← Сира

Сира · id 9802

دراسة في السيرة

عماد الدين خليل

Полный текст (333 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

[٥] وما لبثت هزيمة أحد أن أفسحت لليهود مجالا ينفسون فيه عن أحقادهم ويظهرون ضغائنهم على الإسلام ونبيه، وراحوا يطلقون الأقوال السيئة ويقولون: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه، حتى أن ذلك استفز عمر بن الخطاب ﵁ فاستأذنه في قتل الرؤوس اليهودية التي نفثت سمومها في قلب المحنة فأجابه الرسول ﷺ : يا عمر إن الله مظهر دينه ومعزّ نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم «١» . ولم يقف اليهود عند حدود الحرب النفسية بل إنهم مضوا إلى أبعد من ذلك مستغلين فرصة ضعف المسلمين ومأساتي الرجيع وبئر معونة وتألب الأعراب الوثنيين ضدهم فقرر زعماء بني النضير «٢» التامر على حياة الرسول ﷺ في السنة الرابعة للهجرة. ذلك أنه ذهب إلى حصونهم، بصحبة عدد من كبار أصحابه، يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، كان أحد أصحابه قد قتلهما خطأ في أعقاب نجاته من مجزرة بئر معونة، وفق ما تقضي به المواثيق التي كان اليهود قد أمضوها مع الرسول ﷺ . وعندما عرض عليهم الرسول ﷺ ما جاء من أجله، قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- وكان ﷺ قد جلس يستريح أسفل جدار بيت من بيوتهم- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا لذلك، وصعد لتنفيذ المهمة، فنزل الوحي الأمين لكي يخبر الرسول ﷺ بما أراد القوم، فما لبث أن غادر المكان عائدا إلى المدينة، ولما انتظره أصحابه طويلا ولم يعد، قاموا في طلبه، وفي الطريق لقوا رجلا مقبلا من المدينة أعلمهم أنه رأى النبي ﷺ داخلا، ولما التقوا به أخبرهم بما اعتزمه اليهود من الغدر به. وأرسل إلى بني النضير ينذرهم بضرورة مغادرة المدينة خلال عشرة

стр. 282

أيام وإن من شوهد منهم بعد انتهاء المدة ضربت عنقه. لكن اليهود لم يستجيبوا للإنذار وراحوا يهيئون أنفسهم لحصار طويل، وحينذاك أصدر الرسول ﷺ أوامره بالتهيؤ للمسير إلى حصون بني النضير وقتالهم. ما إن علم بنو النضير بتحرك المسلمين حتى لجؤوا إلى حصونهم يحتمون بها، ففرض المسلمون الحصار عليهم، وأمر الرسول ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها لإرغامهم على التسليم وهم الحريصون على المال والمتاع، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها؟ فلم يلتفت الرسول ﷺ لمثالياتهم التي يعرف جيدا أنهم أول الناس بتخطيها إذا ما تعارضت ومصالحهم، فشدد الحصار عليهم. وراح بنو النضير يقاومون بانتظار النجدة التي وعدهم بها عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين، دون جدوى، وبدأ الرعب يدب في نفوسهم، ثم ما لبثوا أن أعلنوا عن استسلامهم، بعد خمسة عشر يوما من الحصار، وموافقتهم على الجلاء أسوة برفاقهم من بني قينقاع، على أن يحقن الرسول ﷺ دماءهم ويسمح لهم بحمل ما تقدر إبلهم على حمله فيما عدا السلاح، فأجابهم إلى ذلك، فحملوا إبلهم الكثير من الأموال والمتاع وانطلقوا شمالا حيث استقر بعضهم في خيبر وعلى رأسهم زعماء بني النضير: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب حيث دان لهم أهلها بالطاعة، واستمرت طائفة أخرى في مسيرها صوب الشام. ووضع الرسول ﷺ يديه على ما تركوه من أموال، فقسمها على المهاجرين الأولين الذين كانوا يعانون الفقر والجوع ولم يمنح للأنصار شيئا سوى رجلين فقيرين منهم، رغبة منه ﷺ في إعادة التوازن الاجتماعي بين أصحابه، وهي سابقة عملية أخرى، لا تقل خطورة عن تجربة (المؤاخاة) في دلالتها الاجتماعية على رغبة الإسلام العميقة في تنفيذ التوازن الاجتماعي وتذويب الفروق الطبقية بين فئات المجتمع الواحد، وإحلال التعاون والوفاق محل التقاتل والتحاقد والصراع «١» . ولم يفلت عمرو بن جحاش من طائلة العقاب إذ سرعان ما أمر الرسول ابن يامين بن عمير- الذي أعلن إسلامه خلال فترة الحصار- أن يدبر أمر اغتياله

стр. 283

فأجابه أنا أكفيكه يا رسول الله، وما لبث أن اتصل برجل من قيس وأعطاه عشرة دنانير لقاء تعهده بقتل ابن جحاش، فأدى الأعرابي المهمة، وعاد ابن يامين لكي يخبر الرسول ﷺ بالقضاء على الخائن «١» . وهكذا تم إجلاء طائفة أخرى من اليهود بسبب خرقها الميثاق وخفرها الذمة وخيانتها الرسول ﷺ . ولقد جاء انتصار المسلمين هذا في أعقاب محنتهم في أحد وفجيعتهم في حادثتي الرجيع وبئر معونة، ومن ثم تولوا زمام المبادرة ثانية، وتغيّر بانتصارهم هذا مجرى الأحداث، ونزلت- بعد قليل- سورة بأكملها هي سورة (الحشر) تعرض لظروف هذا الحدث الخطير، وتعلق على مجرياته ونتائجه التي ما كانت لتحدث هكذا لولا إرادة الله الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ «٢» وإن كان ثمة شيء يزاد على روايات التاريخ فهو المدى الواسع الذي ينطوي في الآية الرابعة من السورة الآنفة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذ يصحّ أن يقال إن محاولة بني النضير اغتيال النبي إنما كانت سببا مباشرا، وأنه كان منهم قبل ذلك مواقف مشاقة مؤذية ومزعجة كثيرة طفح بها الكيل وحق عليهم من أجلها التنكيل «٣» . [٦] لم يشأ زعماء بني النضير الذين استقروا في خيبر أن يظلوا ساكتين إزاء هزيمتهم وامتداد الإسلام إلى كل مكان، وتدارسوا الأمر فرأوا أن أحد أكبر الأسباب في الهزائم التي مني بها أعداء الإسلام من الوثنيين واليهود هي قتالهم المسلمين كل على انفراد، الأمر الذي مكّن هؤلاء من تصفية خصومهم وتحقيق

стр. 284

الانتصارات المتتالية عليهم، وإذن فإن خير أسلوب لتفادي الهزيمة كرة أخرى هي أن يسعوا لتشكيل حلف قوي يضم كافة القوى الوثنية واليهودية وتوجيه ضربة مشتركة للإسلام لا تقوم له بعدها قائمة. وسرعان ما انطلق نفر منهم على رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم للاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل الوثنية الكبرى وإقناعهم جميعا بالفكرة التي توصلوا إليها. وعندما قدموا على قريش ودعوها إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله، أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييا عن قومه من بني النضير فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. فسألوه عن بني قريظة فقال: أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وتساءل بعض رجالات قريش: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ أجاب اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. كان اليهود مستعدين لأن يزيفوا كل شيء، ويتجاوزوا منطقهم الديني نفسه في سبيل التودد إلى الوثنية وتحريكها لضرب الإسلام. ولقد نجحوا في هذا السبيل، بعد أن اتصلوا بالقبائل العربية الآخرى، وانطلق الأحزاب في هجوم شامل على المدينة لاستئصال الإسلام «١» . ولقد أدرك زعماء بني النضير أن هدفهم لن يكسب ضمانه النهائي إلا بإقناع يهود بني قريظة في يثرب، أولئك الذين كانوا لا يزالون ملتزمين بميثاقهم مع الرسول ﷺ ، بالتمرد على التزامهم والإنضواء إلى صفوف الأحزاب، والعمل سوية على توجيه الضربة القاصمة للعدو المشترك. فانطلق حيي بن أخطب «٢» ، وقد حوصرت المدينة، إلى حصون بني قريظة القابعة إلى الجنوب منها، وقصد زعيمها كعب بن أسد. فلما سمع هذا بقدوم حيي أغلق دونه باب حصنه تجنبا للمشاكل والتزاما بعهد رسول الله ﷺ ، فاستأذنه حيي بالدخول عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي محاولا إقناعه بما جاء من أجله: ويحك يا كعب.. افتح لي. أجابه كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم وإني قد

стр. 285

عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك. أجاب كعب: ما أنا بفاعل. قال حيي مستفزا رفيقه: «والله إن أغلقت الحصن دوني إلا على جشيشتك «١» أن أكل منها معك» فاضطر كعب إلى أن يفتح له. وما أن دخل زعيم بني النضير حتى بادر رفيقه قائلا: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بجانب أحد، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألايبارحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. أجابه كعب وهو يخمن المصير الذي ينتظره وقومه إذا ما تمردوا على العهد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد أهراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يخاتله ويراوغه ويمنيه حتى أجابه كعب بعد أن شرط عليه أنه إذا ما عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا دخل معه حصنه حتى يصيبه ما أصابه. وعند ذلك قام كعب بنقض العهد وأعلن براءته مما كان بينه وبين محمد ﷺ «٢» . عندما بلغت رسول الله ﷺ أنباء نقض بني قريظة عهدها معه بعث سعد ابن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج وآخرين وقال لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فتوجه هؤلاء إلى حصون قريظة وسألوهم عما بلغهم عنهم، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، وعندما عنفهم سعد بن معاذ شتموه! وعاد الرجال لكي يخبروا الرسول ﷺ عن صحة ما ورده من أنباء زادت المسلمين بلاء على بلاء «٣» . وسرعان ما همت بنو قريظة في القيام بهجوم ليلي على قلب المدينة، وأرسل زعماؤها حيي بن أخطب إلى معسكر قريش لكي يأتي بألفي رجل منها ومن غطفان يستعينون بهم على هذا الهجوم، الأمر الذي دفع الرسول ﷺ إلى

стр. 286

تجريد كتيبتين من خمسمائة فارس لحراسة المدينة والطواف في أحيائها ورفع معنويات أهاليها. ويحدثنا أبو بكر الصديق ﵁ فيقول: «لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان.. فكان مما رد الله به بني قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت تحرس» «١» . وكان الرسول ﷺ يبعث العيون من جهته إلى بني قريظة لكي يجيئوه بأماكن خللهم ونقاط ضعفهم «٢» وقد تمكن عشرة من أشداء اليهود من التسلل يوما إلى أطراف المدينة فتصدى لهم نفر من المسلمين واشتبكوا معهم في قتال بالنبال أسفر عن تراجع اليهود واحتمائهم بحصونهم، وسيطر الرعب عليهم «فلم يقدروا أن يطلعوا من حصنهم وخافوا خوفا شديدا» «٣» . وصمد المسلمون لمحنة (الأحزاب) وتمكنوا من دحر أخطر هجوم في تاريخ دعوتهم، فتفككت عرى الأحزاب وقفلت عائدة إلى ديارها، وحان الوقت لإنزال العقاب العادل بالجماعة اليهودية التي نقضت العهد في أخطر ساعة عاشها المسلمون. جاء جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ وسأله: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ أجاب الرسول: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر الرسول ﷺ مؤذنا يؤذن في الناس (من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة) «٤» ، إسراعا بالمسلمين إلى هدفهم واستنهاضا لهم بعد الجهد والعناء الذي أصابهم خلال أيام الحصار الشاقة. لقد أدرك الرسول ﷺ بثاقب فكره أهمية الوقت في الحصول على نتائج باهرة في القتال، فلو أنه أبطأ في حركته هذه لاستفاد اليهود من الوقت في الاستعانة بحلفائهم، أو إقناع اليهود الآخرين بمعاونتهم، أو التشبث بالحصول على قوات من القبائل لتدعيم قوتهم، ولكان بإمكانهم إكمال قضاياهم الإدارية

стр. 287

التي يحتاجونها في القتال حتى يستطيعوا الصمود في حصارهم أطول مدة ممكنة. ولكن إسراع الرسول لتطويقهم حال بين اليهود وبين كل ذلك، إذ لم يكن اليهود يعلمون بالموعد الأكيد لانسحاب الأحزاب ليسبقوا النظر في إعداد كافة متطلبات القتال المتوقع ضد المسلمين، بل إن حركة المسلمين السريعة لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم خطة دفاعية عن حصونهم، كما لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم أي خطة على الإطلاق.. كما أن حركة المسلمين مبكرا شلّت معنويات اليهود وقضت على روح المقاومة فيهم «١» . ومما يزيد في قيمة حرص المسلمين على المحافظة على الوقت أن ظروفهم لم تكن حسنة بعد انسحاب الأحزاب، لقد كانوا منهوكي القوى لسهرهم على حراسة مواضعهم مدة حوالي شهر في موقف عصيب يحطم أعصاب الشجعان، وكان الطقس باردا وقد تحملوا البرد في العراء وقتا طويلا أثناء حصارهم فلما انسحبت الأحزاب آن لهم أن ينالوا بعض الدفء في بيوتهم القريبة. وكانت قضاياهم الإدارية بشكل لا يحسدون عليه، إذ ما هي إمكانيات إعاشتهم مثلا وهي أهم ما يديم قوة المقاتلين؟ إن عدم اكتراث المسلمين بكل هذه المشاكل لغرض الإسراع بتطويق حصون بني قريظة يدعو إلى الإعجاب والتقدير «٢» . استمر الحصار خمسا وعشرين ليلة وبدأ الرعب يتسرب إلى قلوب اليهود، وأدركوا ألا قدرة لهم على الصمود حتى النهاية. ولما أيقن زعيمهم كعب بن أسد أن الرسول ﷺ غير منصرف عنهم حتى ينزل بهم عقابه، عرض على قومه حلولا عدة علها تخلصهم من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه فقال: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: إذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا

стр. 288

نخشى عليه، وأن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد علينا سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟ وقال نباش بن قيس، أحد زعمائهم: وكيف نصيب منهم غرة وأنت ترى أمرهم كل يوم يشتد، كانوا أول ما يحاصروننا إنما يقاتلون بالنهار ويرجعون بالليل ... فهم الآن يبيتون الليل ويظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم؟ قال كعب: ما بات رجل منكم، منذ ولدته أمه، ليلة من الدهر حازما. ومن ثم أعلن اليهود نزولهم على حكم الرسول ﷺ «١» . عهد الرسول ﷺ إلى سعد بن معاذ، زعيم الأوس، وقد كان بنو قريظة مواليهم، بإصدار الحكم. وكان سعد آنذاك يمرض من جراحه التي أصابته في معركة الخندق تشرف على تمريضه في المسجد امرأة تدعى رفيدة كانت تداوي الجرحى، وتتولى رعاية من لا أهل له من المقاتلين. فجاء به قومه يحملونه وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيم. فلما ألحوا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ثم أصدر حكمه بقتل الرجال المحاربين، وتقسيم الأموال، وسبي الذراري والنساء، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن قال له (لقد حكمت فيهم بحكم الله- من فوق سبع سماوات- وحكم رسوله) «٢» !!. لم يكن رجال بني قريظة سوى مجرمي حرب، وفق قوانين القتال المعاصرة، نقضوا العهد، وانضموا إلى الأعداء والحرب قائمة بين المسلمين والأحزاب. فكان نقضهم خيانة عظمى، ولم يكن عقابهم العادل المكافىء لفعلتهم سوى القتل. وقد أنزلوا من حصونهم مقرنين في الأصفاد، وحفرت لهم

стр. 289

الخنادق، ثم جيء بهم فوجا فوجا حيث لاقوا مصيرهم ودفنوا هناك، وبلغ عددهم بين الستمائة والسبعمائة رجل فيهم سيدهم كعب بن أسد وحيي بن أخطب، زعيم بني النضير الذي كان قد لجأ إلى حصون بني قريظة بعد انسحاب الأحزاب، وامرأة كانت قد ألقت- خلال الحصار- رحى على مسلم يدعى خلاد ابن سويد فقتلته. وما أن تم تنفيذ الحكم برجال بني قريظة حتى انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا «١» بعد أن استجاب ربه لدعائه يوم جرح في معارك الخندق «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة» «٢» . وبفتح حصون بني قريظة يكون المسلمون قد تخلصوا من آخر كتلة يهودية في المدينة اختارت بنفسها- كسابقاتها- أن تقف من الإسلام موقف الحقد والعداء، وأن تنقض ميثاقها مع الرسول ﷺ . ولم يكن الرسول ﷺ ليستخدم أسلوب العقاب الجماعي إزاء اليهود الذين لم يروا منه- كما قال سيدهم كعب بن أسد- إلا وفاء وصدقا. فكان لا يعاقب إلا القبائل التي نقضت عهدها معه تاركا القبائل الآخرى تمارس حريتها الدينية والمدنية كاملة ما دامت على عهدها. وهكذا لم تؤد حادثة سوق الصاغة إلا إلى إجلاء مسببيها من بني قينقاع، كما لم تؤد محاولة اغتياله إلا إلى طرد القائمين بها من بني النضير، ولو ظلت بنو قريظة على عهدها، ولم تمارس خيانتها الخطيرة في معركة الخندق لكان لها شأن آخر غير المصير الذي انتهت إليه، هذا فضلا عن أن العقاب الذي كان الرسول ﷺ ينزله بخصومه اليهود كان يجيء دوما مكافئا لحجم الجرم الذي مارسته الكتل اليهودية، إذ سمح لكل من بني قينقاع وبني النضير بالخروج إلى أي مكان يشاؤون داخل الجزيرة أم خارجها، بعد أن حقن دماءهم ولم يستخدم أسلوب القتل إلا إزاء أولئك الذين خانوا العهد في ساحة الحرب وتعاونوا مع الأعداء، وهو العقاب الذي تمارسه جميع القوانين. أما اليهود، كأفراد لا ينتمون إلى هذه الكتلة وتلك من الكتل اليهودية ذات الوجود السياسي والعسكري، فقد ظلوا حتى

стр. 290

النهاية يمارسون حقوقهم وحريتهم في مدينة الرسول بدليل أنه توفي ﷺ ودرعه مرهونة عند واحد من هؤلاء!! [٧] راح الرسول ﷺ ينتظر الفرصة المؤاتية لضرب التجمع اليهودي السياسي الأخير في خيبر والمواقع المجاورة بسبب ما كانت تمارسه ضد الإسلام. فمنها انطلق زعماء اليهود لدعوة القبائل العربية وتحزيبها ضد المسلمين، ومنها خرج حيي بن أخطب ودفع بني قريظة إلى الانتفاض في اللحظات العصيبة. وقد غدت خيبر بمرور الأيام ملجأ يأوي إليه اليهود المبعدون عن المدينة، ينتظرون الفرصة للانتقام من الإسلام، واسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جردهم الرسول ﷺ منها، وقد اتضح هذا في الأيام القلائل التي أعقبت هزيمة بني قريظة، إذ بلغت خيبر أنباء هزيمة قريظة فاتصل بعض اليهود بزعيمهم سلام بن مشكم وسألوه الرأي فأجابهم: نسير إلى محمد بما معنا من يهود خيبر فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء وفدك ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب.. ثم نسير إليه في عقر داره. فقالت اليهود: هذا الرأي «١» . ولكن بعض الزعماء عارضه في الإقدام على مجازفة كهذه غير مأمونة النتيجة. وفضلا عن هذا كله فإن يهود خيبر كانوا السبب في خروج سرية يقودها علي بن أبي طالب ﵁ أواخر العام السادس الهجري، كانت وجهتها فدك حيث يقطن حي من بني سعد بن بكر كانوا قد سعوا إلى مدّ أيديهم لأولئك اليهود لقاء أن يمنحوهم جزآ من ثمار خيبر «٢» . وها هم الآن يتحالفون مع غطفان في محاولة جديدة ضد المدينة. وقد علم الرسول ﷺ بما يدور في خلدهم فأخذ يتهيأ لقتالهم ويمهد لذلك بإرسال مجموعات من فدائيي الأنصار لاغتيال بعض قادة اليهود هناك كسلّام بن أبي الحقيق وأسير بن رزام الذي كان يجتمع ببني غطفان ليعقد معهم العقود والاتفاقات ليكونوا مع اليهود في حالة دخول أهل خيبر في حرب مع المسلمين «٣» . ويحدثنا عبد الله بن عتيك أمير السرية الأنصارية ذي الرجال الخمسة

стр. 291

والتي كلفها الرسول ﷺ مهمة قتل الزعيم اليهودي فيقول: «لما دنونا من الحصن وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قلت لأصحابي: اجلسوا مكانكم فإني سانطلق واتلطف إلى البواب لعلي أدخل» .. ثم أقبل حتى إذا دنا من الباب تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب. فتناول المفاتيح التي كان البواب قد علقها على وتد هناك ثم اتجه إلى حيث يقيم سلام بن مشكم الملقب بأبي رافع.. «كان أبو رافع يسمر في علالي، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخل.. حتى انتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ قلت: أبا رافع. قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت أضربه بالسيف، فما أغنى شيئا وصاح، فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد، ثم دخلت إليه وقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلا بالبيت ضربني بالسيف، فانقضضت عليه ووضعت حد السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أني قد قتلته وجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا، حتى انتيت إلى الأرض، فوقعت فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي ثم انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت: والله لا أرجع الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور ينعي أبا رافع، فانطلقت إلى أصحابي وقلت: النجاء.. قد قتل الله أبا رافع» .. وقفل عبد الله بن عتيك ورفاقه عائدين إلى المدينة ليخبروا الرسول بالمهمة التي انجزوها «١» . وبعد أبي رافع جاء دور أسير بن رزام حيث ندب له الرسول ﷺ ثلاثين رجلا بقيادة عبد الله بن رواحة، فاستدرجوه وعددا من أصحابه واحتالوا عليهم وقتلوا أميرهم أسير ومعظم أصحابه ثم قفلوا عائدين إلى المدينة دون أن يفقدوا أحدا «٢» !! كان الرسول ﷺ قد عقد صلح الحديبية مع قريش في أواخر السنة السادسة

стр. 292

للهجرة وأمن- بموجبه- جانبها، ووجد الفرصة سانحة لتوجيه نشاطه صوب الشمال حيث يقبع الخطر اليهودي الذي لا يكف عن التامر والعدوان متمثلا يخيبر والمواقع المجاورة، وما لبث ﷺ بعد أسابيع من عودته إلى المدينة أن انطلق (مطلع السنة السابعة) ، صوب خيبر على رأس حملة استنفر لها الراغبين في الجهاد فحسب دون الغنائم. ذلك أن يهود خيبر كانوا أقوى الطوائف اليهودية بأسا وأعظمها دربة على القتال، ولذلك وقفت شبه الجزيرة كلها متطلعة إلى هذه الغزوة. وكان كثيرون يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين «١» ، وكان النبي ﷺ يدرك أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد وربما حدثت نكسة أعادت لأعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله، وحالت دون إتمام الوحدة التي يعمل لها النبي ويسعى إليها، لذلك كان يريد جيشا مؤمنا بأهدافه مقدرا للظروف.. يريد سيوفا تحركها قوة النفس لا جشعها، وكان جيش محمد كما أراده، قليلا بعدده كثيرا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم «٢» . ويذكر المقريزي أن عدد المسلمين الذين توجهوا إلى خيبر كانوا ألفا وأربعمائة مقاتل يصحبهم مائتا فرس «٣» ، ربما اعتمادا على عددهم يوم الحديبية القريب، كما أسهم في الخروج عدد من النسوة، خرجن ليداوين الجرحى وينسجن الملابس ويهيئن الطعام. جعل الرسول ﷺ هدفه أول الأمر السيطرة على الطريق الواصل بين خيبر وغطفان ليحول بين هؤلاء وبين أن يمدوا حلفاءهم في خيبر. وكان بنو غطفان، لدى سماعهم بتوجه الرسول إلى خيبر، قد خرجوا ليساندوا اليهود ضده لقاء نصف ثمار خيبر لذلك العام، فاضطرهم الرسول ﷺ للعودة إلى ديارهم بعد أن أوهمهم أن هجومه متجه إليهم، ومن ثم انفرد بخيبر وباغتها فجرا حيث كان أهلوها ورجالها قد خرجوا إلى مزارعهم بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا الرسول ﷺ يقود جيش المسلمين تمالكهم الخوف ونادوا «محمد والخميس» وهربوا لائذين بحصونهم، وهيؤوا أنفسهم لحصار طويل، فنادى الرسول ﷺ ملقيا مزيدا من الرعب في قلوبهم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة

стр. 293

قوم فساء صباح المنذرين» «١» . كانت خطة الرسول ﷺ في الاستيلاء على حصون اليهود المنيعة في خيبر تتلخص بمشاغلة بعضها بقوات صغيرة، وتركيز الهجوم على حصن واحد بقواته الرئيسية حتى يتم له الاستيلاء على الحصن ثم ينتقل بهجومه المركز إلى حصن آخر، كما أنه قسم قواته إلى أقسام بالنسبة إلى قبائلها وبطونها، وجعل لكل قسم قائدا حتى يشتد التنافس بين القوات ولكي يقوم بعضها بالمشاغلة بينما يأخذ الباقي قسطا من الراحة ليستأنف القتال مرتاحا عند الحاجة. إن هذه الخطة تتفق مع أحدث الخطط العسكرية الحديثة في قتال المدن والأحراش، ولو أنه قام بالقتال بأسلوب الكر والفر أو بأسلوب الصفوف في مثل هذا الموقف لما كتب للمسلمين النصر «٢» . وبدأ الهجوم، وراحت حصون خيبر الممتدة في المنطقة على شكل سلاسل والمنقسمة إلى ثلاث مناطق هي: النطاة والشق والكتيبة «٣» يدافع عنها زهاء عشرة آلاف مقاتل «٤» تسقط بأيدي المسلمين حصنا بعد حصن، وكان أو؟؟ لها سلاسل حصون ناعم والقموص، وراح عدد من المدافعين يتسللون هاربين من حصونهم، واتصل بعضهم بالرسول ﷺ ودلّه على نقاط الضعف في مواقع اليهود. ومن أجل أن يعجل الرسول ﷺ بكسب المعركة حضّ أصحابه على الجهاد وأخبرهم أن اليهود قد أسلمها حلفاؤها وهربوا، وإنها قد تجادلت واختلفت فيما بينها فزاد من ثقة المسلمين بالنصر. وكان آخر الحصون مقاومة للمسلمين سلاسل الوطيح والسلالم وقلعة الزبير حيث عصى اليهود وظلوا يقاومون بضعا وعشرين ليلة جرت خلالها مبارزات فردية بين فرسان الفريقين وهجمات عديدة قادها كبار الصحابة وسقط فيها ما يقرب من مائة قتيل يهودي وخمسة عشر مسلما، حتى إذا أيقن المدافعون بالهلكة سألوا الرسول ﷺ أن يجليهم عن المنطقة وأن يحقن دماءهم فأجابهم إلى طلبهم، فلما نزلوا إليه عرضوا عليه أن يبقيهم في أرضهم لقاء أن يدفعوا للمسلمين نصف حاصلاتهم فوافق الرسول ﷺ على العرض تقديرا

стр. 294

منه لإمكاناتهم الزراعية ورغبة منه في الإفادة من أية طاقة في إعمار الأراضي واستثمارها إلا أنه بيّن لهم أن موافقته هذه غير ملزمة إلى الأبد «فإنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» لما يعرفه عن طبع اليهود من عدم الوفاء بالعهد ومن انتهاز أية فرصة تسنح للغدر والخيانة «١» . ويزيد ولفنسون مسألة معاملة يهود خيبر وضوحا فيبين أن خيبر كانت واسعة الأطراف وفيها من الحدائق والمزارع ما يحتاج للأيدي الكثيرة التي مارست أشغال الزراعة والفلاحة، ولم يكن من العرب من مارس ذلك إلا النزر اليسير. وفوق ذلك لم يرض الرسول أن يترك من أنصاره من يستوطن هذه الأرض ويعمل بها لاحتياجه إليهم في الأعمال الحربية، ولم يكن في الإمكان ترك هذه الأرض الخصبة بورا لا تنتج زرعا ولا ثمرا والدولة الإسلامية الناشئة كانت في أشد الحاجة إلى الأموال الكثيرة، فلم يكن بد من الإبقاء على اليهود ليعملوا في هذه الأرض وينتجوا منها الزرع والثمر، ولذا كانت شروط الصلح التي عقدت بين الطرفين في مصلحة المسلمين أكثر منها في جانب المغلوبين، وما دامت شوكة اليهود في الحجاز قد انكسرت فليس ما يخشى من وجود يهود خيبر في أراضيهم «٢» . وهناك أمر يستوقف النظر وهو أنه كان بين الغنائم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر صحائف متعددة من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي بتسليمها لهم. ويدل هذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول ﷺ من المكانة العالية مما جعل اليهود يشيرون إلى النبي بالبنان حيث لم يتعرض بسوء لصحفهم المقدسة. ويذكرون بإزاء ذلك ما فعله الرومان حين تغلبوا على أورشليم وفتحوها سنة ٧٠ ب. م إذ أحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، وما فعله المتعصبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا أيضا صحف التوراة. هذا هو البون الشاسع بين الفاتحين ممن ذكرناهم وبين رسول الإسلام «٣» .

стр. 295

لكن اليهود تناسوا، بعد قليل، هذه المواقف السمحة، العادلة إزاءهم، وسعوا إلى الثأر لأنفسهم كلما سنحت الفرصة لهم بذلك. كانت أولى المحاولات ما تم على يد زينب ابنة الحارث، زوجة سلام بن مشكم، إذ أهدت للرسول شاة مشوية نثرت فيها السم، فلما مضغ من ذراعها مضغة لم يسغها ولفظها قائلا: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. وكان بشر بن البراء قد أكل هو الآخر فمات بعد قليل، وجيء بالجانية فاعترفت وقالت للرسول ﷺ : بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها الرسول «١» وقيل إنه قتلها «٢» . ويذكر الواقدي «٣» وعدد آخر من المؤرخين أن وفاة الرسول ﷺ التي جاءت بعد ثلاث سنوات كانت بسبب السم الذي دسّ له يوم خيبر «٤» ، وهو احتمال ضعيف بعد مرور هذه المدة الطويلة. بعد فترة قصيرة قام يهود خيبر باغتيال عبد الله بن سهل الأنصاري، إلا أن الرسول ﷺ وأبا بكر ﵁، من بعده، أبقياهم على ما كان الرسول ﷺ قد اشترط عليهم، سيما وأنهما- كما يقول ابن سعد- لم يكن لهما من العمال ما يكفون عمل الأرض «٥» . وعندما تولى عمر ﵁ الخلافة وبلغته أنباء اغتيال المسلم من قبل يهود خيبر واعتدائهم على عبد الله بن عمر، وكثر عمال المسلمين وتقووا على استثمار الأرض، وتنفيذا لحديث الرسول ﷺ يوم وفاته: ألا يجتمع في جزيرة العرب دينان، أصدر إنذاره إلى يهود خيبر «إن من كان عنده عهد رسول الله ﷺ فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء، ومن ثم قام بإجلاء عدد من يهود خيبر وقسم أموالهم على المسلمين «٦» .

стр. 296

ونحن لا نستطيع أن ندرك مغزى حديث الرسول ﷺ إلا إذا عدنا بأذهاننا إلى الوراء، إلى السنة التاسعة للهجرة، حيث نزلت آيات براءة تعلن إنهاء الوجود الوثني في جزيرة العرب. وقلنا هناك إن الضرورتين الاستراتيجية والحضارية هما اللتان دفعتا إلى اتخاذ هذا الموقف، ومن ثم يجيء تأكيد الرسول ﷺ في أخريات حياته (ألا يجتمع دينان في الجزيرة) ، ضمانة أخرى بصدد تعزيز الاستراتيجية الإسلامية التي رسمها ﷺ واستهدف منها جعل جزيرة العرب قاعدة إسلامية خالصة مهيّأة لانطلاق أتباعه برسالته إلى العالم كله، وهم قد أمنوا على ظهورهم من طعنات أتباع الديانات الآخرى في قلب بلادهم، ومن السموم التي يمكن أن تنفثها جيوبهم المنبثة هناك، والتي لم تكن حركات الردة والتنبؤ بأقلها خطرا.. وهذا الموقف لا يتعارض مع بقاء بعض التجمعات اليهودية المسالمة التي لا تملك تأثيرا كبيرا في بعض مناطق الجزيرة والتي كانت تربطها مع الرسول ﷺ عهود خاصة. لما سمع يهود فدك، القرية اليهودية المجاورة، بما حل برفاقهم في خيبر من معاملة طيبة بعثوا إلى الرسول ﷺ يعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم «١» . أما وادي القرى فقد ظلت عاصية، فتوجه إليها الرسول ﷺ وفرض الحصار عليها، ودعا أهاليها إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله، ولكنهم أبوا وأصروا على القتال، وجرت بين الطرفين مناوشات محدودة، والرسول يعرض عليهم الإسلام وهم يأبون مما دفعه إلى تشديد الحصار عليهم حيث تمكن بعد قليل من فتح بلدهم عنوة، وبقي هناك أربعة أيام قسم خلالها الغنائم على أصحابه وترك المزارع بيد اليهود مناصفة عليها. ولما بلغت يهود تيماء أنباء الانتصارات الإسلامية صالحوا الرسول ﷺ على الجزية وأقاموا في بلدهم «٢» . [٨] وبسقوط خيبر والمواقع المجاورة تم تصفية آخر تجمع يهودي لعب دوره

стр. 297

في مواجهة الإسلام وخصومته، ووضع العوائق في طريقه، وحبك المؤامرات ضده، وقضى قضاء تاما على القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ليهود الحجاز، وغدت كلمة الإسلام وحدها هي العليا في معظم مساحات الجزيرة العربية، وكبتت كل الجيوب التي كانت تشكل نقاط ضعف في جسد هذه الدولة التي يحيط بها الأعداء من كل مكان. ويذكر ابن سعد أن الرسول ﷺ نشط في نفس العام (٧ هـ) في الكتابة إلى زعماء بقايا التجمعات اليهودية في أقصى الشمال لتحديد موقفها من الإسلام. فبعث إلى بني جنبة بمقنا القريبة من أيلة على خليج العقبة «أما بعد، فقد نزل علي رسلكم، راجعين إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون لكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم لا ظلم عليكم ولا عدى، وإن رسول الله جاركم مما منع منه نفسه.. وإن عليكم.. ربع ما أخرجت نخلكم وربع ما صادت عروككم (مراكبكم) وربع ما اغتزل نساؤكم وإنكم برئتم- بعد- من كل جزية أو سخرة. فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول الله أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم.. وإن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول الله ... » ، وكتب لجماعة أخرى من اليهود تدعى بني غاديا (.. إن لهم الذمة وعليهم الجزية ولا عداء..) كما كتب لبني عريض كتابا آخر يحدد فيه ما عليهم أن يدفعوه للمسلمين لقاء حمايتهم لهم وعدم ظلمهم إياهم» . وكتب لأهل جرباء وأذرح من اليهود، «أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين ومن لجأ إليهم من المسلمين» «٢» . وبذلك تمكن الرسول ﷺ من تحويل هذه التجمعات اليهودية في أقصى الشمال إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية، يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية، ويحتمون بقوتها وسلطانها، ويتمتعون بعدلها وسماحتها. ولقد ظل اليهود بعدئذ، كمواطنين وليسوا كتلا سياسية أو عسكرية، يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية، لا يمسهم أحد بسوء، وعاد بعضهم

стр. 298

إلى المدينة بدليل ما ورد عن عدد منهم في سيرة ابن هشام وفي مغازي الواقدي. وهناك الكثير من الروايات والنصوص التاريخية التي تدل على أن الرسول ﷺ كان يعامل اليهود بعد غزوة خيبر بروح التسامح، حتى أنه أوصى عامله معاذ بن جبل (بألا يفتن اليهود عن يهوديتهم) . وعلى هذا النحو عومل يهود البحرين إذ لم يكلفوا إلا بدفع الجزية وبقوا متمسكين بدين آبائهم.. وأهم من كل ذلك تلك الحقوق والامتيازات التي منحها الرسول لآل بني حنينة الخيبرية وأهل مقنا كما منح الرسول أسرا غير قليلة من أهل خيبر حقوقا لم يمنحها لبقية اليهود، ما عدا الإقرار على الأراضي وإبقاءه لهم نصف الثمار- فإن هذا كان من حق كل يهود خيبر- وقد نص على ذلك ابن هشام والبخاري «١» . ومضت السنون الأخيرة من حياة الرسول ﷺ والإسلام يزداد قوة ومنعة وانتشارا، لكنه ما إن توفي ﷺ حتى وجد اليهود المبعثرون في الجزيرة وبلاد العراق والشام بغيتهم المنشودة والتقوا بيومهم الموعود، فراحوا يتكالبون، كما تكالب غيرهم من أعداء الإسلام، ضد الدولة التي مات قائدها ومؤسسها، فليس من طبع المنهزمين عامة، واليهود على وجه الخصوص، أن يسكتوا على هزائمهم وهم لا بد أن يسعوا معتمدين أي أسلوب، لاسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جردوا منها، وليس أدلّ في هذا المجال من حديث عائشة ﵂ حيث تقول: «لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم ﷺ حتى جمعهم الله على أبي بكر» «٢» . ومن ثم فإن لنا أن نتصور- رغم قلة الروايات وانعدامها أحيانا- حجم الدور اليهودي في حركات الردة والتنبؤ في عهد أبي بكر الصديق ﵁.. وفيما بعد في «الفتنة» التي زعزعت أركان الخلافة الراشدة، والتي لعب ابن سبأ فيها- وآخرون غيره لم تنكشف أسماؤهم بعد- دورا خطيرا.

стр. 299

الفصل العاشر حركة النفاق في العصر المدني [١] لا يمكن أن نتفهم حركة النفاق جيدا إلا إذا أدركنا بعديها النفسي والاجتماعي. فأما بعدها الأول فيتمثل في أن عددا من الناس، على مدار التاريخ، يسوقهم تكوينهم النفسي- الذي هو حصيلة المؤثرات البيئية والوراثية- إلى اتخاذ (موقفين) إزاء القضية الواحدة، أحدهما ظاهر والآخر باطن، فيعلنون غير ما يكتمون، ويقولون غير ما يفعلون، ويدفعهم الخوف الذي يتصورونه جاثما عليهم في كل لحظة، إلى تغطية بواطنهم بأستار ظاهرية يختبئون خلفها علّها تحميهم من الانكشاف، وهم إذا ما خلوا إلى نفوسهم، وشعروا أنهم غدوا بمنأى عما يخيفهم، دفعوا الأستار جانبا وظهروا على حقيقتهم. ويبدأ هذا الازدواج والقلق والثنائية في اتخاذ المواقف بسيطا غير معقد هدفه تحقيق مصلحة فردية أو جماعية، أو دفع أذى، إلا أن ممارسته طويلا تقود إلى استمرائه واعتياده، وسرعان ما يغدو جزآ أصيلا من التكوين النفسي للإنسان. ويتطرف الازدواج لدى البعض أحيانا حتى يغدو ظاهرة مرضية يسميها علماء النفس (انفصام الشخصية) حيث تنقطع الخيوط كلية بين الظاهر والباطن، وتزول عوامل الارتباط في كيان الإنسان، وتتفكك الذات المتوحدة إلى شخصيتين أو أكثر، ويفقد الفرد كليّة القدرة على تحديد موقفه إزاء مجريات الأحداث التي لا تكف عن التمخض والحركة، ويغدو- بتعبير الرسول ﷺ (أمّعة. يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت) . ويقودنا البعد الاجتماعي لظاهرة النفاق إلى طبيعة تكوين المجتمع العربي

стр. 300

في العصر الذي بعث فيه الرسول ﷺ : مجتمع قبلي لا يعرف الوحدة والتماسك والنظام، ولم يعتد الانقياد لسلطة موحدة أو الالتزام بشعائر وأخلاقيات وعلاقات ثابتة دائمة، وقد علمته تقاليد وممارسات قرون طويلة من التسيّب والانفلات التمرد على أية محاولة للضبط والتنظيم. والعربي، فضلا عن هذا، لا يعرف انتماء لغير قبيلته وخضوعا لغير مشايخها وانقيادا لغير مواقفها التي تحددها مصالحها القبلية وحرصها على السيادة والاستعلاء بين القبائل. ولقد جاء الإسلام دعوة إلى الانضباط والالتزام والنظام بوجه الفوضى والتسيب والانفلات، التي ألفها العربي، كما أنه جاء لكي يصهر الوحدات القبلية في إطار مجتمع موحد متماسك، تذوب فيه الإحساسات القبلية والرغبات الجزئية الموقوتة في السيادة والاستعلاء. ووجد العربي في هاتين الدعوتين خروجا على تقاليده وممارساته وأعرافه، ولم يكن من السهل عليه تجاوزها جميعا إلى آفاق الإسلام ونظامه الشامل لكل فاعليات الحياة اليومية والذي يحتم عليه الانضباط والالتزام في كل خطوة يخطوها وعمل يمارسه وتجربة يعانيها، فضلا عن أنه يدعوه إلى التخلي عن إحساسه القبلي وكسر الإطار الذي اعتاد التحرك داخله إلى المجتمع الشامل الموحد الذي تتلاشى فيه الحساسيات والأعراف القبلية ويخضع فيه الجميع لسلطة واحدة ودستور واحد يصدر عن مشرّع واحد هو الله سبحانه. إن سببا من أهم الأسباب التي جعلت الإسلام يعاني هذا العناء الصعب إزاء الجاهلية ويكافح هذا الكفاح الطويل لتطويعها وإلغائها، يعود إلى هذا البعد الاجتماعي الذي قاد إلى حركة المقاومة الوثنية الصريحة لدعوة الإسلام، كما قاد إلى حركة النفاق داخل الصفوف المسلمة وسنراه يقود- فيما بعد- إلى حركتي (الردة) و (الفتنة) في عصر الراشدين. وهكذا كان هذا العائق الاجتماعي يقف أمام امتداد الإسلام في يثرب نفسها التي اتخذت نواة لدولته الناشئة، حيث ظل عدد كبير من العرب الوثنيين يقاومون الدين الجديد ويعلنون عن رفضهم الانتماء إليه والخضوع لسلطته التي حددها ميثاق المدينة الذي أصدره الرسول ﷺ إثر دخوله يثرب. ولما لم يكن وجود المسلمين في المدينة قد تمركز بعد، سيما وأنها ملأى بالجيوب اليهودية والوثنية، ولما كان الصراع مع قريش لم تتحدد خطوطه بعد، حيث بدا أنها سوف لن تدع المسلمين يقر لهم قرار، وأنها ستظل تقاتلهم حتى تقضي على دعوتهم الجديدة،

стр. 301

فإن عرب المدينة الوثنيين وجدوا أنفسهم في مأمن في حالة إعلان رفضهم للإسلام وعدم قبول سلطته أسوة بقريش زعيمة الوثنية، وأغلب الظن أنهم كانوا على اتصال بقريش لتنسيق العمل بين الطرفين ووضع الإسلام في شقي الرحى، الأمر الذي دفع الرسول ﷺ إلى أن يؤكد في ميثاقه على منع أي اتصال من قبل أحد من المدنيين بقريش أو التعاون معها في السلم والحرب. ويذكر محمد حميد الله في (مجموعة الوثائق) أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس الخزرج، قبل وقعة بدر «إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم» . ولكن لم يؤثر تهديد الكفار ولا ترغيب المنافقين في مسلمي الأنصار «١» . وجاءت معركة بدر إيذانا بانتصار الدولة الناشئة على القيادة الوثنية المتمثلة بقريش. يقول الواقدي: «لما قدم الرسول ﷺ بالأسرى أذل الله بذلك رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا خضد عنقه لوقعة بدر» «٢» . وكان مشركو يثرب قد منّوا أنفسهم بهزيمة المسلمين، فقال رجل منهم لبعض المسلمين، وهو يرى أسامة بن زيد قادما من ساحة القتال: «قتل صاحبكم ومن معه» وقال آخر: «قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده، وقتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب» «٣» . ولكن الحقيقة سرعان ما فرضت نفسها على الجميع ووجد العرب الوثنيون في المدينة أنفسهم في وضع حرج، فهم إما أن يبقوا على كفرهم فيعرضوا أنفسهم للعقاب وإما أن ينتموا للدين الجديد، وهم لم يألفوا الانضباط والانقياد، ولا وجدوا في أنفسهم انفتاحا على تعاليم الإسلام وإلزاماته ومبادئه بدافع من تكوينهم الاجتماعي القبلي، وسرعان ما وجد زعيمهم عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول- الذي كان قد رشح لتتويجه ملكا على عرب المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ ، وبدأ الصناع بنسج تاجه «٤» - أن خير وسيلة للخروج من هذا المأزق هو أن يعلن هو وأتباعه إسلامهم ظاهرا، ويبقوا على اعتقاداتهم وعلاقاتهم

стр. 302

وممارساتهم الجاهلية باطنا، وبهذا ينجون من شبح العقاب، ويحتفظون في الوقت نفسه بمعطياتهم الجاهلية، فضلا عن أن تلبّسهم بالإسلام وتسربهم في صفوف الجماعة المسلمة سيتيح لهم فرصة أوسع لتخريب المجتمع الجديد من الداخل، والتنفيس عن حقدهم وهزيمتهم، فاستجابوا لنداء زعيمهم وملكهم المنتظر الذي قال لهم في أعقاب سماع نبأ الانتصار الحاسم لجيش الإسلام في بدر: «هذا أمر توجّه فلا مطمع في إزالته» فانضووا إلى الدين الجديد. ومنذ ذلك الحين برزت إلى الوجود قوة جديدة في مواجهة الحركة الإسلامية، سببت لها الكثير من المتاعب والمحن، ووضعت في دربها الكثير من الحواجز والعقبات، ومارست إزاءها من الداخل عمليات تخريبية لا حصر لها. وكان على الرسول ﷺ أن يصارع هذه القوة فضلا عن صراعه مع القوى الخارجية: الوثنية واليهودية والنصرانية. إلا أن مشكلة هذا الصراع تكمن في أن هذه القوة المعادية غير واضحة الأبعاد، منسربة في صفوف الجماعة الإسلامية، قديرة على الاستخفاء في أعقاب أي تخريب تمارسه.. ثم، وهذا هو الأنكى، لم يكن بإمكان الرسول ﷺ أن يعاقب على التهمة ويأخذ بالظنة وينفذ أسلوبا (روبسبييريا) في حصد مئات الرؤوس التي يشك أنها تتامر على سلامة الدولة وزعيمها، وحاشا للأنبياء أن يفعلوا ذلك. لذا نجده يرفض مرارا وتكرارا عروضا من صحابته الكرام بقتل رؤوس المنافقين وقطع رقابهم بمجرد أن يوافق الرسول ﷺ ، لكنه لم يوافق حتى النهاية على قتل رجل يشهد في ظاهره بشهادة الإسلام. وهنالك حادثة ذات دلالة في هذا المجال: عندما دخل الرسول ﷺ مكة فاتحا أمر قادته ألا يقاتلوا.. لكنه طلب منهم في الوقت نفسه أن يقتلوا عددا من المكيين سماهم لهم، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة، وجيء بأحدهم، وكان قد أسلم ثم ارتد إلى الوثنية، وبعد فتح مكة توسّط لدى عثمان بن عفان ﵁ في طلب الأمان. فصمت الرسول طويلا ثم قال (نعم) ، فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه: لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة «١» .

стр. 303

(إن النبي لا يقتل بالإشارة) .. هذا إزاء رجل كان قد ارتد وجاء يطلب الأمان، فكيف برجال يشهدون خمس مرات في اليوم بشهادة الإسلام؟ إنه كان بإمكانه ﷺ أن يحصدهم في غداة واحدة، إلا أن مقياسا دقيقا لمعرفة إيمان كل منهم لم يكن بيديه، وإنما توكل السرائر لله، ويحاسب الناس بأعمالهم الظاهرة.. وهؤلاء منافقون وظاهرهم المكشوف ظاهر إسلامي، على خلاف مع باطنهم، فكيف يعاقبهم؟ وكان الرسول ﷺ يدرك، فضلا عن هذا البعد الأخلاقي، أن ممارسة القتل الجماعي أو الفردي تجاه أناس من أتباعه، محسوبين على معسكره، سوف يعطي لأعدائه في الخارج سلاحا دعائيا ممتازا لمهاجمة الإسلام، وقد أدرك الرسول ﷺ ذلك، وقال لأصحابه معترضا على إلحاحهم عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين «فكيف بالعرب إذا قالت إن محمدا يقتل أصحابه؟» ، وهذا حق، فهم على المستوى السياسي والقانوني من أتباع محمد ﷺ ، وما دام أي منهم لم يمارس عملا (جرميا) محددا فإن من الصعوبة بمكان عزله أو قتله.. وخلال العودة من تبوك، حين أراد بضعة عشر منافقا أن يمكروا بالرسول ﷺ ويطرحوه من عقبة في الطريق، وعرض عليه بعض أصحابه أن يقطعوا رؤوسهم، أجابهم الرسول ﷺ : إني أكره أن يقول الناس إن محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه. وعندما قال له أسيد بن حضير: يا رسول الله فهؤلاء ليسوا بأصحاب، أجابه الرسول ﷺ : أليسوا يظهرون شهادة ألاإله إلا الله، أليسوا يظهرون أني رسول الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم، قال: فإني نهيت عن قتل أولئك «١» . وكان بديل هذا الأسلوب، شيئا نادرا في تاريخ الدعوات. تتبع الرسول ﷺ خطط المنافقين وتخريبهم بيقظة كاملة، ولم يحدد أسلوبا (ثابتا) في مجابهة مواقفهم (المتلونة) (المتغيّرة) ، وإنما راح يضع لكل حالة خطة تتناسب تماما وحجم المحاولة التخريبية، وتكبتها قبل أن تجيء بثمارها المرة، وقبل أن تزرع شوكها في طريق الدعاة.. ومن وراء الرسول ﷺ آيات القرآن الكريم تتنزل من الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، محللة التكوين النفسي

стр. 304

للمنافقين، مشخصة نماذج (منهم) نكاد نلمسها بأيدينا وهي تتلى علينا، فاضحة خططهم اللئيمة قبل أن تقع، منددة بأساليبهم المرذولة وهم يعملون في الظلام دسا ووقيعة، صابة عليهم غضبها المخيف في أعقاب أية محاولة يستهدفون من ورائها فتنة، أو خديعة أو مكرا «١» . وهكذا نجد ظاهرة النفاق، رغم كونها ظاهرة مرضية في حدودها النفسية والاجتماعية، إلا أنها في إطار الدعوة الإسلامية تبدو ظاهرة صحة وعافية أشبه بالأمصال المخففة التي تحقن في دم الإنسان لمقاومة مرض من الأمراض وتمكينه من مجابهته وقد عرف طعمه ولونه وقدرته على الفتك واستعد لذلك كله. لقد أدى وجود المنافقين في صفوف المسلمين إلى أن يكونوا حذرين دوما، يقظين أبدا، لا يغافلون ولا ينامون ولا يلدغون من جحر مرتين. وبسبب هذا الحذر واليقظة والسهر المستمر، تمكن المعسكر الإسلامي ليس فقط من الانتصار على أعدائه في الخارج بل- وهذا هو الأهم- تعزيز وحدته الداخلية ورصّ صفوفه، وتذويب الأجسام الغريبة أو شلها وتكييسها أو طردها كي لا تدمر المجتمع الجديد وتنخره من الداخل.. إنها حكمة الله في أن يوجد في كيان المسلمين ما يتحداهم من الداخل دوما ويدفعهم إلى الاستجابة والإبداع.. وحكمة رسول الله ﷺ التي تتسع وتتسع حتى تشمل كل حالة وتجابه كل وضع بعيدا عن الجمود على وضع واحد يصل إلى هدفه من أقصر طريق، لكنه أرخص طريق وأكثرها استحقارا للدم الإنساني، طريق الإعدام بالجملة، وحصد رؤوس مئات من الأتباع

стр. 305

والمنتمين لمجرد تهمة تدور حولهم، بمقصلة تنزل وتصعد، أو سيف يضرب يمينا وشمالا، أو إشارة صامتة تعقبها أنهار من الدماء.. إن (النبي) غير (الزعيم) و (المعلم) غير (الإرهابي) و (الإنقلابي) غير (الطاغية) و (محمد) غير (روبسبيير) . [٢] كان المنافقون يتمثلون في طائفة من عرب المدينة من الأوس والخزرج ومن بعض المتهودة من رجال بعض البطون اليهودية الصغيرة، وقد التفوا حول زعيمهم عبد الله بن أبي كما التف حوله اليهود لاتفاق مصلحة الطرفين. وقد ظل خطر المنافقين على الدولة كبيرا ما ظل اليهود في المدينة، إذ أنهم كانوا على صلة دائمة بهم، بل إن اليهود هم الذين أدركوا النفاق في المدينة فلما تم تطهيرها من اليهود ضعف أمر النفاق وأصبح النبي لا يخشى خطر هذه الطائفة «١» ، حيث أخذ صوتها يخفت، ونشاطها يخمد، وعددها يقل، وتزلفها يشتد ومداراتها تزداد، وخوفها يبدو واضحا. وربما ندم كثير من المنافقين فعادوا إلى حظيرة الإسلام الصحيح فكانت هذه الظواهر مما ثبت الرسول على خطته في عدم أخذهم بالعنف، ورأى فيها الصواب والمصلحة سيما وأنهم كانوا يرتبطون مع كثير من المخلصين بروابط القربى والرحم، وإن أخذهم بالعنف- فضلا عن الأسباب التي ذكرناها- قد يفتح في صفوف المسلمين ثغرات واسعة ويثير أزمات داخلية حادة، وهو الذي كان مطمئن القلب بوعد الله بالنصر النهائي وإظهار دينه على الدين كله «٢» . ولعل من الدلائل على ارتباط حركة النفاق بالنشاط اليهودي ضد الإسلام ما ورد في الآيات الأولى من سورة البقرة، التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول، فقد جاء فيها بصدد المنافقين: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ «٣» ، فقد قال جمهور المفسرين إن شياطينهم هم اليهود، ولم يغب ذلك عن النبي والمسلمين «٤» .

стр. 306

إن الآيات الواردة في حق المنافقين تلهم أن حركة النفاق إنما قام بها وتولى كبرها أفراد من البارزين في قومهم وعشائرهم قليلا أو كثيرا، بل إننا نكاد نقول إن أعظم أفراد هذه الفئة كانوا من تلك الطبقة، وإنه إذا كان اندمج فيها أناس من العامة فإنهم لم يكونوا كثيرين وإنما انساقوا فيها بتأثير أولئك من ناحية زعامتهم وعصبية الأرحام التي تربط بينهم، ومن ناحية الإغراء والمنفعة، وهذا طبيعي لأنه ليس لأفراد من العامة مناوأة حركة اندمج فيها غالب قومهم.. كما أنه قلما يكون في هؤلاء من يظن أنه أعقل من أن يندمج في حركة اندمجت فيها الكثرة الكبرى، وإن الذين اندفعوا في مناوأتها واغتاظوا منها وحقدوا عليها لا يمكن أن يكونوا إلا أفرادا من البارزين الذين يمكن أن يتوهموا فيها ضررا وخطرا على مركزهم ومصلحتهم، وأن يأنفوا هذا الحركة. فالذين أخذوا على عاتقهم مهمة تغذية هذه الحركة لا يمكن أن يتصلوا بشأنها إلا مع أمثال هؤلاء كما لا يخفى «١» . اتخذت أساليب المنافقين أشكالا شتى، بعضها مخطط مدروس وبعضها عفوي مرتجل، وهي في كلتا الحالتين جاءت تعبيرا عن التكوين النفسي والاجتماعي لشخصية (المنافق) واستهدفت وضع الحواجز والعوائق في طريق الحركة الإسلامية.. وسنتتبع هنا أساليبهم هذه وفق مجراها الزمني منذ ظهور هذه الكتلة في أعقاب بدر حتى وفاة الرسول ﷺ . عندما حاصر الرسول ﷺ بني قينقاع، أول قبيلة يهودية كبيرة تنقض عهدها مع الرسول ﷺ ، ونزلوا عند حكمه، بعد أن رأوا ألا فائدة من المقاومة، وجد عبد الله بن أبيّ أن انتصارا آخر- بعد بدر- سيحرزه المسلمون في داخل المدينة هذه المرة، وأن هذا ربما سيستفز أعداء الإسلام: عربا ويهودا، ويؤلبهم على المسلمين، وأن هؤلاء ربما وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه.. فليتحرك زعيم المنافقين بسرعة إذن وليقف إلى جانب بني قينقاع مدافعا عنهم إزاء هجوم المسلمين، علّ الدائرة تدور على هؤلاء فيكون ابن أبيّ قد أوجد لنفسه ولأتباعه ثغرة ينفذون منها بجلودهم، سيما وأن يهود بني قينقاع كانوا مواليه في الجاهلية فلا يعقل أن يسلمهم لمصيرهم دون أن (يظهر) على الأقل إسناده في محنتهم. تقدم إلى الرسول ﷺ متوسلا: يا محمد أحسن في مواليّ. فلم يجبه

стр. 307

الرسول فأعاد: يا محمد أحسن في مواليّ. فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع الرسول وراح يكرر توسلاته، فرد عليه الرسول، وقد كست وجهه ملامح الغضب: ويحك أرسلني، فأجاب ابن أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. ويبدو أن الرسول ﷺ ما كان ليريد إنزال عقاب بهم، بل أن يغادروا حصونهم إلى حيث يشاؤون ما داموا قد نزلوا عند حكم الرسول ﷺ ، ولذا أجاب عبد الله: هم لك! ثم التفت إلى أصحابه قائلا: خلّوهم، لعنهم الله ولعنه معهم!! ونزلت آيات القرآن منددة بهذا الموقف المنافق، المتأرجح بين ولاية الإسلام وولاية أعدائه* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ «١» . وفي حصار بني النضير، القبيلة اليهودية الثانية التي طردت من المدينة في أعقاب تامرها على حياة الرسول ﷺ في السنة الرابعة للهجرة، أعاد ابن أبي وكبار المنافقين (تمثيل نفس الدور) الذي مثلوه مع بني قينقاع، إذ بعثوا إلى بني النضير، وهم يعانون من حصار المسلمين وقبضتهم المحكمة أن «اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم» ، إلا أن المنافقين الذين كانوا (يقولون ما لا يفعلون) مع المعسكر الإسلامي، كانوا يقولون ما لا يفعلون مع كل معسكر يظهرون له الودّ والإخلاص، ذلك إن أيّا منهم لم يكن شخصية واحدة تتخذ موقفا موحدا إزاء القضية، وإنما شخصيتين. ولقد ظل بنو النضير ينتظرون نجدة رفاقهم دونما جدوى حتى سألوا الرسول ﷺ الجلاء عن ديارهم، بعد أن سدّت كل المنافذ.. وبعد قليل جاءت آيات القرآن، فاضحة منددة كاشفة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ.. «٢» .

стр. 308

وعندما سمع الرسول ﷺ نبأ تحرك قريش بقواتها التي تفوق المسلمين بكثير ونزولها في أحد لقتال المسلمين انتقاما لما لحق الكفار في بدر، ومحاولة للقضاء على الدولة الجديدة، وطرح رأيه بقتال قريش في المدينة نفسها، قتال الشوارع والحارات، وافقه عبد الله بن أبيّ على رأيه هذا وألح على ضرورة تنفيذه قائلا «يا رسول الله أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا إلى عدوّ لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا» «١» ، ربما حرصا من زعيم المنافقين على الظهور بمظهر المتحمسين لتنفيذ رأي رسولهم، سيما بعد أن رأى أكثرية المسلمين تطالب بموقف آخر هو الخروج والقتال في الأرض المكشوفة، وهو من خلال حرصه وإصراره سيزيد- حسب اعتقاده- شقة الخلاف بين الطرفين، وليكن بعدها ما يكون.. وربما رأى- وهو الأرجح- أن قتال المسلمين لأعدائهم داخل المدينة سيمكن المنافقين من الاختباء وسيتيح لهم التسلل من سوح القتال وطلب النجاة بأنفسهم دون أن تلحظهم عين، وهم في مخابئهم تلك سيعرفون لمن سترجح الكفة، فيتسللون ثانية إلى معسكرات المنتصرين، فإن كانوا من المسلمين قالوا: ألم نكن معكم، أو لم تكن فكرتنا في القتال داخل المدينة أصوب وأحسن؟ وإن كانوا من المشركين بينوا لهم أنهم هم الذين ألجؤوا المسلمين إلى انتظار أعدائهم لكي يقضى عليهم في المدينة، وأنهم انسحبوا من القتال وفتّوا في عضد أتباع محمد ﷺ ومن ثم ستكون لهم الحظوة على أي حال سيؤول إليها القتال. إلا أن الرسول ﷺ لم يشأ إلا أن يأخذ برأي أكثرية أتباعه الراغبين في الخروج إلى القتال، ولم يتح للنقاش أن يتطور إلى انشقاق عميق بين وجهتي النظر، فدخل بيته ولبس عدة القتال وانطلق بأصحابه صوب أحد. ولم يمض على مسيرهم بعض الوقت حتى انسحب ابن أبيّ بثلث المقاتلين وقال مبررا موقفه «أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس!» ، وقد لحق به عبد الله بن عمرو بن حرام وسعى إلى إقناعه بالرجوع والانضمام إلى إخوانه، وراح يقول للمنسحبين «يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم..» فأجابوه:

стр. 309

«لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال» فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف والعودة قال: «أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه» «١» . وهذا الأسلوب الذي اتبعه المنافقون في المسير مع المسلمين ثم الانسحاب في اللحظات الحرجة يتكرر مرة أخرى في غزوة تبوك التي لا تقل خطورة عن معركة أحد، إذ انطلق ابن أبيّ في أعقاب الرسول ﷺ على رأس جماعته، وما أن اجتاز المسلمون مسافة قصيرة صوب هدفهم حتى تخلف المنافقون وقفلوا عائدين إلى المدينة «٢» ، وإذا كان لهم عذر في ذلك أول مرة أعلنوه تبريرا لانسحابهم، فإنهم قد افتقدوا الأعذار هذه المرة ولم يقولوا شيئا!! إلا أن الموقف في كلا الحالتين هو نفس الموقف: عدم إيمان بالهدف الذي يتحرك إليه المسلمون، وخوف من الموت في سبيل قضية لا يؤمنون بها، وتخذيل للمسلمين في اللحظات الحرجة علّهم يجابهوا بهزّة خطيرة تقضي عليهم وتعيد المنافقين إلى حياة التسيّب القديمة، ويرجع لابن أبي حلمه القديم في أن يكون ملكا على قومه!! ولقد ورد في سيرة ابن هشام، بصدد موقف المنافقين في محنة تبوك «أن عبد الله بن أبيّ، كبير المنافقين، ضرب عسكره بأسفل عسكر النبي ﷺ وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب» ، فتمسك بهذه العبارة المستشرق كايتاني وأخذ يعظم من شأن وعدد المنافقين ويشكك في عدد الجيش المرويّ. غير أن هذا وذاك في غير محلهما، فالآيات القرآنية صريحة بأن المتخلفين من الأعراب والمنافقين كانوا من الأغنياء وأولي الطول، وهؤلاء دائما محدودو العدد، وعبارة ابن هشام تحمل الشك الصريح في المدى، وقد روى في الوقت نفسه أن عدد المتخلفين من المنافقين كان بضعة وثمانين رجلا، وفي سورة التوبة آيات تحكي ما كان من شدة خوف المنافقين واعتذارهم وتزلفهم وإيمانهم، بما فيه الدلالة القوية على ما صار إليه شأنهم من ضعف، وعددهم من قلة وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ «٣» .

стр. 310

وقد وجد المنافقون في هزيمة المسلمين بأحد ميدانا فسيحا لإظهار أحقادهم وشكوكهم والكشف عن موقفهم الصريح من الأحداث. يقول الواقدي: «جعل ابن ابيّ والمنافقون معه يشمتون ويسرون بما أصاب المسلمين- في أحد- ويظهرون أقبح القول. ورجع من رجع من الصحابه وعامتهم جريح، ورجع عبد الله ابن عبد الله بن أبيّ وهو جريح، فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب الليل، وجعل أبوه يقول: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي!! عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير ... وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله ﷺ ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون لأصحابه: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل، حتى سمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول الله ﷺ ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من المنافقين، فقال له رسول الله ﷺ : إن الله مظهر دينه ومعزّ نبيه، أليسوا يظهرون شهادة ألاإله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لك أمرهم وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة. فقال رسول الله ﷺ : نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يا ابن الخطاب! إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن» «١» . ويحدثنا ابن هشام كيف أن عبد الله بن أبي كان يتمتع بشرف في نفسه وفي قومه، وكيف أنه كان يجلس على رأس قومه، كل جمعة في المسجد، وكيف كان ينتهز فرصة جلوس الرسول ﷺ بين الخطبتين فيقوم ويقول: «أيها الناس هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا» ثم يجلس. وكيف أنه عندما أراد تمثيل نفس الدور في الجمعة التي أعقبت هزيمة أحد أخذ المسلمون بثيابه من كل مكان وصاحوا: اجلس!! أي عدوّ الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت! فيخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا «٢» إن قمت أشدد أمره!! فلقيه رجل من الأنصار يردد هذه العبارة فقال له: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ ، فأجابه عبد الله: والله ما أبتغي أن يستغفر لي «٣» . وقال ابن إسحاق: «كان يوم أحد

стр. 311

يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحص به المنافقين، ممن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر في قلبه» «١» . ومن أجل التعويض عن خوائهم الروحي وتغطية دورهم السلبي في حركة الدعوة، وملء الفراغ الذي يعانونه، كانوا يظهرون بين الحين والحين بمظهر الناصحين، الحريصين على مصير الدعوة وحياة أصحابها. قال رجال منهم، تعقيبا على مأساة الرجيع التي ذهب ضحيتها سبعة من الدعاة: «يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهلهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم» ، لكن القرآن الكريم ما لبث أن فضح ازدواجيتهم هذه، ومزّق عن وجوههم أقنعة الحرص والاهتمام وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ «٢» . في معركة الخندق حيث المحنة التي كشفت عن صفوف المنتمين إلى معسكر الإسلام وسلطت وهجها اللافح على أعماق سرائرهم، وقف المنافقون في آخر الصفوف يثيرون شائعات الخوف والهزيمة ويطلقون سخرياتهم بوجه الجد الصارم الذي كان يدفع المؤمنين إلى العمل والسهر المتواصل ليل نهار، قبل أن يفلت الزمام من أيديهم ويصبحوا خبرا من الأخبار. وكان الرسول ﷺ يجابه حملاتهم النفسية الخفية هذه بروح الأمل ينفخها في قلوب أتباعه، ويحدثهم بيقين ثابت طموح، وهم يعملون في الخنادق محاطين بالظلام من كل مكان، بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه عما قريب وأن خيولهم ستطأ في السنين القادمة عواصم كسرى وقيصر، وتسقط عروشهم واحدا بعد الآخر. وكما كان المنافقون ينسحبون من المعركة قبل أن تلتمع السيوف، كما حدث في موقعتي أحد وتبوك، فإنهم الآن يظهرون للمؤمنين أنهم يعملون معهم في حفر الخندق، و (يمثلون دورهم هذا) وكلما وجدوا فرصة سانحة تسللوا من الخندق دون إذن من قائدهم، ولاذوا بأهليهم، بينما كان المؤمنون لا يغادر أحدهم موقع عمله إلا أن

стр. 312

يستأذن الرسول ﷺ . ولقد تحدث القرآن الكريم بعد قليل عن هؤلاء وعن هؤلاء.. وشتان!! إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» . وعندما أحاطت الأحزاب بالمدينة، وانتقض يهود بني قريظة، وعظم البلاء على المسلمين واشتد الخوف، تصاعدت حملات المنافقين، وأسفر بعضهم عن شخصيته المخفية، وقد ظنوا أن الإسلام قد فقد قدرته كلية على الرد، وقال قائلهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدهم اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!! وراح آخرون يقولون للرسول ﷺ : يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة.. ولكن المحنة انجلت، وتفتتت جيوش الأحزاب، وأعدم مجرمو الحرب من يهود بني قريظة، وعاد الإسلام أقوى مما كان، ونزلت آيات القرآن تصفع المنافقين الذين لم يكونوا بقادرين على أن يتجاوزوا رؤية الحدث إلى ما يمكن أن يتمخض عنه وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً. وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا. قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ

стр. 313

بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا «١» . [٣] لما فشلت محاولات المنافقين (التخذيلية) وخابت آمالهم في هزيمة المسلمين عبر صراعهم الطويل مع الوثنية واليهود، وحقق الرسول ﷺ انتصارات متتالية حاسمة على كلتا الجبهتين، رأى المنافقون أن يبحثوا عن (أسباب) أخرى لإضعاف جبهة المسلمين وتفكيكها ونشر الفوضى فيها، لكي ينفذوا من خلال ذلك إلى أهدافهم ومطامحهم، فلجؤوا إلى أسلوب التخريب الداخلي ونشر الشائعات الهدامة، معتمدين على تسربهم في صفوف المؤمنين واحتكاكهم المباشر بهم وقدرتهم على التخفّي والانزواء. وفي أعقاب غزوة بني المصطلق «٢» أطلق المنافقون على يد زعيمهم ابن أبيّ وعدد من رؤوسهم سهمين فتاكين إلى قلب المجتمع الإسلامي كادا أن ينزفا الكثير من دمه، أحدهما باتجاه الحسّ القبلي الذي لم يكن قد استؤصل بعد، والآخر باتجاه القيم الخلقية التي تميز المجتمع المسلم عن سائر المجتمعات، فيما عرب ب (حديث الإفك) . فلقد حدث- حينذاك- إن ازدحم على بئر هناك غلام من بني غفار لعمر بن الخطاب ﵁ مع غلام جهني من يثرب، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين!! إلا أن أحدهما ما لبث أن عفا عن الآخر واصطلح الطرفان في أعقاب وساطة عدد من المهاجرين والأنصار «٣» . ورأى عبد الله بن أبي أن ينتهز الفرصة فأظهر غضبه وقال بعصبية: «أوقد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول (سمّن كلبك يأكلك) !! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل» ثم أقبل على من حضره من قومه- وفيهم زيد بن أرقم، وكان غلاما حدثا

стр. 314

- فقال لهم: «هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم» «١» . توجه زيد بن أرقم فورا إلى الرسول ﷺ وأخبره الخبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁، الذي كان يقف إلى جواره: مر عبّاد بن بشر فليقتله. فأجابه الرسول ﷺ : إذن لأرعدت له أنف بيثرب كثيرة.. وكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذّن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن الرسول ﷺ يرتحل فيها. فتحرك المسلمون، وعندما سمع ابن أبي أن أمره قد انكشف مشى إلى الرسول ﷺ متوسلا وحلف بالله: ما قلت ما قاله زيد ولا تكلمات به!! فقال عدد من الأنصار عطفا على ابن أبيّ لمكانته في قومه: عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل! وعندما سمع أسيد بن حضير، أحد كبار الأنصار، الخبر من الرسول ﷺ وأن ابن أبيّ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال أسيد: فأنت يا رسول الله الأعز والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. وما لبث أسيد أن تذكر الظروف التي أحاطت بزعيم المنافقين ودفعته إلى اتخاذ موقفه الحانق هذا على الإسلام ورسوله فقال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك وأن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى إنك قد استلبته ملكا» !! انطلق الرسول ﷺ بالمسلمين يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم التالي، حتى آذنتهم الشمس بالمغيب، فعسكر بهم، وما أن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما. ولقد كان الرسول ﷺ حكيما في معالجته (الموقف) بهذا الأسلوب العملي. إنه موقف (نفسيّ) يتوغل بعيدا في مسارب النفوس والأعصاب، ومجابهته بالكلام والأقوال قد لا تجدي، وربما تزيده تعقيدا، فليكن الأمر إذن (عملا) مجهدا يوازي في حجمه حجم الموقف نفسه، ويمتصّ كل ما يمكن أن يغرزه في نفوس المسلمين من سموم، وسيتكفل التعب والنسيان بعد ذاك بالإتيان على بقاياه!! ومن أجل ذلك يقول ابن هشام: «وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من عبد الله

стр. 315

ابن أبيّ» «١» ، ويذكر الواقدي بأن الناس راحوا يتحدثون بمقالة ابن أبي وما كان منه، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير «فما نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبي في أفواههم ذكر» «٢» . وعندما بلغ ابن عبد الله بن أبيّ ما كان من أبيه، قال للرسول ﷺ : يا رسول الله إنه بلغني إنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار. فأجابه الرسول ﷺ : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا!! «٣» . جعل ابن أبي- بعد موقف الرسول المتسامح ذاك- إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنّفونه، وحينئذاك قال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته! أجاب عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري «٤» !. أما السهم الآخر الذي وجهته حركة النفاق إلى قلب الجماعة الإسلامية، متمثلا بزوجة نبيهم ﷺ وابنة صدّيقهم أبي بكر ﵁. فلنستمع إلى عائشة نفسها وهي تحدثنا: كيف انطلق، وأين استقر، ومن الذي أطلقه، وكيف تم انتزاعه بعد ما نزف من دماء!! قالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست

стр. 316

عقدي فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الذين يرحّلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي أركب وهم يحسبون إني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن ولم يغشهنّ اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج.. وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا. فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي، فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظهيرة فهلك من هلك!! وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن أبي سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الأفك، ويريا بني في وجعي إني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم فيقول كيف تيكم؟ أشعر بشيء من ذلك، حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح (في حاجة لنا) فعثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح!! فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: ألم تسمعي ما قالوا؟ فاخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: إئذن لي إلى أبوي، وأنا حينئذ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبوي فقلت لأمي ما يتحدث الناس به، فقالت: يا بنيّة هوّني على نفسك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا؟ فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال: أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ فقالت: لا والذي بعثك

стр. 317

بالحق، إن رأيت منها أمرا أنكره عليها قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن أبي سلول فقال: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي.. وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. فتشهّد ثم قال: يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسن منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ . قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . وكنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني لبريئة- لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم إني لبريئة لتصدقنني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «١» . ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات، فلما

стр. 318

سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله فقد برّأك الله. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» .. وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب ما علمت مما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا، وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع» «٢» . [٤] ظل المنافقون يعملون ضد الإسلام، من داخل صفوفه، منتهزين أية فرصة لتحقيق أهدافهم وللتعبير عن قلقهم وازدواجيتهم، وليس أدل في هذا المجال من حادثة (مسجد الضرار) التي أعقبت عودة المسلمين من تبوك. ويتبدى مغزى الحادثة من الاسم الذي أطلقه القرآن الكريم عليها وعلى أصحابها: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٣» . ويروي الطبري أن الذين بنوه اثنا عشر رجلا على رأسهم خذام بن خالد، أحد بني عمرو بن عوف، الذي تبرع بإخراج المسجد من داره، ثم جاؤوا إلى الرسول ﷺ وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: «يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا

стр. 319

فيه» ، فأجابهم الرسول ﷺ : «إني على جناح سفر. ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه» . لكنه ما أن فقل عائدا من غزوته تلك، وأصبح على مقربة ساعة من المدينة حتى جاءه الوحي الأمين بحقيقة ما كان يرمي إليه أولئك الرجال المنافقون في بناء مسجدهم ذاك، ودعوتهم الرسول ﷺ لمباركته!! فما لبث ﷺ أن استدعى اثنين من أصحابه وقال لهما: «انطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه» ، فخرجا مسرعين حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه حتى تفرق عنه أصحابه «١» . وقد سئل عاصم بن عدي: لم أرادوا بناءه؟ فقال: كانوا يجتمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم، ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم، فشق ذلك عليهم، وأرادوا مسجدا يكونون فيه، لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم. فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدكم هذا، وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ما أكره قالوا: نحن نبني مسجدا تتحدث فيه عندنا «٢» . ويروى البلاذري عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا في (قباء) فصلى بهم رسول الله ﷺ فيه، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف فقالوا: لو بنينا أيضا مسجدا وبعثنا إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه كما صلى في مسجد أصحابنا، ولعل أبا عامر- الذي كان قد فرّ من الله ورسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصّر وأقسم أن يحارب الرسول أينما وجد فرصة لذلك- أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلي بنا فيه. فبنوا مسجدا وبعثوا إلى رسول الله يسألونه أن يأتي فيصلي فيه. فلما قام رسول الله لينطلق إليهم، أتاه الوحي بالآية السالفة «٣» . ويبدو من دراسة هذه الحادثة أن حركة النفاق كانت قد حذقت، خلال سني الدعوة الطويلة، مزيدا من الأساليب لتخريب المجتمع الإسلامي من الداخل، بعد أن أعيتها كل الحيل السابقة. وها هي الآن تسعى في ظاهر الأمر إلى مزيد من الاندماج في المجتمع الإسلامي وإلى اعتماد مؤسساته نفسها كالمسجد الذي هو رمز العبادة الإسلامية وحرمها للوصول إلى أهدافها بضمان أكبر، حيث سيحقق

стр. 320

لها ذلك العمل خفاء أكثر ويظهر من نياتها وأعمالها ما هو طيب مقبول، ولكنه سيؤدي في الوقت نفسه إلى تمزق وانشقاق في قلب المجتمع الإسلامي، وفي أي شيء؟ في المسجد الذي هو مركز الجماعة الإسلامية ومنطلق نشاطاتها المختلفة، وقلبها الذي لا يكف عن الخفقان!! ومن هناك، وبعد المباركة التي سيمنحها الرسول ﷺ مسجدهم هذا، سينطلق المنافقون، وقد أبدوا نية حسنة وبنوا مسجدا جديدا، لاستقطاب العناصر القلقة في المجتمع الإسلامي وضمها إلى صفوفهم، وتوسيع قواعدهم بين المسلمين، وإطلاق الشائعات وبذل نشاط واسع من هذا المسجد، بقيادة زعيمهم الذي كان قد لحق بالشام وتنصّر!! للاتصال بغير المسلمين كذلك لرسم الخطط وتحديد أساليب العمل، وهم في حماية من غضبة المسلمين وفي أمان من الانكشاف، ما داموا يمارسون نشاطاتهم تلك من قلب المسجد الذي باركه الرسول ﷺ . والذي يؤكد هذا، أن تصاعد نشاط المنافقين في أقوالهم وأعمالهم، والذي رافق محنة تبوك- كما رأينا- جاء موازيا لبناء هذا المسجد الذي تم إنشاؤه قبيل التجهز لغزو الروم. وعندما هرع مبعوثا الرسول ﷺ لتهديم بؤرة النفاق هذه وجدا في باحتها أولئك الذين أقاموها.. وربما كانوا يمارسون من هناك نشاطهم المسموم. وهذا الأسلوب في العمل التخريبي، وهو اعتماد قيم ومؤسسات مجتمع أو عقيدة ما لتخريب أسس ذلك المجتمع وعقائدياته وتدمير معنويات أصحابه، معروف على مرّ العصور، وليست هذه التجربة التي فضحها القرآن الكريم إلا علامة تحذير دفعت المسلمين إلى مزيد من الحذر واليقظة!! [٥] وكما حدث بالنسبة لليهود، مضت المراحل الأخيرة من حياة الرسول ﷺ والإسلام يزداد قوة ومنعة وانتشارا، وزعماء القبائل العربية وأمراؤها ينهالون على المدينة معلنين إسلامهم ومبايعين رسولهم الكريم. ولم يجد المنافقون منفذا يتسللون منه لتسديد ضربة مؤذية أو تنفيذ مخطط تخريبي جديد، سيما وأن زعيمهم عبد الله بن أبيّ كان قد توفي في أواخر السنة التاسعة «١» ، وكانت الآيات
следующие страницы →