الإرادة البشرية بالمشيئة الإلهية- خلال الحدث- قبلية ولا بعدية.. وإنما تسير الاثنتان في انسجام رائع، لأن هذه من تلك ولأن الإنسان في أصغر جزئيات الحركة وفي أكبرها إنما ينفذ قدر الله وناموسه في الأرض، في مدى الحرية التي اتيحت له. أما أن يجيء الدعاء والتوجه قبل التخطيط فحسب، أو بعد التنفيذ فحسب، فهو من قبيل الثنائيات التي ترفضها مبادىء السماء أشد الرفض لأنها تفصل بين الله والإنسان، وتقسم حظ الاثنين في حركة التاريخ بما لا يتفق أساسا والسنن الكبرى.
إن الرسول ﷺ هيأ الأسباب (الإرادية) الكاملة لنجاح الحركة وهو ينظر إلى الله، ووضع خطواته الأولى على الدرب وهو يدعو الله.. وما لبثت الأسباب أن أتت أكلها، والخطوات أن انتهت إلى هدفها، وظل الرسول ينظر إلى الله ويدعوه.
استغرق (هيكل) الهجرة زمنا طويلا.. حمل الرسول وأصحابه معاولهم وبدأوا يحفرون الأسس من أجل أن يستقيم البناء. إن الإسلام جاء لكي يعبر عن وجوده في عالمنا من خلال دوائر ثلاث، يتداخل بعضها في بعض، وتتسع صوب الخارج لكي تشمل مزيدا من المساحات: دائرة الإنسان، فالدولة، فالحضارة.
ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة، لأنه بلا دولة ستظل دائرة الإنسان، التي هي أشبه بنواة لا يحميها جدار، ستظل مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه وإمكاناته المادية والروحية، ولن يستطيع الإنسان (الفرد) أو (الجماعة) التي لا تحميها (دولة) أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية، سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقياتهما تمثلان رفضا حاسما لقيم الواقع الخارجي والتجربة المعاشة، ولا بد إذن من إيجاد الأرضية الصالحة التي يتحرك عليها المسلم، قبل أن تسحقه الظروف الخارجية أو تنحرف به عن الطريق، وليست هذه الأرضية سوى الدائرة الثانية، وليست هذه الدائرة سوى الدولة التي كان على المسلمين أن يقيموها وإلا ضاعوا!!
وهجرة الرسول ﷺ تبدأ منذ اللحظات التي أدرك فيها أن مكة لا تصلح لقيام الدولة وأن واديها الذي تحاصره الجبال، وكعبتها التي تعج بالأوثان، لا
стр. 107
يمكن أن تكون الوطن، ومن ثم راح الرسول يجاهد من أجل الهجرة التي تمنح المسلمين دولة ووطنا، وتحيط كيانهم الغضّ بسياج من إمكانيات القوة والتنظيم والأرض!!
ولن نستطيع أن نحدد بالضبط تلك البدايات.. لكنا نعلم- كما مرّ بنا- أن الرسول ﷺ بدأ نشاطا واسعا ومشهودا إثر خروج المسلمين من حصارهم القاسي في (شعب أبي طالب) ، ذلك الحصار الذي استغرق سنين طوالا، وجاء إشارة حاسمة إلى أن المشركين عامة، والقيادة الوثنية القرشية على وجه الخصوص، لا يمكن بحال أن تهادن المبدأ الجديد، الذي جاء يمثل رفضا حاسما لكل قيم الوثنية وأهدافها وتقاليدها ومصالحها.. وأنهم سيظلون يدفعون حتى النهاية الأخطار التي يمثلها الإسلام بوجه أهدافهم وتقاليدهم ومصالحهم.
والرسول ﷺ الذي علمتنا سيرته مدى الواقعية الإيجابية التي كان يتمتع بها، والحرص على الطاقة الإنسانية ألّا تتبدد في غير مواضعها- سرعان ما نجده يتحرك صوب الخروج إلى مكان جديد يصلح لصياغة الطاقات الإسلامية في إطار دولة تأخذ على عاتقها الاستمرار في المهمة بخطى أوسع، وإمكانات أعظم بكثير من إمكانات أفراد تتناهبهم شرور الوثنية من الداخل وتضغط عليهم قيم الوثنية من الخارج ويستنزف طاقاتهم البناءة اضطهاد قريش، بدلا من أن تمضي هذه الطاقات في طريقها المرسوم.
إن هجرة الرسول ﷺ بدأت فعلا يوم خرج إلى الطائف، فصدّ صدّا قاسيا، لكنه لم ييأس، لأنه يعلم يقينا أن الخاتمة ستكون له، فقط إذا استمر على بذل جهده البشري الكامل في البحث والتخطيط للهجرة التي ستعقب دولة، وللدولة التي ستعقب انتصارا ... ووقف عند أسفل جدار لبستان في الطائف، ريثما يستريح، ونادى ربه (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) !! ثم واصل الطريق وراح يتصل دون كلل بوفود القبائل التي كانت تنهال على مكة في مواسم الحج، يعرض عليهم الدين الجديد، ويعرض مع الدين الجديد طلبا بأن يمنحوه أرضهم ويحموه، لكي يتمكن من (الإسراع) في أداء مهمته الصعبة قبل أن يجيء البين ويضطرب المصير.
إن الهجرة كان يمكن أن تكون إلى الطائف، أو إلى ديار أية قبيلة عربية قوية الجانب عزيزة المنال، سواء كانت بلادها في الشرق أو في الغرب.. لكن أيا
стр. 108
من هذه القبائل (بنو كندة، بنو عامر بن صعصعة، بنو حنيفة.. الخ) لم تمد يدها مبايعة الرسول ﷺ ومرحبة بهجرته إلى أرضها وديارها.. فقد أعمت الوثنية الجاهلية قلوبهم وأبصارهم عن الشرف الذي كان يمكن أن يحظوا به لو قالوا للرسول: بايعنا.. ونصرنا!!
ويمضي الرسول ﷺ في بحثه عن الطريق الذي سيهاجر عليه وأصحابه صوب هدفهم المحتوم. وكان أن بعث الله نفرا من يثرب.. ساقتهم إرادته التي لا تغلب، إلى الرسول في السنة العاشرة للبعثة.. فالتقوا به عند العقبة، المنفذ الذي يجتازه القادمون من يثرب صوب أم القرى، وعرض عليهم الرسول ﷺ مبادىء الإسلام، غاية في الوضوح والسماحة والعدل والمساواة والانسجام مع تكوين الإنسان ونشاطه وأهدافه.. فما كان منهم إلا أن لبوا الطلب، وأعلنوا إسلامهم، ووعدوا الرسول ﷺ بأنهم سيرجعون إلى يثرب ويبشرون بدعوته العادلة هناك، وقالوا «إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك.. فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك» ، وقفلوا عائدين إلى بلدهم، وراحوا يدعون قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم «فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ » «١» . ومما ساعد هؤلاء الرواد، والذين أعقبوهم، على التحرك لنشر الدعوة في يثرب، وساعد بالتالي على نجاح (الهجرة) ، أن الأوس والخزرج كانوا في هذا الوقت أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وكانوا قد أصبحوا سادة الموقف فيها، وأصبح اليهود يعتبرون موالي لهم، فإذا تحالف النبي مع الأوس والخزرج ودخلوا في دينه، كان له ألا يخشى اليهود، كما كان في مقدور الأوس والخزرج أن يدخلوا في المدينة من شاؤوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم «٢» .
وما لبثت السنة التالية أن جاءت إلى الرسول ﷺ ، في نفس المكان، بوفد ثان من أوس يثرب وخزرجها: اثنا عشر رجلا، من بينهم الستة الذين أسلموا من قبل ... جاؤوا لا ليعلنوا إسلامهم هذه المرة بل ليبايعوا الرسول على الإسلام، تمسكا بأهدافه والتزاما بقيمه وأخلاقياته. ولم يشأ الرسول أن يتسرع الخطوة التالية ويعرض عليهم طلبه القديم: أن يمنحوه أرضهم وبلدهم وأن يحموه.. إنه بذكائه
стр. 109
العجيب وبالهدي الإلهي الذي يمده بنوره، كان ينتظر نتيجة مساعي أصحابه الجدد، ويجسّ النبض ويختبر الإمكانات. إنه في المرة الأولى اكتفى بأن يعرض الإسلام وأن يودع الستة الذين أسلموا دون أية بيعة، وفي المرة الثانية بايعوه على الجانب السلمي- إذا صح التعبير- من برنامج الإسلام «ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف» «١» . وأرسل معهم داعيته الشاب مصعب بن عمير- الذي لم يشأ أن يجازف به في المرة الأولى- أرسله هذه المرة بعد أن استبانت له ملامح المستقبل، لكي يتولى شؤون الدعوة والتثقيف العقائدي هناك.
ومرت أشهر وأشهر ومصعب يعمل في المدينة بهمة لا تعرف كللا ولا فتورا.. يتحرك بالقرآن، ويحرك أفئدة الناس هناك وعقولهم بالقرآن.. كانت آيات الله تملك في بنيتها المعجزة سحر الإقناع، وكان مصعب يزيدها سحرا في تلاوته إياها وسط حشود الناس التي كانت تجتمع، مبهورة الأنفاس من حوالي مصعب، في أزقة المدينة وطرقاتها، وهو يتلو آيات من القرآن الكريم.. وعندما اقترب موسم الحج من السنة الثانية عشرة للبعثة، غادر مصعب يثرب، يطير به الشوق للقاء رسوله وقائده. في مكة اجتمع به وعرض عليه نتائج مساعيه في يثرب، وأنه عما قريب سيلتقي الرسول بوفد كبير منهم تقرّ له عينه ويطمئن به باله.
وعند العقبة أيضا.. اجتمع الرسول ﷺ بأعضاء الوفد الموسّع الجديد..
كان يضمّ هذه المرة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين.. اتفق معهم سرّا على أن يوافوه في الثلث الثاني من الليل، حين ينام الناس وتغافل العيون.. يتسللون إليه واحدا واحدا واثنين اثنين.. وتمت البيعة الثانية.. البيعة الكبرى.. هذه المرة صريحة واضحة مكتملة، على كل جوانب الإسلام، سلما كان أم قتالا- بعد أن أذن الله لرسوله بالقتال- ومدّوا إليه أيديهم مصافحين، ومقسمين بالله الواحد الذي آمنوا به، أنهم سيحمون الرسول ﷺ وينصرونه، وأنهم سيرفعون السلاح مدافعين بوجه أية قوة في الأرض، سوداء كانت أم حمراء، تسعى إلى الفتك به وبدعوته وأصحابه، وسأله أحدهم: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال- يعني اليهود-
стр. 110
حبالا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم الرسول ﷺ وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم «١» ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم «٢» .
وقبل أن يرجعوا اختار الرسول ﷺ من بينهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس «٣» ، ليشرفوا بأنفسهم على سير الدعوة في يثرب، حيث استقام عود الإسلام هناك وكثر مثقفوه، وحيث أراد الرسول- بفقهه العميق لأساليب الدعوة- أن يشعرهم أنهم لم يعودوا غرباء لكي يبعث إليهم أحدا من غيرهم، وأنهم غدوا أهل الإسلام وحماته وأنصاره، ثم قال لهم: ارفضّوا إلى رحالكم، فقال له أحدهم، وقد شعروا أن نبأهم بدأ يتسرب إلى قريش: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا!! فأجابه رسول الله: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم «٤» .
خطوات محكمة، واستخدام حصيف للإمكانات، وفقه عميق لخطوات الحركة.. يرافق هذا كله هدي السماء الذي لم يفارق خطى الرسول لحظة، والذي ساق إليه- بما أوجده من ظروف صعبة في يثرب- هذه الوفود التي جاءت تحمل إليه ما كان يرجوه ويعمل على تحقيقه جاهدا.
«رجعنا إلى مضاجعنا- يقول أحد المبايعين- فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم! فانبعث من هناك، من مشركي قومنا، يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه! - وبعضنا ينظر إلى بعض- وقد صدقوا، لم يعلموه!» .
«ونفر الناس من منى.. وتأكدوا صحة الخبر، فخرجوا في طلب القوم فلم يدركوا، وكانوا قد رحلوا، سوى اثنين: سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو-
стр. 111
وكلاهما كان نقيبا- فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه وأوثقوه رباطا ثم اقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه من شعره الكث» ... لكنه سرعان ما تذكر اثنين من تجار المشركين، كان يجيرهما لدى مرورهما بيثرب ويمنعهما ممن كان يريد ظلمهما هناك، فاستجار بهما فهرعا إليه وخلصاه من أيدي القرشيين، فانطلق إلى يثرب ليلحق برفاقه الذين سبقوه إليها «١» ، وراحت قريش تشدد قبضتها على المسلمين في مكة وتزيد من اضطهادهم، بعدما رأت من تجاوب أهل يثرب معهم «فأصاب المسلمين جهد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، وكانت فتنتين، فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة.. وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة» «٢» .
[٢]
أصدر الرسول ﷺ أوامره إلى أصحابه بأن يبدأوا هجرتهم، مختفين، متفرقين قدر الإمكان.. وبدأت طرقات مكة وبيوتها وأزقتها ونواديها تشهد يوما بعد يوم غيابا مستمرا لأصحاب الرسول ﷺ .. أما هو ﷺ فكان ينتظر تأمين هجرة أصحابه.. ثم يبدأ هو ومن سيختارهم للبقاء معه، خطواته صوب المدينة ريثما يتلقى إشارة الوحي الأمين بالتحرك.
وفتح القرشيون يوما أعينهم على مكة وقد أقفرت من المسلمين!! لقد غادروها صوب المهمة التي تنتظرهم مخلفين وراءهم أموالا وبيوتا ونساء وأطفالا وشيوخا ومتاعا كثيرا ... إن الهدف الذي تحركوا من أجله أغلى وأثمن من الأموال والبيوت والمتاع، وأكثر إلحاحا من تلبية مطالب جسدية أو حياتية أو اجتماعية.. إنهم مستعدون لأن يبذلوا أرواحهم ودماءهم في سبيل هذا الهدف الذي ينتظرهم هناك في نهاية الهجرة، فكيف لا يتخلون عن الأموال والنساء والمتاع؟
وها هي رؤوس قريش تجتمع في (دار الندوة) قبل أن تفلت الفرصة من أيديهم ولات حين مندم.. وطرحت آراء باعتقال الرسول ﷺ وتكبيله بالأغلال أو
стр. 112
بنفيه بعيدا في منقطع الصحراء، وفي الحالتين كان صوته سيصل، مجتازا الحواجز والعوائق، ومن ثم فإن رأيا بقتله وتفريق دمه بين القبائل هو الذي حاز الموافقة والإعجاب. إنهم إن استطاعوا قتل الرسول ﷺ ، فقد استطاعوا قتل الدعوة التي لم تستكمل أسبابها بعد.. وإن طالبتهم بنو هاشم بدمه فسيشيرون إلى العشائر جميعا وإلى سيوف أبنائها حيث تقطر دماء الرسول!!
ويجيء أمر الله يحمله الوحي إلى الرسول: تحرك يا محمد. كانت تلك هي الإشارة التي ينتظرها الرسول ﷺ بفارغ الصبر، لكن شوقه للهجرة، وتحرقه لأن يضع خطواته على الأرض الموعودة حيث أصحابه القدامى والجدد ينتظرونه على أحرّ من الجمر.. ورغم يقينه الكامل بأن الله معه يرعاه، ويسدّد خطاه، فإنه لم يتعجل الحركة، ولم يرتجل الخطوات. كان عليه أن يخطط للهجرة، مستخدما كل ما وهب من إمكانات الفكر والبصيرة والإرادة.. لأنه بهذا وحده يستحق نصر الله ووعده.. وإلا فلأي شيء منحنا الله بصائر وعقولا وحرية وقدرة على التحرك والتخطيط؟ وما أبرع البرنامج الذي رسمه رسولنا ﷺ من أجل أن يصل إلى الهدف بأكبر قدر ممكن من الضمانات!!
انتقى من بين أصحابه أول اثنين أسلما في تاريخ الدعوة: أبا بكر وعليا ﵄، واستبقاهما لكي يؤديا الأدوار التي رسمت لهما في حركة الهجرة. أما علي فلكي يؤدي مهمة مزدوجة.. الإيهام ورد الأمانات إلى أهلها، وقال له الرسول ﷺ «نم على فراشي، وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» «١» . ورب قائل يقول: إن وراء الهجرة هدفا أكبر بكثير من التمسك بجزئيات أخلاقية قد يسمح الظرف الخطير بتجاوزها. لكن منطق رسول الإسلام شيء آخر.. ما الفرق بين الإسلام وبين المبادىء الآخرى إذا كان هو متأسيا بها في تخليه عن أخلاقياته في ساعات المحنة والخطر؟ وماذا سيقول المشركون لو غادر (الأمين) مكة دون أن يردّ إليهم أمانتهم،؟ ما أسرع ما يمكن أن يتهموه، حيث يأكلهم الغيظ: الأمين تحول إلى سارق، وضاعت الأمانة.. وحاشاه!
أما أبو بكر فقد اختير ليكون رفيق النبي وأخاه في هجرته.. تسلل إليه
стр. 113
الرسول في ضحى أحد الأيام، على غير عادته في التردد على داره صباحا أو مساء.. خطوة من خطوات الإيهام والتدبير بأولئك الذين يريدون أن يمكروا به..
ودهش أهل الدار لمجيء الرسول في وقت لم يعتادوه، لكن الرسول ﷺ لا يلتفت إلى دهشتهم، بل يتجه إلى رفيقه فورا ويطلب منه أن يخرج ابنتيه من المكان، فيطمئن أبو بكر الرسول بأنه ليس ثمة ما يخشى، ويتكلم الرسول ﷺ :
«إن الله أذن لي في الخروج والهجرة» فيرد عليه الصديق وهو يهتز فرحا: «الصحبة يا رسول الله؟» فيجيبه الرسول: «الصحبة» . وتقول عائشة: «فو الله ما شعرت قط، قبل ذلك اليوم، أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبي يبكي يومئذ» !!
ومعا استكملا الخطة ووضعا الأسباب، وتركا- من ثم- مصيرهما ومصير الدعوة لله، صانع المصائر ومقدر الأقدار ... التسلل من شباك خلفي على غفلة من قريش.. التوجّه جنوبا على طريق اليمن واللجوء إلى إحدى مغارات جبل ثور هناك.. التوقف عن السير ثلاثة أيام ريثما تخف محاولات القرشيين المستميتة في البحث عن الرسول، ثم الانطلاق- بعد ذلك- صوب يثرب في طريق وعر غير مطروق، يعينهما في ذلك دليل ماهر من المشركين أنفسهم، اختير اعتمادا على كفاءته العالية كدليل، وعلى أمانته التي لا بد وأن يكون الرسول ﷺ قد سبر أغوارها، أما أنباء تحركات القرشيين ومطارداتهم فسيأتيهما بها عبد الله بن أبي بكر، وأما توفير الطعام فسيقوم به راعي أبي بكر، عامر بن فهيرة، الذي كلّف بإراحة الأغنام عند الغار مساء كل يوم كي يحتلبها المهاجران ويشربا من لبنها..
كما كلفت أسماء بتوفير الطعام في المرحلة التالية من الهجرة، وأما آثار الأقدام الذي سيخلفها عبد الله بن أبي بكر لدى ذهابه وإيابه، والتي تقود إلى الغار مباشرة فإن هناك راعي أبي بكر يعود في الأمسيات في أعقاب عبد الله لكي تطمس حوافر الأغنام على خطوات الرجال!!
خطة محكمة ورائعة.. ولا يبقى إلا أن يتنزل نصر الله على قادة استكملوا كل الأسباب التي منحهم الله إياها.. إنه التوافق المنغم الرائع، الذي تحدثنا عنه، بين مشيئة الله وإرادة الإنسان، وبين هدي الله وخطوات عباده الأبرار..
стр. 114
[٣]
وفي تجربة الهجرة يتنزل نصر الله، فعلا مباشرا مرئيا، ثلاث مرات.. فيما عدا خط الهجرة والتاريخ كله حيث إرادة الله التي لا رادّ لها.. لكننا هنا نريد أن نشير إلى أفعال الله المباشرة في هجرة رسوله ﷺ . مرة لدى مغادرته داره في أعقاب ليل مريع، أحاط أبناء القبائل المسلحون طيلة ساعاته بدار الرسول ينتظرون اللحظة التي سيطيحون فيها برأسه ويفرقون دمه بين القبائل.. إلا أن هذه اللحظة السوداء لم تجىء ولن تجيء. لقد فتح الرسول ﷺ الباب على مصراعيه وراح يقرأ آيات من سورة يس:
يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «١» !! .. وعبر هذا السدّ الذي أغشى به الله أبصار المشركين انطلق الرسول ورفيقه إلى الهدف.. على الصراط المستقيم.
ومرة أخرى عند الغار.. وما أخطر ساعات الغار بأيامها ولياليها. لقد رأى أبو بكر بأم عينيه نعال المشركين المطاردين الحانقين تخفق عند أسفل الغار، فارتعد فرقا.. ليس على نفسه، فما أهون النفس على أصحاب رسول الله، وعلى رفيقه وصدّيقه بالذات! لكن على الرسول نفسه، وعلى ما يمثله الرسول. فيهمس في أذنه «لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا!!» ، ويجيء رد الرسول منبثقا عن تلك اللحظات العليا حيث يقف الله مع عباده يدفع عنهم: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» .. وتطيش ألباب المشركين، وعبثا يرهق مقتفو الآثار أنفسهم.. إن الرسول ورفيقه في حماية الله.. وكفى.. ودون الوصول إليه المستحيل.. ولو اجتمعت جنود الأرض كلها عند الغار تطالب برأسه.. وما أروع كلمات الله وهو يعلن هذه الحماية التي لا حماية بعدها: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٢» .
стр. 115
ومرة ثالثة في الطريق إلى يثرب، بعد ثلاث ليال من المكوث في الغار.. إن (سراقة بن مالك) الذي خلبت لبّه الجائزة التي رصدتها قريش لمن يأتي بالرسول حيا أو ميتا، يلهث الآن ركضا وراءها، بفرسه المنطلقة ورمحه المصوب إلى هدفه.. إن سراقة كألوف من الأعراب، بل كألوف من الناس، نلتقي بهم في كل مكان وزمان.. أولئك الذين ما أن تبرق أمام أعينهم قطع النقود، وتطرق أسماعهم أصوات الذهب والفضة وهي ترن، حتى يصبحوا على استعداد لأن يبيعوا مبادئهم وضمائرهم وشرفهم وعرضهم، من أجل أن يصلوا إلى قطع النقود ويضعوا أيديهم على أكوام الذهب والفضة.. إنهم موجودون في كل مكان وزمان. ولذا كانت خير وسيلة للإتيان بالزعماء الهاربين من وجه الظلم والطغيان هو أن يعلن عن جائزة قدرها ( ... ) لمن يأتي بالهارب حيا أو ميتا ... لكن إرادة الله لن تدع الرغائب السافلة تطغى على الأهداف العليا ... إن هذا الطغيان يحدث- يوم يحدث- عندما يتخلى أصحاب الأهداف الكبيرة عن حشد طاقاتهم والتخطيط العاقل لخطواتهم، والتلقي الكامل عن خالقهم، حينذاك تغدو كل آمالهم وتمنياتهم كالزبد الذي يذهب جفاء ولا ينفع الناس.. أما والرسول قد استكمل الأسباب فإن سراقة تعثر به فرسه وتمرغه بالتراب، كلما اقترب من هدفه، مرة ومرتين.. فيطلب الأمان.. إنه الآن لا يطارد رجلين مرهقين، قد عصرهما الجوع، وأرهقهما السفر الطويل، والتشرّد.. لكنه يقف بإزاء جند الله التي لا ترى، فأنى له ما يريد؟ إنه بعد دقائق يلوي زمام فرسه ويقفل عائدا.. وكلما رأى أحدا من اللاهثين كالكلاب الجائعة ردّه قائلا: كفيت هذا الوجه. وذلك ما طلبه منه الرسول!.
ويحدثنا جماعة من الأنصار عن أيام الانتظار القلقة التي سبقت وصول الرسول ﷺ فيقولون «لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرّتنا، ننتظر رسول الله ﷺ فو الله لا نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارّة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا. وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع، وإنا ننتظر قدوم رسول الله ﷺ علينا، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا
стр. 116
جدكم «١» قد جاء!! فخرجنا إلى رسول الله ﷺ في ظل نخلة ومعه أبو بكر ﵁ في مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ قبل ذلك، وازدحم عليه الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ فقام أبو بكر فأظلّه بردائه فعرفناه عند ذلك» «٢» . وقال البراء «جاء النبي ﷺ إلى المدينة في الهجرة، فما رأيت أشد فرحا منهم بشيء من النبي ﷺ ، حتى سمعت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء.. قد جاء» «٣» .
وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول (٢٤ أيلول ٦٣٢ م) من السنة الثالثة عشرة للبعثة، وصل الرسول وصاحبه يثرب حيث جرى لهما استقبال حافل من قبل أولئك الذين انتظروا رسولهم طويلا.. وها هي تكبيراتهم تشق أجواء الفضاء.. إنهم سيبدؤون معه، وبه، ومن أجله وأجل دعوته، عهدا جديدا كتب لهم شرف وضع أسسه التي سيقوم عليها البناء.. الدائرة الثانية من دوائر الدعوة، دائرة الدولة التي ستحمي المسلمين أفرادا وجماعات، وستمنح الإسلام خطوات حاسمة وسريعة في طريق النصر.. فلا عجب أن يخرج الأنصار بأسلحتهم يستقبلون الرسول، فها هم أولاء الجنود الذين سينضمون إلى إخوانهم المهاجرين، وسيبنون معا، بقوة العقيدة والسلاح، الدولة التي ستصنع حضارة تشرف الإنسان، في كل مكان، وتباركه، وتضعه موضعه الحق الذي أراده له الله عندما استخلفه ومنحه السيادة على العالمين.
إن اليوم الثاني عشر من ربيع الأول هو نهاية حركة حاسمة من أجل إقامة (الدولة) لكنه في الوقت نفسه بدء حركة حاسمة أخرى من أجل تعزيز الدولة وإقامة (الحضارة) تماما كما كانت بعثة الرسول- في البدء- حركة صوب تكوين (الإنسان) صانع الدول والحضارات!!
стр. 117
[٤]
ولن نغادر حركة الهجرة قبل أن نستمد منها تعاليم أخرى قد تعيننا على فهم وتفسير تاريخ البشرية عامة وتاريخنا الإسلامي على وجه الخصوص.. إن أي حدث تاريخي- كما يتضح من خطوة الهجرة- إنما يجيء تعبيرا عن إرادة الله التي تصوغه من خلال إرادة الإنسان، أو مباشرة، عن طريق اتصالها بالزمن والتراب، ولا يمكن دراسة تاريخ الكون والطبيعة، وتاريخ البشرية والأحياء إلا من هذا المنطلق.
إن الفعل الإلهي يتخذ أشكالا ثلاثة لخلق الحدث وصياغته، أولها مباشرة الفعل التاريخي (كما حدث في تجربة الهجرة، في تلك اللحظات التي كان الرسول يجابه فيها موقفا يتعدى حدود قدراته وإرادته وتخطيطه) ، والشكل الثاني يتم عن طريق ما يمكن تسميته بالسببية التاريخية، أي تهيئة الأسباب لتوجيه الأحداث هذه الوجهة أو تلك.. وقد تكون هذه الأسباب مادية طبيعية أو حيوية إنسانية، وقد تجيء على شكل مجموعة من السنن التي تنظم حركة الكون والحياة والإنسان، والتي تفرض حتمية قانونية على بعض أحداث التاريخ (وقد رأينا في تجربة الهجرة كيف هيّأ الله سبحانه الأسباب لأن تكون يثرب الأرضية التي تقوم عليها دولة الإسلام، ولأن يكون أبناؤها الطّاقات البشرية التي تنصر هذه الدولة وتحميها ريثما يتم البناء) . أما الشكل الثالث للفعل الإلهي فيجيء عن طريق الحرية الإنسانية ذاتها، والتي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلق الأفعال والأحداث.
لقد منح الله الحرية للإنسان، ابتداء، لكي يصنع تاريخه الفردي والجماعي، ولكي يشكل مصيره فردا وجماعة، اعتمادا على ما ركب في وجوده من قوى العقل والإرادة والانفعال والحسّ والحركة (وهذا يبدو في تجربة الهجرة من خلال تلك الخطط الاجتهادية التي وضعها الرسول ﷺ والتي قدمت لحركته صوب إقامة الدولة، ضمانات حاسمة في طريق النصر) . والإنسان بدوره، عندما يستخدم حريته لصناعة الحدث وتوجيه المصير إنما يعتمد على مقدمات لا يمكنه بحال الاستغناء عنها؛ الزمن، التراب، ثم التعاليم والقيم والأعراف والتقاليد، وضعية كانت أو دينية.. وها هو الرسول في هجرته ينسّق خطواته صوب هدفه، مستخدما هذه العناصر الثلاث، متخذا منها عجينته في صياغة الحركة وضمان الأهداف.
إن معظم مذاهب التفسير التاريخي، وضعية كانت أو دينية، قدمت معطياتها
стр. 118
متخطية الإجابة عن هذا السؤال المهم: ما هي العلاقة بين الله سبحانه وبين الطبيعة، بما فيها القوى المادية، والإنسان بما أنه روح ومادة، في صنع التاريخ وإقامة الحضارات؟ وهل من المحتم أن تتكىء أحداث التاريخ على عامل واحد من هذه العوامل الثلاث ويلغى العاملان الآخران، أو على الأقل يغدوان ظلالا باهتة لفاعلية العامل الرئيسي؟ ولماذا هذه الجدران التي أقيمت بين الله والطبيعة والإنسان؟!
إن معظم مذاهب التفسير تخطّت الإجابة عن هذا السؤال تاركة في طريقها ثغرة عميقة، ومنغلقة، في بحثها عن الفرضية الخاطئة التي تمنح صفة الفاعلية لعامل واحد وتلغي العوامل الآخرى إلغاء.. ومن ثم برز التفسير السحري (الميتافيزيقي) للتاريخ وتطور ليعبر عن نفسه بالتفسير اللاهوتي الذي ساد تفكير مثقفي العصور الوسطى الأوروبية، كما برز التفسير الفردي (البطولي) للتاريخ، والتفسيرات الطبيعية التي بلغت أقصى حدتها بالمادية التاريخية التي يصفونها (بالعلمية) !!
ولقد أدرك بعض فلاسفة التاريخ المعاصرين، وعلى رأسهم أشبنغلر وتوينبي وكيسرلنج والناقد كولن ولسون، أبعاد هذا الخطأ، فعادوا خطوة متمعنة إلى الوراء لكي يجيبوا على السؤال الأول، ويجتازوا- من ثم- طريقا مرصوفا لا ثغرات فيه. والحق أن التفسير الحضاري، تقدم خطوات في هذا المجال، خطوات تتسم إلى حد ما- بالاتزان والتعقل والموضوعية والشمول الذي يستند إلى نظرة كلية وإدراك عميق لمقومات الحدث التاريخي، ولكن الموقع الذي رصد منه هؤلاء التاريخ وفلسفوا حركته، تقف أمامه كثير من المرتفعات كسدود وحواجز تمنع الرؤية الكاملة والحكم الشامل الصحيح كما أن التجربة النفسية التي لامسوا بها أحداث التاريخ تحمل الكثير من عناصر الذاتية المزدوجة والتأثيرات العلمانية، لذا فإنهم لم يقدروا على إعادة الالتئام الكامل بين فاعلية العوامل الثلاث، وأبقوا بعض الجدران المزيفة، مرئية وغير مرئية، بين الحضور والغياب، والله والإنسان، والمادة والروح، والطبيعة وما وراء الطبيعة.
صحيح أنهم أعلنوا أن الحدث التاريخي لا يمكن أن تصنعه قوة واحدة، لأن أية (حركة) تاريخية إنما هي نتاج لقاء خلاق بين الله والإنسان والطبيعة- بما فيها الزمن- وأن إغفال أي عنصر منها إنما هو جهل بالأسس الحقيقية لحركات
стр. 119
التاريخ.. لكنهم لم ينجوا من الوقوع في أسر المذهبية المحدودة، والنظرة الذاتية، واضطراب التجربة النفسية في عملية الاستشراف والاستقراء التاريخي، الأمر الذي أدى إلى تأرجح مواقع رؤياهم، والوقوع بالتالي في كثير من الأخطاء، ليس هذا بطبيعة الحال مجال سردها وتحليلها.
إن هجرة الرسول ﷺ تعلمنا كيف يرتبط تاريخ الدعوات بالحركة.. حركة الإنسان الفرد وحركة الجماعة، كما تعلمنا أنه ليس من المحتم أبدا أن تكون (الحركة) صدورا عن صراع النقيضين كما أكد هيغل وماركس وغيرهما، بل إنها في كثير من الأحيان تجيء بمثابة استجابة داخلية، مقرونة بعمل خارجي، لنداء من فوق.. إن هذا الحوار بين القيم العليا والوجود السفلي هو الذي يحرك- في أحيان كثيرة- أحداث التاريخ على خط صاعد.
إن المثل الأعلى كان دائما بمثابة هدف يتحرك إليه الذين يتخبطون من تحت أو الذين يتقلبون في الظلمات، أو الذين يتعذبون بشتى صنوف العذاب وتمنعهم القوى المضادة من تحقيق أهدافهم (والهجرة تمثل حركة هذه الجماعة الأخيرة) .. إن بحث الضائعين والحائرين والمعذبين والمأسورين، عن النجاة، عن مثل أعلى، عن هدف يطمحون للوصول إليه.. هذا البحث الجاد كان في معظم الأحيان المحرك الذي يسوق الأفراد والجماعات إلى مصائرهم، ويصنع تاريخهم.. وإذن فإن من الخطأ والتزييف أن نصدر حكما على كل حركات التاريخ بأنها جاءت نتيجة لصراع النقيضين..
إن (الصراع) نفسه يتخذ أشكالا عديدة لا تقتصر على تقابل الضدين وتغلّب أحدهما على الآخر.. إنه يبدو- أحيانا- إرادة ذاتية تسعى إلى التوحد والإئتمان الذاتي في وجدان الإنسان ومع المحيط الخارجي، ويبدو أحيانا أخرى رغبة فعّالة في تحقيق تفاهم متبادل وسلم عام بين الإنسان والوجود.. وهو يبدو أحيانا ثالثة عملية استقطاب للقوى والطاقات، وتنظيم لها، وحماية لمقدراتها من أجل أن تصبّ جميعا في مجرى المبادىء الجديدة والدعوات الكبرى (كما حدث في تجربة الهجرة) ، وكل هذه الأشكال من الصراع لا نجد فيها تقابل نقيضين بقدر ما نجد محاولة للالتئام والتوحد والاستقطاب والتجمع.. وبعد هذا- وخلاله أيضا- لا بدّ للحركات أن تجتاز صراعا بين النقائض، لكنها نقائض من مستويات شتى:
نفسية وفكرية وعقيدية ووجدانية وعرفية واجتماعية وسياسية واقتصادية.. إلى
стр. 120
آخره.. بمعنى آخر إنها نقائض بشرية، فيها كل ما في الإنسان من مكونات روحية ونفسية ومادية.. ومن التزييف لتاريخ الحركات أن نقصر النقائض على جانب فحسب هو الجانب العقلي (كما عند هيغل) أو المادي الاقتصادي (كما عند أنغلز وماركس) ، لأن هذين الجانبين لا يغطيان كل مساحة الفاعلية الإنسانية التي تنبثق عن رغبة إرادية شاملة في مصارعة كل ما يتعارض مع إرادتها ووجودها وأهدافها، مادية كانت أو روحية «١» .
стр. 121
الفصل الخامس دولة الإسلام في المدينة
بدأ الرسول ﷺ منذ دخوله المدينة يسعى إلى إنجاز المهام الملقاة على عاتقه في مطلع المرحلة الجديدة من الدعوة والتي تستهدف إنشاء (الدولة الإسلامية) على أسس راسخة وتهيئة كافة الشروط والمتطلبات لتحقيق هذا الهدف. ولقد كان بناء المسجد الخطوة الأولى على هذا الطريق ثم أعقبه إصدار (الوثيقة) والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وتشكيل جيش إسلامي مقاتل يمتلك القدرة على حماية الدولة الناشئة والمساعدة على تحقيق أهدافها في الوقت نفسه.
[القواعد الأولى لدولة الإسلام في المدينة]
أولا: المسجد:
دخل الرسول ﷺ المدينة في ضحى يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول بعد ثلاث عشرة سنة من مبعثه وكان راكبا ناقته (القصواء) وكلما مر بعشيرة من أنصاره رجوه أن ينزل فيهم وقالوا: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة فيجيبهم: خلوا سبيلها- أي الناقة- فإنها مأمورة، فجاوزت به بني سالم بن عوف وبني بياضة وبني ساعدة وبني الحارث بن خزرج وبني عدي بن النجار، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت في المكان الذي بنى فيه الرسول ﷺ مسجده، وكان يومئذ مربدا «١» لغلامين يتيمين من بني النجار يربيهما معاذ بن عفراء، فنزل عنها الرسول ﷺ وحمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله ووضعه في بيته حيث نزل عليه الرسول ﷺ ضيفا لحين إتمام بناء المسجد والحجرات التي أقام فيها الرسول وأهله بعد قليل. وعندما سأل عن المربد لمن هو؟ أجابه معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان وسأرضيهما عنه فاتخذه مسجدا «٢» .
стр. 122
أصدر الرسول ﷺ أمره في البدء ببناء المسجد وأسهم بنفسه في العمل جنبا إلى جنب مع المهاجرين والأنصار، وعندما رأى هؤلاء رسولهم الكريم يجهد كما يجهدون نشطوا في أداء المهمة وراحوا ينشدون:
لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
لا عيش إلا عيش الآخره.. ... اللهم ارحم الأنصار والمهاجره
فيجيبهم الرسول ﷺ :
لا عيش إلا عيش الآخره.. ... اللهم ارحم المهاجرين والأنصار «١»
كان أسعد بن زرارة الأنصاري قد بنى- قبيل هجرة الرسول ﷺ جدارا حول المربد دونما سقف وجعل قبلته إلى بيت المقدس وراح يصلي فيه بأصحابه حتى مقدم الرسول ﷺ الذي بدأ بأن أمر أصحابه باقتلاع ما في الباحة من نخيل وأشجار وتصريف ما فيها من ماء آسن وبدأ بناء المسجد باللبن فجعله مربع الشكل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وعرضه كذلك وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع أقيم اللبن فوقها، وجعل قبلته صوب بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب، وجيء بجذوع الأشجار ليقام عليها سقف متواضع من جريد رغبة من الرسول ﷺ في إنجاز العمل بأسرع وقت، وإلى جانب المسجد أقيم عدد من الحجرات سقفت هي الآخرى بجذوع النخل لسكنى الرسول وأهله «٢» .
وسرعان ما غدا (المسجد) رمزا لما يتسم به الإسلام من شمولية وتكامل، فقد أصبح مركزا روحيا لممارسة الشعائر وأداء العبادات، ودائرة سياسية عسكرية لتوجيه علاقات الدولة في الداخل والخارج، ومدرسة علمية وتشريعية يجتمع في ساحاتها أصحاب الرسول ﷺ وتدار في باحاتها الندوات وتلقى على منبرها المتواضع التعاليم والكلمات، ومؤسسة اجتماعية يتعلم المسلمون فيها النظام والمساواة ويمارسون التوحد والأخاء والانضباط. ومما لا ريب فيه أن (نقص)
стр. 123
أموال الدولة الإسلامية في سنيّها الأولى وانشغالها الدائم في الداخل والخارج لم يمكنها من بناء وإنشاء مزيد من المؤسسات المتخصصة لكي تمارس كل منها المهمة التي عهدت إليها، الأمر الذي جعل المسجد يزدحم بالوظائف والمهام ويغدو- على بساطته- (مجمعا) تلتقي فيه وتصدر منه كافة عمليات الحكومة وجزآ مهما من نشاطات الجماعة الإسلامية في علاقاتها الداخلية والخارجية على السواء.
لقد كان بناء المسجد هو الخلية الأولى للبناء الاجتماعي للأسرة والجماعة بوصفه أداة صهر المؤمنين بالإسلام في وحدة فكرية واحدة من خلال حلقات العلم والقضاء والعبادة والبيع والشراء وإقامة المناسبات المختلفة.. فلم يكن المسجد معبدا أو مقرا للصلاة وحدها بل كان شأنه شأن الإسلام نفسه متكاملا في مختلف جوانب الدين والسياسة والاجتماع «١» .
ثانيا: الصحيفة:
كانت خطوة الرسول ﷺ الثانية في المدينة إصدار وثيقة نظم بموجبها العلاقات بين المجتمع المسلم الجديد نفسه وبينه وبين الكتل البشرية التي تعايشت في المدينة وبخاصة اليهود، وقد جاء فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس ...
وأن المؤمنين لا يتركون مغرما «٢» بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة «٣» ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافرا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض من دون الناس، وأن من تبعنا من يعود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ... وأنه لا يجير مشرك مالا لقرشي ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن.. وأنه لا يحل لمؤمن أقر ما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا «٤» ولا يؤويه.. وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا
стр. 124
محاربين.. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم- مواليهم وأنفسهم- إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ «١» إلا نفسه وأهل بيته.. وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وإنه لا ينحجز على ثأر جرح.. وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم.. وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.. وأنه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ... وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، إلا من حارب في الدين.. وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج أمن ومن قعد أمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم) «٢» .
إن نصوص الصحيفة توافق القرآن الكريم في المبادىء العامة من حيث اعتبار المسلمين أمة واحدة من دون الناس، ومن حيث التراحم والتعاون بينهم، ومن حيث الاحتفاظ برابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق الموالاة، ثم من حيث مراعاة حقوق القرابة والصحبة والجوار، كذلك تحديد المسؤولية الشخصية والبعد عن ثارات الجاهلية وحميتها وفي وجوب الخضوع للقانون ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف بالأمور، وفي شؤون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديا، كذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث أو إيوائه «٣» .
إن الصحيفة أعطت صفة للجماعة الإسلامية فقررت أنهم أمة واحدة من دون الناس.. وبهذا التقرير ألغى النبي الحدود القبلية أو على الأقل لم يجعل لها وجودا رسميا بالنسبة للدولة، أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدد وبهذا أصبح الإسلام ملكا لمن دخل فيه، فدخل بناء على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام دون أن يضع الرسول أمامها عقبات تحول بينها وبين الاشتراك
стр. 125
في حياة العالم الإسلامي «١» .
لقد أقرت الصحيفة مفهوم الحرية الدينية بأوسع معانيه وضربت عرض الحائط مبدأ التعصب ومصادرة الآراء والمعتقدات، ولم تكن المسألة مسألة تكتيك مرحلي ريثما يتسنى للرسول ﷺ تصفية أعدائه في الخارج لكي يبدأ تصفية أخرى إزاء أولئك الذين عاهدهم.. وحاشاه.. إنما صدر هذا الموقف السمح المنفتح عن اعتقاد كامل بأن اليهود باعتبارهم أهل كتاب سيتجاوبون مع الدعوة الجديدة وينهدون لإسنادها في لحظات الخطر والصراع ضد العدو الوثني المشترك كما أكدت بنود الصحيفة نفسها- أو أنهم- على أسوأ الاحتمالات- سيكفون أيديهم عن إثارة المشاكل والعقبات ووضع العراقيل في طريق الدعوة وهي تبني دولتها الجديدة وتصارع قوى الوثنية التي تتربص على الحدود. لكن الذي حدث بعد قليل من إصدار الوثيقة، وطيلة سني العصر المدني، غيّر مجرى العلاقات بين المسلمين واليهود وجمد البنود المتعلقة بهم، لا لشيء إلا لأنهم اختاروا (النقض) على الوفاء، والخيانة على الالتزام، والانغلاق على مصالحهم القومية على الانفتاح على الأهداف العامة الكبيرة للأديان السماوية جمعاء.
إن إصدار الوثيقة يمثل تطورا كبيرا في مفاهيم الاجتماع السياسية، فهذه جماعة تقوم لأول مرة في الجزيرة العربية على غير نظام القبيلة وعلى غير أساس رابطة الدم، حيث انصهرت طائفتا الأوس والخزرج في جماعة الأنصار ثم انصهر الأنصار والمهاجرون في جماعة المسلمين، ثم ترابطت هذه الجماعة المسلمة مع اليهود الذين يشاركونهم الحياة في المدينة إلى أمد ولأول مرة بحكم القانون حيث ترد الأمور إلى الدولة، ومن خلال تغيير شامل وتحول سريع طوى الدستور صفحة اجتماعية طابعها القبلية، وفتح صفحة جديدة أكثر إيجابية وأقرب إلى الترابط والتكافل والوحدة الفكرية «٢» .
ثالثا: المؤاخاة:
وخطا الرسول ﷺ خطوته الآخرى التي أراد أن يحل بها الأزمة المعاشية التي اجتاحت المهاجرين بعد مغادرتهم مكة، وينظم علاقاتهم الاجتماعية بإخوانهم الأنصار، ريثما يستعيد المهاجرون مقدرتهم المالية ويتمكنوا
стр. 126
من بلوغ مستوى الكفاية الاجتماعية، فاعتمد أسلوب المؤاخاة والمشاركة بين الطرفين وقال (تاخوا في الله أخوين أخوين) فكان ممن تاخوا- على سبيل المثال- وثبتت لنا المصادر أسماءهم: أبو بكر الصديق مع خارجة بن زهير، عمر بن الخطاب مع عتبة بن مالك، أبو عبيدة بن الجراح مع سعد بن معاذ، عبد الرحمن ابن عوف مع سعد بن الربيع، الزبير بن العوام مع مسلمة بن سلامة، عثمان بن عفان مع أوس بن ثابت، طلحة بن عبيد الله مع كعب ن مالك، سعيد بن زيد مع أبي بن كعب، مصعب بن عمير مع أبي أيوب خالد بن زيد، أبو حذيفة بن عتبة مع عباد بن بشر، عمار بن ياسر مع حذيفة بن اليمان، أبو ذر الغفاري مع المنذر ابن عمرو، حاطب بن أبي بلتعة مع عويم بن ساعدة، سلمان الفارسي مع أبي الدرداء، بلال مع أبي رويحة «١» .
بلغ من تأكيد الرسول ﷺ على المؤاخاة أن ميراث الأنصاري كان يؤول بعد وفاته إلى أخيه المهاجر بدلا من ذوي رحمه من الأخوة أو الأبناء أو النساء..
واستمر ذلك حتى موقعة بدر التي حظي فيها المسلمون بمقادير لا بأس بها من الغنائم والأموال فأنزل الله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، فعاد التوارث سيرته الأولى «٢» .
وقد تلقى الأنصار أوامر الرسول ﷺ بفرح عميق وفتحوا قلوبهم ودورهم لرفاقهم في العقيدة حتى أن الواقدي يذكر بأن الرسول ﷺ لما تحول من بني عمرو بن عوف في قباء إلى المدينة تحول أصحابه من المهاجرين فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم «٣» كما أعلن الأنصار أنهم يهبون الرسول ﷺ كل فضل في خطط بلدهم وقالوا له: إن شئت فخذ منا منازلنا فقال لهم خيرا وخط لأصحابه في كل أرض ليست لأحد أو موهوبة من الأنصار «٤» .
ولما غنم المسلمون أموال بني النضير دعا الرسول الأنصار وذكرهم بما
стр. 127
صنعوا للمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وإثرتهم على أنفسهم ثم قال: (إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله عليّ من بني النضير وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم) فأجابه زعماء الأوس والخزرج: يا رسول الله بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله «١» .
وقابل المهاجرون إيثار إخوانهم وسماحتهم بتقدير كامل وسماحة مماثلة رافضين منذ البدء أن يكونوا إتكاليين على إخوانهم وعالة على أولئك الذين آووهم وقاسموهم.. وليست قصة عبد الرحمن بن عوف مع أخيه الأنصاري سعد بن الربيع سوى مثل واحد من عديد من الأمثلة على هذا التقابل الأخوي العادل في الأخذ والعطاء. روى البخاري أن المهاجرين لما قدموا المدينة آخى رسول الله بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن ثم تبع الغدو.. وما لبث أن جاء يوما وعليه آثار زينة فقال النبي: مهيم؟ أجاب:
تزوجت. فقال: كم سقت إليها؟ قال عبد الرحمن: نواة من ذهب.
لقد كان (الإخاء) تجربة رائدة في تاريخ العدل الاجتماعي، ضرب الرسول ﷺ فيه مثلا على مرونة الإسلام وانفتاحه في الظرف المناسب على أشد (أشكال) العلاقات الاجتماعية مساواة وعدلا، ورد فيه، وفق المنطق الإلهي الذي لا يحابي ولا يداجي، على كل القائلين بأن الإسلام جاء لكي يمثل (إصلاحا) جزئيا للمسألة الاجتماعية لأن (العصر) الذي تصوغه (وسائل الانتاج) لم يتح له أن يتحرك لصياغة عالم جديد من العلاقات لم تسمح المرحلة الانتاجية بعد بصياغته ولم تأمر بها. وسنرى فيما بعد، عبر سني الدعوة الحافلة، المزيد من التجارب الاجتماعية التي تصفع هذا التحليل الخارجي الصارم، تلك التجارب التي لا تقل في خطورتها ودلالتها عن تجربة الإخاء.
стр. 128
روى ابن سعد أن عددا من أبناء القبائل قدموا على رسول الله ﷺ في أعقاب فتح خيبر فكلّم الرسول أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا «١» .
وروى الواقدي أن المسلمين لما فتحوا حصون خيبر وجدوا هنالك متاعا وسلاحا وأثاثا كثيرا «فأما الطعام والأدم والعلف فلم يخمس يأخذ منه الناس حاجتهم» «٢» .
كما يروى أن الرسول ﷺ نادى، خلال حصار الطائف، أن أي عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر. فخرج إليه بضعة عشر رجلا فأعتقهم وسلم كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله «٣» . ويروى أيضا أن الرسول ﷺ استقرض في أعقاب فتح مكة مبلغ ثلاثين ألف درهم من عدد من أغنياء قريش وقسمها بين أصحابه من أهل الضعف، فيصيب الرجل خمسين درهما أو أقل أو أكثر «٤» . ويروي البلاذري أن يهود فدك صالحوا رسول الله ﷺ على نصف الأرض فكان يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل «٥» . وفي رواية أخرى له عن أبيض بن جمال أنه استقطع رسول الله الملح الذي بمأرب فقال رجل: إنه كالماء العد فأبى أن يقطعه إياه «٦» . وفي أنساب الأشراف أن رجلا من بلقين قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو بوادي القرى فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق بالمغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أحد» «٧» . وعن أبي بكر قال: «سمعت رسول الله يقول: إنما هي- أي فدك- طعمة أطعمنيها الله حياتي فإذا مت فهي بين المسلمين» «٨» . وكان عمر بن الخطاب يقول: كان للرسول ﷺ ثلاث صفايا فكانت بنو النضير حبسا لنوائبه وكانت فدك لابن السبيل وكانت خيبر قد جزّأها ثلاثة أجزاء، فجزآن للمهاجرين وجزء كان ينفق منه على أهله فإن فضل رد على فقراء المهاجرين «٩» ، وليست مسألة توزيع أموال بني النضير الكثيرة على فقراء المهاجرين وحجبها عن الأنصار، كي لا تكون الأموال دولة بين الأغنياء فحسب، عنا ببعيدة.
стр. 129
لقد نجحت التجربة لأن الأرضية التي أقيمت عليها والقيادة التي خططتها ونفذتها استكملتا كل شروط النجاح في مجتمع شاب يحكمه مبدأ العطاء قبل الأخذ، وتشده أواصر العقيدة وحدها ويوجهه الإيمان العميق في كل حركاته وأعماله وفاعلياته، ويقوده الرسول (الأسوة) الذي ضرب بتجرده وإيثاره وانسلاخه عن الأخذ وعطائه الدائم مثلا عاليا ومؤثرا يحرك حتى الحجارة الصم لكي تنبجس فيتدفق منها الماء. وأنى لتجربة كهذه أن تفشل وتتعثر والرسول ﷺ يخوض مع أصحابه تجربة الفقر والجوع في سني الهجرة الأولى ويعاني كما يعانون بل أكثر مما يعانون، دون أن يفكر يوما بأن يمتطي (منصبه الأعلى) ليسلك طريقا آخر غير الذي يسلكه أتباعه، فيثري ويفتقرون، ويشبع ويجوعون، ويأخذ ويعطون. أولم يشك له أصحابه يوما الجوع ويكشفوا عن بطونهم التي شد كل منهم عليها حجرا لكي يؤكدوا له ما يعانونه، فإذا به يبتسم وقبل أن يتكلم يكشف عن بطنه فإذا بقطعتين من الحجارة قد شدتا عليها؟
روى البخاري أن أنس بن مالك قال: ما أعلم النبي رأى رغيفا مرققا حتى ألحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط. وعن عائشة قالت: إنّا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في بيوت رسول الله نار، فقال لها عروة ابن الزبير: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء. وقالت لقد توفي رسول الله وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رق لي. وعن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال: يا أبا ذر قلت: لبيك يا رسول الله فقال ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا أموت وعندي منه دينار إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه، ثم مشى فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وقليل ما هم!!
وكانت عائشة ﵂ تقول: «كان لنا جيران من الأنصار نعم الجيران.. كانوا يهدوننا بعض الطعام» ، وصلى ﵇ مرة جالسا من شدة الجوع. قدموا له عصير اللوز فقال: أخروه عني هذا شراب المترفين. وتوفي ودرعه مرهونة عند يهودي اشترى منه ثلاثين قدحا من الشعير أخذها لطعام أهله.
ولم يكن لديه قط قميصان معا، ولا رداآن، ولا إزاران، ولا نعلان. وأهدي إليه من الشام جبة وخفان فلبسهما حتى تمزقا.. وحج في قطيفة لا تساوي أربعة
стр. 130
دراهم. كان يلبس الصوف- أرخص شيء وأكثره إيلاما للجسد- ويخصف النعل ويرقع القميص ويركب الحمار. وكانت له حصيرة ينام عليها، ويبسطها في النهار فيجلس عليها، ولقد نام عليها حتى أثرت في جنبه. وكانت له مخدة من جلد حشوها ليف. وأحيانا ينام على عباءة تثنى مرتين فطوتها زوجته حفصة أربع مرات، فلما نام عليها كان من لينها أن استغرق في النوم حتى فاتته صلاة الليل فنهى حفصة عن ذلك وأمرها أن تعيد العباءة إلى وضعها الأول. ورأت امرأة من الأنصار ما ينام عليه فأهدته مرتبة من الجلد حشوها صوف فأمر عائشة بأن تردها، أمرها ثلاث مرات وعائشة أم المؤمنين وزوجة رسول الله تقول: فلم أردها حتى أمرني ثلاث مرات لأنني كنت أحب أن يكون في بيتي مثل هذا. ولم يكن يحب الفقر ولا يرضى به وكان في دعائه يستعيذ منه. وكان يستطيع أن يملك ثروة جزيرة العرب كلها. وكان يعطي كما وصفه أعرابي (عطاء من لا يخشى الفقر) .
ولو احتفظ بنصيبه من الغنائم كأي فرد من جيشه لكان من أغنياء العرب.. ولكن ما دامت البشرية قد كتب عليها أن تعيش قرونا عديدة وفيها الفقر والغنى فخير نظام تصل إليه هو ذلك الذي يجعل حكامها في جانب الفقراء، فما أبشع أن تجتمع السلطة والغنى في جانب واحد.. وعشرات غير هذه الوقائع والأمثلة..
عشرات «١» .
إن تجربة المؤاخاة نجحت وكان لا بد لها أن تنجح ما دامت قد استكملت الشروط وتهيأت لها الأسباب في القيادة والقاعدة على السواء، وبغض النظر عن عدد الذين تاخوا عشرات كانوا أم مئات أم ألوفا.
وخلال ذلك أخذت الصلاة شكلها النهائي، وفرضت زكاة الفطر، وكتب الصيام، ورسمت الحدود، وفرض الحلال والحرام وحدد الأذان كنداء يدعى به المسلمون إلى الصلوات الخمس وكانوا يجتمعون لمواقيتها دونما دعوة، أما القبلة فقد كانت لأول أمرها متجهة صوب بيت المقدس ثم تحولت إلى الكعبة بعد سنة ونصف من الهجرة «٢» .
رابعا: الجيش:
هنالك أسباب عديدة ومتشعبة تفسر عدم السماح للرسول
стр. 131
صلى الله عليه وسلم بإعلان الجهاد المسلح ضد الوثنية حتى أواخر العصر المكي، وعلى وجه التحديد الأيام التي سبقت بيعة العقبة الثانية، وهذه الأسباب ترتبط ولا ريب بالإسلام كحركة، وبالأرضية أو البيئة التي يتحرك عليها. إذ لم يكن بمقدور الرسول ﷺ أن يسمح لأصحابه بالقتال قبل أن يكتمل نموهم العقيدي ويصل مرحلة النضج، وقبل أن يزداد (عددهم) بما يمكنهم من توجيه ضرباتهم وتحمل الضربات المضادة من جهة أخرى دون أن يتعرضوا للتشتت والفناء، وقبل أن يضع الرسول ﷺ خطواته الأولى صوب بناء (الدولة) التي ستحمل العقيدة الجديدة وتحميها، منتقلا بذلك من مرحلة بناء الإنسان المسلم والجماعة المسلمة والتي استغرقت العصر المكي كله إلى هذا الطور الجديد.
وفي الجهة المقابلة كانت (البيئة) التي يتحرك فيها الإسلام بيئة قبلية تعير اهتماما كبيرا لصلات النسب والقربى، الأمر الذي مكن الرسول ﷺ من أن يجد حماية (طبيعية) في عشيرته بني هاشم التي ذاقت معه- بسبب تقاليد مكة القبلية- أشد تجاربه ألما، والمتمثلة بسني الحصار الصعب في شعب أبي طالب. وكان رفع السلاح بوجه المشركين سيستفز عشيرة الرسول نفسه، ويبعدها عن نصرته فتتركه وأصحابه وحيدين ليس من يحميهم، فتحصدهم سيوف قبائل قريش جميعا. أما وهو ينشر دعوته (سلما) ويتعرض وأصحابه لذلك الاضطهاد الذي لم يصل حد محاولة القتل إلا في اللحظات الأخيرة، فإن ذلك لم يؤدّ إلى إبقاء بني هاشم وأحلافهم إلى جانب دعوته فحسب بل استفز نخوة الكثيرين من رجالات وأبناء القبائل الآخرى للظلم الذي يلحق بأبنائهم وإخوانهم ودفعهم إلى مناصرة الدعوة الجديدة أو الانتماء إليها. وما يقال عن التركيب القبلي للمجتمع المكي، يقال عن جزيرة العرب كلها حيث كانت قبائلها ستقف مرتاحة لزعيمتها قريش وهي تحصد رؤوس مجموعة من بنيها القتلة الذين حملوا السلاح ضد آبائهم وإخوانهم، ومهتاجة مغضبة إزاء الظلم والقسوة والاضطهاد الذي ينصب على الدعاة الجدد دون أن يحملوا سلاحا أو يقتلوا أحدا.. هذا فضلا عن الأمل العميق في هداية قريش وانتمائها إلى الدين الجديد واعتمادها- كأعرق قبيلة في الجزيرة- منطلقا إلى العرب جميعا.
إلا أن مرحلة بناء الإنسان والجماعة المسلمة ما كادت تشرف على نهايتها ويضع الرسول ﷺ خطواته الأولى صوب بناء الدولة الإسلامية في يثرب، وتصعّد
стр. 132
قريش اضطهادها ومقاومتها لأتباع الدين الجديد حتى نزل الإذن بالقتال المسلح، قبيل بيعة العقبة الثانية التي أنهت العصر المكي وفتحت الطريق إلى العصر المدني الجديد.
يقول ابن هشام: «كان رسول الله ﷺ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل.. وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه ومعذب في أيديهم وبين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة أو في كل وجه. فلما عتت قريش على الله ، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه وعذبوا ونفوا من عبده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله لرسوله ﷺ بالقتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له بالحرب وإحلاله له الدماء والقتال قول الله ﵎: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «١» ثم أنزل الله ﵎:
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ... » «٢» .
ورغم أن أتباع الرسول ﷺ كان معظمهم قد مارسوا القتال في جاهليتهم وعرفوا كيف يحملون السلاح ويستخدمونه في ظروف لا (يبقى) فيها من لا يحمل سلاحا، ورغم أن الأنصار الذين قامت دولة الإسلام في المدينة على أكتافهم قد أعربوا للرسول يوم بيعتهم الأخيرة في العقبة عن قدراتهم في القتال وبأسهم في الحرب وقالوا: «نحن أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر» إلا أن الظروف الجديدة التي بدأ الإسلام يجتازها، وتصاعد الموقف الحربي بينه وبين القوى الوثنية وبخاصة في أعقاب الهجرة إلى المدينة، ونزول الآيات القرآنية تؤذن ببدء القتال المسلح، حتّم على الرسول أن ينمّي هذه القدرات وأن يدفع أتباعه إلى
стр. 133
مزيد من التدريب والمهارة العسكرية في مواجهة الأعداء الذين يحيطون بالدولة الجديدة إحاطة السوار بالمعصم. وراح الرسول القائد طيلة العصر المدني يعمل دونما وهن على تعليم أتباعه فنون القتال وتدريبهم على استعمال السلاح رافعا شعارا واضحا لا غموض فيه وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ «١» ، معتمدا في سعيه لتكوين (المقاتل المسلم) على أسلوبين متوازيين: التوجيه المعنوي والتدريب العملي، في أولاهما كان الرسول ﷺ يسعى إلى رفع معنويات المقاتلين، يمنحهم أملا يقينيا بالنصر أو الجنة. ومنذ تلك اللحظات وفيما بعد ظل هذا (الأمل) يحدو الجندي المسلم في ساحات القتال ويدفعه إلى بذل كل طاقاته النفسية والجسدية والفنية من أجل كسب المعارك أو الموت تحت ظلال السيوف مجتازا باستشهاده الخاطف السريع الجسر الذي يصل أرض المعركة بالجنة، حيث الخلود الدائم والنعيم المقيم ولذة القرب من الله سبحانه الذي قال مخاطبا المؤمنين وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ «٢» . وهذا (البذل) الذي شهده تاريخ الإسلام منذ عهد الرسول ﷺ هو الذي كان يفجر طاقات المسلم القتالية ويحيل كلا منهم إلى عشرة مقاتلين. وسنرى الرسول الآن وفيما بعد ينادي أصحابه دوما في لحظات المصير الحرجة بين النصر والهزيمة لكي يهرعوا إلى الحسنيين: النصر أو الجنة..
كان يقول لهم: (جاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم) ويناديهم: (إن الله تعالى يقول: ما من عبد من عبادي خرج مجاهدا في سبيلي إلا ضمنت له أن أرجعه مأجورا غانما.. أو شهيدا أغفر له، وأرحمه، وأدخله الجنة) ويعلمهم: (من أرسل نفقة في سبيل الله فله بكل درهم سبعمائة درهم) ويبين لهم (من أعان مجاهدا في سبيل الله أظله الله يوم لا ظل إلا ظله) ، (من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمهما الله على النار) ، (من جرح في سبيل الله ختم له بخاتم الشهداء له نور يوم القيامة، ويأتي، جرحه له لون الزعفران وريح المسك يعرفه بها الأولون والآخرون ويقولون: فلان عليه طابع
стр. 134
الشهداء) وكان يقول لأصحابه (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها) ، و (مقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في سبيل الله ستين سنة) ، ويقول (حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله) ويقول (من مات ولم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة) ، ويقول (والذي جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتله حتى يقتل فذاك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة) ويناديهم مرارا (إن السيف محاء الخطايا) وإنكم (إذا تركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) «١» .
أما الأسلوب الثاني الذي اعتمده الرسول ﷺ ، وهو التدريب العملي، فقد سعى من خلاله إلى اعتماد كل طاقات الأمة القادرة على البذل والعطاء: رجالا ونساء وصبيانا وشبابا وشيوخا، وإلى التمرس على كل مهارة في القتال طعنا بالرمح وضربا بالسيف ورميا بالنبل ومناورة على ظهور الخيل، كما أكد على ضرورة تعلم القتال في كل ميدان برا وبحرا، تنفيذا لشعار الله وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ على إطلاق القوة.
قال (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) ، والرمي يعني إصابة الهدف.. وحتى العصر الحديث والحروب التقنية تجيء الانتصارات بالدرجة الأولى بمدى مقدرة الجندي على إصابة هدفه بالرصاصة أو القنبلة أو الصاروخ.. وقال (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) دفعا لأصحابه إلى التمرس على الفروسية وتعلّم ركوب الخيل في قتال يلعب فيه الفرسان دورا كبيرا، وقال وكأنه ينظر إلى المدى البعيد حيث ستنساح رقعة دولته إلى أطراف القارات وسواحل البحار والمحيطات، كيف لا وما هي بالدولة الإقليمية أو العنصرية وإنما هي دولة منفتحة على العالم كله، على الإنسان أيا كان هذا الإنسان: (غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر، والمائد فيه كالمتشحط في دمه، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية جميعا) وقال (من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل رقبة محررة) والأمر سواء: سهم ينطلق في سبيل الله وحده من أجل تحرير الإنسان من العبودية للعباد و (عبد) يحرر من سيده لكي يغدو إنسانا.
стр. 135
وقال ﷺ وهو يمزج خطي التربية العسكرية المتوازيين: التوجيه والتدريب والأمل بالنصر أو الجنة، وتقديم الجهد في ساحة القتال أو في الخطوط الخلفية صنعا للسلاح أو إمدادا به (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر، الجنة.. صانعه يحتسبه في عمل الخير والرامي به ومنبله) وشاهد رجل في أطراف المدينة عقبة بن عامر يحمل السلاح ويمارس التهديف راكضا من مكان إلى مكان فسأله (تختلف بين هذين الموضعين وأنت شيخ كبير؟) أجابه الشيخ:
(سمعته يقول: من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا) بهذه اللهجة الحاسمة (ليس منا) ! ذلك أن الذي لا يعرف السلاح ابتداء والذي يعرفه حينا من الوقت ثم ينساه سواء.. على العكس أن هؤلاء الذين يذهبون إلى سوح القتال وهم يحملون سلاحا لا يعرفون كيف يضربون به، سرعان ما يتعرضون للارتباك والرعب فتحصد رؤوسهم ويكونون كارثة على رفاقهم الذين يشل الموقف قدرتهم على استخدام السلاح.
بهذه الإجراآت الأربع وضع القرآن والرسول ﷺ القواعد الأولى لدولة الإسلام في المدينة، وأخذت التشريعات المنبثقة عن هذين المصدرين تنمو وتتسع يوما بعد يوم، لا بطرائق نظرية تجريدية منفصلة عن الحياة والواقع وإنما وفق نفس الأسلوب الذي كانت الآيات المكية تتنزل فيه لكي تبني العقيدة في أذهان ونفوس الإنسان والجماعة المسلمة، وهو أسلوب يرتبط ارتباطا عضويا حيويا بالواقع الحركي والتجربة الحية المعاشة، ومن ثم تجيء معطياته أشد التصاقا بحركة المسلمين ونمو دولتهم، وأكثر التحاما بتجربتهم المحسوسة وواقعهم المعاش، وأعمق فهما وإدراكا لمتطلباتها وأبعادها القانونية والسلوكية، نظرا لمواكبتها لمشاكلهم وتجاربهم اليومية ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم.
لقد بدأت مرحلة بناء الدولة الإسلامية (العقائدية) في أعقاب الهجرة، حيث كانت المرحلة السابقة، مرحلة بناء الإنسان المسلم والجماعة المسلمة، قد اكتسبت ملامحها الأساسية في العصر المكي وغدا المسلمون أفرادا وجماعات على استعداد نفسي وذهني كاملين لتقبل ما سيجيء من تشريعات وما سيفرض من تنظيمات ويوضع من حدود ويرسم من علاقات، بعد أن هيأهم النضج العقيدي
стр. 136
لتقبل كل ما يصدر عن رسول الله و (الإسلام) لله و (الإيمان) به و (التقوى) خلال ممارسته في السر والعلن و (الإحسان) في إنجازه على أحسن ما يكون الإنجاز، دون تردد أو سلبية أو خيانة أو غش أو تملص أو رفض أو تهرب.. إنما هو الخضوع اليقيني المتبصر بأن هذا الذي يتنزل في ميدان التشريع والتقنين إنما هو الحق المطلق والخير الكامل والصواب الذي ليس بعده إلا الضلال المبين.
وقد أتاح هذا التطور المبرمج لسير الدعوة الإسلامية أن يشاد البناء الجديد على أسس متينة متوغلة في أعماق النفس المسلمة على المستوى الفردي والجماعي على السواء، فجاء متماسكا مترابطا ثابت الأركان، فضلا عن أن الإحساس الجديد (بالزمن) و (بالمسؤولية) و (يقظة الضمير) التي غرستها العقيدة الإسلامية في النفوس دفعت المسلم ليس إلى تقبل التشريعات والحدود والأوامر الجديدة وتنفيذها بدقة فحسب بل إلى كسب الوقت والمسارعة في تحويلها إلى وقائع معاشة وتجارب وترجمات يومية وصيغ منقوشة على صفحة المكان والزمان، كما دفعتهم إلى السعي (للإحسان) في الأداء والإبداع في التنفيذ من أجل بلوغ المرحلة القصوى من رضا الله وطاعته، وقد أتاح هذا كله اطرادا عجيبا في نموّ الأجهزة التشريعية للدولة الناشئة وسرعة مدهشة في نزول متطلباتها إلى الشارع والبيت والسوق والمسجد والميدان، الأمر الذي يفسر لنا على المستوى الحضاري الاختزال الزمني المدهش الذي مارسه المسلمون وهم يبنون عالمهم الجديد وحضارتهم المتوازنة.
لقد أسهم القرآن والرسول، جنبا إلى جنب، في رسم الخطط ووضع التشريعات وبناء المؤسسات وتغطية المتطلبات المتزايدة للدولة الجديدة. ولم يكن الدستور (أو الوثيقة) وحدها- رغم خطورتها في هذه المرحلة- هي كل شيء، كما يحاول الكثير من الباحثين أن يصوروا من خلال مبالغتهم «١» ، فالوثيقة
стр. 137
ليست سوى لبنة واحدة في البناء التشريعي الكبير الذي وقع عبء إقامته على عاتق القرآن الكريم قبل كل شيء، هذا إلى أن الكثير مما ورد في الوثيقة لا يعدو أن يكون برنامجا مرحليا بالنسبة للخارطة الثابتة الدائمة لدولة الإسلام واستراتيجيتها التشريعية الشاملة، ومن ثم فإن التأكيد على أهمية الوثيقة، فضلا عن أنه يعد بحد ذاته خطأ تاريخيا وموضوعيا، فإنه يحجب في الوقت نفسه الحجم الحقيقي للتشريع القرآني الذي كان يتمخض باستمرار عن مزيد من القوانين والتشريعات ويقود الباحث بالتالي إلى الرؤية الغربية الوضعية التي تجد في (الوثيقة) محاولة بشرية أولية من المحاولات التي قام بها المشرعون على مدار التاريخ لتنظيم شؤون دولتهم الناشئة، وإنه يجب ألا يغيب عن بالنا أبدا أن الرسول ﷺ لم يكن ينطق عن الهوى وأنه كان يصدر في الخطوط العريضة للدعوة عن وحي الله وأن هذا الوحي يبدو أكمل ما يبدو في القرآن الكريم نفسه، وكل الإنجازات والأعمال الآخرى إنما هي امتداد وتوسيع وتفسير فحسب لهذا الأصل (الإلهي) الكبير.
وثمة مسألة أخرى تجدر الإشارة إليها في هذا المجال، تلك هي إطلاق اسم (دولة المدينة) أو الدولة (اليثربية) على دولة الإسلام الأولى بحكم قيامها بالمدينة المنورة، ذلك أن تعبير (دولة المدينة) قد يسوق ههنا إلى لبس يوهم أن المقصود أنها كانت دولة من النوع الذي يقوم فيه الكيان الإقليمي للدولة على (مدينة) من المدن) City -State (مثل أثينا أو إسبرطة في التاريخ القديم. والحق أن (دولة الهجرة) ارتبطت بيثرب ارتباطا عارضا، ولقد كانت دولة عقيدية عالمية من أول يوم، وكان من الممكن أن تقوم في أي مكان يتبنى الفكرة ويدين للعقيدة «١» ، كذلك فإن الدولة الجديدة في المدينة هي دولة الهجرة لا دولة المهاجرين. فالمهاجرون هنا لا يعمدون إلى إفناء السكان الأصليين أو إجلائهم ولا يقيمون المستعمرات أو يصطنعون الحواجز بينهم وبين سكان المدينة التي انتقلوا إليها. وهكذا لا نجد تجارب توطين الأوروبيين في أمريكا أو أستراليا أو جنوب أفريقيا على اختلاف درجات حرارتها. إنها دولة فكرية عقيدية سكانها المقيمون فيها من قبل والمهاجرون الوافدون سواء في الاعتبار الإنساني والحقوق القانونية.. والعقيدة معروضة على كل إنسان بحكم إنسانيته، أيا كان
стр. 138
موطنه وأيا كانت عشيرته. إنها دولة مفتوحة لا تغلق نفسها على جماعة معينة شأن أية دولة (دينية) أخرى قامت من قبل في التاريخ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» .
إن هذه الدولة فذة في تاريخ البشرية لأنها أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية، وأول هذين المبدأين هو حرية الأديان وهي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية وتسمح بها فحسب بل إنها تتعهد برعايتها. وثانيهما هو مبدأ تعريف فكرة الوطن والدولة في أوسع معانيها تسامحا وإنسانية وهو مبدأ يكفل المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعاداتهم «٢» .
لقد استكملت دولة الإسلام كل مستلزمات البناء القانوني للدولة والذي يقوم على أركان ثلاثة: الأمة، والسيادة الخارجية والداخلية، ثم الإقليم.. ولكنها ما أخذت مكانها ودورها في التاريخ لواحد من هذه الأركان. فلقد قامت (دولة الهجرة) على (أمة) .. ولكنها أمة تقوم على أساس الفكر والعقيدة، فهي (أمة) لا يمكن حصرها أو ضبطها لأنها لا تحدها لغة أو جنس أو وطن، فقد عرض رسول الله ﷺ عقيدته على كل فرد وقبيلة ومدينة استطاع أن يعرض هذه العقيدة عليها، وترك المجال أمام (الإمكانيات الأيديولوجية) لا (الحتمية الجغرافية) . وكان (لدولة الهجرة) (سيادة) داخلية وخارجية.. ولكنها (سيادة) تحققت في واقع الأمر من أول يوم في الإطار المثالي الذي تطلعت إليه فلسفة القانون إلى وقتنا ولم تفلح في أن تجد له سبيلا إلى التنفيذ. فهي سيادة قائمة على الاختيار الحر في اعتناق الفكرة من جانب الأفراد وفي الاجتماع لإقامة الدولة من جانب المجموع، ومن
стр. 139
ثم تأسست سياسة الدولة الجديدة فعلا وواقعا على تقديس الحرية الإنسانية بحيث تكون هذه الحرية هي أساس الدولة الفكري وقانونها الأعلى. وكان لدولة الهجرة (إقليم) اختارته الظروف لها وكان اختيارا موفقا ... لكنها لم ترتبط به ولم تقتصر عليه، وكان من الممكن أن تقوم في أي مكان آخر يقبل الدعوة، مكة أو الطائف مثلا ... ذلك أن الدولة الجديدة دولة (فكرة) والفكرة تجد وطنها في كل مكان يوجد فيه عقل إنسان «١» .
لقد كان من حسن حظ البشرية أن الإسلام تبرأ من أول يوم من حواجز الجنس والأرض واللسان واستهدف قيام الأخوة العالمية بين المؤمنين، «ولما كانت دعوة الإسلام لم تأت من البداية إلى بلد بعينه فإنها كانت خطوة تقدمية إلى الأمام نحو تحقيق ما بذلت المحاولات لتحقيقه من بعد وهو تدويل المجتمع الإنساني ... وبجانب عالمية الدعوة فإن الإسلام أقام نظام (الحج) ونظام (الخلافة) من أجل تحقيق هذا الهدف» «٢» .
إن دولة الإسلام هي دولة (العقيدة) التي قامت منذ البدء على أن السلطة الحاكمة العليا هي الله.. القوة المحايدة التي تقرر المبادىء والموجهات العامة، إذ هي لا تميل مع فرد أو جماعة ولا تنحاز لحاكم أو محكوم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا «٣» .
لقد أعطى الإسلام بمجتمعه الأول ذلك النموذج الذي عاش مدى العصور في نفوس المسلمين وعقولهم مثلا يحتذى وصورة شامخة من صور المثل الأعلى للمجتمع الإنساني السليم المتكامل الذي يقوم على الإخاء والحب والتسامح والتكامل، وليس هذا المجتمع صورة مثالية غير واقعية ولكنه تطبيق أمين لمفهوم الإسلام ومضمونه (وأيديولوجيته) . وما تزال صورة هذا المجتمع الإسلامي الأول باتساقها وصلابتها وسلامتها في فهم مضمون الإسلام ومنهجه، تعطي علامة القوة في تطبيق الإسلام. فمن هذه الجماعة الإسلامية انطلقت (الدعوة الإسلامية) إلى العالم كله، وليس صحيحا ما يدعيه بعض المستشرقين ومن تابعهم من أن سياسة
стр. 140
هذه الجماعة لا تلائم طبيعة العمران أو أنها توفقت إلى رجال يندر اجتماعهم في عصر.. ولم يكن مجتمع المدينة، كما تحاول أن تصوره مختلف كتب السيرة، مجتمع حرب وغزوات وقتال، فلو أننا أحصينا عدد الغزوات الكبرى فيه وأيامها لما تجاوز ذلك في مجموعه بضعة شهور في خلال عشر سنوات. ومن هنا فإن المجتمع الإسلامي في المدينة قد قام فعلا وبنى خلالها دعامتين واضحتين: نظام مجتمع ونظام دولة، كما بنى تشريعا وقانونا» «١» .
стр. 141
الفصل السادس الصراع مع الوثنية (المرحلة الأولى)
السرايا
بدأ الرسول ﷺ فور تثبيت أسس دولته الجديدة في المدينة صراعا (مرحليا) ضد الوثنية العربية وزعيمتها قريش تمثل بشن حروب صغيرة متقطعة ضد القوافل والمواقع الوثنية، أطلق عليها المؤرخون اسم (السرايا) ، استهدفت إرباك قريش وحلفائها وإضعافهم وتحطيم معنوياتهم وضرب نشاطهم التجاري الذي يمثل عصب حياتهم وشريان وجودهم، والحصول على مورد للتموين والتسليح في أعقاب الأزمة المالية التي كان المسلمون يعانونها في مطلع عهدهم بالهجرة. كما استهدفت السرايا إنذار أعداء الدولة الناشئة من غير قريش وحلفائها كاليهود في الداخل وجماعات البدو في الخارج بأن المسلمين قادرون على الرد ومستعدون للتصدي لأي عدوان يستهدف منجزاتهم التي حققوها طيلة أربعة عشر عاما من الجهد والعناء.
ومن جهة أخرى جاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجسّ عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية، ماديا ومعنويا، ويمارس مزيدا من التدريب وتنمية قدراته وطاقته على الصمود.
كانت المجموعة الأولى من السرايا قد انطلقت منذ منتصف السنة الأولى للهجرة. انطلق حمزة ﵁ في رمضان من تلك السنة على رأس ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض قافلة لقريش عند ساحل البحر ولقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل فحجز بينهما مجدي بن عمرو الجهني.. ولم يقع اشتباك وكان
стр. 142
يحمل لواء حمزة في هذه المحاولة رجل يدعى أبا مرثد.
وفي شوال انطلق عبيدة بن الحارث على رأس ستين رجلا من المهاجرين يحمل أمر الرسول ﷺ بالمسير إلى بطن «رابغ» ، فالتقوا بمائتين من المشركين يقودهم أبو سفيان على ماء يدعى «أحياء» ، فوقعت بين الطرفين مناوشات بالسهام دون أن يدخلا في اشتباك مباشر. وفي ذي القعدة خرج سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا مشيا على الأقدام فكانوا يكمنون نهارا ويسيرون ليلا، وفي اليوم الخامس بلغوا الخرّار حيث أمرهم الرسول ﷺ ألا يجاوزوها، وكانت القافلة القرشية قد سبقت سرية المسلمين بيوم كامل فلم يدركوها.
وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول ﷺ بنفسه على رأس عدد من أصحابه مستهدفا قريشا وبني ضمرة حتى بلغ «ودّان» فوادعه بنو ضمرة ثم قفل عائدا إلى المدينة ولم يلق كيدا، ثم ما لبث ﷺ أن استخلف على المدينة أبا سلمة ابن عبد الأسد وانطلق لغزو قريش حتى انتهى به المطاف إلى العشيرة قريبا من ينبع، فأقام بها أياما ووادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم قفل عائدا إلى المدينة. وبعد أيام معدودات من عودة الرسول ﷺ من غزوة العشيرة قام كرز بن جابر الفهري بغارة على مواشي المدينة وإبلها التي تسرح في أطرافها، فلاحقه الرسول بنفسه حتى بلغ وادي (سفوان) قريبا من بدر، وفاته كرز ولم يدركه فرجع إلى المدينة وسميت هذه المطاردة باسم بدر الأولى «١» .
وما أن قفل عائدا إلى المدينة حتى جرد ثمانية مقاتلين (وقيل اثني عشر) من المهاجرين بقيادة عبد الله بن جحش وكتب كتابا وأمره ألا ينظر فيه قبل مسيرة يومين فيمضي لما أمره الرسول به ولا يستكره من أصحابه أحدا. وبعد يومين فتح عبد الله الكتاب السري وقرأ ما فيه:
«إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بوادي نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارها» . وما أن أتم عبد الله قراءة الكتاب حتى قال: سمعا وطاعة. ثم التفت إلى أصحابه وقال: قد أمرني الرسول ﷺ أن أمضي
стр. 143
إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لأمر رسول الله. فأجابه أصحابه جميعا ومضوا حتى نزلوا بنخلة، فمرت بهم قافلة لقريش تحمل تجارة لمكة فهاجموها وقتلوا أحد أفرادها وهو عمرو بن الحضرمي وأسروا اثنين آخرين وقفلوا عائدين بالبضائع والأسيرين إلى المدينة.
وعندما أبلغوا الرسول ﷺ تفاصيل الحادث قال: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم وأوقف التصرف بالأموال والأسيرين وأبي أن يأخذ من ذلك شيئا، فأسقط في أيدي القوم وعنفهم إخوانهم فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وغنموا الأموال وأسروا الرجال، لكن آيات القرآن الكريم سرعان ما تنزلت لتحدد الموقف الحازم إزاء القيادة الوثنية التي كانت قد سبقت إلى انتهاك الأشهر الحرم، فقاتلت المسلمين الجدد فيها وعذبتهم واضطهدتم وفتنتهم عن دينهم، وإنه قد آن للمسلمين أن يردوا على هذا الانتهاك الصريح لأن التشبث بحرمة الشكليات هزيمة لا مبرر لها في ساحة الصراع العنيف بين المعسكرين يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا «١» «٢» .
ويمكن اعتبار سرية عبد الله بن جحش الجسر الذي اجتازه صراع المناوشات بين الإسلام والوثنية صوب القتال المنظم المكشوف الذي بدأته معركة بدر. ذلك أن هذه السرية كشفت، بسبب توغل مقاتليها بعيدا إلى طريق التجارة المكية- اليمنية، مدى خطورة الدولة الناشئة على تجارة مكة خاصة ووجودها الوثني عامة، كما أن الاشتباك الذي وقع بين الطرفين وأدى إلى قتل وثنيّ وأسر آخرين أبان عن رغبة المقاتلين المسلمين برفع السلاح بوجه الوثنية دونما تردد أو مساومة، هذا فضلا عن المنطلق المبدئي الجديد الذي حددته الآيات السالفة والذي ضربت فيه شكليات التقاليد القديمة ونفخت في المقاتل المسلم روحا جديدة دفعته إلى مزيد من المجابهة والصراع والتحدي للقيادة المكية التي كانت
стр. 144
قد سبقت المسلمين- كما بين القرآن- إلى تجاوز الحرمات والاستهتار بالأعراف.
وهكذا يمكننا القول بأن معركة بدر الكبرى لو لم تحدث بسبب غياب شروطها الواقعية لحدثت معركة أخرى بديلة عنها بسبب توافر الشروط الموضوعية للقتال الحاسم بين المعسكرين.
[منجزات السرايا]
حقق الرسول ﷺ بسراياه الأولى عددا من المنجزات العامة يمكن حصرها بما يلي:
١- الاستطلاع:
استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة، خاصة الطرق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما استطاعوا التعرف على قبائل المنطقة وموادعة بعضها.
٢- القتال:
أ- أثبت المسلمون أنهم أقوياء ويستطيعون الدفاع عن أنفسهم وعقيدتهم تجاه المشركين من قريش والقبائل المجاورة وأهل المدينة وتجاه اليهود، وقد أراد المسلمون من ذلك أن تترك لهم الحرية الكاملة لنشر دعوتهم دون تدخل من أعدائهم.
ب- تحالف المسلمين مع بعض القبائل المجاورة.
٣- الكتمان:
ابتكر الرسول أسلوب الرسائل المكتومة للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين. والكتمان أكبر عامل من عوامل مبدأ المباغتة التي هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدا له. والكتمان من جملة الوسائل المهمة التي تؤدي إلى المباغتة وهي أهم مبدأ من مبادىء الحرب. وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق.
٤- الحصار الاقتصادي:
هدد المسلمون أهم طريق تجارية بين مكة والشام فأصبحت قوافل قريش
стр. 145
غير آمنة حين تسلك هذا الطريق مما أثر أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وهدد مكة بالحصار الاقتصادي لمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة الشام بأمان «١» .
وكما حرص النبي ﷺ على أن يوجد في داخل المدينة أداة للحكم وأن ينظم شؤونها الداخلية كذلك حرص عن طريق السرايا على أن يضم إلى المدينة ما حولها من ريف وقبائل، وأن يخطط لها مجالها ويقرر حدودها ويعقد لها أحلافا مع القبائل النازلة حولها، لأن الحاضرة لا تستطيع أن تعيش بنفسها ولا تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالا لنشاطها. وكان هذا أحد أسباب قيام النبي بعدة سرايا ابتدأت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات فأمنت هذا الريف، وعقدت في أثناء هذه السرايا أحلافا مع القبائل المجاورة. إذ أنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابا كبيرا لغزوات البدو ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم عند اللزوم وإشعارهم دائما بقوة المدينة وقدرتها على الضرب «٢» . وكانت استراتيجية الرسول في توجيه سراياه، وغزواته كذلك، تعتمد الحذر الدائم والحرص على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره لإقرار هيبة الدولة في نفوس البدو، فكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمته بل كان يقظا سريع الحركة ما يكاد يسمع بتجمع أعدائه حتى يفاجئهم قبل أن يستكملوا أمرهم فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم. فالهجوم عنده أقوى وسائل الدفاع، وتحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود لها. ولقد أتاحت هذه الظروف للدولة الإسلامية في المدينة فرصة الاستقرار «٣» .