وتخاصمه وتدفع من يرميه بالحجارة ويضع في طريقه الشوك. وفي الجهة المقابلة مضى الرسول ﷺ في دعوته لا يصده عائق، وتنزلت آيات القرآن متتالية كالحمم تقرع الرؤوس الوثنية واحدا واحدا.. أبو لهب يدفع زوجته أم جميل بنت حرب لكي تحمل الشوك وتطرحه على طريق رسول الله ﷺ حيث يمر فيجابهه القرآن تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
«١» ، وأمية بن خلف يقف في درب الرسول حتى إذا مرّ به همزه ولمزه، فيندد به القرآن وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ «٢» .. وأبو جهل بن هشام يجابه الرسول ﷺ ويقول له:
«والله يا محمد لتتركن سبّ آلهتنا أو لتسبن إلهك الذي تعبد» فتجيء تعليمات القرآن وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ «٣» ، والنضر بن الحارث بن كلدة، يعقب الرسول في مجالسه فيحدثهم عن ملوك فارس وعظمتهم ثم يقول «والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبتها كما اكتتبها محمد، فيسخر به القرآن وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً «٤» ويندد به يْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
«٥» .
والأخنس بن شريق الثقفي، أحد أشراف القوم، وممن يستمع لكلامهم، يتصدى لرسول الله ويرد عليه، فينزل الله فيه وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ «٦» .. والوليد بن المغيرة يتساءل: أينزل على محمد، وأترك وأنا كبير قريش وسيدها؟ ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين؟ فيجيبه القرآن وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... «٧» .
стр. 72
وأبيّ بن خلف يجد رفيقه عتبة بن أبي معيط، يجلس إلى الرسول ويستمع منه فيقسم ألا يكلمه حتى يأتيه فيتفل في وجهه، فيفعل ذلك عدو الله فيقرعه القرآن وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا ... «١» .
ويمشي أبيّ بن خلف إلى الرسول بعظم بال ويقول له: أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ؟ ويفتّه أبيّ في يده ثم ينفخه في الريح بوجه رسول الله، فيجيبه الرسول: نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك الله النار!! ويردّ القرآن: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ «٢» .
ويعترض الرسول ﷺ عدد من رؤوس الوثنية وذوي الكلمة في قومهم، فيقولون: يا محمد هلمّ فلنعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فيأمره القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ «٣» .. وآخرون يضعون في قدره الذي يطبخ فيه رحم شاة أو يطرحونها عليه وهو يصلّي، فكان يخرج به في أعقاب صلاته ويقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟ ثم يلقيه في الطريق «٤» ...
طالت أيام الحصار، واشتد الأذى بالمنقطعين في شعب أبي طالب، فلم يكن لأحد من قريش أن يزوجهم أو يتزوج منهم، ولا أن يبيعهم أو يبتاع منهم فعصرهم الجوع عصرا. وكان المحاصرون لا يخرجون من الشعب طيلة سني الحصار «إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، وتضاغى صبيانهم فسمع ضغاؤهم من وراء الشعب. وقال عبد الله بن عباس: حصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى أن الرجل ليخرج بالنفقة فما يباع شيئا حتى مات
стр. 73
منا قوم «١» » . ولم يكن ما يجيئهم سرا ليسكت نداء الجوع الذي لا يرحم، حتى إن أحدهم اضطر يوما أن يطحن قطعة من جلد بعير ويمزجها بالماء ويلتهمها التهاما..
وبدأ بعض رجالات قريش وشبابها يتذمرون للظلم الصارخ الذي نزل بحماة الرسول من بني هاشم وبني المطلب، فسعوا إلى وقف القطيعة، وتمزيق الصحيفة الغادرة، وإعادة الأمور إلى مجاريها. وكان على رأس هؤلاء هشام بن عمرو، الذي تصله ببني هاشم صلة من قرابة، وكان ذا شرف في قومه، وكان قد بذل جهده أيام الحصار في إيصال الطعام سرّا إلى الشعب.. فلقد اتصل بزهير بن أبي أمية، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، وقال له: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما أني لأحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك أبدا. فأجابه زهير: فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله إن لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها. قال هشام: قد وجدت رجلا. قال: فمن هو؟ أجابه هشام: أنا. قال زهير: أبغنا رجلا ثالثا. وتمكن هشام من إقناع ثلاثة رجال آخرين هم المطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب، بضرورة تمزيق الصحيفة وإنهاء المقاطعة. واتعد الرجال الخمسة على اللقاء ليلا بأعلى مكة وهناك أجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام بتمزيق الصحيفة.
وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. وفي صباح اليوم التالي أقبل زهير على الناس وقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فرد عليه أبو جهل: كذبت، والله لا تشق!! قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت. وسرعان ما أيده رفاقه الثلاثة. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل!! وما لبث المطعم أن قام إلى الصحيفة فمزقها «٢» . ثم لبس ورفاقه السلاح واتجهوا إلى الشعب وأمروا بني هاشم وبني المطلب بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا. وعند ما رأت قريش ذلك أسقط في أيديها وعرفت أنهم لن يسلموهم «٣» .
стр. 74
[٥]
ما لبث الرسول ﷺ أن فجع بأعز أقربائه إليه: زوجته البرّة خديجة وعمه أبي طالب ففقد بذلك سنديه النفسي والاجتماعي، وحزن لفقدهما حزنا عميقا، حتى أن ذلك العام- الذي سبق الهجرة بثلاث سنين- سمي بعام الحزن. وانتهزت قريش الفرصة فألحقت بالرسول ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب. وقد اعترضه- مرة- أحد سفهاء قريش في الطريق، ونثر على رأسه ترابا، فدخل الرسول بيته والتراب على رأسه فقامت إحدى بناته لتنفضه عنه وهي تبكي ورسول الله يقول لها: لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك «١» !!
ونظرا إلى أن الحجة الرئيسية للمقاطعة- التي لم يمض عليها كبير وقت- هي حماية (بني هاشم) للمسلمين، وإنها كان لها تأثير سيء في أعمال بني هاشم، فالظاهر أنهم أدركوا الأضرار التي تنجم عن استمرار حمايتهم للرسول ﷺ . ويبدو أنهم بعد موت أبي طالب بدؤوا يتخلون عن تلك الحماية. ولعل أبا طالب هو العامل الأكبر في استنهاض همم بني هاشم لمساندة الرسول وحمايتهم له، فلما مات خففت هاشم من تأييدها وربما أدركت- بعد المقاطعة- ما يصيبها من أضرار مادية ومعنوية إذا استمرت في حمايته، لذا أخذت تتخلى عن ذلك، ويتجلى هذا واضحا في أعقاب رجوع الرسول ﷺ من الطائف «٢» .
أدرك الرسول ﷺ أن القيادة الوثنية في مكة مصرّة على الوقوف بوجه دعوته ماضية في إلحاق أذاها به، واضطهاد أتباعه وفتنتهم عن دينهم، فرأى أن يغادرها إلى مكان آخر ينشر فيه دعوة الإسلام ويطلب من أهله النصر والمنعة، فوقع اختياره على الطائف حيث تقطن ثقيف كبرى القبائل العربية بعد قريش. فغادر مكة في شوال من السنة العاشرة للبعثة، يصحبه زيد بن حارثة. ولما انتهى إلى هناك عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادتها وأشرافها، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم المهمة التي جاء من أجلها وهي أن ينصروه على الإسلام ويمنعوه من قومه، فلم يلتفتوا إليه وعلقوا على دعوته ساخرين، فقال أحدهم:
стр. 75
إنني أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك!!
فغادرهم الرسول ﷺ بعد أن طلب منهم أن يكتموا ما جرى بينه وبينهم، إذ كره أن يبلغ قومه ذلك فيجرئهم عليه. لكن زعماء ثقيف لم يستجيبوا لطلبه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، ويرمونه بالحجارة، فلم يكن يرفع قدما ويضع أخرى إلا على الحجارة، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وكانا هناك، فتفرق عنه سفهاء الطائف وقدماه تنزفان دما، فعمد إلى ظل كرمة ونادى ربه: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» !! فلما رآه ابنا ربيعة، وشاهدا ما لقي، تحركت له رحمهما، فطلبا من غلام نصرانيّ لهما يدعى (عدّاس) أن يحمل إليه طبقا من عنب. فلما أتى به الغلام ووضعه بين يديه، مدّ الرسول ﷺ يده قائلا: باسم الله، ثم بدأ يأكل العنب، فعجب الغلام لسماعه عبارة لم يألف سماعها في أرض وثنية، فقال للرسول ﷺ والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فسأله الرسول: ومن أي البلاد أنت، وما دينك؟ أجاب: نصرانيّ، من أهل نينوى. فسأله الرسول: من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ أجاب الغلام دهشا: وما يدريك ما يونس بن متّى؟
قال الرسول: ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبيّ. فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يوسعه لثما وتقبيلا.. وما أن غادر الرسول البستان حتى حذره سيداه: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه «١» !!
عندما قفل الرسول ﷺ عائدا إلى مكة كانت الأمور هناك قد بلغت حدا
стр. 76
كبيرا من السوء، ووجد الرسول ﷺ نفسه مضطرا إلى أن يحتمي بجوار أحد من زعماء قريش، ريثما يواصل طريق الدعوة.. فبعث إلى مكة رجلا يلتمس له الجوار، وعرض الرجل الأمر على الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو فرفضا متعللين ببعض الأسباب، ووافق المطعم بن عدي على الجوار، ولبس وبنوه وأقرباؤه السلاح استعدادا لكل طارىء. ومن ثم دخل الرسول مكة وراح يواصل المهمة الملقاة على عاتقه. وجابهه- يوما- جماعة من القرشيين بزعامة أبي جهل، بسخرياتهم المألوفة، فصرخ الرسول في وجوههم « ... أما أنت يا أبا جهل فو الله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا. وأما أنتم يا معشر الملأ من قريش، فو الله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون، وأنتم كارهون» «١» .
لم ييأس الرسول ﷺ وقرر أن يستمر في عرض دعوته على قبائل العرب القادمة إلى مكة في مواسم الحج والعمرة والتجارة، ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتى يبين الله ما بعثه به. وكان يتبعه عمه أبو لهب إلى منزل كل قبيلة يذهب إليها فيناديهم «إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم.. إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه» «٢» .
عرض الرسول دعوته وحمايته على كندة وبني كلب فأبوا عليه ...
وعرضها على بني عامر بن صعصعة، فسأله أحد رجالها (بحيرة بن فراس) :
أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فأجاب الرسول: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء، فقال الرجل:
أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك!!
كما عرض الرسول دعوته وحمايته على بني حنيفة، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليه ردا منهم ... وعرضها على بني محارب وفزارة وغسان ومرة وسليم وعبس وبني نضر وبني البكاء والحارث بن كعب وعذرة والحضارمة، دون
стр. 77
أن تستجيب له إحداها.. وهكذا مضى رسول الله ﷺ يعرض الإسلام ويطلب نصرة القبائل واحدة واحدة وهي تأبى عليه وتصدّ عن هديه، ولم يكتف بذلك بل راح يتصدّى لكل قادم إلى مكة له مكانة في قومه.. يعرض عليه مبادىء الدين الجديد ويدعوه إلى الله «١» .
стр. 78
الفصل الثالث مسائل من العصر المكي
[١]
ليس بإمكان أي مؤرخ أن يحدّد الأبعاد الكاملة لطبيعة اللقاء الأول، وما تلاه من لقاآت بين الوحي الكريم وبين محمد ﷺ .. وكل ما ذكرته الروايات، اعتمادا على رؤية الرسول وهو يتلقى الوحي، أو أحاديثه القصيرة الموجزة بهذا الصدد، لا يعدو أن يكون (وصفا) خارجيا للتجربة التي تمخض عنها البناء القرآني المعجز.. وما دام الأمر في امتداده وغيابه يندّ عن المشاهدة المباشرة والفحص التجريبي باعتباره أمرا (غيبيا) ، فليس من السهل أن نخوض فيه، كما أنه ليس من السهل أن نخوض في أي من الأمور الغيبية التي لم يتح لأجهزتنا الحسيّة والعقلية التعامل معها، والإحاطة بأبعادها علما. وكل المحاولات- الشرقية والغربية- التي جهدت من أجل تحليل تجربة (الوحي) تحليلا يخضعها في نهاية الأمر للمعرفة البشرية المحدودة، وقعت في الخطأ من حيث أنها اعتمدت الظن والتخمين في مسألة من أخطر المسائل الغيبية.. والأهم من ذلك هو ما تمخض عنه هذا الأسلوب الإلهي في تعليم البشرية، والذي يعدّ من المصادر اليقينية للمعرفة.
فالقرآن- إذن- والحركة الإسلامية التي رافقته، على خط متواز صاعد، هما اللذان يجب أن ينصبّ عليهما البحث والتحليل ومحاولة الإحاطة، من أجل أن تكون المحاولة جادة وليست ضربا في غير هدف!
لقد تنزل الوحي على الرسول ﷺ في أعقاب فترة زمنية طويلة، جاوزت الأربعين عاما، كانت الإرادة الإلهية تهيء فيها- كما رأينا- الممهدات البيئية والوراثية لتكوين (الشخصية) التي سيلقى على عاتقها حمل مسؤولية الرسالة
стр. 79
الصعبة.. وأعقب ذلك تمهيد نفسي وذهني (مباشر) تمثّل بتلك الأسابيع الطوال من العزلة والتأمل والتحنث في غار حراء، انشقاقا على الأعراف والممارسات الجاهلية، واندماجا في الكون على مداه، وبحثا عن (العلّة الكافية) لخلقه على هذه الصورة من الدقّة والتنسيق والتماسك والنظام، وسعيا وراء (الشريعة) التي تعيد الإنسان إلى الانسجام مع النواميس التي تتحرك بموجبها السماوات والأرض..
وما لبث الوحي الأمين أن جاء، في اللحظة المناسبة والمكان المناسب اللذين اختارتهما العناية الإلهية لإرسال محمد إلى الناس كافة.. محمد الذي لم يكن يعرف، حتى هذه اللحظة، المصير الذي ينتظره، والدور الذي سيكلف بأدائه إزاء الإنسان والعالم. ومن ثم جاءت (هزّة) الوحي مفاجأة مذهلة لهذا الرجل المنعزل في الغار بعيدا عن الناس.. رافقها وأعقبها رعب وقلق وشك واضطراب وتمزق نفسي وحمى قاسية، جعلت الرسول ﷺ يغادر المكان في أعقاب كل لقاء، وهو يرتجف خوفا وإشفاقا، من أجل أن يلجأ إلى سنده العاطفي الأول والأخير متمثلا بزوجته البرة خديجة التي كانت عند حسن الظن دوما..
وما أن اطمأن الرسول ﷺ إلى صدق رسالته، في أعقاب تأكيدات خديجة وابن عمها ورقة بن نوفل، وإثر تكرر نزول الوحي عليه، حتى بدأ- بأمر من هذا الوحي- بالعمل.. كان عليه أن يدع مرحلة (العزلة) والانقطاع، وأن يمزق دثار الخوف والقلق والشك.. وأن ينطلق ليبدأ أولى اتصالاته من أجل بناء الحلقات الأولى من الدعاة، أولئك الذين كتب عليهم، أن يتحملوا شرف الانضواء إلى أول قاعدة بشرية للدعوة الإسلامية في تاريخها الطويل.. وإذ كانت الدعوة الجديدة تتحرك تحت شعار (لا إله إلا الله) بكل أبعاده الشاملة وآفاقه الرحبة، فقد كانت تمثل ردا حاسما على كل القيم الجاهلية، وانقلابا جذريا على مواضعات العصر وممارساته ومطامحه القريبة العاجلة.. وكان ارتطامها بمراكز السلطة والنفوذ والتوجيه في مجتمع كهذا أمرا محتما.. ومن ثم كان على الرسول ﷺ أن يجتاز مرحلة من (العمل السرّي) ، غير المعلن، من أجل أن يرسي دعائم حركته ويضم إليها أوثق العناصر وأعمقها إيمانا، ويسعى خلال ذلك إلى مزيد من توثيق هذا الإيمان وتعميقه في نفوس الدعاة.. فعليهم ستقع المسؤولية، وعلى مدى مقدرتهم على التحمل سيقوم البناء.. ولقد بدأ الرسول اتصالاته بأقرب الناس
стр. 80
إليه، من أجل مزيد من السرية والكتمان: الزوجة والصديق وابن الأخ والابن (المتبنّى) .. ثم انطلق بعد ذلك في توسيع نطاق الدعوة، يعضده ساعده الأيمن أبو بكر الصديق ﵁ .. وما لبثت اللبنات أن ازدادت عددا، والبناء ارتفاعا، والأسس عمقا ورسوخا..
استمر العمل السرّي ثلاث أو أربع سنوات، على خلاف في الروايات، والدعوة خلاله تسير ببطء شديد، رغبة في التركيز والاختيار البصير بالعناصر الأكثر جدارة وكفاءة ومقدرة على تحمل مسؤولية الإيمان.. وكان القرآن الكريم يتنزل خلال ذلك مؤكّدا على قضية واحدة وأمر واحد، لم يتجاوزه إلى (المسائل) الآخرى إلا قليلا، تلك هي قضية (العقيدة) التي راح القرآن يحبك، بأسلوبه المعجز وآياته البينات، جوانبها الشاملة وبناءها المتشابك في نفوس أتباعه وعقولهم وضمائرهم، ويحيلهم واحدا بعد آخر، ويوما بعد يوم، إلى شخوص حيّة تتحرك بالقرآن، فتكون حركتها تعبيرا حيويا واقعيا عن التصور الجديد الذي طرحه القرآن، والذي جاء لينعكس بالضرورة على السلوك اليومي للإنسان المسلم.. وكلما تقدم الزمن بالدعوة الإسلامية وتنزلت الآيات البينات لبناء العقيدة، كلما نمت قواعد الدعوة الإسلامية وازدادت (تمثلا) لهذه الآيات، الأمر الذي جعلها تنمو بشكل مواز تماما لنمو البناء العقيدي الذي يطرحه القرآن ذاته لكي يحرك به (واقع) النفس البشرية ويتعامل معها تعاملا حركيا يرفض منطق الجدل واللاهوت والنظريات.
ولقد مرت هذه السنون الطويلة من مرحلة العمل السرّي ولم يتجاوز عدد الدعاة خلالها- كما رأينا- الخمسين رجلا وامرأة، وهو عدد قليل جدا إذا ما قورن بهذا الامتداد الزمني الطويل. إلا أن التركيز والعمق الذي تميز به كل واحد من هؤلاء، جعل المنتمين إلى الإسلام قادرين، بعد قليل، على تحمل الضغوط الوثنية القاسية التي ستصبّ عليهم من أجل فتنتهم عن دينهم: تعذيبا واضطهادا وقتلا ونفيا وسخرية وقطيعة واحتقارا.. وعلى تجاوز (المحنة) السوداء وهم أصلب عودا وأعمق ثقة وأشد إيمانا.. وفي جوارهم آيات القرآن تشد أزرهم وتعمق يقينهم الجديد.. والرسول ﷺ يقودهم من ساحة إلى ساحة صوب مشارف الفوز والانتصار.
ولا ريب أن اعتماد (المقاييس المادية) - كما فعل عدد من المستشرقين أمثال كريمر وجرمه وغيرهما- لفحص الدوافع التي قادت المسلمين وغير
стр. 81
المسلمين للانتماء إلى الدين الجديد أو إلى أية عقيدة أو دين، أمر يرفضه واقع (التجربة) في أبعادها الشاملة الرحيبة، فلم يكن البحث عن (الحق) والتشبث في الانتماء إليه، أمر معدة تبحث عن طعامها وجسد يرنو إلى الإشباع، بقدر ما هي مسألة نفسية متكاملة يلعب فيها الظمأ الروحي واليقين الفكري والقناعة الذاتية دورها الأول والأخير، بحيث أن سائر الأمور الآخرى الحسّية والجسدية بقيت (ثانوية) بالنسبة لهذه العوامل الأساسية.
هذا على المستوى النفسي، أما على المستوى التاريخي، فإن هذا المقياس (المادي) الذي أخذ يشيع في العقود الأخيرة، كإسقاط معاصر على الوقائع التاريخية الماضية، سرعان ما يتهافت بمجرد إلقاء نظرة متأنية على قوائم المسلمين الأول الذين كان أكثرهم- كما يقول صالح العلي- من التجار ورجال الطبقة الوسطى، وممن كانت لهم عشائر تحميهم وتدفع عنهم، بل حتى وجود الحلفاء والمستضعفين في الإسلام، لا ينهض دليلا على صحة هذا الرأي. إذ أن هؤلاء نالوا كثيرا من الاضطهاد بسبب عقائدهم، ومنّوا بكثير من الآمال إذا تركوه، فرفضوا وأصرّوا على التمسك بالدين الجديد، مما يدل على أن دافع العقيدة هو الذي كان يدفعهم إلى اعتناق الإسلام. والواقع أن الروايات أشارت صراحة إلى دوافع بعضهم، فعثمان بن مظعون كان من قبل ظهور الإسلام من الباحثين عن الدين، وسعيد بن زيد بن عمرو وهو ابن الرجل الذي كان حنيفيا يبحث عن دين إبراهيم، وخالد بن سعيد بن العاص اعتنق الإسلام لأنه رأى نفسه في المنام على حافة هاوية من النار يدفعه إليها أبوه، ويدفعه عنها رجل آخر لينقذه منها، ويمكن تفسير ذلك بانشغال عقله الباطن في الأمور الدينية واعتناقه الإسلام لاعتقاده بأن فيه المنجى والمخلص، أما عمر بن الخطاب الذي أسلم بعد هذه الفترة فقد أسلم لتأثره من سماعه آيات القرآن ومن رؤيته أخته تتأذى «١» .
ترى! كم من المسلمين قادتهم إلى الإسلام تلك (الهزة الوجدانية) التي أحدثتها آيات القرآن الكريم الساحرة المعجزة وهي تتلى عليهم، فتغسل ضمائرهم وتزيل رين قلوبهم، وتعيد ألق الذكاء إلى عقولهم، ونور اليقين إلى بصائرهم وأفئدتهم؟ وهل بعد هذه (الهزة) الشاملة التي تنقل الإنسان من حال إلى حال، تفكير (منفعي) محدود في أمعاء تمتلىء طعاما، وجيوب تفيض فضة وذهبا؟! ما
стр. 82
الذي دفع عثمان بن عفان، وهو في قمة قريش غنى ومكانة وأمانا ومحبة وجاها، إلى أن يتمرد على جاهليته، ويقف في لحظات الدعوة الأولى، الصعبة، الغامضة، الخطيرة، بمواجهة قومه وعشيرته، رافضا الغنى والمكانة والجاه والمحبة، مختارا بدلا منها الفقر والاحتقار والزراية والخوف والكراهية؟ حتى إنه ليستهين بسياط عمه وهي تنزل على ظهره من أجل أن يعود ثانية إلى حظيرة الآباء والأجداد؟ وما الذي دفع أبا بكر- وعشرات غيره- إلى أن ينفقوا من أموالهم الخاصة التي سهروا وكدحوا على جمعها وتنميتها، ينفقوها حتى آخر درهم، حتى أن الرسول ليسأل رفيقه الصديق: وما الذي أبقيت لعيالك يا أبا بكر؟ فيكون جوابه: أبقيت لهم الله ورسوله!! وما الذي دفع سعد بن أبي وقاص، الغني المدلل، إلى أن يرفض توسلات أمه، وقد أوثقته رباطا، من أجل أن يرتد عن دينه، حتى ليسلمها الهم من جراء ذلك إلى المرض، فما يكون جوابه إلا أن يقول للأم التي هي أعز الأحبة على قلوب الأبناء: والله يا أم لو رأيتك تموتين مائة مرة ثم تعودين ثانية إلى الحياة ما ردّني ذلك عن ديني!! .. وغير عثمان وأبي بكر وسعد ... كثيرون!!
لقد انتمى إلى الإسلام- كما يقول مونتكمري وات- شباب من أفضل العائلات، وخالد بن سعيد أفضل ممثل لهذه الفئة، ولكن هنالك آخرون غيره وكانوا ينحدرون من أقوى العائلات وأشهر القبائل، تربطهم روابط متينة بالرجال الذين يملكون السلطة في مكة، وكانوا في مقدمة أعداء محمد. ومن المهم أن نشير إلى أنه وجد في معركة بدر أمثلة على الأخوة والآباء والأبناء والعم وابن الأخ الذين كانوا يقاتلون في صفوف كلا الحزبين. ويمضي (وات) إلى القول بأن أهم فكرة نستخرجها من هذا (العرض عن المسلمين الأول) هو أن الإسلام الفتي كان في الأساس حركة شباب، إذ أن معظم الذين نعرف أعمارهم لم يتجاوزوا الأربعين عند الهجرة- وبعضهم كانوا أصغر كثيرا- وكثير منهم كانوا قد اعتنقوا الإسلام منذ ثماني سنوات. ولم يكن الإسلام، من جهة ثانية، حركة رجال من طبقة مستضعفة من حثالة الناس أو من طفيليين صعاليك حطوا رحالهم في مكة.
ولم يستمد الإسلام قوته من رجال الدرجة السفلى في السلم الاجتماعي بل من أولئك الذين كانوا في الوسط «١» . ثم ما يلبث (وات) أن يقع في نفس الخطأ الذي
стр. 83
وقع فيه معظم الغربيين الذين يجدون أنفسهم ملزمين بتطبيق مقاييسهم الخاصة على تاريخنا.. وقد ناقشنا هذه المسألة في مقدمة هذه الدراسة عن سيرة الرسول ﷺ .
وإلى أي دين كان ينتمي هؤلاء المترفون الأغنياء ومتوسطو الحال، الذين ينتمون إلى أشهر القبائل المكية وأعلاها سلطة ومكانة؟ إلى الدين الذي كانت حملات كتابه الكريم تتنزل منذ بداياتها الأولى (العلق، القلم وغيرهما) «١» صواعق على رؤوس الأغنياء والزعماء، تلك الآيات التي «.. نددت بالأغنياء الذين يقبضون أيديهم عن مساعدة الطبقات المعوزة وحثت على الإنفاق كثيرا، كما أنها حاربت الزعامة الطاغية الباغية المعتزة بالقوة والمتكبرة عن الحق» «٢» . وهكذا تبدو طبيعة الدعوة الإسلامية منذ بدئها، عظيمة رائعة في حدبها على هذه الطبقة التي تتألف منها عادة أكثرية الجماهير، وتحريرها ورفع مستواها «٣» .
[٢]
ولن تتكامل الصورة إلّا بأن نتجاوز، في تحليلنا هذا، مرحلة الدعوة السريّة إلى المرحلة المكية عامة لنرى في الجهة المقابلة الدوافع الحقيقية التي قادت المشركين وزعماءهم إلى مقاومة الدعوة، وهي دوافع لا تنصبّ على الجانب المادي فحسب، بل تمتد إلى كل مساحات التصوّر والشعور والحياة الجاهلية، وإن كان للجانب (المادي) أهمية كبيرة بين هذه الدوافع إلا أنه لا يمكن أن يغطي المساحة كلها ويحجب الدوافع الآخرى، الدينية والنفسية والسياسية والثقافية، عن أعين الباحثين، ذلك «أن مقاومة المشركين للإسلام، رغم الجمود الظاهر لديانتهم، يمكن تعليله بأن دينهم، وإن لم يكن يلعب دورا كبيرا ظاهرا في حياتهم
стр. 84
اليومية، إلا أنه كان متغلغلا ومتعمقا في اللاشعور فيهم، فهم يعيشون فيه دون أن يفهموه أو يدركوه، كما أنه لطول أمد استقراره لم تكن هناك حاجة للتحدث به أو الدفاع عنه. ولكن الإسلام بنقده لدينهم كان تحديه موجها لا إلى عقائدهم فحسب بل إلى ذاتيتهم وإلى كيانهم الروحي، فاندفعوا يدافعون عنه بقوة. ومما زاد في قوة هذه المقاومة، روح المحافظة التي تتجلى عند البدو بصورة خاصة.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تبين أثر روح المحافظة في المقاومة غير المفكرة التي واجهوا الإسلام بها وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ «١» .. ومما زاد في عنف مقاومتهم أن دعوة الرسول ﷺ للوحدانية كانت جديدة عليهم، فلم يكن قد أتاهم من قبله رسول» «٢» .
ولا ريب أن هذا الدافع (اللاشعوري) هو الذي يفسّر لنا إصرار زعماء (الشرك) ، خلال تعذيبهم للمسلمين، وضغوطهم ضد الرسول ﷺ ، أن يدعوا سبّ آلهتهم وشتم آبائهم وأجدادهم وهو الأمر الذي كان يتكرر كثيرا في ميدان العلاقات الوثنية- الإسلامية، كما يفسّر لنا تشبث رجل عاقل كأبي طالب بدينه الوثني، رغم حمايته المعروفة لابن أخيه، بحجة أن هذا التغيير لا يليق برجل كبير موقر مثله.. فتغيير دين الآباء والأجداد (عار) لا يلائم كبار رجالات مكة وشيوخها أولئك الذين كان يقود خطاهم إحساس (رجعي) متأصل في نفوسهم، تعبر عنه الآية الكريمة، وقالوا: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «٣» .. وغيرها كثير..
ولعل من أهم أسباب المقاومة كذلك- يقول دروزة- ما كان للزعامة الوثنية من دور خطير في المجتمع العربي حيث كان الزعماء- وخاصة الزعماء الأغنياء- يتمتعون بنفوذ السيادة.. ومنها ما كان من رسوخ عصبية التقاليد في المجتمع العربي، وما استهدفته الدعوة من هدم كثير من تقاليد العرب الأصلية والفرعية، أو تعديلها: كالشرك على أنواعه، والاستشفاع بالملائكة، وما شاب الشرك من وثنية مادية، وكالعصبية الاجتماعية الضيقة وما كانت تتشدد فيه من حزبيات عائلية
стр. 85
وقبلية «١» ، وشؤون القيان والمرأة والرقيق والتحريم والتحليل في كثير من الأمور.. وخوف الزعامة القرشية وأغنياء مكة معا على ما كان لهم ولمكة من مركز ومنافع أدبية ومادية عظيمة، بسبب وجود بيت الله في مكة وسدانتهم له..
ثم هناك ما أثاره فيهم الإنذار بالبعث والقيامة، والوصف المسهب للحياة الآخروية، الوارد في القرآن من عجب واستغراب، لا سيما أن هذا لم يكن مما هو معروف بهذه الصراحة والإسهاب عند الأمم الكتابية التي كان لها أثر في أفكار العرب ومعارفهم. ولعل في تجريد الأغنياء والأقوياء من أسباب قوتهم ومكانتهم، وتحقيرهم الدائم، إثارة للسواد على الزعماء وتحريضا على عصيانهم فيما يأمرونهم به من عدم الاستجابة إلى الدعوة. وقد كانت طبيعة النبي البشرية، من أسباب المقاومة كذلك.. إذ كان العرب يتخيّلون أن النبي لا بد أن يكون ذا قوى خارقة يفترق بها عن طبائع البشر ويستطيع أن يفعل ما لا يفعله سائر الناس من خوارق المشاهد.. فلما رأوه مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وسمعوه يعلن بلسان القرآن أنه بشر مثلهم.. جحدوا نبوته وكذبوا صلته بالله، ونعتوه بالمجنون والشاعر أو الساحر أو الكاهن «٢» ..
ونمضي في تعمّق أسباب المقاومة الوثنية للدعوة، فنجد (وات) يحدثنا عن مجموعة أخرى من الأسباب، مؤكدا في الوقت نفسه دور الأسباب التي سبق ذكرها.. «إن السبب الأساسي في المعارضة كان بدون شك، أن زعماء قريش وجدوا أن إيمان محمد بأنه نبي ستكون له نتائج سياسية، وكانت السنة العربية القديمة تقول: إن الرئاسة في القبيلة يجب أن تكون من نصيب أكثر الرجال حظا من الحكمة والحذر والعقل، فلو أن أهالي مكة أخذوا يؤمنون بإنذار محمد ووعيده وجعلوا يستفسرون عن الطريقة التي يجب أن تدار بها شؤونهم، فمن ذا الذي يحق له نصحهم غير محمد نفسه؟» ويمضي وات إلى القول بأن زعماء مكة كانوا من بعد النظر بحيث أقروا بالتناقض بين تعاليم القرآن الأخلاقية ورأس المال التجاري الذي كان عماد حياتهم.. كما كان العرب بطبيعتهم، أو حسب تربيتهم محافظين.. ويقول الزهري بأن سبب المعارضة، بالإضافة إلى مهاجمة الأصنام، القول بأن مصير أجدادهم النار، ويرتبط احترام الأجداد هذا ارتباطا وثيقا بتقديس
стр. 86
العادات والتقاليد القديمة. وبينما كان بعض المعارضين ذوي نزعة فردية قوية، فقد كان أكثرهم محافظة يعترف ببعض الولاء للجماعة، فكانوا يرون إذن في نزعة الإسلام لإحداث انقسامات حادة في العائلة دليلا آخر على أن التخلي عن الطريق الذي سلكه الأجداد يؤدي إلى نتائج وخيمة، وربما بدا لهم ذلك جديرا بتهديم المجتمع بأكمله، وكان هذا ما يحدث فعلا ... وما يلبث (وات) أن يخلص إلى القول بأن أسباب معارضة الإسلام- إذا وضعنا جانبا كل مصلحة شخصية- كانت الخوف من نتائجه السياسية والاقتصادية والنزعة المحافظة الصرفة، وكانت المشكلة التي جابهها محمد لها جوانب اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية، غير أن رسالته كانت في الأساس دينية بحيث أنها حاولت علاج الأسباب الدينية الكامنة لهذه المشكلة ولكنها انتهت لمعالجة الجوانب الآخرى ولهذا اتخذت المعارضة أشكالا مختلفة «١» .
إن شعار (لا إله إلا الله) الذي أمر محمد ﷺ برفعه في وجه الجاهلية، جاء انقلابا شاملا على كل المستويات الدينية والاجتماعية والفكرية والنفسية والأخلاقية والسياسية والسلوكية، إذ هو إشعار واضح بضرورة ردّ الأمر كله إلى الله (الحاكم) و (المشرع) وتجريد الإنسان فردا وجماعة، من الخضوع لمقاييسه الجزئية القاصرة، واتباع (الهوى) و (الظن) في كل صغيرة وكبيرة.
ولقد رأينا خلال عرضنا للطور العلني للدعوة أن جلّ كلمات القرشيين ومرتكزات حوارهم مع أبي طالب، أو مع محمد ﷺ نفسه، من أجل إقناعه بالعدول عن دعوته، ما كانت لتنصب على الدفاع عن مصالحهم المادية، بقدر تشبثها بمعتقداتهم وقيمهم، كما نلمح من خلالها إدراكهم الكامل لأبعاد عبارة (لا إله إلا الله) وخطورتها الشاملة إزاء وجودهم الجاهلي كله. ويمكن أن نذكر هنا- على سبيل المثال- رواية ابن سعد التي تقول إن وفدا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه، فاستدعاه وقال له «يا ابن أخي، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك. فقال رسول الله ﷺ :
قولوا أسمع!! قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. قال أبو طالب: قد أنصفك القوم فاقبل منهم. فقال رسول الله: أرأيتم إن أعطيتكم هذه، هل أنتم معطيّ كلمة
стр. 87
إن أنتم تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: إن هذه كلمة مربحة، نعم وأبيك، لنقولنها وعشر أمثالها!! فقال الرسول: قولوا (لا إله إلا الله) !! فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ»
«٢» .
فليست الحركة الإسلامية إذن حركة طبقة ضد طبقة، فقد انتمى إليها أناس من شتى الطبقات. وسواء كانت هذه السمة (الطبقية) ناتجة عن تحرك الفقراء ضد الأغنياء، كما يرى بعض الباحثين، أو من الأغنياء لكبت ما تحسّسوا منه رائحة ثورة شاملة سيقوم بها الفقراء ضد مصالحهم ومراكزهم، كما ارتأى باحثون آخرون «٣» ، فإن هذه الافتراضات، التي ينقض بعضها بعضا، تعود لكي تنتقض نهائيا بمجرد عرضها على (الواقعة التاريخية) نفسها.. إذا ما أردنا البحث الموضوعي الجاد، وإلا فإن التخمين والاستنتاج والإسقاط المعاصر على التاريخ، دون رؤية وارتكاز على أبعاد الواقعة نفسها يقودنا ولا ريب إلى (إسرائيليات) من نوع جديد، تتدثر بدثار العلم والموضوعية وما هي منهما بشيء!!
[٣]
بعد أن تم بناء القاعدة (الصلبة) للدعوة متمثلة بأولئك الرواد الأوائل من المسلمين الذين انتموا للإسلام عبر سنيه الصعبة وغربته، والذين علمتهم التجارب المقدرة على الصمود بوجه الضغوط مهما غلا الثمن، والذين أنضجتهم حشود الآيات القرآنية التي كانت تتنزل (على مكث) حينا بعد حين ... أصدر الله أمره إلى رسوله الكريم أن يتجاوز المرحلة السريّة للدعوة صوب الجهر والإعلان ...
وهذا أمر لا بدّ منه لدعوة عالمية شاملة جاءت لكي تثبت وجودها المنظور في الأرض العربية أولا، وفي العالم المحيط ثانيا.. كل ذلك في فترة لا تعدو ما تبقى للرسول ﷺ من سني عمره المحدود.
стр. 88
كان اجتماع الرسول ﷺ بعشيرته الأقربين في أطراف مكة هو بداية العهد الجديد، وقد انتهى ذلك الاجتماع الحاشد بصدّ محزن عن دعوة الرسول ﷺ وإنذاره.. ومنذ تلك اللحظة انفجر الصراع الواضح المكشوف بين المعسكرين..
المشركون الذين استخدموا كل أسلوب والتمسوا كل وسيلة لوقف حركة الإسلام إلى الأمام ... والمسلمون الذين لم يؤمروا بالعنف- طيلة العصر المكي- لئلا يتعرضوا لعملية إبادة تحقق للوثنية ما كانت تأمله وترجوه..
وقد بدأ رجال الملأ نشاطهم المضاد في سلسلة من الاتصالات المبطنة بالوعد والوعيد مع أبي طالب ومحمد ﷺ ، فلما أعقبت- جميعها- فشلا، وأعلن النبي عن موقفه الذي لا مهادنة فيه ولا مساومة، في كلمته الحاسمة «والله يا عم..» وجدت الوثنية نفسها مسوقة إلى استخدام أساليب العنف والاضطهاد والحرب النفسية، لوقف الخطر الجديد، وانقضّت كل عشيرة على أبنائها وعبيدها المسلمين تعمل فيهم تعذيبا وتحطيما للمعنويات واضطهادا، ولم ينج الرسول نفسه من هذا البلاء النازل، وهو وأصحابه صامدون صابرون للمحنة، تسندهم تجارب سنين طويلة من العمل والنمو العقيدي، وتمنحهم المعنوية والثقة آيات القرآن البينات التي كانت تتنزل في قلب المحنة لكي ترفع المؤمنين إلى أفق الأمل واليقين بالنصر..
وإلى جانب هذا وذاك كان الرسول ﷺ ينفخ في أصحابه روح الثبات والمقاومة ويرسم لهم بذكائه الثاقب، وبالهدي الإلهي، الطرائق والأساليب التي تقترب بهم يوما بعد يوم من الهدف الذي كان الرسول ﷺ قد وعد أصحابه ببلوغه مهما طال الطريق وعظمت المصائب.. ولم يكن التخطيط للهجرة الموقوتة إلى الحبشة، والاتصال المستمر بالقبائل والوفود القادمة إلى مكة، والذهاب إلى الطائف، ولقاآت العقبة الثلاث إلا خطوات على الطريق..
وكلما ازدادت المحنة وعظم البلاء ساق الله إلى الدعوة رجالا كبارا لهم وزنهم في مجرى الأحداث وقدرتهم على المقاومة والتحدي والتغيير. ولم يكن إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄ إلا أمثلة بيّنة على الإرادة المعجزة التي تسوق، وفق منطقها وقضائها الذي لا رادّ له، رجالا من قلب الجاهلية، ومن صميم زعامتها، إلى ساحة الحركة الجديدة، ليسوا أتباعا عاديين، وإنما قادة وزعماء يلعبون دورهم في إيجاد نوع من التوازن في القوى
стр. 89
بين الدين الجديد والجاهلية يمكّن الإسلام من أن يشق طريقه وسط ركام من العوائق والمصاعب والآلام.
وإذ شعرت قريش أنها أخفقت في كل الأساليب التي اعتمدتها لوقف انتشار النار، فقد ارتأت في أعقاب اجتماع عقده زعماؤها أن ترفع سلاح (المقاطعة الشاملة) كعقاب (جماعي) للمسلمين وحماتهم من بني هاشم وبني المطلب، علها تضعف قدرة أتباع محمد على المقاومة، وتدفع حماتهم، الذين تشدهم إليهم نخوة العصبية، إلى أن ينفضوا من حولهم ويتركوهم وحيدين، معزولين، مجردين من الحماية، وسط عاصفة الغضب الهوجاء التي اجتاحت صدور المشركين وساحات مكة.. إلا أن السلاح الجديد يثلم هو الآخر إزاء مقاومة المسلمين وقدرتهم العجيبة على التحمل، وإزاء التركيب الاجتماعي في مكة، ذلك الذي دفع عددا من أبنائها الذين تربطهم العصبية بواحد أو أكثر من المحاصرين في شعب أبي طالب إلى أن يتحركوا لوقف هذه المظلمة، وتمزيق الصحيفة التي سطرت فيها كلمات القطيعة.. ويخرج المسلمون من الأسر الصعب بعد ثلاث سنين من العزلة والجوع والحرب النفسية، وهم أصلب عودا، وأغنى تجربة، وأكثر قدرة على التحرك صوب الهدف الذي آلوا أن يسيروا إليه وراء رسولهم، حتى ولو كلّفهم ذلك أنهارا من الدماء..
وكانت الأحداث تتلاحق والاضطهاد الوثني يزداد عنفا وشراسة، ويزيده فتكا وإيلاما، وفاة سندي الرسول العاطفي والاجتماعي: الزوجة والعم، وفشل رحلته إلى الطائف، وكأن إرادة الله كانت تعد، من وراء الظلام الذي ازداد عتمة وكثافة، بالفجر القادم الذي لا ريب فيه ... ولن يكون ذلك إلّا بالأسباب..
وهل بعد (الأسباب) التي منحها الرسول فكره وأعصابه وطاقاته وهمومه جميعا، بقادرة على أن تحقق (وعد الله) ! وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ... «١» .
стр. 90
[٤]
في هذه الفترة، جاءت حادثة (الإسراء والمعراج) «١» تثبيتا للرسول ﷺ على طريق المقاومة الطويل، وتكريما له في أعقاب سنين طويلة من العمل والصمود والكدح، وتتويجا لهذه السنين الصعبة، رفعه إلى قلب السماوات، وأطلعه على جوانب الإعجاز الإلهي الباهر في الكون الكبير وهي امتحان- في الوقت نفسه- لقدرات أصحابه على تصوّر المدى الذي ينافحون مع رسولهم ﷺ من أجل إخراج (الإنسان) إليه، وهو مدى رحيب يتجاوز أبعاد الملموس والمسموع والمنظور، وينأى عن الأحجام المباشرة للأشياء، ويمتد بعيدا صوب الآفاق التي بإيمان الإنسان بها وحركته صوبها يغدو إنسانا وإلّا فهو كالأنعام، وأضل من الأنعام التي لا تعرف غير أن تأكل وتشرب وتنام، ولا ترى إلّا الأشياء المرئية التي تنعكس إشعاعاتها على قرنية عينيها، ولا تسمع إلا الأصوات التي تلامس طبلات أذنيها، وأمّا ما وراء ذلك فهو العدم الذي لا تحس به ولا تعرف عنه شيئا!!
ورواية الإسراء والمعراج ترد في صحيح البخاري بهذا الشكل: «عن مالك ابن صعصعة ﵁ أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: بينما أنا في الحطيم- وربما قال في الحجر- مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال، وسمعته يقول، فشقّ ما بين هذه إلى هذه ... فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض، قال الراوي وهو البراق، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال:
جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل:
مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال: هذا أبوك آدم فسلّم عليه، فسلمت عليه فردّ السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح ... » ومن ثم تستعرض
стр. 91
الرواية، بنفس الأسلوب، اجتياز الرسول السماوات السبع واحدة بعد واحدة ولقاآته بيحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم ﵈،، وكل منهم يستقبل الرسول ﷺ قائلا: (مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح) . ويستأنف الراوي حديثه «ثم رفعت- يقول الرسول ﷺ إلى سدرة المنتهى، فإذا نبتها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال جبريل: هذه سدرة المنتهى. وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. ثم رفع لي البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم!! قال:
فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت..» ثم تستعرض الرواية التماسات الرسول من الله سبحانه تخفيف عدد الصلوات إلى أن أنقصها إلى خمس ... «قلت ... أرضى وأسلم، فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» «١» .
وفي حديث لعبد الله بن مسعود، في سيرة ابن هشام ترد الرواية التالية:
«أتي رسول الله ﷺ بالبراق، وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في منتهى طرفها، فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه يريه الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتي بثلاث آنية ... إلى آخر الحديث» «٢» . قال ابن إسحاق: وحدثت عن الحسن أنه قال:
«قال رسول الله ﷺ : بينما أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت إلى مضجعي، فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدي فقمت معه، فخرج بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل
стр. 92
والحمار في فخذيه جناحان، يحفز بهما رجليه، يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته ... إلى آخر الرواية «١» ... » .
وأما الآيات الكريمة التي وردت بشأن حادثتي الإسراء والمعراج فنجدها في سورتي (الإسراء) و (النجم) أولاهما سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«٢» والآخرى وَلَقَدْ رَآهُ «٣» نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٤» «فتعليل الإسراء- كما نصت الآية- أن الله يريد أن يري عبده بعض آياته. ثم أوضحت آيات المعراج أن الرسول ﷺ شهد بالفعل بعض هذه الآيات الكبرى.
وقد اختلف العلماء، من قديم، أكان السري الخارق بالروح وحده أم بالروح والجسد جميعا؟ والجمهور على القول الأخير» «٥» .
في صبيحة اليوم التالي غدا الرسول ﷺ على قريش، فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس «هذا والله الأمر البيّن! والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟» .
وذهب الناس إلى أبي بكر، رفيق الرسول ﷺ وأول رجل آمن بدعوته، فقالوا له:
هل لك يا أبا بكر، في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلّى فيه ورجع إلى مكة؟ فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى ها هو ذاك في المسجد يحدّث به الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟ فو الله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فأصدقه! فهذا أبعد مما تعجبون منه.
وأقبل أبو بكر على الرسول ﷺ وسأله: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال أبو بكر: يا نبي الله فصفه لي،
стр. 93
فإني قد جئته، فقال رسول الله ﷺ «فرفع لي- أي بيت المقدس- حتى نظرت إليه» ثم راح يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت، أشهد أنك رسول الله.
حتى إذا انتهى الرسول من وصفه، التفت إلى صاحبه وقال: أنت يا أبا بكر الصدّيق «١» !!
وينقل ابن إسحاق عن الحسن قوله: إن كثيرا ممن أسلم ارتد في أعقاب سماعهم الرسول يتحدث بأمر الإسراء والمعراج «٢» ، ولا ريب أن في هذا التعليق مبالغة إذا ما عرضناه على المنطق الذي ناقش به أبو بكر الصديق القضية كلها: إن المسلمين الأوائل الذين انتموا للإسلام، في عهد محنته، تصديقا، بما يجيئهم من الرسول ﷺ من خبر السماء لا يمكن أن يهزهم نبأ الإسراء والمعراج، ويردهم إلى حظيرة الكفر.. لكن هذا لا يمنع أن (قلة) من ضعاف الإيمان، الذين يؤرجحهم التردد، ويرهقهم طغيان قريش وحربها النفسية قد يجدون في هذا النبأ مجالا للانقلاب إلى عالم الكفر الذي خرجوا منه عن غير وعي أصيل، والخلاص من الامتحان والاضطهاد اللذين أدركوا أنهما سيزدادان في أعقاب النبأ الجديد.
يؤكد هذا ما ورد في مسند أحمد «٣» من حديث ابن عباس الذي قال فيه «أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره إلى بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن نصدّق محمدا بما يقول؟ فارتدوا كفارا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل» أي في معركة بدر.
هذا هو الهيكل العام لقضية الإسراء والمعراج، وردود الفعل التي أثارتها.
وقبل أن نبدأ تحليل (البعد الزمني) للقضية، وهو أخطر ما في الموضوع، لا بد أن نستعرض- أولا- القيم والمعاني التي تتبدى من خلالها.
لقد أسري بالرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى تأكيدا للرباط المتين الذي يشد البلدين إلى بعضهما، حيث انطلق الأنبياء على مدار القرون، يدعون إلى عبادة الله الواحد ورفض الصنميات الفانية.. في مكة حيث أقام إبراهيم أبو الأنبياء، وابنه إسماعيل أول بيت لله على الأرض.. وفي القدس حيث انبعثت نبوات متتالية تكافح من أجل تعزيز دعوة النبي الأب إبراهيم. وهناك كان الأنبياء الكرام السابقون ينتظرون (خاتمهم) لكي يؤمهم في صلاة جماعية،
стр. 94
تعبيرا عن الدور الواحد الذي جاؤوا إلى العالم لأدائه، واتجاها إلى الهدف الواحد الذي بعثوا لتحريك الناس إليه، وسجودا لله الواحد الذي كرم الإنسان وشرفه بالدين.. ووقوفا وراء النبي الذي جاء لكي يتمم البناء ويضع اللبنات المحكمة الأخيرة فيه.. ويمضي.. ومنذ البدء كان الله سبحانه قد أخذ ميثاق النبيين وعهدهم على أن يصدق بعضهم بعضا ويتمم اللاحقون منهم الشوط الذي كان السابقون قد بلغوه وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «١» .
ثم تجيء التحيات المتبادلة بين النبي ﷺ وبين إخوانه السابقين ﵈، وهو يصعد بصحبة جبريل عبر السماوات، تأكيدا وتعزيزا لهذه (الوحدة) النبوية التي لا انفصام لها وتقديرا للمبعوث (الأخير) الذي كتب عليه شرف إتمام البناء وإكمال الدين وتحميل الإنسان مسؤوليته الكاملة، أيا كان هذا الإنسان. إن نبينا ﷺ يحدثنا بنفسه فيقول: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؛ فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين» «٢» . وكان المسيح ﵇ قد أكد لأتباعه على هذا الرجل الذي سيبعث لإتمام البناء «٣» .
وفي ليلة الإسراء والمعراج، يقول محمد الغزالي «تأكدت الصفة الأولى لهذا الدين وهي أنه دين الفطرة، ففي الحديث (.. ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن ... ) إن سلامة الفطرة لبّ الإسلام، ويستحيل أن تفتح أبواب السماء لرجل فاسد السريرة عليل القلب. إن الفطرة الرديئة كالعين الحمئة لا تسيل إلا قذرا وسوادا، وربما أخفي هذا السواد الكريه وراء الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«٢» والآخرى وَلَقَدْ رَآهُ «٣» نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٤» «فتعليل الإسراء- كما نصت الآية- أن الله يريد أن يري عبده بعض آياته. ثم أوضحت آيات المعراج أن الرسول ﷺ شهد بالفعل بعض هذه الآيات الكبرى.
وقد اختلف العلماء، من قديم، أكان السري الخارق بالروح وحده أم بالروح والجسد جميعا؟ والجمهور على القول الأخير» «٥» .
في صبيحة اليوم التالي غدا الرسول ﷺ على قريش، فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس «هذا والله الأمر البيّن! والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟» .
وذهب الناس إلى أبي بكر، رفيق الرسول ﷺ وأول رجل آمن بدعوته، فقالوا له:
هل لك يا أبا بكر، في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلّى فيه ورجع إلى مكة؟ فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى ها هو ذاك في المسجد يحدّث به الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟ فو الله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فأصدقه! فهذا أبعد مما تعجبون منه.
وأقبل أبو بكر على الرسول ﷺ وسأله: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم. قال أبو بكر: يا نبي الله فصفه لي،
стр. 95
فإني قد جئته، فقال رسول الله ﷺ «فرفع لي- أي بيت المقدس- حتى نظرت إليه» ثم راح يصفه لأبي بكر وأبو بكر يقول: صدقت، أشهد أنك رسول الله.
حتى إذا انتهى الرسول من وصفه، التفت إلى صاحبه وقال: أنت يا أبا بكر الصدّيق «١» !!
وينقل ابن إسحاق عن الحسن قوله: إن كثيرا ممن أسلم ارتد في أعقاب سماعهم الرسول يتحدث بأمر الإسراء والمعراج «٢» ، ولا ريب أن في هذا التعليق مبالغة إذا ما عرضناه على المنطق الذي ناقش به أبو بكر الصديق القضية كلها: إن المسلمين الأوائل الذين انتموا للإسلام، في عهد محنته، تصديقا، بما يجيئهم من الرسول ﷺ من خبر السماء لا يمكن أن يهزهم نبأ الإسراء والمعراج، ويردهم إلى حظيرة الكفر.. لكن هذا لا يمنع أن (قلة) من ضعاف الإيمان، الذين يؤرجحهم التردد، ويرهقهم طغيان قريش وحربها النفسية قد يجدون في هذا النبأ مجالا للانقلاب إلى عالم الكفر الذي خرجوا منه عن غير وعي أصيل، والخلاص من الامتحان والاضطهاد اللذين أدركوا أنهما سيزدادان في أعقاب النبأ الجديد.
يؤكد هذا ما ورد في مسند أحمد «٣» من حديث ابن عباس الذي قال فيه «أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره إلى بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن نصدّق محمدا بما يقول؟ فارتدوا كفارا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل» أي في معركة بدر.
هذا هو الهيكل العام لقضية الإسراء والمعراج، وردود الفعل التي أثارتها.
وقبل أن نبدأ تحليل (البعد الزمني) للقضية، وهو أخطر ما في الموضوع، لا بد أن نستعرض- أولا- القيم والمعاني التي تتبدى من خلالها.
لقد أسري بالرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى تأكيدا للرباط المتين الذي يشد البلدين إلى بعضهما، حيث انطلق الأنبياء على مدار القرون، يدعون إلى عبادة الله الواحد ورفض الصنميات الفانية.. في مكة حيث أقام إبراهيم أبو الأنبياء، وابنه إسماعيل أول بيت لله على الأرض.. وفي القدس حيث انبعثت نبوات متتالية تكافح من أجل تعزيز دعوة النبي الأب إبراهيم. وهناك كان الأنبياء الكرام السابقون ينتظرون (خاتمهم) لكي يؤمهم في صلاة جماعية،
стр. 96
تعبيرا عن الدور الواحد الذي جاؤوا إلى العالم لأدائه، واتجاها إلى الهدف الواحد الذي بعثوا لتحريك الناس إليه، وسجودا لله الواحد الذي كرم الإنسان وشرفه بالدين.. ووقوفا وراء النبي الذي جاء لكي يتمم البناء ويضع اللبنات المحكمة الأخيرة فيه.. ويمضي.. ومنذ البدء كان الله سبحانه قد أخذ ميثاق النبيين وعهدهم على أن يصدق بعضهم بعضا ويتمم اللاحقون منهم الشوط الذي كان السابقون قد بلغوه وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «١» .
ثم تجيء التحيات المتبادلة بين النبي ﷺ وبين إخوانه السابقين ﵈، وهو يصعد بصحبة جبريل عبر السماوات، تأكيدا وتعزيزا لهذه (الوحدة) النبوية التي لا انفصام لها وتقديرا للمبعوث (الأخير) الذي كتب عليه شرف إتمام البناء وإكمال الدين وتحميل الإنسان مسؤوليته الكاملة، أيا كان هذا الإنسان. إن نبينا ﷺ يحدثنا بنفسه فيقول: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؛ فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين» «٢» . وكان المسيح ﵇ قد أكد لأتباعه على هذا الرجل الذي سيبعث لإتمام البناء «٣» .
وفي ليلة الإسراء والمعراج، يقول محمد الغزالي «تأكدت الصفة الأولى لهذا الدين وهي أنه دين الفطرة، ففي الحديث (.. ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن ... ) إن سلامة الفطرة لبّ الإسلام، ويستحيل أن تفتح أبواب السماء لرجل فاسد السريرة عليل القلب. إن الفطرة الرديئة كالعين الحمئة لا تسيل إلا قذرا وسوادا، وربما أخفي هذا السواد الكريه وراء
ألوان زاهية، ومظاهر مزوقة، بيد أن ما ينطلي على الناس لا يخدع به رب الناس.. وفي المعراج شرعت الصلوات الخمس، شرعت في السماء لتكون معراجا يرقى بالناس كلما تدلّت بهم شهوات النفوس وأعراض الدنيا..» «٤» .
стр. 97
والنيل والفرات، ما صلتهما بالرحلة عبر السماوات؟ «لقد عرف محمد في هذه الرحلة أن رسالته ستنساح في الأرض، وتتوطن الأودية الخصبة في النيل والفرات وتنتزع هذه البقاع من مجوسية الفرس وتثليث الروم، بل إن أهل هذه الأودية سيكونون حملة الإسلام جيلا في أعقاب جيل، وهذا معنى رؤية النيل والفرات في الجنة، وليس معناه أن مياه النهرين تنبع من الجنة كما يظن السذّج والبله» «١» . وفي رواية أنس بن مالك التي ذكرها البخاري في صحيحه «٢» ، يرد قول الرسول ﷺ : « ... ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان ما أدري ما هي؟ ..» .. ونحن نسمع اليوم من رواد الفضاء، عن الألوان التي تتراءى لهم عبر رحلاتهم في الفضاء وإلى القمر، لا يدرون ما هي.. وهل يضم عالمنا الأرضي كل الألوان وكل المسميات؟! وهل بمقدور لغات العالم كله ومصطلحاته أن (تعبّر) عن (موجودات) الكون الفسيح وأحداثه التي تنأى عن علمنا وبداهاتنا ومسلماتنا «٣» ؟ «إن رؤية طرف من آيات الله الكبرى في ملكوت السماوات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين وتصغير جموعهم ومعرفة عقباهم.. والله يتيح لرسله فرص الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه واستنادا إليه إذ يواجهون قوى الكفار المتألبة ويهاجمون سلطانهم القائم.. لقد جاء الإسراء والمعراج قريبا من منتصف فترة الرسالة التي مكثت ثلاثة وعشرين عاما وبذلك كانا علاجا مسح متاعب الماضي، ووضع جذور النجاح للمستقبل» «٤» .
ولم تكن حادثة الإسراء والمعراج معجزة قاهرة أريد منها قهر الناس على الاعتقاد بصدق نبوة الرسول ﷺ كما كان يحدث للأنبياء السابقين، ذلك أن القرآن الكريم سلك أسلوبا آخر في الإقناع يقوم على التأمل والمشاهدة والتجريب والحجة والبرهان، وإلا لكانت حادثة الإسراء والمعراج قد جاءت في الأيام
стр. 98
الأولى للدعوة حيث ضيق المشركون الخناق عليها وطاردوا أتباعها في كل مكان «فقد تكفل القرآن الكريم بإقناع أولي النهي من أول يوم، وجاءت في طريق الرسول ﷺ ضربا من التكريم لشخصه، والإيناس له، غير معطلة للمنهج العقلي الذي اشترعه القرآن. وقد اقترح المشركون على النبي- يوما- أن يرقى في السماء، فجاء الجواب من عند الله قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا؟ «١» فلما رقي في السماء بعدئذ، لم يذكر قط أن ذلك رد على التحدي أو إجابة على الاقتراح السابق» «٢» على العكس وجدنا الروايات تحدثنا عن أن صعوبة تصديق حادث غيبي كهذا دفع المشركين إلى مزيد من التحدي والاستهتار وردّ نفرا من المسلمين من ضعاف الإيمان إلى كفرهم!! ومهما يكن من أمر فإن حادث (التكريم) هذا «ترك ثماره في نفس الرسول ﷺ فاستراح إلى حمد الخالق وقل اكتراثه لذم الهمل من الجاحدين والجاهلين، ثم نشط إلى متابعة الدعوة، موقنا أن كل يوم يمر بها هو خطوة إلى النصر القريب» «٣» .
تأتي بعد ذلك مسألة البعد (الزمني) لحادثة الإسراء والمعراج، هذه التي اجتاز بها الرسول في ليلة واحدة، أو جزء من ليلة، المسافات الفاصلة بين مكة والقدس، وهي المسافات التي تتضاءل وتضيع إذا ما عرضناها على الأمداء الكونية الهائلة التي قطعها الرسول ﷺ عبر السماوات، في أعماق ذلك الليل!! ولنرجع إلى القرآن نفسه نتمعن في بعض آياته ونستنطقها حول هذه المسألة.
فهنالك حشد من الآيات واللمسات والإشارات منبثة في حنايا السور، نذكر منها- على سبيل المثال- هذه الآيات الموحية ذات الدلالة العميقة قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ «٤» وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ «٥» يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا «٦» قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ «٧» وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ «٨» ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «٩» يَسْئَلُهُ مَنْ
стр. 99
فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «١» إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً «٢» وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «٣» إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «٤» ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ «٥» ...
إن بين هذه الآيات المنبثة في حنايا القرآن، وغيرها، ترابطا وانسجاما رياضيا دقيقا، وإن فيها تأكيدا مستمرا على الحقيقة «الطبيعية» التي لم تتكشف بعض جوانبها للعلم إلا أخيرا، تلك هي أن الزمن في الأرض والزمن في أمداء الكون ليسا سواء، وأن هناك فرقا شاسعا بين الوحدة الزمنية الأرضية والوحدة الزمنية الكونية يبلغ تارة ٠٠٠، ٣٦٥ ضعف ويبلغ تارة أخرى ٠٠٠، ٢٥٠، ١٨ بحساب القرآن الكريم نفسه!! ومن أجل ذلك سيشده الناس يوم القيامة، وسيظنون أن حياتهم الدنيا لم تكن سوى ساعة من نهار وأنهم لم يلبثوا إلا قليلا.. ومن أجل ذلك لنا أن نتصور لا بحسابنا الأرضيّ، ولكن بحساب المطلقات القرآنية الأمداء الزمانية (للأيام الست) التي خلق فيها الله سبحانه بناء السماوات والأرض، وأعدّ كرتنا الأرضية لاستقبال الحياة وإنمائها وتطويرها على يد الإنسان خليفة الله في الأرض وسيد مخلوقاتها.
ولنتدبر- بعد ذلك- هذه الآية سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ. لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ.
مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً. وَنَراهُ قَرِيباً «٦» . إن الملائكة والروح، وقد تجردت من عوائق الجسد والتراب التي تقيد الإنسان، وتجاوزت قوانين الزمان والمكان الأرضية النسبية، تصعد الآن في طريقها إلى بارئها عبر معارج وأمداء لا يحيطها قط خيال إنسان، لأنها ستجتاز هذه الأمداء التي تبعثرت فيها خمسمائة مليون مجرة، في كل منها آلاف المجموعات الشمسية، كمجموعتنا وأكبر، تجتازها في يوم واحد لكنه ليس كأيامنا، إنه بحساب أيامنا ثمانية عشر مليونا وربع المليون يوما.. إنه اليوم الكوني الذي أشار إليه (أينشتاين) في (نسبيته) التي قادته إلى آفاق جديدة رحبة في ميدان العلوم الطبيعية والرياضية، حتى إنه ليقال إن وصول إنسان ما إلى إحدى المجرّات يحتاج إلى خمسمائة سنة ضوئية، لكن هذا
стр. 100
الإنسان نفسه إذا ما تيسر له جهاز ينقله عبر الفضاء بسرعة الضوء فإنه سيختزل هذه المدة الشاسعة إلى ما يقرب من خمسين سنة فحسب!!
إن الملائكة والروح المتخفف من أعباء الجسد وشد الأعضاء لا يعجزها أن تفوق في حركتها سرعة الضوء، ومن ثم فهي تعرج الكون كله في طريقها إلى خالق الكون جلّ وعلا في يوم واحد في حساب حركتها الزمنية عبر الكون لا بحسابنا.. ومن ثم ينادي الله في علاه رسوله الكريم وهو يشقى بدعوة أناس يرون يوم الحساب بعيدا كبعد السراب فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً. وَنَراهُ قَرِيباً «١» ، وهذا يقربنا بعض الشيء من فهم حادثتين زمنيتين عرضهما علينا القرآن الكريم في سيرة نبيين من أنبيائه ﵈ تكريما لهما وتقديرا: حادثة نقل عرش بلقيس في جزء من اللحظة وحادثة الإسراء والمعراج التي نحن بصددها.
ونحن نقرأ عن الحادثة قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ.
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ. قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ. فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ «٢» .
ألا تلفتنا في هذا العرض عبارات كهذه عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها؟ ثم ألا يثير تساؤلنا تفوق (الإنسان) الذي عنده علم من الكتاب على (العفريت) وتمكنه من اختزال عملية النقل من ست ساعات إلى سدس اللحظة، وربط سليمان إتيانه العلم من قبلها بكونه مسلما، أي منقادا لأمر الله وسننه ونواميسه؟ ثم ألا يعني هذا كله إن منح (علم الكتاب) لرجل أو عفريت أو نبي أو ملك هو اطلاعه على الدستور الرياضي والطبيعي لقوانين الكون ومن ثم تسخيرها إلى أقصى مدى ممكن لتحقيق منجزات زمنية ومكانية تبدو بالمقاييس الراهنة خارقة معجزة؟
إن الناس قبل أن يسخّروا قوى البخار والكهرباء والذرة كانوا يقطعون عدة مئات من الأميال في شهرين أو ثلاثة، ولو قيل لهم آنذاك إن بإمكان الإنسان- لو
стр. 101
حظي بمزيد من العلم بنواميس الطبيعة وسننها- أن يختزل هذه المدة إلى أيام وإلى ساعات فإنهم سوف لن يصدقوا وسيتهمون القائل بشطط الخيال على أقل تقدير.. ومضت القرون وسخّر البخار والكهرباء والذرة وصرنا نصل إلى أطراف الأرض في ساعات معدودة، ونجتاز عالمنا الصغير صوب القمر، ونتطلع للذهاب إلى ما هو أبعد في مجموعتنا الشمسية، ولو قال لنا قائل الآن إنه سيجيء يوم يكشف فيه العلماء عن مزيد من (السنن والقوانين) الطبيعية والرياضية وأنهم سيتمكنون بذلك من صنع أجهزة تنقل الإنسان إلى القمر في ساعتين أو ثلاث لاتهمناه هو الآخر بشطط الخيال.. لكن ذلك اليوم سيجيء، وسيجيء حتما طالما كان هنالك سعي دائب للكشف عن مزيد من جوانب العلم الذي تسير به السماوات والأرض.
وكثيرا ما يتكلم المتكلمون عن محاولات تجري لنقل الأجسام والأشياء من مكان إلى مكان بعيد، بسرعة كسرعة الضوء، بعد تفكيكها إلى تكويناتها الذرية الأولى وإعادة تركيبها من جديد في المكان الذي استقرت فيه متحدية حواجز المكان والزمان، وهذا الأمر كذلك لا يستبعد أن يتحقق في يوم قريب أو بعيد ... وهل كان بإمكان أحد قبل قرنين من الزمان أن يصدق أن بإمكان قنبلة لا تتجاوز حجم الكتاب، عوملت فيها الذرات التافهة الحقيرة معاملة خاصة معقدة، أن تدمر مدينة كبيرة بأسرها وتمحقها محقا من الوجود في دقائق ولحظات؟!
إن القوانين والسنن الطبيعية التي تسير السماوات والأرض إلى غاياتها المرسومة في علم الله، والطاقات التي تحتويها هذه الكتلة الكونية هي هي في كل زمان.. والذي يتاح له الاطلاع على بعض جوانبها وفاعلياتها يستطيع أن يأتي بالعجب العجاب، وأن يتحدى الوقائع المألوفة ويتجاوز تحديات المكان والزمان ... فكيف وأن هذا العلم يمنح مباشرة من الله سبحانه معززا بإراداته التي لا تغلب لذلك الرجل الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ «١» ، أو إلى نبي كسليمان ﵇، هل يعجزهما أن يأتيا بعرش بلقيس عبر آلاف الأميال في جزء تافه ضئيل من لحظة زمنية، أو يتحققا من إمكانية حدوث أمر كهذا؟
أما حادثة الإسراء والمعراج التي نحن بصددها، فإن ما يلفت نظرنا فيها ما
стр. 102
ورد في البخاري عن مالك بن صعصعة من أن رسول الله ﷺ حمل على (براق) يضع خطوه عند أقصى طرفه انطلق به بصحبة جبريل إلى السماوات السبع ... إن البراق، هذا الذي يضع خطوه عند أقصى طرفه والذي يقطع المسافات الشاسعة في لحظات، يشتق اسمه من عالم الضوء والكهرباء، وهي تسمية ذات مغزى عميق جاءت في عصر لم يكن أحد فيه يعرف شيئا عن قوانين الضوء وسرعته وطاقات الكهرباء وإمكاناتها، وهي كما يبدو رمز مدهش للتعبير عن الانسجام الكامل بين رحلة الرسول ﷺ وبين سنن العلوم وقوانينها، تلك الرحلة التي لم يرد لها أن تكون إعجازا يفحم المشركين بعد إذ لم تقنعهم معجزة القرآن ذاتها، بقدر ما أريد لها أن تكون رحلة تكريم يطلع فيها الرسول ﷺ على أطراف الكون الذي أبدع الله صنعه وأتقن حبكته، وإن كان من بديهات القول أن بإمكان الله سبحانه أن يتجاوز السنن والقوانين في أية لحظة يشاء، لأنه جلت قدرته صانع السنن والقوانين. لكن هذه الحقيقة الكبيرة لا تمنعنا من القول بأن رحلة الرسول ﷺ يمكن أن تجد لها تفسيرا وتحليلا على نطاق الطبيعة والرياضيات لا يتجاوز- بطبيعة الحال- الظن والتخمين ...
وفي صبيحة اليوم التالي عندما تحدى مشركو مكة الرسول ﷺ أن يصف لهم بيت المقدس إن كان رآه حقا، طفق الرسول يصفه وكأنه معروض عليه عرضا، أزقته وأسواقه وباحاته وكنائسه وطرقاته. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لما كذبتني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» !!
وأنا أنظر إليه!! لحظة من لحظات تجاوز الأبعاد والحواجز الزمانية والمكانية تعتمد السنن نفسها التي نقل فيها عرش بلقيس وأسري بالرسول ﷺ إلى القدس ثم عرج به في جزء من ليلة إلى أقصى الكون.. السنن التي جعلت عمر ابن الخطاب ﵁ فيما بعد يصرخ وهو في مسجد المدينة (يا سارية الجبل.. الجبل) سارية الذي كان يقاتل في العراق ويتعرض وجنده لكمين قاتل.
هذا عن سنن الكون في أبعاده المادية، فماذا عن الروح وطاقاتها وأساليبها في التعامل مع النواميس؟ إن الله سبحانه الذي هو صانع السنن والقوانين يهب بعض عبادة القدرة الخارقة التي يتمكن بها العبد من طبيعته الخاصة ومما يحيط بها من أشياء وموجودات، فيصنع المستحيل. وتبدو هذه (المستحيلات) خوارق
стр. 103
بالنسبة لأناس ينظرون من الخارج، لكن القضية بالنسبة للعبد نفسه لا تعدو أن تكون قضية (علمية) تعتمد قوانين الروح وطاقاتها لتسخير الأشياء والموجودات، ولتحطيم الحواجز الخارجية للزمان والمكان..
لقد كشف العلم الطبيعي، نفسه، وفي العقود الأخيرة، ومن خلال تحليله لخواص المادة وتوغله في تركيبها الباطني، عن حقيقة خطيرة، هي أن الطاقة أو الحركة إنما هي قاعدة المادة وأساس الأشياء، وأن تركيب الذرات وما تحتويه من تكوينات أدق كالنيوترونات وما تضمه هذه من تركيبات أشد دقة وضالة يؤول في نهاية المطاف إلى طاقة حركية غير مادية هي التي تتشكل منها الذرات والجزئيات، وهي التي تصوغ في (سرعتها) و (إبطائها) وطبيعة حركتها أشكال الأشياء الصلبة والسائلة والغازية!
فإذا كانت الوحدة الأساسية للبناء الطبيعي المادي قد تكشفت عن الحركة اللامادية أفلا يمكن القول إذن بأن الطاقة الروحية التي تتميز بالوعي والانفصال والامتثال والاستشراف والإرادة يمكن أن تتعامل مع هذه الطاقة (اللامادية) بشكل من الأشكال، وتطوعها لأمرها فتذعن وتلبي؟ إن إشارة ضوئية غير ملموسة توجه مركبة فضائية في غاية التعقيد إلى أهدافها في ظروف تقرب من المستحيل لغير المتوغلين في قوانين العلوم الرياضية والطبيعية، أفلا يمكن لإشارات الروح أن تحقق في عالم الطبيعة ما هو أكثر استحالة وإعجازا لمن لم يعرف، ولن يعرف، عن الروح إلا قليلا؟
إن انهيار الأساس المادي للأشياء، الذي كشف عنه العلم أخيرا، يقربنا خطوات من فهم وإدراك طبيعة التعامل بين الروح والمادة، ولكنها خطوات نحسب أنها ستطلعنا على وحدة البناء الكوني، فوحدة خالقه جل وعلا، ولكنها لن تطلعنا بحال على كل أبعاد وخصائص الروح الإنساني، ولا على كل سننه وقوانينه. هذا الروح الذي هو نفخة الله في الطين، ومصدر الحياة والفكر والإرادة والتقدم، سيظل مستغلقا على الإدراك والتحليل الكاملين، لأن خلافتنا على الأرض لا تقتضي هذا التكشف الكامل، ولأن المقادير الضئيلة التي يمنحنا الله إياها في عالم الروح، توازي فاعليتها المقادير الضخمة التي مكننا من معرفتها في عالم الطبيعة. وهذا التوازن الحضاري الفذ بين الروح والمادة في ميدان الكشف والمعرفة، هو ما يقودنا إليه في حشد كبير من الآيات التي تدعونا إلى أن نفتح كل
стр. 104
منافذنا على الطبيعة لاستكشاف قوانينها وطاقاتها وتسخيرها لتنمية الحياة البشرية وتطويرها.. يقابل هذا الحشد آية كريمة واحدة تقول: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «١» «٢» .
стр. 105
الفصل الرابع تحليل للهجرة
[١]
وضع رسولنا «١» ﷺ خطواته الأولى في الدرب صوب المدينة وقلبه يخفق بهذا الدعاء: (وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) وكان يعلم جيدا أن حركة الإنسان في التاريخ لا تستقيم وتصل إلى هدفها إلا بأن يرفع الإنسان بصره وفؤاده وعقله وسمعه وحسّه إلى السماء يتلقى عنها الصدق والنصر.. صدق الحركة وانتصار قيمها.. لكنه لم ينس لحظة أن هذا التوجه إلى السماء يجب أن يقترن بثبات الخطى على الأرض، وبتحمل مسؤولية البصر والسمع والفؤاد بأمانة كاملة.. وبصياغة الحرية الإنسانية بما ينسجم، في المدى القريب والبعيد، مع قدر الله ونواميسه وسننه. وبدون هذا التناغم بين مشيئة الله وحرية الإنسان.. بين نور السماء وشفافيتها وبين كثافة الأرض ووعورة الطريق.. بدون هذا الحوار الدائم الفعال بين الإنسان وخالق الإنسان.. بين انطلاق الروح وشد الجسد.. بدون هذا التواصل الدائم.. بين الحضور والغياب.. بين عالم المشاهدة المباشرة والغيب البعيد.. بدون هذا وذاك لن تكون هناك حركة جادة، ولا مصير عظيم.
إن الرسول ﷺ ظل قلبه يخفق بدعاء الله.. وهو يرسم الخطط، ويضع الضمانات، ويهيىء المواد والإمكانات والدفوع الكفيلة بإيصاله إلى هدفه.. لم يجىء هذا الدعاء قبل التخطيط فحسب، ولا جاء بعده فحسب، فليس في علاقة
стр. 106
الإرادة البشرية بالمشيئة الإلهية- خلال الحدث- قبلية ولا بعدية.. وإنما تسير الاثنتان في انسجام رائع، لأن هذه من تلك ولأن الإنسان في أصغر جزئيات الحركة وفي أكبرها إنما ينفذ قدر الله وناموسه في الأرض، في مدى الحرية التي اتيحت له. أما أن يجيء الدعاء والتوجه قبل التخطيط فحسب، أو بعد التنفيذ فحسب، فهو من قبيل الثنائيات التي ترفضها مبادىء السماء أشد الرفض لأنها تفصل بين الله والإنسان، وتقسم حظ الاثنين في حركة التاريخ بما لا يتفق أساسا والسنن الكبرى.
إن الرسول ﷺ هيأ الأسباب (الإرادية) الكاملة لنجاح الحركة وهو ينظر إلى الله، ووضع خطواته الأولى على الدرب وهو يدعو الله.. وما لبثت الأسباب أن أتت أكلها، والخطوات أن انتهت إلى هدفها، وظل الرسول ينظر إلى الله ويدعوه.
استغرق (هيكل) الهجرة زمنا طويلا.. حمل الرسول وأصحابه معاولهم وبدأوا يحفرون الأسس من أجل أن يستقيم البناء. إن الإسلام جاء لكي يعبر عن وجوده في عالمنا من خلال دوائر ثلاث، يتداخل بعضها في بعض، وتتسع صوب الخارج لكي تشمل مزيدا من المساحات: دائرة الإنسان، فالدولة، فالحضارة.
ولقد اجتاز الإسلام في مكة دائرة الإنسان، ثم ما لبثت العوائق السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية أن صدته عن المضي في الطريق صوب الدائرة الثانية حيث الدولة، لأنه بلا دولة ستظل دائرة الإنسان، التي هي أشبه بنواة لا يحميها جدار، ستظل مفتوحة على الخارج المضاد بكل أثقاله وضغوطه وإمكاناته المادية والروحية، ولن يستطيع الإنسان (الفرد) أو (الجماعة) التي لا تحميها (دولة) أن يمارسا مهمتهما حتى النهاية، سيما إذا كانت قيمهما وأخلاقياتهما تمثلان رفضا حاسما لقيم الواقع الخارجي والتجربة المعاشة، ولا بد إذن من إيجاد الأرضية الصالحة التي يتحرك عليها المسلم، قبل أن تسحقه الظروف الخارجية أو تنحرف به عن الطريق، وليست هذه الأرضية سوى الدائرة الثانية، وليست هذه الدائرة سوى الدولة التي كان على المسلمين أن يقيموها وإلا ضاعوا!!
وهجرة الرسول ﷺ تبدأ منذ اللحظات التي أدرك فيها أن مكة لا تصلح لقيام الدولة وأن واديها الذي تحاصره الجبال، وكعبتها التي تعج بالأوثان، لا
стр. 107
يمكن أن تكون الوطن، ومن ثم راح الرسول يجاهد من أجل الهجرة التي تمنح المسلمين دولة ووطنا، وتحيط كيانهم الغضّ بسياج من إمكانيات القوة والتنظيم والأرض!!
ولن نستطيع أن نحدد بالضبط تلك البدايات.. لكنا نعلم- كما مرّ بنا- أن الرسول ﷺ بدأ نشاطا واسعا ومشهودا إثر خروج المسلمين من حصارهم القاسي في (شعب أبي طالب) ، ذلك الحصار الذي استغرق سنين طوالا، وجاء إشارة حاسمة إلى أن المشركين عامة، والقيادة الوثنية القرشية على وجه الخصوص، لا يمكن بحال أن تهادن المبدأ الجديد، الذي جاء يمثل رفضا حاسما لكل قيم الوثنية وأهدافها وتقاليدها ومصالحها.. وأنهم سيظلون يدفعون حتى النهاية الأخطار التي يمثلها الإسلام بوجه أهدافهم وتقاليدهم ومصالحهم.
والرسول ﷺ الذي علمتنا سيرته مدى الواقعية الإيجابية التي كان يتمتع بها، والحرص على الطاقة الإنسانية ألّا تتبدد في غير مواضعها- سرعان ما نجده يتحرك صوب الخروج إلى مكان جديد يصلح لصياغة الطاقات الإسلامية في إطار دولة تأخذ على عاتقها الاستمرار في المهمة بخطى أوسع، وإمكانات أعظم بكثير من إمكانات أفراد تتناهبهم شرور الوثنية من الداخل وتضغط عليهم قيم الوثنية من الخارج ويستنزف طاقاتهم البناءة اضطهاد قريش، بدلا من أن تمضي هذه الطاقات في طريقها المرسوم.
إن هجرة الرسول ﷺ بدأت فعلا يوم خرج إلى الطائف، فصدّ صدّا قاسيا، لكنه لم ييأس، لأنه يعلم يقينا أن الخاتمة ستكون له، فقط إذا استمر على بذل جهده البشري الكامل في البحث والتخطيط للهجرة التي ستعقب دولة، وللدولة التي ستعقب انتصارا ... ووقف عند أسفل جدار لبستان في الطائف، ريثما يستريح، ونادى ربه (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي) !! ثم واصل الطريق وراح يتصل دون كلل بوفود القبائل التي كانت تنهال على مكة في مواسم الحج، يعرض عليهم الدين الجديد، ويعرض مع الدين الجديد طلبا بأن يمنحوه أرضهم ويحموه، لكي يتمكن من (الإسراع) في أداء مهمته الصعبة قبل أن يجيء البين ويضطرب المصير.
إن الهجرة كان يمكن أن تكون إلى الطائف، أو إلى ديار أية قبيلة عربية قوية الجانب عزيزة المنال، سواء كانت بلادها في الشرق أو في الغرب.. لكن أيا
стр. 108
من هذه القبائل (بنو كندة، بنو عامر بن صعصعة، بنو حنيفة.. الخ) لم تمد يدها مبايعة الرسول ﷺ ومرحبة بهجرته إلى أرضها وديارها.. فقد أعمت الوثنية الجاهلية قلوبهم وأبصارهم عن الشرف الذي كان يمكن أن يحظوا به لو قالوا للرسول: بايعنا.. ونصرنا!!
ويمضي الرسول ﷺ في بحثه عن الطريق الذي سيهاجر عليه وأصحابه صوب هدفهم المحتوم. وكان أن بعث الله نفرا من يثرب.. ساقتهم إرادته التي لا تغلب، إلى الرسول في السنة العاشرة للبعثة.. فالتقوا به عند العقبة، المنفذ الذي يجتازه القادمون من يثرب صوب أم القرى، وعرض عليهم الرسول ﷺ مبادىء الإسلام، غاية في الوضوح والسماحة والعدل والمساواة والانسجام مع تكوين الإنسان ونشاطه وأهدافه.. فما كان منهم إلا أن لبوا الطلب، وأعلنوا إسلامهم، ووعدوا الرسول ﷺ بأنهم سيرجعون إلى يثرب ويبشرون بدعوته العادلة هناك، وقالوا «إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك.. فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك» ، وقفلوا عائدين إلى بلدهم، وراحوا يدعون قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم «فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ » «١» . ومما ساعد هؤلاء الرواد، والذين أعقبوهم، على التحرك لنشر الدعوة في يثرب، وساعد بالتالي على نجاح (الهجرة) ، أن الأوس والخزرج كانوا في هذا الوقت أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وكانوا قد أصبحوا سادة الموقف فيها، وأصبح اليهود يعتبرون موالي لهم، فإذا تحالف النبي مع الأوس والخزرج ودخلوا في دينه، كان له ألا يخشى اليهود، كما كان في مقدور الأوس والخزرج أن يدخلوا في المدينة من شاؤوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم «٢» .
وما لبثت السنة التالية أن جاءت إلى الرسول ﷺ ، في نفس المكان، بوفد ثان من أوس يثرب وخزرجها: اثنا عشر رجلا، من بينهم الستة الذين أسلموا من قبل ... جاؤوا لا ليعلنوا إسلامهم هذه المرة بل ليبايعوا الرسول على الإسلام، تمسكا بأهدافه والتزاما بقيمه وأخلاقياته. ولم يشأ الرسول أن يتسرع الخطوة التالية ويعرض عليهم طلبه القديم: أن يمنحوه أرضهم وبلدهم وأن يحموه.. إنه بذكائه
стр. 109
العجيب وبالهدي الإلهي الذي يمده بنوره، كان ينتظر نتيجة مساعي أصحابه الجدد، ويجسّ النبض ويختبر الإمكانات. إنه في المرة الأولى اكتفى بأن يعرض الإسلام وأن يودع الستة الذين أسلموا دون أية بيعة، وفي المرة الثانية بايعوه على الجانب السلمي- إذا صح التعبير- من برنامج الإسلام «ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه في معروف» «١» . وأرسل معهم داعيته الشاب مصعب بن عمير- الذي لم يشأ أن يجازف به في المرة الأولى- أرسله هذه المرة بعد أن استبانت له ملامح المستقبل، لكي يتولى شؤون الدعوة والتثقيف العقائدي هناك.
ومرت أشهر وأشهر ومصعب يعمل في المدينة بهمة لا تعرف كللا ولا فتورا.. يتحرك بالقرآن، ويحرك أفئدة الناس هناك وعقولهم بالقرآن.. كانت آيات الله تملك في بنيتها المعجزة سحر الإقناع، وكان مصعب يزيدها سحرا في تلاوته إياها وسط حشود الناس التي كانت تجتمع، مبهورة الأنفاس من حوالي مصعب، في أزقة المدينة وطرقاتها، وهو يتلو آيات من القرآن الكريم.. وعندما اقترب موسم الحج من السنة الثانية عشرة للبعثة، غادر مصعب يثرب، يطير به الشوق للقاء رسوله وقائده. في مكة اجتمع به وعرض عليه نتائج مساعيه في يثرب، وأنه عما قريب سيلتقي الرسول بوفد كبير منهم تقرّ له عينه ويطمئن به باله.
وعند العقبة أيضا.. اجتمع الرسول ﷺ بأعضاء الوفد الموسّع الجديد..
كان يضمّ هذه المرة ثلاثا وسبعين رجلا وامرأتين.. اتفق معهم سرّا على أن يوافوه في الثلث الثاني من الليل، حين ينام الناس وتغافل العيون.. يتسللون إليه واحدا واحدا واثنين اثنين.. وتمت البيعة الثانية.. البيعة الكبرى.. هذه المرة صريحة واضحة مكتملة، على كل جوانب الإسلام، سلما كان أم قتالا- بعد أن أذن الله لرسوله بالقتال- ومدّوا إليه أيديهم مصافحين، ومقسمين بالله الواحد الذي آمنوا به، أنهم سيحمون الرسول ﷺ وينصرونه، وأنهم سيرفعون السلاح مدافعين بوجه أية قوة في الأرض، سوداء كانت أم حمراء، تسعى إلى الفتك به وبدعوته وأصحابه، وسأله أحدهم: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال- يعني اليهود-
стр. 110
حبالا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم الرسول ﷺ وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم «١» ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم «٢» .
وقبل أن يرجعوا اختار الرسول ﷺ من بينهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس «٣» ، ليشرفوا بأنفسهم على سير الدعوة في يثرب، حيث استقام عود الإسلام هناك وكثر مثقفوه، وحيث أراد الرسول- بفقهه العميق لأساليب الدعوة- أن يشعرهم أنهم لم يعودوا غرباء لكي يبعث إليهم أحدا من غيرهم، وأنهم غدوا أهل الإسلام وحماته وأنصاره، ثم قال لهم: ارفضّوا إلى رحالكم، فقال له أحدهم، وقد شعروا أن نبأهم بدأ يتسرب إلى قريش: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا!! فأجابه رسول الله: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم «٤» .
خطوات محكمة، واستخدام حصيف للإمكانات، وفقه عميق لخطوات الحركة.. يرافق هذا كله هدي السماء الذي لم يفارق خطى الرسول لحظة، والذي ساق إليه- بما أوجده من ظروف صعبة في يثرب- هذه الوفود التي جاءت تحمل إليه ما كان يرجوه ويعمل على تحقيقه جاهدا.
«رجعنا إلى مضاجعنا- يقول أحد المبايعين- فنمنا عليها حتى أصبحنا، فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم، منكم! فانبعث من هناك، من مشركي قومنا، يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه! - وبعضنا ينظر إلى بعض- وقد صدقوا، لم يعلموه!» .
«ونفر الناس من منى.. وتأكدوا صحة الخبر، فخرجوا في طلب القوم فلم يدركوا، وكانوا قد رحلوا، سوى اثنين: سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو-