Полный текст (1 842 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ذَلِكَ إِذَا خَطَبَ -: إِذَا (١) قَامَ الإِمَامُ فَاسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا (٢) (٣) فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لا يَسْمَعُ مِنَ الْحَظِّ (٤) مِثْلَ مَا لِلسَّامِعِ الْمُنْصِتِ.
٢٣٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أخبرنا أبو الزِّناد (٥) ، عن الأعرج (٦) عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذا قلت (٧) لصاحبك أنصت (٨) الحواشي
(١) هذا قوله.(٢) قوله: وأنصتوا، اختلفوا في الكلام (لا يجوز الكلام إذا كان الإمام يخطب عند أبي حنيفة ومالك، وقريب منه مذهب أحمد، وهو القول القديم للشافعي، حكاه في (شرح المهذب) ٤/٥٢٥، عن أبي حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي وكذا في (المغني) ٢/١٦٩، ويجوز عند الشافعي في الجديد) حال الخطبة، فذهب طائفة من العلماء إلى أنه مكروه، وهو مذهب الثوري وداود، والصحيح من قول الشافعي، ورواية أحمد وحكي عن أبي حنيفة. وذهب الجمهور إلى أنه حرام، وهو مذهب الأئمة الثلاثة والأوزاعي. وحكي عن النخعي والشعبي وبعض أنه لا يحرم إلاَّعند تلاوة الخطيب فيها قرآناً، كذا في (ضياء الساري) .(٣) وإن لم تسمعوا لنحو صمم أو بعد.(٤) أي: النصيب من الأجر.(٥) بكسر الزاء عبد الله بن ذكوان.(٦) عبد الرحمن بن هرمز.(٧) قوله: إذا قلت لصاحبك، المراد من تخاطبه صغيراً كان أو كبيراً، قريباً أو بعيداً، وخصه لكونه الغالب.(٨) قوله: أنصت، بفتح الهمزة وكسر المهملة: أمر من الإنصات يقال: أنصت ونصت وانتصت. ثلاث لغات، والأولى هي الأفصح، قال ابن خزيمة:стр. 597
فَقَدْ (١) لَغَوْتَ (٢) وَالإِمَامُ (٣) يَخْطُبُ.
٢٣١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن القاسم: أن أباه القاسم بْنَ مُحَمَّدٍ رَأَى فِي قَمِيصِهِ دَمًا وَالإِمَامُ على المنبر يوم الجمعة الحواشي
(١) قوله: فقد لغوت، اللغو: الكلام الذي لا أصل له من الباطل، وشبهه. وقال نفطويه: السقط من القول، وقال النضر بن شميل: معنى لغوت ضيَّعت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، ويؤيد الأخير ما في حديث أبي داود: (من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً) . قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة، ولأحمد: (من قال: صه، فقد تكلم ومن تكلم فلا جمعة له) ، وله: (من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول: أنصت ليس له جمعة) . وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا جعل قوله أنصت من كونه أمراً بالمعروف لغواً فغيره من الكلام أولى، كذا في (التوشيح شرح صحيح البخاري) للسيوطي.(٢) قوله: لغوت، ولمسلم: فقد لغيت، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة، وإنما هي فقد لغوت، لكن قال النووي وتبعه الكرماني: ظاهر القرآن يقتضيها إذ قال: (والغوا فيه) ، وهي من لغي يلغى، ولو كان يلغو لقال: الغُو بضم الغين (شرح الزرقاني ١/٢١٤) .(٣) قوله: والإمام، جملة حالية تفيد أن وجوب الإنصات من الشروع في الخطبة لا من خروج الإمام كما يقوله ابن عباس وابن عمر وأبو حنيفة، قاله ابن عبد البر.стр. 598
فَنَزَعَ (١) قَمِيصَهُ فَوَضَعَهُ (٢) .
٦٧ - (بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ وَأَمْرِ الْخُطْبَةِ)
٢٣٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ (٣) مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٤) (٥) قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فصلَّى (٦) ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ (٧) ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ نَهَى (٨) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا يوم (٩) فطركم (١٠) من صيامكم، والآخر يوم الحواشي
(١) فيه جواز فعل ما لا بد منه والإمام يخطب.(٢) أي: بين يديه أو بجنبه.(٣) اسمه سعد بن عبيد الزهري، تابعي كبير من رجال الجميع، كذا قال الزرقاني.(٤) صحابي وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف.(٥) ابن أزهر بن عوف الزهري المدني.(٦) زاد عبد الرزاق: قبل أن يخطب بلا أذان وإقامة.(٧) قوله: فخطب، زاد عبد الرزاق: فقال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ نهى أن تأكلوا نسككم بعد ثلاث، فلا تأكلوا بعدها، قال ابن عبد البر: أظن مالكاً حذف هذا لأنه منسوخ.(٨) نهي تحريم.(٩) بالرفع إما على أنه خبر محذوف، أي: أحدهما، أو على البدل من يومان.(١٠) قوله: يوم فطركم..إلخ، فائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهي الفصل من الصوم والآخر لأجل النسك المتقرَّب بذبحه.стр. 599
تَأْكُلُونَ مِنْ لُحُومِ نُسُكِكُمْ (١) ، قَالَ (٢) ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ (٣) بْنِ عَفَّانَ، فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ (٤) فَخَطَبَ، فَقَالَ (٥) إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ في يومكم هذا عيدان (٦) ، الحواشي
(١) قوله: نسككم، بضم السين، ويجوز سكونها أي من أضحيتكم، قال أبو عمر (في الأصل: "أبو عمرو") : فيه أن الضحايا نسك وأن الأكل منها مستحب.(٢) أي: أبوعبيد.(٣) في زمان خلافته.(٤) ثم انصرف فخطب، اختلف في أول من غيَّر ذلك، ففي مسلم عن طارق أن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، وروى ابن المنذر بسند صحيح، عن الحسن البصري: أول من خطب قبل الصلاة عثمان صلى بالناس ثم خطبهم، فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك أي: صار يخطب قبل الصلاة. وهذه العلة غير العلة التي راعى مروان، لأن عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في سماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم في زمانه كانوا يتعمدون ترك سماعهم لما فيها من سبِّ من لا يستحق السب والإفراط في مدح بعض الناس فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. وروي عن عمر مثل فعل عثمان، قال عياض ومن تبعه: لا يصح عنه، وفيه نظر لأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعاً، عن ابن عيينه، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن عبد الله بن سلام. وهذا إسناد صحيح فإن جمع بوقوع ذلك نادراً إلاَّ فما في (الصحيحين) أصح، كذا في (شرح الزرقاني) (١/٣٦٢. وانظر للتفصيل عمدة القاري ٣/٣٦٩، وفتح الباري ٢/٣٧٦) .(٥) في خطبته.(٦) فيه تسمية الجمعة عيداً، وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة.стр. 600
فَمَنْ أحبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ (١) أَنْ ينتظرَ الجمعةَ فلينتظِرْها وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يرجِعَ (٢) فليرجِعْ (٣) ، فقد الحواشي
(١) قوله: من أهل العالية، هي القرى المجتمعة حول المدينة النبوية إلى جهة القبلة على ميل أو ميلين فأكثر من المسجد النبوي، وقال القاضي عياض: العوالي من المدينة على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وهذا حدّ أدناها، وأعلاها ثمانية أميال. انتهى. ويردُّه أنه قال في منازل بني الحارث الخزرج: إنها بعوالي المدينة، بينه وبين منزل النبي ﷺ ميل، وذكره ابن حزم أيضاً والصحيح عن أدنى العوالي من المدينة على ميل أو ميلين، وأقصاها عمارة على ثلاثة أو أربعة أميال، وأقصاها مطلقاً ثمانية أميال كما بسطه الشيخ نور الدين علي السَّمْهُودي مؤرِّخ المدينة في "وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى".(٢) إلى بيته.(٣) قوله: فليرجع (أخرجه البخاري ٥/٢٣٩ في باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزوَّد منها) ، اقتدى فيه عثمان بالنبي ﷺ ، فإنه لما اجتمع العيدان صلّى العيد، ثم رخص في الجمعة، وقال: من شاء أن يصلي فليصلِّ. أخرجه النسائي وأبو داود، عن زيد بن أرقم وهو محمول عندنا على أنه رخص لمن لا يجب عليه الجمعة من أهل القرى الذين كانوا يحضرون العيد، ونسب بعضهم إلى أحمد (قال في المغني ٢/٢١٢: وإن اتفق عيد في يوم جمعة سقط حضور الجمعة عمن صلّى العيد إلاَّ الإِمام ... وممن قال بسقوطه الشعبي والنخعي والأوزاعي، ... وقال أكثر الفقهاء: تجب الجمعة لعموم الآية والأخبار الدالة على وجوبها، ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى. اهـ ومذهب الشافعي السقوط عن أهل البوادي دون البلد كما في شرح المهذب وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن المكلف مخاطب بهما معا ولا ينوب أحدهما عن الآخر قال ابن عبد البر سقوط الجمعة مهجور وعن علي إن ذلك في أهل البادية ومن لاتجب عليه الجمعة معارف السنن ٤/٤٣٣ وانظر بذل الجهود ٦/ ٥٧) أنه أخذ بظاهر الحديث، وقال بسقوط الجمعة في المصر وغيره، وهوстр. 601
أذنتُ (١) لَهُ، فَقَالَ: ثُمَّ شهدتُ العيدَ مَعَ عليٍّ وعثمانُ محصورٌ (٢) فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ.
٢٣٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ (٣) : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يصلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَذَكَرَ (٤) أنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَصْنَعَانِ ذَلِكَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ عُثْمَانُ في الجمعة لأهل العالية لأنهم (٥) الحواشي
(١) قوله: فقد أذنت له، فيجوز إذا أذن الإِمام، وبه قال مالك في رواية علي وابن وهب ومطرف وابن الماجشون.(٢) في أيام فتنته سنة خمس وثلاثين.(٣) هذا مرسل متصل من وجوه صحاح، فأخرجه الشيخان من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، ولهما عن جابر.(٤) قوله: وذكر، الظاهر أن ضميره راجع إلى ابن شهاب لكن في "موطأ يحيى" ثمَّ قول ابن شهاب إلى قوله: "قبل الخطبة"، ثم قال مالك: بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك.(٥) قوله: لأنهم ليسوا من أهل المصر، فلا يجب عليهم الجمعة، لقول علي ﵁: (لا جمعة ولا تشريق إلاَّ في مصرٍ جامع) رواه عبد الرزاق، وروى ابن أبي شيبة عنه: (ولا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاَّ في مصرстр. 602
لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ (١) وَهُوَ قولُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
٦٨ - (بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ العيد أبو بَعْدَهُ)
٢٣٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ (٢) كَانَ (٣) لا يصلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قبل الصلاة ولا بعدها. الحواشي
(١) في نسخة: مصر.(٢) قوله: أنه كان لا يصلي، لأنه كان أشد الناس اهتماماً بالنبي ﷺ ، قال الزرقاني، وفي "الصحيحين"، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج يوم الفطر، فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما. وفي ابن ماجه بسند حسن، وصححه الحاكم، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ كان لا يصلّي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلّى في منزله ركعتين، قال ابن المنذر عن أحمد: الكوفيون يصلّون بعدها لا قبلها والبصريون قبلها لا بعدها، والمدنيّون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قال الحنفية وجماعة، وبالثاني الحسن وجماعة، وبالثالث أحمد وجماعة، وأما مالك فمنعه في المصلّى، وعنه في المسجد روايتان، فرُوي يتنفّل قبلها وبعدها، ورُوي بعدها لا قبلها، وقال الشافعي: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها، قال الحافظ: كذا في "شرح مسلم" للنووي، فإن حُمل على المأموم وإلاَّ فهو مخالف لقول الشافعي في "الأم" يجب للإِمام أن لا يتنفل قبلها ولا بعدها (بسط الشيخ مذاهب الأئمة في أوجز المسالك ٣/٣٦٢. وانظر المغني ٢/٣٨٨) .(٣) قوله: كان، ذكر ابن قدامة نحوَه، عن ابن عباس وعلي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وعبد الله بن أوفى وجماعة من التابعين، وقال الزهري: لم أسمع أحداً من علمائنا يذكر أن أحداً من سلف الأمة كان يصلي قبل صلاة العيد وبعدها: كذا ذكره ابن أمير حاج في "الحَلْبة"стр. 603
٢٣٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ، عَنْ أَبِيهِ (١) : أَنَّهُ كَانَ (٢) يصلِّي قَبْلَ أَنْ يغدُوَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: لا صلاةَ قبل صلاة العيد (٣) الحواشي
(١) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.(٢) وكذا روى مالك، عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يصلي يوم الفطر قبل الصلاة في المسجد.(٣) قوله: لا صلاة قبل صلاة العيد، أقول: هذه العبارة تحتمل معنيين:
أحدهما: أنه لا ينبغي أن يصلي قبل العيد، ولا خير فيه، بل هو مكروه وبه صرح جمهور أصحابنا لا سيما المتأخرون منهم، وعلَّلوه بأن النبي ﷺ لم يصلِّ قبلها ولا بعدها كما أخرجه الأئمة الستة، وأورد عليهم بأن مجرَّدَ عدم فعله ﷺ لا يدل على الكراهة، وأجابوا عنه بأنه لمّا لم يصلّ قبل ولا بعد مع شدة حرصه على الصلاة دلَّ ذلك على أنه مكروه وإلاَّ لفعله، ولو مرة واحدة، كيف فإنه ﷺ قد كان يفعل ما نَهى عنه نَهْيَ تنزيه لبيان الجواز، لئلا تظن الأمَّة حُرمته، فكيف بالأمر المباح، فإذا لم يفعله مرة أيضاً دلَّ ذلك على الكراهية، ويرد عليه أن الكراهة أمر زائد لا يثبت إلاَّ بدليل خاص يدل على النهي، وأما مجرد عدم فعله ﷺ فلا يدل إلاَّ على أنه ليس للعيد سنة قبلها ولا بعدها لا على أنه مكروه، وكونه حريصاً على الصلاة لا يستلزم أن يفعل بنفسه كل فرد من أفرادها، في كل وقت من أوقاتها، بل كفى في ذلك قوله: "الصلاة خير موضوع" مع عدم إرشاد النهي. ونظيره ما ورد أنه ﷺ كان لا يطعم شيئاً يوم الأَضحى إلى أن يضحِّي فيأكل من أضحيته، ومع ذلك صرَّحوا بأن الأكل في ذلك اليوم قبل الغدوّ إلى المصلّى ليس بمكروه، إذ لا بد للكراهة من دليل خاص، وإذ ليس فليس.
وثانيهما: أن يكون معناه لا سنَّة قبل صلاة العيد قبل العيد خلاف الأولى لكونه مخالفاً لفعل صاحب الشرع، ويوافقه ما نقل صاحب "الذخيرة"، عنстр. 604
فَأَمَّا بَعْدَهَا فَإِنْ شِئْتَ (١) صلَّيْتَ (٢) وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تصلِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. الحواشي
(١) هذا التخيير يردّ على من كره من المتأخرين الصلاة بعد العيد مطلقاً في المسجد، وفي البيت.(٢) قوله: صلَّيْت، أي: في البيت لما ورد أنه ﵇ صلّى بعد العيد في بيته ركعتين، أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد، وحينئذٍ فحديث: "لم يصلِّ قبلها ولا بعدها" محمول على أنه لم يصلِّ بعدها في المصلَّى، وإن حُمل على العموم يحمل على اختلاف الأحوال. وذكر بعض أصحاب الكتب غير (في الأصل: "الغير"، وهو تحريف) المعتبرة كصاحب "كنز العباد" وغيره في الصلاة بعد العيد حديثاً عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلّى أربع ركعات يوم الفطر ويوم الأضحى بعد ما صلّى الإِمام صلاة العيد يقرأ في الركعة الأولى ﴿سبِّح اسمَ ربك الأعلى﴾ فكأنما قرأ كلَّ كتاب أنزله الله، وفي الركعة الثانية ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ ، فله من الثواب مثل ما طلعت الشمس من مطلعها، وفي الثالثة ﴿والضحى﴾ فله من الثواب كأنما أشبع جميع اليتامى وأرواهم وأدهنهم وألبسهم ثياباً نظيفاً، وفي الركعة الرابعة ﴿قل هو الله أحد﴾ غفر الله له ذنوبه خمسين سنة مقبلة وخمسين سنة مدبرة. وهذا الحديث يشهد القلب بعباراته الركيكة بأنه موضوع، لا يحل لأحد أنстр. 605
٦٩ - (بَابُ القراءةِ فِي صَلاةِ الْعِيدَيْنِ)
٢٣٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا ضمرةُ بنُ سَعِيدٍ المازِني (١) ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ سَأَلَ أبا واقدٍ (٢) الليثيَّ: ماذا كان (٣) الحواشي
(١) نسبة إلى بني مازن بكسر الزاء.(٢) قوله: أبا واقد الليثي، من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة بن إلياس بن مضر، اختُلف في اسمه، فقيل: الحارث بن عوف، وقيل: الحارث بن مالك بن أسيد بن جابر بن عتودة بن عبد مناة بن سجع بن عامر بن ليث، قيل: إنه شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، وكان قديم الإِسلام، وقيل: إنه من مُسلمة الفتح. والأول أصح، مات بمكة سنة ثمان وستين، كذا في "الاستيعاب".(٣) قوله: ماذا كان ... إلخ، قال الباجي: يحتمل أن يسأله على معنى الاختبار أو نسي، فأراد أن يتذكر، وقال النووي: قالوا: يحتمل أنه شك في ذلك فاستَثْبَتَه أو أراد إعلام الناس بذلك أو نحو ذلك، قالوا: ويبعد أن عمر لم يعلم ذلك مع شهوده صلاة العيد مع رسول الله ﷺ مرات، وقربه منه.(١) كان يقرأ ... إلخ، قال ابن عبد البر: معلوم أنه ﷺ كان يقرأ يومстр. 606
يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ قَالَ: كَانَ (١) يَقْرَأُ بقاف (٢) والقرآن المجيد (٣) ، واقتربت السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (٤) .
٧٠ - (بَابُ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ (٥) )
٢٣٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، قَالَ: شهدتُ (٦) الأَضْحَى والفطرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فكبَّرَ (٧) فِي الأُولَى سبعَ تَكْبِيرَاتٍ (٨) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ (٩) بِخَمْسِ تكبيرات قبل القراءة. الحواشي
(٢) قوله: بقاف، في الباب عن النعمان بن بشير عند مسلم، لكن ذكر ﴿سَبِّحِ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ ، وعن ابن عباس عند البزّار، لكن ذكر بـ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلونَ﴾ ، و ﴿والشَّمْسِ وَضُحاها﴾ ، كذا في "التلخيص الحبير" (في الأصل: "تلخيص الحبير"، وهو خطأ) لابن حجر، ﵀.(٣) في الركعة الأولى.(٤) في الثانية، قال العلماء: حكمة ذلك ما اشْتَمَلَتا عليه من الإِخبار بالبعث والقرون الماضية، وهلاك المكذِّبين وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث.(٥) أي في صلاة العيدين.(٦) أي: حضرت صلاتهما مقتدياً به.(٧) قوله: فكبر، قال مالك: هو الأمر عندنا، وبه قال الشافعي: إلاَّ أن مالكاً عدَّ في الأولى تكبيرة الإِحرام، وقال الشافعي سواها، والفقهاء على أن الخمس في الثانية غير تكبيرة القيام، قاله ابن عبد البر.(٨) هذا لا يكون رأياً إلاَّ توقيفاً يجب التسليم له.(٩) في نسخة: الأخيرة.стр. 607
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَدِ اخْتُلِفَ (١) الناسُ فِي التكبيرِ في العيدين، فما الحواشي
(١) قوله: قد اختلف الناس، لاختلاف الأخبار الواردة في ذلك على ما بسطه الزيلعي والعيني وابن حجر وغيرهم، فأخرج أبو داود وابن ماجه، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يكبر في العيدين في الأولى بسبع تكبيرات، وفي الثانية بخمس قبل القراءة سوى تكبيرتي الركوع. وفي سنده عبد الله بن لهيعة متكلَّم فيه، وفي سنده اضطراب ذكره الدارقطني في "علله" وذكر الترمذي في "علله الكبرى" أن البخاري ضعَّف (في نسخة: "ضعيف"، وهو تحريف) هذا الحديث. وأخرج أبو داود وابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: "التكبير في الفطر سبعٌ في الأولى وخمسٌ في الثانية، والقراءة بعدهما كتيهما". وفي سنده عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي ضعَّفه ابن معين، ونقل الترمذي أنه سأل البخاريَّ عن هذا الحديث فقال: صحيح. وأخرج الترمذي وحسنه، وقال: هو أحسنُ شيء رُوي في الباب عن كثير بن عبد الله بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ كَبَّرَ في الأَولَى سبعاً قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة، وفيه كثير بن عبد الله متكلَّم فيه، وأخرج ابن ماجه، عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، عن سعد، عن عمار، عن سعد: أن رسول الله ﷺ كان يكبِّر في العيدين في الأُوْلى سبعاً قبل القراءة وفي الأخرى خمساً قبل القراءة. وكذا أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر، وهو الموافق لما أخرجه مالك عن أبي هريرة من فِعْله. وأخرج أبو داود عن مكحول، قال: أخبرني أبو عائشة جليسٌ لأبي هريرة أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفَةَ: كيف كان رسول الله يكبِّر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبِّر أربعاً تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق. وفيه عبد الرحمن بن ثوبان، متكلَّم فيه.
هذا اختلاف الأخبار المرفوع (انظر نصب الراية ٣/٢١٧ و ٢١٨) . وأما الآثار فأخرج عبد الرزاق، عن علقمة والأسود أن ابن مسعود كان يكبِّر في العيدين تسعاً: أربعاً قبل قراءة، ثم يكبِّر فيركع، وفي الثانية يقرأ، فإذا فرغ كبَّر أربعاً، ثم ركع وأخرج أيضاً عنهما أنстр. 608
أخذتَ بِهِ فَهُوَ حَسَنٌ (١) وَأَفْضَلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يكبِّر في كل عيد (٢) تسعاً: الحواشي
(١) قوله: فهو حسن، ونظيره اختلافهم في تكبيرات صلاة الجنازة لاختلاف الأخبار والآثار في ذلك، فما أخذت به فهو حسن.(٢) أي: في مجموع الركعتين.стр. 609
خَمْسًا (١) وَأَرْبَعًا (٢) ، فيهنَّ تَكْبِيرَةُ الافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَتَا الرُّكُوعِ، ويوالي بين القراءتين، ويؤخِّر (٣) ها (٤) فِي الأُولَى، ويقدِّمها فِي الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
٧١ - (بَابُ قِيَامِ شَهْرِ (٥) رَمَضَانَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ)
٢٣٨ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أن رسول الله ﷺ صلّى (٦) في الحواشي
(١) في الركعة الأولى، واحدة منها تكبيرة الافتتاح، وواحدة تكبيرة الركوع، والثلاث زوائد.(٢) في الركعة الثانية، واحدة منهن تكبيرة الركوع والثلاث زوائد.(٣) بيان للموالاة.(٤) أي: القراءة عن التكبيرات في الركعة الأولى.(٥) قوله: شهر رمضان، ويسمّى التراويح جمع ترويحة لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين.(٦) قوله: صلّى ... إلخ، قال ابن عبد البر: تفسيره هذه الليالي التي صلّى فيها بما رواه النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان ليلةَ ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلةَ خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندركَ الفلاح. أخرجه النسائي. وأما عدد ما صلّى، ففي حديث ضعيف أنه صلّى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة، من حديث ابن عباس (أخرجه عبد بن حميد في مسنده رقم الحديث ٦٥٣، قال في مجمع الزوائد ٣/١٧٢: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه أبو شيبة إبراهيم وهو ضعيف) ، وأخرج ابن حبان في صحيحه (انظر نصب الراية ١/٢٩٣) منстр. 610
الْمَسْجِدِ (١) ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ الْقَابِلَةِ (٢) ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ أَوِ الرَّابِعَةَ (٣) ، فكثُرُوا، فَلَمْ يَخْرُجْ (٤) إِلَيْهِمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ (٥) قَالَ: قَدْ رأيتُ الذي (٦) قد صنعتُم (٧) الحواشي
(١) قوله: في المسجد، في رواية عَمْرَة، عن عائشة عند البخاري: صلّى في حجرته، وليس المراد بها بيته، بل الحصير التي كان يحتجر بها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة، فيصلّي فيه، وقد جاء ذلك مبنيَّاً من طريق سعيد المَقْبُري، عن أبي سلمة، عن عائشة، رواه البخاري في اللباس.(٢) أي: في الليلة المستقبلة.(٣) قوله: أو الرابعة، بالشك في رواية مالك، ولمسلم من رواية يونس، عن ابن شهاب: فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية، فصلّوا معه فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فصلوا بصلاته، فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله.(٤) قوله: فلم يخرج إليهم، وفي رواية أحمد، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: حتى سمعت ناساً منهم يقولون: الصلاة، وفي رواية سفيان بن حسين فقالوا: ما شأنه؟ وفي حديث زيد: ففقدوا صوته وظنوا أنه قد تأخَّر فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج، وفي لفظٍ، عن زيد: فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب. رواهما البخاري.(٥) في رواية للبخاري: فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهَّد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخفَ عليَّ مكانكم.(٦) في نسخة: ما.(٧) من حرصكم الصلاة معي.стр. 611
الْبَارِحَةَ (١) ، فَلَمْ يمنَعْني (٢) أَنْ أخرجَ إِلَيْكُمْ إلاَّ أَنِّي خشيتُ أَنْ يُفرَضَ (٣) (٤) عَلَيْكُمْ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
٢٣٩ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُري، عَنْ أبي الحواشي
(١) أي: الليلة الماضية.(٢) قوله: فلم يمنعني ... إلخ، ظاهره أنه كان يحب أن يصلي بالناس في ليالي رمضان على الدوام، ولم يمنعه إلاَّ خشية أن يُفرض عليهم، فاستُفيدت منه المواظبة الحُكمية وإن لم توجد المواظبة الحقيقية، ومدار السنية المواظبة مطلقاً فيكون قيام رمضان سنَّة مؤكدة (اختلف العلماء في كونها سنة أو تطوعاً، والراجح عند الأئمة الأربعة كونها سنَّة مؤكدة لمواظبة الخلفاء الراشدين للرجال والنساء إجماعاً. وذكر في "الاختيار" أن أبا يوسف سأل أبا حنيفة عنها وما فعله عمر، فقال: التراويح سنَّة مؤكدة، لم يتخرَّصه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلاَّ عن أصلٍ لديه، وعهدٍ من رسول الله ﷺ . أوجز المسالك ٢/٢٩٣) . وعليه جمهور أصحابنا وجمهور العلماء. وأما ما نقله بعض أصحابنا أن التراويح مستحب، فهو مخالف للدراية والرواية، وبهذا بعينه يثبت استنان الجماعة في التراويح واستنان التراويح في جميع الليالي خلافاً لما قاله بعض الفقهاء: إن السنَّة هو التراويح بقدر ختم القرآن، وبعده يبقى مستحباً، وقد حققت كلَّ ذلك مع ما له وما عليه بتحقيقٍ أنيق في رسالتي "تحفة الأخيار في إحياء سنَّة سيِّد الأبرار".(٣) قوله: أن يُفرَض عليكم، قال الباجي: قال القاضي أبو بكر: يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنه إن واصل هذه الصلاة معهم فَرَضَها عليهم، ويحتمل أنه ظنَّ أن ذلك سيُفرض عليهم لما جرت عادَتُهُ بأنَّ ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القُرَبِ فُرِض على أمته، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده إذا داوم عليه وجوبَها.(٤) صلاة الليل فتعجزوا عنها كما في رواية يونس عند مسلم.стр. 612
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صلاةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ (١) رسولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رمضان ولا غيرِه على إحدى (٢) الحواشي
(١) قوله: ما كان يزيد ... إلخ، هذا بحسب الغالب، وإلاَّ فقد ثبت عنها أنها قالت: كان يصلي رسول الله ﷺ ثلاث عشرة ركعة من الليل، ثم صلّى إحدى عشرة ركعة، وترك ركعتين، ثم قُبض حين قُبض وهو يصلّي تسع ركعات. أخرجه أبو داود. وثبت عنها: أنه ﷺ كان يصلّى ثلاث عشرة ركعة، أخرجه مالك. وثبت من حديث زيد بن خالد وابن عباس أيضاً ثلاث عشرة. فمن ظن أخذاً من حديث عائشة المذكور ههنا أن الزيادة على إحدى عشرة بدعة، فقد ابتدع أمراً ليس من الدِّين وقد فصَّلته في رسالتي "تحفة الأخيار".(٢) قوله: إحدى عشر ركعة، روى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبغوي والبيهقي والطبراني، عن ابن عباس: أن النبيَّ ﷺ كان يصلي بعشرين ركعة والوتر في رمضان. وفي سنده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة جد ابن أبي شيبة صاحب المصنَّف، وهو مقدوح فيه، وقد ذكرت كلام الأئمة عليه في "تحفة الأخيار". وقال جماعة من العلماء - منهم الزيلعي وابن الهمام والسيوطي والزرقاني -: إن هذا الحديث مع ضعفه معارض بحديث عائشة الصحيح في عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة، فيُقبل الصحيح ويُطرح غيره، وفيه نظر: إذ لا شكّ في صحة حديث عائشة وضعف حديث ابن عباس، لكن الأخذ بالراجح وترك المرجوح إنما يتعيَّن إذا تعارضا تعارضاً لا يمكن الجمع، وههنا الجمع ممكن بأن يُحمل حديث عائشة على أنه إخبار عن حاله الغالب كما صرَّح به الباجيّ في "شرح الموطأ" وغيره، ويُحمل حديث ابن عباس على أنه كان ذلك أحياناًстр. 613
عَشْرة رَكْعَةً (١) ، يصلِّي أَرْبَعًا، فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنهنَّ (٢) وطولهنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا (٣) فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنهنَّ وطولهنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا (٤) ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ (٥) قَبْلَ أَنْ توتر؟ فقال: يا عائشة الحواشي
(١) أي: غير ركعتي الفجر، كما في رواية القاسم عنها.(٢) أي: إنهن في نهاية من الحُسْن والطول مستغنيات بظهور ذلك عن السؤال.(٣) قوله: ثم يصلي أربعاً، وأما ما سبق من أنه كان يصلي مثنى مثنى، ثم واحدة فمحمول على وقت آخر، فالأمران جائزان، كذا في "إرشاد الساري".(٤) قوله: ثم يصلي ثلاثاً، قال الزرقاني: يوتر منها بواحدة، كما في حديثه فوق هذا الحديث: كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة. انتهى. أقول: كأنه رام الجمع بين هذا الحديث الدال على أنه صلّى الوتر ثلاثاً، وبين حديثها السابق في (باب صلاة الليل) الذي يدلُّ بظاهره على أن الوتر واحدة، وليس بذلك أما أوَّلاً: فلأن للخصم أن يقول: معنى (يوتر بواحدة) يجعل الشفعَ بضم الواحدة وتراً، فلا يتعيَّن طريق الجمع في ما ذكره، وأما ثانياً: فلأنَّ الجمع بالحمل على اختلاف الأحوال ممكن بل هذا هو الصحيح، كيف وقد ثبت من حديثها صريحاً أنه ﷺ كان لا يسلِّم في ركعتي الوتر، كما ذكرنا في باب صلاة الليل، وإني لفي غاية العجب من الفقهاء حيث يجهدون فيما اختلف فيه عن رسول الله ﷺ باختلاف الأحوال في إبداء تأويلات ركيكة ليؤول كل الروايات إلى ما ذهبوا إليه، وأنَّى يتيسر لهم ذلك؟.(٥) قوله: أتنام قبل أن توتر، بهمزة الاستفهام لأنها لم تعرف النوم قبل الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر، وكان يوتر أول الليل، قال ابن عبد البر: في الحديث تقديم وتأخير ومعناه: أنه كان ينام قبل صلاته. وهذا يدل على أنه كان يقوم، ثم ينام، ثم يقوم، ثم ينام، ثم يقوم، فيوتر.стр. 614
عَيْنَايَ تَنَامَانِ (١) وَلا ينامُ قَلْبِي (٢) .
٢٤٠ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنّ (٣) رسولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يرغِّبُ النَّاسَ فِي قِيَامِ (٤) رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يأمُرَ (٥) بِعَزِيمَةٍ، فيقول: من قام رمضان إيماناً (٦) الحواشي
(١) لأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، ولا يكون ذلك إلاَّ للأنبياء كما قال ﵇: إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا.(٢) قوله: ولا ينام، لا يعارضه نومه في الوادي لأن رؤية الفجر متعلق بالعين لا بالقلب، كذا حققه الشرّاح وفي المقام تفصيل مظانُّه الكتب المبسوطة.(٣) قوله: أن ... إلخ، قال السيوطي: ليحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ ... إلخ، قال ابن عبد البر: اختلفت الرواة، عن مالك، فرواه يحيى بن يحيى هكذا متصلاً، وتابعه ابن بكير وسعيد بن عفير وعبد الرزاق وابن القاسم ومعن بن زائدة، ورواه القعنبي وأبو مصعب ومطرف وابن وهب، وأكثر رواة الموطأ، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة مرسلاً، لم يذكروا أبا هريرة.(٤) أي: صلاة التراويح قاله النووي: وقال غيره: بل مطلق الصلاة الحاصل بها قيام الليل.(٥) قوله: يأمر، قال النووي: معناه لا يأمرهم أمرَ إيجابٍ وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب، ثم فسَّره بقوله: فيقول: إلخ، وهذه الصنيعة تقتضي الترغيب والندب دون الإِيجاب.(٦) قال النووي: معناه تصديقاً بأنه حق معتقداً فضيلته، وأن يريد به وجْهَ الله، ولا يقصد رؤيَة الناس ولا غير ذلك.стр. 615
وَاحْتِسَابًا غُفر لَهُ مَا تقدَّم (١) مِنْ ذَنْبِهِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّيَ (٢) النبيُّ ﷺ وَالأَمْرُ (٣) عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا (٤) مِنْ خِلافَةِ عمرَ عَلَى ذَلِكَ.
٢٤١ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ (٥) الحواشي
(١) قوله: ما تقدم من ذنبه، قال النووي: المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر، وقال بعضهم: يجوز أن يخفِّف من الكبائر إذا لم يصادفه صغيرة، وقال ابن حجر: ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وأخرج ابن عبد البر من طريق حامد بن يحيى، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر (أخرجه البخاري في: ٣١ - كتاب صلاة التراويح، ١ - باب فضل من قام رمضان، ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٥ - باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، رقم الحديث ١٧٤) ، كذا في "التنوير".(٢) قال الباجي: هذا مرسل أرسله الزهري.(٣) قوله: والأمر على ذلك، قال الباجي: معناه أن حال الناس على ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ من ترك الناس والندب إلى القيام، وأن لا يجتمعوا فيه على إمام يصلي بهم خشية أن يُفرض عليهم ويصحّ أن لا يكونوا يصلون إلاَّ في بيوتهم، أو يصلي الواحد منهم في المسجد، ويصح أن يكونوا لم يجمعوا على إمام واحد، ولكنهم كانوا يصلون أوزاعاً متفرقين.(٤) أي: في أوائل خلافته.(٥) بالتنوين بلا إضافة.стр. 616
الْقَارِيِّ (١) : أَنَّهُ خَرَجَ (٢) مَعَ عمرَ بنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ، فَإِذَا الناسُ أوزاعٌ (٣) متفرِّقون، يصلِّي الرجلُ (٤) فيصلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ (٥) ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّنِي لَوْ جمعتُ هَؤُلاءِ عَلَى قارئٍ (٦) واحدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ (٧) ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ (٨) على أبيّ بن الحواشي
(١) بشد الياء نسبة إلى القارة بطن من خُزيمة.(٢) في المسجد النبوي.(٣) أي: جماعات متفوقون.(٤) بيان لما مأجمله أولاً.(٥) ما بين الثلاثة إلى العشرة.(٦) لأنه أنشط لكثير من المصلين ولما في الاختلافِ من افتراقِ الكلمة.(٧) قوله: لكان أمثل، قال ابن التين وغيره: استنبط عمر من تقرير النبي ﷺ مَن صلّى ما هو في تلك الليالي وإن كان كره لهم ذلك، فإنما كرهه خشية أن يُفرض عليهم، فلما مات النبي ﷺ حصل الأمنُ من ذلك، ورأى عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة.(٨) في سنة أربعَ عشرةَ من الهجرة.стр. 617
الحواشي
(١) قوله: على أبيّ بن كعب، كأنه اختاره عملاً بحديث يؤمُّ القومَ أقرؤهم، وقد قال عمر: أقرؤنا أبيٌّ، ذكره ابن عبد البر وابن حجر، وتبعهما من جاء بعدهما، وقد استخرجت لذلك أصلاً آخر لطيفاً، وهو أنه قد علم أن أُبَيّاً كان يصلي بالناس في عهد رسول الله ﷺ ، وأثنى عليه رسول الله ﷺ ، فأحبّ عمر أن يجمع الناس به، وذلك لما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة: خرج رسول الله ﷺ ، فإذا أناسٌ في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناسٌ ليس معهم قرآن وأبيُّ بن كعب يصلِّي وهم يصلون بصلاته، فقال: أصابوا، ونِعْمَ ما صنعوا. وقال ابن حجر (انظر فتح الباري ٤/٢٥٢، وبذل المجهود ٧/١٥٩، وحديث مسلم بن خالد مؤيَّد بروايات عديدة كما في الأوجز ٢/٢٩١. وهذا الحديث صريح في أن الصلاة بجماعة كانت شائعة في زمانه ﷺ وليس المراد من جمع عمر الناس على أبيّ إلاَّ مثل جمع عثمان على القرآن) : فيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب. انتهى. وفيه نظر فإن مسلم بن خالد وإن ضعَّفه ابن معين في رواية وأبو داود، لكن وثقه ابن معين في رواية ابن حبان، وأما كون عمر أول من جمع الناس على أبيّ كما هو المعروف، فهو لا ينافي ذلك لأن صلاة أبيّ مع الناس في زمن النبي ﷺ لم يكن من اهتمامه، ولم يكن من أمره والاهتمام به، والإِجماع على إمام واحد إنما كان في زمن عمر، فهو أول من فعل ذلك، وقد حقَّقت المرام في "تحفة الأخيار".
ثم جمع الناس على أبيّ في عهد عمر إنما كان للرجال، وأما النساء فكان إمام آخر كما أخرجه سعيد بن منصور من طريق عروة أن عمر جمع الناس على أبيّ بن كعب، فكان يصلّي بالرجال، وكان تميم الداري يصلي بالنساء، وفي رواية محمد بن نصر في "كتاب قيام الليل" في ذكر إمام النساء سليمان بن أبي حَثْمة، قال ابن حجر: لعل ذلك كان في وقتين. انتهى. وعلى هذا يُحمل اختلاف ما رواه مالك، عن السائب أن عمر أمر أبي بن كعب وتميماً أن يكون بإحدى عشرة ركعة، مع ما رواه هو والبيهقي أن عمر جمع الناس على ثلاث وعشرين ركعة، مع الوتر، فيحمل ذلك على أن الاقتصار على الأول كان في البداء، ثم استقر الأمر على عشرين، ذكره ابن عبد البر.(٢) أي: جعله إماماً لهم.стр. 618
قَالَ: ثُمَّ خرجتُ مَعَهُ (١) لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يصلّون (٢) بصلاة (٣) قارئهم (٤) ، فقال: نِعْمَتْ (٥) الحواشي
(١) أي: مع عمر.(٢) قوله: يصلّون ... إلخ، هو صريح في أن عمر لم يكن يصلي معهم لأنه كان يرى أن الصلاة في بيته، ولا سيَّما في آخر الليل أفضل، كذا في "التنوير".(٣) قوله: بصلاة، فيه دليل على أن عمر لم يكن يصلي معه، وكذا ورد في رواية الطحاوي وغيره، عن ابن عمر وجماعة من التابعين أنهم كانوا لا يصلّون مع الإِمام، بل في بيوتهم، فدلَّ ذلك على أن الجماعة في التراويح سنة على الكفاية (قال النووي في شرح مسلم ٣/٣٩: اختلفوا في أنَّ الأفضل صلاتها منفرداً في بيته أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة ﵃ واستمرّ عمل المسلمين عليه، لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية: الأفضل فرادى في البيت. اهـ.
ولا يذهب عليك أن اختيار الموالك أفضلية البيت مقيَّد بعدم تعطل المساجد كما صرَّح به في "مختصر خليل") .(٤) أي: إمامهم المذكور.(٥) قوله: نعمت البدعة، يريد صلاة التراويح، فإنه في حيِّز المدح وفيه تحريض على الجماعة المندوب إليها وإن كانت لم تكن في عهد أبي بكر، فقد صلاّها رسول الله ﷺ ، وإنما قطعها إشفاقاً من أن تُفرض على أمته، وكان عمر ممَّنстр. 619
البدعةُ (١) هَذِهِ، وَالَّتِي (٢) يَنَامُونَ عَنْهَا أفضلُ (٣) مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ فِيهَا. يُرِيدُ آخرَ اللَّيْلِ وَكَانَ الناسُ يَقُومُونَ (٤) أَوَّلِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، لا بأسَ بالصَّلاة فِي شَهْرِ رمضانَ أَنْ يصليَ النَّاسُ تطوُّعاً (٥) بإِمَامٍ، لأَنَّ المسلمينَ قد أَجمعوا على ذلك (٦) الحواشي
(١) قوله: البدعة، فيه إشارة إلى أنها ليست ببدعة شرعية حتى تكون ضلالة، بل بدعة لغوية وهي حسنة، وقد حقَّقت الأمر في ذلك في رسالتي "إقامة الحجة على أن الإِكثار في التعبد ليس ببدعة".(٢) أي: الصلاة التي.(٣) قال ابن حجر: هذا التصريح بأن الصلاة آخر الليل أفضل.(٤) قوله: يقومون، أي: في الابتداء، ثم جعله عمر في آخر الليل لقول ابن عباس: دعاني عمر أتغدّى معه في رمضان، يعني السحور، فسمع هَيْعَة الناس حين انصرفوا، فقال عمر: أما إن الذي بقي من الليل أحب مما مضى، كذا ذكره الزرقاني.(٥) قوله: تطوُّعاً، إطلاق التطوُّع على التراويح باعتبار أنها زائدة على الفرائض، وبهذا المعنى يطلق التطوع على جميع السنن، فلا ينافي ذلك كونه سنة مؤكدة، كما صرح به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، أخذاً من المواظبة النبوية الحُكْمية، ومن المواظبة الحقيقية من الصحابة، ومن المواظبة التشريعية من الخلفاء.(٦) قوله: على ذلك، أي: على صلاتهم بإمامهم في ليالي رمضان في زمان الخلفاء عمر وعثمان وعلي فمَنْ بعدَهم إلى يومنا هذا.стр. 620
الحواشي
(١) قوله: ورأوه حسناً، كما يدل عليه قول عمر: نعمت البدعة، قال ابن تيمية في "منهاج السنة": إنما سمّاه بدعة لأنَّ ما فُعل ابتداءً بدعة في اللغة، وليس ذلك بدعةً شرعية، فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة ما فُعل بغير دليل شرعي كاستحباب ما لم يُحبه الله، وإيجاب ما لم يوجبه الله، وتحريم ما لم يحرمه الله. انتهى. وبه يندفع ما يقال: إن قول عمر نعمت البدعة مخالف لحديث "كل بدعة ضلالة" بأن المراد بالبدعة في الكلية البدعة الشرعية، وتوصيف الحسن للبدعة اللغوية ولم يُرْوَ عن أحد من الصحابة في زمان الخلفاء فمن بعدهم الإِنكار على ذلك، بل قد وافقوا عمر في كونه حسناً، وباشروا به، وأمروا، واهتموا به، فأخرج ابن أبي شيبة في "المصنَّف" عن وكيع، عن هشام، عن أبي بكر بن أبي مُلِيْكة أن عائشة أعتقت غلاماً لها عن دبر، فكان يؤمُّها في رمضان في المصحفِ، وعلقه البخاري في "باب إمامة العبد" بلفظ: وكانت عائشة يؤمها ذكوان من المصحفِ. وأخرج محمد في كتاب "الآثار" عن إبراهيم النَّخَعي أن عائشة تؤمُّ النساء في شهر رمضان فتقوم وسطاً، وأخرج البيهقي عن السائب: كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، وأخرج عن عروة أن عمر أوَّل من جمع الناس على قيام رمضان، الرجال على أُبَيّ بن كعب والنساء على سليمان بن أبي حَثْمة، زاد ابن سعد: فلما كان عثمان جمع الرجال والنساء على إمام واحد سليمان بن أبي حَثْمة. وأخرج البيهقي عن شبرمة - وكان من أصحاب عليّ - أنه كان يؤمُّهم في رمضان، فيصلّي خمس ترويحات. وأخرج أيضاً أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله، وأخرج أيضاً عن عرفجة: كان عليٌّ يأمر الناس بقيام رمضان. ويجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً، قال عرفجة: فكنت أنا إمامَ النساء. وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمي: أن عليّاً دعا القُرّاء في رمضان، فأمر رجلاً بأن يصلّي بالناس عشرين ركعة، وكان عليٌّ يوتر بهم. وروي عن علي أنه قال: نوَّر الله قبر عمر كما نوَّر علينا مساجدنا،стр. 621
وَقَدْ رُوي (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الحواشي
(١) قوله: وقد رُوي ... إلى آخره، أقول: هذا صريح في أن "ما رآه المؤمنون حسناً" الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ ، ولم يزل الفقهاء والأصوليون من أصحابنا وغيرهم يذكرونه مرفوعاً، وكلمات جماعة من المحدثين شهدت بأنه ليس بمرفوع، بل هو قول ابن مسعود، بل نص بعضهم على أنه لم يوجد مرفوعاً منстр. 622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) طريق أصلاً، وكنت قد مِلْت إليه في رسالتي "تحفة الأخيار"، ففي "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة" (المقاصد الحسنة ص ٣٦٧، وأخرجه البزّار في كشف الأستار ١/٨٠) لشمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي: حديث: "ما رآه المسلمون حسناً"، أخرجه أحمد من حديث ابن مسعود من قوله، وكذا أخرجه البزّار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في "حلية الأولياء" في ترجمة ابن مسعود، بل هو عند البيهقي في "الاعتقاد" من وجه آخر عن ابن مسعود، انتهى. كلامه من نسخة مقروءة عليه، وعليها خطّه في مواضع، وفي نسخة أخرى للمقاصد: حديث: "ما رآه المسلمون" أخرجه (سقط من الأصل: "أخرجه") أحمد في كتاب "السنَّة" - ووهم من عزاه للمسند - من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فاختار محمداً ﷺ فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، فاختار له أصحاباً فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه، "فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن"، وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من "الحلية"، بل هو عند البيهقي في "الاعتقاد" من وجه آخر، عن ابن مسعود. انتهى. وفي "الأشباه والنظائر" للزين بن نُجَيم المِصْري عند ذكر القاعدة السادسة من النوع الأول من الفن الأول، وهي أن العادة محكمة، أصلها: قوله ﵇ "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن"، قال العلائي: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول ابن مسعود موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في "مسنده" انتهى.
وفي "حواشي الأشباه" للسيد أحمد الحموي عند قوله: (أخرجه أحمد في "مسنده") قال السخاوي في "المقاصد الحسنة": حديث ما رآه المسلمون حسناً رواه أحمد في كتاب "السنة" - ووهم من عزاه للمسند - من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود، وهو موقوف حسن. انتهى. فكأنَّ العلائي تبع من وهم في نسبه إلىстр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) "المسند" انتهى. ثم منحني الله تعالى باشتراء قطعة من "مسند الإِمام أحمد" فإذا فيه في مسند عبد الله بن مسعود، قال أحمد: نا أبو بكر، نا عاصم، عن زرّ ابن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيِّئٌ، انتهى. فعلمت أن نسبة الوهم إلى من نسبه إلى "مسند أحمد" كما صدر عن السخاوي وغيره وهم، لعله صدر من عدم مراجعة "مسند أحمد"، أو يكون ذلك لاختلاف النسخ (قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/١٧٧ و ١٧٨: أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون) ثم بحثت عن رفع هذا الخبر ظناً مني أنه لا بد أن يكون في كتاب من الكتب طريق له مرفوعاً، وإن كان مقدوحاً، وإلاّ فيُستبعد أن ينسبه الجم الغفير من المفسرين والفقهاء والأصوليون إلى النبي ﷺ من غير وجود طريق مرفوع له فإن منهم المحدثين الذين بحثوا عن الإِسناد، وكشفوا الغطاء عن وجه المراد، فيستبعد منهم وقوع ذلك وإن لم يستبعد ممن لا يعدّ من المحدثين، ذلك لعدم مهارته في ما هنالك، فبعد كثرة التتّبع اطَّلعت على سند مرفوع له في "كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" لابن الجوزي، لكن لا سالماً من القدح، بل مجروحاً بغاية الجرح، وهذه عبارته في (باب فضل الصحابة) من كتاب الفضائل: أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت، قال: أنا محمد بن إسماعيل بن عمر البجلي، قال: أنا يوسف بن عمر، قال: قُرئ على أحمد بن أبي زهير البخاري وأنا أسمع، قيل له: حدثكم علي بن إسماعيل؟ قال: أنا أبو معاذ رجاء بن معبد، قال: نا سليمان بن عمرو النخعي وأنا أسمع، قال: حدثنا أبان بن أبي عياش وحميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله نظر في قلوب العباد، فلم يجد قلباً أتقى من أصحابي فذلك أخيارهم، فجعلهم أصحاباً، فما استحسنوا فهو عند الله حسن، وما استقبحوا فهو عند الله قبيح، قال المؤلف - أي ابن الجوزي -: تفرد به النخعي، قال أحمد بن حنبل: كانстр. 624
أَنَّهُ قَالَ: مَا رَآهُ (١) المُؤْمِنُوْنَ حَسَنَاً فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حسنٌ، وَمَا رآهُ المسلِمُونَ قَبيحاً فهو عندَ اللَّهِ قَبِيْحٌ. الحواشي
(١) قوله: ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن إلى آخره، اعلم أنه قد جرت عادة كثير من المتفقهين بأنهم يستدلون بهذا الحديث على حُسن ما حدث بعد القرون الثلاثة من أنواع العبادات وأصناف الطاعات ظنّاً منهم، أنه قد استحسنها جماعة من العلماء والصلحاء، وما كان كذلك فهو حسن عند الله، لهذا الحديث. ويُرَدُّ عليهم من وجهين: أحدهما: أنه حديث موقوف على ابن مسعود فلا حجة فيه، ويجاب عنهم بأنه إن ثبت رفع هذا الحديث على ما ذكره جمع منهم محمد فذاك، وإلاَّ فلا يضر المقصود لأن قول الصحابي: في ما لا يُعقل له حكم الرفع، على ما هو مصرَّح في أصول الحديث، فهذا القول وإن كان قولَ ابن مسعود لكن لمّا كان مما لا يُدرَك بالرأي والاجتهاد صار مرفوعاً حكماً، فيصح الاستدلال به، وثانيهما: أنه لا يخلو إما أن يكون اللام الداخلة على المسلمين في هذا الحديث للجنس أو للعهد أو للاستغراق ولا رابع، أما الأول فباطل، لأنه حينئذٍ تبطل الجمعية، ويلزم أن يكون ما رآه مسلم واحد أيضاً وإن خالفه الجمهور حسناً عند الله ولم يقل به أحد، وأيضاً يلزم منه أن يكون ما أحدثته الفرق الضالة من البدعات والمنهيات أيضاً حسناً لصدق رؤية مسلم حسناً، وهو باطل بالإِجماع، وأيضاً يخالف حينئذٍ قوله ﷺ : "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلاَّ واحدة"،стр. 625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقوله ﷺ : "من يعِش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين"، وقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ"، وقوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تدل على أنه ليس كل ما حدث بعد النبي ﷺ وليس كل ما أحدثه مسلم من أمته حسناً، وإذا بطل أن يكون اللام للجنس تعيَّن أن يكون للعهد أو للاستغراق، أما على الأول: فالمعهود إما المسلمون الكاملون كأهل الاجتهاد كما قال عليّ القاري في "المرقاة": المراد بالمسلمين زُبدتهم وعُمدتهم، وهم العلماء بالكتاب والسنَّة الأتقياء عن الشبهة والحرام. انتهى. وإما الصحابة وهو الأظهر، بل لا يميل القلب الصادق إلى سواه، لكونه بعض حديث من حديث طويل مشتمل على توصيف الصحابة، والأصل في اللام هو العهد الخارجي، ويؤيده دخول الفاء على قوله: "ما رآه المسلمون" على ما هو أصل الرواية وإن اشتهر بحذفها على لسان الأمة فإذن لا يدل الحديث إلاَّ على حُسن ما استحسنه الصحابة أو ما استحسنه الكاملون من أهل الاجتهاد لا على ما استحسنه غيرهم من العلماء الذين حدثوا بعد القرون الثلاثة، ولا حظّ لهم من الاجتهاد، وما لم يدخل ذلك في أصل شرعي، وأما على الثاني: فإما أن يكون للاستغراق الحقيقي فلا يدل إلاَّ على حسن ما استحسنه جميع المسلمين، لا على حسن ما وقع الاختلاف فيه، وإما أن يكون للاستغراق العرفي وهو استغراق المسلمين الكاملين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين، وبعد اللُّتيّا واللَّتي أقول: كلام محمد - رحمه الله تعالى - ههنا صافٍ من الكدورات لأنه إنما استدل بهذا الحديث على حُسن قيام رمضان بالجماعة، وهو أمر استحسنه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون والعلماء الكاملون، وما استحسنه هؤلاء فهو عند الله حسن بلا ريب، وما استقبحه هؤلاء فهو عند الله قبيح بلا ريب، وبالجملة فهذا الحديث نِعْمَ الدليل على حسن ما استحسنه الصحابة وغيرهم من المجتهدين، وقبح ما استقبحوه، وأما ما استحسنه غيرهم من العلماء فالمرجع فيه إلى القرون الثلاثة، أو إلى دخوله في أصل من الأصولстр. 626
٧٢ - (بابُ القنوتِ فِي الْفَجْرِ)
٢٤٢ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نافعٍ قال: كان (١) ابنُ عمرَ الحواشي
(١) قوله: كان ابن عمر لا يقنت في الفجر، هكذا رُوي عنه بروايات متعددة، وعن جماعة من الصحابة، فمنهم من لم يختلف عنه، ومنهم من رُوي عنه القنوت والترك كلاهما، فأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر. وأخرج عن عليّ أنه لما قنت في الفجر أنكر عليه الناس ذلك، فلما سلَّم قال: إنما استنصرنا على عدونا. وأخرج أيضاً عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وابن عمر أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر. وأخرج محمد في "الآثار"، عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر سنين في السفر والحضر، فلم يره قانتاً في الفجر حتى فارقه. وأخرج البيهقي، وضعَّفه، عن ابن عباس قال: القنوت في الصبح بدعة. وأخرج الحازمي في كتاب "الاعتبار"، عن ابن مسعود قال: لم يقنت رسول الله ﷺ إلاَّ شهراً، لم يقنت قبله ولا بعده. وأخرج عن ابن عمر أنه قال: رأيت قيامكم عند فراغ القارئ والله إنه لبدعة، ما فعله رسول الله ﷺ غيرَ شهر واحد، ثم تركه. وأخرج الطحاوي في "شرح معاني الآثار" أن عليّاً وأبا موسى كانا يقنتان في الفجر. وأخرج أيضاً عن إبراهيم: كان عبد الله لا يقنت في الفجر، وأول من قنت فيها علي، كانوا يرون أنه إنما فعل ذلك، لأنه كان محارباً. وأخرج عن ابن عباس أنه قنت في الفجر قبل الركعة، وأخرج أن ابن عمر وابن عباس كانا لا يقنتان في الصبح. وأخرج عن ابن مسعود أنه كان لا يقنت في شيء من الصلاة إلاَّ الوتر، فإنه كان يقنت فيهما قبل الركعة. وأخرج عن ابن الزبير أنه كان لا يقنت في الصبح. وأخرج عن عمر أنه كان يقنت، ومن طريق آخر أنه كان لا يقنت، ومن طريق أنه إذا كان محارِباً قنت، وإلاَّ لا. وذكر الحازمي أن ممَّن رُوي عنه القنوت عمار بن ياسر وأُبَيّ بن كعب وأبو موسى وعبد الرحمن بنстр. 627
لا يَقْنُتُ (١) فِي الصُّبْحِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. الحواشي
(١) بل روي عنه أنه بدعة.стр. 628
٧٣ - (بَابُ فضلِ صلاةِ الْفَجْرِ فِي الْجَمَاعَةِ وَأَمْرِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ)
٢٤٣ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا ابنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ (١) بنِ سليْمَانَ بنِ أَبِي حثْمةَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّاب فَقَدَ سليمانَ (٢) بْنَ أَبِي حثْمة (٣) فِي صلاةِ الصُبْح، وأنَّ عُمَرَ غَدا (٤) إِلَى السُّوقِ وَكَانَ مَنْزِلُ (٥) سُلَيْمَانَ بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ، فمرَّ عُمَرُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمَانَ الشِّفاء (٦) (٧) ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ (٨) سُلَيْمَانَ فِي الصبح، فقالت: بات يصلي (٩) الحواشي
(١) قوله: أبي بكر، ثقة، عارف بالنسب، لا يُعرف اسمه، واسم أبي حثمة عبد الله بن حذيفة العدوي المدني، كذا في "التقريب".(٢) قوله: سليمان، قال ابن حبان: له صحبة، وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم، واستعمله عمر على السوق وجمع الناس عليه في قيام رمضان، كذا ذكره الزرقاني.(٣) بفتح المهملة وإسكان المثلثة.(٤) أي: ذهب بالغدوة، أي: الصبح.(٥) ولذا استعمله على السوق لقربه منه.(٦) بكسر الشين.(٧) قوله: الشفاء، هي بنت عبد الله بن عبد شمس بن خالد القرشية العدوية من المبايعات، قال أحمد بن صالح: اسمها ليلى، وغلب عليها الشفاء، كذا في "الاستيعاب".(٨) فيه تفقد الإِمام رعيته في شهود الخير.(٩) أي: النوافل بالليل.стр. 629
فَغَلَبَتْهُ (١) عَيْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ أَشْهَدَ (٢) صلاةَ الصبح أحبُّ إليَّ (٣) من أن أقوم الليلة.
٢٤٤ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سكَتَ (٤) المؤذِّنُ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ (٥) وَبَدَأَ (٦) الصُّبْحُ (٧) رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ (٨) خَفِيفَتَيْنِ (٩) قَبْلَ أَنْ تُقام الصَّلاةُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ الحواشي
(١) أي نام.(٢) أي: أحضر مع الجماعة.(٣) لما في ذلك من الفضل الكبير.(٤) يستنبط منه أن لا يصلي عند الأذان، بل يشتغل في الجواب.(٥) والجملة حالية.(٦) أي: ظهر.(٧) هذه الجملة إنما زيدت لئلا يُتَوَهَّم أنه كان يصلّي ركعتي الفجر بعد الأذان الأول الذي يؤذن به قبل طلوع الفجر.(٨) قوله: ركعتين، في رواية عَمْرة، عن عائشة: ثم يصلي إذا سمع النداء أي ركعتين خفيفتين حتى إنّي لأقول هل قرأ بأمّ الكتاب أم لا؟(٩) قوله: خفيفتين، اختلف في حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما كان يصنع في صلاة الليل.стр. 630
يخفَّفان (١) (٢) .
٢٤٥ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلا رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ (٣) فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا شَأْنُهُ (٤) ؟ فَقَالَ نَافِعٌ: فَقُلْتُ: يَفْصِلُ بَيْنَ صلاته، قال ابن عمر: الحواشي
(١) في نسخة: مُخَفَّفَتان.(٢) قوله: يخفَّفان، بأن يقرأ فيهما: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ ، كما أخرجه مسلم وغيره أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يقرأهما فيهما، ولأبي داود: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿ربَّنا آمنّا بما أَنْزَلْتَ واتَّبعنا الرسول﴾ .(٣) قوله: ثم اضطجع ... إلخ، لا شبهة في ثبوت الاضطباع عن النبي ﷺ قولاً وفعلاً بعد ركعتي الفجر، أو قبلهما بعد صلاة الليل، وثبوت الترك عنه (الصواب هو الجمع بين الحديثين معاً، وأحسن الجمع ما نقله شيخنا عن والده - نوّر الله مرقده وبرّد مضجعه - أن النبي ﷺ إذا كان يفرغ من قيام الليل قبل طلوع الفجر يضطجع إلى أن يأتيه المؤذِّن بصلاة الفجر فيقوم فيصلي ركعتي الفجر ويغدو إلى الصلاة، وإذا فرغ من قيام الليل عند طلوع الفجر فيصلي ركعتي الفجر أيضاً لما قد حان وقته ويضطجع بعد ذلك. أوجز المسالك ٢/٣٢٩) ، أما ثبوته فعلاً بعد ركعتي الفجر، ففي حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى ركعتي الفجر اضطجع على شِقِّه الأيمن، أخرجه البخاري وغيره. وأما ثبوته قبلهما، ففي حديثها من رواية مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وقد مرَّ في (باب صلاة الليل) . وأما ثبوته قولاً، ففي حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صلّى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه، أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وأما ثبوت الترك ففي حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا صلّى سنَّة الفجر فإن كنت مستيقظةً حدثني وإلاَّ اضطجع حتى يؤذن بالصلاة، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم، وقد اختلفстр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) العلماء في ذلك على ستة أقوال على ما ذكره العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري". الأول أنه سنَّة، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، والثاني: أنه مستحب، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري، ورافع بن خَديج وأنس وأبي هريرة، ومحمد بن سيرين وعروة وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد، والثالث: واجب لا بد منه، وهو قول ابن حزم، والرابع: بدعة، وبه قال عبد الله بن مسعود وابن عمر على اختلاف عنه، فروى ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود قال: ما بال الرجل إذا صلّى الركعتين يتمعَّك كما تتمعَّك الدابة والحمار، إذا سلَّم فقد فصل. وروى أيضاً أن ابن عمر نهى عنه، وأخبر أنها بدعة، وممن كره ذلك من التابعين الأسود وإبراهيم النخعي، وقال: هي ضجعة الشيطان. أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وحكاه عياض عن مالك وجمهور العلماء، والخامس: أنه خلاف الأولى، عن الحسن أنه كان لا يعجبه، والسادس أنه ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر والفريضة، إما باضطجاع أو حديث أو غير ذلك وهو محكيّ عن الشافعي. انتهى كلام العيني ملخصاً.
قلت: ظاهر الأحاديث القولية والفعلية تقتضي مشروعية الضجعة بعد ركعتي الفجر، فلا أقلَّ من أن يكون مستحباً إن لم يكن سنَّة، وأما حمل ابن حزم الأمر للوجوب فيبطله ثبوت الترك، وأما إنكار ابن مسعود وابن عمر فإما أن يُحمل على أنه لم يبلغهما الحديث، وهو غير مستبعد، فإن النبي ﷺ إنما كان يصلي ركعتي الفجر، ويضطجع بعدهما في بيته، وابن مسعود وابن عمر لم يكونا يحضرانه في ذلك الوقت، وعائشة أعلم بحاله في ذلك الوقت، وقد أخبرت بوقوعه، وإما أن يُحمل على أنهما بلغهما الحديث لكن حملاه على الاستراحة، لا على التشريع، أو حملاه على كونه في البيت خاصاً، لا في المسجد أو نحو ذلك، والله أعلم. وفي "شرح القاري"، قال ابن حجر المكي في "شرح الشمائل": روى الشيخان أنه ﷺ كان إذا صلّى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن، فتُسنّ هذه الضجعة بينстр. 632
وَأَيُّ فَصْلٍ (١) (٢) أَفْضَلُ مِنَ السَّلامِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وبقولِ ابنِ عمرَ (٣) نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة ﵀. الحواشي
(٤) أي: لِمَ فعل ذلك.(١) قوله: فصل، وذلك لأن السلام إنما ورد للفصل، وهو لكونه واجباً أفضل من سائر ما يخرج من الصلاة من الفعل والكلام، وهذا لا ينافي ما سبق من أنه ﵇ كان يضطجع في آخر التهجّد تارةً وتارةً بعد ركعتي الفجر في بيته للاستراحة، كذا قال علي القاري.(٢) فيه إشارة إلى أنه لا حاجة إلى الضجعة للفصل، بل هو حاصل بالسلام، وليس فيه إنكار الضجعة مطلقاً.(٣) أي: لا يحتاج إلى الاضطجاع للفصل.стр. 633
٧٤ - (بَابُ طولِ القراءةِ فِي الصَّلاةِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنَ التَّخْفِيفِ)
٢٤٦ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدَّثنا الزُّهريّ، عَنْ عبيْد اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ (١) عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عَنْ أمِّه أمِّ الفَضلِ (٢) : أنَّها سَمِعَتْهُ (٣) يَقْرَاُ ﴿والمُرْسَلاَتِ﴾ ، فَقَالَتْ: يَا بنيَّ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بقِراءتِكَ هَذِهِ السورةَ إِنَّهَا لآخِرُ (٤) (٥) مَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقرأُ فِي المَغرِب.
٢٤٧ - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، حدَّثَنِيْ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ (٦) بْنِ جُبَير بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ (٧) الحواشي
(١) ابن عتبة بن مسعود.(٢) هي لبابة بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة، أم المؤمنين، وزوج العباس بن عبد المطلب، يُقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، كذا في "الاستيعاب".(٣) أي: عبد الله بن عباس.(٤) استدل به على ابتداء وقت المغرب وعلى جواز القراءة فيها بغير قصار المفصل.(٥) زاد البخاري: ثم ما صلّى لنا بعدها حتى قبضه الله.(٦) هو أبو سعيد القرشي النوفلي، ثقة، من رجال الجميع، مات على رأس المائة، كذا ذكره الزرقاني وغيره.(٧) هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، صحابي، أسلم عام الفتح، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين، كذا ذكره الزرقاني.стр. 634
قَالَ: سَمِعْتُ (١) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ (٢) بالطُّور (٣) فِي الْمَغْرِبِ (٤) .
قَالَ مُحَمَّدٌ: العامَّة عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ (٥) تُخَفَّفُ فِي صلاةِ المغرب الحواشي
(١) قوله: سمعتُ، وللبخاري في "الجهاد" من طريق معمر، عن الزهري: وكان جاء في أسارى بدر. ولابن حبان من طريق محمد بن عمرو، عن الزهري في فداء أهل بدر. وزاد الإِسماعيلي من طريق معمر: وهو يومئذٍ مشرك. وللطبراني من طريق أسامة بن زيد نحوه. وزاد: فأخذني من قراءته الكرب، وللبخاري في المغازي: وذلك أول ما وَقَرَ الإِيمان في قلبي، كذا ذكره الزرقاني.(٢) وفي البخاري من رواية ابن يوسف، عن مالك (قرأ) بلفظ الماضي.(٣) قوله: بالطور، أي: بسورة الطور، وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون الباء بمعنى من استدل له الطحاوي لما رواه من طريق هشيم، عن الزهري فسمعته يقول: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ ، قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هو هذه الآية خاصة، قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة، بل جاء في روايات أخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلَّها.(٤) وأما رواية العتمة فضعيفة، لأنها من رواية ابن لهيعة، عن يزيد كما قال ابن عبد البر.(٥) قوله: على أن القراءة ... إلخ، لما أخرجه الطحاوي، عن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بقصار المفصل. وأخرج عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل. وأخرج أبو داود، عن عروة: أنه كان يقرأ في المغرب نحو ﴿والعاديات﴾ . وفي الباب آثار شهيرة، ويُستأنس له بما ورد بروايات جماعة من الصحابة أنهم كانوا يصلّون المغرب مع رسول الله ﷺ ، ثم ينصرفون، والرجل يرى موضع نَبْله، وهذا لا يكون إلاَّ عند قراءة القصار.стр. 635
يقْرأُ فيها بقصار (١) المفصَّل. ونرى (٢) (٣) الحواشي
(١) وهي من ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ إلى الآخر، ومن ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ إلى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ﴾ طوالُه، ومنه إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أوساطه، هذا على الأشهر، وقيل غير ذلك.(٢) أي: نعتقد.(٣) قوله: ونرى ... إلخ، لما ورد على العامة أنهم كيف استحبوا القصار في المغرب مع ثبوت طوال المفصل، بل أطول منها عن النبي ﷺ ، فأجابوا عنه بثلاثة: ذكره المصنف منها اثنين، وترك الثالث.
الأول: أن تطويل القراءة لعله كان أوَّلاً، ثم نُسخ ذلك وتُرك، بما ورد في قراءة المفصل،
والثاني: أنه لعله فرَّق السورة الطويلة في ركعتين، ولم يقرأها بتمامها في ركعة واحدة، فصار قدر ما قرأ في ركعة بقدر القصار.
والثالث: أن هذا بحسب اختلاف الأحوال: قرأ بالطوال لتعليم الجواز والتنبيه على أن وقت المغرب ممتد، وعلى أن قراءة القصار فيه ليس بأمر حتمي. وأقول الجوابان الأوَّلان مخدوشان، أما الأول: فلأن مبناه على احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكاً إنما يثبت لو ثبت تأخَّر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل صريح في أنها آخر ما سمعت من رسول الله ﷺ ، هو سورة المرسلات في المغرب، فدلَّ ذلك على أنه ﷺ قرأ بالمرسلات في المغرب في يومٍ قبل يومه الذي توفي فيه، ولم يصلِّ المغرب بعده، وقد ورد التصريح بذلك في "سنن النسائي" فحينئذٍ إن سلك مسلك النسخ يثبت نسخ قراءة القصار، لا العكس. وأما الثاني: فلأن إثبات التفريق في جميع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، ولأنه قد ورد صريحاً في رواية البخاري وغيره ما يدلُّ على أن جبير بن مطعم سمع الطور بتمامه، قرأه رسول الله ﷺ في المغرب، فلا يفيد حينئذٍ ليت ولعل، ولأنه قد ورد في حديث عائشة في "سنن النسائي" أنследующие страницы →