أن يفتتحها عنوة، ولم يأمر بهجوم حاسم عليها، كما حدث في العام الماضي مع حصون خيبر على سبيل المثال، واكتفى بأن يدير القتال على أضيق نطاق، بحيث أن جميع من استشهد من أصحابه خلال الحصار لم يتجاوزوا اثني عشر رجلا «١» ، ومن ثم أمر أن يؤذن في الناس بالرحيل، فقفل المسلمون عائدين، بعد بضع وعشرين يوما من الحصار، إلى الجعرانة حيث جمعت السبايا والغنائم الكثيرة في أعقاب حنين: ستة آلاف رأس من السبي، وأربعة وعشرون ألف بعير، وأربعون ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية من الفضة. ولم يتسرع الرسول ﷺ في توزيعها أملا في أن يعود قادة هوازن مسلمين فيرد عليهم سبيهم وأموالهم، ولكنهم لم يجيئوا إلا بعد انتظار طويل وزعت خلاله المغانم. وفي الجعرانة التقوا بالرسول ﷺ وقالوا له: يا رسول الله ﷺ إنّا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك. فسألهم الرسول: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم، فأجابوه: نساؤنا وأبناؤنا، فردهم إليهم عن طيب خاطر من المسلمين، وسألهم أن يخبروا زعيمهم مالك بن عوف الذي كان قد احتمى بالطائف أنه إن جاء مسلما ردّ عليه الرسول أهله وماله، فاستجاب مالك لدعوة الرسول ﷺ وتسلل من الطائف حيث قدم عليه معلنا إسلامه، فرد عليه الرسول أهله وماله واستعمله على من أسلم من قومه والقبائل المجاورة. فأخذ مالك يداهم ثقيفا بمسلمي قومه، ويهاجم قطعانهم وقوافلهم حتى ضيق عليهم «٢» .
وبذلك حقق الرسول ﷺ هدفين اثنين بسياسته المرنة هذه أولهما كسب قبيلة هوازن ذات الشوكة وحلفاءها إلى معسكر المسلمين، وثانيهما اتخاذها رأس حربة يضرب بها بقايا القوى الوثنية في المنطقة.
بدأ الرسول ﷺ بعد ذلك مهمة توزيع الغنائم على جنده وأتباعه. وناداه الأعراب: يا رسول الله، أقسم علينا من الإبل والغنم، وازدحموا عليه حتى ألجؤوه إلى جذع شجرة اختطفت عنه رداءه فقال: ردّوا عليّ ردائي أيها الناس فو الله إن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا
стр. 212
ولا جبانا ولا كذابا. ثم تقدم إلى بعير قريب منه فاستل منه وبرة جعلها بين إصبعيه ثم رفعها وقال: (أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) !! ثم راح يوزع الغنائم، مختصا بقسمها الأكبر زعماء القبائل العربية التي أسلمت أخيرا من أجل أن يتألفهم وقومهم بها، فأعطى كل واحد منهم عشرات من الجمال. وعندما رأى الأنصار أن الغنائم قد حجبت عنهم، وانصبت بين أيدي قريش وقبائل المنطقة وجدوا في أنفسهم، وتناوشتهم الظنون، فراحوا يتهامسون بها، وقال قائلهم: لقي والله رسول الله ﷺ قومه، ولم يشأ زعيمهم سعد بن عبادة إلا أن يصارح الرسول بما يدور بين أتباعه، فسأله الرسول: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ أجاب: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي، فقال له الرسول: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة.
وقف الرسول ﷺ في جموع الأنصار خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا:
بلى، والله ورسوله أمنّ وأفضل. قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل. قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم:
أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك. أو؟؟ جدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) .
فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا «١» .
وانصرف رسول الله ﷺ فتفرقوا وهم يعلمون يقينا البعد الحقيقي للدرس الذي منحهم إياه نبيهم ومعلمهم.
стр. 213
إن هذه الكتلة النقية في تاريخ الحركة الإسلامية يجب أن تظل على نقائها تعطي ولا تأخذ، ولا تؤخر، لأن الذي قادها إلى الإيمان، ورفعها مجاهدة في طريقه اللاحب الطويل، شيء آخر غير اهتمامات الذهب والفضة.. إنه النور العميق الذي انقدح في أعماقهم يوم بايعوا الرسول ﷺ .. وأما الكتل الجديدة في تاريخ الدعوة، فأسلوب التعامل معها، وكسبها، وكف أذاها، غير أسلوب التعامل مع كتلة كالأنصار آثر الرسول ﷺ أن يبقى معها دوما: حيا وميتا (معاذ الله..-
قال لهم الرسول- المحيا محياكم والممات مماتكم) !!
قفل الرسول ﷺ عائدا إلى مكة فأدى مناسك العمرة هناك في ذي القعدة وولى عتاب بن أسيد إمرة مكة، ومعاذ بن جبل تفقيه الناس في الدين وتعليمهم القرآن، ومنح عتابا راتبا يوميا مقداره درهم واحد!! وقد قام الأمير الشاب يوما خطيبا في الناس فأعرب عن قناعته بما يتقاضى أجرا على أتعابه، وقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله ﷺ درهما كل يوم فليست بي حاجة إلى أحد. وقد حج عتاب بالمسلمين ذلك العام الذي شهد حجا مختلطا شمل المسلمين والوثنيين على السواء «١» . وفي الأيام الأخيرة من ذي القعدة ومطلع الشهر التالي كان الرسول ﷺ وأصحابه قد سلكوا طريق العودة إلى المدينة في أعقاب أكبر انتصارين حققهما الإسلام في صراعه مع الوثنية.
стр. 214
عام الوفود وتصفية الوجود الوثني
كان سقوط مكة زعيمة الشرك بأيدي الفاتحين، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين، آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في جزيرة العرب، انهار بعدها جدار الكفر وانطلقت حركة الإسلام بخفة وسرعة، حيث أزيلت العوائق، إلى كل مكان. وأدركت القبائل العربية التي ظلت على وثنيتها ألّا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفردة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلها، وأن عنادها وتشبثها بمواقفها السابقة فقد مبرراته بدخول مكة في الإسلام، وانتماء هوازن، أكبر القبائل الوثنية، للدين الجديد. فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها إلى المدينة، قاعدة الإسلام، مبايعة على الإسلام أو مصالحة رسوله ﷺ .
ولكثرة هذه الوفود التي انهالت على المدينة في العام التالي لفتح مكة ومطلع الذي يليه، سماه المؤرخون (عام الوفود) ، وكان في طليعتها وفد ثقيف الذي قدم إلى المدينة في شهر رمضان في أعقاب عودة الرسول من غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: «وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، كانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل، وقادة العرب، لا ينكرون ذلك. وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه» «١» .
وكان عروة بن مسعود، أحد زعماء ثقيف، قد أدرك الرسول ﷺ في طريق
стр. 215
عودته، قبل أن يصل المدينة، وأعلن إسلامه، وقفل عائدا إلى الطائف يدعو قومه إلى الإسلام متحصنا بمنزلته فيهم ومحبتهم وطاعتهم له، إلا أن حميتهم الجاهلية أنستهم ذلك كله فرموه بالنبل من كل وجه وأصابه أحدها فخرّ صريعا، وعندما سئل، وهو يتضرج بدمائه: ما ترى في دمك؟ أجاب: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. ومرت الشهور على مصرع عروة، وبدأت ثقيف تدرك ألا طاقة لها بحرب من حولها من القبائل العربية التي بايعت وأسلمت، فاتفق زعماؤها على أن يرسلوا إلى النبي ﷺ رجلا يكلمه، ووقع اختيارهم على عبد ياليل بن عمرو بن عمير، أحد أشراف الطائف، إلا أنه تخوّف أن يصنعوا به، بعد عودته، ما صنعوا بعروة، وطلب منهم أن يرسلوا برفقته رجالا من شتى عشائر ثقيف، فأجابوه واختاروا له خمسة رجال اتجه بهم إلى المدينة «١» .
لقيهم المغيرة بن شعبة في أطراف المدينة فهرع ليبشر الرسول ﷺ بقدومهم عليه، فلما رآه أبو بكر وعرف النبأ رجاه ألا يسبقه إلى الرسول، حتى يكون الصدّيق أول من يحدثه بالنبأ، ففعل المغيرة. وعندما التقوا بالرسول ﷺ وبدؤوا حديثهم معه سألوه أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله عليهم ذلك فما برحوا يسألونه، سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى تنازلوا إلى التماس إبقائها شهرا واحدا، والرسول يأبى أن يدعها يوما واحدا.. وكان غرضهم من ذلك أن يسلموا- بعد عودتهم- من سخط سفهائهم ونسائهم وصبيانهم، وألا يروّعوا قومهم بهدمها، حتى ينتشر الإسلام بينهم، فسألوه أن يعفيهم من تحطيم أصنامهم بأيديهم فأجابهم إلى ذلك وأرسل معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها. وبعد أن أعلنوا إسلامهم، كتب لهم الرسول ﷺ كتابا وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص رغم حداثة سنه، لكونه أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن «٢» .
عاد الوفد إلى الطائف يصحبه المغيرة وأبو سفيان، وتوجه المغيرة فور
стр. 216
وصوله إلى اللات وراح يعمل فيها ضربا بمعوله، وقومه يحمونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود. وخرجت نساء بني ثقيف حاسرات يبكين ويندبن إلههنّ وهو يتهاوى إلى الأرض قطعا من الحجارة الصماء. وما لبث المغيرة أن أتمّ مهمته، ومحا من الطائف ذلك المركز المهم الثالث في شمال الجزيرة، رمزها الوثني الذي حجبها عن الالتحاق بالدعوة الجديدة ردحا طويلا «١» . وغدا الطائفيون من أشد الجماعات إخلاصا للدعوة حتى أن المغيرة قال عنهم: «لا أعلم قوما من العرب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاما ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه منهم» «٢» .. وهكذا جاء البذار الذي زرعه الرسول ﷺ قبل عام واحد عند أسوار الطائف، بثماره الحلوة!!
كان الوفد الثاني الذي قدم المدينة، بني تميم، وكان يترأسه عطارد بن حاجب في عدد كبير من رجالات تميم وأشرافها. وعندما وصلوا المسجد ظهرا، نادوا رسول الله من وراء حجراته: أن أخرج إلينا يا محمد! فخرج إليهم الرسول وهو غير مرتاح لأسلوبهم البدوي الخشن في ندائه، وقام زعيمهم فألقى كلمة عدّد فيها ماثر بني تميم وفضلهم في الناس. فأمر الرسول خطيبه ثابت بن قيس الخزرجي أن يرد على الرجل. فقام قيس خطيبا في المجتمعين، فبدأ كلامه بمحمد الله والثناء عليه ثم تطرق إلى نبوة الرسول وفضله وختم خطابه قائلا: « ...
واستجاب لله حين دعاهم رسول الله، نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا ... » ، وأعقبه الزبرقان بن بدر شاعر تميم بقصيدة أكبر فيها مكانة تميم بين العرب، فأمر الرسول شاعره حسان بن ثابت أن يرد على الرجل، فأجابه بقصيدة أخرى. ولما انتهى الطرفان من إلقاء خطبهم وقصائدهم أعلن وفد بني تميم الإسلام، فمنحهم الرسول الجوائز والعطايا «٣» .
стр. 217
وأرسلت بنو عبد القيس وفدها إلى المدينة برئاسة الجارود بن عمرو، فأسلم وأصحابه، كما قدم وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب، فتركه قومه في رحالهم وذهبوا لمقابلة الرسول ﷺ ، ولما أسلموا وقفلوا عائدين إلى ديارهم أعلن مسيلمة أنه قد أشرك في الأمر مع الرسول ﷺ وراح يتلو عليهم سجعه الذي ظن أنه إنما يضاهي به القرآن «١» .
وقدم عدي بن حاتم الذي كان قد اعتنق النصرانية ولجأ إلى الشام إثر اتساع سلطان المسلمين، وقال له الرسول: «لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف. ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وأيمّ الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» . وما لبث عدي أن أعلن إسلامه «٢» .
وراحت الوفود وزعماء القبائل تترى على المدينة: قدم فروة بن مسيك المرادي مفارقا لملوك كندة، فأعلن إسلامه، فاستعمله الرسول على قبائل مراد وزبيد ومذحج وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة. وقدم عمرو بن معد يكرب في رجال من بني زبيد فأعلنوا إسلامهم. وقدم وفد كندة، البالغ ثمانين رجلا بزعامة الأشعث بن قيس وأعلنوا إسلامهم، وقدم صرد بن عبد الله الأزدي في وفد من الأزد وأعلنوا إسلامهم، فأمّره الرسول على قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم منهم مشركي القبائل اليمنية المجاورة. كما قدم وفد آخر يحمل كتابا من ملوك حمير يعلنون فيه إسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله، فأجابهم الرسول بكتاب يبين لهم فيه بعض فرائض الإسلام ويعلمهم بأنه سيرسل إليهم عددا من خيرة أصحابه فيهم معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وغيرهم، وعليهم أن يؤدوا إليهم ما سيجبونه من صدقة وجزية، وأمّر عليهم معاذ ابن جبل «٣» .
стр. 218
وقدمت كذلك وفود بلى والداريين (من لخم) وسلامان وغسان وغامد وبنو أسد وقال هؤلاء للرسول: قدمنا يا رسول الله من قبل أن ترسل إلينا رسولا فأنزل الله سبحانه فيهم يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ «١» ، كما قدمت وفود بهراء وبني البكاء وبني فزارة «٢» . وأرسلت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله، فقدم عليه، وأناخ بعيره عند باب المسجد ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين أصحابه، ووقف قريبا منه وقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ أجاب الرسول: أنا. قال الرجل: يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ لك في المسألة فلا تجدنّ في نفسك. قال: لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك. قال: أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، الله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك بالله.. الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا تعبد من دونه؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك بالله.... آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم. ثم جعل ضمام يذكر فرائض الإسلام واحدة واحدة، حتى إذا فرغ قال: أشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا رسول الله. وانصرف راجعا حتى إذا قدم على قومه، اجتمعوا إليه فراح يصرخ فيهم: بئست اللات والعزى قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون! قال: ويحكم، إنهما والله لا ينفعان ولا يضرّان، وإن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال ابن عباس: فو الله ما أمسى ذلك اليوم وفي حيّه رجل ولا امرأة إلا مسلما «٣» . ذلك وفد- يقول الغزالي- «يمثل بساطة الأميين في منطقهم، وسلامة طريقتهم في جدلهم وخلوّ أذهانهم من العقد التي تعترض الحق في مسيله السمح. ولا نكران في أن جهاد الدعوة القديم له أثره في الوصول إلى هذه النتائج السريعة، وهذا طبيعي، فإن تغيير دين ليس كتجديد زي، وضمام كان يستحضر في ذهنه وهو يسأل النبي، ثم وهو يخطب
стр. 219
قومه، أن هذه الرسالة الجديدة مرّت بأطوار شتى من المحن والفتن ثم كشفت عن صدقها وسلامة جوهرها فليس إيمانه وإيمان قومه وليد ساعة من كلام» «١» .
وبعد قليل استقبلت المدينة عددا آخر من الوفود انهالوا عليها من كل مكان: وفد محارب ووفد الرهاويين ووفد عبس «٢» ، ووفد من طيىء برئاسة الشاعر زيد الخيل «٣» ، ووفد بني عامر بن صعصعة «٤» ... وكان الرسول ﷺ قد بعث بخالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب في نجران ليدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا لدعوته وأرسلوا إلى المدينة وفدا أعلن إسلامه، فأمّر عليهم الرسول ﷺ قيس بن الحصين، وألحق بهم- بعد مغادرتهم المدينة- عمرا بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومبادىء الإسلام ويجبي صدقاتهم، وسلمه كتابا يبين فيه الكثير من تعاليم الإسلام التي كلف بإبلاغها للقاطنين هناك، وختم الكاب بقوله « ... وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم. ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يردّ عنها ... » «٥» .
وفي مقابل ذلك قام الرسول بإرسال أمرائه وعمّاله إلى المناطق التي انتشر فيها الإسلام والقبائل التي أعلنت انتماءها للدين الجديد لكي يجبوا الصدقات ويعلموا الناس أصول دينهم. فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، وزياد بن لبيد الأنصاري إلى حضرموت وعدي بن حاتم إلى طيىء وبني أسد، ومالك بن نويرة إلى بني حنظلة، والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم إلى بني سعد، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وعلي بن أبي طالب إلى اليمن «٦» .
وقد تمكن بعض أولئك الدعاة من نشر الإسلام بين عدد من القبائل اليمنية «٧» . ثم
стр. 220
ما لبثت الدعوة الإسلامية أن أخذت تنتشر بسرعة في تلك الأصقاع. وشهدت السنة العاشرة إسلام عدد من الأبناء الفرس هناك وتوج ذلك بإسلام باذان حاكم اليمن الفارسي حيث أرسل إلى النبي ﷺ كتابا يعلمه فيه بإسلامه «١» .
وعندما أشرف العام التاسع للهجرة على نهايته وحان موعد الحج وجد الرسول ﷺ نفسه مضطرا للبقاء في المدينة كي يتفرغ للوفود القادمة إليها دونما انقطاع، وأناب عنه لإمامة المسلمين في حجهم ذاك أبا بكر الصديق ﵁. وما أن غادر أبو بكر المدينة في طريقه إلى البيت الحرام حتى نزلت آيات (براءة) من سورة (التوبة) تلك التي تعلن تصفية الوجود الوثني من شبه جزيرة العرب ومنح أتباعه وقتا كافيا للتفكير في الخروج من حضيض الجاهلية الذي ظلوا يتمرغون فيه مئات السنين، وها قد آن الأوان لكي يؤوبوا إلى الحق ويلتزموا الطريق المستقيم، وإلا فإن الدين الجديد سوف لن يمنحهم فرصة أخرى بعد ما صبر عليهم وقتا طويلا بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ. وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ «٢» .
وسرعان ما حمّل الرسول ﷺ عليا بن أبي طالب هذه الآيات والتعليمات المرفقة بها وأمره أن ينطلق بها إلى الكعبة لكي يتلوها على جموع الحجاج هناك وفيهم الكثير من الذين لا يزالون على شركهم وجاهليتهم ... وبينما تولى أبو بكر إمارة الحج راح علي يتلو على الناس تعليمات الرسول ﷺ وآيات براءة في يوم الأضحى: لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فله عهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر.. وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما..» «٣» .
стр. 221
يقول محمد الغزالي بهذا الصدد: «ليعلم من يشاء أن تشريع قانون بمحو الوثنية كتشريع قانون بمحو الأمية، عمل إنساني نبيل. وإن اعتراضا عليه لا يصدر من رجل يؤثر الخير للأمم ويتمنى لها السمو والكرامة، وبحسب الإسلام أنه ظل اثنين وعشرين عاما يحارب الخرافة بالتعليم والتربية كلما أتيحت له فرص لنشر المعرفة وغرس الأدب، وبالقصاص والقتال كلما وقف في طريقه الجهال والضلال يبطلون سعيه أو يصدون عنه. وقد منح الإسلام الوثنية أول الأمر حق الحياة، وترك من يرتد عنه يرجع إليها إذا شاء، ولم يفعل ذلك إعزازا لها، إنما هو حسن ظن بعقل الإنسان وضميره.. فلما تبين أن الوثنيين يستخفون بكل شيء وأنهم يستغلون الحق الممنوح لهم في الفتنة والعدوان والقتل، لم يبق لتركهم من حكم.. ومن ثم نزل الوحي يعالن المشركين بالقطيعة ويرفض منهم كل اعتذار ثم يسرد ما أسلفوا من سيئات على أنه خليقة فيهم لم ينفكوا عنها يوما ولا يرجى أن ينفكوا عنها أبدا» «١» .
إن مكة قاعدة الوثنية سقطت، وأصبحت الدولة الإسلامية هي القوة السياسية المتفردة في زعامة الجزيرة، فلا بد من تحديد جميع سكانها موقفهم في الولاء. فأما أهل الذمّة فكانت الجزية رمز انتمائهم وولائهم، وأما العرب فقد أعلنت معظم قبائلهم في عام الوفود وقبله عن انتمائها للدولة والدين الجديد، ولم يتبق إلا قلة كان لا بد من توجيه نداء إليها لتحديد موقفها. ووجود فئة لا تدين بمبادىء الدولة ولا تخضع لقوانينها أمر بالغ الخطورة في كيان الدولة الداخلي، وكان لا بد أن يخضع هؤلاء الناس لنظام الدولة أو يحاربوه، بمعنى أن يوضعوا في حكم الأعداء، ولكنهم أعداء داخليون يترتب على عدوانهم خطر كبير على كيان الدولة، ومن هنا لم يقبل الإسلام منهم إلا الدخول فيه. وليس للمشركين ديانة تحترم ولا مثل تفرض هذا الاحترام كأصحاب الديانات السماوية الآخرى التي اعترف بها الإسلام واعتبر الدين وحدة واحدة «٢» .
وواضح أنه لا يرد أي معنى من معاني مصادرة الحرية الدينية في هذه المقاطعة والحظر لأن البيت الحرام قد أصبح طاهرا من مظاهر الشرك،
стр. 222
وأصبحت تقاليد الحج مثل ذلك وصار تحت السلطان الإسلامي، وليس من المعقول أن يسمح للمشركين بممارسة تقاليد الوثنية فيه، عدا ما له من الحق الطبيعي في سدّ بابه على أعدائه السياسيين والدينيين «١» . وقد أتي هذا البيان ثمرته، فإن النبي قد حج في العام العاشر حجته الأخيرة على النظام الإسلامي الكامل، وحج معه فيها حوالي مائة ألف من حاج العرب «٢» ، لم يكن من بينهم مشرك واحد. وفي الفترة التي تقع بين إعلان براءة ووفاة الرسول ﷺ طبّق الرسول قانون براءة بحذر شديد وكياسة سياسية بارعة وتجنب الاصطدام بالقبائل وإلا جرح كبرياءها وأثار عصبيتها، ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم وانضمامهم إلى حكومته، ويرسل معهم عند عودتهم مسلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم «٣» .
والواقع أن (إعلان براءة) بوقف الوثنية نهائيا، أمر لا يمكن إدراك أبعاده إلا إذا نظرنا إلى المسألة من جانبيها (الحضاري) و (الاستراتيجي) كضرورتين يرتبط بعضهما ببعض وتسوقان إلى اتخاذ إجراء حاسم كهذا. فأما أولاهما فهي أن الوثنية، على خلاف سائر الأديان الآخرى، تمثل الدرك الأسفل في موقف الإنسان الديني من الكون، موقف يشده إلى الحجارة ويصده عن التقدم إلى الأمام ويحجب عن بصيرته الرؤية الشاملة لدور الإنسان في الأرض وعلاقته بالقوى الآخرى في الوجود. ولو بقي العربي على وثنيته لظل بحكم موقفه المحدود هذا، أسير جهله وتأخره، وسجين عالم تضيق آفاقه لكي ما تلبث أن تعزله عن العالم وتحصره في قلب الصحراء «٤» .
وأما ثانيتهما فتقوم على أن الدولة (العقيدية) التي أنشئت في قلب المنطقة العربية، وامتد نفوذها السياسي إلى كافة أرجاء الجزيرة، وبدأت تحشد قواها وطاقاتها الجهادية للانتقال صوب الخطوة التالية في التحرك إلى العالم المحيط كله.. هذه الدولة كان عليها أن تعتمد استراتيجية صارمة، واضحة المعالم، من أجل أن تحمي وجودها في شبه الجزيرة، من جيوب الوثنية العربية ومراكز القوى
стр. 223
الجاهلية، وأن تحيط مركز انطلاقها إلى العالم بسياج من الوحدة العقيدية والسياسية على السواء، لئلا تضرب من الخلف وهي تمارس صراعها مع القوى الخارجية، حاشدة له جل طاقاتها.
وعلى ضوء هذا الارتباط بين الضرورتين الحضارية والاستراتيجية يمكن أن نتفهم موقف الحركة الإسلامية، نظرية وتطبيقا، إزاء عدد من الأديان. فمهادنتها اليهودية والنصرانية في شبه الجزيرة نفسها كان ينبثق عن كون الديانتين كتابيتين متقدمتين (فكريا) على سائر الديانات الآخرى السابقة والمعاصرة للإسلام، فضلا عن كونهما لا تمثلان- من الناحية الكمية- خطرا استراتيجيا على الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة. إلا أن اليهود عندما نشطوا قبل غزوة خيبر الحاسمة وبعدها لضرب الدولة، وإجراء اتصالات عديدة مع القوى الخارجية المتربصة، صدر أمر بعدم السماح لهم بالبقاء في الجزيرة، في أقسامها الشمالية على الأقل، وقد تمثل هذا الأمر بحديث الرسول ﷺ (لا يجتمع دينان في الجزيرة) ، كما تمثل بخطوات عمر بن الخطاب العملية لإجلاء معظم اليهود عن المنطقة.
وموقف الإسلام- كذلك- من المجوسية والبوذية، وعدم سعيه لتصفيتهما- رغم تأخرهما الحضاري- يعود إلى أنهما لا يشكلان خطرا استراتيجيا مباشرا على قاعدة انطلاقه إلى العالم، شأن الوثنية في شبه الجزيرة. وهكذا يجيء إعلان (براءة) نصرا حضاريا واستراتيجيا لدولة الإسلام، وهي تتهيأ للخطوة التالية في (تحضير) العالم و (جهاد) قياداته (الكافرة) جميعا من أجل منح حرية الاعتقاد للإنسان حيثما كان.
стр. 224
الفصل الثامن العلاقات بين الإسلام والجبهة البيزنطية- النصرانية
[١]
ترجع البدايات الأولى لعلاقة الإسلام بالنصرانية وزعيمتها الدولة البيزنطية إلى اللحظة التي وقف فيها ورقة بن نوفل قبالة الرسول، بعد ساعات بعثه نبيا إلى العالم، لكي يقول له: «والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبن ولتؤذين ولتخرجن ولتقاتلن ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه!» ثم أدنى رأسه منه وقبله «١» . لكن ورقة توفي قبل أن يدرك (اليوم) الذي كذب فيه الرسول وأوذي وأخرج وقوتل من قبل الوثنية العربية.
بل إننا لنرجع بالبدايات إلى ما هو أبعد في الزمن.. إلى الإرهاصات المتبقية في العهدين القديم والجديد.. والحديث من رهبان النصارى وأحبار اليهود وكهان الوثنية وأحنافها كانوا قد تحدثوا، كما يقول ابن هشام «بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه لما تقارب من زمانه. أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى فما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه..» «٢» .
وقبل أن ندلف إلى تلك الإرهاصات والأحاديث لا بدّ أن نشير إلى الضعف
стр. 225
والتهافت اللذين يسودان تلك الرواية التي سبق وأن عرضنا لها بإيجاز «١» والتي تتحدث عن لقاء مبكّر تمّ بين محمد الصبي الذي صحب عمه أبا طالب في رحلته الأولى إلى بلاد الشام وبين بحيرى الراهب.. ونستطيع أن نجد في بحث الدكتور محسن عبد الحميد تقييما للرواية يضعها في مكانها الأقرب إلى الصواب. فهو، بعد أن يعرض بالنقد لأسانيد الرواية ومتونها، يخلص إلى القول بأن «.. هذه الروايات كلها مردودة سندا ومتنا لما فيها من الضعف والنكارة ولما فيها من فساد المتون وبطلانها من الناحية التاريخية وتعارضها مع قواعد العمران البشري والقوانين مما يثبت إثباتا قاطعا أن هذه الرواية موضوعة، نقلها المؤرخون وبعض المحدثين الذين لا يتشدّدون في شروط الرواية، ظنا منهم أنهم بذلك يضيفون دليلا جديدا يسند نبوة رسولنا الأعظم ﵊، ولم ينتبهوا إلى أن أمثال هذه القصص فيها من الشرّ أكثر مما فيها من الخير، لأن أعداء الإسلام منذ القديم أرادوا أن يروجوا أمثال هذه الروايات الواهنة كي يثبتوا وجود بحيرى وغيره من القسس في أطراف الجزيرة العربية الذين كان الرسول الأعظم ﷺ في زعمهم يتصل بهم ويأخذ عنهم.
ولقد اهتم بهذه الروايات الباطلة الكاذبة المؤرخون والمستشرقون الغربيون وبنوا عليها أبا طيل ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يمكن أن تقف لحظة واحدة أمام الحقائق التاريخية، منهم وليام موير ومارغليوث ودرابر وغيرهم كثيرون حيث اعتبروا أن أسرار الإسلام كلها أخذها محمد ﷺ من هذا الراهب. ولم يدعهم تعصّبهم أن يفكروا كيف يمكن لطفل عمره تسع سنوات أن يأخذ كل هذه الأسرار في لقاء عابر من بحيرى أو أمثال بحيرى» «٢» .
والآن.. ما الذي قدمته الأناجيل ورجالاتها من معطيات بصدد النبوة الجديدة؟
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ مكتوب في الإنجيل «لا فظ، ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح» . وعن سهل مولى عتيبة- وكان نصرانيا من أهل مريس، يتيما في حجر
стр. 226
أهله وعمه- قال: «أخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة فأنكرت كتابتها حين مرت بي، ومسستها بيدي، فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد ﷺ أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد. فلما انتهيت إلى هذا جاء عمي فلما رأى الورقة ضربني وقال: ما لك وفتح هذه الورقة وقراءتها؟ فقلت: فيها نعت النبي أحمد. فقال: إنه لم يأت بعد» «١» . وقال أمية بن أبي الصلت لأبي سفيان- يوما-: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا، فكنت أظنه أني هو، وكنت أتحدث بذلك، ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف. ووصف الراهب (بكا) من بلاد الشام الرسول المنتظر لأبان بن سعيد حتى قال أبان: «فوصفه فما أخطأ في وصفه شيئا، ثم قال لي: هو والله نبي هذه الأمة، والله ليظهرن» .
وتحدث راهب من عمورية إلى سلمان الفارسي وهو يجوب الأرض بحثا عن الحقيقة: «قد أظلّ زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين.. بين كتفيه خاتم النبوة» «٢» .
وماذا- بعد- في الإنجيل عن محمد، النبي الأخير؟: «من أبغضني- يقول عيسى ﵇ فقد أبغض الرب. ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة. ولكن من الآية بطروا وظنوا أنهم يعزونني (يغلبونني) وأيضا للرب، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس. إنهم أبغضوني مجانا (باطلا) فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب. روح القدس. هذا الذي من عند الرب خرج، فهو شهيد علي وأنتم أيضا، لأنكم قديما كنتم معي. في هذا قلت لكم لكيما تشكوا» «٣» . والمنحمنا بالسريانية تعني محمدا «٤» .
كما ورد في الإنجيل ما يدل على انتقال النبوة من ولد إسحاق إلى ولد إسماعيل في قوله: «الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل
стр. 227
الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، كذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره» «١» . والحجر الذي رفضه البناؤون كناية عن إسماعيل جد محمد ﷺ الذي قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، ألا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البناء فيقولون: إلا وضعت هاهنا لبنة ليتمّ البناء؟ فأنا اللبنة، جئت، فختمت الأنبياء» . وقال المسيح للحواريين «إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا، وأما متى جاء ذاك- روح الحق- فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم عن نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية» «٢» .
ويؤخذ من المخطوطات التي عثر عليها بجوار البحر الميت أن عيسى ﵇ كان (مسيا) المسيحيين (ومسيا كلمة آرامية معناها الرسول) وأن هناك مسيا آخر سيأتي بعده وقد قال عنه المسيح «ومتى جاء المعزي- البارقليط- فهو يشهد لي» «٣» . ومحمد ﷺ هو الذي جاء بعده فشهد له وأنصفه ودافع عنه وعن العقيدة الصحيحة التي جاء بها. وقد جاء في إنجيل برنابا، الذي استبعدته الكنيسة في العهد الأول وحرم البابا جلاسيوس قراءته سنة ٤٩٢ م «٤» ما يؤيد هذه المخطوطات، ويوضح ما فيها من إجمال، قال: «فلما كان الناس قد دعوني الله،
стр. 228
وابن الله، على أني كنت بريئا في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله ﷺ الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله» «١» .
ويرد كذلك في نفس الإنجيل، غير المعتمد لدى النصارى، «ما أسعد الزمن الذي سيأتي فيه إلى العالم (٢٨) صدقوني إني رأيته وقدمت له الاحترام كما رآه كل نبي (٢٩) لأن الله يعطيهم روحه نبوة (٣٠) ولما رأيته امتلأت عزاء قائلا:
يا محمد ليكن الله معك (٣١) » «٢» . وعن نسب الرسول ﷺ يحدثنا الإنجيل المذكور « (٢٥) ومتى جاء رسول الله فمن نسل من يكون؟ (٢٦) أجاب التلاميذ:
من داود (٢٧) فأجاب يسوع: لا تغشوا أنفسكم (٢٨) لأن داود يدعوه في الأزل:
الروح قائلا: قال الله ربي اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك ... (٣٠) صدقوني لأني أقول لكم الحق، إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق» «٣» . ونقرأ في إنجيل متى «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل» «٤» .
هذا وقد عقد السيد رشيد رضا في الجزء التاسع من (تفسير المنار) فصلا طويلا عن بشارات الكتب المقدسة بمحمد ﷺ ، أورد فيه ثماني عشرة بشارة مستمدة من أسفار العهد القديم والأناجيل، وناقش الشبهات التي يوردها المبشرون، وأورد من الحجج ما فيه المقنع بصواب استنتاجاته وقوة حججه.
وليس هناك أي دليل على أن الأسفار المتداولة اليوم من العهدين القديم والجديد هي كل ما كان متداولا في زمن النبي ﷺ وقبله، وليس يمنع أن يكون فيما لم يصل إلينا بشارات وأوصاف أكثر صراحة مما هو وارد في الأسفار المتداولة اليوم. [وآية الأعراف/ ١٥٧] الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... قد نزلت في الذين تبعوا النبي من أهل
стр. 229
الكتاب في مكة بناء على ما وجدوه فيه من صفات مطابقة لما كان بين أيديهم من أسفار، ومن المحال أن يكون ذلك جزافا. وهنالك إنجيل متداول ومنسوب إلى حواري اسمه برنابا فيه نصوص متفقة مع نصوص القرآن عن عيسى وحياته وشخصيته ورسالة النبي محمد ﷺ وصفاته «١» . وصدق الله العظيم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ «٢» ، وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ «٣» .
ورغم هذه البينات كلها فإن الغالبية العظمى من حملة الإنجيل (شكّوا) ..
ليس هذا فحسب بل تحول شكهم إلى استنكار وسخرية ومعارضة ومقاومة ومجابهة، ثم إلى قتال مسلح حينا وتامر خفيّ أحيانا.. وكانت تلتمع بين الحين والحين أضواء تنير الطريق لرجالات النصرانية: رهبانا وقادة وحكاما إلى قلب الإسلام الرحيب المنفتح على كل دين جاء من عند الله، وقرآنه المصدق لما بين يديه من الكتاب، ونبيّه الممجّد لإخوانه الأنبياء الذين سبقوه كدحا على الدرب الطويل المنبثق عن المصدر الواحد والذاهب إلى المصير الواحد.
[٢]
ويحدثنا (درمنغم) كيف أن مكة كانت تضم عددا كبيرا من نصارى من مختلف الأصول حيث كانت لهم مقبرة فيها.. وكان أناس من نصارى الحبشة قد جاؤوا إلى مكة ليحيوا النبي الجديد الذي أعرب عن عطفه على دينهم فدمغ باطل المشركين بالحجج البالغة التي يقره عليها أهل الكتاب.. وكان يصادف في عكاظ وفي الأسواق الآخرى أناسا من عرب نجران والحيرة.. وكان- كما أشار القرآن- يرى في الأسواق التي يقصدها نصارى آخرين من بلاد أخرى ولا سيما من الشام
стр. 230
لبيع ما معهم من البر.. وكان عملاء بني أسد من الغساسنة يقيمون بوسط مكة، أي بالقرب من الكعبة، ولكن أكثر أولئك النصارى كانوا يقيمون بالضواحي «١» .
ولا ريب أن إيراد قصة ولادة يحيى وعيسى وإنكار ألوهية عيسى مما يوحي بأن أكثر المخاطبين من أهل الكتاب كانوا نصارى، ثم أن خبر انهزام الروم والبشرى بفوزهم مما يدل على ذلك أيضا.. وتلهم الآيات القرآنية أن النبي قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته، وإن كان منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه من الإنفاق في سبيل الخير، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين، وأن منهم من كان متميزا بثقافته الدينية بحيث كان أهلا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة «٢» .
وكان القرآن الكريم منذ الوقت المبكر من العهد المكي يؤكد- وظل على ذلك في مختلف أدوار التنزيل- على وحدة المصدر الذي صدر عنه القرآن والكتب السماوية ووحدة الأهداف والمبادىء التي تضمنها القرآن وتلك الكتب، وتأييد القرآن والنبي ﷺ للأنبياء السابقين والكتب السابقة، والتنويه بهم، واستشهد، وظل يستشهد، بأهل الكتاب على صحة رسالته النبوية والتنزيل القرآني بأسلوب يلهم استعدادهم للشهادة الإيجابية، والثقة بهم والاعتماد عليهم فيها، كما يلهم طبيعة وتوقع استجابتهم للدعوة الإسلامية واندماجهم فيها ونصرها وتأييدها «٣» .
ولم يخف محمد عطفه على النصارى، والقرآن مملوء بالشواهد على
стр. 231
ذلك.. فكان محمد يرى المثال في شهداء نصارى القرون القديمة وفي شهداء نصارى القرون الأخيرة في اليمن (شهداء الأخدود) وكان يثني على القسيسين والرهبان الذين قدر فضائلهم في تخوم الشام. وسرّ محمدا ما أسفر عنه انتصار الروم من عدم هدم كنائس النصارى وبيعهم التي (يذكر فيها اسم الله كثيرا) . وكان محمد ﷺ يرى في أهل الكتاب الحلفاء الذين يؤيدون ما يقول، ويؤمنون بالحق الذي يدعو إليه والذين وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «١» وكان محمد ﷺ يتخذ من انضمام حملة العلم من أهل الكتاب إليه دليلا على صدق الإسلام وبطلان دعوى المشركين، وكان يصرح بأن رسالته مما بشر به الكتاب المقدس «٢» .
وللمسيح في القرآن مقام عال، فولادته لم تكن عادية كولادة بقية الناس، وهو رسول الله الذي خاطبه الله جهرا.. وهو كلمة الله الناطقة من غير اقتصار على الوحي وحده.. والقرآن يقصد النصرانية الصحيحة حينما يقول إن عيسى كلمة الله أو روح الله ألقاها إلى مريم وإنه من البشر.. وهو يذم مذهب القائلين بألوهية المسيح ومذهب تقديم الخبز إلى مريم عادة ثم أكله، وما إلى ذلك من مذاهب الأسماء النصرانية لا النصرانية الصحيحة. ولا يسع النصراني إلا أن يرضى بمهاجمة القرآن للثالوث المؤلف من الله وعيسى ومريم وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ «٣» .
وبدلا من أن تكون النصرانية موحدة في فرقة واحدة في جزيرة العرب قائلة بالنظام والمحبة، كانت مجزأة إلى شيع متعادية منهمكة في المجادلات العقيمة، فلا عجب إذا بقي الإسلام بعيدا عن هذه المناقشات البيزنطية حول العقائد.. وما كان يقع في سبيل النصرانية المشرقية من المنازعات المذهبية موجب للخزي، فقد صار النصارى يضطهد بعضهم بعضا في سبيل معنى إحدى الكلمات، والعلماء يصرون على مجادلاتهم الكلامية، والخرافات تفسد الجمهور بفضل العدوى «٤» .
ومن الطبيعي- يقول دروزة- أن يكون النبي ﷺ الذي أوحي إليه منذ الوقت المبكر بما أوحي، وظل يوحى إليه بمثله بأساليب متنوعة، قد وقف منذ البدء
стр. 232
موقف المسالم المتحبب من الكتابيين في مكة، المتحد معهم في الأهداف والمبادىء، المحترم لأنبيائهم وكتبهم والمعترف بها والمؤيد لها.. ومضامين المفردات القرآنية التي أشرنا إليها آنفا، والأسلوب الهادىء الذي ظل متّسقا في أدوار التنزيل واحتوى استشهاد أهل الكتاب.. ثانيا إلى ما احتواه القرآن المدني من حملات عنيفة على اليهود بسبب مواقفهم الجاحدة الماكرة في المدينة، ثالثا، كل ذلك يسوغ القول بجزم إن الكتابيين في الإجمال قد وقفوا منذ البدء من الدعوة القرآنية موقف العطف والتأييد وظلوا كذلك إلى آخر العهد المكي وأنه لم يقع بينهم وبين النبي احتكاك وعداء كما وقع مع اليهود في المدينة «١» .
إلا أن الكتابيين لم يبقوا عند هذا الحد، بل حقّقوا ما كان متوقعا من استجابتهم للدعوة واندماجهم فيها. ففي سورة الأعراف [الآية ١٥٧] نجد أن فريقا من النصارى واليهود في مكة وجدوا صفات النبي ﷺ مطابقة لما في أيديهم من أسفار التوراة والإنجيل فامنوا به واتبعوه ونصروه فاستحقوا التنويه الذي احتوته الآية «٢» . ولقد ذكرت روايات السيرة وكتب التراجم أسماء كثير من الكتابيين الذين اندمجوا في الدعوة في مكة تحمل طابع الأسماء النصرانية، كما أن بعض الروايات ذكرت قدوم وفد نصراني إلى مكة بعد البعثة مستطلعا نبأ النبي العربي وأعلن إيمانه به «٣» .
وفي نفس الوقت تنزلت آيات أخرى تعرض واقع الكتابيين من الاختلاف والنزاع والانشقاق مذاهب وشيعا فيما بينهم، ودعوتهم إلى الانضواء إلى راية القرآن الذي يمتّ إلى المصدر الذي تمتّ إليه كتبهم، والذي يعود بدين الله إلى صفائه ومبادئه السامية التي لا تحتمل في أصلها خلافا، واتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.. والتسليم بما جاء به القرآن من حلول لمشاكلهم وخلافاتهم المذهبية والنفسية.. ولعل من الحق أن يقال إنه كان لهذه الدعوة القرآنية أثر فيما كان من تنبه الكتابيين في مكة في مبدأ الأمر إلى ما
стр. 233
وصل إليه أمرهم من خلاف، فكان ذلك عاملا في إقبالهم على الإسلام «١» .
وبعد قليل احتضن نجاشي الحبشة المهاجرين من اضطهاد مكة، أولئك الذين قال لهم رسولهم وهو يبحث لهم عن موطن يأوون إليه ريثما تكسر حدة العدوان الوثني (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق..) وردّ المبعوثين اللذين أرسلتهما قريش لاسترداد المسلمين بعد أن أبى إلا أن يستمع لصوت الإسلام بمواجهة صوت الوثنية متمثلا بايات من القرآن الكريم اختارها جعفر بن أبي طالب من سورة مريم دفعت النجاشي إلى أن يرفع عودا صغيرا من الأرض ويقول: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود! فاعترض بطارقته فأسكتهم وقال للمهاجرين: اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي من سبكم غرم، من سبكم غرم.. ثم التفت إلى المبعوثين المشركين قائلا: انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما «٢» .
وفيما بعد، عندما خطب الرسول ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بأرض الحبشة تقديرا لموقفها الفذ في سبيل الدعوة، بمواجهة إغراآت أبيها زعيم الوثنية، أصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينار وهو الذي ناب عن الرسول في خطبتها وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الذي كان قد ارتد إلى النصرانية «٣» !!
وفي المقابل نجد المسلمين، وهم قلة مضطهدة في مكة، يهزهم نبأ الهزيمة الساحقة التي مني بها الروم المسيحيون على أيدي الفرس الوثنيين، ويصيبهم بحزن عميق إزاء الفرح الذي غمر قلوب مشركي قريش، وتنزل آيات القرآن الكريم تتحدث عن الواقعة الحاسمة وتتنبأ بالانتصار الحاسم الذي سيحققه المعسكر النصراني ضد أعدائه المجوس، حيث يفرح المؤمنون الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ ... «٤» .
стр. 234
وقد تحققت النبوءة القرآنية التي لا تخطىء، وفي بضع سنين ألحقت القوات البيزنطية، بقيادة هرقل، هزيمة ساحقة بالقوات الفارسية، استردت في أثرها بلاد الشام وفلسطين وأجزاء واسعة من العراق، وذهب هرقل إلى بيت المقدس لكي يسجد شكرا لله، وغمرت الفرحة قلوب القلة المضطهدة في ظلمات الوثنية.
لكن هذا كله لم يمنع الكثرة من النصارى العرب أن تلعب دورها في العصر المدني بمواجهة الإسلام وتتخذ المواقف العدائية ضده على شتى المستويات بدفع من الدولة والكنيسة البيزنطية في معظم الأحيان، وبمعزل عنهما في بعض الأحيان.
[٣]
والعصر المدني، على خلاف العصر المكي، غني بالروايات والأحداث التي تلقي ضوآ شاملا على العلاقات بين الطرفين، سيما وأن الإسلام كان قد تمكن آنذاك من بناء دولته التي تتجاوز في سياساتها وعلاقاتها الحدود الإقليمية والقومية صوب العالم المحيط حيث تقبع الدولة البيزنطية وحلفاؤها العرب وهم جميعا محسوبون على المعسكر النصراني، منتمون إليه جدا وإخلاصا، أو هزلا واكتسابا.. والأمر سواء.
في السنين الأولى من العصر المدني كان الرسول ﷺ منهمكا في تثبيت أسس الدولة الجديدة وفي مجابهة القوى الوثنية واليهودية، ولم يكن الامتداد الجغرافي للدولة الإسلامية آنذاك قد بلغ الحدّ الذي يستفز الدولة البيزنطية وحلفاءها العرب، ويدفعهم إلى إثارة المشاكل في طريق الإسلام وحكومته.
ورغم ذلك فإننا نجد في السور المدنية آيات كثيرة في النصارى وعقائدهم وما كان بينهم من خلاف ونزاع وهي أكثر وأحدّ منها في القرآن المكي، وهي تحمل تنديدا أكثر.. وهذا الفرق يلهم أن دائرة الاتصال بين النبي ﷺ والنصارى في العهد المدني كانت أوسع منها في ذلك العهد، وأن المؤثرات التي كان يخضع لها النصارى الذين لقيهم النبي واحتك بهم أكثر تنوعا، وأن الذين لقيهم في العهد المكي كانوا أكثر تجردا عن الهوى والرغبات المادية وأكثر استعدادا للاستجابة للدعوة والاندماج فيها. وهناك رواية تذكر إنه كان في المدينة جالية
стр. 235
من النصارى تسكن في مكان يقال له سوق النبط «١» .
إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن الجالية النصرانية في المدينة لم تكن ذات شأن وكيان يؤدي إلى أن يقع بينها وبين النبي والمسلمين صدام، وأن يصدر عنها مواقف عملية مؤذية وخطرة كما كان شأن اليهود، ومن ثم فإن الآيات التي وردت في حالة النصارى والتنديد بهم- مع ما في بعضها من عنف- إلا أنه لا يمكن أن تنعقد أية نسبة بينها وبين ما جاء في حق اليهود. هذا إلى أن هناك آيات تحتوي ثناء محببا عليهم وعلى أخلاقهم ومواقفهم مما يلهم أن الذين لقيهم النبي منهم في المدينة كانوا دمثي الأخلاق ليني الجانب غير جانحين إلى عنف وكيد «٢» .
وبمرور الوقت واتساع نفوذ الإسلام شمالا، ووصول أنباء انتصاراته على الوثنية واليهودية إلى قبائل الشمال.. بدأ المعسكر البيزنطي يفتح عينيه على الخطر المحدق بوجوده من جهة الجنوب. وأغلب الظن أن الأمبراطور البيزنطي وكبار قادته تصوروا الأمر- في بدايته- مجرد اندفاع قبلي كبير صوب الشمال، أو محاولة إمارة عربية ناشئة توسيع رقعتها الجغرافية كما كانت تفعل إمارة (كندة) أو (تدمر) على سبيل المثال، ورأوا أن بإمكان حلفائهم العرب أنفسهم أن يكفوا الدولة البيزنطية عناء وقف هذا الامتداد، وصد هذه الإمارة الطموحة عن الامتداد إلى الشمال.
أكثر من هذا أنهم اعتقدوا أن بإمكان قبيلة من أتباعهم أن تتحرك صوب الجنوب- بإشارة من سادتها- لتضرب القوة الجديدة في قاعدتها نفسها وتقصم ظهرها.. وأغلب الظن أيضا أن هذا الاعتقاد هو الذي دفع القبائل القاطنة في دومة الجندل، في أقصى الشمال، والتي يتزعمها أكيدر بن عبد الملك الكندي الذي يدين بالنصرانية ويخضع لهرقل، إلى أن تتجمع وتتهيأ في زحف سريع
стр. 236
لضرب المسلمين في المدينة (في ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة) ، إلا أن الرسول ﷺ أخذ زمام المبادرة، وتحرك بسرعة صوب الشمال، على رأس ألف من أتباعه، معتمدا أسلوب (إضرب قبل أن تضرب) . ومن أجل أن يباغت القوم في ديارهم أخذ يسير بأصحابه ليلا ويمكن نهارا، حتى اقترب من هدفه فجعلت القبائل العربية القاطنة هناك تهرب من بين يديه لا تلوي على شيء. وبعد أن بث سراياه في المنطقة قفل الرسول ﷺ عائدا دون أن يلقى من العدو كيدا «١» .
وهكذا يمكن اعتبار غزوة (دومة الجندل) هذه أول حلقة في سلسلة الصراع الحربي بين عالمي الإسلام والنصرانية، يؤكد هذا ما ذكره الواقدي من أنه قيل للرسول ﷺ وهو بصدد مهاجمة دومة الجندل: إنها طرف من أفواه الشام فلو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر «٢» .
ولم يمض سوى عام وبعض عام حتى قام الرسول ﷺ بإرسال عبد الرحمن بن عوف (في شعبان من السنة السادسة) لقتال قبيلة كلب النصرانية في نفس المنطقة وقال له: (اغز باسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدا) ، وطلب منه أن يتزوج ابنة ملكهم إن استجابوا له، تعزيزا للعلاقات بين الطرفين وكسبا لودّ هذه القبيلة الموالية للعدو البيزنطي.
فتقدم عبد الرحمن إلى دومة الجندل، ومكث هناك ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، أميرهم النصراني، وأسلم معه ناس كثير من قومه، بينما وافق الآخرون على الاستمرار في دفع الجزية مع البقاء على دينهم. ونفذ عبد الرحمن أمر الرسول ﷺ وتزوج تماضر ابنة الأصبغ وقدم بها إلى المدينة «٣» .
وقد كان من نتائج هذين الانتصارين أن أدركت القبائل الضاربة هناك أن حجم القوة الإسلامية وقدرتها على التحرك أكبر مما كانت تظن، وربما بلغ ذلك القيادة البيزنطية نفسها فكفت عن تكرار المحاولة، ردحا طويلا من الزمن، أتاح للمسلمين تحقيق انتصارهم على الوثنية، في صلح الحديبية، وتصفية المواقع
стр. 237
اليهودية في الشمال: خيبر والقرى المحيطة بها، وقيام رسولهم ﷺ بمكاتبة ملوك وأمراء العالم، بمن فيهم الأمبراطور البيزنطي وأتباعه الغساسنة وحكام مصر والحبشة.
[٤]
والحق أن المعسكر البيزنطي- النصراني هو الذي حظي بالقسط الأعظم من حركة الرسول العالمية المعروفة في التاريخ باسم (مكاتبة الملوك والأمراء) ، ربما لأن الرسول ﷺ أدرك أن الوشائج التي تربط الإسلام بهذه الجبهة، باعتبارها تنتمي إلى دين سماوي تنص مصادره الدينية على نبوة الرسول ﷺ ، ستقودهم إلى تفهم دعوته التي انطلق بها سفراؤه إلى ملوك وحكام هذا المعسكر، فضلا عن قربه الجغرافي من شبه الجزيرة، إلا أن ردود الفعل النصرانية لم تكن سواء، وتدرجات بين الانتماء إلى الدعوة الجديدة أو الموقف الودي منها، وبين الرفض الغاضب الوقح!!
ولم يحدد مؤرخونا القدامى تواريخ هذه السفارات، فيجعلونها حينا في أواخر السنة السادسة، ويجعلونها حينا آخر السنة السابعة أو ما بعدها، إلا أن هذا الالتباس يزول فيما ذكره ابن إسحاق من أن الرسول ﷺ فرق رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله فيما بين الحديبية ووفاته «١» . وقد خرج الرسول ﷺ على أصحابه ذات غداة فقال لهم: (إني بعثت رحمة وكافة، فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا علي كاختلاف الحواريين على عيسى ابن مريم) قالوا: يا رسول الله وكيف كان اختلافهم؟
قال: (دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه، فأما من قرب به فأحب وسلم، وأما من بعد به فكره وأبى..) «٢» .
في أعقاب صلح الحديبية بعث الرسول ﷺ أربعة من رجاله إلى العالم النصراني: دحية بن خليفة الكلبي إلى الأمبراطور البيزنطي هرقل، حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس حاكم مصر، عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي حاكم
стр. 238
الحبشة، شجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق «١» .
انطلق دحية إلى هرقل يحمل كتابا جاء فيه «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن تتولى فإن إثم الأكارين عليك» «٢» . ويورد محمد حميد الله صورة أخرى للكتاب جاء فيها «.. إني أدعوك إلى الإسلام فإن أسلمت فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. فإن لم تدخل في الإسلام فاعط الجزية فإن الله ﵎ يقول: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٣» ، وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية» «٤» . وهذه الصيغة أكثر انسجاما مع طبيعة الدعوة الإسلامية من الصيغة السابقة التي تكتفي بعرض الإسلام فقط دون تمييز بينه وبين الخضوع لسلطان الدولة الإسلامية بدفع الجزية والسماح للمواطنين بدفعها.
وصادف أن وصل مبعوث رسول الله ﷺ بلاد الشام وهرقل يحج إلى بيت المقدس في احتفال مهيب، شكرا لله على ما منحه إياه من نصر حاسم على أعدائه الفرس. وهناك تسلم الأمبراطور كتاب الرسول ﷺ وقرأه. ويسرد لنا كل من ابن إسحاق والطبري نقلا عن رواتهما وبضمنهم بعض نصارى الشام، وأبو سفيان الذي كان حينذاك في رحلة تجارية لقريش إلى الشام، عددا من الروايات تشير إلى أن هرقل وكبير أساقفته المدعو (صغاطر) لما اطلعا على الكتاب قالا:
إنه للنبي الذي كنا ننتظره، لا شك فيه، نعرفه بصفته ونجده في كتبنا باسمه. وإن صغاطر خرج على الروم وهم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله ، وإني أشهد إن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه حتى قتلوه. فلما عرف
стр. 239
هرقل الخبر تنازل عن أقواله وقال: إنا نخافهم على أنفسنا! صغاطر والله كان أعظم عندهم وأجوز قولا مني «١» . ويورد اليعقوبي صيغة الرسالة الجوابية التي بعث بها هرقل إلى النبي ﷺ وجاء فيها «إلى أحمد رسول الله الذي بشر به عيسى. من قيصر ملك الروم. إنه جاءني كتابك مع رسولك وإني أشهد أنك رسول الله، نجدك عندنا في الإنجيل، بشرنا بك عيسى ابن مريم، وإني دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك فأبوا، ولو أطاعوني لكان خيرا لهم..» «٢» !.
غير أنا نشك في صحة هذه الروايات لما يغلب عليها من مبالغة وسرد قصصي سيما وأنها تتحدث عن فترة كان أمبراطور الروم قد غدا فيها سيد العالم في أعقاب انتصاره على غريمه الفارسي، وأن نشوة النصر لا يمكن أن تقوده إلى الحذر والتحسب لما ستجيء به الأيام، ولما يمكن أن يتمخض على أيدي قوم من العرب، لم يكن لهم حتى ذلك الحين وزن في الميدان الدولي «٣» .
ورغم ذلك فإن الاهتمام الذي أبداه هرقل تجاه السفارة النبوية وترحيبه بمبعوث النبي ﷺ دفع حاشيته إلى الهياج، وزادهم هياجا ما عرضه عليهم- لا ندري جادا أم هازلا- من اعتناق الدين الجديد. وهرقل في نظرنا رجل سياسي، وأمر الدين لا يعنيه إلا بقدر ما يدعم ملكه، وقد تولى شؤون الدولة في وقت كانت الخلافات الكنسية حول طبيعة المسيح تغلي غليان المرجل وتثير في الأمة انقسامات مخيفة، وقد حاول التقريب بين وجهات النظر المتباينة وجمع الكنائس المتخاصمة على مذهب واحد، فعجز وتمرد عليه اليعاقبة وغيرهم في مصر والشام. فالكلام في الإلهيات ليس غريبا عليه، والتقريب بين وجهات النظر لمصلحة الدولة ديدنه، ولعله في أعماق قلبه يحس سخف أولئك المختلفين جميعا.. وشاءت لباقة قيصر السياسي أن يستدعي دحية وأن يحاول إيهامه بأنه أسلم، ثم أعطاه قدرا من الدنانير وصرفه. وعاد دحية إلى رسول الله بالنبأ فقال النبي: كذب عدو الله ليس بمسلم، وأمر بالدنانير فقسمت على المحتاجين «٤» .
стр. 240
وانطلق شجاع بن وهب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق، يحمل كتابا جاء فيه «سلام على من اتبع الهدى وآمن به. إني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك» . فماذا كان جواب الأمير الذي يتعاطى العمالة والتبعية لسيده البيزنطي؟ «من ينزع مني ملكي؟ أنا سائر إليه ولو كان باليمن» وأمر بإعداد الخيول، ثم قال للرسول: أخبر صاحبك ما ترى، كما كتب إلى قيصر يطلعه على ما جرى وما اعتزم عمله، فكتب إليه قيصر ألا تسير إليه، وأله عنه، ووافني بإيلياء «١» .
ولم يستطع الحارث- بالطبع- أن يتحرك ضد المسلمين لأن أمره ليس بيده ولأن سيده البيزنطي كان أكثر ذكاء منه فلم يتحرك إلا بعد حوالي السنتين، وبعد أن تأكد من طبيعة الدولة الجديدة في الجنوب وأدرك أبعادها الحقيقية.. لكن (الصغار) كثيرا ما يندفعون أمام (الكبار) ويجاوزونهم خطوات وخطوات، ملتفتين إليهم بين الحين والحين بإعجاب، لكي يحظوا بتشجيعهم وهداياهم!
وإلى النجاشي، حاكم الحبشة، بعث الرسول ﷺ عمرو بن أمية الضمري ليتكلم معه بشأن المهاجرين، وليدعوه في الوقت نفسه إلى الإسلام، حاملا معه كتابيه بهذا الشأن وقد جاء في كتاب دعوته إلى الإسلام «.. من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة. سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والولاء على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين، فإذا جاؤوك فأكرمهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى» «٢» .
ويحدثنا ابن إسحاق وابن سعد كيف أن النجاشي تقبّل الرسالة بقبول حسن وأجاب الرسول ﷺ برسالة رقيقة يعلن فيها إسلامه وأن ما قاله في عيسى عليه
стр. 241
السلام هو الصدق والحق. وأنه قد استضاف ابن عمه وأصحابه على الرحب والسعة.. ويختم رسالته قائلا: «وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين. وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم.. وإن شئت أن أتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله» . ويختتم ابن إسحاق حديثه قائلا: «وقد ذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة، فإذا كانوا في وسط البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا» «١» ، ولا يوجد من الوقائع والأدلة والروايات الآخرى ما يؤيد هذا الذي ذهب إليه ابن إسحاق.. وربما يكون موقف النجاشي الودي، سواء من مهاجري المسلمين أو خطبة الرسول لأم حبيبة بنت أبي سفيان، أو الرسالة التي دعاه فيها إلى الإسلام، هو الذي دفع إلى المبالغة في تقدير موقفه الطيب وإيصاله حد إعلانه الإسلام.
وإلى المقوقس حاكم مصر القبطي انطلق حاطب بن أبي بلتعة، فاستقبله استقبالا حسنا لا يقل كرما وطيبة عن استقبال زميله الحبشي لمبعوث الرسول ﷺ وجرى حوار بين حاطب والمقوقس قال فيه حاطب: إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى. وما بشارة موسى بعيسى ﵇ إلا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل نبي أدرك قوما فهم أمته، فحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به.
وقد أعرب المقوقس عن موقفه الودي من الرسول بأن بعث إليه رسالة جاء فيها: «لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليكم، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وتدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت لك بغلة تركبها» . وقد دعا حاطب- في طريق عودته الجاريتين مارية وأختها سيرين إلى الإسلام فأسلمتا. وردا على هذا الموقف الطيب تقبل الرسول الهدية وتزوج مارية التي ولدت له- فيما بعد- إبراهيم،
стр. 242
وبعث الآخرى إلى شاعره حسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن «١» . وكان من حصيلة هذه الزيجات المباركة والمواقف الطيبة، تعاطف أكثر لأصهار الرسول ﷺ الأقباط مع المسلمين، وتعاون صادق مع فاتحيهم وهم يتحركون على أرض مصر لإسقاط الحكم البيزنطي وتحرير المصريين من تعسفه وتعصبه وجوره «٢» .
ويلاحظ أن كتاب الرسول ﷺ إلى مصر يستهل بهذه العبارة «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط..» «٣» . وهنا يجب أن نقف قليلا عند شخصية المقوقس هذا الذي تعرفه الرواية الإسلامية دائما بأنه عظيم القبط. فقد كانت مصر يومئذ ولاية رومانية تخضع لقيصر قسطنطينية، ولم يكن لأهلها القبط أي نوع من الاستقلال. ولم تكن هذه الحقيقة مجهولة في المدينة حيث تدل كتب النبي ورسائله على أن الأحداث والأوضاع السياسية التي كانت تسود الجزيرة العربية وما يجاورها من الممالك كانت معروفة من النبي وصحبه. وقد كان حاكم مصر الروماني في الوقت الذي نتحدث عنه هو الحبر كيروس، وهو في نفس الوقت حاكم مصر وبطريقها الأكبر، وقد استطاع البحث الحديث أن يلقي كثيرا من الضياء على شخصية المقوقس وأن يتعرف فيها على شخصية كيروس نفسه. وإذن فالمرجح أن المقوقس الذي تردد الرواية العربية اسمه إنما هو كيروس حاكم مصر الروماني «٤» . ومما يؤيد هذه الحقيقة أن السفير النبوي قصد إلى الإسكندرية ليؤدي مهمته، وقد كانت الإسكندرية يومئذ مقر الحاكم العام الروماني «٥» .
стр. 243
ونحن نجد في رسائل الرسول ﷺ إلى حكام العالم تأكيده الدائم على شهادة (لا إله إلا الله) في عصر طغت فيه الربوبيات الزائفة واتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله. ولم يتهادن الرسول ﷺ في طرح هذا الشعار إزاء حكام العالم، كما لم يتهادن به في صراعه مع الوثنية العربية منذ أول لحظة، فهو المنطلق الأساسي للدعوة الجديدة، والقاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام وبدونها يتميع ويتفكك ويضيع. ونلمح، في الوقت نفسه- وفيما وراء هذا الشعار- مرونة وتكييفا دبلوماسيا كان الرسول يصوغ بموجبه رسائله إلى الحكام فيعرض عليهم بعض جوانب اللقاء الديني بين الإسلام والنصرانية، ويمنيهم بالخير العميم في الدنيا والآخرة في حال انتمائهم للدين الجديد، الذي هو ليس سوى إتمام للشوط الذي كان موسى وعيسى ﵉ قد سارا عليه من قبل، ولكنه ﷺ كان يدفع خلال السطور كلمات وعبارات ينذرهم فيها أنهم إن لم يستجيبوا فإنهم سيعرضون مراكزهم للخطر وزعاماتهم للبوار!! وكان ﷺ فضلا عن هذا وذاك يقدر طبيعة الموقف الذي يصدر عنه (الحاكم) فيرد عليه بما يشبهه ويوازيه: تهديدا للحاكمين الذين يتمادون في الضلال ويشيحون عن مصدر النداء، ويعربون عن مواقفهم بكلمات وألفاظ عدائية، وقبولا وانفتاحا على الساسة الذين يصدرون عن نيات طيبة وإخلاص صادق.
إلا أن المكسب الأكبر الذي حققه ﷺ من وراء مكاتباته تلك، أنها جاءت حملة (إعلامية) على النطاق الدولي من أن هذا الدين ليس دين عرب أو جزيرة عربية، وإنما هو دين الإنسان حيثما كان هذا الإنسان.. ونداء إلى السلطات الحاكمة أن تستجيب للدعوة أو تسمح- على الأقل- لدعاتها بممارسة نشاطهم بحرية ولشعوبها في مقابلة هؤلاء الدعاة والاستماع إليهم لكي يختاروا عقيدتهم على بيّنة، بعيدا عن الضغط والقسر والإكراه.. وإنذارا لهذه السلطات بأنها إن لم تلبّ وتستجيب فإن جيوش الدعوة الجديدة ستنساح عما قريب في مشارق الأرض ومغاربها، لكي تسقط التيجان وتثل العروش وتنزل السلطات من مناصبها العليا، وتخرج الناس- بذلك وحده- من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
إن توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعمور من أرض الله يومئذ أمر يثير التأمل. لقد كان العرب يستكثرون النبوة على واحد منهم ويوسعونه جحودا، فما
стр. 244
يكون شأن الروم والعجم وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة وثقافة وسياسة؟
بيد أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق، فإن ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم وامتداد نطاقها تعترض العقبات المفروضة في الطريق وتجعلها هباء منثورا.. ثم إن الخرافة التي أفسدت عقل بدوي تترب ثيابه رياح نجد هي بعينها الخرافة التي تفسد فكر كسرى عاهل الفرس العظيم. ما الفارق بين الحمى تصيب ملكا أو تصيب صعلوكا؟ إن الطبيب يصف لهما على الحالين دواء واجدا ويتخذ ضد عدواهما حصانات واحدة. وقد أراد النبي أن يشفي الكبار والصغار من أمراض نفوسهم، وأن يناولهم جميعا الدواء الذي يصحون به.. قد يكون أولئك الملوك محجبين وراء أسوار مشيدة وحولهم من الأتباع والجند والأبهة والرياش ما يبهر العين، لكن أي عين تنبهر لهذه المظاهر؟
إن الأنبياء لا يرون في القوم إلا أنهم جهال يجب أن يتعلموا، سفهاء يجب أن يسترشدوا، وأن ما حولهم من الدنيا يجعل تبعتهم أخطر «١» .
لقد كانت سفارات الرسول وكتبه عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان.. لم يذهب عبثا كما رأينا.. ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته وهو ما يزال يكافح في بثها بين قومه وعشيرته، بيد أن إيفاد هذه البعوث يعد عملا متمما للرسالة النبوية. وكان العالم القديم الذي يتجه إليه النبي العربي بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت إلى آخر، وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن، فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس، ولم يكن عسيرا أن يستشف أولو النظر البعيد ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى تنذر بالانفجار، وقد كان الانفجار في الواقع سريعا جدا «٢» .
[٥]
في السنة الثامنة كان على الرسول ﷺ أن يتخذ موقفا حاسما إزاء القبائل العربية النصرانية الموالية للبيزنطيين، بعد المواقف الغادرة التي اتخذها بعض
стр. 245
أمرائها من دعاة الإسلام ورسلهم إلى الشام. وكانت حادثة مقتل الحارث بن عمير الأزدي مبعوث الرسول ﷺ إلى ملك بصرى على يد شر حبيل بن عمرو الغساني في مؤتة هي التي استفزت الرسول ﷺ لتأديب عرب الشمال الموالين للبيزنطيين «١» ، فجهز جيشا كبيرا- نسبيا- يبلغ ثلاثة آلاف مقاتل ولى قيادته زيد بن حارثة «٢» وأمره بالانطلاق صوب الشمال لتأديب القبائل العربية على فعلتها- إن لم تستجب لدعوة الإسلام- وإشعارها بقوة الدولة الإسلامية وقدرتها على ردع الغادرين والمعتدين الذين يرون في الحماية البيزنطية سببا يدفعهم إلى الجرأة والعدوان، ولاستطلاع قوة وكفاية وطبيعة الأرض هناك.
ونظرا لبعد الطرق واحتمال مجابهة قوى كثيرة العدد، ألحق الرسول ﷺ بقائد الجيش قائدين احتياطيين هما جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، يتوليان الأمر، أحدهما بعد الآخر، في حالة إصابة القائد الأول، مما يدل على مدى بعد النظر الذي كان الرسول ﷺ يتمتع به. ومن السذاجة أن يتبادر إلى الأذهان أنه ﷺ كان يعلم مسبقا المصير الذي كان ينتظر أعزّ أصحابه، فلم يعرف عنه أبدا أنه ساق أتباعه إلى حتوفهم أو رمى بهم في عمليات ينتحرون فيها. كل ما هنالك أن كثرة مشاغله منعته من قيادة الجيش بنفسه، ومن أجل ضمان وحدة قواته ومنعا للفوضى والاضطراب في أرض متطرفة شمالا، عين هؤلاء القادة الاحتياطيين «٣» .
خرج المسلمون في جمادى الأولى، رجالا ونساء وأطفالا، لتوديع المقاتلين الذاهبين إلى أقصى الشمال، وتعالت أصواتهم (صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين) ، وراح عبد الله بن رواحة الشاعر ينشد:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع «٤» تقذف الزبدا «٥»
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
стр. 246
حتى يقال، إذا مروا على جدثي، ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وعندما ودعهم الرسول ﷺ وانصرف راجعا أنشد ابن رواحة:
خلف السلام على امرىء ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل «١»
مضت قوات المسلمين حتى بلغت معان جنوبي الأردن، فعسكرت فيها، وبلغ قادتها هناك أن الأمبراطور البيزنطي قد سمع نبأ التحرك الإسلامي فتقدم على رأس مائة ألف من الروم- فيما تذكر الروايات- وعسكر في ماب من أرض البلقاء. ويذكر المسعودي أن هرقل كان مقيما آنذاك في أنطاكية وأنه ولّى قيادة جيشه تيادوتس البطريق «٢» ، ويؤكد بروكلمان ما ذهب إليه المسعودي مصححا اسم القائد البيزنطي (ثيودورس) «٣» . وفي ماب التحقت بالقوات البيزنطية القبائل العربية الموالية من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى، قادهم شرحبيل بن عمرو الغساني وبلغوا- فيما تذكره الروايات- مائة ألف. ولا ريب أن المبالغات التي أعقبت هذه المعركة التي انسحب فيها المسلمون كثرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تهرع لنجدة سيدها بعشرات الآلاف من المقاتلين «٤» .
ظل المسلمون معسكرين في معان طيلة ليلتين، يتدبرون أمرهم، وقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. إلا أن عبد الله بن رواحة اندفع بفورة حماس يعرفها جيدا من يعيش فورات التجربة الشعرية وانفعاليتها مقترنة بزخم إيماني لا ترده رؤية أو تمهل، راح ينادي أصحابه: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة!! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذين أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة!! فأجابه الناس الذين لم يعرفوا خوفا يوما أو تراجعا، والذين يدركون جيدا كم هو عظيم الهدف الذي خرجوا من أجله، وكم هي غالية (الشهادة) على
стр. 247
قلوب أصحاب رسول الله ﷺ : قد والله صدق ابن رواحة «١» .
غادر المسلمون معسكرهم في معان وانطلقوا شمالا حتى إذا بلغوا تخوم البلقاء لقيتهم جموع الروم والعرب في قرية من قرى البلقاء تدعى مشارف، فانحازوا صوب قرية مؤتة، وهناك عبأوا أنفسهم فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يسمى عباية ابن مالك وبدأ القتال المرير. وانطلق زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ يقاتل حتى شاط في رماح القوم وغرق بدمائه، فتسلّم الراية جعفر بن أبي طالب ذو الثلاث والثلاثين سنة من العمر وانطلق يقاتل حتى إذا أحاط به العدو من كل مكان وسددوا إليه ضرباتهم، اقتحم عن فرسه الشقراء وضرب قوائمها بالسيف وراح يجالد القوم وهو ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
كان جعفر يحمل الراية بيمينه فلما قطعوها أخذها بشماله، فلما قطعوها احتضنها بعضديه حتى قتل في أعقاب ضربة من جندي رومي قطعته نصفين، فانقض عبد الله بن رواحة وحمل الراية وتقدم بها على فرسه. وفي موجة من الرعب الذي لا يرحم، منبثقا هذه المرة أيضا عن انفعالية الشعراء وتأرجحهم النفسي، وحساسيتهم، تردد عبد الله بعض التردد إلا أنه ما لبث أن تفوق على خوفه وتردده، ونزل عن فرسه لكي يشتبك بأعداء الله وهو ينشد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلنه أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة «٢» ... ما لي أراك تكرهين الجنة؟
يا نفس إلّا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... أن تفعلي فعلهما هديت
وأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال: شد بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت!! فأخذها منه واقتطع منها مضغة لكنه ما لبث أن سمع احتدام
стр. 248
القتال قريبا منه، فخاطب نفسه: وأنت في الدنيا؟ ألقى قطعة اللحم من يده ثم أخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل «١» .
أخذ الراية رجل من المسلمين يدعى ثابت بن أقرم ونادى: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فتشاور الناس واتفقوا على تسليم القيادة لخالد بن الوليد. وفي قلب الفجيعة واحتدام القتال كان المسلمون ينفذون (قيما) ويصنعون أخرى.. ثابت بن أقرم وهو يرفض القيادة، لا خوفا أو جبنا ولكن إدراكا لقدراته وطلبا للأكفأ والأحسن، والمقاتلون وهم (يتشاورون) لاختيار قائدهم الجديد بعد فجيعتهم برؤسائهم الثلاث «٢» ..
ولقد كان خالد عند ظن أصحابه، التمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين وأن يجنبهم عملية إبادة شاملة هي الآن قاب قوسين أو أدنى منهم.. وماذا بعد ضياع زهرة قوات المسلمين وتبعثر جثث ثلاثة آلاف مقاتل في الصحراء بعيدا عن رسولهم وأهليهم؟
سيقول الأمبراطور إن اندفاعا حماسيا من جزيرة العرب قد سحق، وعلى أعراب الجنوب ألا يفكروا مرة أخرى بمصارعة سيدة العالم، المنتصرة على الساسانيين، وسيقول أتباعه من نصارى العرب إن كلمة سيدنا هي الكلمة، وإن تبعيتنا وطاعتنا في مكانها، لن يحرفها نداء رجل جاء يدعونا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة العباد! وسترفع الوثنية واليهودية وحركة النفاق رؤوسها ثانية في قلب الجزيرة في محاولة لاسترداد مواقعها القديمة التي أزاحها عنها الإسلام.
ولقد بدأ خالد تحقيق هدفه هذا بأن رسم خطة سعى فيها إلى إيهام العدو أن المسلمين لا زالوا في أماكنهم يقاتلون، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو، وأجرى تغييرات في مواقع جنده، بين ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة، وأرسل خلف الجيش عددا من الرجال والخيول يحدثون جلبة شديدة ويثيرون النقع، ليوهم العدو أن مددا قد جاءه، وما أن حلّ الظلام حتى انسحب من الميدان، وأخذ طريقه جنوبا، منقذا معظم المسلمين من فناء محقق «٣» ، ولم يخسر
стр. 249
المسلمون، في رواية للواقدي، سوى ثمانية قتلى «١» أو إثني عشر على الأغلب، بينما كانت خسائر العدو أضعافا مضاعفة مما أثر في معنوياتهم وصدهم عن مطاردة المسلمين. ومعروف أن عملية الانسحاب تعد من أصعب العمليات العسكرية، لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين.. ولا تعد خسائر المسلمين الضئيلة في مؤتة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادها الإطلاع على خواص قوات الروم وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها مما اتضح أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد «٢» .
ابتعد المقاتلون عن ميدان القتال قبل أن تصلهم النجدة التي كان الرسول ﷺ قد استنفرها لدى سماعه أنباء القتال «٣» ، ووصلوا المدينة بعد مسيرة مجهدة في جحيم الصحراء، وتلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، والصبيان يعدون من ورائهم ويهتفون: يا فرّار فررتم في سبيل الله؟ فيجيبهم الرسول ﷺ :
ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى «٤» . ولقد كرّوا فعلا على أعدائهم بعد قليل، فأمة يستنكر فيها الهزيمة حتى أطفالها الصغار الذين لم (يعتادوا) عودة (كبارهم) مقهورين، لا بد أن يجول كبارها جولات وجولات حتى تتحقق الكلمة التي حملوها إلى العالم!!
ولم يمض شهر واحد على معركة مؤتة حتى بلغ الرسول ﷺ أن جمعا من قضاعة، القاطنين في الشمال والموالين للروم، قد تجمعوا يريدون القيام بهجوم على أطراف الدولة الإسلامية، فدعا عمرو بن العاص ووجهه على رأس ثلاثمائة من أبطال المهاجرين والأنصار، وأمره أن يستعين بمن يمر بهم من قبائل بلى وعذرة وبلقين، الموالية للمسلمين. فانطلق عمرو يسير ليلا ويكمن نهارا، فلما اقترب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث إلى الرسول ﷺ يطلب منه مددا فأسرع بإرسال أبي عبيدة بن الجراح على رأس مائتي مقاتل من كبار المهاجرين
стр. 250
والأنصار فيهم أبو بكر وعمر ﵃ وأمره أن يلحق بابن العاص وأن يعملا سوية لإنجاز المهمة التي كلفا بها. وانطلق عمرو- بعد أن وصله مدد أبي عبيدة- حتى «وطىء بلاد بلى ودوخها، حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين» . ولقي في نهاية زحفه جمعا فحمل عليهم فهربوا بين يديه وتفرقوا في البلاد، بعد أن قتل منهم عدد كبير «١» ثم قفل جيش الرسول ﷺ عائدا بعد أن غطى بانتصاراته الأخيرة هذه في أقصى الشمال، على مأساة مؤتة، ومكن للنفوذ الإسلامي في أقصى الشمال، وأشعر العرب الموالين للبيزنطيين بأن هزيمة المسلمين في معركة لا تعني أبدا انحسار دولتهم في أراضي الشمال.
[٦]
بعد عودة الرسول ﷺ إلى المدينة في أواخر السنة الثامنة، في أعقاب دخوله مكة وانتصاره في حنين، بلغته أنباء خطيرة عن تحركات يعتزم الروم وحلفاؤهم العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة، القيام بها ضد الدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها وتتفرد في قيادة الجزيرة العربية، وتشكل خطرا حاسما على الوجود البيزنطي في بلاد الشام، وقد قامت هذه القبائل فعلا بإرسال طلائعها إلى البلقاء.
كان الوقت صيفا، والصحراء تحترق نارا، والبلاد تعاني جدبا ومحلا، والطريق طويلا، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص لقطع آلاف الأميال عبر الصحراء، وقتال قوم هم سادة الدنيا، ومحنة مؤتة، فوق هذا كله، ليست بعيدة عن الأذهان، لكن منطق الرسول ﷺ يفوق التحديات ويتجاوز المصاعب، لأن السكوت على التحرك البيزنطي معناه الاندحار، وانتظارهم لكي يوجهوا (هم) ضربتهم معناه الانتحار، فلا بد إذن من التجهز بسرعة، وتولي زمام المبادرة، والانطلاق عبر المتاعب والمصاعب للرد على تحدي سيدة العالم، وإشعار العرب الخاضعين لها أن هناك دولة ثانية وكلمة أخرى.
وفي معظم الغزوات كان الرسول ﷺ لا يحدد هدفه العسكري زيادة في الكتمان، على العكس إنه كان يعلن عن أهداف غير تلك التي يريد قصدها، أما