر اجتمع به، وأنه رئي عنده، فسئل، فقال: هذا الخضر، وقد ذكرت ذلك في أواخر كتابي «الصواعق المحرقة على إخوان الشياطين والضلال والابتداع والزندقة» «٣» . وحكي عن إبراهيم التيمي: أنه اجتمع بالخضر عند الكعبة، وأنه أخبره بكيفية طويلة من فعلها.. رأى النبي ﷺ في منامه، وأنه فعلها فرآه ﷺ ، ورأى الجنة ونعيمها وتنعّم به، فإن عمل ذلك ولم يره.. غفر له جميع كبائره، قال الحافظ السخاوي عقبها: (وهذا منكر، بل

стр. 181

لوائح الوضع ظاهرة عليه) «١» ، وقال أوّلها: (وروينا في «الصلاة» لعبد الرازق الطبسي بسند لا أشك في بطلانه) «٢» . وجعل بعض الصالحين كل ليلة على نفسه عددا معلوما يصلّي على النبي ﷺ عند النوم، فأخذته عيناه ليلة، فرأى النبي ﷺ داخلا عليه، فامتلأ بيته نورا، فقال له: «هات هذا الفم الذي يكثر الصلاة عليّ.. أقبّله» ، قال: فاستحييت، فأدرت له خدي فقبّله، فانتبهت؛ فإذا البيت يفوح مسكا من رائحته ﷺ ، وبقيت رائحة المسك من قبلته في خدي نحو ثمانية أيام «٣» . ويروى: أنه من أراد رؤيته ﷺ نوما، فليقل: (اللهم؛ صلّ على محمد كما هو أهله، اللهم؛ صلّ على محمد كما تحب وترضى، فمن قال ذلك عددا وترا.. رآه ﷺ ، قيل: ويزيد معه: اللهم؛ صلّ على روح محمد في الأرواح، اللهم؛ صلّ على جسد محمد في الأجساد، اللهم؛ صلّ على قبر محمد في القبور، اللهم؛ صلّ على محمد إلى يوم البعث والنشور) .

стр. 182

الفصل الخامس في ذكر عقوبات وقبائح لمن لم يصلّ على النبي ص - منها: أن من ذكر ﷺ عنده فلم يصلّ عليه.. كان شقيّا راغم الأنف، مستحقا الدخول في النار، بعيدا من الله ومن رسوله ﷺ ، مدعوّا عليه من جبريل ومن النبي ﷺ بذلك وبالسّحق. أخرج كثيرون بسند رجاله ثقات- ومن ثمّ قال الحاكم في «المستدرك» : صحيح الإسناد- عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «احضروا المنبر» ، فحضرنا، فلما ارتقى درجة.. قال: «آمين» ، ثم ارتقى الثانية وقال: «آمين» ، ثم ارتقى الثالثة فقال: «آمين» ، فلما نزل.. قلنا: يا رسول الله؛ قد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه! فقال: «إن جبريل عرض لي فقال: بعد- أي بالضم: عن الخير، وحكي الكسر؛ أي: هلك- من أدرك رمضان.. فلم يغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت- أي: بكسر القاف- الثانية.. قال: بعد من ذكرت عنده.. فلم يصلّ عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة.. قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما.. فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين» «١» . وفي رواية في سندها راو ضعّفه غير واحد ووثّقه ابن حبان: «ومن ذكرت

стр. 183

عنده فلم يصلّ عليك.. فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين» «١» . وفي أخرى ضعيفة، لكن لها شواهد تصيّرها حسنة: أنهم سألوه لمّا جلس على المنبر.. قال: «أتاني جبريل فقال: رغم أنف رجل أدرك أبويه أو أحدهما.. فلم يدخل الجنة، فقلت: آمين، قال: ورغم أنف امرىء أدرك رمضان.. فلم يغفر له، قلت: آمين، قال: ورغم أنف من ذكرت عنده.. فلم يصلّ عليك، قلت: آمين» «٢» . وفي أخرى- عند أحمد والترمذي وصححها الحاكم، وقال الترمذي: حسن غريب-: «رغم أنف رجل» في الثلاثة بمعنى التي قبلها «٣» . وفي أخرى: «رغم الله أنف رجل» في الثلاثة «٤» . يقال: رغم- بكسر ثانيه المعجم وفتحه- رغما بتثليث أوله، وأرغم الله أنفه؛ أي: ألصقه بالرّغام، وهو التراب، هذا هو الأصل، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره، وقيل: رغم بالكسر: لصق بالتراب ذلّا وهوانا، وبالفتح: ذلّ. وفي أخرى سندها حسن: «لمّا رقيت الدرجة الأولى.. جاءني جبريل فقال: شقي عبد أدرك رمضان.. فانسلخ منه ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما.. فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده.. فلم يصلّ عليك، فقلت: آمين» «٥» .

стр. 184

وفي أخرى عند البيهقي: لما بنى ﷺ المنبر.. جعل له ثلاث عتبات، فلما صعدها ﷺ أي بكسر العين- أمّن عند كلّ، فسئل فقال: «إن جبريل ﵇ صعد قبلي العتبة الأولى، فقال: يا محمد؛ فقلت: لبيك وسعديك، فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما، فلم يغفر له.. فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، فلما صعد العتبة الثانية.. قال: يا محمد؛ قلت: لبيك وسعديك، قال: من أدرك شهر رمضان فصام نهاره وقام ليله، ثم مات ولم يغفر له.. فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين، فلما صعد العتبة الثالثة.. قال: يا محمد؛ قلت: لبّيك وسعديك، قال: من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك، فمات ولم يغفر له، فدخل النار.. فأبعده الله ، قل: آمين، فقلت: آمين» «١» . وفي أخرى ضعيفة: ثم قال: «أتدرون لم أمّنت؟» ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «جاءني جبريل، فقال: إنه من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك.. دخل النار، فأبعده الله وأسحقه «٢» ، فقلت: آمين، ومن أدرك والديه أو أحدهما فلم يبرّهما.. دخل النار، فأبعده الله وأسحقه، فقلت: آمين، ومن أدرك رمضان فلم يغفر له.. دخل النار، فأبعده الله وأسحقه، فقلت: آمين» «٣» . وفي أخرى- رجالها ثقات إلا واحدا اختلف فيه-: بينما النبي ﷺ على المنبر؛ إذ قال: آمين (ثلاث مرات) ، فسئل عن ذلك، فقال: «أتاني جبريل ... » الحديث «٤» .

стр. 185

فيحتمل تعدد الواقعة، أو أراد الراوي بهذا ما يشمل كونه على درجه، والأول أقرب لما مرّ أنه سئل في رواية وهو على المنبر، وفي أخرى بعد أن نزل. وفي أخرى- في سندها ابن لهيعة لكن لها شواهد كما ترى-: أنه لمّا انصرف.. سئل فقال: «إن جبريل تبدّى لي في أول درجة فقال: يا محمد؛ من أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة.. فأبعده الله ثم أبعده، فقلت: آمين، ثم قال لي في الدرجة الثانية: ومن أدرك شهر رمضان فلم يغفر له.. فأبعده الله ثم أبعده، فقلت: آمين، ثم تبدّى لي في الدرجة الثالثة فقال: ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليك.. فأبعده الله ثم أبعده، فقلت: آمين» «١» . وجاء بسند ضعيف: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ.. فقد شقي» «٢» . وفي لفظ: «شقي عبد ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٣» . وروى الديلمي: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ.. دخل النار» «٤» . وعلم مما تقرر أنه ﷺ لم يبادر إلى التأمين حتى أمر به كما في رواية، أو أنه بادر إليه قبل الأمر به في الثلاث، وفي رواية: أنه بادر إليه قبل الأمر فيما عدا ما يتعلق به ﷺ ، ولم يقله فيما يتعلق به.. إلا بعد الأمر به، وحكمة هذه واضحة، وهو أنه ترك الانتصار لنفسه ﷺ ؛ لأن الكمّل لا يرون لهم حقا حتى ينتصروا له، وإنما انتصارهم لله تعالى وبالله ، ومن ثمّ لم ينتصر قط ﷺ لنفسه، وإنما كان ينتصر إذا انتهكت حرمات الله تعالى، وبه يظهر هنا سرّ

стр. 186

مبادرته ﷺ إلى التأمين من غير أمر في الروايات الثلاث؛ لأنه لم يجعله انتصارا لنفسه، بل انتقاما ممن ترك أمر الله تعالى لعباده بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وتركه ذلك في الثلاث حتى أمر به كأنه لغلبة شفقته ﷺ على أمته فرجا العفو لهم، فلما أمر.. لم يسعه التخلف، وهذه الروايات الثلاث مما يؤيد تعدد الواقعة الذي أشرت إليه آنفا. - ومنها: أن من ذكر عنده فلم يصلّ عليه.. خطىء طريق الجنة . عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذكرت عنده فخطىء الصلاة عليّ.. خطىء طريق الجنة» أخرجه الطبراني والطبري «١» ، ورواه ابن أبي عاصم وغيره مرسلا عن محمد بن الحنفية وغيره- قال المنذري: وهو أشبه- ولفظه: «من ذكرت عنده فنسي الصلاة عليّ» «٢» . وفي أخرى ضعيفة، بل منكرة: « ... فلم يصلّ عليّ.. فقد خطىء طريق الجنة» «٣» . وفي أخرى: «من نسي الصلاة عليّ.. خطىء طريق الجنة» «٤» . وفي أخرى: «من ذكرت عنده فنسي الصلاة عليّ.. خطىء طريق الجنة» «٥» ، قال الرشيد العطار: إسنادها حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الرشيد العطار: «من نسي الصلاة عليّ..

стр. 187

خطىء طريق الجنة» «١» وقال: (حديث حسن متصل) . اهـ ولا يعارضه قول أبي اليمن بن عساكر: (الإرسال فيه أصح) ؛ لأن الاتصال مقدم على الإرسال؛ لأن مع الأول زيادة علم، على أن كثرة طرقه تؤيد من حسّنه ووصله. وهذه الأحاديث ينبغي أن تحمل على أنه لمّا سمع ذكره ﷺ .. تلاهى عن الصلاة عليه ﷺ حتى نسيها، ولا يعكّر عليه أن الناسي غير مكلف؛ لأن محله ما لم ينسب إلى تقصير، ومن ثم يأثم من تشاغل بلعب الشطرنج عن الصلاة حتى نسيها إلى أن خرج وقتها؛ لأنه تسبب بهذا اللهو المؤدّي للتشاغل والنسيان إلى الاستهتار بها حتى خرج وقتها. ثم رأيت بعضهم استشكله، وأجاب عنه بأن (نسي) بمعنى: ترك، كقوله : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ، كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وهو غفلة عن التحقيق الذي ذكرته. و (خطىء) : بفتح فكسر وهمز آخره، يقال: خطىء في دينه.. إذا أثم فيه، والخطء: الذنب والإثم، وأخطأ يخطىء.. إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا، ويقال: خطىء بمعنى: أخطأ أيضا، وقيل: خطىء.. إذا تعمد، وأخطأ.. إذا لم يتعمد. - ومنها: أن من ذكر عنده فلم يصلّ عليه ﷺ .. فقد جفاه . صح عن قتادة مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : «من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلّي عليّ» «٢» ﷺ .

стр. 188

والجفا: ترك البرّ والصّلة، ويطلق أيضا على غلظ الطبع والبعد عن الشيء. ويروى: «من ذكرت بين يديه ولم يصلّ عليّ صلاة تامة.. فليس منّي، ولا أنا منه- ثم قال: - اللهمّ صل من وصلني، واقطع من لم يصلني» ، قال الحافظ السخاوي: (ولم أقف على سنده) «١» . - ومنها: أن البخيل كلّ البخيل الذي لا يراه يوم القيامة ، والذي هو أبخل الناس.. من ذكر عنده فلم يصلّ عليه ﷺ . أخرج جمع عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما: أنه ﷺ قال: «بحسب امرىء من البخل أن أذكر عنده فلا يصلّي عليّ» «٢» . وعن أخيه الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٣» أخرجه كثيرون، وصححه الحاكم، قال: ولم يخرجاه، وله شواهد عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أيضا، والبيهقي في «الشّعب» ولفظه: «البخيل كل البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٤» . وأخرج جمع عن أبيهما عليّ رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» ، قال الترمذي: حسن صحيح، وزاد في نسخة: غريب «٥» ، ولمّا أشار الحافظ السخاوي إلى

стр. 189

كثرة الاختلاف في طرقه.. قال: (وفي الجملة فلا يقصر هذا الحديث عن درجة الحسن) «١» . وروي: «ألا أنبئكم بأبخل البخلاء؟ ألا أنبئكم بأعجز الناس؟ من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، ومن قال له ربه في كتابه: ادعوني، فلم يدعه، قال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» ، قال الحافظ السخاوي: (ولم أقف على سنده) «٢» . وفي «شرف المصطفى» لأبي سعد: أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تخيط شيئا في وقت السحر، فضلّت الإبرة، وطفىء السراج، فدخل عليها النبي ﷺ ، فأضاء البيت بضوئه ﷺ ، ووجدت الإبرة، فقالت: ما أضوأ وجهك يا رسول الله! قال: «ويل لمن لا يراني يوم القيامة» ، قالت: ومن لا يراك؟ قال: «البخيل» ، قالت: ومن البخيل؟ قال: «الذي لا يصلي عليّ إذا سمع باسمي» «٣» . وأخرج الديلمي: «حسب العبد من البخل إذا ذكرت عنده ألّا يصلي عليّ» «٤» . وعن الحسن البصري مرسلا: «بحسب المرء من البخل أن أذكر عنده فلا يصلّي عليّ» «٥» . وفي لفظ: «كفى به شحّا أن أذكر عند رجل فلا يصلّي عليّ» «٦» ﷺ ، ورواته ثقات.

стр. 190

وفي رواية: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟» ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ ... فذاك أبخل الناس» «١» . وفي أخرى: «إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» «٢» ﷺ ، والحديث غريب، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيهم مبهما. والبخل معناه اللغوي: إمساك ما يقتنى عمن يستحقه، وأريد به هنا: التكاسل عن هذه العبادة العظيمة. - ومنها: أن من لم يصلّ عليه ﷺ عند ذكره.. ملعون . ذكر أبو نعيم في «الحلية» : (أن رجلا مرّ بالنبي ﷺ ومعه ظبي قد اصطاده، فأنطق الله الذي أنطق كل شيء الظبي، فقال: يا رسول الله؛ إن لي أولادا وأنا أرضعهم، وإنهم الآن جياع، فأمر هذا أن يخليني حتى أذهب فأرضع أولادي وأعود، قال: «فإن لم تعودي؟» ، قالت: إن لم أعد.. فلعنني الله كمن تذكر بين يديه فلا يصلّي عليك، أو كنت كمن صلّى ولم يدع، فقال النبي ﷺ : «أطلقها وأنا ضامنها» ، فذهبت الظبية، ثم عادت، فنزل جبريل ﵇ وقال: يا محمد؛ الله يقرئك السلام، ويقول لك: وعزتي وجلالي؛ أنا أرحم بأمتك من هذه الظبية بأولادها، وأنا أردهم إليك، كما رجعت الظبية إليك ﷺ «٣» . - ومنها: أن من ذكر ﷺ عنده فلم يصلّ عليه ألأم الناس .

стр. 191

أخرج أبو سعد: أنه ﷺ قال: «ألا أدلّكم على خير الناس، وشرّ الناس، وأبخل الناس، وأكسل الناس، وألأم الناس، وأسرق الناس؟» ، قيل: يا رسول الله؛ بلى، قال: «خير الناس من انتفع به الناس، وشرّ الناس من يسعى بأخيه المسلم، وأكسل الناس من أرق في ليلة فلم يذكر الله بلسانه وجوارحه، وألأم الناس من إذا ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، وأبخل الناس من بخل بالتسليم على الناس، وأسرق الناس من سرق صلاته» ، قيل: يا رسول الله؛ كيف يسرق صلاته؟ قال: «لا يتمّ ركوعها وسجودها» «١» . ولا ينافي تفسير الأبخل هنا بغير ما مرّ لاحتمال أن المراد: أن ذاك أبخلهم على الإطلاق، وهذا أبخلهم بعد ذاك. - ومنها: أن كل مجلس خلا عن ذكره ﷺ كان على أهله ترة من الله يوم القيامة ، وقاموا عن أنتن جيفة. أخرج كثيرون- منهم الترمذي واللفظ له، وقال: حسن-: أنه ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلوا على نبيه ﷺ .. إلا كان عليهم ترة من الله يوم القيامة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم» «٢» . وأخرجه الحاكم موقوفا بلفظ: «ما جلس قوم مجلسا، ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلّوا على نبيّه.. إلا كان عليهم حسرة إلى يوم القيامة» «٣» . وفي رواية: «أيّما قوم جلسوا، فأطالوا الجلوس، ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلّوا على نبيّه.. إلا كان عليهم ترة من الله، إن شاء عذّبهم،

стр. 192

وإن شاء غفر لهم» ، صحّحها الحاكم، واعترضه الذهبي بأن في سندها ضعيفا «١» . وفي أخرى: «ما جلس قوم يذكرون الله لم يصلّوا على نبيّهم.. إلا كان ذلك المجلس عليهم ترة، ولا قعد قوم لم يذكروا الله.. إلا كان عليهم ترة» ، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري «٢» . وفي أخرى عند أحمد: «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله .. إلا كان عليهم ترة، وما من رجل مشى طريقا فلم يذكر الله .. إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله .. إلا كان عليه ترة» «٣» . وفي أخرى بسند رجاله ثقات: «ما من قوم جلسوا مجلسا، ثم قاموا منه لم يذكروا الله، ولم يصلّوا على النبي ﷺ .. إلا كان ذلك المجلس عليهم ترة» » . وفي أخرى: « ... إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة للثواب» «٥» . وفي أخرى بسند صحيح: «لا يجلس قوم مجلسا لا يصلّون فيه على رسول الله ﷺ .. إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب» «٦» .

стр. 193

فمعنى: (وإن دخلوا الجنة) : أنهم يتحسرون على ترك الصلاة على النبي ﷺ في الموقف؛ لما فاتهم من ثوابها، وإن كان مصيرهم إلى الجنة، وأن الحسرة تلازمهم بعد دخولها. وجاء بسند صحيح على شرط مسلم: «ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله ، وصلاة على النبي ﷺ .. إلا قاموا عن أنتن جيفة» «١» . والتّرة- بفوقية مكسورة فراء مخففة مفتوحة فتاء-: الحسرة، كما في الرواية الآخرى، وقيل: هي النار، وقيل: الذنب، وقال ابن الأثير: (هي النقص، وقيل: التّبعة، والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة، مثل وعدته عدة، ويجوز رفعها ونصبها على أنه اسم كان أو خبرها) «٢» . - ومنها: أن من لم يصلّ عليه ﷺ .. فلا دين له . أخرج المروزيّ بسند فيه من لم يسمّ: أنه ﷺ قال: «من لم يصلّ عليّ.. فلا دين له» «٣» . - ومنها: أن من لم يصلّ عليه ﷺ .. لا يرى وجهه . روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: «لا يرى وجهي ثلاثة أنفس: العاقّ لوالديه، والتارك لسنتي، ومن لم يصلّ عليّ إذا ذكرت بين يديه» «٤» . فصلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه أبدا دائما بلا غاية ولا انتهاء، عدد معلومات الله تعالى، ومداد كلماته.

стр. 194

الفصل السادس في ذكر أمور مخصوصة تشرع الصلاة على النبي ﷺ فيها الأول: بعد الفراغ من الوضوء والغسل والتيمم ، كما نقله النّووي رحمه الله تعالى عن الشيخ نصر في الأول، وأشار إليه فيما بعده، ودليله: الحديث الضعيف: «إذا فرغ أحدكم من طهره.. فليقل: أشهد ألاإله إلّا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم ليصلّ عليّ، فإذا قال: ذلك.. فتحت له أبواب الرحمة» «١» . وفي رواية ضعيفة أيضا: «إذا تطهّر أحدكم.. فليذكر اسم الله؛ فإنه يطهر جسده كله، وإن لم يذكر أحدكم اسم الله على طهوره.. لم يطهر منه إلا ما مرّ عليه الماء، فإذا فرغ أحدكم من طهوره.. فليشهد ألاإله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم ليصلّ عليّ، فإذا قال ذلك.. فتحت له أبواب الرحمة» «٢» ، وفي رواية: «الجنة» «٣» ، وله طرق ربما ترقّى بها إلى الحسن. وفي أخرى ضعيفة: «لا وضوء لمن لم يصلّ على النبي ﷺ » «٤» أي: لا وضوء كامل. الثاني: في الصلاة إذا مرّ فيها باية فيها ذكره ﷺ ، فيسنّ

стр. 195

لقارئها وسامعها الصلاة على النبي ﷺ ، كما نقله صاحب «الأنوار» عن العجلي ورجّحه «١» ، لكن الذي أفتى به النووي عدم ندب ذلك «٢» . وعلى الأول: فيصلّي بالضمير؛ كصلّى الله عليه؛ حتى يخرج من نقل ركن قوليّ وهو مبطل للصلاة على قول، وفي ذلك مزيد ذكرته في «شرح العباب» ، ونصّ أحمد على ندب ذلك في النفل، وأطلق الحسن البصري ندبه، ومرّ الكلام عليها في التشهد الأخير، وتسن عندنا في التشهد الأول، وتدل له الأحاديث السابقة في ذم من ذكر عنده ولم يصلّ عليه، وقد ذكره المصلّي آخر التشهد، فيسن له الصلاة عليه ﷺ عقبه؛ حتى يخرج من ذلك الذم الشامل لمن في الصلاة وخارجها، وبه يتأيد ما مر عن «الأنوار» ، على أن الحليمي أشار إلى وجوبها؛ بناء على القول بوجوبها كلما ذكر. وتسن آخر القنوت لورودها في قنوت الوتر، وقيس به قنوت الصبح، ولفظه: (وصلى الله على النبيّ) من غير زيادة، ووهم من زاد عليه: (محمد وسلّم) ونسبه ل «سنن النسائي» إذ ليس فيها عند جميع رواته ذلك «٣» ، قال النووي: (وحديثه صحيح أو حسن) «٤» ، لكن اعترض بأنه

стр. 196

منقطع، مع ما فيه من الاختلاف على رواته وشذوذه. وصح عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم موقوفا عليه: أنه كان يصلّي على النبي ﷺ في القنوت «١» . وصح عن الزهري: أنهم كانوا يصلون على النبي ﷺ في قنوت وتر رمضان. وعن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنه كان إذا دخل العشر- أي: الأخير من رمضان- زاد فيه: اللهمّ؛ صلّ على محمد كما صليت على إبراهيم، اللهمّ؛ بارك على محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك، والسلام عليه ورحمته وبركاته «٢» . الثالث: عقبها [عقب الصلاة] ؛ للحديث الضعيف: «من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر كل صلاة مكتوبة.. حلّت له الشفاعة مني يوم القيامة، اللهمّ؛ أعط محمدا الوسيلة، واجعل في المصطفين محبته، وفي العالمين درجته، وفي المقربين داره» «٣» . ورأى بعض الأكابر النبي ﷺ في النوم وقد أقبل الشّبلي فقام إليه وقبّل بين عينيه، قال: فقلت: يا رسول الله؛ أتفعل هذا بالشبلي؟! فقال: «هذا يقرأ بعد صلاته لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخرها، ويتبعها بالصلاة عليّ» .

стр. 197

وفي رواية: أنه أخبره بأنه من أهل الجنة، وأمره بإكرامه ففعل، فرآه قائلا له: «أكرمك الله كما أكرمت رجلا من أهل الجنة» ، فسأله بم استحق ذلك؟ فقال له: «يفعل- ما مرّ- عقب صلاته منذ ثمانين سنة، أفلا أكرم من يفعل هذا؟!» . وجاء بسند ضعيف: «من صلّى عليّ مئة صلاة حين يصلّي الصبح قبل أن يتكلم.. قضى الله له مئة حاجة، يعجّل له منها ثلاثين، ويدّخر له سبعين، وفي المغرب مثل ذلك» ، قالوا: كيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ إلى تَسْلِيماً؛ اللهم صلّ على محمد، حتى تعدّ مئة» «١» . الرابع: عقب إقامتها ، وعقب الأذان، فتسن عقبهما: (اللهمّ؛ ربّ هذه الدعوة التامة ... ) إلخ. روى مسلم وغيره: «إذا سمعتم المؤذن ... فقولوا: مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ؛ فإنه من صلّى عليّ صلاة.. صلّى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة.. حلّت له الشفاعة» «٢» ، وفي رواية: «حلت له شفاعتي يوم القيامة» «٣» ، وفي رواية لمسلم: «حلّت عليه» . وحلّت: وجبت كما صرح به في روايات صحيحة، ومعنى وجبت: أنها ثابتة لا بدّ منها بالوعد الصادق، أو نزلت به؛ فعلى الأول: مضارعه يحل بكسر الحاء، وعلى الثاني: يحل بضمها، وليس من الحل ضد الحرمة؛ لأنها

стр. 198

لم تكن محرّمة قبل، وفيه بشرى عظيمة لقائل ذلك: أنه يموت على الإسلام؛ إذ لا تجب الشفاعة إلا لمن هو كذلك، وشفاعته ﷺ لا تختص بالمذنبين، بل تكون برفع الدرجات وغير ذلك كما يأتي. فالشفاعة الواجبة لسائل الوسيلة: إما برفع درجات، أو تضعيف حسنات، أو بإكرامه بإيوائه إلى ظلّ العرش، أو كونه في مروج، أو على منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعض دون بعض. وقوله: (له) أي: يخص بشفاعة ليست لغيره، أو يفرد بشفاعة مما يحصل لغيره تشريفا له، أو أن دخوله في الشفاعة لا بدّ منه. وقوله: (شفاعتي) أي: أنه يشفع فيه بنفسه، والشفاعة تعظم بعظم الشافع، وقيّد القاضي عياض ذلك عن بعض شيوخه بمن قاله مخلصا مستحضرا إجلاله ﷺ ، دون من قصد به مجرد الثواب «١» ، وردّ بأنه تحكم غير مرض، ولو أخرج الغافل اللّاهي.. لكان أشبه، ويأتي جميع ما تقرر في خبر الدارقطني والبيهقي وغيرهما: «من زار قبري.. وجبت له شفاعتي» «٢» وفي رواية: «حلّت له» . وفائدة طلبه الوسيلة مع رجائه لها، ورجاؤه لا يخيب.. إعلامنا بأن الله تعالى لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء، وأنّ له أن يفعل بمن شاء- وإن جلت مرتبته- ما شاء، ففي ذلك عظيم إظهار تواضعه وخوفه المقتضي لمزيد رقيّه وعلوّه، ففيه فائدة عائدة عليه ﷺ وعلينا، ولقد غفل من لم يمعن النظر في هذا المقام عما ذكرته، فأجاب بانحصار فائدة ذلك لنا بامتثال ما أمرنا به في جهته الكريمة. وروى أحمد: «من قال حين ينادي المنادي: اللهمّ؛ ربّ هذه الدعوة

стр. 199

التامة والصلاة القائمة؛ صلّ على محمد، وارض عنه رضا لا سخط بعده.. استجاب الله دعوته» «١» . وروى البخاري: «من قال حين يسمع النداء: اللهمّ؛ ربّ هذه الدعوة التامة ... » «٢» إلخ ما ذكره، المراد منهما بعد فراغه، لرواية مسلم السابقة: «ثم صلّوا عليّ، ثم سلوا الله ... » إلخ. وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي الدّرداء: أنه ﷺ كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم: «اللهمّ؛ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة؛ صلّ على محمد، وآته سؤله يوم القيامة» «٣» وكان يسمعها من حوله ﷺ ، ويحبّ أن يقولوا مثل ذلك إذا سمعوا المؤذن، ومن قال مثل ذلك إذا سمع المؤذن.. وجبت له شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة. وأخرجه الطبراني لكن بلفظ: «كان إذا سمع النداء.. قال: اللهمّ؛ ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة؛ صلّ على محمد عبدك ورسولك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة» ، قال ﷺ : «من قال هذا عند النداء.. جعله الله في شفاعتي يوم القيامة» «٤» . وسؤله: حاجته من نحو: الشفاعة العظمى، والحوض، ولواء الحمد، والوسيلة، وغير ذلك مما أعدّه الله تعالى له ﷺ . وأخرج الطبراني بسند فيه راو ليّن الحديث: «من قال حين يسمع النداء: أشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله،

стр. 200

اللهم؛ صلّ على محمد، وبلّغه درجة الوسيلة عندك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة.. وجبت له الشفاعة» «١» . واعلم أنه مر تفسيره ﷺ للوسيلة بأنها أعلى منزلة أو درجة في الجنة، وأصلها لغة: ما يتقرب به للكبير، قال : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، قال جمع: هي القربة، وقال آخرون: كلّ ما يتوسّل- أي: يتقرب به- كالتوسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ . و (المقام المحمود) : هو الشفاعة العظمى في فصل القضاء، يحمده فيه الأولون والآخرون، ومن ثمّ فسّر في أحاديث بالشفاعة، وعليه إجماع المفسرين على ما قاله الواحدي، وقيل: شهادته لأمته وعليهم، وقيل: إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة، وقيل: هو أن يجلسه الله على العرش، وفي «صحيح ابن حبان» : «يبعث الله الناس، فيكسوني ربي حلة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» «٢» . ولا ينافي الأول، لاحتمال أن هذه الكسوة علامة على الإذن له في الشفاعة العظمى. ثم رأيت بعض المحققين ذكر ما يقرب منه، فقال: يظهر أن المراد بالقول المذكور: هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، وأن المقام المحمود: هو جميع ما يحصل له في تلك الحالة. وله ﷺ شفاعات غير العظمى، كالشفاعة لمن يدخل من أمته ﷺ الجنة بغير حساب، وهذه كالعظمى من خصائصه ﷺ . - ولعصاة أدخلتهم ذنوبهم النار فيخرجون، وإنكار المعتزلة لهذه من

стр. 201

ضلالاتهم، كيف وقد صحت الأحاديث الكثيرة بها من غير معارض لها؟! - ولقوم استحقوا دخولها فلم يدخلوها، قال النووي: ويجوز أن يشركه في هذه الأنبياء والعلماء والأولياء. - وفي قوم حبستهم الأوزار ليدخلوا الجنة. - ولبعض أهل الجنة في رفع درجاتهم، فيعطى كل منهم ما يناسبه، قال: وهذه يجوز أن يشركه فيها من ذكر أيضا. - ولمن مات بالمدينة الشريفة. - ولمن زار قبره ﷺ . - ولفتح باب الجنة كما رواه مسلم «١» . - ولمن أجاب المؤذّن. - ولقوم كفار لهم سابق خدمة له ﷺ في تخفيف عذابهم. - والشفاعة لأهل المدينة الشريفة بالمعنى السابق في الشفاعة لسائل الوسيلة. واعلم أن للغزالي رحمه الله تعالى في معنى الشفاعة وسببها كلاما نفيسا، حاصله: (أنها نور يشرق من الحضرة الإلهية على جوهر النبوة، وينتشر منه إلى كل جوهر استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة، لشدة المحبة، وكثرة المواظبة على السنن، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه ﷺ . ومثاله: نور الشمس إذا وقع على الماء؛ فإنه ينعكس منه إلى محل مخصوص من الحائط دون جميعه، وسبب الاختصاص المناسبة بينه وبين الماء في الموضع الذي إذا خرج منه خط إلى موضع النور من الماء.. حصلت

стр. 202

منه زاوية على الأرض مساوية للزاوية الحاصلة من الخط الخارج من الماء إلى قرص الشمس، بحيث لا يكون أوسع منها ولا أضيق، وهذا لا يمكن إلا في موضع مخصوص من الجدار، فكما أن المناسبات الوضعية تقتضي الاختصاص بانعكاس النور، فالمناسبات المعنوية العقلية تقتضي ذلك أيضا في الجواهر المعنوية، ومن استولى عليه التوحيد.. فقد تأكدت مناسبته مع الحضرة الإلهية، وأشرق عليه النور من غير واسطة، ومن استولى عليه السنن، والاقتداء به ﷺ ، ومحبته ومحبة أتباعه، ولم تترسخ قدمه في ملاحظة الوحدانية.. لم تستحكم مناسبته إلا مع الواسطة، فافتقر إلى واسطة، في اقتباس النور، كما يفتقر الحائط الذي ليس مكشوفا للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس. وإلى مثل هذا ترجع حقيقة الشفاعة في الدنيا، فالوزير الأقرب لملك.. يحمله على العفو عن جرائم أصحابه، لا لمناسبة بينهم وبين الملك، بل بينهم وبين الوزير المناسب للملك، ففاضت عليهم العناية بواسطة الوزير لا بأنفسهم، ولو ارتفعت الواسطة.. لم تشملهم العناية أصلا؛ لأن الملك لا يعرفهم، ولا يعرف اختصاصهم بالوزير إلا بتعريفه وإظهاره الرغبة في العفو عنهم، فسمّي لفظه من التعريف إظهارا للرغبة: شفاعة مجازا، وإنما الشفيع مكانته عند الملك، واللفظ لإظهار الغرض، والله مستغن عن التعريف، ولو عرف الملك حقيقة اختصاص غلام الوزير به.. لاستغنى عن التعريف، وحصل العفو بشفاعة لا نطق فيها ولا كلام، والله عالم به، ولو أذن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما هو معلوم له.. لكانت ألفاظهم أيضا ألفاظ الشفعاء. وإذا أراد الله تعالى أن يمثل حقيقة الشفاعة بمثال يدخل في الحسّ والخيال.. لم يكن ذلك التمثيل إلا بألفاظ مألوفة في الشفاعة، ويدلّك على انعكاس النور بطريق المناسبة: أن جميع ما ورد من الأخبار عن استحقاق الشفاعة معلّق بما يتعلّق به ﷺ من صلاة عليه، أو زيارة

стр. 203

لقبره، أو جواب المؤذن، والدعاء له عقيبه، وغير ذلك مما يحكم علاقة المحبة والمناسبة معه ﷺ اهـ وقال الرازي: (الشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئا، ويطلب له حاجة، وأصلها: من الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فردا، فصار الشفيع له شفعا؛ أي: صار زوجا) «١» . فائدة: ما اعتيد على المنائر من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عقب الأذان إلا الصبح والجمعة؛ فإنهم يقدمونه عليهما، وإلا المغرب؛ فإنه لا يفعل فيها لضيق وقتها.. أحدثه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وذكر بعض المؤرخين: أن ابتداءه بمصر والقاهرة سنة إحدى وتسعين وسبع مئة لرؤية رآها بعض المعتقدين، ولا يخالف ما قبله لاحتمال أنه ترك بعد موت السلطان صلاح الدين إلى هذا التاريخ، أو كان أمره به في ليلة الجمعة خاصة «٢» . وصوّب بعض المتأخرين: أن ذلك بدعة حسنة يؤجر فاعله بحسن نيته، وقريب منه قول شيخنا شيخ الإسلام زكريا سقى الله تعالى عهده ورضي عنه في «فتاويه» : (الأصل مستحب، والكيفية بدعة) .

стр. 204

[الخامس: عند القيام لصلاة الليل من النوم] . صح: أنه ﷺ قال: «يضحك الله إلى رجلين؛ رجل لقي العدوّ وهو على فرس من أمثل خيل أصحابه فانهزموا وثبت؛ فإن قتل.. استشهد، وإن بقي.. فذاك الذي يضحك الله إليه. ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم حمد الله ومجّده، وصلّى على النبيّ ﷺ ، واستفتح القرآن، فذاك الذي يضحك الله إليه، يقول: انظروا إلى عبدي قائما لا يراه أحد غيري» » . [السادس: بعد الفراغ من التهجّد] . أخرج النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنا نعدّ لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ، ويصلّي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلّي على نبيه ﷺ ، ويدعو بينهن ولا يسلّم، ثم يصلّي التاسعة، ويقعد- وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلّي على النبي ﷺ ، ويدعو، ثم يسلّم تسليما يسمعنا، ثم يصلّي ركعتين وهو قاعد) «٢» . كذا استدلّ بهذا على الترجمة، وهو عجيب؛ فإن الذي فيه هو الصلاة عليه ﷺ في التشهد، وليس فيه صلاة بعد الفراغ! [السابع: عند المرور بالمساجد ودخولها والخروج منها] . أخرج إسماعيل القاضي عن عليّ كرم الله وجهه: أنه أمر به في الأوّل «٣» .

стр. 205

وجاء بسند حسن لكن غير متصل: أنه ﷺ كان إذا دخل المسجد.. صلّى على محمد وسلّم، ثم قال: «اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» ، وإذا خرج.. صلّى على محمد وسلّم، ثم قال: «اللهم؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» «١» . وأخرج الطبراني والبيهقي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن السّنّي وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبّان في «صحاحهم» - وأصله في «مسلم» -: «إذا دخل أحدكم المسجد.. فليسلّم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهمّ؛ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج.. فليسلّم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهمّ؛ افتح لي أبواب فضلك» «٢» . وفي رواية ضعيفة: كان ﷺ إذا دخل المسجد.. قال: «باسم الله، اللهمّ؛ صلّ على محمد» ، وإذا خرج.. قال: «باسم الله، اللهمّ؛ صلّ على محمد» «٣» . وفي أخرى: «إذا دخل أحدكم المسجد.. فليسلّم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهمّ؛ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج.. فليسلّم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهمّ؛ اعصمني من الشيطان» «٤» ، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وردّ بأن فيه علة خفيت عليه، لكنه حسن بشواهده.

стр. 206

[الثامن: في يوم الجمعة وليلتها] . مرّ في ذلك أحاديث أوائل (الفصل الرابع) في مبحث (أنه ﷺ يبلغه سلام من يسلّم عليه، وأنه يردّ على من يسلّم عليه) «١» ، وبقيت في ذلك أحاديث كثيرة، ومن ثمّ كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أن انشروا العلم يوم الجمعة، فإن غائلة العلم النسيان، وأكثروا الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة «٢» . قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: (أحبّ كثرة الصلاة على النبي ﷺ في كل حال، وأنا في يوم الجمعة وليلتها أشد استحبابا) اهـ «٣» منها: «من صلّى عليّ يوم الجمعة مئتي صلاة.. غفر له ذنب مئتي عام» أخرجه الديلمي، ولا يصح «٤» . وفي رواية ضعيفة: «الصلاة عليّ نور على الصراط، ومن صلّى عليّ يوم الجمعة ثمانين مرة.. غفرت له ذنوب ثمانين عاما» «٥» . وفي أخرى للدارقطني: «من صلّى عليّ يوم الجمعة ثمانين مرة.. غفر الله له ذنوب ثمانين سنة» ، قيل: يا رسول الله؛ كيف الصلاة عليك؟ قال: «تقول: اللهمّ؛ صلّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمّي، وتعقد واحدة» «٦» وحسّنها العراقي، ومن قبله أبو عبد الله بن النعمان، قيل: ويحتاج إلى نظر. وفي أخرى للخطيب: «من صلّى عليّ يوم الجمعة ثمانين مرة.. غفر الله

стр. 207

له ذنوب ثمانين عاما» ، فقيل له: يا رسول الله؛ كيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا: اللهمّ؛ صلّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمّي، وتعقد واحدة» «١» ، وذكره ابن الجوزي في «الأحاديث الواهية» «٢» . وفي أخرى: «من صلّى صلاة العصر من يوم الجمعة، فقال قبل أن يقوم من مكانه: اللهمّ؛ صلّ على محمد النبي الأمّي، وعلى آله وسلّم تسليما ثمانين مرة.. غفرت له ذنوب ثمانين عاما، وكتبت له عبادة ثمانين سنة» «٣» . وفي أخرى: «من قال في يوم الجمعة بعد العصر: اللهم؛ صلّ على محمد النبي الأمي، وعلى آله وسلّم ثمانين مرة.. غفرت له ذنوب ثمانين عاما» «٤» . وأخرج الديلمي: «من صلّى عليّ يوم الجمعة.. كانت شفاعة له عندي يوم القيامة» «٥» . وفي لفظ آخر أخرجه أبو نعيم وقال: غريب، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: «من صلّى على النبي ﷺ يوم الجمعة مئة مرة.. جاء يوم القيامة ومعه نور لو قسم ذلك النور بين الخلق كلهم.. لوسعهم» «٦» . وفي أخرى بسند ضعيف: «من صلّى عليّ في يوم الجمعة ألف مرة.. لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة» «٧» .

стр. 208

وفي أخرى بسند ضعيف أيضا: «من صلّى عليّ في كل يوم جمعة أربعين مرة.. محا الله عنه ذنوب أربعين سنة، ومن صلّى عليّ مرة واحدة فتقبّلت منه.. محا الله عنه ذنوب ثمانين سنة، ومن قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يختم السورة.. بنى الله له منارا في جسر جهنم؛ حتى يجاوز الجسر» «١» . وفي أخرى عند أبي موسى المديني، وذكرها ابن النعمان وغيره: «من صلّى عليّ يوم الجمعة ألف مرة.. لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة» «٢» . وفي أخرى للديلمي: «من صلّى عليّ يوم الجمعة مئة صلاة.. غفر له خطيئة ثمانين عاما» ، قال السخاوي: (لم أقف على أصله مرفوعا، وذكر بعض رواته: أنه رأى النبيّ ﷺ في المنام، وعرضه عليه فصدقه، والله أعلم، وفي أخرى مثله وزاد: «ومن صلّى عليّ ليلة الجمعة مئة مرة.. غفر له خطيئة عشرين سنة» ، والظاهر عدم صحته) «٣» . وفي أخرى في سندها لين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قال لزيد بن وهب: (يا زيد؛ لا تدع إذا كان يوم الجمعة أن تصلّي على النبي ﷺ ألف مرة، تقول: اللهم؛ صلّ على محمد النبي الأميّ) «٤» . وفي أخرى: «من صلّى عليّ يوم الجمعة صلاة واحدة.. صلّى الله عليه وملائكته ألف ألف صلاة، وكتب له ألف ألف حسنة، وحطّ عنه ألف ألف خطيئة، ورفع له ألف ألف درجة في الجنة» ، قال الحافظ السخاوي: (ولم

стр. 209

أقف على أصله، وأحسبه غير صحيح، بل أجزم ببطلانه) اهـ «١» وفي أخرى في سندها مجهول: «إذا كان يوم الخميس.. بعث الله ملائكة معهم صحف من فضة، وأقلامهم من ذهب يكتبون يوم الخميس وليلة الجمعة أكثر الناس صلاة على النبي ﷺ » «٢» . وفي أخرى بسند ضعيف: «إن لله ملائكة خلقوا من النور، لا يهبطون إلا ليلة الجمعة ويوم الجمعة، بأيديهم أقلام من ذهب، ودويّ من فضّة «٣» ، وقراطيس من نور، لا يكتبون إلا الصلاة على النبي ﷺ » «٤» . وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: سمعت نبيكم ﷺ يقول: «أكثروا الصلاة على نبيّكم في الليلة الغرّاء واليوم الأزهر» «٥» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مثله، وفي سنده كذاب «٦» . وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه مثله «٧» . وفي رواية: «أكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغرّاء؛ فإن صلاتكم تعرض عليّ» «٨» . وفي أخرى: «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة؛ فإنه أتاني جبريل آنفا عن ربه فقال: ما على الأرض من مسلم يصلّي عليك مرة واحدة.. إلا

стр. 210

صلّيت أنا وملائكتي عليه عشرا» ، وسندها لا بأس به في المتابعات «١» . وفي أخرى: «أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن فعل ذلك.. كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» «٢» ، و (أو) فيه: إما للتقسيم؛ أي: شفيعا للعاصي، وشهيدا للطائع، أو بمعنى (الواو) فيكون شفيعا وشهيدا للكل، أو للشك؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة (شهيدا) فواضح؛ لأن الشهادة خصوصية زائدة على الشفاعة المدّخرة المخبوءة لغيرهم، وإن كانت (شفيعا) حمل على أن من فعل ذلك.. اختصّ بنوع من أنواع شفاعاته ﷺ السابقة غير العظمى. وفي أخرى بسند ضعيف: «أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة؛ فإن صلاتكم تعرض عليّ» «٣» . ويروى: «اتخذ الله إبراهيم خليلا، وموسى نجيّا، واتخذني حبيبا، ثم قال: وعزّتي وجلالي؛ لأوثرنّ حبيبي على خليلي ونجيّي؛ فمن صلّى عليّ ليلة جمعة ثمانين مرة.. غفرت له ذنوب مئتي عام متقدمة، ومئتي عام متأخرة» ، قال السخاوي: (لم أقف على أصله، وأحسبه غير صحيح) «٤» . وأخرج الشافعي رضي الله تعالى عنه مرسلا: «إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة.. فأكثروا الصلاة عليّ» «٥» . ويروى: «ما من مؤمن يصلّي ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة بعد (الفاتحة) خمسا وعشرين مرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، ثم يقول ألف مرة:

стр. 211

صلّى الله على محمد النبي الأمي؛ فإنه لا تتم الجمعة القابلة حتى يراني في المنام، ومن رآني.. غفر الله له الذنوب» أخرجه أبو موسى المديني، ولا يصحّ «١» . ويروى أيضا: «من قال ليلة الجمعة عشر مرار: يا دائم الفضل على البرية، يا باسط اليدين بالعطية، يا صاحب المواهب السنية؛ صلّ على محمد خير الورى بالتحية، واغفر لنا يا ذا العلا في هذه العشية ... » مع كلمات أخر، وهو مكذوب «٢» . وفي رواية بسند باطل عن علي ﵁: (من صلّى على النبي ﷺ بهؤلاء الكلمات في كل يوم ثلاث مرات، ويوم الجمعة مئة مرة، وهي: صلوات الله وملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد، وعليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته.. فقد صلّى عليه بصلاة جميع الخلائق، وحشر يوم القيامة في زمرته، وأخذ بيده حتى يدخله الجنة) «٣» . قيل: كان خلاد بن كثير رحمه الله تعالى في النزع، فوجد تحت رأسه رقعة مكتوب فيها: هذه براءة من النار لخلاد بن كثير، فسألوا أهله: ما كان عمله؟ فقال أهله: كان يصلّي على النبي ﷺ كل يوم جمعة ألف مرة: (اللهم؛ صلّ على محمد النبيّ الأميّ) . وروي في طلب الصلاة عليه ﷺ في خصوص يوم السبت والأحد حديث وفيه: أن اليهود والنصارى يكثرون سبّه ﷺ فيهما، وحديث فيه ذكر: (صلاة عشرين ركعة ليلة الأحد يصلّي عليه ﷺ في كل ركعة مئة مرة) قال الحافظ السخاوي: (وآثار

стр. 212

الوضع لائحة عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله) «١» . وكذلك ذكر الغزالي رحمه الله تعالى وغيره حديثا بلا إسناد فيه ذكر: (صلاة أربع ركعات ليلة الإثنين، يصلّي على النبي ﷺ في كلّ خمسا وسبعين- مع أشياء أخر- ثم يسأل الله تعالى حاجته.. كان حقا على الله تعالى أن يعطيه ما سأل) «٢» ، وتسمّى صلاة الحاجة. وذكر المديني حديثا في ليلة الثلاثاء، في سنده من اتّهم بالكذب، فيه: (صلاة أربع ركعات بعد العتمة قبل الوتر- يقرأ في كل ركعة أشياء مخصوصة- ثم بعد الفراغ يصلي على النبي ﷺ خمسين مرة) «٣» ، وذكر لذلك ثوابا كثيرا. [التاسع: في الخطب] ؛ كخطبة الجمعة، والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وهي ركن فيها عند الشافعي وأحمد، خلافا لمالك وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم، ودليل الوجوب: فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم؛ فإنه لم ينقل عن أحد منهم، ولا ممن بعدهم خطبة في أمر مهم فضلا عن الجمعة.. إلا بدأ فيها بالحمد والصلاة، وكان السّلف يسمّون الخطبة بغير الصلاة على النبي ﷺ : البتراء. وفي «الصّحاح» : (وخطب زياد خطبته البتراء؛ لأنه لم يحمد الله تعالى فيها، ولم يصلّ على النبي ﷺ «٤» ، ونحوه في «نهاية ابن الأثير» «٥» .

стр. 213

فثبت بهذا الإجماع النطقيّ من السلف على الوجوب، وإلا.. لتركوها في بعض الأحيان. وممن حفظت عنه في خطبته: - عليّ كرم الله تعالى وجهه، أخرجه أحمد «١» . - وابن مسعود، أخرجه النميري وغيره «٢» . - وعمرو بن العاصي، أخرجه الدارقطني من طريق ابن لهيعة «٣» . - وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم. وأخرج ابن بشكوال عن محمد بن عبد الحكم: (أن أميرا خطبهم بالمدينة يوم الجمعة فأنسيها، فلما انقضت خطبته ونهض للصلاة.. صاح الناس عليه من كل جانب) «٤» ، فصياحهم به كذلك يدلّ لما قلناه، من أنها في الخطبة كانت من الأمور المشهورة المعروفة عندهم، التي لا يسوغ تركها. والاستدلال للوجوب بأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى.. افتقرت إلى ذكر رسوله ﷺ كالأذان، وتفسير جمع قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بأن معناه: لا أذكر إلّا وتذكر معي.. لا ينهض؛ لاحتمال أن يراد بذكره الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله تعالى بالوحدانية، وهذا مشروع في كل خطبة قطعا؛ لقوله ﷺ : «كل خطبة ليس فيها تشهّد.. فهي كاليد الجذماء» «٥» . وما روي عن السبيعي: (أنه رآهم لا ينصتون للخطيب إنما هو قصص

стр. 214

وصلاة على النبي ﷺ «١» .. فهو بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون عدم الإنصات فيه للقصص، وذكرت الصلاة معه؛ لأنها لازمة له في العادة الغالبة من فعل القصّاص، أو أن عدم الإنصات لبعدهم بحيث لا يسمعون، والأول أقرب، على أن هذا ليس فيه نقل إجماع، ولأنه حكاية عمن رآهم فقط. العاشر: في أثناء تكبيرات صلاة العيدين ؛ لما صح عن ابن مسعود: (أنه علّم الوليد بن عقبة حين سأله عن ذلك أن يحمد الله ويصلّي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بين كل تكبيرتين، وصدّقه على ذلك حذيفة وأبو موسى رضي الله تعالى عنهم) «٢» . [الحادي عشر: في صلاة الجنازة] ، فهي مشروعة فيها بعد التكبيرة الثانية بلا خلاف، ثم المشهور عند الشافعي وأحمد: أنها ركن، خلافا لمالك وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم، ويدل للأول ما جاء عن أبي أمامة: أنه أخبره بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: (أنها كالتكبير سنّة في صلاة الجنازة) ، رواه جماعة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه «٣» . وتضعيف روايته بمطرّف.. ردّه البيهقي بأنه جاء عن الزهري بمعنى رواية مطرف «٤» ، ورواه في «سننه» والحاكم في «صحيحه» عنه: أنه أخبره رجال من الصحابة في الصلاة على الجنازة: (أن يكبّر، ثم يصلّي على النبي ﷺ ، قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيّب يسمع، فلم ينكر عليه، فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث

стр. 215

عن حبيب بن سلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة «١» . وجاء عن الزهري أيضا: أنه سمع أبا أمامة يحدث ابن المسيب: (أن السنة في الصلاة على الجنازة: أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلّي على النبي ﷺ أخرجه «٢» ابن الجارود والنميري كلاهما من طريق عبد الرزاق عن معمر «٣» ، ورجال هذا الإسناد مخرّج لهم في «الصحيحين» ، لكن قال الدارقطني: وهم فيه عبد الواحد بن زياد، فرواه عن معمر عن الزهري عن سهل بن سعد؛ أي: وإنما هو عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، كما مر. وأخرج البيهقي في «سننه» أن أبا هريرة قال لعبادة بن الصامت لمّا سأله عن الصلاة على الميت: (أنا والله أخبرك، تبدأ فتكبّر، ثم تصلّي على النبي ﷺ ، وتقول: اللهمّ؛ إن هذا عبدك ... ) إلخ «٤» . وأخرج مالك وغيره عنه: أنه سئل كيف تصلّي على الجنازة؟ فقال: (أتّبعها من أهلها، فإذا وضعت.. كبّرت وحمدت الله، وصليت على نبيّه ﷺ ، ثم أقول: اللهمّ؛ إنه عبدك ... إلخ) «٥» ، وجاء ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رضي الله تعالى عنهم. قيل: وتسنّ عند إدخال الميت القبر للحديث الحسن: أنه ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر.. قال: «باسم الله، وعلى سنة
следующие страницы →