Полный текст (1 842 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
كَانَ يَرْعَى َلِقْحةً (١) لَهُ بأُحُدٍ (٢) ، فَجَاءَهَا (٣) الموتُ فَذَكَّاهَا (٤) بشِظَاظ (٥) ، فَسَأَلَ (٦) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِهَا، فَقَالَ: لا بَأْسَ بِهَا كُلُوهَا (٧) .
٦٤٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا (٨) نَافِعٌ، عَنْ رجل من الأنصار، الحواشي
(١) بكسر اللام وفتحها: ناقة ذات لبن، كذا ذكره السيوطي في "التنوير".(٢) بضمتين: جبل عظيم بقرب المدينة.(٣) أي قَرُب موتها، وجاءت مقدماته.(٤) بتشديد الكاف: أي ذبحها.(٥) قوله: شظاظ، بكسر الشين المعجمة وإعجام الظائين: العود المحدَّد الطَرَف. وفُسِّر في بعض طرق الحديث بالوتد، كذا في "التنوير".(٦) في رواية: فأتى النبيَّ ﷺ ، فسأله فأمره بأكلها.(٧) أمر إباحة: إشارة إلى إباحة أكل ما ذبح المحدَّد.(٨) قوله: أخبرنا نافع، أي مولى ابن عمر عن رجل من الأنصار إلخ، روى البخاري هذا الحديث عن المقدمي عن معمر عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع أنه سمع ابن كعب بن مالك يخبر ابن عمر أن أباه أخبره أن جارية لهم كانت ترعى غنماً بسلع، فأبصرت بشاةٍ موتاً، فكسرت حجراً، فذبحتها فقال كعب لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبيَّ ﷺ فأسأله، فأتاه أو بعث إليه من سأله، فأمره بأكلها. ثم روى من طريق جويرية عن نافع عن رجل من بني سلمة أخبر عبد الله بن عمر أن جارية لكعب بن مالك ترعى غنماً ... الحديث. وابن كعب المذكور في الروايةстр. 1262
أَنَّ مُعَاذَ بْنَ سَعْدٍ (١) أَوْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ جَارِيَةً (٢) لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بسَلْع (٣) فَأُصِيبَتْ (٤) مِنْهَا شَاةٌ، فَأَدْرَكَتْهَا (٥) ، ثُمَّ ذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ، فسُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لا بَأْسَ بِهَا كُلُوهَا (٦) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ كُلُّ شَيْءٍ أَفْرَى (٧) الأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدم الحواشي
(١) قال الزرقاني: كذا وقع الشك. وذكر معاذ بن سعد بن مندة وأبو نعيم في الصحابة، قاله في "الإِصابة".(٢) قال ابن حجر في "مقدمة الفتح": لا يُعرف اسمها.(٣) بفتح السين وسكون اللام: جبل بالمدينة.(٤) أي جاءته مقدمات الموت.(٥) الجارية.(٦) يُستنبط من الحديث جواز ذبيحة المرأة بلا كراهة.(٧) قوله: أفرى الأوداج، الإفراء القطع، والأوداج جمع وَدَج - بفتحتين - وهي عروق تحيط بالحلق، والإِنهار الإسالة، كذا ذكره العيني، وفي هذا التعبير إشارة إلى ما ورد: "أنهِر الدم بما شئت" متفق عليه من حديث عدي، وفي رواية لهما من حديث رافع: ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا. وفي رواية ابن أبي شيبة عن رافع: كلُّ ما أفرى الأوداج إلا سنّاً أو ظفراً.стр. 1263
فَذَبَحْتَ بِهِ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ إِلا السنَّ وَالظُّفْرَ وَالْعَظْمَ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ أَنْ تُذبح (١) بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا.
٦٤١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: مَا ذُبح (٢) بِهِ إِذَا بَضّع (٣) فَلا بَأْسَ بِهِ إِذَا اضطُررت (٤) إِلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. لا بَأْسَ بِذَلِكَ كلِّه عَلَى مَا فسّرتُ (٥) الحواشي
(١) بصيغة المجهول أو المعروف المخاطب.(٢) بصيغة المجهول.(٣) قوله: إذا بَضّع، بفتح الباء وتشديد الضاد وتخفيفها أي قطع.(٤) قوله: إذا اضطررت (قال صاحب " المحلّى": بأن لم تجد السكِّين خرج مخرج الغالب لأن الإنسان لا يعدل من المدية ونحوها إلى القضيب إلا إذا لم يجدها. انتهى. انظر: الأوجز ٩/١٣٦) إليه، بصيغة المجهول المخاطب. الظاهر أنه محمول على ذكاة الاضطرار، فإن ذكاة الاختيار هو قطع الأوداج، وذكاة الضرورة جرح في البدن أينما كان وهو لا يحلّ عند القدرة على ذكاة الاختيار، بل بحالة عدم القدرة عليه، فمعنى قوله ما ذبح به ... إلخ: أنّ ما يُذبح به إذا قطع موضعاً من مواضع الحيوان فلا بأس به إذا اضطر إليه، وإن لم يضطر إليه لا يجوز ذلك. وحمله الزرقاني على أن معنى البضع قطع الحلقوم والودجين وأنّ قوله إذا اضطرت إليه متعلق بتعميم مستفاد من كلمة "ما" أي ما ذبح به إذا قطع الأوداج، وإن كان غير حديد فلا بأس به إذا اضطررت إليه وإلا فالمستحب الحديد المشحوذ لحديث وليُحدّ شفرتّه.(٥) أي بيّنتُ سابقاً.стр. 1264
لَكَ، وَإِنْ ذُبِحَ بِسِنٍّ أَوْ ظُفْرٍ مَنْزُوعَيْنِ (١) فَأَفْرَى الأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ أُكل (٢) أَيْضًا. وَذَلِكَ (٣) مكروه، فإن كانا منزوعين (٤) فإنما (٥) قتلها الحواشي
(١) أي مقلوعين عن موضعهما.(٢) قوله: أكل أيضاً، لعموم الأحاديث التي مرّ ذكرها. ولأنّ كلاًّ من السنّ والظفر وكذا القرن والعظم آلة جارحة تخرج الدم فيحصل ما هو المقصود. وذكر العيني أن حلة أكل ما ذبح بالسن وغيره مذهب مالك (قال ابن رشد في البداية ٢/٤٨٤: أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من حديد أو صخر أو غيرهما أن التذكية به جائزة، واختلفوا في ثلاثة: في السن والظفر والعظم، ولاخلاف في المذهب أن الذكاة بالعظم جائزة إذا أنهر الدم، واختلف في السن والظفر على الأقاويل الثلاثة أعني بالمنع مطلقاً، وبالفرق بين الانفصال والاتصال، وبالكراهة لا المنع) أيضاً. وقال الشافعي وأحمد: المذبوح به ميتة لحديث رافع بن خديج مرفوعاً: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سِنّاً أو ظفراً، سأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم. وأما الظفر فمُدى الحبشة" أخرجه الأئمة الستة وهو محمول عندنا على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون كذلك إظهاراً للجلادة.(٣) قوله: ذلك، أي ذلك الفعل يعني الذبح بالسن والظفر مكروه، أما السن فلأنّه عظم وهو زاد إخواننا من الجن، فيجب الاحتزار عن تنجيسه، ولهذا مُنع عن الاستنجاء به وذلك متصوَّر في الذبح وأما الظفر فلأنّ فيه تشبّهاً بالحبشة.(٤) بل قائمين في موضعهما.(٥) قوله: فإنما قتلها قتلاً، قال الطحاوي في "شرح معاني الآثار": قد روي في هذا عن ابن عباس ما قد حدثنا به سليمان بن شعيب، نا الحصيب بن ناصح، نا أبو الأشعث عن أبي العطاردي قال: خرجنا حُجّاجاً فصاد رجل من القوم أرنباً فذبحها بظفره، فأكلوها ولم آكل معهم، فلما قدمنا المدينة سألتُ ابنَ عباس،стр. 1265
قَتْلًا (١) فَهِيَ مَيْتَةٌ لا تُؤْكَلُ. وَهُوَ قولُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
٦ - (بَابُ الصَّيْدِ وَمَا يُكره أَكْلُهُ مِنَ السِبَاع (٢) وَغَيْرِهَا)
٦٤٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاني (٣) ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ (٤) الخُشَني: أَنّ رَسُولَ الله ﷺ نهى عن أَكْلِ كلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ.
٦٤٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ الحواشي
(١) أي هو ليس بذبح شرعي.(٢) جمع سبُع بضم الباء وإسكانها: الحيوان المفترس، ذكره الدَّميري.(٣) بفتح الخاء نسبة إلى خَوْلان، قبيلة بالشام، اسمه عائذ الله، ذكره السمعاني.(٤) قوله: عن أبي ثعلبة، هو جرهم، وقيل: جرثوم بن ناشب، وقيل ابن ناشم، وقيل: اسمه عمرو بن جرثوم، وقيل: غير ذلك، كان ممن بايع تحت الشجرة وأرسله رسول الله ﷺ إلى قومه فأسلموا، ونزل الشام، ومات في زمن معاوية وقيل: في زمن عبد الملك سنة ٧٥، كذا في "الاستيعاب". ونسبته إلى خُشين بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة، قبيلة من قضاعة، ذكره السمعاني.стр. 1266
عَبِيْدَة (١) بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ (٢) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. يُكره (٣) أَكْلُ كلِّ ذِي نَابٍ (٤) مِنَ السِّبَاع وكُلِّ ذِي مِخْلب مِنَ الطَّيْرِ، ويُكره مِنَ الطَّيْرِ أيضاً (٥) ما يأكل الحواشي
(١) بفتح العين ثقة وثقة النسائي والعجلي، كذا في "الإِسعاف".(٢) بفتح الحاء وسكون الضاد نسبة إلى حضرموت من بلاد اليمن، ذكره السماني.(٣) أي يحرم.(٤) قوله: أكل كلِّ ذي ناب، هو الذي يفترس بأنيابه ويعدُو كالأسد والذئب والفهد وغير ذلك، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، وعن بعض أصحاب مالك مباح، وبه قال الشعبي وسعيد بن جبير لعموم قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أَوْحِيَ إلَيّ محرَّماً﴾ (سورة الأنعام: الأية ١٤٥) ، وكذا لا يجوز ذو مخلب من الطير - بكسر الميم - هو للطائر كالظفر للإنسان كالصقر والشاهين والعقاب، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم وقال مالك والليث والأَوْزاعي: لا يحرم من الطير شيء، وقد ورد النهي عن أكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير من حديث ابن عباس أخرجه مسلم وأبو داود والبزار، وخالد بن الوليد أخرجه أبو داود، وعلي بن أبي طالب أخرجه أحمد في مسنده، وجابر أخرجه الكرخي في "مختصره". وورد من حديث أبي ثعلبة عند الأئمة الستة وأبي هريرة عند مسلم وغيره: النهي عن ذي ناب من السباع، وهذه الروايات حجة على من حكم بخلافها، وألحق أصحابنا بسباع البهائم سباعَ الطير، كذا في "البناية" للعيني.(٥) لدخوله في قوله تعالى: ﴿ويُحَرِّم الخبائث﴾стр. 1267
الجِيَفَ (١) مِمَّا لَهُ مِخْلب أَوْ لَيْسَ لَهُ مِخْلَبٌ. وَهُوَ قَوْلُ (٢) أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
٧ - (بَابُ أَكْلِ الضَبّ (٣) )
٦٤٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ خَالِدِ (٤) بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَّهُ (٥) دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بيتَ مَيْمُونَةَ (٦) زوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فأُتي بضَبّ مَحْنُوذ (٧) فَأَهْوَى (٨) إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يده، الحواشي
(١) الجِيَف بكسر الجيم وفتح الياء جمع جيفة.(٢) قوله: وهو قول، أخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنهم يعني الصحابة كانوا يكرهون ما يأكل الجِيَف. وعن مجاهد أنه سئل عنه فعافه، ذكره ابن حجر في "التلخيص".(٣) بفتح الضاد وتشديد الباء: حيوان معروف برّيّ، يقال له سوسمار كَوه باللغة الأردية.(٤) قوله: خالد، هو ابن خالة ابن عباس، أبو سفيان المخزومي، أسلم بعد الحديبية وقبل الفتح، وشهد غزوة مؤتة، مات بحمص سنة ٢١، وقيل: بالمدينة، كذا في "الإِسعاف".(٥) قال ابن عبد البر: كذا قال يحيى وجماعة من رواة "الموطأ". وقال ابن بكير عن ابن عباس وخالد: أنهما دخلا مع رسول الله ﷺ .(٦) هي خالة ابن عباس وخالد.(٧) بالذال المعجمة أي مشويّ.(٨) أي أمال إليه يده للتناول للأكل.стр. 1268
فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاتِي كنَّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخبِرُوا (١) رسولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَقُلْنَ (٢) : هُوَ ضَبٌّ، فَرَفَعَ (٣) يدَه، فَقُلْتُ (٤) : أَحَرَامٌ (٥) هُوَ؟ قَالَ: لا (٦) ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ (٧) قَوْمِي، فأجِدُني أعافُه (٨) . قَالَ (٩) : فاجترَرْتُه (١٠) فأكلتُ وَرَسُولُ (١١) اللَّهِ ﷺ ينظُرُ.
٦٤٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رسولَ الله ﷺ ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى (١٢) فِي أَكْلِ الضبّ؟ الحواشي
(١) أي سَمُّوا له ليعرف حِلّه وحُرمته.(٢) قوله: فقلن، منهن ميمونة كما عند الطبراني وبقية النساء لم يسمَّيْن، كذا ذكره ابن حجر وغيره.(٣) معرضاً عن أكله.(٤) هذا قول خالد.(٥) أي أأعرضت عن أكله لحُرمته؟(٦) أي ليس بحرام.(٧) أي مكة وأطرافها.(٨) بفتح الهمزة أي أجد نفسي أكرهه.(٩) أي خالد.(١٠) أي جررته إلى نفسي.(١١) الواو حالية والغرض منه بيان تقريره ﵇ على أكله الدال على حله فإنه لو كان حراماً لمنعه عن أكله.(١٢) أي ما حكمه؟.стр. 1269
قال: لستُ (١) بآكله ولامُحَرِّمه.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَدْ جَاءَ (٢) فِي أَكْلِهِ اخْتِلَافٌ، فأما نحن فلا نرى أن يؤكل. الحواشي
(١) أي لا أحرّمه ولكن لا آكله لا لتحريمه بل لما مرّ.(٢) قوله: قد جاء في أكله اختلاف، أي وردت في جواز أكله وعدمه أحاديث مختلفة، فإن حديث ابن عمر وكذا حديث خالد المذكورَيْن سابقاً يدلاّن على الحِلّ من غير كراهة، وحديث عائشة وعليّ المذكورَيْن لاحقاً يدلان على النهي والكراهة، وإذا تعارضت الأخبار في الحلّ وعدمه رُجِّحت أخبار عدمه (قد جمع الشيخ في بذل المجهود ١٦/١٢١ بين هذه الروايات المتعارضة، وقال: إن رسول الله ﷺ أباحه أولاً، ولكن ترك أكله تقذُّراً واعتذر بأنه لم يكن في أرض قومي فأجدني أعافه، ثم تردّد فيه باحتمال كونه من الممسوخات فلم يأمر فيه بشيء ولم ينه عنه، فكان في حكم الإِباحة الأصلية، ثم بعد ذلك نهى عنه فصار حراماً، وهذا الوجه أولى لأن فيه تغليب الحظر على الإِباحة) احتياطاً.
قال بعض الأعلام في "شرح مسند الإِمام" (أي: تنسيق النظام ص ١٩٢) : أخرج أبو داود عن عبد الرحمن ابن شبل: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحم الضب. وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش عن ضمضم بن زرعة عن عتبة عن أبي راشد عنه، قال الحافظ: وحديث (في الأصل هكذا. والظاهر أحاديث) ابن عياش عن الشاميين مقبولة، وهؤلاء ثقات شاميون، ولا يُلتفت إلى قول الخطابي: ليس بإسناده بذلك وبهذا تمسّك أبو حنيفة وأصحابه، وقالوا بامتناع أكل الضبّ، وقد وردت أحاديث في أكل الضّب بعضها تشتمل على النهي لعلة المسخ، وبعضها على أن النبي ﵇ لم يأكل منه ولم ينه عنه، فمن الأول: ما أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني بإسناد رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن حسنة: كنّا عند النبي ﷺ فأسفر، فنزلنا منزلاً أرضاً كثيرة الضباب فأصبنا ضبّاً وذبحنا، فبينما القِدْرُстр. 1270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يغلي إذ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقال: إن أمة من بني إسرائيل فُقدت وإني أخاف أن تكون هي، فاكْفَؤوها، فَكفأناها، وفي رواية: وإنا جياع.
ومن الثاني: ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد أنّ أعرابياً أتى رسول الله ﷺ فقال: إني في غائط مُضِبة (قال الحافظ: مُضِبة - بضم أوله وكسر المعجمة - أي كثيرة الضباب. فتح الباري ٩/٦٦٣) وإنّه عامُّ طعام أهلي، فلم يجبه، فقلنا: عاوِدْهُ فعاودَهُ، فلم يجبه ثلاثاً ثم ناداه في الثالثة، وقال: يا أعرابي، إنّ الله لعن على سبطٍ من بني إسرائيل، فمسخهم دوابّ يدبّون على الأرض فلا أدري لعل هذا منها، فلست آكلها ولا أنهى عنها. وعند أبي داود والنسائي من حديث ثابت بن وديعة نحو ذلك. فلما كانت الأحاديث في الضبّ كما ترى اختلف العلماء في أكله، فمنهم من حرّمه حكاه عياض عن قوم، ومنهم من كرهه وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ونقله ابن المنذر عن علي، ومنهم من قال بإباحة أكله، وهو قول الجمهور. وقالوا في الأحاديث التي ورد النهيُ فيها لعلّة المسخ ليس فيها ما يدل على الجزم بأن الضبّ ممسوخ، وإنما توقف في ذلك وهذا لا يكون إلا قبل أن يُعلم اللَّهُ نبيَّه أن الممسوخ لا ينسل، وبهذا أجاب الطحاوي، ثم أخرج عن ابن مسعود: سئل رسول الله عن القرود والخنازير وهي ممّا مُسخ. قال: إن الله لا يُهللك قوماً فيجعل لهم نسلاً، فلما عُلم أن الممسوخ لا نسل له وكان ﷺ يستقذره فلا يأكله، ولا يحرمه وأكل على مائدته دل على الإِباحة وتكون الكراهة تنزيهية في حق من يتقذّره، ورجح الطحاوي إباحة أكله، ونقل الشيخ بيري زاده في "شرح الموطأ" لمحمد عن العيني أنه قال: الأصح أن الكراهة عند أصحابنا تنزيهية لا تحريمية للأحاديث الصحيحة أنه ليس بحرامстр. 1271
٦٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النّخَعي، عَنْ عَائِشَةَ: (١) أَنَّهُ أُهْدِيَ (٢) لَهَا ضَبّ، فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَتْهُ عَنْ أَكْلِهِ فَنَهَاهَا عَنْهُ، فَجَاءَتْ (٣) سَائِلَةٌ فَأَرَادَتْ (٤) أَنْ تُطْعِمَها إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتُطْعِمِينَها (٥) مِمَّا لا تُأكلين؟
٦٤٧ - أخبرنا عبد الجبار (٦) ، عن ابن عبّاس الهمدانيّ، عن الحواشي
(١) قوله: عن عائشة، هذه الرواية منقطعة، فإن النخَعي لم يسمع من عائشة شيئاً كما ذكره ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، وقد وجدنا هذا الحديث في "مسند الإِمام أبي حنيفة" الذي جمعه الحصفكي، وفي "مسنده" الذي جمعه الخوارزمي هكذا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وكذا أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" ونقل عن محمد أنه احتج بهذا الحديث على كراهة أكل الضب، وقال: قد دلّ ذلك على أنّ رسول الله ﷺ كره لنفسه ولغيره أكلَ الضَّبَ، فبذلك نأخذ، ثم أجاب عنه الطحاوي بقوله: قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت، فقد يجوز أن يكون كره أن تُطعمه السائل لأنها إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته، ولولا أنها عافته لما أطعمته إيّاه، فأراد النبي ﷺ أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام كما قد روي أنه نهى عن أن يُتَصَدّق بالتمر الرديء.(٢) بصيغة المجهول.(٣) في رواية الطحاوي: فجاء سائل.(٤) أي عائشة.(٥) من باب الإِطعام مع همزة الاستفهام للزجر والملام.(٦) قوله: أخبرنا عبد الجبار عن ابن عباس الهمداني، بالفتح نسبة إلى همدان،стр. 1272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قبيلة عن عزيز - على وزن فعيل بزائين معجمتين بينهما ياءً تحتية مثناة أولها عين مهملة - بن مَرْثَد - بفتح الميم والثاء المثلثة بينهما راء مهملة ساكنة - عن الحارث عن علي بن أبي طالب إلخ، هكذا وجدنا العبارة في كثير من النسخ وفي بعضها عن أبي عباس مكان عن ابن عباس، وفي بعضها مكانه عن ابن عيّاش بتشديد الباء المثناة التحتية بعد العين المهملة آخره شين معجمة، والذي أظن أن هذا كله تصحيف، والصحيح عبد الجبار ابن عباس الهمداني قال في "تهذيب التهذيب" عبد الجبار بن العباس الشِّبامي الهمداني الكوفي، وشبام جبل باليمن، روى عن أبي إسحاق السبيعي وعدي بن ثابت وسلمة بن كهيل وقيس بن وهب وعون وعثمان بن المغيرة الثقفي وعُرَيب بن مرثد المَشْرِقي وعدة، وعنه ابن المبارك وإسماعيل بن محمد بن جحادة ومسلم بن قتيبة وإبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي. وأبو أحمد الزبيري والحسن بن صالح ووكيع وغيرهم قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أرجو أن لا يكون به بأس وكان يتشيّع، وقال ابن معين وأبو داود: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال البزار: أحاديثه مستقيمة، وقال العجلي: صويلح، لا بأس به. انتهى ملخصاً. وفي "أنساب السمعاني" بعد ذكر أن الشبامي نسبة إلى شبام بلدة باليمن - بكسر الشين المعجمة بعدها باء موحدة - المشهور بالنسبة إليها عبد الجبار بن عباس الشبامي الهمداني من أهل الكوفة، يروي عن عون بن أبي جحيفة وعطاء بن السائب، وروى عنه ابن أبي زائدة والكوفيون، كان غالياً في التشيع. انتهى. وفيه أيضاً بعد ما ذكر المَشْرِقي وضبطه بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وكسر الراء المهملة في آخره قاف، نسبة إلى مشرق بطن من همدان، والمشهور بالنسبة إليه عريب بن مرثد المَشْرِقي الهمداني، يروي المقاطيع، روى عنه عبد الجبار بن العباس الشبامي انتهى ملخصاً. ومنه يُعلم أنّ شيخ عبد الجبار اسمه عريب لا عزيز فليحرر هذا المقام: وأما الحارث فهو ابن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت، وعنه الشَّعبي وأبو إسحاق السَّبيعي وعطاء بن أبي رباح وجماعة، كذَّبه الشعبي على ما أخرجهстр. 1273
عَزِيزِ بْنِ مَرثَد، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ والضّبُع (١) .
قَالَ محمدٌ: فَتَرْكُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى. الحواشي
(١) قوله: والضَّبُع، هو كالسَّبُع وزناً ويقال له كفتار (بالفارسية) وهو حلال عند الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكرهه مالك، والمكروه عنده ما يأثم آكله ولا يُقطع بتحريمه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يحل أكله، وبه قال سعيد بن المسيب والثوري محتجِّين بأنه ذو ناب (إن الضبع سبع ذو ناب، وذهب الجمهور إلى التحريم لتحريم كل ذي ناب من السباع، ولحديث الترمذي من رواية خزيمة بن جزء. انظر الكوكب الدري ٣/١٠ وبذل المجهود ١٦/١٢٨) كذا ذكره الدَّميري، وقد ورد النهي عن أكله في روايات عديدة أخرجها الترمذي وابن أبي شيبة وأحمد وإسحاق وأبو يعلى وغيرهم كما بسطه العيني في "البناية" مع الجواب عما استدَلّ به المخالفون.стр. 1274
٨ - (بَابُ مَا لَفَظَه (١) البحرُ مِنَ السَّمَك الطَّافِي (٢) وَغَيْرِهِ)
٦٤٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٣) بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ عبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ عَمَّا لَفَظَهُ (٤) الْبَحْرُ؟ فَنَهَاهُ عنه، ثم انقلب (٥) فدعا بمصحفٍ فقرأ: الحواشي
(١) أي رماه على الساحل ونحوه.(٢) قوله: الطافي، يقال: طفا الشيء فوق الماء يطفو طفواً إذا علا، ومنه السمك الطافي، وهو الذي يموت في الماء ويعلو على الماء ولا يرسب، كذا في "المغرب" وغيره.(٣) قوله: أن عبد الرحمن، قال القاري: قيل ليس لعبد الرحمن هذا حديث غير هذا في "الموطأ". انتهى. وقد ذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين.(٤) قوله: عما لفظه البحر، أي رماه البحر على الساحل، من أكلتُ التمرةَ ولفظتُ النواة أي رميتُها، ومنه قوله تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ من قولٍ إلاّ لديه رقيب عتيد﴾ (سورة ق: الآية ٦٩) وإطلاق اللفظ على الملفوظ لأنه مرميّ من الفم.(٥) قوله: ثم انقلب، أي انصرف إلى بيته، ورجع إلى أهله كما يُعلم مما ذكره السيوطي في "الدر المنثور": أخرج عبد بن حُمَيد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابنَ عمر عن حيتان ألقاها البحر؟ فقال: أمَيْتَة هي؟ قال: نعم، فنهاه، فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى على هذه الآية ﴿وطعامه﴾ فقال: طعامه هو الذي ألقاه فالْحَقْه، فمره بأكله. انتهى. وبه يظهر ما في كلام القاري حيث فسر انقلب بقوله أي رجع عن قوله. انتهى.стр. 1275
﴿أُحِلّ لَكُمْ (١) صَيْدُ (٢) الْبَحْرِ وَطَعَامُه﴾ (٣) ، قَالَ نَافِعٌ: فَأَرْسَلَنِي إِلَيْهِ (٤) أنْ (٥) لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ فَكُلْه.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ الآخِرِ (٦) نَأْخُذُ. لا بَأْسَ بِمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَبِمَا حَسَر (٧) عَنْهُ الماءُ إِنَّمَا (٨) يُكره مِنْ ذلك الطافي. وهو الحواشي
(١) الخطاب إلى المُحْرِمين.(٢) قوله: صيد البحر وطعامه، قال أبو هريرة: طعامه ما لفظه ميتاً، أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم مرفوعاً وموقوفاً، وقال أبو بكر الصدّيق: صيده ما حويت عليه وطعامه ما لفظه عليك، أخرجه أبو الشيخ، وفي رواية عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عنه: صيد البحر ما نصطاده بأيدينا، وطعامه ما لاثه البحر، ومثله أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس. وفي الباب آثار أُخَر مذكورة في "الدر المنثور".(٣) بعده: ﴿متاعاً لكم وللسيّارة وحُرِّم عليكم صيد البرِّ مادُمْتُمْ حرماً﴾ (سورة المائدة: الآية ٩٦) .(٤) أي إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة.(٥) بيان للمرسل به أي بهذا الحكم.(٦) بكسر الخاء أي المتأخر.(٧) أي انكشف عنه ونضب وغار.(٨) قوله: إنما يُكره من ذلك الطافي، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوا: وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه. وأعله البيهقي بيحيى بن سليم، وقال: إنه كثير الوهم سيّئ الحفظ، وقد رواه غيره موقوفاً، وردّه العيني بأنهстр. 1276
قول (١) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ﵏.
٩ - (بَابُ السَّمَكِ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ)
٦٤٩ - أَخْبَرَنَا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن سعيد الجاريّ بن الجار (٢) الحواشي
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة ﵀، وهو قول جابر وعليّ وابن عباس وسعيد بن المسيّب وأبي الشعثاء والنخَعي وطاوس والزهري، ذكر عنهم ذلك ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما، وأخرج الدارقطني والبيهقي إباحة الطافي عن أبي بكر وأبي أيوب، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وبعض التابعين أخذاً من إطلاق حديث: هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته، وحديث: أُحلَّت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالسمك والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال، أخرجه ابن ماجه وأحمد وعبد بن حميد والدارقطني وابن مردويه وغيرهم، وأجاب عنه أصحابنا بأن ميتة البحر ما لفظه البحر أو انحسر الماء عنه ليكون موته مضافاً إلى البحر، لا ما مات فيه حتف أنفه من غير آفة وطفا على الماء، كذا في "البناية" و"الدراية" (انظر بذل المجهود ١٦/١٤١) .(٢) قوله: عن سعيد الجاري بن الجار، هكذا وُجد في نسخ عديدة، وفي "موطأ يحيى" عن سعيد مولى عمر بن الخطاب، وذكره السَّمعاني في اسمه سعد بغير ياء، حيث ذكر أن الجاري نسبة إلى الجار بليدة على الساحل بقرب المدينة النبوية، والمنتسب إليها سعد بن نوفل الجاري، كان عامل عمر،стр. 1277
قَالَ: سألتُ ابنَ عُمَرَ عَنِ الحِيْتَان (١) يقتُل بعضُها بَعْضًا، وَيَمُوتُ صَرَداً (٢) وَفِي أَصْلِ ابْنِ الصَّوَّافِ: (٣) وَيَمُوتُ (٤) بَرْدًا - قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. قَالَ: (٥) وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. إِذَا مَاتَتِ (٦) الحِيتْان مِنْ حَرّ أَوْ بردٍ أَوْ قتلِ (٧) بعضِها بَعْضًا فَلا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، فَأَمَّا إِذَا مَاتَتْ مِيْتَةَ (٨) نفسِها فَطَفَتْ (٩) فَهَذَا يُكْرَه مِنَ السَّمَكِ، فَأَمَّا سِوَى ذَلِكَ فلا بأس به. الحواشي
(١) بكسر الحاء جمع الحوت.(٢) بفتحتين أي بردا. ً(٣) أي في نسخة "الموطأ" لابن الصوّاف وهو من المشايخ.(٤) أي مكان: ويموت صرداً (قال الباجي: ما قتل بعضه بعضاً من الحيتان أو مات صرداً يجوز أكله، وهو مما اتفق عليه مالك وأبو حنيفة والشافعي لأنه مات بسبب. انتهى. قلت: وكذلك عند أحمد. أوجز المسالك ٩/١٧٤) .(٥) أي سعيد الجاري.(٦) في البحر.(٧) مصدر مضاف معطوف على حرّ أو فعل ماضٍ وما بعده فاعل معطوف على فعل سابق.(٨) بكسر الميم أي ماتت من غير آفة خارجة، بل بموتة نفسه.(٩) أي علت على الماء.стр. 1278
١٠ - (بَابُ ذكاةُ (١) الْجَنِينِ (٢) ذكاةُ أُمِّهِ)
٦٥٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كَانَ يَقُولُ: إِذَا نُحِرَت النَّاقَةُ فّذَكاةُ مَا فِي بَطْنِهَا (٣) ذَكَاتُهَا (٤) إِذَا كانَ قَدْ تمَّ خَلْقُه (٥) ونَبَت شَعْرُهُ فَإِذَا خَرَجَ (٦) مِنْ بَطْنِهَا ذُبحَ حَتَّى يخرجَ الدمُ مِنْ جَوْفِهِ.
٦٥١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْط (٧) ، الحواشي
(١) بمعنى الذبح.(٢) هو الولد ما دام في بطن أمه.(٣) من الولد. في "موطأ يحيى": فذكاة ما في بطنها في ذكاتها.(٤) لأنه جزء منها، فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها.(٥) أي في أجزائها.(٦) قوله: فإذا خرج، حمله القاري على خروجه حالة الحياة حيث قال: فإذا خرج من بطنها أي حيّاً ذبح أي اتفاقاً حتى يخرج الدم أي دم المذابحة من جوفه أي جوف الجنين الشامل لحلقه وأوداجه. انتهى. والظاهر ما ذكره الزرقاني حيث قال: فإذا خرج من بطن أمه ذُبح أي ندباً كما يفيده السياق حتى يخرج الدم من جوفه، فذبحه إنما هو لإِنقائه من الدم لا لتوقّف الحل عليه، وهذا جاء بمعناه مرفوعاً: روى أبو داود والحاكم عن ابن عمر مرفوعاً: "ذكاةُ الجنين إذا أشعر ذكاة أمه" ولكنه يُذبح حتى ينصاب ما فيه من الدم، ويعارضه حديث ابن عمر رفعه: ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر، لكن فيه مبارك بن مجاهد ضعيف، ولتعارضهما لم يأخذ بهما الشافعية، فقالوا: ذكاة الجنين ذكاة أمه مطلقاً، ولا الحنفية فقالوا: لا مطلقاً، ومالك ألغى الثاني لضعفه وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف، فقيّد به حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه. انتهى.(٧) بصيغة التصغير.стр. 1279
عن سعيد بن المسيَّب أنه كان يقول: ذكاةُ مَا كَانَ فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ ذكاةُ أُمِّهِ إِذَا كَانَ قَدْ نَبَتَ شعرُه وتمَّ خَلْقه (١) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ إِذَا تَمَّ (٢) خَلقه، فذكاتُه فِي ذَكَاةِ أمِّه فَلا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَكَانَ يَكره أكلَه حتى يخرجَ حيّاً الحواشي
(١) في أعضائه.(٢) قوله: إذا تمّ، يعني إذا خرج من بطن الذبيحة جنينٌ ميت فإن كان تامّ الخلق نابت الشعر يؤكل، وإن لم يكن تام الخلقة فهو مضغة لا تؤكل، وبه قال مالك والليث وأبو ثور، وقال أحمد والشافعي بحله مطلقاً، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل مطلقاً وبه قال زفر والحسن بن زياد فأن خرج حيا ذبح اتفاقا ودليل من قال بالحل مطلقا أو مقيّداً بتمام الخلقة حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه أحد عشر نفساً من الصحابة، الأول: أبو سعيد الخدري، أخرج حديثه باللفظ المذكور أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه وابن حبان وأحمد. والثاني: جابر، أخرج حديثه أبو داود وأبو يعلى. الثالث: أبوهريرة، أخرج حديثه الحاكم وقال: صحيح الإِسناد، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري متفق على ضعفه، الدارقطني وفي سند عمرو بن قيس ضعيف. الرابع: ابن عمر، أخرج حديثه الحاكم والدارقطني وفي سنده ضعف. الخامس: أبو أيّوب، أخرج حديثه الحاكم. السادس: ابن مسعود، أخرج حديثه الدارقطني، ورجاله رجال الصحيح. السابع: ابن عباس، أخرجه الدارقطني. الثامن: كعب بن مالك، حديثه عند الطبراني. التاسع والعاشر: أبو أمامة وأبو الدرداء، حديثهما عند البزار والطبراني. الحادي عشر: عليّ ﵁، حديثه عند الدارقطني، وقال ابن المنذر: لم يُرْوَ عن أحد من الصحابة والتابعين وغيرهم أن الجنين لا يؤكل إلا باستيناف الذكاة إلا عن أبي حنيفة ولا أحسب أصحابه وافقوه، وفيه نظر، فقد وافقه من أصحابه زفر والحسن وشيخ شيخه إبراهيم النخعي. واختار هذا القول أيضاً ابن حزم الظاهري. وقال: لا يترك القرآن وهو قولهстр. 1280
فَيُذَكَّى (١) ، وَكَانَ (٢) يَرْوي عَنْ حَمَّادٍ (٣) عَنْ إِبْرَاهِيمَ أنّه قال (٤) : لا تكون ذكاةُ نس ذكاة نَفْسَيْن. الحواشي
(١) أي يذبح.(٢) أي أبو حنيفة.(٣) ابن أبي سليمان.(٤) هذا استبعاد بمجرّد الرأي، فلا عبرة به بمقابلة النصوص، ولعلها لم تبلغه أو حملها على غير معناها.стр. 1281
١١ - (بَابُ أَكْلِ الجرَاد (١) )
٦٥٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا (٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَرَادِ؟ فَقَالَ: وَدِدتُ (٣) أَنَّ عِنْدِي قَفْعَةً (٤) مِنْ جَرَادٍ فَآكُلُ مِنْهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا (٥) نأخذُ. فَجَرَادٌ ذُكِّي (٦) كُلُّهُ لا بأس بأكله إن الحواشي
(١) قوله: باب أكل الجَراد، بفتح الجيم حيوان معروف، ذكر الترمذي في "نوادره" أنه خُلق من الطينة التي فَضُلت من خلق آدم، ومن ثَمَّ ورد أن أول الخلق هلاكاً الجراد، أخرجه أبو يعلى وغيره. الكلام فيه مبسوط في "حياة الحيوان".(٢) في نسخة: أخبرنا.(٣) أي تمنَّيْت.(٤) بفتح القاف وسكون الفاء، فعين مهملة، شيء شبيه بالزنبيل، قاله القاري.(٥) قوله: وبهذا نأخذ، قال الدميري في "حياة الحيوان": قالت الأئمة الأربعة بحله (وقد نقل النووي الإِجماع على حِلّ أكل الجراد، وخصّه ابن العربي بغير جراد الأندلس لما فيه من الضرر المحض. وملخّص مذهب مالك إن قطع رأسه حل وإلا فلا. تنسيق النظام ص ١٩٥) سواء مات حتف أنفه أو بذكاة أو باصطيادِ مجوسي أو مسلم قُطع منه شيء أو لا، وعن أحمد إذا قتلهُ البرد لم يؤكل، وعن مالك إن قطع رأسه حلّ وإلا فلا. والدليل على عموم حلّه حديث: أحِلّت لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال والسمك والجراد، رواه الشافعي والبيهقي والدارقطني.(٦) ذُكِّي كله أي مذبوح كله أي في حكمه.стр. 1282
أُخِذَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَهُوَ ذَكِيٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا.
١٢ - (بَابُ ذَبَائِحِ (١) نَصَارَى الْعَرَبِ)
٦٥٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذبائح (٣) نصارى العرب؟ فقال: الحواشي
(١) ذبح الكتابي حلال، حربياً كان أو ذميّاً، عربياً كان أو غيره.(٢) قوله: عن عبد الله، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الكافِ الشاف في تخريج أحاديث لكشاّف"قطع لأن ثوراً لم يلق ابن عباس، وإنما أخذه عن عكرمة فحذفه مالك، وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كلوا ذبائح بني تغلب وتزوَّجوا نساءهم.(٣) قوله: عن ذبائح نصارى العرب، أي العرب الذين تنصَّروا ومنهم قوم معروفون ببني تغلب، وإنما سئل عنه وإنْ كان إطلاق قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أُوْتُوا الكتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (سورة المائدة: الآية ٥) أي ذبائحهم عامّاً لأنّ نصارى العرب ليسوا من أهل الكتاب حقيقةً، فإنهم ليسوا من بني إسرائيل الذين هم أهل التوراة والإِنجيل فكان مَظِنّة أن لا يحلّ ذبائحهم، فأجاب ابن عباس بأنه لا بأس بها أخذاً من عموم الآية، وقرأ قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ إشارة إلى أن الخطاب في هذه الآية إلى العرب، وغرضه منه أن من تولّى اليهود والنصارى من العرب وأخذ بشرائعهم وعمل حسب عملهم فهو منهم فنصارى العرب إذا تديّنوا بدين النصارى صاروا منهم حكماً وإن لم يكونوا منهم حقيقة، فدخلوا في عموم الآيةстр. 1283
لا بَأْسَ بِهَا، وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ (١) ﴿وَمَنْ يتولَّهم منكم فإنه منهم﴾ .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ.
١٣ - (بَابُ مَا قَتَل الْحَجَرُ (٢) )
٦٥٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ قَالَ: رميْتُ طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ (٣) وَأَنَا بالجُرُف (٤) ، فأصبتُهما، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ (٥) ، فَطَرَحَهُ (٦) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَمَّا الآخَرُ فَذَهَبَ (٧) عبد الله الحواشي
(١) تمامها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارى أولياءَ بعضُهم أولياءُ بعض ومن يتولّهم منكم فإنه منهم﴾ (سورة المائدة: الآية ٥١)(٢) أي بسبب ثقله عليه.(٣) في نسخة: بحجرين.(٤) بضم الجيم وضم الراء وسكون الراء موضع بقرب المدينة.(٥) أي قبل ذبحه.(٦) لأنه صار ميتة (قال الخرقي: لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر، لأنه موقوذ، قال الموفق: يعني الذي لاحدّ له، فأما المحدود كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحدِّه أبيح وإن قتل بعرضه أو ثقله فهو وقيذ لا يُباح، ووهذا قول عامة الفقهاء. أوجز المسالك. ٩/١٤٤) فإن الحجر أصابه بثقله.(٧) أي أراد أن يذبحه.стр. 1284
يذكِّيه بقَدُوم (١) فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يذكِّيه فَطَرَحَهُ أَيْضًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. مَا رُمي بِهِ الطَّيْرُ، فقُتل بِهِ قَبْلَ أَنْ تُدْرَك (٢) ذكاتُه لَمْ يُؤْكَلْ، إِلا أَنْ يُخْرَقَ (٣) أَوْ يُبَضَّع فَإِذَا خُرِقَ وَبُضِعَ فَلا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
١٤ - (بَابُ الشَّاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ تُذَكَّى (٤) قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ)
٦٥٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن أبي مُرَّةَ (٥) أنّه سأل (٦) الحواشي
(١) بفتح القاف وضم الدال: آلة مشهورة للنّجار.(٢) بصغة المجهول، فما بعده مرفوع. أو بالمعروف فما بعده منصوب.(٣) من الخرق. بمعنى القطع وهو بالراء المهملة، وفي بعض النسخ خزق (أي طعن) بالمعجمة، وفي بعضها خزف بالمعجمة آخره فاء.(٤) أي تذبح.(٥) بضم الميم وتشديد الراء هو مولى أم هانئ، ويقال: مولى عقيل بن أبي طالب.(٦) قوله: أنه سأل أبا هريرة عن شاة، قال القاري: هي كانت مريضة أو مضروبة ونحوها. انتهى. وهذا مجرد احتمال لا يشفي (في الأصل: لا يسقى وهو تحريف) العليل، وحقيقة الواقعة في المتردِّية، ففي رواية عند ابن عبد البر عن يوسف بن سعد عن أبي مرّة قال: كانت عناق كريمة، فكرهتُ أن أذبحها فلم ألبث (في الأصل: (فلم ألبس) وهو تحريف) أن تردّدت، فذبحتها، فركضتстр. 1285
أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شاةٍ ذَبَحَهَا فَتَحَرَّكَ (١) بعضُها؟ فأمره (٢) بأكلها، ثُمَّ سأل زيد ابن ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ (٣) ، وَنَهَاهُ (٤) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: إِذَا تحرّكتْ تَحَرُّكًا: أكبرُ الرَّأْيِ فِيهِ و (٥) ، الظنُّ أَنَّهَا حَيَّةٌ (٦) أُكلت (٧) ، وَإِذَا كَانَ تحرُّكها شَبِيهًا بِالاخْتِلاجِ (٨) ، وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ وَالظَّنِّ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا ميتة لم تؤكل. الحواشي
(١) أي بعد ذبحها.(٢) قوله: فأمره بأكلها، أي لأن الحركة دليل الحياة فيكون مذكّى، ويوافقه ما أخرجه ابن جرير عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة وهي تتحرك يداً أو رجلاً فكلها.(٣) فلا يفيد ذبحها.(٤) قوله: ونهاه، أي عن أكلها. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الصحابة وافق زيداً على ذلك. وقد خالفه أبو هريرة وابن عباس وعليه الأكثر.(٥) عطف تفسيري.(٦) أي كانت حيّة قبل الذبح.(٧) أي جاز أكلها.(٨) أي باضطراب الأعضاء.стр. 1286
١٥ - (بَابُ الرَّجُلِ يَشْتَرِي اللحمَ فَلا يَدْرِي (١) أَذَكِيٌّ هُوَ أَمْ غَيْرُ ذَكِيّ)
٦٥٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ (٢) أَنَّهُ قَالَ سُئِل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ (٣) : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا (٤) مِنْ أهل البادية يأتون (٥) الحواشي
(١) أي لا يَعلم أن ذلك اللحم من الحيوان المذبوح الشرعي أم لا.(٢) هو عروة بن الزبير بن العوّام. قوله: عن أبيه أنه قال ... إلخ، لم يختلف عن مالك في إرساله، وتابعه الحمّادان وابن عيينة ويحيى القطان عن هشام، ووصله البخاري في "الذبائح" من طريق أسامة بن حفص المدني، وفي "التوحيد" من طريق أبي خالد سليمان الأحمر، وفي "البيوع" من طريق الطفاوي محمد بن عبد الرحمن الإسماعيلي ومن طريق عبد العزيز الدراوردي وابن أبي شيبة عن عبد الرحيم بن سليمان والبزار من طريق أبي أسامة، الستة عن هشام عن أبيه عن عائشة، قال الدارقطني: وإرساله أشبه بالصواب يعني لأن رواته أضبط وأحفظ، وأجيب بأن الحكم للوصل إذا زاد عدد من وصل على من أرسل واحتفّ بقرينة تقوّي الوصل كما ههنا إذ عروة معروف بالرواية عن عائشة، والأولى أن يقال: إن هشاماً حدثه به على الوجهين مرسلاً وموصولاً، كذا في "شرح الزرقاني".(٣) بيان للسؤال. قوله: فقيل، عند البخاري في الذبائح: إن قوماً قالوا للنبي ﷺ : إن قوماً يأتونا باللحم، وفي آخره قالت عائشة: وكانوا أي القوم السائلون حديثي عهد بالكفر.(٤) عند النسائي: إن ناساً من الأعراب.(٥) قوله: يأتون بلُحمانٍ بضم اللام جمع لحم، وفي روايتنا: يأتوننا.стр. 1287
بلُحْمانٍ فَلا نَدْرِي هَلْ سَمَّوْا (١) عَلَيْهَا أَمْ لا؟ قَالَ (٢) فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَمُّوا (٣) اللَّهَ عَلَيْهَا، ثُمَّ كُلُوهَا. الحواشي
(١) أي عند الذبح.(٢) الضمير إلى عروة.(٣) أي عند الأكل. قوله: سَمُّوا الله عليها، قال الطِّيبي في "حواشي المشكاة": هذا من أسلوب الحكيم كأنه قيل لهم لا تهتموا بذلك، ولا تسألوا عنه والذي يهمكم الآن أن تذكروا اسم الله عليه. انتهى. وقال القسطلاني: ليس المراد منه أنّ تسميتهم على الأكل قائمة مقام التسمية عند الذبح، بل طلب التسمية التي لم تفت وهي التسمية على الأكل. انتهى. واستَدلّ بهذا الحديث من ذهب إلى أن التسمية عند الذبح ليس بشرط للحلّ (قال الحافظ: اختلفوا في كونها شرطاً في حل الأكل فذهب الشافعي وطائفة وهي رواية عن مالك وأحمد: أنها سنّة فمن تركها عمداً أو سهواً لم يقدح في حِلّ الأكل، وذهب أحمد في الراجح عنه وأبو ثور وطائفة: إلى أنها واجبة لجعلها شرطاً في حديث عدي، وذهب أبو حنيفة والثوري ومالك وجماهير العلماء إلى الجواز لمن تركها ساهياً لاعمداً، لكن اختلف عن المالكية هل تحرم أو تكره؟ وعند الحنفية تحرم، وعند الشافعية في العمد ثلاثة أوجه، أصحها يكره الأكل. انظر فتح الباري ٩/٦٠١) حتى لو ترك التسمية عامداً حلّ، فإنه لو كانت التسمية شرطاً لما أمرهم النبي ﷺ بالأكل عند الشك فيها، وأجاب عنه العيني وغيره من أصحابنا أن هذا الحديث دليل لنا، فإنهم لما سألوا عن حالة اللحم الذي شكّ في التسمية فيه علم أنه كان من المعروف عندهم اشتراط التسمية وإلا لما سألوه، وإنما أمرهم بالأكل إشعاراً بأن الظاهر من حال الذابح المسلم أن لا يدع التسمية، فكأنه قال: إنكم لستم بمأمورين لحصول التيقن والتجسس لإِيراثه إلى الوسوسة والحرج، فسَمُّوا الله عند الأكل، وكلوا ولا تُلْقُوا أنفسكم في الشك والوسوسة.стр. 1288
قَالَ (١) : وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسلام (٢) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ الَّذِي يَأْتِي بِهَا (٣) مُسْلِمًا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (٤) ، فَإِنْ أَتَى بِذَلِكَ مَجُوسِيٌّ (٥) ، وَذَكَرَ أَنَّ مُسْلِمًا ذَبَحَهُ أَوْ رَجُلا مِنْ أَهْلِ الكتاب لم يُصدَّق (٦) ولم يُؤْكَلْ بقوله. الحواشي
(١) الضمير راجع إلى مالك كما صرح به في "موطأ يحيى". قال مالك: وذلك في أول الإِسلام.(٢) قوله: وذلك في أول الإِسلام، كأنه يشير إلى أنه لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على عدم وجوب التسمية عند الذبح، فإنه كان في أول الإِسلام قبل نزول قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يُذكَر اسمُ الله عليه وإنه لفسق﴾ (سورة الأنعام: الآية ١٢١) وقال ابن عبد البر: هذا قول ضعيف لا دليل عليه ولا يُعرف وجهه، والحديث نفسه يردّه لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل، فدل على أن الآية كانت قد نزلت، وأيضاً اتفقوا على أن الآية مكّية، وأن هذا الحديث بالمدينة وأن المراد أهل باديتها. انتهى. أقول: في الوجه الأول نظر فإن الآية لا تدل على التسمية عند الآكل بل على التسمية عند الذبح فلا دلالة لسياق الحديث على ما ذكره، والحق أن سياق الحديث لا يُثبَت ما أثبتوه من عدم اشتراط التسمية بل اشتراطة كما ذكرنا.(٣) أي باللحمان.(٤) أي من اليهود والنصارى.(٥) وكذا الوثني وغيره من الكفار غير أهل الكتاب.(٦) قوله: لم يُصَدَّقْ، أي ذلك الكافر في قوله ولم يؤكل المذبوح بمجرد قوله فإن الكافر غير مقبول في باب الدِّيانة والحلّ والحرمة.стр. 1289
١٦ - (بَابُ صَيْدِ الْكَلْبِ المعلَّم)
٦٥٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يَقُولُ: فِي الْكَلْبِ (١) المعلَّم: كُلْ مَا أمْسَكَ عليك، وإن قَتَل (٢) أَوْ لَمْ يَقْتُلْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ. كُلُّ مَا قُتل وَمَا لَمْ يُقتل إِذَا ذكَّيْتَه (٣) مَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فإنْ أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ (٤) فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ (٥) بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَهُوَ قولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ من فقهائنا ﵏. الحواشي
(١) قوله: في الكلب المعلَّم، بصيغة المفعول من التعليم، وهو الذي إذا زُجر انزجر، وإذا أُرسل أطاع، والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لكم الطيبات وما علّمتم من الجوارح مكلِّبين تعلِّمونهنّ مما علّمكم الله فكُلُوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ (سورة المائدة: الآية ٤) ذكر شيخنا في الأوجز حول هذه الآية عدة أبحاث فارجع إليه. ٩/١٥٥) .(٢) لكن إذا لم يُقتل وأدركه صاحبه حيّاً يحتاج إلى التذكية.(٣) متعلِّق بما إذا لم يقتل أي ذبحته.(٤) قوله: فلا تأكل، وهو أصح قولي الشافعي لما في "الصحيح": وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه. ورخّص بعضهم في الأكل: منهم ابن عمر وسلمان الفارسي وسعد، وبه قال مالك والشافعي في رواية. والمسألة مبسوطة بتفاريعها ودلائلها في "الهداية" وشروحها.(٥) قوله: كذلك بلغنا عن ابن عباس، فإنه قال: آية المعلَّم من الكلاب أن يُمسك صيده فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه. وقال أيضاً: إذا أكل الكلب فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، أخرجهما ابن جرير، ذكره السيوطي في "الدّرّ المنثور"، ويوافقه من المرفوع حديث عديّ بن حاتم عند الأئمة الستة، وفيه قال النبي ﷺ :стр. 1290
١٧ - (بَابُ (١) الْعَقِيقَةِ)
٦٥٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أسلم، الحواشي
(١) قوله: باب العقيقة (في العقيقة عشرة أبحاث لطيفة. انظر أوجز المسالك ٩/٢٠٣ - ٢٢٣) ، هي الذبيحة عن المولود يوم السابع، وقد اختُلف فيه، فعند مالك والشافعي هو سُنَّة مشروعة، وقال أبو حنيفة: هي مباحة ولا أقول: إنها مستحبة، وعن أحمد روايتان أشهرهما أنها سنة، والثانية أنها واجبة واختارها بعض أصحابه. وهي عن الغلام شاتان، وعن الجارية واحدة، وقال مالك: عن الغلام أيضاً شاة وهو في اليوم السابع بالاتفاق، ولا يُمَسّ رأس المولود بدم العقيقة بالاتفاق. وقال الشافعي وأحمد: يستحبّ أن لا تُكسر عظام العقيقة، بل يُطبخ أجزاؤها تفاؤلاً بسلامة المولود، كذا في "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة". وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة تدل على مشروعيتها واستحبابها. من ذلك حديث عائشة: أمرنا رسول الله أن نعقّ عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة، أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي واللفظ لابن ماجه. ومن ذلك حديث سمرة مرفوعاً: الغلام مرتهن بعقيقة يُذبح عنه في اليوم السابع ويُحلَق رأسه ويسمَّى، أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والبيهقي من حديث الحسن عن سَمُرة، وصححه الترمذي والحاكم وعبد الحق. وفي رواية لهم: ويُدَمَّى. قال أبو داود: يُسَمَّى أصح ويُدَمَّى غلط من همّام. ومن ذلك حديث أم كرز مرفوعاً: عن الغلام شاتانстр. 1291
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وعن الجارية شاة، أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي والحاكم وابن حبان. وله طرق عند الأربعة والبيهقي. ومن ذلك حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه: كنّا في الجاهلية إذا وُلد لأحد غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإِسلام كنّا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران، أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من حديث عائشة. ومن ذلك حديث ابن عباس أن النبي ﷺ عقّ عن الحسين والحسن كَبْشاً كَبْشاً، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه عبد الحق وابن دقيق العيد، ورواه البيهقي والحاكم وابن حبان من حديث عائشة بزيادة: اليوم السابع وسمّاهما، وأمر أن يُماط عن رؤوسهما الأذى، وصححه ابن السكن بأتم من هذا، وفيه: وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوقاً. ورواه أحمد والنسائي من حديث بريدة، وسنده صحيح، والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني في "المعجم الصغير" من حديث قتاده عن أنس، والبيهقي من حديث فاطمة، والترمذي والحاكم من حديث علي. هذا ملخص ما أورده الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير": وقال تلميذه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السَّخاوي المصري في كتابه "ارتياح الأكباد بأرباح فَقْد الأولاد" بعد ذكر حديث: الغلام مرتهن بعقيقته: ذكر البيهقي عن سليمان بن شرحبيل نا يحيى بن حمزة قال: قلت لعطاء الخراساني: ما مرتهن بعقيقته؟ فقال: يحرم شفاعة ولده وكذا قال الإمام أحمد إنه مرتهن عن الشفاعة لوالديه، واستحسنه الخطابي حيث قال: تكلّم الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد أن هذا في الشفاعة يريد أنه إذا لم يعقّ عنه فمات طفلاً لم يشفع في والديه. وقيل: معناه أنه مرتهن بشعره. انتهى. وفي الباب أخبار وأحاديث أخر أيضاً مذكورة في مظانِّها وهي كلها تشهد بمشروعيته العقيقة، بل بعضها يدل على الوجوب، وبه استدل من قال به، لكن أكثرها يدل على حيث قال: إنها مباحة وليست بمستحبة، ولعل لكلامه وجهاً لست أحصّله. وستطّلعстр. 1292
عَنْ رَجُلٍ (١) مِنْ بَنِي ضَمْرة عَنْ أَبِيهِ أن النبي ﷺ سُئل عَنِ الْعَقِيقَةِ؟ قَالَ: لا أُحِبُّ (٢) الْعُقُوقَ، فَكَأَنَّهُ (٣) الحواشي
(١) قوله: عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ، قال ابن عبد البر: لا أعلمه رُوي معنى الحديث عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه أبو داود والنسائي. قال: وأصل العقيقة كما قال الأصمعي وغيره: الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة لأنه يُحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح، قال أبو عبيد: فهو من تسمية الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه (شرح الزرقاني ٣/٩٦) . قال ابن عبد البر: وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول الله ﷺ يحب الاسم الحسن، قال: وكان الواجب بظاهر هذا الحديث أن يُقال لذبيحة المولود نسيكة، ولا يقال عقيقة، لكني لا أعلم أحداً من العلماء مال إلى ذلك، ولا قال به وأظنُّهم تركوا العمل به لما صحّ عندهم في غيره من الأحاديث من لفظ العقيقة. انتهى. كذا في "تنوير الحوالك على موطأ مالك" للسيوطي، وقال الزرقاني في"شرحه": لعل مراد ابن عبد البر من العلماء: المجتهدون، وإلا فقد قال ابن أبي الدم عن أصحابهم الشافعية يستحبّ تسميتها نسيكة أو ذبيحة، ويُكره تسميتها عقيقة كما يُكره تسمية العشاء عَتَمة.(٢) قوله: قال لا أحب العقوق، قال الخطّابي في"شرح سنن أبي داود": وليس فيه توهين العقيقة ولا إسقاط لوجوبها، وإنما استُبشع الاسم، وأحب أن يسمِّيَه بأحسن منه كالنسيكة والذبيحة. انتهى.(٣) قوله: فكأنه ... إلخ، هذا قول بعض الرواة يعني أنه لم يرد بقوله "لا أحب العقوق" كراهة العقيقة بدليل أنه رغَّب إليه بقوله: من وُلد له فأحب أن يَنسُك عن ولده فليفعل، بل إنما كره الاسم أي إطلاق لفظ العقيقة فإنه يُنبيстр. 1293
إِنَّمَا كَرِهَ الاسْمَ، وَقَالَ (١) : مَنْ وُلد لَهُ ولدٌ فأَحَبُّ (٢) الحواشي
(١) أي النبي ﷺ .(٢) قوله: فأحب أن ينسك، استدل به جماعة من أصحابنا الحنفية منهم صاحب "البدائع" وغيره على أن العقيقة ليست بسنة لأنه علق العقّ بالمشيئة، وهذا أمارة الإِباحة وردّه علي القاري بقوله: لا يخفى أن المشيئة تنفي الفرضية دون السنية. انتهى. وأقول: هذا الحديث نظير حديث "من أراد منكم أن يضحِّي فلا يأخذن من أظفاره وشعره شيئاً حتى يضحِّي"، أخرجه الجماعة إلا البخاري، وقد استدل به الشافعية على عدم وجوب الأضحية بأنه علق الأضحية على الإِرادة والمشيئة ولو كان واجباً لما فعل كذلك، وأجاب عنه أصحابنا منهم صاحب "الهداية" و"البناية" وغيرهما بأنه ليس المراد به التخيير بين الترك والفعل، بل القصد فكأنه قال: من قصد منكم أن يضحي، وهذا لا يدل على نفي الوجوب كما في قوله: من أراد الصلاة فليتوضأ، وقوله: من أراد الجمعة فليغتسل، ولم يرد هناك التخيير، فكذا هذا. إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول مثل ذلك في هذا الحديث بأنه ليس المراد بقوله من أحب أو من شاء كما في بعض الكتب التخيير والتعليق على المشيئة، بل المراد به القصد، وحينئد فلا يكون له دلالة على نفي الوجوب أيضاً فضلاً عن نفي السنية أو الاستحباب، وأيضاً لقائل أن يقول: ليس المراد بالحبّ الحبّ الطبعي والمشيئة التخييرية، بل المراد به الحب الشرعي، فالمعنى من وُلد له ولد فأحبّ أن ينسك عن ولده اتّباعاً للشريعة فليفعل، وحينئذ لا دلالة له على نفي السنية، على أنه لو سلّمنا أنه دالّ على نفي السنية فليس له دلالة على نفيстр. 1294
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الاستحباب الشرعي بوجه من الوجوه، فإنه معلّق بالمشيئة البتة إذ لا حرج في تركه فلا يثبت به الإِباحة المعرّاة عن الاستحباب، ومع عزل النظر عن ذلك كله نقول: هذا الحديث إن دلّ على نفي الاستحباب والسنية دلّ عليه بإشارته، وغيره من الأحاديث دلّ على الاستحباب بعبارته بل بعضها يدل على الوجوب والاستنان كما مرّ ذكرها، ومن المعلوم أن العبارة مقدّمة على الإِشارة. ومن النصوص الدالة على الاستحباب ما أخرجه الطبراني في "معجمه الأوسط" في ترجمة أحمد بن القاسم من حديث عطاء عن ابن عباس أنه قال: سبع من السُّنّة في الصبي يوم السابع: يسمَّى، ويُختتن، ويُماط عنه الأذى، ويُثقب أذنه، ويُعقّ عنه، ويُحلق رأسه، ويلطّخ بدم عقيقته، ويُتَصَدّق بوزن شعره ذهباً أو فضة. فإن قلت فيه رواد بن جراح وهو ضعيف ؤكما ذكر ابن حجر قلت لا بأس فإن الضعيف يكفي في فضائل الأعمال، فإن قلت كيف يقول: ويُماط عنه الأذى مع قوله يُلطخ بدم؟ قلت: لا إشكال فيه، فلعل إماطة الأذى يقع بعد التلطّخ، والواو لا يستلزم الترتيب قاله الحافظ في "التلخيص": فإن قلت: ذكر في هذا الحديث التدمية؟ والجمهور على منعها، قلت: قد ذُكر ذلك في بعض الأخبار المرفوعة أيضاً، ففي "سنن أبي داود" من طريق همام قال: نا قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : كل غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه يوم السابع ويُحلق رأسه ويُدمَّى. فكان قتاده إذا سُئل عن الدم كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحت العقيقة أُخذت منها صوفه واستقبلت به أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط ثم يغسل بعد ويحلق. قال أبو داود (بذل المجهود ١٣/٨٤) : هذا وهم من همام: ويُدمَّى. ثم أخرج من طريق سعيد عن قتاده عن الحسن عن سمرة مرفوعاً: كل غلام رهينة بعقيقته يُذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمَّى. ثم قال أبو داود: يسمَّى أصح، كذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتاده وإياس بن دغفل وأشعث عن الحسن. انتهى كلامه.стр. 1295
أَنْ يَنْسُكَ (١) عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ (٢) .
٦٥٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ (٣) يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ الحواشي
(١) بضم السين أي يُذبح.(٢) وفي رواية أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فلينسك عن الغلام شاتين مكافئتين وعن الجارية شاة.(٣) قوله: إنه لم يكن يسأله ... إلخ، أي لم يكن يسأله أحد من أهل بيته ذبيحة عقيقة ليذبح بها في يوم العقيقة إلا أعطاها إياه، وكان ابن عمر يعقّ عن وَلَده - بفتحتين أو بضم الأول - أي من أولاده الذكور والإناث بشاة شاة قياساً على الأضحية واتباعاً لما روي أن النبي ﷺ ذبح عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وبه قال مالك. وقال غيره: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ بطرق عديدة قولاً كما مرّ ذكرها، واختلف في فعله فروي عنه في عقيقة الحسنين الواحد، وروي الاثنان (أخرج النسائي من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس: عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين. الجوهر النقي ٢/٢٢٣، وفتح الباري ٩/٥٩٠) ، فالمرجح يكون هو التعدد للغلام ولهذا قالстр. 1296
عَقِيقَةً إِلا أَعْطَاهُ (١) إِيَّاهُ، وَكَانَ يعِقّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٌ شَاةٍ عَنِ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى.
٦٦٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ (٢) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عن أبيه أنّه (٣) قال: الحواشي
(١) ذكر الضمير اعتباراً لما يُذبح منه، وفي رواية أعطاها.(٢) قوله: جعفر بن محمد ... إلخ، هو الإِمام أبو عبد الله جعفر الصادق الهاشمي المدني بن محمد المعروف بالباقر بن علي المعروف بزين العابدين بن حسين بن علي بن أبي طالب، كان من سادات أهل البيت وعُبّاد أتباع التابعين، وُلد سنة ٨٠ هـ بالمدينة، ومات سنة ١٤٨ هـ بالمدينة، روى عن أبيه وعطاء وعروة وجماعة، وعنه مالك وأبو حنيفة ويحيى بن سعيد الأنصاري وشعبة والسفيانان وغيرهم، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: ثقة لا يسأل عن مثله، كذا في "إسعاف السيوطي". وأبوه محمد الباقر ثقة فاضل سُمِّي بالباقر لأنه تبقّر في العلوم أي توسّع، مات بالمدينة سنة ١١٨ هـ، وقيل سنة ١١٩ هـ، كذا في "التقريب" و"جامع الأصول".(٣) قوله: أنه قال، هذا حديث مرسل، فإن محمداً الباقر لم يدرك ذلك، ولا لقي فاطمة بنت رسول الله ﷺ وكذلك رواه أبو داود في "في المراسيل" وأخرجه البيهقي فزاد عن أبيه عن جده، ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي قال: عقّ رسولُ الله ﷺ عن الحسن شاة، وقال: يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدّقي بزنة شعره فضة فوزنّاه، فكان وزنه درهماً أو بعض درهم، وعند الحاكم من حديث علي: أمر رسول الله ﷺ فاطمة، فقال: زني شعر الحسين وتصدّقي بوزنه فضة وأعطي القابلة رِجْل العقيقة، ذكره الحافظ في "التلخيص".стр. 1297
وزنَتْ (١) فاطمةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ (٢) ﵄ وَزَيْنَبَ وأمِّ كُلثوم فتصدقتْ بِوَزْنِ ذَلِكَ فَضَّة.
٦٦١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عبد الرحمن، الحواشي
(١) قال ابن عبد البر: أهل العلم يستحبّون ما فعلته فاطمة مع العقيقة أو دونها (وقال الموفق: إن تصدَّقَ بزنة شعره فضة فحسن، وقال ابن عابدين: يُستحب لمن وُلد له ولد أن يسميه يوم أسبوعه، ويحلق رأسه ويتصدق عند الأئمة الثلاثة بزنة شعره فضة أو ذهباً. وفي "المحلَّى" عن "الرسالة" لابن أبي زيد أنه يُستحب التصدق بوزنه من ذهب وفضة. أوجز المسالك ٩/٢١٤) .(٢) قوله: شعر حسن وحسين، روى أحمد عن علي قال: لما وُلد الحسن سميته حرباً، فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: أروني ابني ما سمَّيْتموه، قلنا: حرباً، قال: بل هو حسن، فلما وُلد الحسين، فذكر مثله، فقال بل هو حسين، فلما وُلد محسِّن ذكر مثله، فقال: بل هو محسن، ثم قال: سمَّيْتهم بأسماء ولد هارون شَبَّر وشَبِّير ومُبَشِّر (في الأصل: بسر وهو تحريف.)
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" رقم الحديث ٧٦٨، والهيثمي في "مجمع الزوائد ٨/٥٢، قال في "اللسان" ٤/٣٩٣: شبر وشبير ومبشر: معناها: حسن وحسين ومحسن) وإسناده صحيح. ومحسن - بضم الميم وكسر السين المشددة - مات صغيراً، وزينب بنت فاطمة وُلدت في حياة جَدِّها، وكانت لبيبة عاقلة تزوّجها عبد الله ابن عمِّها جعفر فولدت له علياً وأم كلثوم وعوناً وعباساً ومحمداً، وأم كلثوم بنت فاطمة ولدت قبل وفاة جدها ﷺ وتزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له زيداً ورقية، ثم تزوجها بعد موته عون بن جعفر ثم مات فتزوجها أخوه محمد، ثم مات فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر فماتت عنده فتزوج أختها زينب. وكان وزن فاطمة شعر الحسن والحسين بأمر أبيها ﷺ ، ووزن شعر زينب وأم كلثوم يحتمل أن يكون بأمره، ويحتمل أنها قاست ذلك على أمره لها في الحسن، كذا في "شرح الزرقاني".стр. 1298
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ (١) قَالَ: وزنتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ فتصدقتْ بوزنهِ فِضَّةً.
قَالَ محمدٌ: أَمَّا الْعَقِيقَةُ (٢) فَبَلَغَنَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ فُعلت فِي أَوَّلِ الإِسلام ثُمَّ نَسَخَ الأَضحى كلَّ ذَبْحٍ كان قبله ونَسَخَ صومُ الحواشي
(١) هذا أيضاً مرسل ووصله بعضهم، فقال: عن ربيعة عن أنس، وهو خطأ والصواب ما في "الموطأ" قاله ابن عبد البر؟.(٢) قوله: أما العقيقة ... إلخ، كأنه يشير إلى عدم مشروعية العقيقة الآن أو إلى كراهته كما تفيده عبارته في "الجامع الصغير" حيث قال: لا يُعَقّ لا عن الغلام ولا عن الجارية. انتهى.
وحاصل كلامه ههنا أنه بلغه أن العقيقة كانت في الجاهلية وفُعلت في ابتداء الإِسلام، ثم صار منسوخاً، وأنّ مشروعية الأضحى نسخت كل ذبح كان قبله، ومشروعية صوم رمضان نسخت كل صوم كان قبله ونسخت فرضية غسل الجنابة كلَّ غسل كان قبله، ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قبلها.
وبلاغه الأول قد أخرجه في "كتاب الآثار" عن إبراهيم ومحمد بن الحنفية حيث قال محمد: أنا أبو حنيفة، عن حماد عن إبراهيم: كانت العقيقة في الجاهلية فلما جاء الإِسلام رفضت، محمد أنا أبو حنيفة، نا رجل عن ابن الحنفية أن العقيقة كانت في الجاهلية فلما جاء الإسلام رفضت قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. انتهى كلامه.
وبلاغه المشتمل على حديث النسخ أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في سننهما عن المسيّب بن شريك عن عقبة بن اليقظان عن الشعبي عن مسروق عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : نسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخ غسل الجنابة كل غسل، ونسخت الأضحى كل ذبح. وضعفاه. قال الدارقطني: المسيب بن شريك وعقبة متروكان، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" في أواخر النكاح موقوفاً على علي رضي الله تعالى عنه، كذا ذكره العيني في "البناية" للزيلعي وابن حجر في "تخريجهما" لأحاديث الهداية.
وذكر الذهبي في "ميزان الاعتدال"، والحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" حديث علي مرفوعاً منстр. 1299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رواية الدارقطني في ترجمة المسيّب بن شريك بن سعيد الكوفي، وذكرا أن يحيى قال في حقه: ليس بشيء، وقال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه، وقال مسلم وجماعة: متروك، وقال محمود بن غيلان: ضرب ابن معين وأحمد وأبو خثيمة على حديثه، وقال الساجي: متروك الحديث، له مناكير. انتهى.
إذاعرفت هذا كله فاعلم أن في المقام أبحاثاً عديدة:
- الأول: أنه ماذا أريد من كون العقيقة في الجاهلية وكونها متروكة مرفوضة في الإِسلام؟ إن أريد أنها كانت واجبة ولازمة في الجاهلية وكان أهل الجاهلية يوجبونها على أنفسهم فلما جاء الإِسلام رفض وجوبه ولزومه فهذا لا يدل على نفي الاستحباب أو المشروعية أو السنية، بل على نفي الضرورة فحسب، وهو غير مستلزم لعدم المشروعية أو الكراهة، وإن أريد أنها كانت في الجاهلية مستحبة أو مشروعة، فلما جاء الإِسلام رفض استحبابها وشرعيتها، فهو غير مسلّم. فهذه كتب الحديث المعتبرة مملوءة من أحاديث شرعية العقيقة واستحبابها، كما ذكرنا نُبَذاً منها.
- الثاني: الأحاديث الدالة على واستحبابها وشرعيتها، لا شك أنها واقعة في الإِسلام وهي معارضة لما بلغه من قول النخعي وابن الحنفية، ومن المعلوم أن أحاديث النبي ﷺ أحق بالأخذ من قول غيره كائناً من كان.
- الثالث: أنه لو كان مطلق مشروعية العقيقة مرتفعة عن الإِسلام لَمَا عقّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين، فإن ادَّعى أن ذلك كان في بدء الإِسلام احتيج إلى ذكر ما يدل على رفع كونه مشروعاً بعد ما كان مشروعاً في الإِسلام وإذ ليس فليس.
- الرابع: أنه لو كانت مشروعيتها المطلقة مرتفعة لما اختارها أصحاب النبي ﷺ بعده، وقد اختاروها كما مرّ من رواية نافع عن ابن عمر، وفي "موطأ يحيى": مالك عن هشام بن عروة أن أباه عروة بن الزبير كان يعقّ عن بنيه الذكور والإِناث بشاة شاة.
- والخامس: أن مراد ابن الحنفية وإبراهيم من كون العقيقة مرفوضة يحتمل أن يكون رفض عقيقة الجاهلية فإنهم كانوا يذبحون ذبيحة ويلطِّخون صوفه في دمه، ويضعونها على رأس الصبي حتى تسيل عليه قطرات الدم، فلما جاء الإِسلام أمر النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم بزعفران ونحوه، وعلى هذا لا يدل كلامهما على نفي مشروعيتهما المطلقة بل على نفي الطريقة الخاصة.стр. 1300
شَهْرِ رَمَضَانَ كلِّ صومٍ كَانَ قَبْلَهُ، ونَسَخَ غُسلُ الْجَنَابَةِ كلَّ غُسل كَانَ (١) قَبْلَهُ، ونَسَخَتِ الزكاةُ كل صدقة (٢) كان قبلها. كذلك بَلَغَنَا. الحواشي
(١) قال القاري: لم أعرفه.(٢) قال القاري: هذا أيضاً غير معروف. انتهى. قلت: هو ما روي عنследующие страницы →