حتى يقال، إذا مروا على جدثي، ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وعندما ودعهم الرسول ﷺ وانصرف راجعا أنشد ابن رواحة:
خلف السلام على امرىء ودعته ... في النخل خير مشيع وخليل «١»
مضت قوات المسلمين حتى بلغت معان جنوبي الأردن، فعسكرت فيها، وبلغ قادتها هناك أن الأمبراطور البيزنطي قد سمع نبأ التحرك الإسلامي فتقدم على رأس مائة ألف من الروم- فيما تذكر الروايات- وعسكر في ماب من أرض البلقاء. ويذكر المسعودي أن هرقل كان مقيما آنذاك في أنطاكية وأنه ولّى قيادة جيشه تيادوتس البطريق «٢» ، ويؤكد بروكلمان ما ذهب إليه المسعودي مصححا اسم القائد البيزنطي (ثيودورس) «٣» . وفي ماب التحقت بالقوات البيزنطية القبائل العربية الموالية من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى، قادهم شرحبيل بن عمرو الغساني وبلغوا- فيما تذكره الروايات- مائة ألف. ولا ريب أن المبالغات التي أعقبت هذه المعركة التي انسحب فيها المسلمون كثرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تهرع لنجدة سيدها بعشرات الآلاف من المقاتلين «٤» .
ظل المسلمون معسكرين في معان طيلة ليلتين، يتدبرون أمرهم، وقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. إلا أن عبد الله بن رواحة اندفع بفورة حماس يعرفها جيدا من يعيش فورات التجربة الشعرية وانفعاليتها مقترنة بزخم إيماني لا ترده رؤية أو تمهل، راح ينادي أصحابه: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة!! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذين أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة!! فأجابه الناس الذين لم يعرفوا خوفا يوما أو تراجعا، والذين يدركون جيدا كم هو عظيم الهدف الذي خرجوا من أجله، وكم هي غالية (الشهادة) على
стр. 247
قلوب أصحاب رسول الله ﷺ : قد والله صدق ابن رواحة «١» .
غادر المسلمون معسكرهم في معان وانطلقوا شمالا حتى إذا بلغوا تخوم البلقاء لقيتهم جموع الروم والعرب في قرية من قرى البلقاء تدعى مشارف، فانحازوا صوب قرية مؤتة، وهناك عبأوا أنفسهم فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يسمى عباية ابن مالك وبدأ القتال المرير. وانطلق زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ يقاتل حتى شاط في رماح القوم وغرق بدمائه، فتسلّم الراية جعفر بن أبي طالب ذو الثلاث والثلاثين سنة من العمر وانطلق يقاتل حتى إذا أحاط به العدو من كل مكان وسددوا إليه ضرباتهم، اقتحم عن فرسه الشقراء وضرب قوائمها بالسيف وراح يجالد القوم وهو ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
كان جعفر يحمل الراية بيمينه فلما قطعوها أخذها بشماله، فلما قطعوها احتضنها بعضديه حتى قتل في أعقاب ضربة من جندي رومي قطعته نصفين، فانقض عبد الله بن رواحة وحمل الراية وتقدم بها على فرسه. وفي موجة من الرعب الذي لا يرحم، منبثقا هذه المرة أيضا عن انفعالية الشعراء وتأرجحهم النفسي، وحساسيتهم، تردد عبد الله بعض التردد إلا أنه ما لبث أن تفوق على خوفه وتردده، ونزل عن فرسه لكي يشتبك بأعداء الله وهو ينشد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلنه أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة «٢» ... ما لي أراك تكرهين الجنة؟
يا نفس إلّا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... أن تفعلي فعلهما هديت
وأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال: شد بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت!! فأخذها منه واقتطع منها مضغة لكنه ما لبث أن سمع احتدام
стр. 248
القتال قريبا منه، فخاطب نفسه: وأنت في الدنيا؟ ألقى قطعة اللحم من يده ثم أخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل «١» .
أخذ الراية رجل من المسلمين يدعى ثابت بن أقرم ونادى: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فتشاور الناس واتفقوا على تسليم القيادة لخالد بن الوليد. وفي قلب الفجيعة واحتدام القتال كان المسلمون ينفذون (قيما) ويصنعون أخرى.. ثابت بن أقرم وهو يرفض القيادة، لا خوفا أو جبنا ولكن إدراكا لقدراته وطلبا للأكفأ والأحسن، والمقاتلون وهم (يتشاورون) لاختيار قائدهم الجديد بعد فجيعتهم برؤسائهم الثلاث «٢» ..
ولقد كان خالد عند ظن أصحابه، التمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين وأن يجنبهم عملية إبادة شاملة هي الآن قاب قوسين أو أدنى منهم.. وماذا بعد ضياع زهرة قوات المسلمين وتبعثر جثث ثلاثة آلاف مقاتل في الصحراء بعيدا عن رسولهم وأهليهم؟
سيقول الأمبراطور إن اندفاعا حماسيا من جزيرة العرب قد سحق، وعلى أعراب الجنوب ألا يفكروا مرة أخرى بمصارعة سيدة العالم، المنتصرة على الساسانيين، وسيقول أتباعه من نصارى العرب إن كلمة سيدنا هي الكلمة، وإن تبعيتنا وطاعتنا في مكانها، لن يحرفها نداء رجل جاء يدعونا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة العباد! وسترفع الوثنية واليهودية وحركة النفاق رؤوسها ثانية في قلب الجزيرة في محاولة لاسترداد مواقعها القديمة التي أزاحها عنها الإسلام.
ولقد بدأ خالد تحقيق هدفه هذا بأن رسم خطة سعى فيها إلى إيهام العدو أن المسلمين لا زالوا في أماكنهم يقاتلون، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو، وأجرى تغييرات في مواقع جنده، بين ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة، وأرسل خلف الجيش عددا من الرجال والخيول يحدثون جلبة شديدة ويثيرون النقع، ليوهم العدو أن مددا قد جاءه، وما أن حلّ الظلام حتى انسحب من الميدان، وأخذ طريقه جنوبا، منقذا معظم المسلمين من فناء محقق «٣» ، ولم يخسر
стр. 249
المسلمون، في رواية للواقدي، سوى ثمانية قتلى «١» أو إثني عشر على الأغلب، بينما كانت خسائر العدو أضعافا مضاعفة مما أثر في معنوياتهم وصدهم عن مطاردة المسلمين. ومعروف أن عملية الانسحاب تعد من أصعب العمليات العسكرية، لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين.. ولا تعد خسائر المسلمين الضئيلة في مؤتة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادها الإطلاع على خواص قوات الروم وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها مما اتضح أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد «٢» .
ابتعد المقاتلون عن ميدان القتال قبل أن تصلهم النجدة التي كان الرسول ﷺ قد استنفرها لدى سماعه أنباء القتال «٣» ، ووصلوا المدينة بعد مسيرة مجهدة في جحيم الصحراء، وتلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، والصبيان يعدون من ورائهم ويهتفون: يا فرّار فررتم في سبيل الله؟ فيجيبهم الرسول ﷺ :
ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى «٤» . ولقد كرّوا فعلا على أعدائهم بعد قليل، فأمة يستنكر فيها الهزيمة حتى أطفالها الصغار الذين لم (يعتادوا) عودة (كبارهم) مقهورين، لا بد أن يجول كبارها جولات وجولات حتى تتحقق الكلمة التي حملوها إلى العالم!!
ولم يمض شهر واحد على معركة مؤتة حتى بلغ الرسول ﷺ أن جمعا من قضاعة، القاطنين في الشمال والموالين للروم، قد تجمعوا يريدون القيام بهجوم على أطراف الدولة الإسلامية، فدعا عمرو بن العاص ووجهه على رأس ثلاثمائة من أبطال المهاجرين والأنصار، وأمره أن يستعين بمن يمر بهم من قبائل بلى وعذرة وبلقين، الموالية للمسلمين. فانطلق عمرو يسير ليلا ويكمن نهارا، فلما اقترب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث إلى الرسول ﷺ يطلب منه مددا فأسرع بإرسال أبي عبيدة بن الجراح على رأس مائتي مقاتل من كبار المهاجرين
стр. 250
والأنصار فيهم أبو بكر وعمر ﵃ وأمره أن يلحق بابن العاص وأن يعملا سوية لإنجاز المهمة التي كلفا بها. وانطلق عمرو- بعد أن وصله مدد أبي عبيدة- حتى «وطىء بلاد بلى ودوخها، حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين» . ولقي في نهاية زحفه جمعا فحمل عليهم فهربوا بين يديه وتفرقوا في البلاد، بعد أن قتل منهم عدد كبير «١» ثم قفل جيش الرسول ﷺ عائدا بعد أن غطى بانتصاراته الأخيرة هذه في أقصى الشمال، على مأساة مؤتة، ومكن للنفوذ الإسلامي في أقصى الشمال، وأشعر العرب الموالين للبيزنطيين بأن هزيمة المسلمين في معركة لا تعني أبدا انحسار دولتهم في أراضي الشمال.
[٦]
بعد عودة الرسول ﷺ إلى المدينة في أواخر السنة الثامنة، في أعقاب دخوله مكة وانتصاره في حنين، بلغته أنباء خطيرة عن تحركات يعتزم الروم وحلفاؤهم العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة، القيام بها ضد الدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها وتتفرد في قيادة الجزيرة العربية، وتشكل خطرا حاسما على الوجود البيزنطي في بلاد الشام، وقد قامت هذه القبائل فعلا بإرسال طلائعها إلى البلقاء.
كان الوقت صيفا، والصحراء تحترق نارا، والبلاد تعاني جدبا ومحلا، والطريق طويلا، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص لقطع آلاف الأميال عبر الصحراء، وقتال قوم هم سادة الدنيا، ومحنة مؤتة، فوق هذا كله، ليست بعيدة عن الأذهان، لكن منطق الرسول ﷺ يفوق التحديات ويتجاوز المصاعب، لأن السكوت على التحرك البيزنطي معناه الاندحار، وانتظارهم لكي يوجهوا (هم) ضربتهم معناه الانتحار، فلا بد إذن من التجهز بسرعة، وتولي زمام المبادرة، والانطلاق عبر المتاعب والمصاعب للرد على تحدي سيدة العالم، وإشعار العرب الخاضعين لها أن هناك دولة ثانية وكلمة أخرى.
وفي معظم الغزوات كان الرسول ﷺ لا يحدد هدفه العسكري زيادة في الكتمان، على العكس إنه كان يعلن عن أهداف غير تلك التي يريد قصدها، أما
стр. 251
في غزوة تبوك فقد بينه للناس «لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو، ليتأهب الناس لذلك أهبته» . وأمر ﷺ بالتجهز وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وحضّ الذين يملكون على النفقة في سبيل الله وتهيئة الدواب التي ستنقل المقاتلين إلى الشمال. ثم ما لبث أن انطلق في رجب بأكبر جيش عرفه تاريخ الدعوة حتى ذلك الحين، قيل إنه بلغ ثلاثين ألفا، تصحبها عشرة آلاف فرس، مستخلفا في المدينة عليا بن أبي طالب ﵁ «١» ، ودافعا لواءه الأعظم إلى أبي بكر ورايته إلى الزبير ﵄ «٢» .
بدأ المسلمون مسيرتهم التي قطعوا فيها آلاف الأميال، وعانوا آلام العطش والجوع والحر وقلة وسائل الركوب وبعد الطريق.. ويحدثنا عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده «٣» . لقد كان جوب البادية- يقول درمنغم- صعبا، وجعل محمد ﷺ وجنوده يعسكرون بعد غروب الشمس المحرقة تحت عاصفة من الرمال جياعا عطاشا، وتوارى هؤلاء الجنود خلف جمالهم، مولين الرياح ظهورهم مدثرين بأرديتهم، متشبثين بالأرض، وخرج اثنان من العسكر فاختنق أحدهما واحتملت الريح الآخر. فلما أصبح الناس بدؤوا يزحفون منهوكين محمري العيون، مفطّري الأرجل، مجمّدي الريق، مدويي الآذان، مفريي الجلود، زالقين على ألواح حجرية سود، متخرقين لصخور بادية على شكل سوق الشجر.. وبلغ بعضهم من الهذيان ما صب معه في حلوقهم ووضع على صدورهم سوائل، أخذت من كروش الإبل «٤» .
انتهى المطاف بالمسلمين إلى تبوك في أقصى الشمال، ويبدو أن الروم
стр. 252
وحلفاءهم سمعوا أنباء هذا الجيش الكبير، وقدرته على اجتياز المصاعب، وإصراره على لقاء الأعداء فاثروا الانسحاب إلى الداخل، عبر أراضي الأردن وفلسطين، صوب حمص حيث استقر هرقل، مستهدفين- في الوقت نفسه- جر القوات الإسلامية إلى الداخل والانقضاض عليها هناك «١» . إلا أن الرسول ﷺ لم يتح لهم تحقيق هدفهم هذا وعسكر في تبوك جاعلا إياها آخر نقطة في توغله شمالا. ويذكر الواقدي أن النبي ﷺ شاور أصحابه في التقدم، فأجابه عمر بن الخطاب: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى وقد أفزعهم دنوك، فلو إنك رجعت هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله لك في ذلك أمرا «٢» .
وفي تبوك راح الرسول ﷺ يراقب الروم ويتحداهم أن يبرزوا له ويقاتلوه.
ويذكر المسعودي أنه جرت خلال ذلك مراسلات بين الرسول ﷺ وبين هرقل الذي كان يقيم آنذاك في حمص وربما في دمشق «٣» . ويشير درمنغم إلى أن اتفاقا سريا تم بين محمد وهرقل يقضي بسماح الأخير لعرب الشمال باعتناق الإسلام «٤» ، ويبدو أن درمنغم بنى استنتاجه هذا على رواية المسعودي آنفة الذكر وإن لم يكن من المستبعد أن يقرّ هرقل اتفاقا كهذا يخلصه من كثير من المشاكل التي بدأت دولة الإسلام تسببها لحدوده الجنوبية.
أخذ الرسول ﷺ يتصل في الوقت نفسه بزعماء القبائل النصرانية المنتشرة في المنطقة ويتلقى سفاراتهم، فيعقد معهم معاهدات الصلح والتعاون، ويقطع- بذلك- ولاءهم للدولة البيزنطية ويحولهم إلى مواطنين أو حلفاء للدولة الإسلامية، وهو الهدف الذي كان يطمح إلى تحقيقه منذ بدء صراعه مع الروم.
стр. 253
وكان ممن جاء إلى تبوك يوحنة بن رؤبة صاحب أيلة حيث صالح الرسول ﷺ ووافق على منحه الجزية. كما جاءه أهل جرباء وأذرح وأعطوه الجزية التي تعني إشعارا ماديا بانتمائهم إلى الدولة الإسلامية وقطع علاقاتهم وارتباطاتهم بمن سواها. وقد كتب الرسول ﷺ ليوحنة عهدا يمثل (نموذجا) للعهود التي كان يكتبها للجماعات النصرانية مانحا إياهم فيها حرية الدين والمواطنة على السواء، ومؤكدا على كونهم قد غدوا مرتبطين بالدولة الإسلامية وحمايتها وسلطتها: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر. فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» . كما وجه ﷺ خالدا بن الوليد على رأس كتيبة إلى أمير دومة النصراني المدعو أكيدر بن عبد الملك، فتمكن خالد من أسره وقتل أخيه والعودة بالأمير إلى رسول الله ﷺ فحقن الرسول دمه، وصالحه على الجزية، ثم أطلق سبيله فرجع إلى بلده «١» .
وبعد عشرين ليلة قضاها الرسول ﷺ وقواته في تبوك، قفل عائدا إلى المدينة بعد أن حقق بحركته الصعبة تلك انتصارا على الجبهة النصرانية- البيزنطية، لا يقل خطرا عن انتصاراته الحاسمة على جبهات الوثنية واليهودية. فقد كسب عددا من القبائل العربية القاطنة في جنوب الشام إلى جانب الدولة الإسلامية، وقطع علاقاتها بالروم، وأشعر القبائل الآخرى بمدى قوة الدولة الجديدة وامتداد نفوذها إلى قلب الديار التي كان أهلها يعملون لصالح سادتهم الروم، ويلعبون دورا خطيرا في مقاومة امتداد الإسلام صوب الشمال. ولم تكن محنة مؤتة سوى محاولة واحدة من عدد من محاولات هؤلاء العرب بوجه الإسلام. وها هم الآن- بعد تبوك- قد اقتنعوا بأن الاحتماء بالسلطة البيزنطية سوف لن ينقذهم من العقاب، فبدؤوا يتهافتون على الرسول ﷺ طالبين الصلح معه ودفع الجزية له!!
стр. 254
إلا أن الانتصار الأهم، هو أن استجابة الرسول ﷺ لتحدي الروم، وتقدمه لقتالهم وانسحابهم من طريقه، وانتظاره إياهم قرابة عشرين يوما دون أن يحركوا ساكنا، جاء ضربة قاصمة للسيادة البيزنطية في بلاد الشام، وإضعافا لمركزها الأدبي وسطوتها على القبائل العربية، وكسرا لجدار الخوف العربي من القوة البيزنطية، وهو انتصار نفسي حاسم مكن العرب، بعد سنين معدودات، من تجاوز ولائهم القديم والانطلاق لضرب البيزنطيين وإلحاق الهزائم بهم وطردهم إلى بلادهم التي جاؤوا منها.
إن غزوة تبوك تمثل خطوة من خطوات الحركة الإسلامية المسلحة صوب الخارج، وتخطيا لنطاق العرب وجزيرتهم إلى العالم، وبادرة متقدمة لحركة الفتوحات التي شهدها عصر الراشدين.
ولقد جاءت تجربة تبوك التي سماها المسلمون (غزوة العسرة) وقالوا إنها جاءت عسرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة، شبيهة بمحنة (أحد) ، نارا ممحصة على حريقها ووهجها تميز المنتمون إلى معسكر الإسلام، درجات بعضها فوق بعض، وهذا شأن كل معسكر في تاريخ البشرية، فليس بنو آدم ملائكة يقفون صفا واحدا ولكنهم يتميزون في إيمانهم وإخلاصهم وانتمائهم، تميزهم الانتصارات الحاسمة والإنكسارات الخطيرة وتفرّق بينهم تجارب الراحة والسعادة وآلام المحن والنكبات. فها نحن أولاء نجد، والرسول ﷺ يدعو المسلمين أن يتجهزوا للرد على التحدي البيزنطي عبر المجاعة والعطش وجحيم الصحراء وطريقها الطويل، أناسا يقفون في القمة، وآخرين يتحركون صعدا في منتصف الطريق لا يقدرون على الصعود خطوات أخرى إلى أعلى، وهم مع ذلك يحاولون ويحاولون، وفئة ثالثة حرنت في مواقعها لا تريد أن تسعى ولا أن تتحرك.. وهنالك في الأسفل، عند جدار المرتفع وفي منخفضاته، طوائف كثيرة من المنافقين والمنهزمين، يتخبطون كالحشرات والديدان دوارا على أنفسهم وبقاء في الحفر الضيقة!!
أنفق عثمان بن عفان- يومها- نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، بلغت- فيما ذكره البلاذري- سبعين ألف درهم «١» ، وتصدى بماله لمشكلة النقص الخطير في
стр. 255
وسائل الركوب.. فردّد الرسول ﷺ «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» وجاء أبو بكر بماله كله: أربعة آلاف درهم فقال له ﷺ : هل أبقيت شيئا؟ فأجابه: الله ورسوله أعلم. وجاء عمر بنصف ماله. يقول الواقدي: «ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف، وقووا أناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى أن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن كنّ النساء ليعنّ بكل ما قدرن عليه!! قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂ فيه أسورة ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم..
مما يبعث به النساء يعنّ به المسلمين في جهازهم..» «١» .
وجاء سبعة من الأنصار من فقراء بني عمرو بن عوف، وتوسلوا إلى الرسول ﷺ أن يحملهم على الدواب، فأجابهم (لا أجد ما أحملكم عليه) فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ولقي رجل من أهل المدينة اثنين منهما يبكيان فسألهما (ما يبكيكما؟) أجابا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما جملا له يستقي عليه الماء، وزودهما بشيء من التمر، فارتحلا الجمل وخرجا مع رسول الله ﷺ «٢» .
ورجع أبو خيثمة، بعد أن سار رسول الله ﷺ أياما، إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستانه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله ﷺ في الشمس والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟ ما هذا بالنصف. والله لا أدخل عريش واحدة منكما حق ألحق برسول الله ﷺ . فهيئا لي زادا «٣» .
وأبو ذر!! لما أبطأ عليه بعيره، تعبا وإرهاقا، أخذ متاعه فحمله على ظهره وخرج يتبع أثر المسلمين ماشيا!! وفي مكان ما من الصحراء الممتدة نظر ناظر من
стр. 256
المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا رجل يمشي على الطريق وحده، فقال الرسول ﷺ بحدسه العميق: كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر. فقال الرسول ﷺ : (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده) «١» .
وهنالك من أبطأت بهم نياتهم عن الاستجابة للنداء، ولكن من وراء نياتهم وأفعالهم الظاهرة هذه قلوب يعمرها الإيمان والرغبة في العطاء والندم العميق على أي تهاون أو تفريط. ومن منا لم يسمع قصة الثلاثة المخلفين: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية؟!
قال كعب بن مالك، فيما رواه البخاري: «لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك ... حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ.. ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا ... وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت بهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء» ..
«فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. فجئته فلما سلمت عليه تبسّم تبسم المغضب ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد
стр. 257
أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» .
«فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما كنا علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون.. فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا نعم، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي» .
«ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه ... حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فو الله ما ردّ عليّ السلام.. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام- ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة- يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأتها، وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها..» .
«حتى إذا كملت خمسين ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، وصليت الفجر، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت
стр. 258
عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون.. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة.. حتى دخلت المسجد، فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال:
لا بل من عند الله، وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.. فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألاأحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا وأني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت..» «١» .
وهنالك من ظلوا يتخبطون في بدايات الطريق ولا يقدرون على الخروج من حفره الضيقة: المعذرون من الأعراب الذين جاؤا يلتمسون الأعذار من الرسول كيلا يذهبوا إلى القتال فلم يعذرهم الله، والمنافقون الذين راحوا يروجون شائعات الخوف والجبن والتردد، ويهمس بعضهم في أذن البعض الآخر: لا تنفروا في الحر!! ولقد تحدث عنهم القرآن فيما بعد، بضربات كاوية كجمرات جهنم وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢» ، وعند ما انطلقوا مع زعيمهم عبد الله بن أبيّ، ما لبثوا أن انقلبوا عائدين في أول الطريق «٣» وزعيمهم يردد «يغزو محمد بني الأصفر، مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به، يحسب محمد أن قتال بني
стр. 259
الأصفر اللعب؟! والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال ... » «١» !!
ضربة في الصميم من ضربات النفاق وهو يزحف في الظلمات بطيئا بطيئا، ليلدغ على حين غفلة، كما تلدغ العقارب والحيات «٢» .
انكسر تحدي الروم المعلن للدولة الإسلامية، في أعقاب تبوك، ولم يستطيعوا ولا حلفاؤهم من نصارى العرب أن يتحركوا أو يقوموا بعمل عسكري، سيما وأن الرسول ﷺ قد أقام- بمحالفاته ومصالحاته مع القبائل النصرانية في الشمال- جدارا يصد العدوان ويكبته.. لكن بعض أمراء العرب في الأردن وفلسطين، من أجل إرضاء سادتهم، راحوا يتحرشون بدعاة الإسلام ورجاله في المنطقة ويصدونهم عن أداء مهمتهم. وقد ذكر ابن سعد- على سبيل المثال- أن فروة بن عمرو الجذامي، عامل قيصر على عمان من أرض البلقاء، أعلن إسلامه، رغم أنه لم يتلق كتابا من الرسول ﷺ ، وكتب إلى النبي ﷺ بإسلامه كتابا حمله رسولا من قومه يدعى مسعود بن سعد. فقرأ النبي الكتاب ورد عليه بكتاب من عنده، وأجاز المبعوث بمبلغ من الدراهم ردا على الهدية التي تلقاها من الأمير العربي «٣» . ولما بلغ أمبراطور الروم إسلام عامله دعاه وقال له: ارجع عن دينك بملكك. فأجاب فروة: لا أفارق دين محمد، وإنك تعلم أن عيسى قد بشر به، ولكنك تضن بملكك. فحبسه الأمبراطور ثم أخرجه وصلبه «٤» .
[٧]
في الفترة التالية انهمك الرسول ﷺ باستقبال الوفود القادمة إلى المدينة من كل مكان، وكان من بينها وفد نجران النصرانية «٥» الذي توجه إلى المدينة في أعقاب كتاب بعثه إليهم الرسول ﷺ ، جاء فيه: «.. إني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة
стр. 260
العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام» «١» . وكانت النصرانية تسود جنوبي الجزيرة كما تسود شماليها فرأى المسلمون وهم في حرب مع دولة الروم أن يحددوا موقفهم مع نصارى الجنوب خصوصا وأن الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك، ويبنون لهم الكنائس، ويشجعونهم على المضي في تنصير القبائل المتوطنة في هذه الأرجاء «٢» .
كان الوفد يضم أربعة عشر رجلا من أشراف النصارى، دخلوا المسجد بأرديتهم الملونة الثمينة، فسلموا على الرسول ﷺ فردّ ﵈، ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم شيئا من القرآن، فأبوا ودخلوا معه في مناقشات عقيمة تضيع في لجتها ملامح الحق البين الذي جاء به القرآن. من ذلك قولهم له وقد عرض عليهم الإسلام: إنا قد أسلمنا قبلك! فقال مخاطبا السيد والعاقب راهبي نجران: كذبتما!! يمنعكما من الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير وعبادتكما الصليب وقولكما لله ولد. قالا: فمن أبو عيسى؟ فلم يجد الرسول ﷺ إزاء ذلك إلا أن يوقف جدلا كهذا لا يوصل إلى نتيجة، ويعرض عليهم- بدلا من ذلك- المباهلة التي حددتها آيات القرآن الكريم التي تنزلت لكي تحسم أمرا لا يحتمل مناقشة ولجاجا: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «٣» .
وكانت المباهلة تقضي بأن يجتمع الطرفان على صعيد واحد ويستنزلا لعنة الله وغضبه على الفئة الكاذبة. إلا أن رجال الوفد النصراني تخوفوا عاقبة الأمر وقال زعيمهم: «إني أخاف أن يكون صادقا» . ومما لا ريب فيه أن النبي ﷺ قد تلا عليهم آيات آل عمران القوية النافذة، وخاطبهم بما في نطاقها، ودعاهم إلى ما أمر أن يدعوهم إليه من استنزال سخط الله على الكاذبين، ومن أن يجتمع الطرفان ويعلنا معا أنهما لا يعبدون إلا الله ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دونه فإن لم
стр. 261
يعلنوها معه فليعلنها هو، باسمه وباسم أتباعه. ومضمون الآيات «١» وروحها يلهمان أن النبي كان في موقف القوي المطمئن بقوة موقفه وصحة دعواه والمستعلي على مناظره بالحجة الدامغة والتحدي المفحم والدعوة التي لا يردها إلا الممتري. وهنالك الكثير من الإضافات المناقضة للمعقول والمنقول ترد حول مسألة المباهلة (أو الملاعنة) رغم أن ابن هشام الذي انفرد بتفصيل خبر المناظرة لم يذكر أن النبي ﷺ استعد للمباهلة لأن أسلوب الآية لا يقتضي ذلك، وهو أسلوب تحد وإفحام «٢» .
وقد ارتأى الوفد النصراني أن يعرض على الرسول ﷺ الحكم فيهم بما يراه، فصالحهم ﷺ وكتب لهم عهدا يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية، لم يفرض عليهم سوى جزية عينية قدرها ألفي حلّة في السنة وقد جاء فيه « ... ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لا يغيروا أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته ولا واقفا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ... ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ... ولا يؤاخذ أحد منهم بظلم آخر. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم..» «٣» . وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح إذ كانوا كالأتباع لهم «٤» .
وبتلك المعاهدة السمحة «٥» قطع الإسلام الصلة بين أولئك العرب المتنصرين وبين دولة الروم التي يشتبك معها في الحرب، بعد ما ضمن الحرية
стр. 262
الدينية لمن سالموه وكفوا عنه. ترى- يقول الغزالي- هل احترم أهل الكتاب ما عليهم من واجب، وهل أنصفوا الدين الذي رعى ذمامهم؟ كلا!! فإنهم سرعان ما راحوا يساعدون على إشعال الثورات في جنوب الجزيرة، كما كاتبوا الأسود العنسي (المتنبىء) فسار إليهم في طريقه إلى اليمن ... تماما كما فعل نصارى تغلب في تأييدهم مسيلمة الكذاب حين ادعى- هو الآخر- أنه نبي!!
.. ولم يكن الأمر إيمانا منهم بهذه النبوات الزائفة ولكنه الإعانة على حرب الإسلام بأي سلاح ومع أي حليف «١» .
[٨]
وما أن أتم الرسول ﷺ لقاآته بالوفود العربية القادمة إليه من كل مكان، وحج بأتباعه حجة (الوداع) ، حتى قام بتجهيز جيش كبير في مطلع السنة الحادية عشر للهجرة في أعقاب عودته من مكة، وأمّر عليه القائد الشاب أسامة بن زيد بن حارثة تقديرا من الرسول ﷺ للكفاآت الشابة، ورفضا لسلم الطبقات الاجتماعية الذي لا يسمح لمن كان آباؤهم عبيدا يباعون ويشترون، أن يتولوا قيادة السادة!! وردا عمليا على محنة المسلمين في مؤتة حيث كان زيد بن حارثة، والد القائد الشاب، قد شاط في رماح القوم!! وأمر الرسول ﷺ مولاه أسامة أن (يوطىء) الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين.
وانطلق أسامة ومن ورائه زهرة قوات المسلمين، لم يتخلف منهم أحد، وعلى رأسهم المهاجرون الأولون «٢» .
تقدم أسامة باتجاه الشمال وعسكر في (الجرف) على بعد فرسخ من المدينة، ريثما يتم تجميع المقاتلين، وهناك بلغته أنباء مرض رسول الله ﷺ فتوقف عن المسير وظل معسكرا بجنده لينظر ما الله قاض برسوله ﷺ . ولم يطق المسلمون وقائدهم صبرا على البقاء والانتظار، ورسولهم يعاني الآلام، فهبطوا عائدين إلى المدينة. ودخل أسامة على رسول الله ﷺ ، وقد عجز عن
стр. 263
الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ويضعهما على أسامة.. وعرف أسامة أنه يدعو له «١» .
وعما قليل، حينما لحق الرسول ﷺ برفيقة الأعلى، وتولى أبو بكر الصديق ﵁ قيادة الأمة التي صنعها محمد بن عبد الله ﷺ وتحركت بوادر الارتداد عن الطريق «واشرأبت- كما تقول عائشة ﵂ اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية» «٢» ، أعلن أبو بكر أنه سيقف بوجه الردة وسيقاتلها ولو تخطفته الذئاب!! وأصر في الوقت نفسه على أن يمضي جيش أسامة إلى هدفه، كما أراد رسول الله ﷺ . وعند ما اعترض عليه الصحابة بأن قاعدة الإسلام مهددة من كل جانب، ولا جيش فيها، قال خليفة رسول الله ﷺ : «ما كنت لأرد جيشا جرده رسول الله ﷺ » .. ومضى أسامة وأوطأ، كما أمره رسوله ﷺ ، خيول المسلمين تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ووضع خطواته الأولى على الطريق التي سيجتازها الفاتحون عما قريب صوب بلاد الشام، يحملون معهم تعاليم الإسلام ونداء رسوله الكريم..
стр. 264
الفصل التاسع الصراع ضد اليهود
[١]
كما هو الحال بشأن النصارى، فإن العلاقات بين المسلمين واليهود ترجع في بداياتها الأولى إلى السنين التي شهدت طفولة محمد ﷺ ، بما تضمنته كتب اليهود ومصادرهم الدينية من تأكيد على النبوة الجديدة والأخيرة في تاريخ النبوات، وإن لم تصرّح جميعا ماذا سيكون هذا النبي: يهوديا أم غير يهودي؟.
عن زيد بن أسلم قال: بلغنا أن عبد الله بن سلّام كان يقول إن صفة رسول الله ﷺ في التوراة: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لس بفظ ولا غليظ ولا صخب بالأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملّة المتعوّجة بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا» . فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال: صدق عبد الله بن سلام إلا أنها بلسانهم:
«أعينا عموميين وآذانا صموميين وقلوبا غلوفيين» «١» . وفي البلاذري عن عبد الله بن سلّام أن أباه كان يردد: إن كان النبي القادم الذي يجدون صفاته في كتبهم من ولد هارون اتبعته وإلا فلا «٢» ..
ونقرأ في التوراة، سفر حجّي، الإصحاح الثاني « (٦) لأنه هكذا قال رب الجنود هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة (٧) وأزلزل
стр. 265
كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت عدلا قال رب الجنود» . وقد جاء في حاشية الأصل العبري «مشتهى كل الأمم حمدوت، أي الذي تحمده كل الأمم» . فالتوراة إذن صرحت باسم محمد (حمدوت) ، ولكن الترجمة أبعدت لفظة محمد لتضع مكانه مرادفا يصرف الذهن عن الاسم الحقيقي هو (مشتهى كل الأمم) . وفي سفر التثنية الإصحاح ١٨، فقرة ١٥ نقرأ «يقيم لك- لموسى- الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلك له تسمعون» ، ويقول في الفقرة ١٨ «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به» ، وهي عبارة مجملة فسرها اليهود بمجيء رسول منهم لا من ولد إسماعيل. وكأن الله تعالى جعل هذه العبارة مجملة وألهمهم هذا التفسير، حفظا لهذه البشارة، لأنهم لو عرفوا أن الرسول المبشر به سيكون من ولد إسماعيل لأخفوها أو محوها. وقد أثبتت الأيام أن الرسول المبشر به هو محمد ﷺ «١» .
وورد في سفر التثنية- أيضا- ٣٣/ ٣ «جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ في جبل فاران» ، وتلك هي الرسالات الثلاث لموسى والمسيح ولمحمد ﷺ وهذا مصداق قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لأن منبت التين والزيتون مهجر إبراهيم ومولد عيسى ﵇، وطور سيناء مكان مناجاة الله تعالى لموسى، وفاران في مكة مولد الرسول ﷺ «٢» .
هذا فضلا عن الروايات التاريخية العديدة التي تحمل إرهاصات مجيء الرسول الجديد وصفاته. فعن عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:
«إنما دعانا إلى الإسلام ما كنا نسمع من يهود أنه قد تقارب زمان نبي يبعث فيقتلكم قتل عاد وأرم» . وعن سلمة بن سلامة الذي شهد بدرا قال: كان لنا جار من يهود بني عبد الأشهل، أشار بيده إلى مكة واليمن وقال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، قالوا: من يراه؟ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا فقال: إن يستكمل هذا الغلام عمره يدركه. قال سلامة: والله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا. وهذا ابن الهيبان من يهود الشام خرج من الشام إلى الحجاز، وحل في
стр. 266
بني قريظة ثم توفي قبل البعثة بسنتين، ولما شعر أنه ميت لا محالة قال: يا معشر يهود ما ترون أخرجني من (الشام) إلى أهل البؤس والجوع (الحجاز) ؟ قالوا: أنت أعلم، قال: إنما قدمت هذه الأرض أتوكف- أتوقع- خروج نبي قد أظل زمانه، وهذه أرض مهاجره، وكنت أرجو أن يبعث فأتبعه «١» .
من أجل ذلك راح اليهود يعلنون، بين الحين والحين، عن قرب ظهور النبي الأخير، ويتباهون بذلك، ويهددون بالانتماء إليه، ويتوعدون مخالفيهم، من أجل مزيد من السيطرة والإذلال واحتكار المقدرات المادية والمعنوية لمئات الآلاف من العرب المحيطين بهم كجزيرة منقطعة «٢» . ولم يكن الكثيرون من أحبار اليهود يتوقعون أن النبي الجديد سيجيء هذه المرة من سلالة أخرى غير السلالة اليهودية المعروفة، وأنه بانتمائه العربي سيشكل خطرا ماحقا على وجودهم المستغل، وبدعوته العالمية المفتوحة سيكتسح تجمعاتهم القومية المغلقة، وبمبادئه العادلة الواضحة سيفضح طقوسهم وأسرارهم التي يرتزقون منها ويضمنون بقاءهم في المراكز العليا لبني قومهم.
وما أن حان الموعد، وحلّ الأجل المضروب في التوراة والإنجيل، ولم يظهر في اليهود النبي الذي ظنوه منهم، وولد محمد ﷺ يحمل علامات نبوته المادية والأدبية، حتى بدأ اليهود يتخوفون من أن تخطىء ظنونهم، وألاتكون النبوة فيهم فيصابون بخسارتين.. وأصبح الطفل الذي سيبعث إلى العالم في خطر دائم من مكر اليهود وعرقيتهم التي تتيح لهم اتخاذ أي أسلوب، مهما كان دنيئا، لوقف كل ما يتهدد مصالحهم ووجودهم، حتى لو كان هذا الأسلوب القتل والغيلة. وهذا هو الذي يفسر لنا تحذير الراهب النصراني بحيرا لأبي طالب «ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنّه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم» «٣» .
إن قصة بحيرا، إذا ما أسقطها النقد من الحساب، فإن دلالة واحدة فيها
стр. 267
تظل باقية، تلك هي (التحذير) مما قد يمكن أن يفعله اليهود إزاء أي مخلوق ليس منهم قد يظنّون به النبوّة.
[٢]
وبعث الرسول ﷺ بعد أربعين سنة من ميلاده، وخاض بدعوته، في مرحلتيها السرية والعلنية، جهادا قاسيا ضد الوثنية التي استخدمت كل أسلوب لوقف نشاطه ووأد حركته. ورغم قلة الروايات وانعدامها أحيانا، فإننا نستطيع أن نجزم بأن اليهود وقفوا طيلة الصراع المكي، الذي دام ثلاثة عشر عاما، وراء قريش يتبادلون معها الوفود ويتصلون بها سرا من أجل أن يشددوا قبضتهم على النبي العربي، وأن يشلّوا حركته قبل أن يشتد ساعدها وتغدو قادرة على اكتساح كل ما يقف في طريقها، ليصدّها عن هدفها المحتوم، وثنيا كان أم يهوديا.
يذكر إسرائيل ولفنسون «١» أن المراجع العربية لم تشر إلى حركات يهود يثرب ونيّاتهم إزاء بيعة العقبة الكبرى، كأن الدعوة الإسلامية لم تصل إليهم وكأنهم لم يقفوا على شيء من أعمال البطون اليثربية العربية، ونحن نرجح أن اليهود لم يغافلوا عن تلك الحركة لأنها متصلة بمصالحهم السياسية والتجارية والاجتماعية، خصوصا إذا لا حظنا اتجاه الدعوة الإسلامية صوب المدينة وميل زعماء الخزرج إلى الاتصال بالرسول.. ونحن نعلم ما كان بينهم وبين اليهود من الحقد مما جعل زعماء بني النضير وقريظة يراقبون حركاتهم جميعا.. ثم نعلم أن الإسلام لم ينشر خفية في يثرب، وكيف أن مصعب بن عمير كان يدعو الناس إلى الله ورسوله على مرأى من جميع البطون.. ثم إننا نعلم أن عددا من تجار اليهود كان يشترك في مواسم الحج، فمن البعيد إذن أن يجهل اليهود تلك الشؤون كما صورتهم كتب الأخبار.. وكانت العلاقات بين اليهود وبين قريش في غاية الصفاء لذلك نفرض أنه إذا لم يفلح زعماء قريش في استمالة زعماء الخزرج فإنهم لا بد ذاهبون للتقرب من بعض زعماء اليهود ليعلموا على إحباط أعمال المسلمين في المدينة، وكذلك كان، فإن الذي يتأمل ما جرى بين كعب بن الأشرف زعيم بني النضير وبين الرسول يرى أن ذلك الرجل كان يقاوم الحركة الإسلامية منذ وصلت
стр. 268
أرض يثرب، والعداء الذي استفحل أمره بين الجبهتين يؤيد ما نقول.
إلا أن محاولات الوثنية وحليفتها اليهودية أخفقت، وأعقب كفاح الرسول ﷺ الدائب وثبات أصحابه وصمودهم انتصارا عظيما تمخض عن الهجرة إلى يثرب وإنشاء دولة الإسلام فيها. ولم يكن يهود يثرب بقادرين- أول الأمر- على إعلان مجابهتهم المكشوفة للدولة الناشئة، وأتباعها من عرب المدينة يزدادون كثرة يوما بعد يوم، ولم يكن من مصلحتهم أيضا أن يتولوا بأنفسهم كبر مقاومة الإسلام، وقريش لا تزال على قوتها وقدرتها على الضرب. فلتلق تبعة الصراع إذن على قريش، وليظل اليهود في المواقع الخلفية يشاهدون الصراع ويخططون على ضوء نتائجه المتوقعة، حتى إذا ما وجدوا ثغرة لضرب الإسلام تسللوا منها لتسديد طعنة إليه، أو لمسوا ضعفا وإنهاكا انقضّوا يضربون ويطعنون.. وهكذا وافقت معظم القبائل اليهودية على الدستور الذي طرحه الرسول ﷺ لتنظيم الأمور السياسية والمدنية في يثرب ودخلوا أطرافا فيه كي يتيحوا لأنفسهم فترة من الوقت يستردون فيها أنفاسهم إزاء السرعة التي كانت الأحداث تتحرك بها. ورغم أن هذا الميثاق كان ينص- فيما ينص عليه- على إسهام اليهود مع المسلمين في صدّ أي عدوان قرشي يقع على المدينة، تعظية النفقات المالية للقتال، فإن اليهود لم ينفذوا هذا البند ماليا ولا عسكريا.. ولم يشأ الرسول ﷺ أن يلح عليهم لتنفيذه ما دامت استراتيجيته في الصراع تقوم على عدم ضرورة فتح أكثر من جبهة والدولة الإسلامية لم يشتد ساعدها بعد. المهم أن يجمد اليهود نشاطهم ضد الإسلام كي يتفرغ الرسول ﷺ للمجابهة الحاسمة مع قريش. وهذا ما يفسر لنا جواب الرسول ﷺ للأنصار يوم أحد عندما سألوه:
يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا اليهود؟ فكان جوابه: لا حاجة لنا فيهم «١» .
كان الغرض الذي يرمي إليه الرسول ﷺ من وراء الصحيفة وما إليها من العهود التي عقدها مع بطون يثرب هو هدم النظام القديم وإيجاد نظام جديد يمكن أن تتوحد به العناصر اليثربية، وأن تعود يثرب بعد فرقة أحيائها مدينة واحدة. فقد كانت يثرب منقسمة إلى عدة دوائر، وكانت كل دائرة تابعة إلى بطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين يشتمل القسم الأول منها على الأراضي الزراعية
стр. 269
بمنازلها وسكانها.. ويشتمل ثانيها على الآطام (أي الحصون) التي كانت ملكا خاصا بالأسر العريقة، وكان رئيس الأسرة صاحب السلطان في الأطم، كما كان يعتبر زعيما من زعماء البطون «١» .
ويلاحظ أن الصحيفة قد ذكرت اليهود الموالين للبطون العربية وأهملت ذكر القبائل الآخرى من اليهود وذلك يتفق تماما مع ما كانت عليه الحالة السياسية في يثرب، فإن البطون اليهودية الصغرى كانت قد دخلت في أحلاف مع الأوس أو مع الخزرج وذلك بعد سيادة هؤلاء في يثرب. أما قبائل اليهود الكبرى الثلاث «٢» فقد اعتزت بقوتها وبقيت محتفظة بشخصيتها، ثم إنها ناوأت الإسلام وأظهرت عداءها. ومع ذلك فقد وضعت الصحيفة بندا هاما لدخول اليهود في الدولة احتمالا لما قد يحدث من دخول هذه القبائل في النظام الجديد. وفعلا ألحقت هذه القبائل بالدولة في محالفات ملحقة «٣» .
وقد أشار المؤرخون إلى هذه المحالفات وإن لم يذكروا نصها، ويبدو أن نصوصها لم تكن تختلف عن الجوهر العام لنصّ الصحيفة، والأرجح أن هذه القبائل اليهودية لم تعاهد النبي في وقت واحد، فقد ذكرت المصادر أن بني قينقاع حين أجلاهم النبي ﷺ بعد بدر كانوا هم أول من نقض العهد. ولعل المعاهدات التي وقعها النبي ﷺ مع هذه القبائل لم تكن تشترط عليها أن تشارك معه في القتال، وهذا أمر طبيعي بعد أن فسدت الأمور بين المسلمين واليهود، فلم يكن النبي يثق باليهود حتى يشترط عليهم أن يشاركوا معه في الحرب، والدليل على ذلك أن اليهود لم يشاركوا فعلا في حروب النبي، وأن النبي رفض الاستعانة بهم يوم أحد كما رأينا. ونحن لا نوافق على ما ذهب إليه ولفنسون «٤» وغيره من أن النبي قد غضب على بني النضير لعدم اشتراكهم معه في موقعة أحد، لأن بني النضير كانت قد بدأت منهم الخيانة وممالأة العدو قبل أحد، كما حدث في غزوة السويق، فلم يكن النبي يقبل والحالة هذه أن يشاركوا في جيشه حتى لا يتعرض
стр. 270
لخيانتهم في ميدان القتال «١» .
وفي أعقاب الهجرة، ولفترة من الوقت، سارت العلاقات بين الرسول ﷺ واليهود سيرا حسنا، وكان الرسول ﷺ يطمح من جهته أن يتفهم اليهود دوافع حركته الدينية وأهدافها والعوامل المشتركة التي تربط الأديان السابقة، بما فيها اليهودية، بالإسلام، لا سيما وأنهم يرون بأم أعينهم في صفحات كتبهم تلك التأكيدات المستمرة على نبوة محمد ﷺ . وقد أدى المصدر الواحد لكلا الدينين إلى أن تمارس بعض الطقوس والشعائر الإسلامية وفق بعض (الأشكال) التي يمارسها اليهود ... وهذا أمر منطقي بطبيعة الحال بالنسبة للدعوة الجديدة التي جاءت لتعلن أكثر من مرة أنها ليست سوى امتداد على نفس الطريق للدعوة الدينية الكبرى التي بدأها إبراهيم ﵇ ونادى بها فيما بعد موسى وعيسى ﵉. ومن هنا يبدو الخطأ الساذج الذي وقع فيه عدد كبير من الكتاب والمستشرقين، نذكر منهم على سبيل المثال بروكلمان الذي يقول: «تأثرت اتجاهات النبي الدينية في الأيام الأولى من مقامه في المدينة، بالصلة التي كانت بينه وبين اليهود، وأغلب الظن أنه كان يرجو عقب وصوله إلى المدينة أن يدخل اليهود في دينه، وهكذا حاول أن يكسبهم عن طريق تكييف شعائر الإسلام بحيث تتفق وشعائرهم في بعض المناحي» «٢» .
وقد أمّل اليهود، في مطلع العهد المدني، وقد رأوا هذا التعاطف الإسلامي إزاءهم دون أن يفهموا أسبابه العميقة، أن الرسول ﷺ ربما يقر بأرجحية العقيدة التي يؤمنون بها، وأنه سيتركهم وشأنهم مكتفيا بتشكيل وحدة يثربية تضم الطرفين وتحمي مصالحهما المشتركة بوجه العرب المشركين في الداخل والخارج، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك وظنوا أنهم ربما تمكنوا يوما من استمالة الرسول ﷺ إليهم وإدخاله وصحبه في دينهم!! إلا أن ظنهم سرعان ما خاب عندما أدركوا أن محمدا ﷺ ليس مجرد زعيم يحترف السياسة ويعتمد كل أسلوب لتحقيق أهدافه، وإنما هو صاحب رسالة عظمى إزاء العالم كله.. رسالة تتجاوز تعاليمها ومتطلباتها الحدود الإقليمية ليثرب، أو حتى الجزيرة العربية كلها، باتجاه الإنسان في كل مكان. وازداد الأمر وضوحا عندما توالت دعوات الرسول ﷺ وتأكيداته
стр. 271
على ضرورة دخولهم الدين الجديد، إن أرادوا الحفاظ على جوهر يهوديتهم التي حملها موسى إلى بني إسرائيل، وعندما راحت آيات القرآن الكريم تنزل سخطها وغضبها على ما يمارسه اليهود بحق دينهم وكتبهم من تزييف وتحريف من أجل أن يحموا مصالحهم ويضيفوا إلى أموالهم أموالا. أضف إلى ذلك ما كان يلقاه الإسلام من انتشار متزايد في يثرب وأطرافها، الأمر الذي كان يعني عزل اليهود والحد من نشاطهم الديني والاقتصادي على السواء، فضلا عن الوحدة العميقة التي أنشأها الإسلام بين الأوس والخزرج وسدّ بها الطريق على اليهود واستغلالهم الفاجر للصراع الدامي بين الحيين.
وبدأ يتضح لليهود، يوما بعد يوم، المصدر الأساسي للخطر الذي تشكله الدعوة الجديدة بمواجهة اليهودية.. إن النبي يدعو إلى (توحيد) غير الذي يؤمن به اليهود، على أساس قومي استعلائي مغلق، من أن الله الواحد هو إله إسرائيل الذي اختارهم لنفسه من دون الناس، وبذلك كانوا يرون لأنفسهم ميزة على الناس وكانت أمنيتهم دوما أن يجدوا من يأتي بما يهوون من سيطرة ونفوذ لا بما تتطلبه الدعوة من إصلاح وخير يعم الناس جميعا، ومن أجل ذلك كذبوا أنبياءهم وحاربوا المسيح ﵇ وسعوا إلى قتله، فإذا ما جاء محمد فدعا إلى هذا الإله الواحد للناس جميعا، بغضّ النظر عن أجناسهم، فإنه بذلك يزيل عن بني إسرائيل هذه الميزة التي يستفتحون بها على الآخرين، وإذن فلا تهادن بينهم وبين محمد الذي يسعى إلى تحطيم تلك القواعد المقررة التي سار عليها اليهود، فقامت بينهم وبين النبي ﷺ محاجات ومجادلات ما لبثت أن اتخذت من جانبهم موقف التحدي والمعاندة، بل إنهم اندفعوا في عدائهم فتورطوا في تفضيل الأصنام على التوحيد «١» .
ورغم أن ولفنسون أكد على خطورة مبدأ (التوحيد) الإسلامي وعالميته إزاء «العقلية اليهودية التي لا تلين أمام شيء يزحزحها عن دينها، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبي من غير بني إسرائيل» ، إلا أنه يقع في خطأ القول بأن الرسول ﷺ لو لم يكلف اليهود الاعتراف برسالته، ولو وقفت تعاليمه عند حد محاربة الوثنية فحسب، لما وقع نزاع بينهم وبين المسلمين، ولكانوا قد نظروا بعين ملؤها
стр. 272
التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول ﷺ ولأيدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم حتى يحطم الأصنام ويقضي على العقائد الوثنية.. ويمضي ولفنسون إلى القول بأن هذه (المسألة) يجب ألا تغرب عن الأذهان لأنها أساس كل ما حدث بين اليهود وبين الرسول من خلاف ونزاع، ولولا وجودها لما حدث شيء من الخلاف، أو لكان في الإمكان أن يتلافى ما قد ينشأ من ذلك. ونلاحظ هنا على معظم المستشرقين أنهم أهملوا هذه النقطة الجوهرية في بحثهم عن أسباب الخلاف بين الرسول ﷺ واليهود، مع أنه مما لا شك فيه أنه إذا أهملت هذه النقطة فلا سبيل مطلقا للبحث في هذا الموضوع «١» .
وفاتت ولفنسون حقيقة على درجة كبيرة من الأهمية تلك هي أن طبيعة الدعوة الإسلامية المنفتحة على العالم، وانتماء نبيها إلى العرب، وقيام دولتها في قلب المنطقة التي تتحرك فيها مصالح اليهود ونشاطاتهم المختلفة، يشكل بحد ذاته خطرا كبيرا على اليهود في دينهم ودنياهم على السواء، حتى لو لم يدعوا إلى الإسلام، لأن نجاح الإسلام كفيل بحد ذاته بحصر اليهود وعزلتهم وكشفهم أمام العالم، ومن ثم ضرب وجودهم ومصالحهم في الصميم، الأمر الذي دفعهم، بعد وقت قصير من إدراكهم أبعاد هذا الخطر، إلى أن يقفوا إلى جانب الوثنية ويمتدحوا أصنامها بمواجهة التوحيد الذي جاء به الإسلام.. ومن ثم فإن ولفنسون يناقض نفسه عندما يشير إلى انغلاق العقلية اليهودية من جهة وسكوتها، بل تعاونها- لو لم تدع إلى الإسلام- مع هذا الدين الذي جاء لكي (يفضح) المزاعم الدينية التحريفية التي مارسها اليهود طويلا، ولكي ينفتح على الإنسان والعالم ويقضي في طريقه على أسطورة (شعب الله المختار) وما يتمخض عنها لصالح اليهود من مكاسب لا يحصيها عد «٢» !!
هذه هي الحقيقة (النقطة الجوهرية) في البحث عن أسباب الخلاف بين الرسول ﷺ واليهود والتي إذا ما أهملت- دون غيرها- فلا سبيل مطلقا للبحث
стр. 273
في هذا الموضوع!! وسيؤكد سياق الأحداث هذا الذي نذهب إليه.
ومن هذا الخطأ يجد ولفنسون وعدد من المستشرقين أنفسهم مسوقين إلى خطأ آخر، وهو أنه ما دام القتال قد نشب بين المسلمين واليهود في أعقاب بدر فإن معنى هذا أن اليهود كان عليهم أن يندمجوا في الدين الجديد أو أن يجابهوا (بحرب دموية) حتى يفنوا أو يجلوا إلى مكان بعيد.. وأنه ما دام قد وقع قتال بين الطرفين فإن معنى هذا «أن المهاجرين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر نتيجة مقاومة اليهود في يثرب لأن حالتهم كانت سيئة جدا، إذ لم يكن لهم مال ولا مزارع ولا منازل بل كانوا يسكنون مع الأنصار من الأوس والخزرج» «١» .
وفات هؤلاء المؤرخين أن طبيعة التعارض العقائدي بين الدينين اللذين يقوم أحدهما على (الانفتاح الكامل) والآخر على (الانغلاق الكامل) كان لا بد وأن يؤول إلى صراع حاسم من أجل انفراد أحدهما بالكلمة العليا، حتى لو كان المهاجرون يسكنون القصور الفخمة ويأكلون أحسن الطعام!! وهل بالإمكان- فوق هذا كله- أن يتناسى المؤرخ الجاد أن الرسول ﷺ لم يكن يشن حربا إلا ضد الفئة اليهودية التي تبدأ بالعدوان، أو أن يتجاهل مغزى إصدار الدستور الذي منح اليهود حريتهم الدينية والمدنية الكاملتين دون قيد زمني مشروط؟
[٣]
بدأ النزاع بين النبي ﷺ واليهود بالمناقشة الدينية المتبادلة بين الطرفين، فكان أحبار اليهود يوجهون الأسئلة إلى رسول الله ﷺ ويصلون فيها إلى حد التعنت، وكان القرآن ينزل فيما يسألون عنه، وكانوا يطالبون النبي ﷺ بأن يأتي إليهم بالمعجزات. ثم انتقلت المناقشة إلى مخاصمة كلامية فجعل التنزيل يلوم اليهود ويعنفهم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ «٢» . ثم ظهرت العداوة، فأخذ النبي ﷺ يطعن في يهود يثرب، وأخذ اليهود يرمون الأنصار بقوارص الكلم.. وهكذا اشتد النفور حتى كانت المخاصمات تقع بين اليهود
стр. 274
والأنصار في الشوارع. ولم يمض ثمانية عشر شهرا على قدوم النبي ﷺ إلى يثرب حتى تليد الجو بالغيوم الكثيفة وجعل كل فريق يتواصى بالحذر والنفور من الفريق الآخر «١» .
وزاد الأمر توترا انضمام المنافقين إلى اليهود في حربهم النفسية مع المسلمين. ولقد جاء في الآيات الأولى من سورة البقرة، التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول وبصدد الحديث عن المنافقين وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، فقد قال جمهور المفسرين إن شياطينهم هم اليهود، ويدل هذا على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق أو شجعوهم في مواقف الخداع، وعلى أن النبي ﷺ والمسلمين لم يغب عنهم ذلك «٢» .
وبلغ الجدل بين محمد ﷺ واليهود مبلغا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه، فقد نزل إحدى وثمانون آية من سورة البقرة، وقسم كبير من سورة النساء وكله يذكر هؤلاء اليهود وإنكارهم لما في كتابهم ويلعنهم، لكفرهم وإنكارهم، أشد اللعنة «٣» .
ولم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، ولم يكفهم فتنة الناس عن دينهم، ومحاولة ردهم إلى الشرك، دون تهويدهم، وصدهم من يريد الإسلام من المشركين، بل حاولوا فتنة محمد ﷺ كما رأينا- بإلقاء أسئلة محرجة عليه- مستعينين بما عندهم من علم الكتاب- كان القرآن يتصدى لدحضها أو الإجابة عليها، أو فضح نواياها «٤» .
وحين ضاق اليهود ذرعا بمحمد فكروا في أن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلته قريش عن مكة، فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا إلى بيت المقدس وكان مقامهم به.. لكن محمدا أدرك ما يرمون إليه، وأوحى الله إليه على رأس سبعة عشر شهرا من مقامه بالمدينة أن يجعل قبلته المسجد الحرام،
стр. 275
بيت إبراهيم وإسماعيل «١» ، فأنكر اليهود ذلك وأدركوا مدى خطورته، إذ أنه بادرة لتوحيد العرب وتجميعهم حول الدين الجديد، وفرض مزيد من العزلة على اليهود، لذلك أنكروا هذا وحاولوا فتنة النبي مرة أخرى بقولهم: إنهم يتبعونه إن هو رجع إلى قبلته الأولى «٢» . ويوما بعد يوم اشتد النفور بين الطرفين، وكثرت بينهم المخاصمات، وبدت الكراهية والبغضاء، حتى نزل القرآن ينهى عن الاختلاط باليهود واتخاذ بطانة للمسلمين منهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٣» .
ورغم هذه المواقف العدائية العامة التي صدرت عن الأكثرية الساحقة من اليهود فإننا نجد ثمة آيات تضمنت استثناء لبعضهم وتنويها بسلامة مواقفهم واعتدالهم ومنها ما تضمن إشارة إلى إيمانهم وإخلاصهم، مما يدل- من جهة- على أن فئة من اليهود- وفيها فريق من العلماء- قد استطاعوا أن يفلتوا من المؤثرات العنصرية والاقتصادية والنفسية والأنانية التي خضع لها اليهود، فلم يسعهم إلا أن يصدقوا بالنبي ويؤمنوا بالتنزيل ... ومن جهة أخرى على أن الدعوة النبوية قد قوبلت باستجابة حرة لا إكراه فيها من بعض اليهود في العهد المدني، بل عن إقبال قد يؤدي إلى أذى المقبلين كما كان في العهد المكي.. وعلى أن مواقف الكيد والتامر إنما كانت لأسباب لا تمت إلى الحق والإنصاف، بل إلى هوى الأحبار والزعماء وأغراضهم. وهذا وذاك يدعم ما قلناه من أنه لم تكن هناك أية فكرة مضادة لليهود منذ البدء كعنصر ولليهودية كدين «٤» . ولقد قامت علاقة طيبة بين المهاجرين وبعض اليهود حتى ليغشون مجالسهم ويذهبون إلى بيوت
стр. 276
مدارسهم، يتحدثون إليهم ويسألونهم ويسمعون منهم، ويرون التوراة تصدق القرآن والقرآن يصدق التوراة «١» . ولن ننسى هنا إسلام الحبر اليهودي المعروف عبد الله بن سلّام القينقاعي وأهل بيته «٢» ، ومجابهته اليهود بإسلامه ودعوته إياهم إلى الدين الجديد «٣» .
وبدأ الصراع المرير بين الإسلام وبين الوثنية العربية بقيادة قريش حروب عصابات وحصارا اقتصاديا أول الأمر، ومجابهات عسكرية نظامية حاسمة بعد ذلك.. وبدأ يتضح لليهود- بعد الانتصار الذي حققه المسلمون في بدر- أن بقاءهم ساكتين إزاء ما يجري من صراع سيمكن الرسول ﷺ من تصفية أعدائه وتعزيز مركز الدولة الإسلامية في الجزيرة، وسيجد اليهود أنفسهم آنذاك منفردين بمواجهة الإسلام، مرغمين على قبول سلطته السياسية بشكل نهائي، وهذا ما لا يمكن أن يتصوروه لأنه يمثل خطرا على مصالحهم وانغلاقهم وتفرّدهم التاريخي الطويل بالسلطان. ومن ثم بدؤوا يتحركون باتجاهات شتى لعرقلة الحركة الإسلامية، ووضع المصاعب في طريقها وسحقها في نهاية المطاف، ضاربين عرض الحائط بكل التزاماتهم تجاه الإسلام في الدستور الذي وقعوه مع الرسول ﷺ ، ولم يدع اليهود، في تحركاتهم المضادة تلك، أسلوبا إلا اتبعوه تصعيدا للحرب النفسية والمطاردات الجدلية «٤» ، فتنة اجتماعية، اغتيالا فرديا، تحركا عسكريا، خيانة في الأوقات الحرجة، وتأليبا للقوى المعادية للإسلام وتجميعها كي تضرب عن قوس واحدة، إلا أن من سوء حظ اليهود أنهم لم يتحركوا مجتمعين ويقفوا صفا واحدا بمواجهة الإسلام، الأمر الذي مكّن الرسول ﷺ من التصدي لكل منهم على انفراد، وتصفيته واحدا بعد آخر. وربما فكر اليهود في هذا التحرك الجماعي المشترك لولا خوفهم العاقبة حيث سيؤدي ذلك إلى كشفهم نهائيا وهم لم يعتادوا العمل المكشوف، ومن ثم آثروا الأسلوب الآخر، وهو أن يختار كل قبيلة منهم الفرصة المناسبة لضرب الإسلام وإضعاف دولته.
стр. 277
[٤]
كان أول صدام مبكر بين الإسلام واليهود هو ذلك الذي حدث في أعقاب معركة بدر.. بدأ اليهود الذين صدمتهم نتيجة المعركة التي لم يكونوا يتوقعوها يروجون الشائعات ضد المسلمين ويشنون حربا نفسية ضد رسوله ودعاته، ويمارسون التجسس على المسلمين لصالح المشركين حيث نقلوا كافة المعلومات عن نوايا المسلمين وحركاتهم إلى قريش «١» ، كما أنهم كانوا قد تلقوا رسالة من قريش تحرضهم فيها على قتال الرسول ﷺ «٢» ، وأظهروا للرسول، كما يقول الطبري، الحسد والبغي، وقالوا: لم يلق محمد من يحسن القتال، ولو لقينا لاقى عندنا قتالا لا يشبهه قتال أحد، وأظهروا نقض العهد «٣» فجمعهم الرسول ﷺ في سوق بني قينقاع وقال لهم: يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وفي عهد الله إليكم. قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا مثل قومك لا يغرنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن إنا نحن الناس «٤» .
وازداد الموقف توترا في أعقاب الحادثة التي شهدها سوق بني قينقاع، حيث كانت امرأة عربية قد قدمت السوق ببضاعة تريد بيعها فيه، وجلست إلى صائغ هناك، فتقدم إليها عدد من اليهود وطلبوا منها أن تكشف عن وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى التحرش بها، مما أضحك اليهود المتجمعين حولها، فصاحت المرأة فما وسع رجل من المسلمين إلا أن وثب على الصائغ اليهودي فقتله، فشدّ اليهود على المسلم فقتلوه، واستصرخ أهل المسلم أتباعهم، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع «٥» .
وفي رواية للزهري، يوردها الطبري، أن جبريل نزل على الرسول ﷺ بهذه
стр. 278
الآية وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ «١» ، فلما فرغ جبريل من تلاوة الآية قال الرسول ﷺ : إني أخاف بني قينقاع، وسار لقتالهم «٢» . ومهما كان الأمر فإن يهود بني قينقاع قد تحدوه صراحة سواء في أقوالهم وحربهم النفسية، أم في مواقفهم وأعمالهم، حتى أن الواقدي يذكر أن بني قينقاع اجتمعوا على الرجل فقتلوه «ونبذوا العهد إلى النبي ﷺ وحاربوا وتحصنوا في حصنهم» «٣» . ومن ثم يبدو تهافت ما ذكره ولفنسون من أن الأسباب التي حملت النبي على البدء بمحاربة بني قينقاع- من بين جميع اليهود- ترجع إلى أن بني قينقاع كانوا يسكنون داخل المدينة، في حي واحد من أحياء الأقوام العربية، فأراد النبي ﷺ أن يطهر المدينة وأحياء الأنصار من المشركين ومن جميع من يخالفون دينه، وغني عن البيان أن بني قينقاع كانوا أغنى طوائف اليهود في يثرب.. ثم كان عددهم غير كثير، فكان من السهل مقاتلتهم واستئصال شأفتهم «٤» .
لم يقف الرسول ﷺ ساكتا إزاء تحدي بني قينقاع، وهم ينقضون صراحة بنود الدستور، ويثيرون فتنة كان الدستور قد أكد على معاقبة مرتكبيها واعتبارهم ناقضين للعهد، ومن ثم فرض الحصار على حصونهم الواقعة داخل المدينة، في شوال من السنة الثانية للهجرة، وقد استمر الحصار خمس عشرة ليلة وانتهى بنزول اليهود على حكم الرسول الذي قضى بإجلائهم عن يثرب إلى أي مكان يشاؤون «٥» ، دون أن ينزل أية عقوبة- أخرى- بهم، كي يجيء حكمه بمستوى الجرم الذي اقترفوه. وبخروجهم إلى أذرعات من بلاد الشام تخلص المسلمون من واحدة من القبائل اليهودية الرئيسية الثلاث المنتشرة- منذ زمان بعيد- داخل المدينة وخارجها، فازدادت وحدة المدينة تماسكا، وازداد اليهود ضعفا. ويظهر أن إجلاء بني قينقاع كان له وقع عظيم في نفوس اليهود، فقد امتنعوا في أعقاب ذلك عن المجادلة الدينية، وكفوا عن رمي المسلمين بقوارص الكلم، ودخلت
стр. 279
هيبة المسلمين في قلوب البطون العربية التي لم تكن قد دخلت في الإسلام، وانفسح المجال أمام النبي ﷺ لنشر دعوته «١» .
ولم يمض على ذلك كبير وقت حتى سدد الرسول ﷺ لليهود ضربة أخرى بقتل كعب بن الأشرف، أحد كبار زعمائهم، في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة. وكان كعب قد صعّد نشاطه ضد الإسلام في اللحظة التي قدم فيها إلى المدينة مبعوثا الرسول ﷺ من معركة بدر، زيد بن حارثة وعبد الله ابن رواحة، لإعلان بشرى انتصار المسلمين في لقائهم الحاسم مع المشركين.
فقال كعب: ويلكم أحق هذا؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس؟ والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لنا من ظهرها.. هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. قال: وما أنتم وقد وطىء قومه وأصابهم، ولكني أخرج إلى قريش فأحضهم وأبكي قتلاهم فلعلهم ينتدبون فأخرج معهم. وبعد أن تيقن من صحة الخبر غادر كعب المدينة متوجها إلى مكة ونزل هناك على أحد زعمائها، وراح يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار في هجائه ويبكي أصحاب القليب من قادة قريش الذين صرعوا في بدر، وقفل عائدا إلى المدينة لكي ينشد قصيدة يشبب فيها بامرأة مسلمة تدعى أم الفضل بنت الحارث:
إحدى بني عامر جنّ الفؤاد بها ... ولو تشاء شفت كعبا من السقم
لم أر شمسا بليل قبلها طلعت ... حتى تجلت لنا في ليلة الظلم!!
وتحول من أم الفضل إلى نساء مسلمات أخريات مشببا بهن حتى آذاهن.
وعند ذلك قال الرسول ﷺ لأصحابه: من لي من ابن الأشرف؟ فقال رجل من الأنصار يدعى محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال الرسول ﷺ : فافعل إن قدرت على ذلك!!
توجه محمد بن مسلمة إلى دار ابن الأشرف، في بني النضير، يصحبه أربعة من رفاقه. وعندما اقتربوا من داره بعثوا إليه أحدهم، أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدا شعرا، ثم قال أبو نائلة: ويحك يا ابن الأشرف! إني قد جئتك
стр. 280
بحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني. أجاب كعب: أفعل. قال أبو نائلة: كان قدوم هذا الرجل (يعني محمدا ﷺ بلاء علينا، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهدت عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أخبرتك أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول. فقال أبو نائلة: إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك. وطلب كعب أن يرهنوه أبناءهم فأقنعه أبو نائلة أن ذلك مما لا ترضاه العرب وأن من الأفضل لو يجعل الرهن سلاحا- وكان هدفه ألا ينكر كعب وجماعته السلام إذا جاءهم به- فوافق كعب على ذلك. وفي بقيع الغرقد اجتمعوا بالرسول ﷺ وتلقوا منه التعليمات وقال لهم: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصن كعب وناداه أبو نائلة، فنزل إليهم وتحدث معهم ساعة، حتى إذا توغلوا بعيدا عن مساكن اليهود أخذ أبو نائلة برأسه وصاح: اضربوا عدو الله، فصرخ كعب صرخة لم يبق من جرائها حصن يهودي إلا أوقدت عليه النار، وما لبثت سيوف المسلمين أن تناوشته وأجهزت عليه، وقفلوا عائدين بعد أن أصيب أحدهم بجرح. وسرعان ما تبدت ردود فعل اليهود إزاء مقتل فارسهم وشاعرهم خوفا وجبنا «فليس في المدينة يهودي إلا وهو يخاف على نفسه» «١» . ودفعهم الفزع إلى مقابلة الرسول ﷺ حيث قالوا له: قد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه.
فأجابهم الرسول: إنه لو قرّ كما قرّ غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف.
ثم ما لبث أن عرض عليهم أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه، فأجابوه إلى ذلك حيث أصابهم الخوف والذل «٢» .
стр. 281
[٥]
وما لبثت هزيمة أحد أن أفسحت لليهود مجالا ينفسون فيه عن أحقادهم ويظهرون ضغائنهم على الإسلام ونبيه، وراحوا يطلقون الأقوال السيئة ويقولون: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه، حتى أن ذلك استفز عمر بن الخطاب ﵁ فاستأذنه في قتل الرؤوس اليهودية التي نفثت سمومها في قلب المحنة فأجابه الرسول ﷺ : يا عمر إن الله مظهر دينه ومعزّ نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم «١» . ولم يقف اليهود عند حدود الحرب النفسية بل إنهم مضوا إلى أبعد من ذلك مستغلين فرصة ضعف المسلمين ومأساتي الرجيع وبئر معونة وتألب الأعراب الوثنيين ضدهم فقرر زعماء بني النضير «٢» التامر على حياة الرسول ﷺ في السنة الرابعة للهجرة.
ذلك أنه ذهب إلى حصونهم، بصحبة عدد من كبار أصحابه، يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، كان أحد أصحابه قد قتلهما خطأ في أعقاب نجاته من مجزرة بئر معونة، وفق ما تقضي به المواثيق التي كان اليهود قد أمضوها مع الرسول ﷺ . وعندما عرض عليهم الرسول ﷺ ما جاء من أجله، قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- وكان ﷺ قد جلس يستريح أسفل جدار بيت من بيوتهم- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا لذلك، وصعد لتنفيذ المهمة، فنزل الوحي الأمين لكي يخبر الرسول ﷺ بما أراد القوم، فما لبث أن غادر المكان عائدا إلى المدينة، ولما انتظره أصحابه طويلا ولم يعد، قاموا في طلبه، وفي الطريق لقوا رجلا مقبلا من المدينة أعلمهم أنه رأى النبي ﷺ داخلا، ولما التقوا به أخبرهم بما اعتزمه اليهود من الغدر به. وأرسل إلى بني النضير ينذرهم بضرورة مغادرة المدينة خلال عشرة
стр. 282
أيام وإن من شوهد منهم بعد انتهاء المدة ضربت عنقه. لكن اليهود لم يستجيبوا للإنذار وراحوا يهيئون أنفسهم لحصار طويل، وحينذاك أصدر الرسول ﷺ أوامره بالتهيؤ للمسير إلى حصون بني النضير وقتالهم.
ما إن علم بنو النضير بتحرك المسلمين حتى لجؤوا إلى حصونهم يحتمون بها، ففرض المسلمون الحصار عليهم، وأمر الرسول ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها لإرغامهم على التسليم وهم الحريصون على المال والمتاع، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها؟
فلم يلتفت الرسول ﷺ لمثالياتهم التي يعرف جيدا أنهم أول الناس بتخطيها إذا ما تعارضت ومصالحهم، فشدد الحصار عليهم. وراح بنو النضير يقاومون بانتظار النجدة التي وعدهم بها عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين، دون جدوى، وبدأ الرعب يدب في نفوسهم، ثم ما لبثوا أن أعلنوا عن استسلامهم، بعد خمسة عشر يوما من الحصار، وموافقتهم على الجلاء أسوة برفاقهم من بني قينقاع، على أن يحقن الرسول ﷺ دماءهم ويسمح لهم بحمل ما تقدر إبلهم على حمله فيما عدا السلاح، فأجابهم إلى ذلك، فحملوا إبلهم الكثير من الأموال والمتاع وانطلقوا شمالا حيث استقر بعضهم في خيبر وعلى رأسهم زعماء بني النضير: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب حيث دان لهم أهلها بالطاعة، واستمرت طائفة أخرى في مسيرها صوب الشام. ووضع الرسول ﷺ يديه على ما تركوه من أموال، فقسمها على المهاجرين الأولين الذين كانوا يعانون الفقر والجوع ولم يمنح للأنصار شيئا سوى رجلين فقيرين منهم، رغبة منه ﷺ في إعادة التوازن الاجتماعي بين أصحابه، وهي سابقة عملية أخرى، لا تقل خطورة عن تجربة (المؤاخاة) في دلالتها الاجتماعية على رغبة الإسلام العميقة في تنفيذ التوازن الاجتماعي وتذويب الفروق الطبقية بين فئات المجتمع الواحد، وإحلال التعاون والوفاق محل التقاتل والتحاقد والصراع «١» .
ولم يفلت عمرو بن جحاش من طائلة العقاب إذ سرعان ما أمر الرسول ابن يامين بن عمير- الذي أعلن إسلامه خلال فترة الحصار- أن يدبر أمر اغتياله
стр. 283
فأجابه أنا أكفيكه يا رسول الله، وما لبث أن اتصل برجل من قيس وأعطاه عشرة دنانير لقاء تعهده بقتل ابن جحاش، فأدى الأعرابي المهمة، وعاد ابن يامين لكي يخبر الرسول ﷺ بالقضاء على الخائن «١» .
وهكذا تم إجلاء طائفة أخرى من اليهود بسبب خرقها الميثاق وخفرها الذمة وخيانتها الرسول ﷺ . ولقد جاء انتصار المسلمين هذا في أعقاب محنتهم في أحد وفجيعتهم في حادثتي الرجيع وبئر معونة، ومن ثم تولوا زمام المبادرة ثانية، وتغيّر بانتصارهم هذا مجرى الأحداث، ونزلت- بعد قليل- سورة بأكملها هي سورة (الحشر) تعرض لظروف هذا الحدث الخطير، وتعلق على مجرياته ونتائجه التي ما كانت لتحدث هكذا لولا إرادة الله الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ «٢» وإن كان ثمة شيء يزاد على روايات التاريخ فهو المدى الواسع الذي ينطوي في الآية الرابعة من السورة الآنفة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذ يصحّ أن يقال إن محاولة بني النضير اغتيال النبي إنما كانت سببا مباشرا، وأنه كان منهم قبل ذلك مواقف مشاقة مؤذية ومزعجة كثيرة طفح بها الكيل وحق عليهم من أجلها التنكيل «٣» .
[٦]
لم يشأ زعماء بني النضير الذين استقروا في خيبر أن يظلوا ساكتين إزاء هزيمتهم وامتداد الإسلام إلى كل مكان، وتدارسوا الأمر فرأوا أن أحد أكبر الأسباب في الهزائم التي مني بها أعداء الإسلام من الوثنيين واليهود هي قتالهم المسلمين كل على انفراد، الأمر الذي مكّن هؤلاء من تصفية خصومهم وتحقيق
стр. 284
الانتصارات المتتالية عليهم، وإذن فإن خير أسلوب لتفادي الهزيمة كرة أخرى هي أن يسعوا لتشكيل حلف قوي يضم كافة القوى الوثنية واليهودية وتوجيه ضربة مشتركة للإسلام لا تقوم له بعدها قائمة. وسرعان ما انطلق نفر منهم على رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم للاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل الوثنية الكبرى وإقناعهم جميعا بالفكرة التي توصلوا إليها. وعندما قدموا على قريش ودعوها إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله، أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييا عن قومه من بني النضير فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. فسألوه عن بني قريظة فقال: أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وتساءل بعض رجالات قريش:
يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ أجاب اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. كان اليهود مستعدين لأن يزيفوا كل شيء، ويتجاوزوا منطقهم الديني نفسه في سبيل التودد إلى الوثنية وتحريكها لضرب الإسلام. ولقد نجحوا في هذا السبيل، بعد أن اتصلوا بالقبائل العربية الآخرى، وانطلق الأحزاب في هجوم شامل على المدينة لاستئصال الإسلام «١» .
ولقد أدرك زعماء بني النضير أن هدفهم لن يكسب ضمانه النهائي إلا بإقناع يهود بني قريظة في يثرب، أولئك الذين كانوا لا يزالون ملتزمين بميثاقهم مع الرسول ﷺ ، بالتمرد على التزامهم والإنضواء إلى صفوف الأحزاب، والعمل سوية على توجيه الضربة القاصمة للعدو المشترك. فانطلق حيي بن أخطب «٢» ، وقد حوصرت المدينة، إلى حصون بني قريظة القابعة إلى الجنوب منها، وقصد زعيمها كعب بن أسد. فلما سمع هذا بقدوم حيي أغلق دونه باب حصنه تجنبا للمشاكل والتزاما بعهد رسول الله ﷺ ، فاستأذنه حيي بالدخول عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي محاولا إقناعه بما جاء من أجله: ويحك يا كعب.. افتح لي. أجابه كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم وإني قد
стр. 285
عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك. أجاب كعب: ما أنا بفاعل. قال حيي مستفزا رفيقه: «والله إن أغلقت الحصن دوني إلا على جشيشتك «١» أن أكل منها معك» فاضطر كعب إلى أن يفتح له.
وما أن دخل زعيم بني النضير حتى بادر رفيقه قائلا: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بجانب أحد، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألايبارحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. أجابه كعب وهو يخمن المصير الذي ينتظره وقومه إذا ما تمردوا على العهد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد أهراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يخاتله ويراوغه ويمنيه حتى أجابه كعب بعد أن شرط عليه أنه إذا ما عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا دخل معه حصنه حتى يصيبه ما أصابه. وعند ذلك قام كعب بنقض العهد وأعلن براءته مما كان بينه وبين محمد ﷺ «٢» .
عندما بلغت رسول الله ﷺ أنباء نقض بني قريظة عهدها معه بعث سعد ابن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج وآخرين وقال لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فتوجه هؤلاء إلى حصون قريظة وسألوهم عما بلغهم عنهم، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، وعندما عنفهم سعد بن معاذ شتموه! وعاد الرجال لكي يخبروا الرسول ﷺ عن صحة ما ورده من أنباء زادت المسلمين بلاء على بلاء «٣» .
وسرعان ما همت بنو قريظة في القيام بهجوم ليلي على قلب المدينة، وأرسل زعماؤها حيي بن أخطب إلى معسكر قريش لكي يأتي بألفي رجل منها ومن غطفان يستعينون بهم على هذا الهجوم، الأمر الذي دفع الرسول ﷺ إلى