الفصل السادس الصراع مع الوثنية (المرحلة الأولى)
السرايا
بدأ الرسول ﷺ فور تثبيت أسس دولته الجديدة في المدينة صراعا (مرحليا) ضد الوثنية العربية وزعيمتها قريش تمثل بشن حروب صغيرة متقطعة ضد القوافل والمواقع الوثنية، أطلق عليها المؤرخون اسم (السرايا) ، استهدفت إرباك قريش وحلفائها وإضعافهم وتحطيم معنوياتهم وضرب نشاطهم التجاري الذي يمثل عصب حياتهم وشريان وجودهم، والحصول على مورد للتموين والتسليح في أعقاب الأزمة المالية التي كان المسلمون يعانونها في مطلع عهدهم بالهجرة. كما استهدفت السرايا إنذار أعداء الدولة الناشئة من غير قريش وحلفائها كاليهود في الداخل وجماعات البدو في الخارج بأن المسلمين قادرون على الرد ومستعدون للتصدي لأي عدوان يستهدف منجزاتهم التي حققوها طيلة أربعة عشر عاما من الجهد والعناء.
ومن جهة أخرى جاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حية كان المقاتل المسلم يجسّ عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية، ماديا ومعنويا، ويمارس مزيدا من التدريب وتنمية قدراته وطاقته على الصمود.
كانت المجموعة الأولى من السرايا قد انطلقت منذ منتصف السنة الأولى للهجرة. انطلق حمزة ﵁ في رمضان من تلك السنة على رأس ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض قافلة لقريش عند ساحل البحر ولقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل فحجز بينهما مجدي بن عمرو الجهني.. ولم يقع اشتباك وكان
стр. 142
يحمل لواء حمزة في هذه المحاولة رجل يدعى أبا مرثد.
وفي شوال انطلق عبيدة بن الحارث على رأس ستين رجلا من المهاجرين يحمل أمر الرسول ﷺ بالمسير إلى بطن «رابغ» ، فالتقوا بمائتين من المشركين يقودهم أبو سفيان على ماء يدعى «أحياء» ، فوقعت بين الطرفين مناوشات بالسهام دون أن يدخلا في اشتباك مباشر. وفي ذي القعدة خرج سعد بن أبي وقاص في عشرين رجلا مشيا على الأقدام فكانوا يكمنون نهارا ويسيرون ليلا، وفي اليوم الخامس بلغوا الخرّار حيث أمرهم الرسول ﷺ ألا يجاوزوها، وكانت القافلة القرشية قد سبقت سرية المسلمين بيوم كامل فلم يدركوها.
وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول ﷺ بنفسه على رأس عدد من أصحابه مستهدفا قريشا وبني ضمرة حتى بلغ «ودّان» فوادعه بنو ضمرة ثم قفل عائدا إلى المدينة ولم يلق كيدا، ثم ما لبث ﷺ أن استخلف على المدينة أبا سلمة ابن عبد الأسد وانطلق لغزو قريش حتى انتهى به المطاف إلى العشيرة قريبا من ينبع، فأقام بها أياما ووادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم قفل عائدا إلى المدينة. وبعد أيام معدودات من عودة الرسول ﷺ من غزوة العشيرة قام كرز بن جابر الفهري بغارة على مواشي المدينة وإبلها التي تسرح في أطرافها، فلاحقه الرسول بنفسه حتى بلغ وادي (سفوان) قريبا من بدر، وفاته كرز ولم يدركه فرجع إلى المدينة وسميت هذه المطاردة باسم بدر الأولى «١» .
وما أن قفل عائدا إلى المدينة حتى جرد ثمانية مقاتلين (وقيل اثني عشر) من المهاجرين بقيادة عبد الله بن جحش وكتب كتابا وأمره ألا ينظر فيه قبل مسيرة يومين فيمضي لما أمره الرسول به ولا يستكره من أصحابه أحدا. وبعد يومين فتح عبد الله الكتاب السري وقرأ ما فيه:
«إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بوادي نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارها» . وما أن أتم عبد الله قراءة الكتاب حتى قال: سمعا وطاعة. ثم التفت إلى أصحابه وقال: قد أمرني الرسول ﷺ أن أمضي
стр. 143
إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لأمر رسول الله. فأجابه أصحابه جميعا ومضوا حتى نزلوا بنخلة، فمرت بهم قافلة لقريش تحمل تجارة لمكة فهاجموها وقتلوا أحد أفرادها وهو عمرو بن الحضرمي وأسروا اثنين آخرين وقفلوا عائدين بالبضائع والأسيرين إلى المدينة.
وعندما أبلغوا الرسول ﷺ تفاصيل الحادث قال: ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم وأوقف التصرف بالأموال والأسيرين وأبي أن يأخذ من ذلك شيئا، فأسقط في أيدي القوم وعنفهم إخوانهم فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وغنموا الأموال وأسروا الرجال، لكن آيات القرآن الكريم سرعان ما تنزلت لتحدد الموقف الحازم إزاء القيادة الوثنية التي كانت قد سبقت إلى انتهاك الأشهر الحرم، فقاتلت المسلمين الجدد فيها وعذبتهم واضطهدتم وفتنتهم عن دينهم، وإنه قد آن للمسلمين أن يردوا على هذا الانتهاك الصريح لأن التشبث بحرمة الشكليات هزيمة لا مبرر لها في ساحة الصراع العنيف بين المعسكرين يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا «١» «٢» .
ويمكن اعتبار سرية عبد الله بن جحش الجسر الذي اجتازه صراع المناوشات بين الإسلام والوثنية صوب القتال المنظم المكشوف الذي بدأته معركة بدر. ذلك أن هذه السرية كشفت، بسبب توغل مقاتليها بعيدا إلى طريق التجارة المكية- اليمنية، مدى خطورة الدولة الناشئة على تجارة مكة خاصة ووجودها الوثني عامة، كما أن الاشتباك الذي وقع بين الطرفين وأدى إلى قتل وثنيّ وأسر آخرين أبان عن رغبة المقاتلين المسلمين برفع السلاح بوجه الوثنية دونما تردد أو مساومة، هذا فضلا عن المنطلق المبدئي الجديد الذي حددته الآيات السالفة والذي ضربت فيه شكليات التقاليد القديمة ونفخت في المقاتل المسلم روحا جديدة دفعته إلى مزيد من المجابهة والصراع والتحدي للقيادة المكية التي كانت
стр. 144
قد سبقت المسلمين- كما بين القرآن- إلى تجاوز الحرمات والاستهتار بالأعراف.
وهكذا يمكننا القول بأن معركة بدر الكبرى لو لم تحدث بسبب غياب شروطها الواقعية لحدثت معركة أخرى بديلة عنها بسبب توافر الشروط الموضوعية للقتال الحاسم بين المعسكرين.
[منجزات السرايا]
حقق الرسول ﷺ بسراياه الأولى عددا من المنجزات العامة يمكن حصرها بما يلي:
١- الاستطلاع:
استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة، خاصة الطرق التجارية الحيوية لقريش بين مكة والشام، كما استطاعوا التعرف على قبائل المنطقة وموادعة بعضها.
٢- القتال:
أ- أثبت المسلمون أنهم أقوياء ويستطيعون الدفاع عن أنفسهم وعقيدتهم تجاه المشركين من قريش والقبائل المجاورة وأهل المدينة وتجاه اليهود، وقد أراد المسلمون من ذلك أن تترك لهم الحرية الكاملة لنشر دعوتهم دون تدخل من أعدائهم.
ب- تحالف المسلمين مع بعض القبائل المجاورة.
٣- الكتمان:
ابتكر الرسول أسلوب الرسائل المكتومة للمحافظة على الكتمان وحرمان العدو من الحصول على المعلومات التي تفيده عن حركات المسلمين. والكتمان أكبر عامل من عوامل مبدأ المباغتة التي هي إحداث موقف لا يكون العدو مستعدا له. والكتمان من جملة الوسائل المهمة التي تؤدي إلى المباغتة وهي أهم مبدأ من مبادىء الحرب. وقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق.
٤- الحصار الاقتصادي:
هدد المسلمون أهم طريق تجارية بين مكة والشام فأصبحت قوافل قريش
стр. 145
غير آمنة حين تسلك هذا الطريق مما أثر أسوأ الأثر على تجارة قريش التي تعيش عليها، وهدد مكة بالحصار الاقتصادي لمحاولة حرمانها من سلوك طريق مكة الشام بأمان «١» .
وكما حرص النبي ﷺ على أن يوجد في داخل المدينة أداة للحكم وأن ينظم شؤونها الداخلية كذلك حرص عن طريق السرايا على أن يضم إلى المدينة ما حولها من ريف وقبائل، وأن يخطط لها مجالها ويقرر حدودها ويعقد لها أحلافا مع القبائل النازلة حولها، لأن الحاضرة لا تستطيع أن تعيش بنفسها ولا تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالا لنشاطها. وكان هذا أحد أسباب قيام النبي بعدة سرايا ابتدأت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات فأمنت هذا الريف، وعقدت في أثناء هذه السرايا أحلافا مع القبائل المجاورة. إذ أنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابا كبيرا لغزوات البدو ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم عند اللزوم وإشعارهم دائما بقوة المدينة وقدرتها على الضرب «٢» . وكانت استراتيجية الرسول في توجيه سراياه، وغزواته كذلك، تعتمد الحذر الدائم والحرص على أن يعرف من أخبار القبائل ما يمكنه من تدبير أمره لإقرار هيبة الدولة في نفوس البدو، فكان لا يترك فرصة لهم للتجمع لغزوه ومهاجمته بل كان يقظا سريع الحركة ما يكاد يسمع بتجمع أعدائه حتى يفاجئهم قبل أن يستكملوا أمرهم فيشتت شملهم ويلقي الرعب في قلوبهم. فالهجوم عنده أقوى وسائل الدفاع، وتحطيم قوة العدو قبل أن تكتمل أفضل من تركها تتجمع ثم الصمود لها. ولقد أتاحت هذه الظروف للدولة الإسلامية في المدينة فرصة الاستقرار «٣» .
стр. 146
معركة بدر الكبرى
وقد بدأت الأسباب الواقعية التاريخية التي قادت إلى المعركة الحاسمة تتجمع إلى بعضها منذ اللحظة التي أبلغ فيها الرسول ﷺ أن قافلة كبيرة لقريش تضم ألف بعير قادمة من الشام صوب مكة يقودها أبو سفيان في ثلاثين أو أربعين تاجرا مكيا «١» ، وبمبادرة لا تردد فيها قال لأصحابه: (هذه عير قريش، فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها) «٢» .
ونظرا إلى أن نداء الرسول ﷺ لم يكن أمرا ملزما بل كان ندبا، ونظرا إلى أن أحدا لم يكن يتوقع أن لقاء مسلحا حاسما سيتمخض عن التحدي الجديد هذا، فقد خرج بعض المسلمين بقيادة رسولهم الكريم ﷺ لمهاجمة القافلة، وتخلّف بعضهم الآخر، كما أن هؤلاء خرجوا ولم يأخذوا أهبتهم الكاملة من السلاح والتأهب.. «٣» وما أن سمع أبو سفيان بنبأ تحرك المسلمين لمجابهة قافلته حتى أرسل إلى مكة على جناح السرعة ضمضم بن عمرو الغفاري وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد تعرّض لها في الطريق..
وما إن وصل ضمضم إلى مكة حتى جدع بعيره، وحوّل رحله، وشق قميصه وراح يصرخ: يا معشر قريش!! اللطيمة اللطيمة!! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث!! وسرعان ما استجاب الناس لندائه وهرعوا إلى الكعبة وهم يقولون: أيظن محمد وأصحابه أن
стр. 147
تكون كعير ابن الحضرمي (الذي كان قد قتل في سرية ابن جحش) كلا.. والله ليعلمن ذلك. فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا.. وتجمعت قريش كلها تسعمائة وخمسين مقاتلا تصحبهم مائة فرس ولم يتخلف من أشرافها أحد خلا أبا لهب الذي يبدو أن مرضه وكبره أقعده عن اللحاق بالمستنفرين «١» ، واستطاع أبو سفيان خلال ذلك أن يفلت من قبضة المسلمين بإسراعه وتجنبه الطريق الداخلي صوب الساحل. وما أن اطمأن على قافلته حتى أرسل إلى رفاقه في مكة: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم وأموالكم ورجالكم فقد نجّاها الله فارجعوا. إلا أن أبا جهل ابن هشام كان أبعد نظرا منه عندما أصرّ على الخروج والنزول في بدر حيث ان للعرب هناك سوقا يجتمعون له كل عام ثلاثة أيام «ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها» «٢» . فما دامت سرايا المسلمين قد حققت للدولة الجديدة في المدينة طيلة الأشهر السابقة نصرا عسكريا وإعلاميا ونفسيا ضد قريش وثبتت كلمة الإسلام ورايته في أعماق الصحراء فإنه لا بد لقريش أن تردّ بنفس الأسلوب وتعلم العرب الذين ينتمون إليها أن الكلمة كلمتها وأن الصحراء ستظل موطىء أقدامها دون منازع.
وفي الجبهة الآخرى كان الرسول ﷺ قد انطلق بأصحابه البالغ عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا مستخلفا على المدينة (أبا لبابة) ومقيما (عمرو بن أم مكتوم) إماما على الصلاة بالناس، ودفع اللواء الأبيض إلى مصعب بن عمير الداعية الشاب، وأما الرايتان السوداوان فقد حمل علي إحداهما وتدعى العقاب، أما الآخرى فقد حملها بعض الأنصار. ووزع الرسول ﷺ السبعين بعيرا التي كانت بحوزة المسلمين على أصحابه كل ثلاثة يتناوبون واحدا منها، ولم يكن معهم من الخيول سوى اثنتين. وعندما وصلوا قريبا من بدر حيث طريق القوافل بين مكة وبلاد الشام بعث الرسول إلى هناك اثنين من أتباعه ليتحسسا له الأخبار عن قافلة أبي
стр. 148
سفيان التي كانوا يظنون أنها لا زالت في المنطقة، وانطلق هو وأصحابه في أعقابهما «١» وما لبث الرسول ﷺ أن عسكر بأصحابه قريبا من ماء بدر، وعندما حلّ المساء بعث ثلاثة من رجاله المعتمدين هم الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص على رأس جماعة من المسلمين ليستطلعوا جلية الأخبار ويعرفوا شيئا عن مصير القافلة، فاستطاعوا إلقاء القبض على اثنين من سقاة قريش جاؤوا بهما إلى الرسول ﷺ معتقدين أنهما من أتباع أبي سفيان، إلا أنهما أكدا انتماءهما للجيش القرشي الذي يعسكر الآن قريبا من المسلمين تحجبهم التلال والكثبان عنهم، فقال الرسول: أخبراني عن قريش. قالوا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهم: كم القوم؟ قالا: لا ندري. قال:
كم تنحرون كل يوم؟ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال ﷺ : القوم بين التسعمائة والألف، ثم سألهما: فمن فيها من أشراف قريش؟ فطفقا يستعرضان عددا من قادة قريش فيهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود وغيرهم، وحينذاك أقبل الرسول ﷺ على أصحابه وقال:
هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها «٢» ، وقد أدرك الرسول ﷺ أنه رغم ضياع الهدف القريب المتمثل بقافلة أبي سفيان فإن عليه أن يقود أصحابه إلى هدف أبعد: أن تظل كلمتهم تتردد في جنبات الصحراء، وألايتراجع وجودهم العسكري الذي بنته السرايا السابقة صوب المدينة فتكون الهزيمة بعينها في نظر العرب جميعا. ورغم قلة السلاح ونقص الاستعداد فإن الرسول كان يجد أنه لا مناص من التوغل في الصحراء لتحقيق هذا الهدف البعيد وكأنه، بإحساسه الصادق العميق، كان يرى الهدف الذي خرجت قريش من أجله والذي تجاوز منطق الدفاع عن مصالحها التجارية المتمثلة بحماية قافلة أبي سفيان إلى تحدي المسلمين. فإن لم يتصدّ لها الإسلام في أوّل تحد حاسم فإن نكسة خطيرة ستصيب الدعوة والدولة الإسلامية على السواء.
استشار الرسول ﷺ أصحابه وأذاع عليهم تفاصيل ما ورده من أنباء عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقام وأحسن، وقام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: «يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله
стр. 149
لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى.. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «١» ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى (برك الغماد) (مدينة في الحبشة) لجالدنا معك من دونها حتى تبلغها» . وبهذا عبّر المهاجرون على لسان قادتهم عن رغباتهم العميقة في القتال دون الدعوة، وإطاعة الرسول ﷺ الذي رأى وجوب أخذ رأي الأنصار بعد ذلك سيما وأنهم في بيعتهم له في العقبة لم يلتزموا بقتال خارج مدينتهم، فسألهم الرسول ﷺ : أشيروا علي أيها الناس! فقام سعد بن معاذ فقال: «قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا إنما جئت به هو الحق. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف عنك رجل واحد، فسر على بركة الله» . فسرّ رسول الله ﷺ وقال لأصحابه: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم «٢» . وتقدم بأصحابه حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به، فسأله الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أنزلك الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه ثم نبني عليها حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال الرسول ﷺ : لقد أشرت بالرأي، ثم أمر بتنفيذ خطته. وعرض عليه سعد بن معاذ أن يقام له عريش يتولى منه قيادة المعركة، فنفذ الرسول رأيه. وما لبثت السماء أن أمطرت مطرا خفيفا فلبدت أرض الصحراء بما يتيح للمسلمين الحركة السريعة فوقها، وراح الرسول يدعو الله: اللهم هذي قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. وعند ما حلّ الفجر صلّى بالمسلمين وراح ينظمهم صفوفا ويحرضهم على القتال «٣» .
ما لبث الرسول أن أرسل عمّار بن ياسر وابن مسعود ﵄ فأطافا
стр. 150
بالمشركين ثم رجعا إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله القوم مذعورون فزعون، إن الفرس ليريد أن يصهل فيضرب وجهه مع أن السماء تسحّ عليهم.. وفي معسكر قريش حدث خلاف بين قادتها، وطرح بعضهم، وعلى رأسهم حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة، رأيا بالتخلي عن القتال والعودة إلى مكة بعد ما عرفوا من نزول المسلمين قريبا منهم، إلا أن أبا جهل أصرّ على الحرب واستثار عامر بن الحضرمي بتذكيره بمقتل أخيه عمرو في سرية عبد الله بن جحش فصرخ واعمراه واعمراه الأمر الذي استفز قريشا جميعا ودفعها إلى اتخاذ موقف القتال.
وفي صبيحة الجمعة السابع عشر من رمضان تقدم الأسود بن عبد الأسد المخزومي الذي عرف بشراسة الطبع وسوء الخلق وقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنه أو أموتنّ دونه! فتصدى له حمزة بن عبد المطلب وتمكن من قتله في الحوض نفسه. وبرز عتبة بن ربيعة يحف به أخوه شيبة وابنه الوليد ودعا إلى المبارزة فخرج إليه ثلاثة من فتيان الأنصار فسألهم القرشيون: من أنتم؟ قالوا:
رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم حاجة، ونادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فاستجاب الرسول لهذا التحدي وأمر عبيدة بن الحارث وحمزة وعليا ﵃ أن يتصدوا لهم. وسرعان ما تمكن حمزة من قتل شيبة وفعل علي ذلك بغريمه الوليد، أما عبيدة فقد جرح غريمه وأصابه هو الآخر بجرح مميت فانقضّ علي وحمزة على الفتى القرشي وأجهزا عليه وحملا عبيدة إلى معسكر المسلمين حيث توفي هناك «١» .
استفزت هذه البداية كلا المعسكرين فزحفا نحو بعضهما، وأصدر الرسول أوامره إلى أصحابه ألا يهاجموا حتى يأذن لهم وأن يبعدوا مهاجميهم القرشيين بالنبال، وسوّى صفوفهم، ورجع إلى العريش يصحبه أبو بكر ﵁ وراح يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد) فيرد عليه أبو بكر: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك! وما لبث الرسول ﷺ أن انتبه فجأة وقال والبشر يكسو وجهه: (أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله!! هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع) «٢» .. وانطلق الرسول ﷺ يحضهم على القتال (والذي نفسي بيده لا يقاتلهم
стр. 151
اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلّا أدخله الله الجنة) فقال عمير ابن الحمام وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وقاتل القوم حتى قتل «١» .
وراح الرسول ﷺ يجالد المشركين بنفسه ويتقدم الصفوف حتى أن عليا ﵁ قال فيما بعد: لما أن كان يوم بدر وحضر البأس التقينا برسول الله وكان أشد الناس بأسا وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه «٢» ، ثم ما لبث أن أخذ حفنة من الحصباء واستقبل قريشا بها وصاح: شاهت الوجوه، وضربها بوجوههم ونادى أصحابه: شدوا، فحمل المسلمون حملة صادقة تسوقهم إلى أعدائهم موجة من الإيمان العارم ورغبة عميقة في الاستشهاد، وراحوا يحصدون صناديد قريش ويأسرون أبطالها.. وحمل معاذ بن عمرو بن الجموح على أبي جهل وقد لجأ إلى مجموعة كثيفة من الأشجار يحيط به عدد من أتباعه فضربه فقطع ساقه.
ويتحدث معاذ عما تبع ذلك فيقول «ضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطيت بها حتى طرحتها. ثم مرّ بأبي جهل وهو جريح معوّذ فضربه حتى أصابه بجرح لم يستطع معه حراكا وظل معوّذ يقاتل حتى قتل. ومرّ عبد الله بن مسعود بأبي جهل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة فوضع رجله على عنقه وقال: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ فأجاب أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا! فاحتزّ عبد الله رأسه «٣» . وما لبثت الهزيمة أن حاقت بالمشركين الذين فرّوا من ساحة القتال لا يلوون على شيء مخلفين وراءهم ما يربو على سبعين قتيلا ومثلهم أسرى «٤» . أما خسائر المسلمين فقد بلغت أربعة عشر شهيدا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، والتمس الرسول ﷺ رأس أبي جهل فجاء بها عبد الله بن مسعود فحمد الله ثم أمر
стр. 152
أن يطرح قتلى المشركين في قليب قريب.. وسمعه أصحابه في جوف الليل وهو يقول: (يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أميّة بن خلف ويا أبا جهل هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا) ؟
فسأله أصحابه: يا رسول الله أتنادي قوما قد جيّفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني «١» . بعت الرسول ﷺ عبد الله بن رواحة وزيد بن الحارثة إلى المدينة ليبشروا أهلها بانتصار المسلمين، وأقبل في أعقابهما بعد تسعة عشر يوما من غيابه عنا مستصحبا معه أسرى المشركين بعد أن قسّم الغنائم على المسلمين على السواء. وعند الروحاء قريبا من المدينة لقيه المسلمون الذين لم يخرجوا للقتال يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين،.. وما أن وصل المدينة حتى فرّق الأسارى بين أصحابه وقال: استوصوا بالأسارى خيرا، وما لبثت قريش أن بعثت في فداء أسراهم، ففودي كل أسير بين الألف والأربعة آلاف درهم ومن لم يكن منهم يملك شيئا منّ عليه الرسول ﷺ «٢» .
[أسباب انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى]
ثمة أسباب عديدة تمخضت عن انتصار القلة على الكثرة في معركة بدر الحاسمة، ولا بأس هنا أن نلخص أهم هذه الأسباب التي عرضها (خطّاب) في كتابه (الرسول القائد) لأنها يمكن أن تعد الأسباب النموذجية التي تفسر لنا الكثير من الانتصارات التي حققها المسلمون ضد أعدائهم الذين يفوقونهم عددا وعدة، ليس في عصر الرسول فقط بل فيما تلاه من عصور وأول هذه الأسباب:
القيادة الموحدة:
كان الرسول ﷺ هو القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وكان المسلمون يعملون كيد واحدة تحت قيادته يوجههم في الوقت الحاسم للقيام بعمل حاسم، وهذا هو واجب القائد الكفء. وكان ضبط المسلمين في تنفيذ أوامر قائدهم مثالا رائعا للضبط الحقيقي المتين، وإذا كان الضبط أساس الجنديّة، وإذا كان الجيش الممتاز هو الذي يتحلى بضبط ممتاز، فقد كان جيش المسلمين جيشا ممتازا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، وأن معنى الضبط هو إطاعة الأوامر وتنفيذها
стр. 153
بحرص وأمانة وعن طيبة خاطر، وقد فعل المسلمون ذلك لأن قائدهم يتحلى بصفات القائد المثالي.. ضبطا للأعصاب في الشدائد، شجاعة نادرة في المواقف، مساواة لنفسه مع أصحابه، استشارة في كل عمل حاسم. أما المشركون فلم يكن لهم قائد عام، كان أكثر سراة قريش مع قوات المشركين ولكن البارزين من هؤلاء على ما يظهر رجلان هما عتبة بن ربيعة وأبو جهل، ولم يكونا على رأي واحد وليس لهم هدف موحد، لذلك طغت الأنانية الفردية على المصلحة الموحدة أثناء القتال.
التعبئة الجديدة:
طبّق الرسول ﷺ في (مسير الاقتراب) من المدينة إلى بدر تشكيلة لا تختلف بتاتا عن التعبئة الحديثة في حرب الصحراء، كان لهم مقدمة وقسم أكبر ومؤخرة، واستفاد من دوريّات الاستطلاع للحصول على المعلومات، وتلك هي الأساليب الصحيحة لتشكيلات مسير الاقتراب في حرب الصحراء حتى في العصر الحاضر. أما في المعركة فقد قاتل المسلمون بأسلوب الصفوف بينما قاتل المشركون بأسلوب الكر والفر وهو أسلوب قديم لا يلائم الأوضاع المستجدة.
العقيدة الراسخة:
رأينا كيف كان جواب المهاجرين والأنصار للرسول حين استشارهم في قتال قريش، فقد كان للمسلمين أهداف معينة يعرفونها ويؤمنون بها هي أن تترك الحرية الكاملة لهم لبث دعوتهم حتى تكون كلمة الله العليا، فما هي أهداف قريش من حربها إلا أن تنحر الجزور وتطعم الطعام وتشرب الخمر وتعزف القيان فتسمع العرب بمسيرها فيهابونها أبدا بعدها؟ وهل نستطيع تسمية ذلك أهدافا أم أن ذلك طيش وغرور وعصبية جاهلية؟
المعنويات العالية:
شجع الرسول أصحابه قبل القتال وأثناءه وقوّى معنوياتهم حتى لا يكترثوا بتفوق قريش عليهم عددا، ولم تكن معنويات الذين مارسوا الحرب وعرفوها من المسلمين عالية فحسب إنما كانت معنويات الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا حربا ولا قتالا عالية أيضا ... لقد أثبتت كافة الحروب في كافة أدوار التاريخ أن
стр. 154
التسليح والتنظيم الجيدين والقوة العددية غير كافية لنيل النصر ما لم يتحلّ المقاتلون بالمعنويات العالية بالإضافة إلى كل ذلك «١» ، ولقد تمخضت معركة بدر عن نتائج مهمة، فقد هددت طرق تجارة المكيين وهي عصب حياتهم وأضعفت هيبة مكة ونفوذها على العرب، ونمّت قوة الإسلام وعززت دولته الجديدة في المدينة، وانفسح المجال لنشر دعوته وازداد التضامن بين المهاجرين والأنصار قوة وتماسكا. وكان تشريع خمس الغنائم في أعقاب بدر ذا خطورة عظيمة نظرا لأنه أول تشريع قرآني مالي رسمي غير الزكاة توطد به بيت المال في الإسلام وتيسر تحقيق ما دعا إليه القرآن من مساعدة الطبقات المحتاجة والإنفاق في سبيل مصالح المسلمين العامة بأسلوب رسمي غير قائم على التبرّع «٢» .
стр. 155
معركة أحد
راحت قريش تعد العدة كي تثأر من المسلمين في أعقاب الهزيمة النكراء التي منيت بها في بدر، وأقسم أبو سفيان ألّا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في ذي الحجة على رأس مائتي راكب من قريش، تدفعه رغبة إنتقامية عاتية، ليبر بيمينه، وعندما بلغ مشارف المدينة، تسلل ليلا إلى أحياء بني النضير، وطرق الباب على أحد زعمائهم (حيي بن أخطب) ، فدفعه خوفه إلى أن يغلق الباب، فانصرف أبو سفيان إلى سلام بن مشكم، سيد بني النضير، آنذاك، فاستضافه وقدم له بعض المعلومات. وفي فجر اليوم التالي قام أبو سفيان بإرسال جماعة من أصحابه إلى ناحية (العريض) في المدينة فحرقوا نخيلها وقتلوا رجلا من الأنصار وحليفا له وهما يعملان في حرث لهما، ثم انصرفوا راجعين. وعندما انتشر نبأ الهجوم بين الناس خرج الرسول ﷺ بنفسه لطلبهم، واستعمل على المدينة «بشير بن عبد المنذر» فلما أحس أبو سفيان وأصحابه أنهم مدركون تخففوا من أزوادهم ومعظمها من السويق، طارحين إياها في عرض الطريق، وتمكنوا من النجاة «١» .
وإذ شددت النتيجة التي تمخضت عنها معركة بدر من قبضة المسلمين على طريق مكة التجاري إلى الشام، قررت قريش من أجل أن تتجاوز هذا الحصار أن تسلك في تجارتها طريقا آخر، دلها عليه بعض العارفين، وهو الذي يتجه إلى العراق، صوب الشمال الشرقي بعيدا عن يثرب، وقد عبّر (صفوان بن أمية) عن
стр. 156
مخاوف القرشيين بقوله: إن محمدا وأصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع وأصحابه لا يبرحون الساحل وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا نأكل رؤوس أموالنا، ونحن في دارنا هذه.. إنما نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف، وفي الشتاء إلى أرض الحبشة «١» .
وقد خرجت إحدى قوافلهم تحمل مقادير كبيرة من الفضة، يقودها عدد من الرجال فيهم أبو سفيان، ويدلها على الطريق الجديد (فرات بن حيان) ، إلا أن الرسول ﷺ سرعان ما بلغته أنباء القافلة الغنية فبعث على جناح السرعة، سرية يقودها زيد بن حارثة، تمكن من مباغتة القافلة في منطقة في نجد تدعى (ماء القردة) فهرب رجالها تاركين بضائعهم لقمة سائغة للقائد المسلم الذي عاد بها إلى المدينة كي يقتسمها المسلمون «٢» .
كانت هذه المقدمات تسوق قريشا إلى الإسراع بتوجيه ضربة قاصمة للمسلمين انتقاما لما لحقهم بمعركة بدر، وكسرا للحصار الاقتصادي الذي ازدادت وطأته في أعقاب بدر وذي القردة، واجتمع عدد من زعمائها، ممن أصيب أقرباؤهم ببدر، بأبي سفيان وتم الإتفاق على أن يتنازل أهل مكة عن أموالهم في القافلة التي قدم بها أبو سفيان من الشام قبيل معركة بدر لاستخدامها في التهيؤ للمعركة المرتقبة.
استنفرت قريش كل قادر على حمل السلاح من أبنائها، ودعت الأحابيش وحلفاءها من قبائل كنانة، وأهل تهامة وثقيف للانضمام إليها فبلغوا ثلاثة آلاف رجل بضمنهم سبعمائة دارع ومائتا فرس وثلاثة آلاف بعير.. واستدعيت النساء للخروج كي يثرن الحمية في نفوس المقاتلين ويمنعنهم من الفرار، وتولى القيادة أبو سفيان، فسار بهم طاويا الصحراء حتى نزل قريبا من جبل أحد شمالي المدينة، وعندما سمع الرسول ﷺ ذلك بعث ثلاثة من أصحابه ليأتوه بأخبارهم
стр. 157
وأمر بتشديد الحراسة على المدينة، وعرض على أصحابه أن يظلوا في المدينة، ويدعوا قريشا حيث نزلت [فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها] فكأنه ﷺ كان يريد أن يعتمد الخطة التي يسمونها اليوم «حرب الشوارع» أو «الحارات» ، فحيثما كان المهاجمون أكثر عددا من المدافعين كان الأجدر أن يحتمي هؤلاء داخل مدنهم، كي يتمكنوا من إنزال ضرباتهم بالعدو الذي سيجد نفسه مضطرا إلى التشتت في أنحاء المدينة التي لا يعرف الكثير عن منعطفاتها وزواياها، هذا فضلا عن أن قتالا كهذا سيتيح حتى للنساء والأطفال أن يشاركوا في القتال، إلا أن المسلمين الذين فاتهم شرف القتال في بدر، وخاصة الشباب منهم ألحوا بالخروج وقالوا: يا رسول الله أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرونا أنا جبنّا عنهم وضعفنا!! وأيد عبد الله بن أبي- زعيم المنافقين-، غير صادق، رأي الرسول ﷺ ، بينما ألح عدد من كبار الصحابة على الخروج قائلين: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم، وندعو الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا ... وقال مالك بن سنان: يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسنيين، إما أن يظفرنا الله بهم، أو يرزقنا الشهادة. وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي هذا خارجا من المدينة. وقال النعمان ابن مالك أخو بني سالم: يا رسول الله لم تحرمنا الجنة؟ فو الذي لا إله إلا هو لأدخلنها.
سأل الرسول ﷺ بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف.
فقال الرسول: صدقت. وقال أياس بن أوس: يا رسول الله، نحن بنو عبد الأشهل نرجو أن نذبح ويذبح فينا فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار مع أني يا رسول لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون: حصرنا محمدا في صياصي يثرب وآطامها فيكون هذا جرأة لقريش. وقال عبد الله بن جحش: اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غدا، فيقتلوني، ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني فيم ذلك، فأقول فيك «١» .
стр. 158
ومما لا ريب فيه أن مواقف كبار الصحابة هؤلاء تبين لنا أن الإلحاح على الخروج للقتال بعيدا عن المدينة، لم يجىء من الشباب والذين لم يشهدوا بدرا فحسب، بل أسهم معهم في ذلك عدد من كبار المسلمين، الأمر الذي يفسر لنا استجابة الرسول ﷺ لوجهة النظر هذه، وعدم تردده في قبولها اعتمادا على ثقته الكبيرة بهذا العدد الكبير من أتباعه الراغبين في الخروج.
وخوفا من أن يطول النقاش، وتتعرض وحدة الصف المسلم للخطر، وتلبية لنداء الشباب المتحمسين للقتال والشهادة، أسوة بإخوانهم في بدر أسرع الرسول ﷺ فدخل بيته ولبس درعه وحمل سلاحه، وما أن رآه المسلمون الذين ألحوا بالخروج حتى ندموا وقالوا:
استكرهنا الرسول ﷺ ولم يكن لنا ذلك، وعرضوا عليه أن يعود إلى رأيه الأول، إلا أنه أجابهم «ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، فانظروا ما أمرتكم به فافعلوه، فلكم النصر ما صبرتم» ، ومن ثم غادر المدينة على رأس ألف مقاتل، بعد أن وضع نساءها وصبيانها في الحصون والآطام حتى إذا قطعوا شوطا من الطريق إلى أحد انسحب ابن أبيّ بثلث الناس وقال مبررا ذلك: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فتبعهم عبد الله بن عمرو ابن حزام يحثهم على الرجوع لإخوانهم، فلم يستجيبوا، وكان الأنصار قد عرضوا على الرسول ﷺ أن يستعين باليهود فرفض «١» .
عسكر الرسول ﷺ بأصحابه السبعمائة قريبا من أحد جاعلا ظهورهم إليه وسوّى صفوف المسلمين، وطلب منهم ألايقاتلوا حتى يأمرهم بذلك، واختار خمسين رجلا وضعهم على الجبل وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وقال له: انضح الخيل عنا بالنبال لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت لا نؤتين من قبلك، ولبس ﷺ درعين زيادة في الحيطة ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير. أما قريش فعبأت رجالها بمواجهة المسلمين وقسمت فرسانها الذين بلغوا مئتي رجل إلى قسمين، أحدهما في الميمنة بقيادة خالد بن الوليد والآخر في الميسرة بقيادة
стр. 159
عكرمة بن أبي جهل، وسلم اللواء إلى بني عبد الدار، وراح أبو سفيان يحرضهم على القتال ... فقالوا: ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع «١» .
وما أن التقى الطرفان (السبت منتصف شوال) ودنا بعضهم من بعض حتى راحت هند بنت عتبة والنسوة يحرضن الرجال ويضربن الدفوف وينشدن الأراجيز الحماسية للتحريض على القتال.
ورفع المسلمون شعارهم: أمت أمت، وراحوا يتنادون به ليعرف بعضهم بعضا، وجرد رسول الله سيفه ونادى: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فسأله أبو دجانة: وما حقه يا رسول الله؟ أجابه: أن تضرب به العدو حتى ينحني، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، واستلم السيف، وعصب رأسه بعصابة حمراء كعادته، واندفع إلى قلب المعركة لا يعترضه أحد من المشركين إلا قتله.
وراح حمزة يقتطف رؤوس القرشيين واحدا واحدا ويحدث في صفوفهم خللا واضطرابا، وهو ينهدّ عليهم يمينا وشمالا، لولا أن كمن له وحشي- غلام جبير ابن مطعم- الذي يجيد الإصابة بحربته الحبشية، والذي كان قد وعد من قبل سيده، أن ينال حريته إذا ما تمكن من قتل حمزة. ويحدثنا وحشي كيف قضى على العملاق « ... وهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها، دفعتها عليه فوقعت في ثلته حتى خرجت من بين رجليه. فأقبل نحوي، فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت، وأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لي بشيء حاجة غيره ... » «٢» .
استمرت المعركة بين المعسكرين غير المتكافئين، إلا أن حرارة الإيمان والرغبة العميقة في الشهادة مكنت القلة أن تواصل القتال وتقتل من المشركين أضعاف قتلاها، وتحرز انتصارا تدريجيا. شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد حمل على المسلمين فرمته الرماة فتراجع واختفى ... وأعاد المحاولة مرة أخرى ونبال الرماة تنهال على أصحابه فتقتل منهم من تقتل
стр. 160
وتضطرهم إلى الانسحاب «١» .
وقاتل مصعب بن عمير دون الرسول ﷺ حتى قتل على يد ابن قميئة الليثي الذي ظنه الرسول ﷺ فتسلم اللواء علي ﵁ بأمر من الرسول، وراح المسلمون يجالدون أعداءهم حتى أنزل الله نصره عليهم وصدقهم وعده، فراحوا يستأصلونهم بالسيوف حتى كشفوهم عن مواقعهم، وكانت الهزيمة لا شك فيها «٢» .
إلا أن لحظة من لحظات الضعف البشري ساقت الرماة الذين كانوا على جبل أحد إلى نسيان أوامر النبي ﷺ ومغادرة مواقعهم لمشاركة إخوانهم في مطاردة المشركين وجمع الغنائم، فنادى عبد الله بن جبير: أما علمتم ما عهد الرسول ﷺ إليكم؟ فلم يلتفتوا إليه، وقالت طائفة أخرى من الرماة: بل نطيع الرسول ﷺ فنثبت في مكاننا. وبقي ابن جبير في عشرة من أصحابه أمرهم بالانتشار بالجبل لئلا يتيحوا ثغرة للعدو، واستقبلوا الشمس فانقض خالد عليهم يتبعه عكرمة، وقام بحركة التفاف من وراء الجبل «٣» ، فجرح وقتل الرماة الذين ثبتوا في أماكنهم، وراح عبد الله بن جبير يقاتلهم بما تبقى معه من نبال حتى فنيت، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر فكسر جفن سيفه وراح يقاتلهم حتى قتل «٤» ، وخرجت أمعاؤه من ضربات الرماح «٥» ، ثم انقض خالد بخيالته على ظهور المسلمين يعمل فيهم قتلا وجرحا، وصرخ صارخ أن محمدا قد قتل، فتشتت المسلمون تحت وقع المباغتة المميتة، وما أن رأى المشركون المنهزمون ما فعل خالد، حتى عادوا ثانية إلى ساحة القتال، وأوقعوا المسلمين في شقي الرحى، وراحوا يحصدونهم حصدا «٦» .
ولم يفقد الرسول ﷺ رباطة جأشه، وقدرته على القيادة والتخطيط للخروج من المحنة القاسية التي كادت تأتي على أصحابه، ودعوته، وتعرض مصير ست
стр. 161
عشرة سنة من الجهد والعذاب للضياع ... فرأى أن يتخذ من مكان قيادته مركزا يتجمع المسلمون فيه ثانية كي لا يتبعثروا وينفرد المشركون بهم ويحيلوا نصرهم إلى عملية إبادة شاملة، فاتجه صوب الشعب يصحبه أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وجماعة من المسلمين بلغوا ثلاثين رجلا، بينما كان الآخرون قد تشتتوا في أطراف الميدان، وعاد بعضهم إلى المدينة. ورأت طائفة أخرى أن يبعثوا إلى عبد الله بن أبي كي يطلب الأمان لهم من أبي سفيان وقالوا: يا قوم، إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فاعترض أنس بن النضر:
يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل فقاتلوا ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه وقاتل حتى قتل.
وراح الرسول ﷺ يقاتل، حتى صارت قوسه شظايا، ويقاتل معه أصحابه المحيطون به، قتالا بطوليا مريرا، تساقط منهم خلاله الكثير وهم ينافحون عن نبيهم ودعوتهم. وقف ستة رجال من الأنصار، يدافعون عنه ﷺ ويقتلون دونه وكان آخرهم رجل يسمى زياد بن السكن، أصابه جرح مميت فنادى الرسول ﷺ ادنوه مني فأدنوه منه فوسده قدمه وبه أربعة عشر جرحا، فمات هناك. ورمى سعد ابن أبي وقاص، دون الرسول ﷺ والرسول يناوله النبل ويقول: فداك أبي وأمي.
وترّس أبو دجانة بنفسه دون الرسول ﷺ يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل، وخلص بعض المشركين إلى الرسول ﷺ يعتزمون قتله، وانهالت الحجارة عليه ... فأصيبت رباعيته، وجرح وجهه وكلمات شفته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فجعل الدم يسيل على وجهه وجعل الرسول ﷺ يمسح الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ ... وما لبث أن أدركه أبي ابن خلف وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منها؟ فقال: دعوه، وتناول حربته واستقبل بها غريمه وقذفه بها فاستقرت في عنقه فسقط عن فرسه يتلوى ومات في عودته إلى مكة «١» ، وأقبل الحباب بن المنذر يصيح يا آل سلمى فأقبلوا كتلة واحدة وهم يهتفون لبيك داعي الله لبيك، وترتفع حناجرهم بشعار
стр. 162
المسلمين: أمت أمت «١» ، وقاتل كعب ابن مالك قتالا شديدا حتى جرح سبعة عشر جرحا «٢» ، ونثر أبو طلحة كنانته بين يدي رسول الله ﷺ ، وكان راميا، وجعل يصيح: يا رسول الله نفسي دون نفسك، فلم يزل يرمي بها سهما سهما حتى فنيت نبله وهو يقول لنبيه: نحري دون نحرك جعلني الله فداك «٣» . وانقض سعد بن أبي وقاص باحثا عن أخيه الذي كسر رباعية الرسول ﷺ ليقتله ولكنه أفلت منه «٤» .
وقاتل طلحة بن عبيد الله عن النبي قتالا شديدا، وأصابه سهم شلّ إصبعه حتى أن سعد ابن أبي وقاص قال عنه: يرحمه الله إنه كان أعظمنا غناء عن رسول الله ﷺ يوم أحد، لزم النبي وكنا نتفرق عنه ونؤوب إليه، لقد رأيته يدور حول النبي ﷺ يترس بنفسه!! وقال عنه الرسول ﷺ : من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي في الدنيا وهو من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله «٥» ، وقد تلقى وهو يقاتل المشركين، ضربة قاسية على رأسه، من أحد المشركين، فنزف منه الدم، وأغمي عليه، فقال الرسول لأبي بكر: عليك بابن عمك فجاءه وراح ينضح الماء على وجهه، ولما أفاق سأل: ما فعل الرسول ﷺ ؟ أجابه أبو بكر: خيرا، هو أرسلني.
فرد طلحة: الحمد لله، كل مصيبة بعده جلل «٦» .
وأقبل وهب بن قابوس المزني، وابن أخيه الحارث بن عقبة، ومعهما غنم لهما فدخلا المدينة، فلقياها قد خلت من الناس! فقالا: أين الناس؟ فقيل بأحد، وخبرا الخبر، فخرجا مقاتلين حتى قتلا «٧» . ومرّ أحد المقاتلين على خارجة بن زيد وبه ثلاثة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل؟ قال خارجة: إن قتل محمد فإن الله حي لا يموت، فقاتل عن دينك، فقد بلّغ محمد رسالة ربه «٨» . وقاتلت نسيبة بنت كعب مع زوجها، وولديها، وأبلت بلاء حسنا فجرحت اثني عشر جرحا بين طعنة برمح وضربة بسيف، ودافعت عن الرسول ﷺ إزاء محاولات قتله من قبل المشركين دفاعا مستميتا، ولما جرح أحد ابنيها، وراح الدم ينزف منه بغزارة، من عضده اليسرى، سعت أمه إليه وربطت
стр. 163
جرحه بعصابة كانت قد أعدتها لمداواة الجرحى ثم قالت له انهض يا بني فضارب القوم، والرسول ﷺ يناديها: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ ويلتفت إلى أصحابه قائلا: ما التفت يمينا وشمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني، فسألته نسيبة:
ادع الله أن نرافقك في الجنة قال: اللهم اجعلهم رفاقي في الجنة. فقالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا «١» . وخرجت السميراء بنت قيس، وقد أصيب ابناها، فلما نعيا لها قالت: ما فعل الرسول ﷺ ؟ قالوا: خيرا، وهو بحمد الله على ما تحبين. قالت: أرونيه أنظر إليه، فأشاروا لها إليه فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل «٢» . ولقيت أم أيمن جماعة من المنهزمين، فجعلت تنثر التراب في وجوههم وتقول: هاك المغزل فاغزل به «٣» .
تمكن الرسول ﷺ وأصحابه من الصمود لهجمات المشركين وعرف المسلمون الذين تشتتوا في ميدان المعركة، في أعقاب التفاف خالد، وانتشار شائعة وفاة الرسول ﷺ ، عرفوا أن رسولهم لم يمت فتجمعوا حوله، وطلب ﷺ منهم أن يتراجعوا صوب جبل أحد وأن يحصبوا المشركين بالحجارة، وأن لا يسمحوا لهم بأن يلتفوا عليهم من فوقهم. وسعت فرقة من القرشيين إلى الالتفاف حول المسلمين كرة أخرى والانقضاض عليهم من جبل أحد فتصدى لهم عمر بن الخطاب ﵁ وجماعة من المهاجرين حتى أجلوهم عن الجبل، ونهض ﷺ إلى صخرة أحد ليعلوها فلم يستطع لشدة إعيائه وثقل دروعه فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض حتى استوى عليها. وأدرك المشركون أن دون إبادة المسلمين وتفتيتهم المستحيل وكانوا قد أصابهم التعب والجراح فاثروا الانسحاب مكتفين بهذا القدر من النصر على المسلمين وهو قدر كما اعتقدوا ليس بالقليل، وأشرف أبو سفيان على مرتفع عال ونادى بأعل صوته: إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر أعل هبل! فقال الرسول ﷺ لعمر: قم فأجبه وقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فطلب أبو سفيان من عمر أن يقترب وقال له: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك
стр. 164
الآن، فانصرف أبو سفيان ومن معه وهو ينادي: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال ﷺ لعمر قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد «١» !! وتوقف القتال، وقد خسر المسلمون بضعة وسبعين قتيلا، وقيل خمسة وستين، أما المشركون فلم يزد عدد قتلاهم على ثلاثة وعشرين رجلا «٢» . ولم تغب عن ذهنه ﷺ وهو يعاني التعب والسهر والجراح، أن المشركين ربما فكروا بهجوم حاسم على المدينة فقطعوا الطريق على المسلمين في أحد وعرضوهم لمصير أشد حلكة وخطرا من المعركة نفسها، فطلب من علي ﵁ أن يخرج في أعقاب القوم فينظر ماذا يصنعون، وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، وأقسم الرسول ﷺ (والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم فيها) ، لكن عليا ما لبث أن عاد، ليخبره بأن المشركين امتطوا الإبل ويمموا وجوههم شطر مكة «٣» .
ومن أجل مزيد من ضمان عدم عودة المشركين لمهاجمة المدينة، انتدب ﷺ سبعين رجلا من أصحابه لمتابعة المشركين والتأكد من عدم اعتزامهم الرجوع «٤» .
لقد أجمع المؤرخون على اعتبار نتيجة أحد نصرا للمشركين على المسلمين، لكن الحقائق العسكرية لا تتفق مع ما أجمع عليه هؤلاء. لقد كان بإمكان المشركين القضاء على قوات المسلمين في معركة أحد، بعد أن استطاعوا إحاطتهم من كافة الجوانب، بقوات متفوقة عليهم تفوقا ساحقا، ومع ذلك استطاع الرسول ﷺ أن يشق طريقه بين القوات المحيطة به ويخلص تسعة أعشار قواته من فناء أكيد.
إن فشل المشركين في القضاء على قوات المسلمين بعد أن أحاطوهم بقواتهم المتفوقة يعتبر اندحارا لهم، وإن نجاح المسلمين في الخروج من تطويق المشركين والتخلص منه بخسائر عشرة بالمائة بقواتهم القليلة يعتبر نصرا لهم.
وبالإضافة إلى نجاح المسلمين في التخلص من الفناء التام في أحد فقد نجحوا في
стр. 165
معرفة المنافقين في صفوفهم قبل المعركة وبعدها، مما أتاح لهم القيام بالتطهير التام في صفوفهم بعد أحد على هدى وبصيرة، وبذلك تظهر الفائدة العظيمة لغزوة أحد للمسلمين. إن نتيجة أحد نصر تعبوي «١» للمشركين على المسلمين ولكنه فشل سوقي «٢» للمشركين، ولا يعد النصر التعبوي شيئا يذكر إلى جانب الفشل السوقي «٣» .
فزع الناس لقتلاهم فقال الرسول ﷺ : من ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمض فقال له: إن الرسول ﷺ أمرني أن أنظر في الأموات أنت أم في الأحياء؟ قال: أنا في الأموات فأبلغ الرسول ﷺ عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف «٤» .
وخرج ﷺ يبحث عن جسد حمزة فوجده ببطن الوادي، قد بقرت بطنه فقال ﷺ : لولا أن تحزن صفية، ويكون سنّة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم!! فلما رأى المسلمون حزن الرسول ﷺ وغيظه قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب، إلا أن الآيات القرآنية نزلت بالقيم الثابتة التي تتجاوز مواقف الانفعال والآلام وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ «٥» فعفا الرسول ﷺ ونهى عن المثلة، ثم أمر بحمزة فسجي ببردة ثم
стр. 166
صلى عليه ثم أمر بالقتلى يوضعون إلى جانب حمزة واحدا واحدا، فصلى عليهم وعليه حتى أنه صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة هي عدد القتلى من المسلمين، وآثر ﷺ مصعبا بن عمير وهو مقتول ببردة له، وقال: «رحمك الله، لقد رأيتك بمكة وما بها أرق خلّة ولا أحسن حلة منك، ثم أنت في أشعث بردة» «١» .
وجاءت صفية بنت عبد المطلب وقد سمعت بأن أخاها قد مثل به فقالت: ما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله!، وكان بعض المسلمين قد حملوا قتلاهم ليدفنوهم في المدينة فنهاهم ﷺ قائلا: «ادفنوهم حيث صرعوا» .
ثم وقف عليهم وقال: «أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا ويبعثه الله يوم القيامة، يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح مسك» ، ثم قفل ﷺ وأصحابه عائدين إلى المدينة في نفس اليوم السبت الخامس عشر من شوال «٢» .
لم يلبث الرسول ﷺ في اليوم التالي أن قام بمناورة عسكرية استهدفت تحقيق أهداف عدة منها إرهاب العدو، مشركين وأعرابا، منافقين ويهودا، وإشعارهم أن المسلمين لا زالوا على قوتهم ومقدرتهم القتالية، وأن هزيمة أحد لم توهنهم عن أهدافهم، ومنها رفع معنويات المسلمين وإزالة الآثار النفسية المؤلمة، التي خلفتها معركة أحد، والتي كان بإمكانها أن تحفر في نفوسهم خنادق وحفرا لا تمحوها الأيام، فنادى مناديه في السادس عشر من شوال أن يتهيأ الناس لطلب العدو وألايخرج معهم أحد لم يشترك في معركة أحد، يوم أمس، وانطلق ﷺ وأصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة، وكان المشركون قد بلغوا الروحاء على بعد ليلتين من المدينة، وعسكروا هناك، وأجمعوا أمرهم على العودة ثانية لقتال المسلمين بعد أن أدركوا أنهم لم يستأصلوا شأفتهم، لكن رجلا من خزاعة، حلفاء الرسول ﷺ ، مر بهم وأعلمهم أن محمدا يطلبهم على رأس قوة كبيرة من المسلمين تتحرق شوقا لقتالهم، انضم
стр. 167
إليها حتى الذين لم يشهدوا أحدا، فعدل المشركون عن رأيهم، واستأنفوا طريق عودتهم إلى مكة، إلا أن أبا سفيان رأى أن يستفز المسلمين ويرهبهم فدس إليهم من يخبرهم، أن قريشا عائدة لاستئصالهم، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن قال:
حسبنا الله ونعم الوكيل. وأقام هناك ثلاثة أيام، ثم قفل عائدا وقد حقق الأهداف التي توخاها من مناورته تلك «١» .
لقد جاءت هزيمة أحد تعليما قيما للمسلمين، عبر دروب صراعهم المرير ضد الأعداء. وكأن إرادة الله شاءت أن يكبو المسلمون هذه الكبوة، بعد سلسلة الانتصارات التي حققوها قبل بدر وبعدها، لأن الانتصار الدائم يعرض الجماعة لنوع من اليقين الأعمى والاتكالية السالبة ويحشر في صفوفهم الكثير الكثير من ضعاف الإيمان وطالبي المغانم، فلا بد من هزة عنيفة تنخل المنتمين إلى الدعوة وتسقط عنهم أولئك الذين لا يقدرون على الصمود ومجابهة الخطر وجها لوجه، وممارسة الموت بإيمان.
ولقد ظل القرآن الكريم، الذي خصص الكثير من آياته في سورة آل عمران لهذه التجربة المرة، ظل طيلة العصر المدني، كما كان شأنه في العصر المكي، يعلم المسلمين بالتجارب والأحداث ويا بني حركتهم بالهزائم والانتصارات وتتنزل آياته مفرّقة وعلى مكث، واحدة واحدة، ومجموعة مجموعة، إثر كل حدث يمارسه المسلمون، وعقب كل تجربة يخوضونها ... تتنزل لكي تمتزج مع حيوية التجربة المعاشة، وواقعيتها وثقلها، لكي ما تلبث هذه الآيات أن تغدو جزآ من كيان المسلم، متمثلا في لحمه ودمه وعصبه ووجدانه، إنه الارتباط الشرطي الذي أشار إليه «علم النفس» ، إن القيم والتعاليم إذا ارتبطت بحدث خطير له في النفوس وقع كبير سرعان ما تستقر في أعماق النفوس والقلوب والعقول، وتبقى هنالك حتى النهاية، تؤتي ثمارها نضجا للتجربة وتقويما للحركة واستقامة على الطريق.
стр. 168
ولا بأس هنا أن نختار فقرات من (فقه السيرة) يعقّب فيها محمد الغزالي على موقف القرآن الكريم إثر معركة (أحد) من الهزيمة التي كان لا بد منها في علم الله وقدرته لكي يتعلم المسلمون من نارها الممحصة وعن طريق ما يرتبط بها من آيات بينات ملامح الطريق وما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ «١» فلقد «ترفق القرآن الكريم وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في أحد على عكس ما نزل في بدر من آيات، ولا غرو فحساب المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر. في المرة الأولى قال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٢» .
أما في أحد فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ «٣» .
حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل درس يذكر المخطىء بسوء ما وقع فيه. وقد اتجهت الآيات إلى مزج العقاب الرقيق بالدرس النافع وتطمين النفوس المؤمنة، حتى لا يتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يغل قواهم، وحسرة تشل انتاجهم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٤» ، ثم مضى الوحي يذكر المسلمين ما جهلوا من سنن الحياة ويذكرهم بما نسوا من ذلك، فيبين أن المؤمن مهما عظمت بالله صلته فلا ينبغي أن يغتر به أو يحسب الدنيا دانت له أو يظن أن قوانينها الثابتة طوع يديه! كلا، كلا. فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة، ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له، وأن شيئا منها لم يكن عليه، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفشل الذريع إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ... «٥» أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
стр. 169
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «١» . وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثمن التافه، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون، بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألايزول أيام الروع. إن الإنسان في عافيته قد يتصور الأمور سهلة مبسطة، وقد يتأدى به ذلك إلى المجازفة والخداع، فليحذر المؤمن هذا الموقف وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنوا الموت ثم حادوا عنه لما جاء وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «٢» ، ثم عاتب الله من أسقط في أيديهم وانكسرت همتهم لما أشيع أن الرسول ﷺ مات. ما كذلك يسلك أصحاب العقائد، إنهم أتباع مبادىء لا أتباع أشخاص، ولو افترض أن الرسول ﷺ قتل وهو ينافح عن دين الله فحقّ على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه الذي ورده رائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا ... إن عمل محمد ﷺ ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة في فكر الإنسان وضميره، فإذا أدى رسالته ومضى فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته فلا يخرج منها؟ لقد جمع ﷺ الناس حوله على أنه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به عرفوه إماما لهم في الحق وصلة لهم بالله، فإذا مات عبد الله ظلت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت باقية نامية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «٣» .. ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلم منه المسلمون قيمة الطاعة والجندية ... فإحسان الطاعة كإحسان القيادة. فكما أن إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل. لذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيّن الله أنهم هم مصدرها، فما أخلفهم موعدا ولا ظلمهم حقا أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٤» ... » «٥» .
стр. 170
ولذلك أيضا يحدثنا مجاهد بأن الملائكة حضرت معركة أحد لكنها لم تقاتل لما كان من المسلمين، كما يحدثنا عبد الحميد بن سهيل بأن رسول الله ﷺ لم يمد يوم أحد بملك واحد «١» ، هذا بينما كان مقاتلو بدر قد تلقوا ساعة الصمود والصبر معونة سماوية قدرت بالاف من الملائكة مردفين! كما تلقى الرجال الذين قاوموا وراء الخندق، فيما بعد، عشرين ليلة، باذلين كل جهدهم وإمكاناتهم، معونة إلهية أخرى جاءت على شكل ريح عاتية لم تدع للمعسكر الوثني، بعد التصدع النفسي الذي أصابه، فرصة للتجمع والتفكير والاستقرار، فكان الانسحاب ... ذلك هو منطق العون الإلهي الذي علمنا إياه الإسلام منذ تجربة الهجرة وما قبلها ... إن مدد الله لا يتنزل إلا على أولئك الذين استكملوا الأسباب البشرية جميعا ... حركة وعقلا وإرادة وتصميما، وبدون ذلك لن تتنزل معونة الله حتى لو حبسوا أنفسهم في المساجد ليلا ونهارا.
وجدت الوثنية العربية فرصتها للانتقام من المسلمين في أعقاب هزيمتهم في أحد وراحت توجه إليهم الضربات الغادرة كلما تمكنت منها، متجاوزة في ذلك أعرافها وقيمها الجاهلية التي درجات عليها مئات السنين.
فبعد وقت قصير من عودة الرسول ﷺ إلى المدينة بعد أحد قدم عليه وفد من قبيلتي عضل والقارة في صفر، وقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام.
فبعث الرسول ﷺ معهم سبعة من أصحابه ... مرثد بن أبي مرثد، خالد بن أبي البكير، معتب بن عبيد، عاصم بن ثابت، خبيب بن عدي، زيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد «٢» . فانطلق الدعاة يجتازون الصحراء حتى إذا بلغوا ماء الرجيع بين عسفان ومكة، حيث تقطن بنو هذيل، غدر بهم أعراب عضل والقارة، فاستصرخوا عليهم هذيلا، التي كان زعيمها سفيان بن خالد قد قتل على أيدي المسلمين في أعقاب أحد حيث حشد أتباعه للهجوم على المدينة، فلم يرع الدعاة إلا والرجال بأيديهم السيوف يحيطون بهم، فشهروا أسيافهم ليقاتلوهم فقال لهم رجال بني هذيل: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكن نريد
стр. 171
أن نصيب بكم مالا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألانقتلكم. فأما خالد ومرثد وعاصم ومعتب فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وانطلقوا يقاتلون وعاصم ينشد:
............... ... ... الموت حق والحياة باطل
وكل ما حمّ الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آثل
حتى قتلوا جميعا. وأما إخوانهم الثلاثة، فقد أسرتهم هذيل وحملتهم إلى مكة لتبيعهم بها، ومعنى هذا أنها تسلمهم لمصارعهم، حتى إذا بلغوا الظهران تمكن عبد الله بن طارق من انتزاع يده من الحبل الذي شدت به، وإشهار سيفه، فانهال عليه آسروه ضربا بالحجارة حتى قتل.
واقتيد خبيب وزيد إلى مكة حيث استبدلا هناك بأسيرين كانا في مكة. فأما زيد فقد ابتاعه صفوان بن أمية ليقتله ثأرا لأبيه، أمية بن خلف، وبعث به إلى مكان خارج مكة ليلاقي مصيره، واجتمع حوله رهط من قريش وسأله أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي! فقال أبو سفيان للملأ من حوله: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا! ثم قتل زيد ﵀ «١» .
وخرجوا بخبيب إلى نفس المكان ليصلبوه فسألهم أن يمنحوه فرصة يركع فيها ركعتين، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. فكان خبيب أول من سنّ ركعتي القتل عند المسلمين. وعندما رفعوه على الخشبة وأوثقوه، رفع وجهه إلى السماء فقال: اللهم إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا ... اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا! وصلبوه وهو ينشد:
стр. 172
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيّروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع
فو الله ما أرجو إذا مت مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي «١»
وفي صفر في نفس العام، قدم أبو براء عامر بن مالك، الملقب بملاعب الأسنة، على رسول الله في المدينة، فعرض عليه الرسول الإسلام، ودعاه إليه، فلم يسلم، ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك، إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. وعندما أعلمه الرسول ﷺ ، إنه يخشى عليهم أهل نجد، بعد أن أصيب أصحابه في ماء الرجيع، قال: أنا جار لهم فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك «٢» . وكان الرسول ﷺ يعرف يقينا أن انتصار دعوته وانتشارها لا يتحقق بغير تضحيات، وأن الانسياق وراء الحيطة والحذر في ميدان التضحية والفداء لا يقود إلى النصر، وأن عليه أن يختار في هذه اللحظات القلقة، الطريق الصعب كي لا تقول العرب إن الرسول قد عجز عن الاستمرار في الطريق حتى النهاية، أخافته مقاتل أصحابه، هذا إلى أن الرسول ﷺ ، لم يبعث أصحابه هذه المرة لكي ينتحروا، فهم الآن أكثر عددا، وفي جوار رجل وضعهم في جواره، ولم يعرف عن العرب، حتى تلك اللحظة، إنهم خرقوا قدسية الجوار، ولا علم للرسول ﷺ بالغيب، فلينطلق أصحابه على بركة الله.
سار الدعاة الأربعون بقيادة المنذر بن عمرو، حتى نزلوا بئر معونة قريبا من ديار بني عامر، وتقدم حرام بن ملحان، بكتاب رسول الله ﷺ إلى زعيم القوم، عامر بن الطفيل، لكن عامرا ما أن نظر في الكتاب حتى عدا على حرام فضربه برمح في جنبه خرج من الشق الآخر، وهو ينادي: فزت ورب الكعبة! ثم
стр. 173
استصرخ عليهم بني عامر فلم يجيبوه، التزاما بجوار أبي براء، فاستصرخ بقبائل سليم المجاورة، فأجابوه وأحاطوا بالدعاة وهم في رحالهم، فهرعوا إلى سيوفهم، وقاتلوا القوم قتالا مريرا، حتى حصدوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد فقد انسحب جريحا من المجزرة، وتمكن من الوصول إلى المدينة حيث قتل شهيدا في الخندق «١» .
وكان الدعاة قد تركوا في سرحهم اثنين من رفاقهم هما عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن محمد الأنصاري، فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر، فأقبلا لينظرا فإذا إخوانهما يتضرجون بدمائهم، ومن حولهم المغيرون على خيولهم، فرأى عمرو أن يعود إلى المدينة، ليخبر الرسول ﷺ بما حدث، وأما رفيقه فقد قال: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، أحد أصدقائه، وما كنت لأبقى حتى تخبرني عنه الرجال، ثم انقض على القوم، حتى سقط، متضرجا بدمائه «٢» .
وفي ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة، حل الموعد الذي ضربه المسلمون مع أبي سفيان للقاء جديد في بدر، فخرج الرسول ﷺ إلى هناك على رأس ألف وخمسمائة من أصحابه، وأقام ثمانية أيام، ينتظر أبا سفيان، الذي كان قد غادر مكة على رأس مقاتليها، وعندما بلغ الظهران، بدأت تتناوشه المخاوف من لقاء المسلمين، وأخذ يفكر بالرجوع قائلا: يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا، فقفلوا عائدين إلى مكة.
وعندما أيقن الرسول ﷺ أن أبا سفيان قد نكل عن الموعد، عاد إلى المدينة، وقد حقق نصرا معنويا ضد قريش، كما عزز مكانة المسلمين في الصحراء بعدما تعرضت له من تأرجح في أعقاب أحد «٣» .
стр. 174
وانطلق الرسول ﷺ في أعقاب ذلك صوب قبائل نجد ردا على ما لحق بدعاته في مأساتي الرجيع وبئر معونة، فيما سمي «بغزوة ذات الرقاع» ، بسبب الحجارة التي أوهنت أقدامهم فشدوا عليها رقاعا، وربما لوجود جبل هناك بهذا الاسم، إلا أن غطفان، كبرى قبائل نجد، جمعت للرسول جمعا عظيما، وعندما تقارب الطرفان تخوف أحدهما الآخر، ورأى الرسول ﷺ أن من المجازفة الاشتباك مع قوات تفوق المسلمين أضعافا مضاعفة فقفل عائدا إلى المدينة «١» .
стр. 175
معركة الخندق
عندما بدأت الهزائم تحدق باليهود، سيما بعد إجلاء بني النضير، رأى هؤلاء أن يتحركوا بوجه السرعة لتوجيه ضربة قاصمة للدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها ويحدق خطرها بالوجود اليهودي في جزيرة العرب ... وأدركوا أن استثارة قريش وحدها ضد المسلمين أمر غير مضمون العواقب، وأن انفراد كل قوة وثنية في مهاجمة مواقع الدين الجديد سوف يمكن الإسلام من تصفيتها واحدة بعد الآخرى، فلا بد إذا من أن تتجمع القوى الوثنية كلها بزعامة قريش وتتحرك لاستئصال شأفة الإسلام ومن ورائها مكر اليهود وأموالهم..
خرج خمسة من زعماء اليهود وهم سلام بن أبي الحقيق، كنانة بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب (من بني النضير) وأبو عمار وهوذا بن قيس (من بني وائل) وقدموا إلى مكة واتصلوا بقادة قريش ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله! وجاءت هذه الدعوة في فترة كانت قريش تعاني فيها من حصار المسلمين الاقتصادي، وتزداد يقينا بأن معركة أحد لم تفعل شيئا، فاستجابت للعرض اليهودي بينما انطلق النفر الخمسة إلى غطفان ودعوهم إلى حرب المسلمين لقاء إعطائهم تمر خيبر مدة سنة، وأخبروهم بأنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد أعدت العدة لهذا الأمر، وكذلك فعل اليهود مع عدد من القبائل اليهودية الآخرى «١» .
انطلقت الأحزاب الوثنية البالغ عددها عشرة آلاف مقاتل «٢» صوب
стр. 176
المدينة.. قريش وأحلافها من بني كنانة وأهل تهامة والأحابيش يقودها أبو سفيان ابن حرب، وغطفان يقودها عيينة بن حصن الفزاري، وبنو مرة يقودها الحارث بن عوف، واشجع يقودها مسعود بن رخيلة.. وما أن سمع الرسول ﷺ أنباء التحرك الخطير حتى بدأ يخطط لصد أكبر هجوم على الإسلام منذ مولد الدعوة الإسلامية، وكان الأمر يحتم اتخاذ خطة دفاعية، فاستشار أصحابه ورسم معهم ما يجب عمله وهو يقضي فيما أشار به سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق لحماية الأجزاء الشمالية المكشوفة من المدينة.. أما الأجزاء الآخرى فكانت تتمتع بحصانة طبيعية حيث تمتد حرة واقم إلى الشرق، وحرة الوبرة إلى الغرب وتتكاثف أشجار النخيل إلى الجنوب.. وكان سائر المدينة فيما عدا جهة الشمال كما يقول ابن سعد: مشبكا بالبنيان فهي كالحصن «١» .. الأمر الذي جعل فكرة حفر الخندق أمرا يمكن تنفيذه قبل انقضاض الأحزاب..
قسم الرسول أصحابه إلى مجموعات كل منها تتكون من عشرة أشخاص كلفوا بحفر أربعين ذراعا.. وأسهم الرسول ﷺ مع سائر العاملين في حفر الخندق بهمة ودأب، وراح ينقل التراب مع أصحابه وينشد وإياهم وقد غطى التراب على بطنه وصدره:
لا همّ، لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
وكلما وصلوا المقاطع الأخيرة مدها الرسول رافعا بها صوته «٢» .. ويحدثنا أحد الصحابة الذين كانوا يعملون في الخندق فيقول: كنت أرى رسول الله ﷺ وإنه ليضرب مرة بالمعول ومرة يغرف بالمسحاة التراب ومرة يحمل التراب في المكتل، وقد رأيته يوما بلغ منه فجلس ﷺ ثم اتكأ على حجر على شقه الأيسر، فذهب به النوم فرأيت أبا بكر وعمر واقفين على رأسه يبعدان الناس أن يمروا به فينبهوه «٣» ، وقد أدى هذا كله إلى جعل أصحابه يتفانون في العمل ولا يغادر أحدهم موقعه لقضاء حاجياته إلا بعد استئذان الرسول ﷺ وما أن ينتهي حتى يعود
стр. 177
على جناح السرعة لإتمام ما كلف به إيمانا واحتسابا، وفي هؤلاء العاملين نزلت كلمات الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» «٢» .
كان لتقسيم العمل وإسهام الرسول فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية، وشعورهم بعظم الخطر المحدق بهم، إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق، فضلا عن تأميل الرسول ﷺ جنده بالنصر القريب في الأرض وبالأجر العريض في السماء. كان لهذه الأمور جميعا الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد اثني عشر ألف ذراع في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء..
ومن أجل استكمال الخطة الدفاعية عسكر الرسول ﷺ بالمقاتلين الثلاثة آلاف «٣» وراء الخندق جاعلا ظهورهم إلى جبل سلع، موزعا النساء والأطفال في القلاع الحصينة كي يتمكن المسلمون من التحرك بسهولة ويسر إذا حدث وتسرب المشركون إلى الداخل.. كما شكل كتائب من أصحابه أمرها بأن تعسكر في جهات المدينة الآخرى سيما وأن هنالك مناطق في الشرق والغرب والجنوب يمكن اجتيازها دون عناء كبير.. كما شكّل جماعات أخرى تتجول في المدينة لحراستها من غدرات اليهود.. وتظهر التكبير من أجل رفع معنويات أهليها «٤» ، وأسهم بنفسه ﷺ في حراسة الخندق إسوة بأصحابه فكان يبيت منفردا هنالك، كما يحدثنا الواقدي، في ثلمة كان يخاف أن يتسلل منها المشركون حتى يلفحه البرد «٥» .
أقبلت قوات الأحزاب البالغة حوالي عشرة آلاف مقاتل وعسكرت قريبا من المدينة في الجهات الممتدة شمالا، وسرعان ما فوجئت بالخندق وقد سد عليها
стр. 178
الطريق إلى المدينة فقال زعماؤها: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، وقرروا أن يضربوا الحصار على المسلمين ويسعون بين الحين والحين إلى أن يجدوا ثغرة في دفاعهم يتسربون منها للداخل.. وظل المسلمون مفتحي الأعين حذرين إزاء أية محاولة يمكن أن تمنح المشركين جسرا يعبرون عليه إليهم فتكون الطامة الكبرى. وطالت أيام الحصار تخللها رمي بالنبال دون أن يحدث اشتباك حاسم بين المعسكرين، ورأت مجموعة من فرسان قريش أن تقوم بهجوم سريع علها تنفذ إلى الداخل.. فتقدم عمرو بن عبد ود العامري وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب، بعد أن أوعزوا إلى أصحابهم بالتهيؤ للقتال واختاروا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمته وسرعان ما تصدى لهم الزبير وعلي وعمر ﵃ في نفر من المسلمين، تمكنوا من إجلاء الخيول المغيرة بعد أن قتل علي ﵁ قائدها عمرو بن عبد ود «١» .
كما جرت محاولات عديدة للتسلل إلى داخل المدينة من أماكن أخرى ولقد تمكنت كتيبة قرشية شديدة المراس من التوغل في معسكر المسلمين إلا أنهم تصدوا لها واشتبكوا معها في قتال استغرق معظم النهار وجزآ من الليل واضطروها أخيرا إلى الانسحاب.. وحاولت قوة من الفرسان بقيادة خالد بن الوليد أكثر من مرة أن تنتهز غرة من المسلمين لإيجاد موضع قدم في الداخل، إلا أن المسلمين كانوا يردونها بالحجارة والنبال على أعقابها، هذا بينما ظلت طلائع الأحزاب تتجول ليلا باحثة عن منفذ تنساب منه إلى قلب المدينة لتطويق المسلمين من الخلف ولكن دون جدوى «٢» .. وكل الضحايا الذين سقطوا خلال أيام الحصار لا يجاوزون العشرة من الطرفين «٣» .
لم يكن حصار المشركين وحده هو الذي يضيق الخناق على المسلمين بل كان هنالك من الداخل ما يزيدهم إرهاقا وخوفا وعناء.. الأقوات القليلة المتناقصة يوما بعد يوم، وشبح الجوع الذي لا يرحم «٤» ، والبرد القارص في ليالي
стр. 179
الشتاء الطويلة «١» ، والحرب النفسية العاتية التي شنتها جيوب المنافقين في صفوف المسلمين مخذلة معوقه مخوفة.. والسهر القاسي في الليالي الطويلة حتى أن محمد بن مسلمة قال: كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه الله «٢» ، ثم جاء انتقاض بني قريظة علامة خطر أكيدة لمعسكر المسلمين الصامد، فعظم البلاء واشتد الخوف حتى أن الرسول ﷺ لم يكن يسمح لأحد من أصحابه بالتوجه إلى داخل المدينة ألا وهو يحمل سلاحه حذرا من غدر بني قريظة «٣» ، وعن أيام المحنة تلك تحدث القرآن الكريم فيما بعد: ... إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ... «٤» .
نشط الرسول ﷺ في العمل على كل الجبهات العسكرية والنفسية لبعث روح المقاومة والصمود في صفوف أتباعه المتعبين القلقين، فراح يرفع معنوياتهم وينفخ فيها الأمل بالنصر في اللحظات التي تتعرض فيها لليأس المرير. إنه، وهم يحفرون الخندق، يؤملهم بأن خيولهم ستطأ في يوم قريب عواصم العالم القديم وستتهاوى تحت وقع سنابكها عروش كسرى وقيصر، وستمرغ بأسيافهم أنوف كانت تستعلي على الناس زيفا وخديعة وكذبا.
وعندما تجيء الأخبار مؤكدة نبأ انتقاض بني قريظة، ينادي: الله أكبر.
أبشروا يا معشر المسلمين «٥» ويعدهم بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه في يوم من الأيام. وزادهم معنوية وصمودا تلك الأمثلة العالية من التضحية والصبر والبطولة ضربها بعض أخوانهم فالتمعت في قلب المحنة شررا تحرك المقاتلون على ضوئه إلى أهدافهم، دفاعا عن المصير الذي صاغوا بدمائهم وأعصابهم جوانب منه، وسينطلقون فيما بعد لإتمام صياغته إيمانا واحتسابا.
وعلى الجبهة العسكرية لم يدع الرسول وأصحابه ثغرة ينفذ منها العدو ولا ترك جانبا يمكن أن يعزز خطة الدفاع والمقاومة إلا اعتمده ونفذه بسرعة، وها هو
стр. 180
الآن يسعى إلى تفتيت جبهة الأحزاب وبدون ذلك لا يتحقق النصر ولا يزول الخطر.. فيبعث إلى قائدي غطفان وبني مرّة ويغريهما بثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما ويتخليا عن الحصار، وانتهت اتصالاته بهما إلى كتابة وثيقة صلح بين الطرفين، تعمد الرسول أن يؤجل توقيعها ريثما يستشير قادة الأنصار أصحاب المدينة، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعرض عليهما الأمر فقالا له: يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم ... والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر، فأجاب سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال الرسول ﷺ : فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحى ما فيها وقال: ليجهدوا علينا! ومن ثم اطمأن الرسول ﷺ إلى رغبة أصحابه عامة والأنصار خاصة في الصمود حتى النهاية بوجه الأحزاب «١» .
لم يأل الرسول جهدا لتحقيق هدفه في تفتيت جبهة الأحزاب وتقطيع الرباط الذي يشد بعضها إلى بعض لا سيما ذلك الذي يوحد بين الوثنية في الخارج ويهود قريظة في الداخل، إذ أن أي تنسيق يحدث بين الطرفين سيمنح المشركين طريقا أمينا يختارونه عبر أحياء بني قريظة إلى قلب المدينة، وهنالك تقع الكارثة ويجد المسلمون أنفسهم وهم محاطون بالاف المشركين يجوبون ديارهم ويعملون فيهم قتلا وأسرا وتشريدا.
وما لبثت العناية الإلهية أن ساقت إليه رجلا قد أسلم حديثا يدعى نعيم بن مسعود، فعرض على الرسول خدماته قائلا: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال الرسول ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة «٢» .