← Сира

Сира · id 9802

دراسة في السيرة

عماد الدين خليل

Полный текст (333 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المدينة.. قريش وأحلافها من بني كنانة وأهل تهامة والأحابيش يقودها أبو سفيان ابن حرب، وغطفان يقودها عيينة بن حصن الفزاري، وبنو مرة يقودها الحارث بن عوف، واشجع يقودها مسعود بن رخيلة.. وما أن سمع الرسول ﷺ أنباء التحرك الخطير حتى بدأ يخطط لصد أكبر هجوم على الإسلام منذ مولد الدعوة الإسلامية، وكان الأمر يحتم اتخاذ خطة دفاعية، فاستشار أصحابه ورسم معهم ما يجب عمله وهو يقضي فيما أشار به سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق لحماية الأجزاء الشمالية المكشوفة من المدينة.. أما الأجزاء الآخرى فكانت تتمتع بحصانة طبيعية حيث تمتد حرة واقم إلى الشرق، وحرة الوبرة إلى الغرب وتتكاثف أشجار النخيل إلى الجنوب.. وكان سائر المدينة فيما عدا جهة الشمال كما يقول ابن سعد: مشبكا بالبنيان فهي كالحصن «١» .. الأمر الذي جعل فكرة حفر الخندق أمرا يمكن تنفيذه قبل انقضاض الأحزاب.. قسم الرسول أصحابه إلى مجموعات كل منها تتكون من عشرة أشخاص كلفوا بحفر أربعين ذراعا.. وأسهم الرسول ﷺ مع سائر العاملين في حفر الخندق بهمة ودأب، وراح ينقل التراب مع أصحابه وينشد وإياهم وقد غطى التراب على بطنه وصدره: لا همّ، لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا وكلما وصلوا المقاطع الأخيرة مدها الرسول رافعا بها صوته «٢» .. ويحدثنا أحد الصحابة الذين كانوا يعملون في الخندق فيقول: كنت أرى رسول الله ﷺ وإنه ليضرب مرة بالمعول ومرة يغرف بالمسحاة التراب ومرة يحمل التراب في المكتل، وقد رأيته يوما بلغ منه فجلس ﷺ ثم اتكأ على حجر على شقه الأيسر، فذهب به النوم فرأيت أبا بكر وعمر واقفين على رأسه يبعدان الناس أن يمروا به فينبهوه «٣» ، وقد أدى هذا كله إلى جعل أصحابه يتفانون في العمل ولا يغادر أحدهم موقعه لقضاء حاجياته إلا بعد استئذان الرسول ﷺ وما أن ينتهي حتى يعود

стр. 177

على جناح السرعة لإتمام ما كلف به إيمانا واحتسابا، وفي هؤلاء العاملين نزلت كلمات الله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» «٢» . كان لتقسيم العمل وإسهام الرسول فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية، وشعورهم بعظم الخطر المحدق بهم، إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق، فضلا عن تأميل الرسول ﷺ جنده بالنصر القريب في الأرض وبالأجر العريض في السماء. كان لهذه الأمور جميعا الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد اثني عشر ألف ذراع في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء.. ومن أجل استكمال الخطة الدفاعية عسكر الرسول ﷺ بالمقاتلين الثلاثة آلاف «٣» وراء الخندق جاعلا ظهورهم إلى جبل سلع، موزعا النساء والأطفال في القلاع الحصينة كي يتمكن المسلمون من التحرك بسهولة ويسر إذا حدث وتسرب المشركون إلى الداخل.. كما شكل كتائب من أصحابه أمرها بأن تعسكر في جهات المدينة الآخرى سيما وأن هنالك مناطق في الشرق والغرب والجنوب يمكن اجتيازها دون عناء كبير.. كما شكّل جماعات أخرى تتجول في المدينة لحراستها من غدرات اليهود.. وتظهر التكبير من أجل رفع معنويات أهليها «٤» ، وأسهم بنفسه ﷺ في حراسة الخندق إسوة بأصحابه فكان يبيت منفردا هنالك، كما يحدثنا الواقدي، في ثلمة كان يخاف أن يتسلل منها المشركون حتى يلفحه البرد «٥» . أقبلت قوات الأحزاب البالغة حوالي عشرة آلاف مقاتل وعسكرت قريبا من المدينة في الجهات الممتدة شمالا، وسرعان ما فوجئت بالخندق وقد سد عليها

стр. 178

الطريق إلى المدينة فقال زعماؤها: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، وقرروا أن يضربوا الحصار على المسلمين ويسعون بين الحين والحين إلى أن يجدوا ثغرة في دفاعهم يتسربون منها للداخل.. وظل المسلمون مفتحي الأعين حذرين إزاء أية محاولة يمكن أن تمنح المشركين جسرا يعبرون عليه إليهم فتكون الطامة الكبرى. وطالت أيام الحصار تخللها رمي بالنبال دون أن يحدث اشتباك حاسم بين المعسكرين، ورأت مجموعة من فرسان قريش أن تقوم بهجوم سريع علها تنفذ إلى الداخل.. فتقدم عمرو بن عبد ود العامري وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب، بعد أن أوعزوا إلى أصحابهم بالتهيؤ للقتال واختاروا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمته وسرعان ما تصدى لهم الزبير وعلي وعمر ﵃ في نفر من المسلمين، تمكنوا من إجلاء الخيول المغيرة بعد أن قتل علي ﵁ قائدها عمرو بن عبد ود «١» . كما جرت محاولات عديدة للتسلل إلى داخل المدينة من أماكن أخرى ولقد تمكنت كتيبة قرشية شديدة المراس من التوغل في معسكر المسلمين إلا أنهم تصدوا لها واشتبكوا معها في قتال استغرق معظم النهار وجزآ من الليل واضطروها أخيرا إلى الانسحاب.. وحاولت قوة من الفرسان بقيادة خالد بن الوليد أكثر من مرة أن تنتهز غرة من المسلمين لإيجاد موضع قدم في الداخل، إلا أن المسلمين كانوا يردونها بالحجارة والنبال على أعقابها، هذا بينما ظلت طلائع الأحزاب تتجول ليلا باحثة عن منفذ تنساب منه إلى قلب المدينة لتطويق المسلمين من الخلف ولكن دون جدوى «٢» .. وكل الضحايا الذين سقطوا خلال أيام الحصار لا يجاوزون العشرة من الطرفين «٣» . لم يكن حصار المشركين وحده هو الذي يضيق الخناق على المسلمين بل كان هنالك من الداخل ما يزيدهم إرهاقا وخوفا وعناء.. الأقوات القليلة المتناقصة يوما بعد يوم، وشبح الجوع الذي لا يرحم «٤» ، والبرد القارص في ليالي

стр. 179

الشتاء الطويلة «١» ، والحرب النفسية العاتية التي شنتها جيوب المنافقين في صفوف المسلمين مخذلة معوقه مخوفة.. والسهر القاسي في الليالي الطويلة حتى أن محمد بن مسلمة قال: كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه الله «٢» ، ثم جاء انتقاض بني قريظة علامة خطر أكيدة لمعسكر المسلمين الصامد، فعظم البلاء واشتد الخوف حتى أن الرسول ﷺ لم يكن يسمح لأحد من أصحابه بالتوجه إلى داخل المدينة ألا وهو يحمل سلاحه حذرا من غدر بني قريظة «٣» ، وعن أيام المحنة تلك تحدث القرآن الكريم فيما بعد: ... إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ... «٤» . نشط الرسول ﷺ في العمل على كل الجبهات العسكرية والنفسية لبعث روح المقاومة والصمود في صفوف أتباعه المتعبين القلقين، فراح يرفع معنوياتهم وينفخ فيها الأمل بالنصر في اللحظات التي تتعرض فيها لليأس المرير. إنه، وهم يحفرون الخندق، يؤملهم بأن خيولهم ستطأ في يوم قريب عواصم العالم القديم وستتهاوى تحت وقع سنابكها عروش كسرى وقيصر، وستمرغ بأسيافهم أنوف كانت تستعلي على الناس زيفا وخديعة وكذبا. وعندما تجيء الأخبار مؤكدة نبأ انتقاض بني قريظة، ينادي: الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين «٥» ويعدهم بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه في يوم من الأيام. وزادهم معنوية وصمودا تلك الأمثلة العالية من التضحية والصبر والبطولة ضربها بعض أخوانهم فالتمعت في قلب المحنة شررا تحرك المقاتلون على ضوئه إلى أهدافهم، دفاعا عن المصير الذي صاغوا بدمائهم وأعصابهم جوانب منه، وسينطلقون فيما بعد لإتمام صياغته إيمانا واحتسابا. وعلى الجبهة العسكرية لم يدع الرسول وأصحابه ثغرة ينفذ منها العدو ولا ترك جانبا يمكن أن يعزز خطة الدفاع والمقاومة إلا اعتمده ونفذه بسرعة، وها هو

стр. 180

الآن يسعى إلى تفتيت جبهة الأحزاب وبدون ذلك لا يتحقق النصر ولا يزول الخطر.. فيبعث إلى قائدي غطفان وبني مرّة ويغريهما بثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما ويتخليا عن الحصار، وانتهت اتصالاته بهما إلى كتابة وثيقة صلح بين الطرفين، تعمد الرسول أن يؤجل توقيعها ريثما يستشير قادة الأنصار أصحاب المدينة، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعرض عليهما الأمر فقالا له: يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم ... والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر، فأجاب سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال الرسول ﷺ : فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحى ما فيها وقال: ليجهدوا علينا! ومن ثم اطمأن الرسول ﷺ إلى رغبة أصحابه عامة والأنصار خاصة في الصمود حتى النهاية بوجه الأحزاب «١» . لم يأل الرسول جهدا لتحقيق هدفه في تفتيت جبهة الأحزاب وتقطيع الرباط الذي يشد بعضها إلى بعض لا سيما ذلك الذي يوحد بين الوثنية في الخارج ويهود قريظة في الداخل، إذ أن أي تنسيق يحدث بين الطرفين سيمنح المشركين طريقا أمينا يختارونه عبر أحياء بني قريظة إلى قلب المدينة، وهنالك تقع الكارثة ويجد المسلمون أنفسهم وهم محاطون بالاف المشركين يجوبون ديارهم ويعملون فيهم قتلا وأسرا وتشريدا. وما لبثت العناية الإلهية أن ساقت إليه رجلا قد أسلم حديثا يدعى نعيم بن مسعود، فعرض على الرسول خدماته قائلا: إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال الرسول ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة «٢» .

стр. 181

غادر نعيم بن مسعود معسكر المسلمين صوب بني قريظة، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليهم وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهائن من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه!! .. فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم خرج نعيم حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه من زعماء مكة: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وأنه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقا أن أبلغه لكم، نصحا لكم فاكتموا عني، فقالوا نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ إليك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم؟ فأرسل إليهم أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهائن من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.. واتجه نعيم بعد ذلك إلى غطفان وأقنعهم بما أقنع به قريشا «١» . وفي ليلة السبت من شوال السنة الخامسة للهجرة أرسلت قريش وغطفان عكرمة بن أبي جهل في نفر من القبيلتين إلى بني قريظة لكي يقولوا لهم إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسل لهم اليهود، إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهائن من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإننا نخشى إذا ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تذهبوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه «٢» !.

стр. 182

فلما عاد الوفد الوثني وأخبر قريشا وغطفان بما دار من حديث مع بني قريظة ازداد يقين القبيلتين بما قاله نعيم بن مسعود وأرسلوا إلى بني قريظة: إنّا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا وقاتلوا. وعندما بلغ بني قريظة ذلك، قال زعماؤها: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن سنحت لهم الفرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فكان جوابهم لقريش وغطفان: إنّا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهائن، فأبى المشركون الاستجابة لطلبهم وتحقق بذلك هدف الرسول ﷺ من تفتيت الجبهة الوثنية- اليهودية، وكان ذلك بداية النصر الذي بدأ يلوح في الأفق في أعقاب حصار جاوز العشرين يوما. ولما كان المسلمون قد استكملوا جدهم في العمل والصمود فإن نصر الله المباشر سرعان ما تنزل رياحا شتائية شديدة البرودة سلطها الله سبحانه على معسرات المشركين فراحت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم وتنزع خيامهم، فلم يعد يقرّ لهم معها قرار.. وحينذاك بعث الرسول ﷺ صحابيا موثوقا من كبار أصحابه هو حذيفة بن اليمان لكي يتسلل إلى معسكرات المشركين ويطّلع على جلية الأخبار. ويحدثنا حذيفة نفسه عن المهمة التي كلف بها: «دعاني الرسول ﷺ ليلا وقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدث شيئا حتى تأتينا، فذهبت ودخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. وقام أبو سفيان وقال: يا معشر قريش لينظر كل امرىء من جليسه؟ فأخذت بيد الرجل الذي كان بجانبي فقلت له: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش والله إنكم ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام وأطلق عقال جمله، ولولا عهد رسول الله ﷺ إلي ألاأحدث شيئا حتى آتيه ثم شئت لقتلته بسهم لكني عدت وأخبرت رسول الله ﷺ الخبر..» .

стр. 183

وعندما سمعت غطفان بما فعلت قريش قفلت هي الآخرى عائدة إلى بلادها «١» . ومد المسلمون أبصارهم فجر اليوم التالي إلى ما وراء الخندق فلم يروا أحدا فعرفوا آنذاك إن مقاومتهم التي جاوزت العشرين يوما قد آتت ثمارها، وأن إيمانهم قد صمد لأخطر محنة جابهوها طيلة حياة الكدح والمطاردة والحرب والكفاح.. ليس هذا فحسب، بل إن الرسول ﷺ أعلمهم أن الموقف العسكري إزاء الوثنية قد تبدل أساسا وانقلب من الدفاع إلى الهجوم فقال مخاطبا جموع المقاتلين عند الخندق: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم «٢» . ومن الحق أن يعتبر ارتداد الأحزاب عن المدينة نصرا عظيما، ولا نرتاب في أنه كان ذا أثر كبير فيما تم من تعالي الإسلام وانتشار قوته ودعوته فيما بعد.. وإنه كان لهذا الارتداد أثره السلبي والإيجابي في آن واحد، إذ جعل العرب المتربصين والأعداء والمنافقين يرون في هذه النتيجة دلالة النصر الرباني والقوة المعنوية العظيمة فيقفون عند حدهم. ولم يفكر المكيون بعد بمتابعة عدوانهم «٣» ، ولم يعد في الإمكان بعد هذا اليوم أن يتجمع خصوم المدينة على هذه الصورة، فقد أصبحت قريش تشك في ولاء القبائل العربية، كما أصبحت القبائل نفسها تشك في قدرة قريش وفي إمكانها التغلب على المسلمين «٤» .

стр. 184

الفصل السابع الصراع مع الوثنية (المرحلة الثانية) صلح الحديبية من مركز القوة الذي أحرزه المسلمون بعد الخندق، قرر الرسول ﷺ أن ينطلق ليعتمر بأصحابه في مكة مستهدفا تحقيق أهداف ثلاثة، أولها إشعار الناس جميعا أن علاقات الإسلام بالقوى الآخرى ليس شرطا لها أن تظل قائمة على الحرب والعنف والقتال، وأن بالإمكان أن تسودها فترات من السلم والتهادن والتعايش المشترك على خلاف المذاهب والاتجاهات. وثانيها تجميد الصراع ضد قريش، ذلك الذي استغرق معظم مساحات الدرب الطويل الذي اجتازته الدعوة الإسلامية، والالتفات إلى الجهات الآخرى لغرض التركيز عليها، سيما بعد التصعيد الذي شهده الصراع ضد اليهود من جهة، وضد البيزنطيين وحلفائهم نصارى العرب من جهة أخرى. وأما ثالث الأهداف فهو إقرار حقيقة أن مكة ومقدّساتها ليست حكرا للوثنية تمارس فيها تقاليدها بحرية، وتسيطر على مقدراتها، فتسمح بدخولها لمن تشاء وتمنع من تشاء.. على العكس، إن المسلمين أحفاد إبراهيم ﵇ أبي الحنيفية، وباني الكعبة، أحق وأجدر بدخول الحرام الآمن، وممارسة شعائرهم القائمة على التوحيد الخالص، الذي من أجله أقيم البلد الحرام في الوادي غير ذي الزرع. ثم أن المسلمين المهاجرين ورسولهم ﷺ لا زالوا يحنّون وطنهم القديم ويطوون جوانحهم- عبر سني الصراع الطويل- على الشوق العارم إلى الديار التي ولدوا فيها، وترعرعوا بين أكنافها، وآثروا دعوة الحق بين طرقاتها وأحيائها.. الحنين الذي كان بلال قد باح به في أيام الهجرة الأولى، والحمى تعتصره:

стр. 185

ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة ... بفخ وحولي أذخر وجليل؟ وهل أردنّ يوما مياه مجنّة ... وهل تبدونّ لي شامة وطفيل؟ وها هو الرسول ﷺ يجيب على السؤال ويعلن- في ذي القعدة- أنه سيتجه إلى مكة معتمرا، لا يريد حربا، ويستنفر العرب وأهل البوادي من حوله ليخرجوا معه، ويخشى أن تعرض له قريش بحرب، أو تصده عن البيت «١» . أبطأ كثير من الأعراب عن الاستجابة لنداء الرسول ﷺ تخوفا من نشوب قتال مع قريش لا يهمهم من قريب أو بعيد، وانطلق المهاجرون والأنصار، ومن لحق بهم من مسلمي المناطق المجاورة، يسوقون الهدي صوب مكة، وأمرهم الرسول ﷺ باستبدال ملابسهم بثياب الإحرام، ليأمن الناس الحرب، وليعلمهم أنه إنما خرج زائرا لبيت الله الحرام ومعظما له. وعندما بلغ المسلمون عسفان، الواقعة على بعد مرحلتين من مكة، لقيهم من يقول لهم إن قريشا قد خرجت بمقاتليها وفرسانها لمجابهة المسلمين ومنعهم من دخول مكة مهما كان الثمن!! فكان جواب الرسول: (يا ويح قريش!! لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوه، وأن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش؟ فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) . وطلب من أحد الأدلّاء أن يقودهم، عبر طرق غير مسلوكة، إلى مكان آخر تجنبا للصدام مع قريش، فقادهم الدليل في أراض وعرة، ومسالك جبلية، وانتهى بهم إلى أرض سهلة عند منعطف الوادي أسفل مكة تدعى الحديبية. وعندما كان الرسول ﷺ يقول: (لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم إياها) ، كان فرسان قريش يكرون عائدين اعتقادا منهم أن محمد ﷺ اجتاح مكة عنوة «٢» . رأت قريش، وقد لمست رغبة الرسول ﷺ وإصراره على دخول مكة وأداء العمرة، أن تبعث إليه من يكلمه بالأمر ويقنعه بأن لا جدوى من محاولته تلك،

стр. 186

واعتقدت أن مجرد السماح للمسلمين بدخول بلدهم، بعد ذلك الصراع الحامي، يمثل هزيمة منكرة لقريش، زعيمة الوثنية، وتنازلا لخصومها كي يطؤوا حرمها المقدس ... وستقول العرب: لقد نكصت قريش عن حماية البيت الحرام، ولم تعط الأمر حقه، ثم ما تلبث أن تنصرف عنها. كان بديل بن ورقاء الخزاعي أول سفراء قريش إلى معسكر المسلمين، فقدم إلى الرسول ﷺ يصحبه رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته (فمن صدّنا عنه قاتلناه) . فرجع بديل إلى قريش وقال: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وأن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا هذا البيت. فما كان من زعماء قريش إلا أن اتهموه وعنفوه وقالوا له: وإن كان جاء لا يريد قتالا، فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدث بذلك عنا العرب. وما لبثوا أن بعثوا إلى المسلمين سفيرهم الثاني: مكرز بن حفص، الذي عاد بما كان رفيقه قد عاد به إلى زعماء قريش «١» . وكان الحليس بن علقمة، سيد الأحابيش، السفير الثالث، فلما رآه الرسول ﷺ مقبلا قال: إن هذا من قوم يتألّهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي ينساب صوبه في عرض الوادي، قفل عائدا قبل أن يقابل الرسول ﷺ إعظاما لما شهد، وأخبر القرشيين بالذي رأى، فقالوا له: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك!! فغضب عند ذاك وقال منددا: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم.. أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: مه يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. ثم ما لبثوا أن بعثوا سفيرهم الرابع: عروة بن مسعود الثقفي، وعندما جلس بين يدي الرسول ﷺ قال: يا محمد، أجمعت أو شاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضّها بهم؟ إنها قريش قد خرجت، وقد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. وأيم الله لكأنني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا! فعنّفه أبو بكر الذي كان يجلس وراء الرسول ﷺ وقال: أنحن ننكشف عنه؟ وراح عروة يتناول

стр. 187

لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف بسلاحه على رأس الرسول ﷺ فجعل يقرع يد المفاوض ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل ألاتصل إليك!! فيجيبه عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك!! ورسول الله ﷺ يبتسم. وعاد عروة إلى قريش ليعلمها بما حدثه به الرسول ﷺ من أنه لم يأت يريد حربا، وليقول لها: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه. ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا. فروا رأيكم «١» . رأى الرسول ﷺ أن يبعث من جهته سفيرا إلى قريش ليوضح لهم الهدف الذي جاء المسلمون من أجله، فاختار خراش بن أمية الخزاعي لأداء المهمة، إلّا أن خراشا ما أن بلغ مكة حتى عقر أشرافها بعيره وأرادوا الفتك به لولا أن منعته الأحابيش، فخلوا سبيله لكي ما يلبث أن يرجع إلى معسكر المسلمين. ليس هذا فحسب بل إن قريشا أرسلت خمسين من رجالها المسلّحين ليتسلّلوا إلى معسكر المسلمين ويصيبوا بعض رجاله في محاولة لاستفزاز الرسول ﷺ ودفعه إلى اتخاذ إجراء انتقامي يعزز موقف قريش لدى العرب. لكن الرسول ﷺ فوّت عليهم الفرصة بعد ما جاء به أصحابه من أسرى دون عناء كبير، فعفا عنهم وخلّى سبيلهم «٢» . ويحدثنا رجل من معسكر المسلمين فيقول: «أتيت شجرة فكسحت شوكها ثم اضطجعت في ظلها، فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم ثم اضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم، فاستللت سيفي على أولئك الأربعة وهم رقود، وأخذت سلاحهم، ثم قلت: لا يرفع أحدكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه!! ثم جئت بهم أقودهم إلى الرسول ﷺ ، وجاء عمي برجل آخر حتى وقفنا بهم على رسول الله في سبعين من المشركين ... فنظر إليهم رسول الله فقال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور) وعفا عنهم» «٣» . وفي رواية أخرى للواقدي

стр. 188

أن الرسول ﷺ احتفظ بأسرى قريش رهائن ريثما تطلق من في أيديها من مسلمين كانوا قد دخلوا مكة لزيارة أهليهم وكانوا أحد عشر رجلا، فاستجابت قريش لعرضه فأطلق سراحهم «١» . لم ييأس الرسول وكأنه كان يرى بثاقب بصره الثمار الحلوة التي ستجنيها الدعوة الإسلامية إذا ما سادت العلاقات السلمية فترة من الوقت مع قريش زعيمة الوثنية، فدعا عمر بن الخطاب ليسفر له لدى قريش فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس في مكة من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني: عثمان ابن عفان. انطلق عثمان إلى مكة ودخل في جوار قريب له يدعى أبان بن سعيد بن العاص ريثما يبلغ زعماء قريش ما جاء به فأجابه هؤلاء: إن شئت أن تطوف في البيت فطف! فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله. وراح عثمان يتصل بمسلمي مكة المستضعفين من الرجال والنساء ويقول لهم: «إن رسول الله يبشركم بالفتح» ، فكانت الدموع تسيل من أعينهم فرحا بذلك وهم يقولون: أقرىء رسول الله منا السلام، إن الذي أنزله بالحديبية لقادر أن يدخله بطن مكة «٢» . وما لبثت قريش أن اعتقلته فبلغ الرسول وأصحابه أن عثمان قد قتل «٣» . لم يجد الرسول ﷺ بدأ من التهيؤ للقتال ... بعد فشل كل محاولاته الودية لدخول مكة.. وبعد الموقف السيء الذي وقفته قريش من سفرائه إليها، ودعا الناس إلى البيعة على عدم الفرار والصمود بوجه قريش، فانهال عليه المسلمون يبايعونه وهو واقف تحت شجرة سميت فيما بعد بشجرة الرضوان نسبة إلى البيعة التي تمت تحتها، ولم يتخلف عن مبايعته أحد من أصحابه، إلا أن الأنباء ما لبثت أن جاءت لتنفي ما أشبع عن مقتل عثمان ... وأعقب ذلك قيام قريش بإرسال سهيل بن عمرو سفيرا خامسا إلى الرسول ﷺ ، ربما لتخوفها من استعداد

стр. 189

المسلمين للقتال ومبايعتهم الرسول على الصمود، وكلفت رجلها أن يسعى جاهدا لمصالحة محمد ﷺ شرط أن يرجع عنهم هذا العام «فو الله لا تحدث العرب عنا أن محمدا دخلها علينا عنوة أبدا» «١» . التقى سهيل بالرسول ﷺ وأدرك الرسول، عندما لمحه قادما من بعد، أن قريشا تسعى للصلح. وجرى بين الطرفين كلام طويل انتهى بالموافقة على الصلح ولم يبق إلّا صياغة الوثيقة ... هناك وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر وقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال: بلى ... قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى ... قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟ أجاب أبو بكر: يا عمر الزم أمره فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله ... ورأى عمر، الذي فطر على الصراحة والوضوح، أن يلتقي بالرسول ﷺ نفسه ويطرح عليه نفس الأسئلة ... فكان جواب الرسول ﷺ : أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ... ثم ما لبث أن دعا عليا ليملي عليه صيغة الصلح وقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم. فكتبها، ثم قال لعلي: اكتب (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيلا بن عمرو) فقال سهيل: لو شهدت إنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فأجابه الرسول إلى ما أراد «٢» . كان الصلح يقضي بعقد هدنة أمدها عشر سنوات «٣» ، وأن يرجع المسلمون هذا العام ولهم أن يدخلوا مكة في العام المقبل والسيوف في أغمادها، وإن لكل قبيلة الحق بالدخول في عهد مع أي من الطرفين تشاء ... وأنه لا إسلال ولا إغلال.. وإن من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه فعليه أن يرده، ومن جاء قريشا ممن مع محمد ﷺ لا تجد نفسها ملزمة برده ... وسرعان ما أعلنت خزاعة دخولها في عقد محمد وعهده ... بينما دخلت بنو بكر عقد قريش وعهدها ... وقبل أن يتم إملاء الشروط وصل معسكر المسلمين أبو جندل، ابن المفاوض القرشي سهيل بن عمرو، وهو يرسف بالحديد فانقض عليه أبوه يضرب وجهه

стр. 190

ويأخذ بتلابيبه قائلا للرسول: إن شروط الصلح قد أبرمت قبل وصول أبي جندل فأجابه الرسول: صدقت ... وراح أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: ... يا معشر المسلمين أأردّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فما كان جواب الرسول ﷺ إلا أن قال: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ... إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله.. وإنا لا نغدر بهم.. ووثب عمر وراح يمشي إلى جوار أبي جندل ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنهم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب!! وعندما تمّ إملاء الكتاب شهد على الصلح أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد ابن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وعن الجانب المشرك مكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزى «١» . لم يرتح المسلمون لأحداث الصلح ونتائجه سيما وأنهم جاؤوا يحملون أملا بدخول مكة والطواف في البيت العتيق في أعقاب رؤيا الرسول ﷺ ، وها هم يعودون من حيث جاؤوا دون أن يتحقق أملهم، هذا فضلا عما في بنود الصلح نفسها وصيغته من أمور رأوا فيها تنازلا للمشركين. هذا إلى أن الرسول ﷺ لم يستشر أصحابه على غير ما ألفوا منه في هذا الاتفاق المقترح مع أنه في شؤون الحرب والسلم التي سلفت كان يرجع إليهم.. وربما نزل على رأيهم وهو له كاره.. لكنه اليوم ينفرد بالعمل ويقرّ ما يكرهون على عير ضرورة ملجئة «٢» . ثم جاءت قضية تسليم أبي جندل لأعدائهم إثارة جديدة لأعصابهم المرهقة وحنقهم الذي عبر عنه (عمر) صراحة. من أجل ذلك كله [دخل عليهم أمر عظيم حتى كادوا يهلكون] وعندما أمرهم الرسول ﷺ بنحر الهدي وحلق رؤوسهم إيذانا بالعودة للمدينة.. لم يستجيبوا له لأول مرة في حياتهم.. فما كان من الرسول ﷺ بعد استشارة زوجته أم سلمة إلا أن يخرج عليهم فينحر ويحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك راحوا

стр. 191

ينحرون ويحلقون وهم يتميزون غيظا وألما حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما «١» ، دون أن يدركوا أن الصلح الذي تمخض عن مرونة الرسول وتنازله عن بعض الشكليات في صياغة الوثيقة وبنودها كان أكبر فتح في تاريخ الدعوة الإسلامية منذ انبعاثها قبل تسع عشرة سنة، وأن الرسول بموقفه ذاك قد فتح طريقا جديدا أمام الحركة الإسلامية أوصلها إلى آفاق جديدة ومساحات واسعة لم يكن أحد من المسلمين يطمع في الوصول إليها قبل مرور سنين وسنين. وفي طريق العودة نزلت آيات القرآن الكريم لتؤكد البعد الحقيقي للصلح مع زعيمة الوثنية إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً «٢» ، وتستطرد الآيات الكريمة مؤكدة دخول المسجد الحرام عما قريب وتحقق رؤيا الرسول ﷺ التي تجيء دوما كفلق الصبح: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً «٣» . ولم يكن هذا الفتح كما يقول ابن هشام سوى صلح الحديبية: [فما فتح في الإسلام.. يقول الزهري.. فتح قبله كان أعظم منه. إنما كان القتال حيث التقى الناس ... فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب وأمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا فلم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ... ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر] بدليل أن الرسول ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج في فتح مكة بعد سنتين على رأس عشرة آلاف رجل «٤» . وما من شك أن مجرد دخول قريش في عهد مع المسلمين يمثل اعترافا منها

стр. 192

بالدولة الفتية والدين الجديد بعد حرب الإفناء الطويلة التي شنتها ضدهما.. ولما كانت قريش هي زعيمة الوثنية وحامية حمى الحرم المقدس فإن توابعها من القبائل العربية المنتشرة في الجزيرة رأت نفسها في حل من الانتماء لزعامتها والارتباط بمصيرها وأن لها الحرية المطلقة في أن تختار المعسكر الذي تراه مناسبا دخولا في دينه أو صداقة معه.. وقد فتح ذلك المجال أمام المسلمين لكي ينشطوا وينتشروا في الآفاق لكسب مزيد من الأصدقاء والحلفاء والمنتمين إلى الدين الجديد، مستغلين من جهة أخرى فترة السلم التي أتاحتها شروط الحديبية. وكان انضمام خزاعة إلى معسكر المسلمين نصرا كبيرا للرسول ﷺ ذلك أن جزآ كبيرا من الأحابيش الذين كانت قريش تعتمد عليهم يعدون من بطونها، وبذلك ضمّ محمد جزآ كبيرا من هذه القوة إلى جانبه وأضعف بذلك مركز قريش الحربي «١» . ويرى (أرنولد) أن الحروب المتصلة التي كان الرسول قد شنها على أهل مكة قد جعلت حتى ذلك الحين القبائل، التي تقيم جنوبي هذه المدينة حتى تخوم اليمن، بعيدين بعدا يكاد يكون تاما عن سلطان الدين الجديد.. ولكن هدنة الحديبية جعلت الاتصال مع بلاد العرب الجنوبية أمرا ميسورا في ذلك الحين «٢» . وقد كان لانتشار الإسلام في اليمن في الفترة التي أعقبت الحديبية أهمية خاصة من الناحية العسكرية، فقد جعل قريشا محفوفة بالمسلمين من الشمال والجنوب وبذلك تقرر مصير مكة وقريش نهائيا «٣» ... هذا في الوقت الذي كانت قريش فيه قد توخت أهدافا سطحية دفعتها إليها العصبية الجاهلية وهي رد المسلمين عن زيارة البيت الحرام هذا العام ليعودوا إلى زيارته في العام المقبل، ورد الذين يسلمون من قريش بدون رضى أوليائهم حتى لا يكثر عدد المسلمين وأن ينالوا بهذه الهدنة الاستقرار للتفرغ لتجارتهم وهو أهم هدف حيوي بالنسبة لقريش «٤» . ولم ينس الرسول ﷺ أن ينتزع من هذه الفرصة الثمينة كل ما يستطيع انتزاعه، فضلا عن كسب الناس إلى الإسلام وصداقتهم لدولته.. صراعا ضد

стр. 193

القوى الآخرى المضادة للإسلام كاليهود الذين تكتلوا في خيبر والمواقع المجاورة له، والبيزنطيين وحلفائهم العرب الذين ازداد تكالبهم في الجهات الشمالية بازدياد نشاط الإسلام هناك، فضلا عن التجمعات القبلية البدوية المنتشرة في الصحراء والتي كانت تنتظر الفرصة السانحة لإنزال الضربات بأتباعه. وها هو الرسول وقد فصم عقدها بهدنته مع زعيمتها قريش يوجه إليها السرايا تلو السرايا طيلة السنة السابعة ليصدها عن المضي فيما تبتغيه وليشعرها بمقدرة المسلمين على العقاب! خرج عمر بن الخطاب على رأس ثلاثين رجلا إلى إحدى قبائل هوازن، وكان يسير برجاله ليلا ويكمن نهارا، وما إن سمع أعداؤه خبر هجومه المباغت حتى فروا فقفل عائدا ولم يلق كيدا. وخرج أبو بكر الصديق إلى نجد، وبشير بن سعد إلى بني مرّة على رأس ثلاثين رجلا أصيب بعضهم فاضطر إلى العودة إلى المدينة، وانطلق غالب بن عبد الله، يقود مائة وثلاثين رجلا إلى بني عبد بن ثعلبة فأغاروا عليهم واستاقوا نعمهم وعادوا بها إلى المدينة، وما لبث بشير بن سعد أن خرج ثانية على رأس سرية أخرى للهجوم على بعض القبائل من غطفان بدأت تتحرك للهجوم على المسلمين، فباغتها سعد واستاق نعمها «١» . وطيلة الأشهر الأولى من السنة التالية استمرت السرايا الإسلامية تغادر المدينة منطلقة إلى أهدافها التي كان الرسول ﷺ يحددها لها في قلب الصحراء.. خرج غالب بن عبد الله الليثي ليغير على بني الملوح بمنطقة تدعى الكديد. ويحدثنا أحد أبطال السرية فيقول: «.. نزلنا بطن كديد بعد العصر، فبعثني أصحابي ربيئة، فعمدت إلى تل يطلعني على الحيّ، فانبطحت عليه، قبيل المغرب، فخرج منهم رجل فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته: والله إني لأرى على هذا التل سوادا ما كنت رأيته أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب جرت بعض أوعيتك! فنظرت فقالت: والله ما فقدت شيئا. قال: فناوليني قوسي فناولته، فرماني بسهم فوضعه في جنبي، فنزعته فوضعته، ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك. فقال الرجل: أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان طليعة لتحرك. وأمهلناهم حتى إذا سكنوا وذهبت

стр. 194

عتمة من الليل، شننا عليهم الغارة، فقتلنا من قتلنا واستقنا النعم وقفلنا عائدين بعد أن جاءنا منهم ما لا قبل لنا به ... » ولم يكن عدد أفراد هذه السرية يجاوز البضعة عشر رجلا «١» . وانطلق شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا إلى بني عامر فشن عليهم الغارة وأصاب نعما وشاء «٢» . وسار أبو عبيدة عامر بن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار مستهدفين قبائل جهينة.. وكان الطريق طويلا، فنفد ما معهم من قوت، وراح الجوع يعتصرهم، وقال رجل منهم: كان أبو عبيدة يقبض لنا قبضة من التمر، ثم تمرة تمرة، فنمصها ونشرب عليها الماء إلى الليل حتى نفد ما في الجراب فكنا نجني الخبط، إذ جعنا جوعا شديدا، وما لبث البحر أن ألقى إلينا حوتا ميتا فأكلنا منه حتى شبعنا «٣» . وسرايا أخرى قادها مسلمون آخرون، انطلقت إلى أهدافها بشجاعة، وعادت وقد لقنت الأعراب ودعاة الفتنة دروسا لن ينسوها «٤» . ولم يقف الرسول ﷺ عند حد اعتماد الهدنة مع قريش لتأديب الأعراب، بل نشط منذ أواخر السنة السادسة، وحتى فتح مكة، في توجيه دعاته وسفرائه إلى كبار أمراء العرب الوثنيين وزعمائهم ومشايخهم يدعوهم إلى الإسلام، في نفس الفترة التي كان قد وجّه فيها سفراءه ومبعوثيه إلى أباطرة العالم وملوكه يعرض عليهم الدعوة التي بعث بها إلى الناس جميعا.. أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي، أمير البحرين والمناطق الشمالية المطلة على الخليج العربي، وكتب إليه كتابا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي رسول الله إلى المنذر بن ساوى. سلام عليك. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن كتابك جاءني ورسلك، وإن من صلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فإنه مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ومن أبى فعليه الجزية» . فأسلم المنذر ومعه الكثيرون من

стр. 195

رعاياه، أما الذين بقوا على مجوسيتهم فصالحهم الرسول ﷺ على الجزية، على ألا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. وبقي العلاء هناك أميرا من رسول الله ﷺ في البحرين «١» . وبعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجلندي الأزديين بعمان، فصدقا النبي وأقرا ما جاء به، فعرض الزكاة على أموال مسلميهم والجزية على من بقي على مجوسيته من أتباعهم «٢» . وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة، ويبدو أن ذهاب وفد بني حنيفة في السنة التالية المسماة بعام الوفود كان استجابة من زعماء هذه القبيلة الكبيرة لنداء الرسول ﷺ قبل أن يرتد مسيلمة هناك «٣» . وخرج عمرو بن كعب الغفاري يصحبه خمسة عشر رجلا إلى ذات أطلاح على حدود الشام، فوجدوا جمعا كثيرا، فدعوهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا، وانقضوا على أصحاب عمرو فأبادوهم جميعا، وتحامل عمرو حتى بلغ المدينة «٤» فيما يذكر بمأساتي الرجيع وبئر معونة، ويبين لنا كم كانت الدعوة إلى الإسلام تعطي من تضحيات قبل أن تتمكن من تثبيت أقدامها في قلب الصحراء. وإلى زعماء اليمن ومشايخها وبقايا ملوك حمير بعث الرسول ﷺ معاذ ابن جبل ومالك بن مرارة يحملان إليهم وإلى أهل اليمن دعوة الإسلام، فأسلم الكثيرون منهم «٥» . كما كتب ﷺ إلى أمراء كندة وحضرموت رسائل مطولة يشرح لهم فيها تعاليم الإسلام وشرائعه. ويسرد ابن سعد أسماء عدد كبير من الزعماء العرب في الجنوب والشمال ممن تلقوا نداء الإسلام من الرسول ﷺ فاستجاب له كثير منهم، وبقي الآخرون على شركهم. ومن بين هؤلاء الذين راسلهم الرسول على سبيل المثال: خالد بن ضماد الأزدي، ونعيم بن أوس أخي تميم الداري، والحصين بن أوس الأسلمي، وبنو قرة

стр. 196

ابن عبد الله، وبنو الضباب بن الحارث بن كعب، ويزيد بن الطفيل الحارثي، وبنو قنان بن ثعلبة من بني الحارث، وعبد يغوث بن وعلة الحارثي، وبنو زياد بن الحارث، ويزيد بن المحجل الحارثي، وبنو فهد حلفاء بني الحارث، وعاصم بن الحارث، وبنو جرول الطائيين، وعامر ابن أسود الطائي وقومه طيىء، وبنو جوين الطائيين، وبنو معن الطائيين، وجنادة الأزدي وقومه، وقبيلتا سعد وهذيم القضاعية وجذام وبنو زرعة، وبنو الربعة ابن جهينة، وبنو جعيل بن بلى، وأسلم بن خزاعة، وعوسجة بن حرملة الجهني، وبنو شفخ والجرمز بن ربيعة والحرقة وعمرو بن معيد الجهنيين، وبلال بن الحارث المزني، وبنو عمرو، والعدّاء بن خالد بن عامر، ومسيلمة الكذاب الذي ردّ على كتاب النبي ﷺ بأنه نبي مثله، وسأله أن يقاسمه الأرض، وأن قريشا قوم لا يعدلون، فكتب إليه النبي ﷺ : «بلغني كتابك الكذب والافتراء على الله، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين..» . كما كتب الرسول ﷺ لسلمة بن مالك من بني حارثة والعباس بن مرداس وهوذة بن نبيشة والأجبّ وراشد بن عبد الله وحرام بن عبد عوف السلميين، وجميل ابن رزام العدوي، وحصين بن فضلة الأسدي، وبني ضمرة بن بكر بن كنانة، والهلال أحد زعماء البحرين، وأسيبخت بن عبد الله صاحب هجر الذي جاء في كتاب الرسول ﷺ إليه: « ... إنه قد جاءني الأقرع بكتابك وشفاعتك لقومك، وإني قد شفعتك وصدقت رسولك في قومك، فأبشر فيما سألتني وطلبتني بالذي تحب.. فإن تجئنا أكرمك وأن تقعد أكرمك أما بعد فإني لا أستهدي أحدا، وإن تهد إليّ أقبل هديتك وقد حمد عمالي مكانك، وأوصيك بأحسن الذي أنت عليه من الصلاة والزكاة وقرابة المؤمنين، وإني قد سميت قومك بني عبد الله، فمرهم بالصلاة وبأحسن العمل، وأبشر والسلام عليك وعلى قومك المؤمنين» . وإلى جماعة من العبيد وقطاع الطريق في جبل تهامة كتب الرسول ﷺ بعد أن استقبل وفدا منهم: «هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لعباد الله العتقاء، إنهم إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فعبدهم حرّ ومولاهم محمد. ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من أدم أصابوه أو مال أخذوه فهو

стр. 197

لهم، وما كان لهم من دين في الناس ردّ إليهم ولا ظلم عليهم ولا عدوان..» . كما كتب رسول الله ﷺ إلى بني زهير بن أقيش وأبي ظبيان الأزدي وحبيب ابن عمر الأجيئي وسمعان بن عمرو الكلابي وبكر بن وائل والسعير بن عداء وبني عبد القيس، ونفاثة بن فروة الدئلي ملك السماوة، وبني عذرة ومطرف بن الكاهن الباهلي ونهشل بن مالك الوائلي وسعيد بن سفيان الرعلي ومسلمة بن مالك السلمي، وبني جناب، ومهري بن الأبيض أمير مهرة، وبني خثعم، وقبائل ثمالة والحدان في صحار، ووائل بن حجر قيل حضرموت «١» . وفي ذي القعدة من السنة التالية (٧ هـ) حان موعد دخول المسلمين مكة فيما أسمته الروايات (عمرة القضاء) تنفيذا لشروط الحديبية. وكان الرسول ﷺ قد أمر كل الذين شهدوا الحديبية بأن يتجهوا للعمرة، وأمر بحمل السلاح حذرا وحيطة. فلما علمت قريش ذلك أصابها الخوف، وأرسلت إليه رجلا لقيه بمرّ الظهران وأعرب له عن مخاوف قريش فأجابه الرسول ﷺ «ما عرفت صغيرا ولا كبيرا إلا بالوفاء، وما أريد إدخال السلاح عليهم، ولكن يكون قريبا إليّ» . فعاد المبعوث لكي يطمئن قريشا أن المسلمين لا ينوون دخول مكة مسلّحين، وأنهم سيبقون السلاح بعيدا عنها «٢» . وما إن اقترب المسلمون من مكة حتى انسحبت قريش صوب المرتفعات المحيطة خوفا من حدوث احتكاك بين الطرفين، إلا أنها عبرت عن غيظها بإشاعة بثتها بين الناس مفادها أن محمدا وأصحابه يعانون شدة وعسرة وجهدا، فاصطف بعضهم عند دار الندوة لينظروا إلى الرسول وإلى أصحابه، فلم يشأ الرسول ﷺ إلا أن يجابه الشائعات بالأفعال، فشد رداءه وأخرج عضده اليمنى وقال: أرملوا بالبيت ليرى المشركون قوتكم، ثم استلم الركن وأخذ يهرول وأصحابه معه، حتى إذا واراهم البيت عن أعين القرشيين عادوا صوب الكعبة، فاعلين ذلك ثلاثا، ثم

стр. 198

أمر بلالا أن يصعد إلى ظهر الكعبة فيؤذن هناك. وبعد ثلاثة أيام من إقامة المسلمين في مكة وأداء مراسيم العمرة، بعثت قريش إلى الرسول ﷺ من يقول له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا، فقفل الرسول ﷺ بأصحابه عائدا إلى المدينة، وصدقت رؤيا الرسول ﷺ وكلمات الله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً «١» !! كان لعمرة القضاء- وأحداث الحديبية من قبلها- أثرها الخطير في مكة نفسها، فإن أهلها رأوا من تضامن المسلمين وتعاونهم وتعاطفهم، وحسن نظامهم والتفاهم بينهم، واقتدائهم بنبيهم، ما جعلهم يدركون أن مثل هذه الجماعة لا يمكن الوقوف في وجهها وليس من أمل في التغلب عليها، حتى لقد كانت عمرة القضاء قضاء تاما على روح العناد والمقاومة في قريش، وحتى لقد أدرك عقلاؤها أن من الخير الانضمام إلى محمد، يتمثل ذلك في إسلام خالد بن الوليد وعمرو ابن العاص وعثمان بن طلحة، حارس الكعبة. وبإسلام هؤلاء الثلاثة أسلم عدد كبير من أهل مكة وأصبحت مكة في حكم البلد الذي فتح أبوابه للدعوة الإسلامية، ولم يبق إلا أن تفتح أبوابها وتسلم القياد للمسلمين «٢» ، ومن ثم يمكن اعتبار فتح مكة قد تم للمسلمين من يوم عمرة القضاء لأن هذه العمرة أثرت على معنويات قريش أعظم التأثير. إن عمرة القضاء فتحت قلوب قريش، وغزوة الفتح فتحت أبوابها «٣» !!

стр. 199

فتح مكة بدأت قريش تزداد يقينا، يوما بعد يوم، بأن شروط صلح الحديبية لم تكن في صالحها، وأنها إذا ما ظلت ملتزمة بها فسوف تجد نفسها في يوم قريب أو بعيد وحيدة عزلاء وسط بحر إسلامي تضرب أمواجه حدود أمبراطوريتي العالم القديم وتكتسح مواقع الوثنية البائدة. وحتى الشرط الذي ظنته لصالحها وظنه المسلمون إذلالا لهم، ذلك الذي يعطي قريشا الحق في استرداد من يلحق بالمسلمين ويحجب هذا الحق عن المسلمين، حتى هذا الشرط أخذ يلحق بمشركي مكة متاعب صارت تزداد مع الأيام. فالمضطهدون الهاربون من قبضة قريش كانوا يجدون أنفسهم ملزمين بعدم الالتحاق بإخوانهم ودولتهم الجديدة في المدينة وإلا ردوا إلى مضطهداهم تنفيذا للعهد، فكانوا يلجؤون إلى جبال تهامة المطلّة على طريق القوافل المكية إلى الشام، ويقومون من هناك بحروب عصابات ضد القوافل القرشية الذاهبة والآتية من الشام، فيقتلون حراسها وأصحابها ويغنمون أموالها، وكان يقودهم في نشاطهم هذا فدائي مسلم يدعى (أبا بصير) كان قد فرّ من مضطهديه في مكة إلى المدينة إلا أن الرسول ﷺ رده بصحبة اثنين من حراس مكة جاآ لكي يعيداه إلى سادته فقتل أحدهما واضطر الآخر إلى الفرار، ثم انطلق صوب جبال تهامة لكي يبدأ من هناك حربه ضد قريش، وأخذ يلتحق به كل هارب من جحيم الوثنية «١» . وما لبثت قريش أن وجدت نفسها مسوقة إلى أن تطلب من الرسول ﷺ إلغاء هذ الشرط فأجابها إلى ما أرادت، ولكن الأيام مضت وقريش تزداد عزلة وتوترا

стр. 200

وتجارتها بوارا وكسادا، والمسلمون يزدادون نشاطا ودأبا، ومن ثم راح زعماء مكة ينتظرون الفرصة لضرب المعاهدة وإبطال شروطها جميعا لأن ثماني سنوات أخرى من الصلح ستؤدي حتما إلى اختناق قريش، وما لبثت الأحداث أن مكنتها من تحقيق هدفها، إلا أنه لم تكن تدري آنذاك أنها تسعى إلى حفر قبرها بيدها وأنها تضع بيد الرسول ﷺ المعول الذي سيهدم به آلهتها وأصنامها، وسيهيل التراب على قيمها الخاطئة وتقاليدها الظالمة وعقائدها الوثنية إلى الأبد. ذلك أن بني بكر حليفة قريش، اعتدت في شعبان من السنة الثامنة على خزاعة حليفة الرسول ﷺ وداهمتها في ديارها فقتلت أحد رجالها، ففزعت خزاعة تدافع عن نفسها، واتسع نطاق القتال وراحت قريش ترفد حليفتها بالسلاح وبالرجال يقاتلون تحت جناح الليل حتى ألجأوا خزاعة إلى الحرم وقتلوا منها ثلاثة وعشرين رجلا، فنادت بنو بكر بزعيمها نوفل بن معاوية: إنّا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك فأجاب نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ ورأت خزاعة أن قريشا قد نقضت عهدها مع الرسول ﷺ إذ أسهمت في قتالها وهي حليفة المسلمين فبعثت عمرو ابن سالم الخزاعي في أربعين راكبا يعرض على الرسول ﷺ تفاصيل العدوان ويستنجده على الغادرين، وأعقبه بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة يؤكد ما ذهب إليه عمرو، ولم يزد الرسول ﷺ على أن قال لمن حوله: (كأنكم بأبي سفيان قد جاء يشد العقد ويزيد المدة) ، وكأنه ﷺ اعتزم أمرا لم يشأ أن يكشفه لرسل خزاعة أو لأصحابه حرصا على السرية والكتمان، ولقد صدق الرسول ﷺ إذ ما لبثت قريش أن أدركت خطأها وأنها ليست بقادرة اليوم على مجابهة غضبة المسلمين وقد ازدادوا قوة وعددا فرأت أن تبعث زعيمها أبا سفيان إلى المدينة على جناح السرعة علّه يعيد الأمور إلى مجاريها ويجدّد مع المسلمين بنود معاهدة كان هو ورفاقه قد قتلوها «١» . التقى أبو سفيان بالرسول ﷺ وكلمه في الأمر فلم يردّ عليه، فذهب إلى أبي بكر فتوسط لديه أن يكلم له الرسول ﷺ فقال: ما أنا بفاعل، فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله؟ فو الله لو لم أجد إلا الذرّ (الغبار) لجاهدتكم به. فجاء إلى علي وقال: يا علي إنك أمسّ القوم

стр. 201

بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعنّ كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ ، فأجابه علي: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. ولم يكن هذا الأمر سوى الإعداد الحاسم لاستئصال رأس الوثنية واكتساحها. وعاد أبو سفيان خائبا لكي يخبر قريشا بفشل مسعاه «١» . حرص الرسول ﷺ خلال التجهز على كتمان الأمر حتى عن أقرب أصحابه إليه من أجل أن يفاجىء مكة بهجومه الحاسم فلا تستطيع مقاومة ودفاعا فتذعن للأمر وتحقن الدماء، حتى أن زوجته عائشة عندما سألها أبوها أين ترينه يريد؟ أجابت: لا والله ما أدري! وما أن تمّ الإعداد والتجهز حتى انطلق الرسول ﷺ بأصحابه صوب مكة وأمرهم بالجد والهيؤ. وقد روى الواقدي أن الرسول ﷺ خرج إلى مكة «ولا يعلم أحد وجهته وقائل يقول يريد قريشا وقائل يقول هوازن وآخر يقول يريد ثقيفا ... ولم يعقد الألوية ولم ينشر الرايات حتى بلغ (كديد) » . وعندما سأله أحد أصحابه في الطريق: يا رسول الله والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام، فأين تتوجه يا رسول الله؟ أجاب الرسول ﷺ حيث شاء الله «٢» . وفي مكان آخر يقول الواقدي إن الرسول ﷺ أخذ بالأنقاب (أي سد طرق المدينة) وعمى عليهم الأخبار فكان عمر بن الخطاب يطوف على الأنقاب قيّما بهم فيقول: لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه «٣» . وعندما ألح عليه أبو بكر بسؤاله: أين تريد يا رسول الله؟ أجابه الرسول: قريشا واخف ذلك يا أبا بكر «٤» . ودعا الرسول ﷺ (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها) . واستجاب الله لدعاء رسوله وأعلمه وحيه الأمين أن محاولة لأخبار قريش بتحرك الرسول ﷺ قام بها أحد المسلمين (حاطب بن أبي بلتعة) حيث كتب إلى قريش بهدف الرسول ﷺ كتابا حمّله امرأة أخفته في طيات شعرها وانطلقت صوب مكة، فأدركها علي

стр. 202

والزبير في منتصف الطريق وأخذا الكتاب منها وقفلا عائدين ليسلماه إلى الرسول. فدعا الرسول حاطبا وسأله: ما حملك على هذا؟ فأجاب: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت، ولكني كنت أمرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه. فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق. فقال الرسول: وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع إلى أصحاب بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ إن ماضي حاطب في الجهاد في سبيل الدعوة وإسهامه مع رفاقه في مقاومة الوثنية في أوج عنفوانها يحجب عنه الآن الزلة الكبيرة التي ساقته قدماه إليها، والماضي الكبير يحجب الخطأ الكبير ما دام الإيمان لم ينقلب بعد إلى كفر صريح ... ونزلت كلمات الله لكي تحدد للمسلمين، انطلاقا من هذه المناسبة العابرة، موقفا دائما عليهم ألاينحرفوا عنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ... «١» . انطلق الرسول ﷺ في العاشر من رمضان مستخلفا على المدينة أبا رهم الغفاري ومستنفرا كل قادر على القتال من المسلمين، وعندما بلغ مر الظهران عسكر هناك في عشرة آلاف من المسلمين من بني سليم وبني غفار وبني مزينة وتميم وقيس وأسد التي دعاها لموافاته في المدينة، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار أحد. ولم تكن قريش، وقد عميت الأخبار عنها، تعرف حتى ذلك الحين شيئا عما يفعله الرسول ﷺ هل يريد قريشا أم هوازن أم ثقيف «٢» ؟ ويذكر الواقدي أن المسلمين عسكروا بمر الظهران ولم يبلغ قريشا حرف واحد من مسير رسول الله إليهم، فقد اغتموا وهم يخافون أن يغزوهم رسول الله ﷺ «٣» . وكان العباس عم الرسول قد التحق بمعسكر المسلمين وجعل هدفه أن تقتنع قريش بعدم جدوى المقاومة وأن يجيء زعماؤها فيستأمنوا الرسول قبل وقوع المحذور، فخرج يبحث عن رجل يذهب إلى مكة ليخبر أهلها بمكان معسكر المسلمين لكي يجيئوا فيعتذروا ويستأمنوا، وإذا به يسمع عن قرب أبا سفيان وهو يقول لبديل بن

стр. 203

ورقاء وقد خرجا فيمن خرج من زعماء قريش يتحسسان الأخبار: ما رأيت نيرانا قط ولا عسكرا بهذا الشكل، فيجيبه بديل: هذه والله خزاعة قد حمشتها «أحرقتها» الحرب، فيرد أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها! فتقدم العباس إليهما وأعلمهما حقيقة الخبر وأردف أبا سفيان وراءه في محاولة لاستئمان الرسول ﷺ إياه، أما صاحبه فقد قفل عائدا، ولمحهما عمر بن الخطاب وهما يجتازان معسكرات المسلمين فانطلق إلى الرسول قائلا: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه، إلا أن العباس سرعان ما أعلن جواره له. ولما رأى عمر يلح على قتله قال له: مهلا يا عمر فو الله إن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فأجابه عمر: مهلا يا عباس فلإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم! وأصدر الرسول ﷺ أمره إلى عمه أن يذهب بأبي سفيان إلى رحله فإذا أصبح أتاه به، وفي الصباح جيء به إلى الرسول ﷺ فقال له: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد!! استمر الرسول: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي.. أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. عند ذاك أعلن أبو سفيان إسلامه. وأراد الرسول أن يتخذ منه مفتاح أمان يفتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة الدماء ويكبت به روح المقاومة الوثنية المتعطشة للقتل والدماء، فأراد أن يشبع فيه عاطفة الفخر ويحقق هدفه عن هذا الطريق، فأعلن أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن. وبذلك سعى الرسول إلى تنفيذ أسلوب (منع التجول) لكي يتمكن من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات وإراقة الدماء. وجعل لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدء. ولم يكتف الرسول بذلك بل أمر العباس أن يحجز أبا سفيان عند مدخل المضيق الذي ستنساب منه قوات المسلمين في طريقها إلى مكة فيراها رأي

стр. 204

العين فيزداد يقينا بألا قدرة للمكيين على المقاومة «١» . ووقف العباس وأبو سفيان حيثما أمره الرسول ﷺ وراحت قبائل المسلمين تمرّ حاملة راياتها الخاصة واحدة تلو الآخرى، وكلما مرت قبيلة كبّرت ثلاثا فسأل أبو سفيان: يا عباس من هذه؟ فيقول سليم، فيقول: ما لي ولسليم! ثم تمر القبيلة الآخرى فيسأل: يا عباس من هؤلاء؟ فيجيبه مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى إذا استعرضت القبائل كلها مرّ رسول الله في كتيبته (الخضراء) التي تضم ألف دارع من المهاجرين والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق خلل الحديد، فسأل أبو سفيان: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ فأجابه: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. فقال أبو سفيان: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. فطلب منه العباس أن يسرع إلى قومه يعلمهم بما رأى وسمع «٢» . دخل أبو سفيان مكة وراح يصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فانبرت له امرأته تقبح رأيه، وقام القوم مستنكرين قائلين: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ فاستأنف أبو سفيان: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، وأدركت الأغلبية العظمى من المكيين ألاجدوى في مخالفة زعيمها أبي سفيان وهو يدعوهم إلى الأمان قبل أن تكتسحها سيوف المسلمين، فتفرقت إلى دورها وإلى المسجد الحرام وأغلقت من دونها الأبواب «٣» . وزع الرسول ﷺ قواده لكي يدخلوا كل من الجبهة التي حددت له: سعد ابن عبادة وابنه يدخلان بقواتهما مكة من الجهة الشرقية، أبو عبيدة عامر بن الجراح يتقدم بقواته بين يدي الرسول ﷺ ليدخل مكة من جهتها الغربية، الزبير بن العوام يقود خيل المهاجرين والأنصار إلى أعلى مكة حيث الحجون لكي يغرز راية المسلمين هناك، وخالد بن الوليد يدخل مكة من الجنوب حيث تجمع مقاتلو قريش وحلفاؤهم وأحابيشهم لمنع القوات الإسلامية من اجتياز مكة.

стр. 205

وأمر الرسول ﷺ قواده ألّا يقاتلوا إلا اضطرارا، وسمى نفرا من مكة أمر بقتلهم حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة بسبب مواقف كانوا قد اتخذوها ارتدادا عن الإسلام، أو قتلا لمسلمين، أو إيذاء لدعاتهم في مكة أو هجاء قبيحا لرسول الله ﷺ ، بلغ عددهم ثمانية بين رجل وامرأة قتل بعضهم وفر البعض الآخر واستأمنت فئة ثالثة فأمنها الرسول ﷺ وعفا عنها. وقد دخلت قوات المسلمين مكة من جهاتها الأربع بسهولة بالغة، بعد أن هزم خالد القوات القرشية التي اعترضت مسيرته في الجنوب وقتل وجرح منهم ثلاثة عشر رجلا «١» ، ولم يفقد من رجاله سوى اثنين كانا قد شذا عن الطريق التي سلكها «٢» . وما أن تمت سيطرة المسلمين على مكة في العشر الأواخر من رمضان واستقر أمرهم فيها حتى خرج الرسول ﷺ من خيمته التي ضربت له بالحجون حيث رفض النزول في بيوت مكة طيلة مكوثه هناك «٣» . خرج على راحلته فطاف بالبيت سبعا وتكبيرات المسلمين من ورائه تشق عنان الفضاء، ثم دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها وكسر أوثانها بيده وطرحها أرضا ومحا صور الملائكة والأنبياء، وعندما رأى إبراهيم ﵇ مصورا في يده الأزلام يستقسم بها قال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «٤» . ثم أمر بتلك الصور فطمست وخرج إلى الأصنام المصفوفة حول البيت والمشدودة بالرصاص فراح يعمل بها تحطيما ويقول وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً «٥» . وأرسل خالد بن الوليد إلى بطن نخلة ليهدم العزى كبير آلهة المنطقة، فانطلق خالد إلى هدفه فكسر الصنم وهدم بيته وسادنه يصرخ:

стр. 206

أعزى اغضبي بعض غضباتك، دونما جدوى «١» . وانطلق عمرو بن العاص لهدم سواع، وكان حجرا، وجرى بينه وبين السادن هذا الحوار: السادن: ما تريد؟ عمرو: هدم سواع. السادن: لا تطيق هدمه. عمرو: أنت في الباطل بعد. وهدم الوثن فلم يجد في خزانته شيئا. وفي الوقت نفسه كان سعد بن زيد الأنصاري يهدم مناة، الإله الذي كانت الأوس والخزرج تعبده وتطوف به أيام الجاهلية «٢» . ومن مكة أيضا بث الرسول ﷺ سراياه في الجهات المحيطة تدعو إلى الإسلام وهي تحمل أمرا بعدم القتال، مستهدفا بذلك تعزيز انتصاره على الزعامة الوثنية ومدّ الدعوة إلى مناطق كانت قريش قد جعلتها حكرا على آلهتها وأصنامها «٣» . وقف الرسول ﷺ على باب الكعبة وقد تجمع الناس في المسجد فخاطبهم قائلا: (لا إله إلا الله وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم من تراب يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «٤» . (يا معشر قريش ما ترون إني فاعل بكم؟ أجابوه بصوت واحد: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم! قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) . كان الرسول ﷺ يستهدف من حرصه على السلم تأليف القلوب وتوحيد كلمتها لتقبل على الإسلام، فلم يكن من السهل على قريش أن تقبل بمصيرها الذي آلت إليه وهي سيدة العرب دون منازع لأنها أعظمهم حضارة وأشدهم بأسا وأكثرهم مالا وفي بلدها البيت الحرام، ليس من السهل أن تقبل قريش بمصيرها

стр. 207

هذا وتقبل على الإسلام طائعة وتحمل رايات الجهاد لو لم تعامل هذه المعاملة السلمية التي لم تكن تتوقعها، وبذلك انقلب موقفها من أشد الناس عداوة للإسلام إلى أحرص الناس على رفع راية الإسلام «١» . جلس الرسول ﷺ في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده وقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال الرسول ﷺ : أين عثمان بن طلحة؟ فلما جيء به، قال له: هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم برّ ووفاء «٢» . وأمر مؤذنه بلالا أن يصعد فيؤذن في الناس معلنا بشهادته انتهاء عهد الوثنية في مكة، قلب الوثنية، وبداية عهد جديد لا يعبد فيه غير الله، وفق التعاليم التي جاء بها رسول الله ﷺ : العبادة التي تحرر الإنسان وتباركه وتزكيه وتقوده إلى الفلاح الواحد في الدنيا والآخرة وترفع رأسه فلا يعود ينخفض مرة أخرى لقوة في الأرض بشرا كانت أم حجارة صماء «٣» . وفي يوم الفتح هذا يقول الغزالي: «ترجع بنا الذكريات إلى رجال لم يشهدوا هذا النصر المبين، ولم يسمعوا صوت بلال يرن فوق ظهر الكعبة بشعار التوحيد، ولم يروا الأصنام مكبوبة على وجوهها.. إنهم قتلوا أو ماتوا إبان المعركة الطويلة التي نشبت بين الإيمان والكفر، ولكن النصر الذي يجني الأحياء ثماره اليوم لهم فيه نصيب كبير وجزاؤهم عليه مكفول عند من لا يظلم مثقال ذرة. إنه ليس من الضروري أن يشهد كل جندي النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى وقد يصرع في هزيمة عارضة كما وقع لسيد الشهداء حمزة ومن معه. والقرآن الكريم ينبه أصحاب الحق إلى أن المعوّل في الحساب الكامل على الدار الآخرة لا على الدار الدنيا فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعا فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ «٤» .

стр. 208

ولّد سقوط مكة قاعدة الوثنية رد فعل عنيف لدى القبائل العربية في الشمال وعلى رأسها هوازن وثقيف، ورأت أن تتحرك لتوجيه ضربة قاصمة للقوات الإسلامية قبل أن يستفحل الخطر وتجد هذه القبائل نفسها محاطة من كل مكان. إذ أن السكوت إزاء ما يحققه المسلمون من انتصارات، يعني فتح الطريق أمامهم لتغطية الجزيرة كلها بدينهم الجديد، واكتساح مواقع الوثنية واحدة واحدة، سيما وأن (أم القرى) قد ألقت السلاح دونما قتال أو مقاومة، هذا إلى أن هذه القبائل كانت- لدى سماعها بمغادرة الرسول المدينة على رأس قواته- قد تجمعت خوفا من أن يغزوها الرسول ﷺ ، وقال زعماؤها بعد فتح مكة: «قد فرغ لنا، فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه» . وتولت هوازن كبر المحاولة حيث جمعها زعيمها مالك بن عوف النصري وانضمت إليها ثقيف كلها، ولحق بهما بعد قليل قبائل نصر وجشم وسعد بن بكر وعدد من أبناء بني هلال وبني مالك، واتفق قادتهم على أن يسلموا بزعامة مالك ابن عوف، فرأى هذا أن يسير مع المقاتلين، نساؤهم وأطفالهم وأموالهم كي يستميتوا في القتال ... وعندما عسكر في أوطاس، أحد وديان هوازن، اعترض دريد بن الصمة الجشمي على رأي مالك في جلب النساء والأطفال والأموال، وسأله لم ذاك؟ فأجاب مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد وهو شيخ كبير مجرب: راعي ضأن والله! وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. فرفض مالك الأخذ برأيه أنفة واستعلاء ونادى قومه: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد «١» . عندما سمع النبي ﷺ نبأ هذا التحرك الوثني بعث أحد أصحابه مستخبرا، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم. فتسلل الرجل إلى مواقع العدو وعاد ليخبر الرسول ﷺ بما أجمع عليه هؤلاء من قتال المسلمين. فانطلق الرسول ﷺ في مطلع شوال على رأس اثني عشر ألف مقاتل كان من ضمنهم ألفان من المكيين أسلموا بعد الفتح. وسرعان ما وجد المسلمون أنفسهم مضطرين إلى اجتياز واد من أودية تهامة، شديد الانحدار يدعى حنينا، في

стр. 209

طريقهم لمجابهة التجمع الوثني، ولم يكن الصبح قد اتضح بعد، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي فكمنوا لهم في شعابه ومضايقه، وتهيؤوا للانقضاض على المسلمين في جو يسوده المطر والضباب. وما أن دخلت قوات المسلمين الوادي حتى انقض عليهم أعداؤهم دفعة واحدة، من حيث لم يكونوا يتوقعون، فأصابهم الفزع والاضطراب وكرّوا راجعين لا يلوي أحد على أحد «١» !! انحاز الرسول ﷺ ذات اليمين ونادى: (أيها الناس هلموا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله) ، ثم تقدم بحربته أمام المقاتلين، وكان يقف إلى جانبه صامدا عشرات من المهاجرين والأنصار فيهم علي وأبو بكر وأسامة وعمر ... وقال للعباس ذي الصوت الجهوري «يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة» وسرعان ما انطلقت النداآت من بعيد (لبيك لبيك) ، وكان الرجل منهم إذا ما أراد ثني بعيره والانطلاق ثانية إلى قلب المعركة، لا يقدر على ذلك، لشدة التدافع والزحام وضغط المتراجعين، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويحمل سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره مخليا سبيلها، ومنطلقا صوب النداء. حتى إذا اجتمع إلى الرسول مائة من المقاتلين، استقبلوا العدو واقتتلوا معه قتالا مريرا وقال الرسول وقد رأى أصحابه يجتلدون مع المشركين: الآن حمي الوطيس. وتمكن علي ورجل من الأنصار من قتل حامل راية هوازن. وبدأت الكفة ترجح لصالح المسلمين، وما لبث المشركون أن أخذوا بالتراجع صوب الوراء وانقض عليهم المسلمون يعملون فيهم قتلا وأسرا ... وما أن عاد إلى الميدان أولئك الذين تراجعوا إلى الخلف من المسلمين، حتى وجدوا أسارى المشركين مكتفين بين يدي رسول الله ﷺ «٢» . تراجع المشركون بقيادة مالك بن عوف صوب الطائف، وعسكر بعضهم في أوطاس، وتوجهت فئة ثالثة نحو نخلة، ولم يتح لهم الرسول ﷺ فرصة يستردون فيها قواهم ويعيدون تنظيم أنفسهم، فأرسل قوة من فرسان المسلمين لمطاردة أولئك الذين توجهوا نحو نخلة، وقوة ثانية بقيادة أبي عامر الأشعري كلفت بقتال المشركين في أوطاس، فأصابوه بسهم أودى بحياته، فأخذ الراية ابن عمه أبو

стр. 210

موسى الأشعري وقاتلهم حتى فتح عليه وتمكن من هزيمتهم «١» . وبعد أن أمر الرسول بحبس سبايا معركة حنين وأموالها الكثيرة في مكان يدعى (الجعرانة) مجمّدا التصرف بها، انطلق صوب الطائف حيث اعتصم المنهزمون بحصونها المنيعة وأعدوا العدة للقتال، ونزل قريبا منها حيث عسكر هناك. وجرت مناوشات بين الطرفين ذهب ضحيتها نفر من المسلمين بنبال العدو، الأمر الذي دفع الرسول إلى إبعاد معسكره عن مدى النبال التي كانت تنطلق من حصون ثقيف. وظل يحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، قدمت خلالها وفود المناطق المجاورة معلنة إسلامها. واستمر القتال، عنيفا حينا ومتقطعا أحيانا، استعمل فيه المسلمون آلات الحصار لأول مرة كالمنجنيق والدبابة وقد تمكنت قوة من المسلمين من الزحف بدبابتهم إلى جدار الطائف وبدأوا بخرقه لولا أن أرسلت عليهم ثقيف قطعا من حديد محمية بالنار اضطرتهم إلى الانسحاب بعد أن سقط عدد منهم. وردا على المقاومة العنيفة التي أبداها المشركون، أمر الرسول بتقطيع كروم ثقيف المنتشرة في البساتين المجاورة لإرغامهم على التسليم، وتسلل إلى معسكر المسلمين من الطائف، آنذاك، نفر من عبيدها أعلنوا إسلامهم، فأعتقهم الرسول ﷺ «٢» . لم ير الرسول ﷺ ضرورة للاستمرار في الحصار، وأدرك أن الطائف ستجد نفسها في يوم قريب أشبه بجزيرة منقطعة يحيط بها بحر طام من كل مكان، وستسعى إليه حينذاك طالبة الانتماء إلى الدين الجديد، رغبة وإيمانا لا حقدا وخوفا. وبدلا من أن تكون هذه المدينة ذات الطاقات البشرية المعروفة، على المسلمين في مستقبل الأيام، فإنها ستكون لهم. ولقد كانت رحلة تبوك الكبرى بعد ذلك بقليل مما يسوغ القول إن النبي ﷺ لم ير خطرا من ترك الطائف إلى فرصة أخرى ورأى العودة والتعجيل برحلة تبوك «٣» . لذلك كله لم يشأ الرسول ﷺ

стр. 211

أن يفتتحها عنوة، ولم يأمر بهجوم حاسم عليها، كما حدث في العام الماضي مع حصون خيبر على سبيل المثال، واكتفى بأن يدير القتال على أضيق نطاق، بحيث أن جميع من استشهد من أصحابه خلال الحصار لم يتجاوزوا اثني عشر رجلا «١» ، ومن ثم أمر أن يؤذن في الناس بالرحيل، فقفل المسلمون عائدين، بعد بضع وعشرين يوما من الحصار، إلى الجعرانة حيث جمعت السبايا والغنائم الكثيرة في أعقاب حنين: ستة آلاف رأس من السبي، وأربعة وعشرون ألف بعير، وأربعون ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة. ولم يتسرع الرسول ﷺ في توزيعها أملا في أن يعود قادة هوازن مسلمين فيرد عليهم سبيهم وأموالهم، ولكنهم لم يجيئوا إلا بعد انتظار طويل وزعت خلاله المغانم. وفي الجعرانة التقوا بالرسول ﷺ وقالوا له: يا رسول الله ﷺ إنّا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك. فسألهم الرسول: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم، فأجابوه: نساؤنا وأبناؤنا، فردهم إليهم عن طيب خاطر من المسلمين، وسألهم أن يخبروا زعيمهم مالك بن عوف الذي كان قد احتمى بالطائف أنه إن جاء مسلما ردّ عليه الرسول أهله وماله، فاستجاب مالك لدعوة الرسول ﷺ وتسلل من الطائف حيث قدم عليه معلنا إسلامه، فرد عليه الرسول أهله وماله واستعمله على من أسلم من قومه والقبائل المجاورة. فأخذ مالك يداهم ثقيفا بمسلمي قومه، ويهاجم قطعانهم وقوافلهم حتى ضيق عليهم «٢» . وبذلك حقق الرسول ﷺ هدفين اثنين بسياسته المرنة هذه أولهما كسب قبيلة هوازن ذات الشوكة وحلفاءها إلى معسكر المسلمين، وثانيهما اتخاذها رأس حربة يضرب بها بقايا القوى الوثنية في المنطقة. بدأ الرسول ﷺ بعد ذلك مهمة توزيع الغنائم على جنده وأتباعه. وناداه الأعراب: يا رسول الله، أقسم علينا من الإبل والغنم، وازدحموا عليه حتى ألجؤوه إلى جذع شجرة اختطفت عنه رداءه فقال: ردّوا عليّ ردائي أيها الناس فو الله إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا

стр. 212

ولا جبانا ولا كذابا. ثم تقدم إلى بعير قريب منه فاستل منه وبرة جعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال: (أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) !! ثم راح يوزع الغنائم، مختصا بقسمها الأكبر زعماء القبائل العربية التي أسلمت أخيرا من أجل أن يتألفهم وقومهم بها، فأعطى كل واحد منهم عشرات من الجمال. وعندما رأى الأنصار أن الغنائم قد حجبت عنهم، وانصبت بين أيدي قريش وقبائل المنطقة وجدوا في أنفسهم، وتناوشتهم الظنون، فراحوا يتهامسون بها، وقال قائلهم: لقي والله رسول الله ﷺ قومه، ولم يشأ زعيمهم سعد بن عبادة إلا أن يصارح الرسول بما يدور بين أتباعه، فسأله الرسول: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ أجاب: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، فقال له الرسول: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. وقف الرسول ﷺ في جموع الأنصار خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، والله ورسوله أمنّ وأفضل. قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل. قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك. أو؟؟ جدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) . فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا «١» . وانصرف رسول الله ﷺ فتفرقوا وهم يعلمون يقينا البعد الحقيقي للدرس الذي منحهم إياه نبيهم ومعلمهم.

стр. 213

إن هذه الكتلة النقية في تاريخ الحركة الإسلامية يجب أن تظل على نقائها تعطي ولا تأخذ، ولا تؤخر، لأن الذي قادها إلى الإيمان، ورفعها مجاهدة في طريقه اللاحب الطويل، شيء آخر غير اهتمامات الذهب والفضة.. إنه النور العميق الذي انقدح في أعماقهم يوم بايعوا الرسول ﷺ .. وأما الكتل الجديدة في تاريخ الدعوة، فأسلوب التعامل معها، وكسبها، وكف أذاها، غير أسلوب التعامل مع كتلة كالأنصار آثر الرسول ﷺ أن يبقى معها دوما: حيا وميتا (معاذ الله..- قال لهم الرسول- المحيا محياكم والممات مماتكم) !! قفل الرسول ﷺ عائدا إلى مكة فأدى مناسك العمرة هناك في ذي القعدة وولى عتاب بن أسيد إمرة مكة، ومعاذ بن جبل تفقيه الناس في الدين وتعليمهم القرآن، ومنح عتابا راتبا يوميا مقداره درهم واحد!! وقد قام الأمير الشاب يوما خطيبا في الناس فأعرب عن قناعته بما يتقاضى أجرا على أتعابه، وقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله ﷺ درهما كل يوم فليست بي حاجة إلى أحد. وقد حج عتاب بالمسلمين ذلك العام الذي شهد حجا مختلطا شمل المسلمين والوثنيين على السواء «١» . وفي الأيام الأخيرة من ذي القعدة ومطلع الشهر التالي كان الرسول ﷺ وأصحابه قد سلكوا طريق العودة إلى المدينة في أعقاب أكبر انتصارين حققهما الإسلام في صراعه مع الوثنية.

стр. 214

عام الوفود وتصفية الوجود الوثني كان سقوط مكة زعيمة الشرك بأيدي الفاتحين، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين، آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في جزيرة العرب، انهار بعدها جدار الكفر وانطلقت حركة الإسلام بخفة وسرعة، حيث أزيلت العوائق، إلى كل مكان. وأدركت القبائل العربية التي ظلت على وثنيتها ألّا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفردة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلها، وأن عنادها وتشبثها بمواقفها السابقة فقد مبرراته بدخول مكة في الإسلام، وانتماء هوازن، أكبر القبائل الوثنية، للدين الجديد. فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها إلى المدينة، قاعدة الإسلام، مبايعة على الإسلام أو مصالحة رسوله ﷺ . ولكثرة هذه الوفود التي انهالت على المدينة في العام التالي لفتح مكة ومطلع الذي يليه، سماه المؤرخون (عام الوفود) ، وكان في طليعتها وفد ثقيف الذي قدم إلى المدينة في شهر رمضان في أعقاب عودة الرسول من غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: «وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، كانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل، وقادة العرب، لا ينكرون ذلك. وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه» «١» . وكان عروة بن مسعود، أحد زعماء ثقيف، قد أدرك الرسول ﷺ في طريق

стр. 215

عودته، قبل أن يصل المدينة، وأعلن إسلامه، وقفل عائدا إلى الطائف يدعو قومه إلى الإسلام متحصنا بمنزلته فيهم ومحبتهم وطاعتهم له، إلا أن حميتهم الجاهلية أنستهم ذلك كله فرموه بالنبل من كل وجه وأصابه أحدها فخرّ صريعا، وعندما سئل، وهو يتضرج بدمائه: ما ترى في دمك؟ أجاب: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. ومرت الشهور على مصرع عروة، وبدأت ثقيف تدرك ألا طاقة لها بحرب من حولها من القبائل العربية التي بايعت وأسلمت، فاتفق زعماؤها على أن يرسلوا إلى النبي ﷺ رجلا يكلمه، ووقع اختيارهم على عبد ياليل بن عمرو بن عمير، أحد أشراف الطائف، إلا أنه تخوّف أن يصنعوا به، بعد عودته، ما صنعوا بعروة، وطلب منهم أن يرسلوا برفقته رجالا من شتى عشائر ثقيف، فأجابوه واختاروا له خمسة رجال اتجه بهم إلى المدينة «١» . لقيهم المغيرة بن شعبة في أطراف المدينة فهرع ليبشر الرسول ﷺ بقدومهم عليه، فلما رآه أبو بكر وعرف النبأ رجاه ألا يسبقه إلى الرسول، حتى يكون الصدّيق أول من يحدثه بالنبأ، ففعل المغيرة. وعندما التقوا بالرسول ﷺ وبدؤوا حديثهم معه سألوه أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله عليهم ذلك فما برحوا يسألونه، سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى تنازلوا إلى التماس إبقائها شهرا واحدا، والرسول يأبى أن يدعها يوما واحدا.. وكان غرضهم من ذلك أن يسلموا- بعد عودتهم- من سخط سفهائهم ونسائهم وصبيانهم، وألا يروّعوا قومهم بهدمها، حتى ينتشر الإسلام بينهم، فسألوه أن يعفيهم من تحطيم أصنامهم بأيديهم فأجابهم إلى ذلك وأرسل معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها. وبعد أن أعلنوا إسلامهم، كتب لهم الرسول ﷺ كتابا وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص رغم حداثة سنه، لكونه أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن «٢» . عاد الوفد إلى الطائف يصحبه المغيرة وأبو سفيان، وتوجه المغيرة فور
следующие страницы →