الخطابي يحمل على جميع الأفراد بجعل كل فرد درجا في جملة وفي الاستدلالي على الثلاثة وذلك لأن كلامهم بناء على حقيقة فيجوز العدول عنه عند التجوز، ويدل على صحته ووقوعه النص والعرف والدليل، أما النص والعرف فنحو ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، والخيل والبغال والحمير ونحو فلان يحب النساء ويخالط النساء وقوله لمريده البروزا تتبرجين للرجال وأما الدليل فلأنا لو بقيناه جمعًا لغي تعريف الجنس أصلًا للمنافاة بين إرادة الحقيقة من حيث هي وإرادة أفراد المفرد الواجبة في الجمع ولو جعلناه لجنس الفرد مجازا عملنا بالجمعية من وجه لأن إرادة أفراد المفرد محتمله فيه وإن لم يكن واجبه وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إهمال أحدهما أو لأن الجمعية تقتضي التعدد ورفع الإبهام فبينهما منافاة أما الجنس فهو لمعرف من بين الأجناس الجامع لأفراده كما سيجيء، لا يقال في تبقية الجمع أعمال للحقيقتين معا من كل وجه، لأن جنسية الجمع في تناول الجمل تناول احتمال كما أن عهديته في اختصاصه بجملة واستغراقه في تناولها تناول دلالة، وأيضًا لو تم هذا لم يكن جمع ما عرف بلام الجنس مستعملا في حقيقته وهو باطل لغة لتنصيص أئمتها وشرعا بحمله على الثلاثة في خالعنى على ما في يدي من الدراهم والعشرة في لا أكلمه الأيام والشهور عند أبي حنيفة ﵁ والجمعة والسنة عندهما لأنا نقول وضع الجمع للمتعدد من حيث أنه أفراد جنس المفرد لا من حيث هو إفراد الجمع ولذا لو أريد بمنكره المجموع أو الثلاثة فقط صح ولا من حيث هو متعدد مطلقا بخلاف ألفاظ العدد ولذا صح إرادة الواحد في إن تزوجت النهياء لا في ثلاث نسوة أو الثلاث منها، وإذا وجب بحسب وضعه ملاحظة الجنسية في مفهوم مرده والفردية في مفهوم نفسه لم يناسب اعتبار جنسية أخرى في تناول الجمل كيفا وصدقه على جميع الجمل إن علم هو من حيث هي جملة واحدة أما العهد والاستغراق فيلائمان وضعه لأن الملاحظ فيهما الفردية لا الجنسية فالله در علمائنا في تدقيق الأنظار وتحقيق الأسرار وهذا يقتضى أولوية الحمل على المجاز مع لام الجنس لا مطلقا كما يؤيد أشهرية استعماله في الكتاب والسنة وغيرهما ولا يقتضى نفي الحقيقة لجوازيتها فإنها شأن الحقيقة المكثورة واللام في المسائل المذكورة ليست للجنس بل للعهد الخارجي الحقيقى لما تقدمه من قال في مسألة الخلع والتقديري في الأخرين، وذلك أيام الجمعة وشهور السنة عندهما لثلاثة فصاعدا إلى العشرة عنده لأن مميز ما فوقها مفرد وقالت الشافعية قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع أموالهم ولا يكفي أخذ واحدة من جملتها وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، الآية
стр. 422
يقتضي صرفها إلى ثلاثة من كل نوع ولا يكفي الصرف إلى واحد من الجملة.
أما الأول: فلأن المال من اسم الجنس الذي يطلق على القليل والكثير كالماء والعلم وقد يسمى جنسا ومثله إذا جمع يراد به الأنواع لا الأفراد ولذا، قال في الكشاف في جمع العالمين ليتناول كل جنس ما سمي به ومعنى العموم تناول كل واحد من الجزئيات المرادة فعموم مثله تناول كل نوع.
وأما الثاني: فلأن الفقير مما لا يطلق على الكثير كالرجل وجزئيات جمعه الجمل لا آحاد الفقير وحين لم يصح الاستغراق مرادا حمل على الجنس وإرادة جزئي من جزئيات الجنس هو أقل ما يطلق عليه لأن الأصل براءة الذمة وهو ثلاثة من كل صنف كما لو أوصي لهم.
قلنا فيهما بحث من وجوه:
١ - أن عموم الجمع استغراق عندهم استغراق مراتب المجموع فإذا أريد بالأموال أنواعه يكون المراد حمل الأنواع التي أقلها ثلاثة فلا يجب الأخذ من كل نوع ولا من جميع الأنواع بل من كلا ثلاثة أنواع مثلا ولا قائل به وهو المراد بأن استغراق كل واحد أي نوعي أمر زائد على عموم الجمع، قيل: لما اشتمل كل نوع على الآحاد وجد استغراق الجمل قلنا لا بد من استغراق جمل وفرد الجمع وهو النوع حينئذ والحق أن مرادهم بقصد الأنواع المختلفة قصد أفراد تلك احترزا عن قصد أفراد نوع واحد فالاستغراق إن علم هو لجمل الأفراد وإن كان باعتبار الأنواع لا لجمل الأنواع فضلا عن كل نوع.
٢ - أن تناول الجمع المعرف بلام الجنس للجمل حقيقة مكثورة علمًا وشرعًا كما مر، فيحمل على جني المفرد لأن بين الجمعية وجنسيتها تنافيًا لا على الجميع إذْ من الأموال ما لم تجب فيه الصدقة إجماعا غير أنه مجمل في مقدار الصدقة ومقدار ما فيه الصدقة فبينتها السنة وكذا في المصارف لامتناع الصرف إلى الجميع فيحمل على جنس المفرد فلا يجب أكثر من أقل ما ينطلق عليه الجنس وهو الواحد، ثم الزكاة حق الله تعالى والآية لبيان علة الصرف وهي الفقر وإن اختلف جهاته فعند تحققها يحصل المقصود ولو في صنف واحد لا للاستحقاق بخلاف الوصية.
٣ - ما مر أن عموم الجمع استغراق الجميع ولذا فرق بين للرجال عندي درهم ولكل رجل فألزم في الأول واحد وفي الثاني دراهم بعدة الرجال، وكذا بين للرجال الداخلين الحصين ولكل رجل فلئن سلم أنه للاستغراق لا يقتضي الأخذ من كل نوع ولا من كل
стр. 423
فرد فيحتاج إلى تخصيص القليل أو بعض الأنواع بالإجماع.
فروع مرتبة على أصول ممهدة:
فالأصول أن حقيقة اللفظ لغوية كانت كالواحد في لا أشرب الماء، أو عرفيه وشرعية كهو في الجمع المعرف لما مر من أولويته عند عدم العهد والاستغراق أن ثبتت بلا نية فنيتها تصدق ديانة وفضاء، وأن كان حقيقة لا تثبت بلا نية فكذا خلافا لأبي قاسم الصفار فإنها عنده كالمجاز أي إن كان فيه تغليظ يصدق فيهما وإلا فديانة فقط أمانيه ما لا يحتمله ومجازا فلا تصدق أصلًا.
والفروع أنه ينحث هذه المسائل عند تعريف الجنس بالواحد بلا نية إذ لا عهد ولا دليل على الاستغراق المجموعي بل على عدمه وهو أن هذا اليمين للمنع والظاهر أن لا يمنع إلا ما يكمن، وتزوج جميع النساء غير ممكن كما في ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، بخلاف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فإنه عندنا لسلب العموم لا لعموم السلب كما ظنت المعتزلة لامتناعه عندهم إذ لا تمدح به بل بتخصيصه بعد الإمكان بالخواص أو بنفي الإحاطة حملا للإدراك على الرؤية الخاصة فإن نوى الكل يصدق قضاء وديانة ذكره شمس الأئمة ولا قضاء عند أبي القاسم وقيل لا ينعقد عند إرادة الكل لعدم التصور كما في لا شربن الماء في الكوز ولا ماء فيه وهو فاسد لأن البر ها هنا عدم التزوج مثلا وهو متصور فينعقد في لا أتزوج وفي أن تزوجت بخلاف لأتزوجن وإن لم أتزوج والمنكر نحو لا يتزوج نساء على الثلاثة عند تعذر الكل لعدم الجنسية فإن نوي الزيادة ينوي فيهما لأنها موجبة وكذا إن نوي الواحدة يصدق فيهما اتفاقا لأنها محتمل فيه تغليظ، إلا عندنا في المجازية أيضًا إذ لا يحتملها عنده كما في ثلاث نسوة ولا يصدق نية المثني أصلًا لا في المعرف ولا في المنكر إذ شأن العام أن لا يتعرض للعد المحض بل للذات مع صفة العموم أو الخصوص فلا يحتملانه كما إذا حلف لا يشرب ماء البحر حنث بشرب قطرة وله نية الكل لا نية الرطل منه.
الرابع: أن الجمع المنكر عام يصح التمسك بعمومه عند المتأخرين من مشايخنا المكتفين بالاجتماع وعند المشترطين للاستغراق ليس من صيغ العموم إلا عند الجبائي، لنا أنه مع جواز صدقه على جميع الأفراد ضر به حقيقة بخلاف المفرد المنكر لو حمل على بعض مراتب المجموع لكان تحكما كما قال أئمة العربية في الجمع العرف في المقام الخطابي وكلا منافيه إذ المقصود تحصيل الظن، قيل التحكم في الحمل على عدم الجميع لا في عدم الحمل على الجميع، فإن حكم بعدم صلوحه له جاء التخصيص وإن حكم
стр. 424
بصلوحه له حقيقة كان حمله عليه أولى لاندراج سائر الحقائق التي نسبة الحقيقة إليها على السوية تحته ولا يعارض ذلك بأن أقل ما ينطلق عليه متيقن لأن طلب التيقن في المقام الاستدلالي كالإقرار، وكلامنا في الخطابي مع أن تيقن الأقل يعارضه الاحتياط في الكل بل التحقيق إن وجب حمله على الكل ما لم يصرف صارف لأن كون نسبة مفهوم الجمع إلى جميع أفراده على السوية يقتضي أن يتعلق حكمه بجميع أفراده وليس ذلك إلا بالحمل على فرد يندرج سائر أفراده تحته وليس للمفرد ذلك لفرد إلا في الجنس، وسيجيء مثله فيه ومجرد كون الأصل براءة الذمة لا يعارض الظاهر إجماعا وإلا لم يثبت بالظاهر شيء، أما وقوعه على الثلاثة في نحو أن اشتريت عبيدا فلأن عدم الإمكان صارف عن الكل وبعد الكل لا يتخطى عن القليل بلا دليل والفرق بين جمع القلة والكثرة للنحاة فإن مرمى غرضنا المراد العرفي لا اللغوي يدل عليه مسائل الوصية والإقرار كاعتقوا عبيدًا ولفلان دراهم يحمل على ثلاثة مع أنهما جمع كثرة وما يقال من أن جميع الأفراد ليس عاما بالمعنى المتنازع فيه ممنوع لما مر أن المعتبر مسميات معروض العموم وهو مفهوم المفرد لا مسميات نفس العموم ولا المجموع وإلا لم يكن كل إنسان ونحو من ما عاما إذ لا يصدق باعتبار عمومها على فرد واحد قالوا رجال في صلوحه لكل عدد فوق الاثنين كرجل بين الوحدان وإذ لو فسر بالثلاثة صح اتفاقا قلنا قد وضح الفرق والتفسير قرينة العدول عن الظاهر.
الخامس: في صيغ نفس العموم منها تعريفا اللام والإضافة في المفرد والجمع والأصل فيهما عند الأصوليين العهد إما خارجيا حقيقيا نحو جاءني رجل إن كلمت الرجل أو تقديريا نحو إن كلمت الأمير إذا لم يكن في البلد إلا أمير واحد وإما ذهنيا نحو إن كلمت اللئيم يسبني ثم الاستغراق عند جمهورهم حقيقيا كان نحو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ٢]، أو عرفيًّا نحو لئن جمع الأمير الصاغة، ثم تعريف الجنس لأن الإقدام في هذا الترتيب أفيد والإفادة أولى من الإعادة وعند أئمة العربية الأصل تعريف الجنس لأن وضعهما للإشارة إلى مفهوم ما دخلا عليه والعهد والاستغراق مجموعيا في الجمع وأفراديا في لمفرد إلا إذا تعذر الحمل وهو مذهب جمهورهم فيقع على الكل ويحتمل الأقل مجازا أو حقيقة على الخلاف وإذا تعذر يحمل على الجنس وعند أئمة اللغة وبعضهم على الجنس مطلقا إلا أن حكم الجنس أيضًا عند الأوليين أن يقع على الكل غلا عند تعذره فيقع على الأقل ويحمل الكل مع النية.
وعلى المذهب الأخير حكم الجنس أن يقع على الأقل ويحتمل الكل وإن كان حقيقة
стр. 425
فيهما وهو مذهب فخر الإسلام وأبي زيد الدبوسي مع اتفاق الأصوليين في صحة العموم ولذا اتفقوا على أن شيئًا من أصناف الجنس نحو لا أشرب ماء أو الماء أو ماء البحر أو مياه البحر أو المياه، لا يحتمل ما بين القطرة والكل أصلا كالقطرتين الرطل لما مر أن شأن العام أن لا يتعرض للعدد المحض بل للذات والصفة والتحقيق أن لا خلاف في أن للمعرف لا للعهد صحة العموم كان مفردا أو جمعا مجازا عنه ولا في أن للمقام مدخلا في كونه للعموم أما الأول فلصحة الاستثناء نحو أن الإنسان الآية وضربي زيدا إلا في وقت قيامه، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ﴾ [النور: ٤، ٥]، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ﴾ [الحجر: ٤٢]، الآية وقد استدل على عموم الجمع المعرف بأن تعريفه حين لا عهد لا يكون للماهية لأنه جمع ولا أولوية لبعض الأفراد وعليه نقض إجمالي بالجمع المنكر مع أنه قائل بعدم عمومه وتفصيلي في أنه لا يكون للماهية في نحو ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨]، ولئن كان مجازا فالمجاز المشتهر أفيد للظهور الذي له نجهد كل الجهد.
وأما الثاني فلوجوب عدم قرنية العهد وصلاحيته للعموم بل الخلاف في أن الجمهور تجعل العموم أصلًا في الجنس الحقيقى والمجازي وعند تعذره يصرفه إلى الأدنى بلانية اتفاقا لا إلى الكل إلا بها أما عند فخر الإِسلام ومن تبعه فلأن الجنس أوالى ومن الجنس الواحد الحقيقي أعلى وأما عند الجمهور فلظاهر الصارف عن الكل وهو كون المنع باليمين عما هو ممكن وها هنا لا إمكان في الكل اللغوي، ولو في الطلاق ومن أمثلته المرأة التي أتزوجها طالق لأن تعليق الحكم بالمبهم المعين بالوصف العام يفيد تعليقه بذلك الوصف وذلك يصح عندنا بخلاف هذه المرأة فإن تعريفها بأبلغ جهته لا بالوصف فيتنجز إن كانت مملوكة وكذا نظائره.
ومنها: كل وكلما والجميع وما في معناه فكل لإحاطة الأفراد على الأفراد فيما أضيف إليه المحقق أو المعذور بأن يعتبر كل فرد كان ليس معه غيره فالمحقق نحو ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والمقدر نحو ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، لكن بحسب المفهوم سواء لم يوجد في الوجود ما يصدق عليه نحو كل عنقاء طائر أو يوجد فرد واحد نحو كل من دخل هذا الحصن أولا وقد دخلوا فرادى أو متعدد كهو وقد دخلوا معًا حيث يستحق كل نفلًا موصولًا كان من أو موصوفًا كما سيظهر لأن الأول الحقيقي وهو الفرد السابق على غيره لما لم يوجد بخلاف المسألة السابقة حمل على الاعتباري وهو المعتبر كأن ليس معه غيره السابق على المتخلف الداخل بعد ولو قال ها هنا من دخل أو لا بطل النفل والفرق أمران:
стр. 426
١ - اقتضاء الكل أفراد الأفراد على المعنى المذكور وعدم اقتضاء من فلم يوجد الأول وبه يفارق جميع من دخل لولا فإن النفل للجميع لاقتضائه اجتماع الأفراد.
٢ - اقتضاء لفظه الكل تعدد من دخل أولا وقد أمكن فلابد من حمل الأول على ذلك لو الجميع لإحاطة الأفراد على الاجتماع لكونه مثبتًا عنه فلذا قالوا أجمعون في قوله تعالى ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠]، لمنع التفرق هذا حقيقتها وإن استعمل كل منهما لمعنَى الآخر مجازا فالكل له في المجموعى نحو كل الناس يحمل ألف من وليس الكل الواقع في حيز النفي المراد به نفى الشمول من هذا بل مستعمل في حقيقته غير أن صدق سلب الإيجاب على الكل تارة بالسلب الكلي وأخري بالسلب عن البعض مع الإيجاب للبعض الآخر وأيا كان فالسلب الجزئي لازم ولذا جعل سورة قالوا إذا دخل على النكرة أوجب عموم الأفراد وعلى المعرفة عموم الإجزاء فكل رمان مأكولٌ صادقٌ وكل الرمان كاذب فحمل الثاني على الكل المجموعي، وفيه بحث لانتفاضة بحديث ذي اليدين حيث رد كل مالك لم يكن بقوله بعض ذلك قد كان وبقوله عيه السلام "الناس كلهم هلكى إلا العالمون" وكذا كل ما يقع تأكيدا وبقوله نبا كله لم أصنع.
ولأن المراد في كل الرمان مأكول لو كان الكل المجموعى لم يكن كاذبا كما يصدق بنو تيمم يقري الضيف ويحمي الحريم فإن الثابت للبعض ثابت للمجموع من حيث هو حقيقته كما في فرض الكفاية بخلاف كل إنسان يشبعه رغيف والتحقيق أن بين معنيي الكل عمومًا من وجه فيصدق الإفرادي فيما يحكم به من حيث الانفراد المجموعى فيما يحكم به بالاعتبارين فرادهم والله تعالى أعلم وهو استحقاق السابق النفل واحدا كان أو جمعا فبعمومه يتناول استحقاق الكل مجتمعين واستحقاق الأول متعقبين وذلك بدلالة التشجيع فإنه إذا تعلق بأولية الجمع فبأولية الواحد بالأولى ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في الوجود ولا في الإدارة أما عدم استحقاق كل واحد تمام النفل فلعدم دليله وليس يكفى فيه التمسك بدلالة النص كما ظن لأن المفهوم بها لا يبطن حقيقة المنطوق أبطال الانفراد بحقيقة الجميع وأما كلما فلعموم الأفعال نحو ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦]، فكل امرأة أتزوجها طالق يعم الأعيان فلا يحنث لو تزوجها بعينها ثانية وكلما تزوجت الأفعال فيحنث وإن تزوجها بعد الزوج الآخر بخلاف كلما دخلت الدار لأن التعليق بغير التزوج يقتض وجود الملك عند اليمين فلا يتجاوز طلقاته وكذا نظائره من كل عبد اشتريته، وكلما اشتريت عبدا والحكم على كل وجميع بأنهما محكمان في العموم ينافيه جواز تخصيصهما واستعارتهما مطلقا واستعمالهما للواحد مجازا كما مر
стр. 427
مثالهما ومنه ما في القضايا المنحرفة، ومنها وقوع النكرة في سياق النفي وما بمعناه من
النهي والاستفهام والشرط المثبت من حيث هو ممنوع باليمين والمنفط بالعكس أما
عمومها في سياق النفط فلانها لفرد مبهم وفي نفيه نفي جميع الأفراد ضرورة ولذا صار لا
إله إلا الله كلمة توحيد بالإجماع لنفيه وجود كل معبود بحق غير الذات المعين المسمى بالله وصار قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وإنه إيجاب جزئي ردا لقولهم ما أنزل الله على بشر من شيء فلولا أنه سلب كلي لما رده لكن فيه تفصيل وهو أن عمومها إذا أريد نفي الجنس أما صيغة نحو لا رجل بالفتح أو دلالة نحو ما من رجل أو استعمالا نحو ما فيها أحد أو ديار أو إرادة نحو ما جاءني رجل إذْ لو أريد ما جاءني رجل واحدًا نصب النفي على قيد الوحدة كما في ما جاءني رجل كوفي فلا ينافيه مجيء رجلين أو أكثر ومبناه أن اسم الجنس حامل لمعنى الجنسية والوحدة أو العدد فربما يقصد بذكره الأول نحو ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وربما الثاني نحو ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]، فالأوصاف مبنية للقصد فيعم فيَ الأول لأن انتفاء الجنس يستلزم انتفاء كل فرد ويخص في الثاني فالثلاثة الأول نصوص في العموم والرابع محتمل كما علم في الفرق بين قراءتي ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، بالفتح والرفع أن الأولى توجب الاستغراق والثانية تجوزه والمساوي للجنس الفرد المنتشر المطلق لا المقيد بالوحدة، ومثله النهى بعينه وأما في الاستفهام فإذا كان للإنكار نحو ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وأما في الشرط المثبت فخاص بصورته مطلقا وعام بمعناه أن قصد المنع عنه نحو أن ضربت رجلا فعبدي حر إذْ معناه لا أضرب رجلا أما أن قصد الحمل عليه نحو إن قتلت حريصا ذلك من النفل كذا فخاص والمنفي بالعكس نحو إن لم أضرب فاسقا وإن لم تقتل مسلما فقد نجوت من القصاص.
ومنها وصفها بصفة عامة معممة نحوية كانت أو معنوية فالعامة أي بالعموم المنطقي احتراز عن نحو دخول هذه الدار اليوم متوحدا قبل كل أحد والمعممة احتراز عما لم يصلح أن يقصد عليتها لترتب الحكم على موصوفها أو صلح لكن وجد دليل الأعراض عن قصد الوصف بها وإن لزم فإن تعميم الوصف بقصد العلية والترتيب على الموصوف بالمشتق كالترتيب عليه وإلا فالنكرة الموصوفة مقيد، وهو من أقسام الخاص والمراد عمومها بالنسبة إليها قبل الوصف في ذلك المحل ولها أمثلة:
١ - ما يصلح وقوعها مبتدأً أو شيئًا في حكمه بسبب تعميم الصفة حيث جعلها في تأويل هذا الجنس نحو ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
стр. 428
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، بخلاف رجل مجهول النسب مات فإنه لا يصلح بذلك للمبتدأ إليه ذكره محققوا النحاة لأن تلك الصفة لا تصلح علة للموت بخلاف الإيمان والمعروفية للخيرية وقد يكفي صلوح عليه الأخبار كالعلم في رجل عالم جاعني والنكارة في رجل بالباب.
٢ - ما وقع في محل الإباحة لذلك الوصف نحو لا أكلم إلا رجلا كوفيا ولا أتزوج إلا امرأة حجازية ولا أقربكما إلا يومًا أقربكما فيه فلا إيلاء لعدم علامته وهو عدم إمكان القربان بدون لزوم شيء نعم لو قربهما في يومين متفرقين حنث ولو قال إلا يوما لم يصر موليا إلا بعد غروب الشمس من يوم قربهما فيه. ٣ - أي إذا قصد وصفة بتلك الصفة فإنها الفرد منهم مما يضاف إليه يعينه الوصف المقصود عليته للحكم المترتب عليه فيتعمم بعمومه واحدا كان نحو أي عبدي ضربك أو متعددا نحو أي عبيدي ضربك وشتمك قصد انفراد كل بالاتصاف نحو ايتهم حمل هذه الخشية وهي يحملها واحد بدلالة إظهار الجلادة فلو اجتمعوا لم يعتقوا أو أطلق كما إذا لم يحملها واحد فيعتقون بالحمل جميعا وفرادى لأن المقصود محمولية هذه الخشبة هنا والوصف في الكل علة العتق وهذا معنى التعليل بوقوعه في موضع الشرط بخلاف أي عبيدي ضربته أو وطئته دابتك أو دابة زيد فهو حر حيث لا يعتق إلا واحد إذ صار قطع الإسناد عنه مع إمكانه إليه بلا واسطة بخلاف مسألة الايلاء دليل الأعراض عن قصد الوصف بذلك إذ الوصف للفاعل لأنه العلة لا المحل لأنه الشرط وأن لزم وصفه بالمضروبية مثلا فإنها يثبت ضرورة تعدي الفعل لا قصدا فيتقدر بقدرها ولا يظهر أثره في التعميم لا سيما عند قطعه إلى المخاطب إذ يقصد فيه لخير المخاطب عرفا كما في كل أي خبر تريد حيث لا يتمكن إلا من أكل خبز واحد بخلاف أيما أهاب دبغ فقد طهر فإن ضربهم المخاطب مرتبا عتق الأول لعد المزاحم وإلا فواجد منهم، وتعينه إلى المولي لأن العتق ملتقى من جهته وكذا نظائرها من نحو أي نسائي كلمتك أو كلمتها أو شاءت أو شئت طلاقها أو أي عبيدي.
تذنيبان:
الأول: النكرة عند عدم الدلائل المذكورة لا لفظا ولا تقديرا كما لني قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، مطلقة خاصة لأنها فرد صيغة ومعنى لا عامة خلافا للشافعى ﵀ له أولا تناولها للمقيدات كالصحيحة والزمنة وغيرهما.
وثانيا: تخصيص الزمنة والعمياء والمجنونة والمدبرة وغير المملوكة بالإجماع.
стр. 429
وثالثا: بالإجماع الاستثناء نحو اعتق رقبة إلا كافرة وإذا كانت عامة صح تخصيص الكافرة منها بالقياس على كفارة القتل قلنا تناولها تناول احتمال لا دلالة إذ تعرضه للذات لا لصفات، لا بالنفى ولا بالإثبات وإخراج لمذكورات ليس تخصيصا بل لأن اللفظ لا يتناولها لأن التحرير يقتض الملك لقوله ﵇ لا عتق فيما لا يملكه ابن آدم وأطلاقه كما له البينة إذا الكامل هو الموجود مطلقا والناقص هالك من وجه فلا يتناول الزمنة وغيرها والاستثناء منقطع فلا يدل على العموم أو مفرغ فالعام مقدر، الثاني أن الإعادة بالمعرفة تقتضي الاتحاد سواء كانت لنكره أو معرفة لأن ظاهرها العهد حينئذ وبالنكرة التغاير وإلا لعهدت فلا يعدل عن الأصول الأربعة إلا لمانع كما تغايرتا في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام: ٩٢]، إلى قوله ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وفي ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، للتقدم والتأخر واتحدتا في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وفي ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، لدليل الوحدانية قيل وذلك معنى قول ابن عباس وهو رواية ابن مسعود عن النبي ﵇ "لن يغلب عسر يسرين" ونظم في قوله.
إذا أصبحت مغموما ففكر في ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فعسر بين يسرين إذا فكرته فافرح.
ونظر فخر الإِسلام ﵀ في القاعدة فإنه مذهب أهل البصرة والكوفة بل في المثال لأن الثانية تأكيد لا تأسيس والقاعدة فإنه مذهب أهل البصرة والكوفة بل في المثال لأن الثانية تأكيد لا تأسيس والقاعدة ممهدة فيه ومثله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥].
ومن فروعها أن الإقرار بألف مقيد بصك حين أدار الصك على الشهود مرتين يوجب ألفا وكذا منكر في مجلس واحد على تخريج الكرخي لكونه جامعا للمتفرقات أما في مجلسين فالفين عند أبي حنيفة بشرط مغايرة الشاهدين الآخرين في رواية وبشرط عدم مغايرتهما في أخرى إذ هو كما كتب بكل ألف صكا وأشهد على كل صك شاهدين وألفا عندهما لدلالة العرف على أن يكون إلا قرار لتأكيد الحق بتكثير الشهود وأما إقراره مقيدا أو لا ومنكرا ثانيًا أو بالعكس وقد اختلف المجلس فلا رواية فيهما وينبغي أن يجب في الأول ألفان عنده وفي الثاني ألف اتفاقًا فالصور لفان ستة اتفاقية واثنتان خلافيتان.
السادس: في صيغ العموم مع الماهية منها ما وهو شرطية واستفهامية عام قطعا
стр. 430
وموصولة وموصوفة يحتمل العموم والخصوص لاشتراكهما بين الواحد والتثنية والجمع نحو من يستمعون ومن ينظر وليس افرد الضمير مقتضيا للخصوص لجواز أن يكون للفظه ولا جمعه دليل العموم إلا عند من يكتفي بانتظام جمع من المسميات فعمومه من المسائل فيما قال من شاء من عبيدي عتقه فهو حر فشاؤا عتقوا فقالا وكذا من شئت من عبيدي عتقه فشاء الكل لأن من بعد المهم لبيانه كما في خالعني على ما في يدي من الدراهم وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والإسناد إلى الخاطب غير مانع من عمومه كما في فأذن لمن منهم وترجي من تشاء منهن وقال أبو حنيفة ﵁ أصل من التبعيض لأن استعمالها فيه أكثر وكثرة الاستعمال تقتض مبادرة الفهم وهي أمارة الحقيقة فلا يكون غيره حقيقة دفعا للاشتراك وهذا لا ينافي قول أئمة العربية أن أصلها ابتداء الغاية أي دخولها على مبدأ المسافة لأن المبدأ في الحقيقة بعض المذكور فلا يخلو عن التبعيض أو معناه أصله التبعيض بعد ابتداء الغاية فلا يعدل عنه إلى البيان إلا لدليل كإسناد الوصف العام المقصود عليته المؤكد لعموم من في المسألة الأولى مع إمكان لأن يقال لم يعدل لكن المفهوم بعض منكر فعم بعموم تلك الصفة وكون كل وثن رجسا والرجس واجب الاجتناب وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ [النور: ٦٢]، في ﴿لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢]، وذلك أدني أن تقر أعينهن في ترجي من تشاء وعدم دلَيل لا يَنافي وجود آخر كاللام العاهدة لما في مسألة الخلع بخلاف مسألتنا قيل ولأن البعض متيقن لتحققه على تقدير البيان والتبعيض ورد بأن البعض المراد ها هنا قسيم الكل فلا يتحقق على تقدير البيان وجوابه منعه وإلا لما عم الكل بعموم الصفة فإذا كان للتبعيض يقصر عن الكل بواحد وهو الآخر إن أعتق مرتبا وإلا فالخيار إلى المولي وخصوصه فيما قال من دخل هذا الحصن أولا ودخلوا متعاقبين فالنفل للأول بخلافهم مجتمعين حيث يبطل كما مر وعده خاصا بعارض القيد لا ينافي عده عاما بأصله كما في كل من دخل هذا الحصين اليوم وحده قبل كل أحد، ومنها ما في ذوات ما لا يعقل وصفا من يعقل كما في الدار وما زيد وهو كمن في أنهما شرطية واستفهامية عام مطلقا وموصولة وموصوفة يحتمل العموم والخصوص والأصل هو العموم لكثرته نحو ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فلو قال لامرأته طلقي نفسك من الثلاث ما شئت تطلَقها ثلاثا عندهما وما دونها عنده إذ لا صارف عن التبعيض بخلاف قوله كل من مالي ما شئت فإن وقوعه في موضوع إظهار السماحة صارف عنه، وإنما لم يرد في قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، جميع ما تيسر لئلا يتعسر ما أطلق أن
стр. 431
يتيسر وعند بعض أئمة اللغة يعم العاقل وغيره كالذي معنى وعموما فإن قال إن كان ما في بطنك أو الذي فيه غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية لم تعتق لأن الجميع لم يكنه وعند الأصولين مستعار لمن كما في قوله ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، على أحد الوجهين أو إرادة لصغته بمعنى والقادر الباني كقولَه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ [الزخرف: ١٣]، كن لنا كما يستعار لما في قوله ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧]، إخراجا لهم مخرج اعتقادهم الفاسد بإلهية الأصنام أو مشاكلة في قوله ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، ثم ما ذكر في السادس مع ما في معنى الجمع عمومه وضعط وما ذكر في الخامس عارض وكلاهما معنوي والصيغى هو الجمع.
(تذنيب) في ما ينتهي إليه خصوصها هو أمران واحد فيما هو فرد بصيغته أو ملحق به من الجمع أو ما في معناه المعرفين وكذا الطائفة معرفا ومنكر لقول ابن عباس ﵁ يقع على الواحد فصاعدا وعملا بصيغة الفردية وتاء الجمعية كالمعتزلة وثلاثة في الجمع المنكر عندهم والمعرف عند أئمة العربية نظرا إلى حقيقته.
وقال أكثر الشافعية: لا بد من بقاء ما فوق النصف فيقرب من مفهوم العام وقيل إلى ثلاثة، وقيل: إلى اثنين، وقيل: إلى واحد، وقيل: التخصيص بالاستثناء والبدل إلى واحد وبمتصل غيرهما ومنفصل في محصور قليل إلى الاثنين وفي غير محصور وعد كثير إلى ما فوق النصف.
لنا: أن دليل جوازه لا يفصل وكذا وقوعه أما إلى واحد فقيل كالناس في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والمراد نعيم بن مسعود باتفاق المفسرين ولا معتبر للقول بأنه هو مع من أذاع كلامه في المدينة قيل اللام فيه للعهد فليس عاما قلنا الناس جمع فلا يصح عهد الواحد به.
وفيه بحث فإنه معرف بلام الجنس، فجاز إرادة الواحد به لأنه أدنى ما يصلح له على ما مر نحو (شربت الماء- وأكلت الخبز) لا للتخصيص إذ لا عموم نعم كل من دخل الحصين وحده أولا لا يتحقق إلا في واحد مع عمومه وكذا مثل ﴿حَافِظُونَ﴾ في ﴿وإنا له لَحَافِظُونَ﴾.
والمراد هو الله تعالى وحده وكونه من باب تنزيل الذات منزلته مع اتباعه تعظيمًا استعارة لا ينافيه لأن التخصيص تجوز وذا بيان لمجوزه وإذا صح مطلقا فيصح إلى أدنى ما ينطلق عليه في كل قسم لا إلى الواحد مطلقا أو الثلاثة أو الاثنين كذلك إلا في الجمع وعند من يجعله أقله.
стр. 432
قالوا: لو قال قتلت كل من في المدينة أو أكلت كل رمانة في البستان أو كل من دخل داري فهو حر وفسرها بثلاثة عد القائل مخطئا ولاغية وقوله خطأ ولاغية.
قلنا: لا نعلم كما لو قال كل من في المدينة من الأعداء وهم ثلاثة أو كل رمانة متشققة وهي ثلاثة أو كل من دخل قبل الطلوع وقد دخل ثلاثة ولئن سلم فذلك لإشعار إظهار جلادته أو سماحته بتتميم التعميم ومحل النزاع ما فيه قرينة عدم التعميم فأين هذا من ذا ومما يؤيده أن المفصل جوز تخصيص البدل والاستثناء لو عد المخصصين إلى واحد فأي فرق بين الأمثلة المذكورة وبين أكرم كلا من الناس اهدها أو إلا الجهال والعالم واحد حتى لا يعد لاغية دونهما.
المقام الثالث: في شتائت مباحث العموم
الأول: أن العموم للفظ حقيقة وللمعنى إذا شمل أشياء من غير أن يدل على شموله لفظ قيل لا يصح وقيل يصح حقيقة والجمهور على صحته مجازا وهو المختار، لنا أن حقيقته أن يصدق موجود واحد على متعدد دفعه ولا يتصور في المعاني؛ لأن الموجود في كل محل معنى غير الموجود في غيره وردما يطلق عموم المعنى على أن يكون للفظ معان متعددة فيقال تعددها باختلافها فالنظام لا يكون إلا للمشترك فلا يتحقق إلا عند من يقول بعمومه نعم يقال المطر أوحصب البلاد تنزيلا للموجودات المتعددة منزلة واحد لاشتراكها في الماهية من حيث هي.
ومن نفى التجوز يقول بعمومه نعم يقال عم المطر أو حصب البلاد تنزيلا للموجودات المتعددة منزلة واحد لاشتراكها في الماهية من حيث هي ومن نفى التجوز أيضًا جعل التجوز في الفاعل قولًا بأن المراد بالمطر الأمطار والحق للتجوز توسعا.
قالوا الماهية الكلية واحدة صادقة على جزيئاتها والمرئي الواحد يتعلق به إبصارات متعددة والصوت أو المشموم الواحد يسمعه أو يشمه طائفة والأمر والنهي النفسيان يعمان خلقا كثيرا قلنا الماهية الكلية ماهية واحدة لا موجود واحد إذ الموجود في كل فرد غير الآخر.
ولا وجود في الذهن عندنا ولئن سلم فصدقها على جزيئاتها تناول احتمال لا دلالة والمرئي لا يصدق على الإبصارات ولا الأمر والنهي على الخلق الكثير ومدرك سامعة كل أحد وشامتة هو الهواء التكيف المجاور لها.
الثاني: أن العبرة لعموم اللفظ في جواب السؤال وحكم الحادثة إذا كان مستقلا زائدا على القدر الكافي لا لخصوص سبب الورود، وقال مالك والشافعي ومن تبعهما يختص
стр. 433
بسببه وقال أبو الفرج يختص جواب السؤال لا حكم الحادثة وأقسامها أربعة؛ لأن كلا إما مستقل أو غيره أما غير المستقل بقسميه فيتبع ما قبله في العموم والخصوص ولا يعرف فيهما خلاف.
فالقسم الأول: ما يكون جزاء لما قبله ففي العموم كأن يقال ما بال من واقع في نهار رمضان عامدًا فقال فليكفر وفي الخصوص كقوله واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا فقال فكفر إذن ومنه زنا ماعز فرجم وسهى فسجد وتعميمه بعد فهم علية الوصف بالدلالة لا بعموم القضاء مع أن المثال للتوضيح وإن ظن أن للشافعي خلافا في هذا فهما مما ذكر في البرهان من قوله ترك الاستقصاء في حكايته الأحوال مع الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال والحق أنه محمول على صورة الاستقلال.
القسم الثاني: ما لا يكون جزاء فعمومه كقوله ﵇ نعم لمن قال أتتوضأ بماء البحر وخصوصه نحو قوله أليس في عليك ألف درهم فيقول بلى يكون إقرار لا نعم أو كان في عليك كذا فنعم إقرار لا بلى فعند أئمة اللغة نعم مقررة لما سبق مطلقا وبلى موجبة فيلزمها سبق النفي استفهاما أو خبرًا أو (أجل) مخصوصة بالخبر وقيل أولى فيه.
وعند الأصولين يعتبر المتعارف فلا يفرقون بين هذه الكلمات في الجواب إلا بأن نعم وبلى لمحض الاستفهام مع سبق النفي أو بدونه أن يدرج أداة الاستفهام أو يستعار له الخالي عنه وأجل يجمعهما فقوله نعم أو بلى بعد أطلقت امرأتك تطليق وبعد أليس في عليك أو أكان إقرار وكذا أجل والمدرج أو المستعار نحو نعم بعد قوله في عليك كذا أي إلى نحو قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢] على قول ويحتمل التقدير والاستعارة.
وذكر محمد ﵀ نعم فيما لا يحتمل الاستفهام كما في اقض الألف التي عليك أو أخبر فلانا أن له عليك كذا أو أبشر أو قل فقال نعم يكون إقرارا والأمر لا يحتمله وأما قسما المستقل فغير الزائد على القدر الكافي كقوله بعد ما قيل له تعالى تغدى معي أن تغديت فكذا أو قيل تغتسل الليلة عن جنابة فقال إن اغتسلت اختص به فلا يحنث بالتغدي الآخر والاغتسال لا فيها أو فيها لا عنها إلا عند زفر ﵀ فإنه عممه عملا بعموم اللفظ.
قلنا: خصصه دلالة الحال عرفا كما ينصرف الشراء بالدراهم إلى نقد البلد وأما الزائد سواء كان جواب سؤال كقوله ﵇ لما سئل عن بئر بضاعة خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه أو حكم حادثة كما روى أنه ﵇ مر
стр. 434
بشاة ميمونة فقال: "أيما أهاب دبغ فقد طهر" (١)، قلنا في عمومه.
أولًا: تعميم الصحابة العمومات مع ابتنائها على أسباب خاصة كآية الظهار في خولة امرأة أوس بن الصامت أو سلمة بن صخر وآية اللعان في هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء أو في عويمر العجلاني وآية السرقة في سرقة المجن أو رداء صفوان وآية القذف في قذفة عائشة وغير ذلك وشاع ولم ينكر.
ثانيا: أن خصوص السبب لا يصلح معارضة لعموم النفى إذ لا منافاة.
ثالثا: أن العام ساكت عن الاقتصار والسكوت ليس حجة، قالوا أولًا لو عم لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد كغيره ولم يجز اتفاقا، قلنا: لا نعلم الملازمة للقطع بدخوله في الإرادة إذ لا يجوز الجواب عن غير المسئول عنه أو لا نسلمها إن أرى السبب الشخص لذلك والاتفاق في بطلان اللازم إن أريد السبب النوعي أقصي الأمر أن نحتاج إلى الفرق بين السبب الشخصي الذي ورد فيه وبين الأسباب الشخصية الآخر إن كان المخصص اجتهاد إلا إن كان نصًا فإن أبا حنيفة أخرج السبب النوعي في فرد آخر في موضعين حيث لم ينف الحمل باللعان بعد نفيه بقوله زنيت وهذا الحمل منه مع انتفائه في هلال ولم يرد غير قصته في باب اللعان.
واعتبر عموم الفراش في قوله ﵇: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" والحق الولد الآتي في النكاح وأن يتقنا استحالة المعلوق من الزوج وأخرج ولد الأمة ولم يلحقه يمولاها وإن أقر بالوطئ والافتراش وروده في ولد أمة زمعة حين نساوق سعد بن أبي وقاص بعهد أخيه عتبة مع عبد بن زمعة إلى النبي ﵇ فقال ذلك قيل يعرف عند تتقيح المناط أن سبب الانتفاء اللعان وإلحاق ولد الأمة بمولاها الاستفراش وليس الخصوصية وقال هلال وربيعة أثر فيه مع أنه لا يجوز أن ينسب إلى عاقل تجويز إخراج السبب فقول أبي حنيفة ﵁ محمول على أن الحديثين لم يلغياه بكمالهما قلنا فيه وجوه:
١ - ما في الروايات أن عبد بن زمعة قال ولد على فراش أبي أقر به أبي ومن مذهب أبي حنيفة ﵁ أن الأمة تفسير فراشًا بالوطئ إذ أقر به المولى ثم أتت بولد يمكن أن يكون منه (٢).
٢ - أن وليدة زمعة كانت أم ولد له ذكره أبو يوسف ﵁ في الأمالي ويدل
стр. 435
عليه الوليدة لأنها اسم لأم الولد ونسب ولد أم الولد يثبت من غير دعوة.
٣ - أن في رواية البخاري هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر قال شمس الأئمة ﵀ فهذا قضاء بالملك لعبد لكونه ولد أمة أبيه ثم اعتقه عليه بإقراره بنسبه والدليل عليه قوله ﵇ لبنت زمعة "أما أنت يا سودة فاحتجبي منه لأنه ليس بأخ لك" (١) وقوله ﵇ "الولد للفراش" لتحقيق نفى النسب عن عتبة لا لإلحاقه بزمعة.
٤ - أن من مذهب أبي حنيفة وقيل هو مذهب أبي يوسف أن إقرار الورثة ببنوة ولد الأمة لمنزلة الدعوة من ألب فهذه الأربعة ما يعزى إلى عبد العزيز البخاري ﵀.
وأقول: بل وراء ذلك جواز أن يكون كل من الانتفاء مع أن أحكام الحمل لا يترتب عليه إلا بعد الوجود لقيام الاحتمال ومن إلحاق ولد الأمة مع أن المقصود بوطئها قضاء الشهوة لا الولد لوجود مانع إتلاف المالية عنده ونقصان القيمة عندهما ولذا جاز العزل عنها بلا رضاها بخلاف المنكوحة بناء على علمه ﵇ بذلك بالوحي كما يؤيده آخر حديث هلال فلذا كان للخصوصية مدخل فبدأ عرف أن الطعن بالغلط على إمام المسلمين كان من غير تحقيق لمرامه.
والحكم بعدم بلوغ الحديثين إياه استقراء على النفي مع أنهما مبحوث عنهما مستوفى في غير موضع من المبسوط وهو منقول عن الإمام ﵁.
وثانيا: لو عم لم يكن لذكر السبب فائدة وقد بالغوا في بيانه وتدوينه قلنا يجوز أن يكون فائدته معرفة الأسباب والسير والقصص وفيها الثقة بصحتها ومنع تخصيصه بالاجتهاد واتساع الشرعية.
وثالثا: لو عم لم يطابق الجواب السؤال قلنا إن أريد بالمطابقة المساواة فلا نعلم وجودها عادة إذ قد يزاد وشريعة كجواب موسى ﵇ عن وما تلك بيمينك وعيسى عن أنت قلت ومحمد ﵇ بقوله الطهور ماؤه والحل ميتته، وأن زيد بها الكشف عن السؤال فلا نعلم عدمها فيما زاد قيل فلا أقل من أن الأولى ترك الزيادة.
стр. 436
قلنا أفاده الأحكام الشرعية أولى من رعاية الأحكام اللفطة والأولى أولى ما لم يعارضة
أولى منها كيف وإذا جاز عدم التعرض للمقصود في الأسلوب الحكيم وعد من كمال البلاغة فلأن يجوز الزيادة لمثل فوائده أولى.
ورابعا: أن السبب مثير للحكم كالعلة مع المعلول فيختص به إذ لأصل عدم علة أخرى قلنا ليس الكلام في ذا فإن السبب المؤثر يختص الحكم به ما لم يظهر آخر.
وخامسا: أن ورود العام في هذا السبب صارف له إلى هذا المجاز ولا صارف إلى الخصوصيات الآخر فالحكم بتلك المجازات لخكم قلنا لا مجاز لأن الخصوصية في التحقيق لا الإرادة.
للفارق أن الظاهر في بيان حكم للحادثة إرادة مقتضى اللفظ إذ لا منافاة وفي جواب السوال قصد المطابقة والقصر عليه والتصريح بخلافه لا يمنع الظهور.
قلنا ذلك الظهور مستفاد من دلالة الحال وظهور العموم من صريح الزيادة في المقال كيلا يلزم إلغاؤها والعمل بالناطق مع الصراحة أولى منه بالمبطن مع الدلالة فلو قال في المسألتين إن تغذيت اليوم اغتسلت الليلة أو في هذه الدار صار مبتدئا فإن عنى الجواب صدق ديانة لا قضاء لأن فيه مع كونه خلاف الظاهر تخفيفا بخلاف نية الابتداء بدون الزيادة ففيها تغليظ فيصدق ديانة وقضاء.
الثالث: نفي المساواة في نحو قوله تعالى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] لا يقتض أن يعم الأحكام الدنيوية فلا ينافيه قتل المسلم بالذمي بحديث ينطق صدره بالحكم وآخره بالتعليل وكون ديته كدية المسلم وكون استيلائه على مال المسلم سبب الملك كعكسه.
وقالت الشافعية: يقتضيه فينافيه الأحكام؛ لأن الفعل نكرة في سياق النفي فيعم في أقسامه ما أمكن كلا آكل العام فيها اتفاقا والخلاف في عمومه بحسب المفعولات أو الأسباب أو الأوقات أو غيرها مما هو مقتضى الوجود لا اللفظ فإذا العمل في بعض الأفراد لم يسقط فيما بقي كالعام المخصوص وهذا استدلال بالاستقراء لا قياس في اللغة لا يقال لو عم لما صدق إذْ بين كل شيئين مساواة من بعض الوجوه كالوجود وغيره وأقلها في نفي ما عداهما عنهما ولأن إثباته لو خص لما أفاد للعلم به فيعم فيخص نفيه؛ لأنه نقيضه للتكاذب عرفا لأنهما معارضان بأن نفيه لو خص لما أفاد للعلم بعدم مساواتهما من وجه ولو في التشخيص وإلا فلا اثنينية.
وبأن إثباته لو عم صدق إذ لا مساواة في التشخيص فيخص فيعم النفي وهذه هي الشبه الأربع المتعارضة باعتبار عدم الصدق وعدم الافادة في طرفي النفي والإثبات وحلها
стр. 437
مأن الفعل نكرة إذا وقع في الإثبات لا يعم لكن ربما يفيد لتعينه بقرينة وإذا وقع في النفي يعم لكن ربما يصدق أمر بنية مخصصة بعض المتناولات أو لإدارة الاستغراق العرفي كنفي كل مساواة يصح انتفاؤها بتخصيص العقل كما في قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] أي كل شيء يخلق.
ولنا في ذلك طرق: لما لم يدل إثباته على المساواة من كل وجه أما لأنه نكرة في الإثبات، وإما لأنها بعض أفراد الاستواء ولا دلالة للأعم على الأخص إلا بقرينة، ولا قرينة عليها لكذبها وإلا فلا اثنينية تعين إرادة المساواة من الوجه المعين الذي يدل عليه القرينة كالفوز هنا بقرينة قوله ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠] والإدراك في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] فرده أنه كان ينفي تلك المساواة كما هو ظاهر مقام رد الزعم الحقيقي أو الاعتباري فقد خص وإن كان ينفي الكل وذلك يحتاج إلى القرينة المعنية ليصدق فالظاهر أنها تلك القرينة والعقل لا يصلح مخصصا ها هنا إلا إذا قلنا له حكم في الحسن والقبح.
٢ - ولئن سلمنا أن المراد نفي مساواة يصح انتفاؤها فليس المساواة التي يعتمد عليها القصاص بين المسلم والذمي كذلك فإنها المساواة في العصمة التي يعمل فيها الإتلاف وهي ثابتة بكلا العهد والدار مؤبدة بخلاف المستأمن من المؤقتة عصمته وهذا بالفروع أنسب.
٣ - أن النكرة في سياق النفي لا تعم في كل محل بل عمومها في البعض بورودها في محل العموم كما مر في ما جاءني رجل وليست الآية في نحو ما نحن فيه واردة في محله بخلاف لا آكل والعام المخصوص فيجب الاقتصار على ما تيقن أنه مراد كمعدم المساواة في الفوز والادراك يويده أن المساواة غير منفية بين الأعمى والبصير في الأحكام المذكورة.
٤ - الطريقة المسلوكة في "رفع عن أمتي الخطأ" (١) إذْ لا يراد نفي الاستواء في الذوات
стр. 438
فإنه في الحقيقة كاذب وفي مشخصاتها غير مفيد فيراد بهما أحكامهما مجازا وحيث ارتدت الأخروية بالإجماع أو بسياق قوله ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] لا يراد الدنيوية وهما نوعان مختلفان لتعلق الأخروية بصحة العزيمة وفسادها، والدنيوية بوجود الركن والشرط وعدمهما كما يفترقان في الصلاة بالماء النجسة غير عالم وفيها مرائيًا مراعيًا، ومثلها صلاة المحدث على ظن الطهارة وصلاة المتطهر طى ظن الحدث تهتكًا فصار المجاز الموضوع وضعا نوعيا للمختلفين مشتركًا أيضًا فلا يعم أما عندنا فلعدم عموم المشترك.
وأما عند الشافعي ﵀ فلعدم عموم المجاز هذا سياقة المتأخرين وأما سياقة المتقدمين التي اختارها أبو زيد ﵀ فعدم الفرق بين المقتضى والمحذوف كما سيجيء فإنه مقتضى ضرورة صدق النص فلا يضمر الجميع أوْ لا يراد لاندفاع الضرورة بإرادة ما اتفق عليه من الأخروية وسيجيء تحقيق السياقتين وسيأتي في موضعين آخرين إن شاء الله تعالى، وعن هذا قلنا كاف التشبيه لا يوجب العموم كما في قول عائشة ﵂ "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" فحمل على الإثم في الآخرة لا القطع في الدنيا إلا أن يقبل محل العموم لارتفاع المانع كقول على ﵁ إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا حتى يقتل المسلم بالذس ويضمن إذا أتلف خمره أو خنزيره؛ لأن التشبيه بين العامين ولأن فيه حقن الدم وفي حديث عائشة ﵂ إثبات الحد الذي يحتال لدرء.
الرابع: أن الفعل المثبت أعني الاصطلاحي الدال على مقابل القول لا عموم له فحكايته لا يقتض العموم لا للأقسام كصلي داخل الكعبة للفرض والنفل ولا للجهات أي جهات الوضع كصلي بعد غيبوبة الشفق الأحمر والأبيض إلا عند من قال بعموم المشترك لوجهات وقوع الفعل نحو كان يجمع بين الظهر والعصر لجمعهما في وقت الأولى والثانية ولا للأزمان.
أما دلالة كان يجمع ككان حاتم يقري الضيف على الاستمرار فللفظ الراوي وهو كان لا الفعل المضارع كما ظن فإن قصد الاستمرار فيه يستفاد من تقدم ما يدل على المضي إعطاء الدليلين حقهما هو المفهوم من كلام عبد القاهر ومثله لو يطيعكم كما يستفاد في ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] من وقوعه جزء الاسمية وللأمة إلا بدليل آخر للتأسي فيه خاصة كصلوَا وخذوا أو كوقوعه بيانا فيتبع المبين عمومًا وخصوصا أو عامة نحو ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية وكقياس الأمة عليه بجامع يعلم عليته
стр. 439
خلافا للبعض.
لنا أنه نكرة في سياق الإثبات قالوا قد عمم نحو سهى فسجد وفعلت أنا ورسول الله فاغتسلنا وزنا ماعز فرجم ونحوها وشاع ولم ينكر قلنا تعميمه كان بدليل آخر مما مر.
الخامس: الحكاية بلفظ ظاهره العموم نحو نهى عن بيع الغرر، وقضي بالشفعة للجار يحمل على كل غرر وكل جار خلافا للأكثرين فلا يدل على ثبوت الشفعة لجار لا يكون شريكا.
لنا أن العدل العارف بوضع اللفظ وجهة دلالته لا ينقله ظاهرا إلا بعد ظهوره وقطعه قالوا يحتمل أنه كان خاصا وظن العمة والاحتجاج بالمحكي والعموم في الحكاية.
قلنا الظاهر لا يترك باحتمال خلافه وإلا فلا استدلال به وهذه المسألة ليست عين ما عبر عنها في كتبنا بقولهم حكايته الفعل لا تعم كما ظن لأنها فيما ليس في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الاستغراق في الجار والغرر ولذا قالوا في دليله أن المحكي عنه واقع على صفة معينة وهو الدليل فيكون في معنى المشترك.
فإن ترجح بعض الوجوه فذاك وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله والباقي بالقياس عليه ونظيره صلى النبي ﵇ في الكعبة، فقال الشافعى ﵀ لا يعم فيحمل على النفل لا الفرض احتياطا إذ يلزم استدبار بعض الكعبة قلنا بينهما في أمر الاستقبال حالة الاختيار تساوٍ فيثبت في الآخر قياسا قيل لا يصح حمل لام الجار مثلا على الاستغراق لأن قضاءه ﵇ إنعلما وقع لجار معين قلنا لا نعلم لجواز أن يكون حكمه ﵇ بصيغة العموم نحو الشفعة ثابتة لكل جار قيل فيكون نقل الحديث بالمعنى لا حكايته الفعل لا منافاة.
السادس: في عموم العلة المنصوصة بأن يتحقق الحكم إنعلما تحققت وأنه لا باللغة صيغة بل بالشرع قياسا وقال القاض لا يعم وقيل يعم بالصيغة مثاله قوله ﵇ في قتلى أحد "زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دمًا" (١) حيث يعم كل شهيد.
لنا في عمومه أدلة وجوب تتبع القياس والظاهر استقلال العلة بالعلية وفي أنه ليس بالصيغة لزوم عتق كل عبد أسود إذا قال أعتقت غلامًا لسواده، واللازم باطل ولا قائل به أي للإجماع السكوتي.
стр. 440
للقاضي احتمال أن يكون خصوصية المحل جزأ العلة، قلنا الظاهر هو الاستقلال فلا يترك بمجرد الاحتمال وإلا لم يصح قياس للمعمم بالصيغة أن حرمت الخمر لإسكاره كحرمت المسكر لإسكاره عرفا قلنا المراد أن لا فرق أصلًا أو في الحكم الأول ممنوع والثاني غير مفيد إذ لا يلزم كونه بالصيغة.
السابع: في عموم المفهوم عند الجمهور ونفاه الغزالي ﵀ قيل النزاع لفظي، فمن فسره بما يستغرق في محل النطق لم يقل به ومن فسره بما يستغرق في الجملة قال به لا حقيقي لأنه إن أريد ثبوت الحكم في جميع ما سوي المنطوق من صور وجود العلة في الموافقة وعدمها في المخالفة.
فلا يتصور النفي من القائل به كالغزالي وإن أريد ثبوته فيها بالمنطوق فلا يتصور إثباته والحق إنه حقيقي لما ثبت أن العموم من عوارض الألفاظ لا المعاني ولا لأفعال فمن قال بأن المفهوم ملحوظ يوجه إليه القصد عند التلفظ بالمنطوق قال به وبقبوله للتخصيص كما ذهب إلى مثله، في لا آكل من جعله محذوف المفعول المراد ومن قال بأنه سكوت وعدم تعرض وحصوله بتبعية ملزومة المنطوق نفاهما كما نفي لا آكل من جعله منزلا منزلة اللازم.
واعلم أن الظاهر في الموافقة هو الأول فإن من قصد منع الأذى بان قصده باكر منه ظاهرا وفي المخالفة هو الثاني فإن إيجاب الزكاة في السائمة ليس قصدا إلى عدمه في المعلوفة ظاهرا فالقول بالعموم في الموافقة دون المخالفة لعدم القول بها كما هو مذهبنا هو الحق.
ولذا قيل القول بالمفهوم مع القول بأن سكوت وعدم تعرض ليجتمعان، وإن أمكن توجيهه بأن القول للزومه وكونه سكوتا عن القصد بالنطق لا تنافيه.
الثامن: قال أصحابنا عطف المخصص على العام يقتضي تخصيصه ظاهرا كما يقتضي سياق عطف ولا ذو عهد في عهده علي إلا يقتل مسلم بكافؤ تخصيص الحرق لآن المنذر مخصص بالحربي إجماعًا إذْ يقتل الذمي هو المشهور في تعبير الآمدي بأن الأول ليس عمومه وإلا لزم عموم الثاني فيفسد.
ونقل الشافعية عنا عبارتين أخريين أن العطف على العام يوجب التعميم صيغة فالأول كعطف وبعولتهن على والمطلقات والثاني كعطف ولا ذو عهد على ما قبله خلافا لهم فيهما.
فأولا: لأن المعطوف فيهما مخصص مع عموم المعطوف عليه حقيقة في الأول واتفاقا
стр. 441
وصيغة في الثاني عندكم قلنا تخصيصه بمنفصل كالإجماع فيهما.
وثانيا: أنه مبني على وجوب تقدير قيد الأول في الثاني وليس كذلك وإلا لوجب في ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا تقدير الظرف في عمرو.
قلنا: ملتزم من حيث الظهور أو قدر في الحديث ضرورة أن لا يمتنع قتل ذي العهد مطلقا ولا ضرورة هنا قيل معناه ولا ذو عهد ما دام في عهده فلا تقدير، قلنا فيكون عطف القتل لا قصاصًا عليه قصاصًا والظاهر خلافه.
التاسع: في عموم خطاب الرسول ﵇ نحو ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] للامة إلا لدليل نحصص ولا خلاف في عمومه بدليل شرعي مشترك مطلقا أو فيه خاصة كقياس لهم عليه أو نص أو إجماع ولا في عدم الوضع لغة بل في اللهم عرفا وأحمد معنا خلافا للشافعية.
لنا أولًا أن الأمر لمقتدى طائفة بأمر ما مفهم للأمر له ولأتباعه عرفا ولو لم يكن المتخاطبان من المتشرعة.
وتحقيقه أن أمر مثله إما أن يشتمل على قرينة العموم كالأمر بالأمور السرية ولا كلام في خصوصه وإما أن لا يشتمل عليهما كالأمر بمجاملة الصديق ومعاملة الشقيق وغيرهما ولا شك في فهم أمر الاتباع فيه.
أيضًا قيل الواقع فيه عدم العلم بالخصوص وهو أعم من العلم بعدم الخصوص قلنا نقلة العرف ثقة لا يتهم في نقلهم ولئن سلم فالغالب من القسمين الأوليين في أمر المقتدي هو العموم والغالب كالمتحقق فيلحق به وإلحاق المشكوك بالغالب في الاستعمال ليس قياسا في اللغة بل عملا بالاستقرار على أن لا نعلم أن لا قرينة على العموم في خطاب الرسول مطلقا فإن كل خطاب توجه إليه تفصيل للهداية إلى جناب الحق والصراط المستقيم وإنما يقصد بمثله الكل لا هو وحده فالظاهر عمومه وبهذا علم أن منع فهم العموم مكابرة وأن الدعاء دليل العموم والشياع لا يعم كل مثال مما يفهم فيه أمر الاتباع.
وثانيا: أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] نداء له وأمر للكل فكما جاز تخصيصه بالنداء عند أمر الكل جاز تخصيصه بالأمر كذلك وكون التخصيص بالنداء للتشريف لا ينافيه لجواز كون التخصيص بالأمر كذلك وافعل وأتباعك ليس مثله إذْ لا كلام في صحته بل نظيره يا فلان افعلوا فلولا أنهم أمروا دون النداء لكان في صحته ألف نزاع، وثالثا قوله تعالى ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] حيث أخبر أن الإباحة له ليشمل الأمة إباحة تزوج أزواج
стр. 442
الأدعياء لا تزوج زينب كما فهم فإما أن يعلم ذلك بطريق القياس أو مطلقا أي بدلالة العرف.
والأول خلاف الظاهر لأن ظاهره جوازه مطلقا لا جوازه بالقياس ولذا يفهمه نفاته، ورابعا قوله تعالى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] قيل يجوز أن يكون لقطع احتمال العموم حتى لا يقاس الأمة عليه لا لقطع العموم المفهوم قلنا خلاف الظاهر لأن الظاهر التخصيص دفع العموم لا دفع احتماله لهم ولا أن مثله موضوع الخطاب المفرد، قلنا غير محل النزاع إذ لا نزاع في عدم وضعه لغة.
ورابعا: لو عم لجاز إخراج غير المذكور تخصيصا لعمومه ولا قائل به قلنا قد يقع التخصيص في العام عرفا كإخراج غير الوطء من النظر وغيره من الاستمتاعات المرادة عرفا في ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وهذا على أنه محذوف لا مقتضى وأيا كان يصح سندا.
العاشر: في عدم عموم خطاب واحد من الأمة لغيره بصيغته خلافا للحنابلة ولعلهم يدعون ذلك بالقياس أو بقوله ﵇ "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" (١)، لنا أولا عدم الوضع لغة والفهم عرفا، وثانيا عدم فائدة قوله حكمي على الواحد الحديث إذا لفهم التعميم من صيغة الخطاب، لهم أو لا النصوص الدالة على أنه مبعوث إلى الكافة قلنا أي ليبين لكل من الحر والعبد والمسافر والمقيم مثلا حكمه الخاص به لا أن الكل للكل.
وثانيا قوله ﵇ "حكمي على الواحد، قلنا فالفهم بهذا لا بالصيغة أو معناه عمومه بالقياس وإن كان خلاف الظاهر للجمع بين الأدلة.
وثالثا حكم الصحابة بما حكم النبي به على الواحد من غير نكير كضرب الجزية على كل مجوسى لضربه على مجوس هجر فكان إجماعا.
قلنا إن كان ذلك بالقياس فلا نزاع في جوازه وإلا فهو ليس بمحل الإجماع فلا يسمع دعوى الإجماع.
ورابعا: قوله ﵇ لأبي بردة في التضحية بالجذعة "ولا تجزي عن أحد بعده" (٢) بالتاء أي لا تقضي من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة:
стр. 443
٤٨] فلو عم الخطاب لم يكن له فائدة.
أما في قصة أعرابي واقع أهله في نهار رمضان فلم تثبت فيه لا تجزي أحدا بعدك اللهم إلا أن يكون نقلا بالمعنى كما ذكر القرنوي في شرح الحاوي وكذا تخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بجواز لبس الحرير لكلمة كانت بهما أو شكوا القمل وقيل لا تخصيص فيه بل يجوز لكل أحد لحاجة.
قلنا فائدته قطع احتمال الشركة للإلحاق بالقياس الحادي عشر في أن الإناث المختلطة مع المذكور تندرج تحت نحو المسلمين وفعلوا وافعلوا بطريق التبعية خلافا للكثير لا الإناث المنفردات ولا المذكور تحت صيغة جمع المونث ولا النساء في نحو الرجال إجماعا.
كما يندرج إذا عرف التغليب وفي نحو الناس ومن وما إجماعا ولذا قال في السير أمنوني على أبنائي وله بنون وبنات يشملهما أو بنات فقط لا يندرج وعلى بناتي لا يندرج البنون بخلاف أولادي مطلقا.
لنا أولًا: غلبة الاستعمال عند الاختلاط كما دخل في ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١] نساء بني إسرائيل وفي ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] حواء مع آدم وإبليس قيل صحة الإطلاق لا يستدعي الظهور قلنا بل الظهور عرف بالعرف ولأن الأصل فيه الحقيقة لا يقال حقيقة للرجال وحدهم إجماعا والمجاز أولى من الاشتراك لانا نقول إما لغة أو مطلقا لكن عند الانفراد فسلم وأما عرفا عند الاختلاط فممنوع.
وثانيا: مشاركتهن في نحو أحكام الصوم والصلاة وغيرهما وإن وردت بالصيغ المتنازع فيها قيل بدليل خارجي ولذا لم يدخلن في الجهاد والجمعة وغيرهما.
قلنا الأصل عدمه بالاستئناء فيما لا يشاركنهم يحتاج إليه وذا أدل دليل على التناول لولاه.
وثالثا: دخولهن في الثانية إجماعًا إذا قال أوصيت للرجال والنساء ثم لهم بكذا قيل المتقدمة قرينة.
قلنا لا نعلم لجواز إرادة الخصوص في الثانية بل الإفراز ظاهر فيها قالوا أو لا عطف المسلمات على المسلمين دليل عدم الدخول إذ عطف الخاص على العام لا يحسن.
قلنا: غير محل النزاع فإنه صورة الاقتصار على جمع المذكور على أن عدم حسنه ممنوع إذا قصد فائدة التأسيس أولى من فائدة التأكيد.
قلنا لا تأكيد إذ هو ما فيه تقوية الأول وثانيا ما روي عن أم سلمة من سبب نزول قوله أن المسلمين والمسلمات، حيث نفت ذكرهن مطلقًا ولو كن داخلات في الجملة لما
стр. 444
منفيها التصريح بذكرهن وإلا كانت زاعمة أن الأحكام السابقة ليست متناولة لهن وذلك ربما يفضي إلى الكفر فضلا عن الكذب، وثالثا إجماع أهل العربية على أن حقيقتها جمع المذكر، قلنا لغة أو عند الانفراد كما مر.
الثاني عشر: مثل من وما من العام المشترك بينهما لا يختص بالمذكر وان عاد إليه ضميره عند الأكثرين للإجماع في من دخل صيغة الخطاب المتناولة للعبد لغة مثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] متناولة شرعا مطلقا خلافا للبعض وعند أبي بكر الرازي يتناولهم في حقوق الله دون حقوق الناس.
لنا: تحقق المقتضي هو التناول اللغوي وعدم المانع إذْ الرق لا يصلح مانعا، ولهم أولا أن ذلك الظاهر يترك بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده، إذْ التكليف صرف لها إلى غيره.
قلنا: وجوب الصرف عند الطلب فلا لناقض عدمه عند عدمه ولذا حاز صرفها إلى نفسه ولئن سلم فقد استثنى وقت تضايق العبادات حتى جاز عصيانه لو أدى طاعته إلى فواتها ولا مناقضة بين وجوب العبادة ووجوب الصرف إلى السيد عند عدم التضايق.
وثانيًا: خروج العبد عن خطاب الجمعة والحج والعمرة والجهاد والتبرعات والتقارير ونحوها فلو عم الخطاب لزم التخصيص والأصل عدمه.
قلنا: ارتكب لدليله كخروج المريض عن الصوم والأربعة المتقدمة والمسافر عن الصوم والجمعة والحائض عن الصلاة أيضًا.
الرابع عشر: العمومات الواردة على لسان الرسول ﵇ المتناولة له لغة نحو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦] يشمله مطلقًا (١) خلافا للبعض (٢) بقرينة الورود على لسانه وعند الحليمي إن لم يكن مصدرا بقل.
لنا أولا: تحقق المقتضى وعدم المانع.
وثانيا: فهم الصحابة دخوله ولو مصدرا بقل ولذا إذا لم يفعل بمقتضاها سألوه عن موجب التخصيص ويذكره وهو تقرير لدخوله كما علل في صوم الوصال بعد نهيه عنه
стр. 445
بأني أبيت عند ربي وفي عدم فسخ العمرة بعد أمره به بأني قلدت هديا ولهم أولا أنه أمر أو مبلغ فلا يكون مأمورا من جهة أخري.
قلنا الآمر هو الله والمبلغ جبريل وهو حال لتبليغ ما هو داخل فيه وهو المراد ببلغ أو الحكاية تبليغ آخر، وثانيا خصوصه عليه لسلام بأحكام من وجوب وتحريم وإباحة دليل عدم مشاركته فالوجوب كركعتي الفجر ذكرها الآمدي وعند الحسن البصري ﵀ على الكل نقله النواوي وصلاة الأضحى والضحى والوتر والتهجد والسواك وتخيير نسائه فيه والمشاورة وتغيير المنكر ومصابرة العدو الكثير وقضاء دين الميت المعسر.
والتحريم كمصرفية الزكاة القرآنية وخائنة الأعين وهي الإيماء إلى مباح على خلاف ما يظهر وصدقة التطوع ونزع لامته حتى تقاتل والمن ليستكثر ونكاح الكتابية والأمة والإباحة كالنكاح بلا شهود وولي ومهر والزيادة على أربع نسوة وصوم الوصال وصفى المغنم وحمس الخمس وجعل إرثه صدقة وأن يشهد ويقبل ويحكم لنفسه وولده.
قلنا خصوصه لدليل مانع خروج المريض وغيره من العمومات، للحليمي أن الأمر بالأمر ليس أمرا قلنا لا نعلم عند عدم المانع ولئن سلم فهذا الظاهر يترك بالدليل السابق أما الجواب بأن جميع الخطابات في تقدير قل فممنوع ولئن سلم فليس المقدر كالملفوظ من كل وجه.
الخامس عشر: خطاب المشافهة ليس أمرًا لمن بعد الموجودين في زمن الرسول ﵇ صيغة بل بدليل آخر من إجماع أو قياس أو نص أو كون الأمر في معنى الخبر وما مر من أن الأمر يتعلق بالمعدوم فمعناه تعلق الكلام النفسي كأن تقوم نفس الأب طلب العلم من ابن مولد لا توجه الكلام اللفظي، وقالت الحنابلة عام لمن بعدهم.
لنا أولا: أنه لا يقال للمعدومين ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ونحوه لا وحدهم ولا منضمين إلى الموجودين إلا تغليبا وهو خلاف الظاهر فيحتاج إلى دليل مما ذكر ولذا يقال إذا تعلق أمر الرسول بالمعدوم كان في معنى الخبر لأن خطاب المشافهة موضوع للتفهيم وبهذا يعرف أن لا منافاة بين نداء الحاضر وتكليف الكل.
وثانيًا: إذا لم يتوجه إلى الصبي والمجنون لعم فهمهما مع وجودهما فإلى المعدوم أولى وهذا استدلال على عدم العموم بعدم توجه الخطاب لا بعدم توجه التكليف حتى يقدح فيه احتمال الخصوص ولهم أولا أن من بعد الرسول لو لم يكن مخاطبا لم يكن مرسلا إليهم واللازم منتف بالإجماع، وإن منعوا تناول مثل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ [سبأ: ٢٨] للمعدومين قلنا يحصل التبليغ بنصب الدليل على المشاركة.
стр. 446
وثالثًا: احتجاج العلماء في كل عصر بها وهو إجماع على العموم قلنا لعله لعلمهم بتناوله لهم بدليل آخر ككون خطاب التكليف في معنى الإخبار جمعا بين الأدلة وإن دل ظاهر سياق القصص على أن احتجاجهم بنفس العموم قيل على الجوابين أن الأدلة الأُخر أيضًا من الخطابات أو مما ثبت حجيته بها من الإجماع والقياس فلا يتناول المعدومين قلنا بإجماع أو تنصيص على ثبوت الحكم أو حجية الأدلة في حق المعدومين أيضًا نحو الجهاد ماض إلى يوم القيامة مثلا.
السادس عشر: دخول المتكلم في عموم متعلق الخطاب خبرا كان نحو ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] أو إنشاء نحو من أكرمك فأكرمه ولا تهنه إذا أريد الخطَاب العام المَراد به كل أحد كما في
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
البيت يقتضي دخوله فيه وقيل لا لقرينة أن الخطاب منه مثاله قوله ﵇ "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" (١).
لنا: تحقق المقتضي وعدم المانع ولهم لزوم خلق الله تعالى نفسه في ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، قلنا خص عقلا.
السابع عشر: أن الوارد للمدح أو الذم يبقى على عمومه، ويثبت الحكم به في جميع متناولاته خلافا للشافعي رحمه الله تعالى فأحال التمسك بعموم الذهب والفضة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية في وجوب الزكاة بالحلي المباح الاستعمال كما هو مذهبنا أما في المحرم لعينه كما بينهما أو بالقصد كأن يقصد بحلي النساء أن يلبسه الغلمان، أو بحلي الرجال كالسيف والمنطقة، أن يلبسه الجواري فيوافقنا في وجوبهما.
لنا تحقيق المقتضى وانتفاء المانع إذ لا ينافيه المدح والذم، له أن التوسع والعموم مبالغة وإغراقا معهود فيهما.
قلنا فسياقهما دليل إرادته فعدمها ولئن سلم فلا منافاة بينه وبينهما حتى يدل ثبوت أحدهما على انتفاء الآخر، ومما يواجههما المطلق والمقيد فالمطلق ما دل على الذات دون الصفات؛ لا بالنفي ولا بالإثبات وقيل ما دل على شايع في جنسه أي حصة محتملة
стр. 447
لحصص كثيرة لم يطرأ عليها تعيين فخرج ما فيه تعين إما شخصا في وضعه كالعلم، أو في استعماله كالمبهم والمضمر وإما حقيقة في وضعه كأسامة أو استعماله كالأسد وإما حصة فهذا نحو ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وكل حصص كالرجال وخرج كل عام ولو نكرة كل رجل ولا رجل فيبطل تعريف الآمدي بالنكرة في سياق الإثبات فالمقيد ما دل لا على شايع في جنسه فيدخل المعارف والعمومات ورجح الثاني بأن الدال على الذات هو الدال على الحقيقة كما في المنهاج وذلك موضوع الطبيعة والمطلق موضوع المهملة لا ذلك وفيه بحث لأن حقيقة اسم الجنس فرد لا بعينه أي لم يعتبر تعيينه فاستعماله في موضوع المهملة حقيقة كما عرفت في الفرق بينه وبين علم الجنس ولئن سلم فالدال على الذات أعم من الدال عليه من حيث هو أو من حيث تحققه وأيضًا عدم إخراج المعهود الذهني تحكم وليس لأنه مطلق كما ظن لكونه مقيدا باعتبار حضوره الذهني وإلا لم يكن معرفة كيف وبه الفرق بين المصدر المعرف والمنكر وبن الرجال وكل رجل وأيضًا مثل رقبة مؤمنة وهو المقيد تعارفا لشيوعه داخل في المطلق دون المقيد مع تقييده والأصل بين القسمين التمايز الحقيقي لا الإضافي فالأولى ما ذكره أصحابنا.
بحث شريف
حكم المطلق أن يجري على إطلاقه والمقيد على تقييده فإذا وردا فإما في سبب الحكم كنصي صدقة الفطر أو لا فإما في حكم أي محكوم به واحد مع وحدة الحادثة نحو "إن ظاهرت فاعتق رقبة ورقبة مسلمة" أو تعددها نحو "إن ظاهرت فرقبة وإن قتلت فرقبة مؤمنة" وإما في حكمين كذلك نحو تقييد صوم الظهار بما قبل المسيس وإطلاق إطعامه وكتقييد صيام القتل بالتتابع وإطلاق إطعام الظهار فهذه خمسة، وذكر المنفي قسما آخر ليس بتحقيق لأن الحكم في النفي عام لا مطلق والمعرفة ليست لمطلق فحمل المطلق على المقيد أي إرادة معنى المقيد فيهما متفق على عدمه في القسمين الأخيرين لاختلاف الحكم إلا إذا استلزم حكم المطلق بالاقئضاء أمرا ينافيه حكم المقيد لا عند تقيده بضد قيده نحو: "أعتق عني رقبة ولا تملكني رقبة كافرة" ومتفق على ثبوته في الثاني تقدم أو تأخر نحو فصيام ثلاثة أيام مع قراءة ابن مسعود؛ لأنها مشهورة بخلاف قراءة أبي في قضاء رمضان غير أنه إذا تأخر المقيد كان نسخا عندنا دونه.
لنا في الحمل أنه بعد امتناع العمل بكل منهما عمل بهما وهو أولى وفيه الخروج عن العهدة بيقين، وفي أن المقيد المتأخر ناسخ:
أولا: أنه كتراخي المخصص بل أولى فإنه رافع لتمام ما به صحة استعمل اللفظ وبإثبات حكم شرعي لم يكن وهو لبعض الثابت أما إذا تأخر المطلق فإنه لا يدفع القيد
стр. 448
الثابت لسكوته بخلاف العام المتأخر.
وثانيا: أن المطلق في المقيد مجاز فيكون المقيد عند تقدمه قرينة لا عند تأخره لتراخيه وجعل المتناول بدلا بوضعه عاما خروج عن الاصطلاح الممهد والأصل المشيد.
قالوا أولا: لو كان التقييد المتأخر نسخا لكان التخصيص نسخا لأنه مجاز مثله وقد، سلف الفرق مع أنه ملتزم على أن الكلام في التقييد الموافق والتخصيص الموافق ليس تخصيصا فضلا عن النسخ كما مر أنه مبني على القول بمفهوم اللقب.
وثانيا: لكان إطلاق المتأخر نسخا وقد سلف أنه ساكت بقي الأول والثالث ولا حمل فيهما عندنا خلافا له فلا يجوز إعتاق الكافرة عن الظهار لقيد المؤمنة في القتل ولا يجب صدقة الفطر إلا عن مسلم لتقيدها به في حديث فقال أكثرهم مراده الحمل بجامع وشذوذ منهم من غير جامع لأن بعض القرآن يفسر بعضا لأنه ككلمة واحدة وكذا الحديث.
لنا أولا: الأصل المستفاد من قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] وهو وجوب العمل بالإطلاق ووجهه أن التقييد يوجب التغليظ والمساءلة كما في بقرة بني إسرائيل فإن السؤال عن القيود إذا أوجبهما فالتقييد بالأولى، وذلك لأن النهي ليس عن السؤال عن المجمل والمشكل لأنه واجب ولا عن المفسر والمحكم إذ ليس محلا له بل عن ممكن العمل من نوع إبهام يؤيده قوله ﵇: "اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسألتهم عن أنبيائهم" (١)، وقول ابن عباس ﵁: "أبهموا ما أبهم الله واتبعوا ما بين الله" (٢)، ولذا لم يشترط عامة الصحابة في أمهات النساء الدخول حملا على الربائب المقيدة واشترط علي ﵁ ليس للحمل بل لشركة العطف وقال أبو حنيفة ومحمد فيمن قرب التي ظاهر منها في خلال الاطعام يصح وفي خلال الصيام أو الإعتاق لا لتقيدهما بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] دونه.
وثانيا: أن الأصل العمل بكل دليل ما أمكن، قيل فأي فائدة في قيد المقيد، قلنا استحباب القيد وفضله وأنه عزيمة فلا يحمل على المقيد إلا إذا امتنع كما سلف ولا امتناع عند اختلاف الحادثة في السبب إذ لا مزاحمة في الأسباب واتحادهما في خبري التخالف بإشارة التراد فإنه لا يتصور إلا حال قيام السلعة لا للحمل نظيره التعليق بالشرط لما لم يوجب النفي صار معلقا ومرسلًا كما أن نكاح الأمة معلق بعدم طول الحرة
стр. 449
ومرسل لأن تنافي الشيئين ما في كل حكم في الموجود الشخصي لا فيما يحتمل الوجود بهما بدلا قالوا:
أولا: المطلق ساكت والمقيد ناطق فكان أولى؛ لأن السكوت عدم ولأن المقيد كالمحكم، قلنا نعم لكن تعارضتا كما في اتحاد الحادثة.
وثانيًا: أن القيد وصف يجري مجرى الشرط فينفي بمفهوم مخالفته الجواز في المنصوص وفي غيره من جنسه كالكفارات فإنها جنس واحد ولذا مطلق نص الشهادة وزكاة الإبل على المقيد بالعدالة في حادثتين والسوم في السبب إجماعا كيف وأنتم قيدتم الرقبة بالسلامة بالقياس بلا ورود تقييدها بها في موضع فمعه أولى وإنما لم يثبت طعام اليمين في القتل وصومه فيها وطعام غيرهما فيهما وزيادة بعض الصلوات والطهارات وأركانها ونحوها من الحدود لأن تفاوتها بالاسم العلم فلا يوجب النفي ليعدي.
قلنا بعض النقض بأنه لم يشترط التتابع في صوم اليمين حملا على الظهار والقتل ولا يصح اعتذاره بأن الحمل إذا لم يعارض أصله أصل آخر مقيد كصوم التمتع المقيد بالتفريق ها هنا إذ ليس صوم المتعة مقيدا بالتفريق.
ولذا لو صام بعد الرجوع جملة العشرة جاز وقبله بالتفريق لا بل ذلك لأن صوم المتعة صومان مطلقان موقتان بوقتين لا نعلم أن كل قيد بمعنى الشرط بل إذا كان المقيد منكرا لفظا أو معنى لتعرفه نحو المرأة التي أتزوجها بخلاف هذه المرأة ومثله النبيون الذين أسلموا ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ولئن كان فلا نعلم نفي المشرط فإن الإثبات لا يوجب نفيا لا صيغة ولا دلالة ولا اقتضاء فعدم إجزاء تحرير الكافرة في القتل عدم أصلي كعدم إجزاء ما لا يكون تحريرا فلا يعدي ولا يقال يعدي القيد فيثبت العدم ضمنا ومثله جائز لأنا نقول تعدية القيد للوجود عند وجوده مستدرك وللعدم عند عدمه تعدية مقصودها إثبات ما ليس بحكم شرعي مع أن فيه إبطالا لشرعي آخر وهو أجزاء الكافرة التي يدل عليها المطلق أي يتناولها بإطلاقه ووجوب القيد ينافيه فلا يجوز وإلا كان القياس دليلا على زوال المكنة الثانية بالنص وناسخا.
ومن ها هنا يعرف أن المراد باجتماع المطلق والمقيد في حكم وحادثة اجتماعهما صريحا لا تعدية على أن شرط التعدية عدم نص في المقيس قال على المعدي أو عدمه ولئن كان فلا نعلم المماثلة سببا وحكما أما سببا فلا صورة وذلك ولا معنى لأن القتل أعظم الكبائر أما العمد الذي يتعلق به الكفارة عنده فظ وأما الخطأ فلكون العمد أعظم من الغموس كان الخطأ أعظم المنعقدة.
стр. 450
وأما حكما فلا صورة للفرق بين صور الكفارات ولا معنى إذ ليس في كفارة القتل تيسير غيرها بإدخال الإطعام والتخير وبعد الأكل إن صح القياس فهو لنا لا تحرير كفارة اليمين يجب أن يكون أخف من تحرير القتل قياسًا على سائر خصالها وجواب ما ذكره من صور النقض، أن نسخ إطلاق نصوص العدالة بآية التبين ونصوص الزكاة بقوله ﵇ ليس من العوامل والحوامل والعلوفة صدقة وتقييد الرقبة بالسلامة لعدم تناول المطلق ما كان ناقصا في كونه رقبةً وهو فائت جنس المنفعة لأنه ثابت من وجه وهذا هو أن المطلق ينصرف إلى الكامل ومن البين أن الفهم يتبادر إليه.
وأما الحمل بلا جامع فأفسد لجواز إرادة كل من الإطلاق والتقييد في موضعه من القرآن وكونه كلمة واحدة في أنه لا تناقض ولا اختلاف في الأصول فإما في اعتبارات دلالاته فلا وأيضًا إن أريد بالواحدة الكلام النفسي فليس الكلام فيه مع جواز توارد التعلقات المختلفة عليه وإن أريد العبارة فهي مختلفة.
الفصل الثالث في حكم المشترك
الذي وضع أولا لما زاد على حقيقته من حيث اختلافها فقد خرج المجاز والمنقول والمنفرد خاصا وعاما وهو الوقف متأملا ليدرك معناه برجحان بعض وجوهه فإنه يحتمله بخلاف المجمل إلا ببيان من المجمل فما انسد باب ترجيحه يكون منه ولا عموم له خلافا للشافعي ﵁ والقاضي وأبي علي الجبائي وعبد الجبار، وتحريره أن يراد كل واحد من معنى به معا إذا أمكن اجتماعهما كأنعم على مولاك شكرا للإنعام أو إتماما للإكرام وإن كانا متضادين نحو رأيت الجون صحلاف: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وافعل في الأمر والتهديد أو الندب والإباحة لا أن يراد بدلا أي كل في حال سواء كان مع عدم اعتبار الاجتماع أو مع اعتبار عدم الاجتماع ولا أن يراد المجموع لعلاقة مجاز أو لا أن يراد معنى ثالث يعمهما مجازًا كأحدهما لا بعينه لا حقيقة إلا عند السكاكي ومن أن يراد ما يسمى به إذ لا نزاع في جواز هذه الثلاثة أما الأول فعندهم يجوز مطلقا حقيقة وقيل في النفي دون الإثبات وهو ضعيف لأن النفي يرفع مقتضى الإثبات.
فالعام قسمان متفق الحقيقة ومختلفها وعند ابن الحاجب مجازا والحق عدم جوازه وهو مذهب بعض الشافعية وجميع أهل اللغة وجمهور أصحابنا والخلاف في جوازه في جمعه مبني عليه في مفرده في الأصح بل مبني على اعتبار قيد من جنسه في مفهوم المع ثم متى تجرد عن القرينة المعينة وجب حمله على ذلك عند الشافعي وأبي بكر وهذا غير مذهب السكاكي لا عند باقيهم وقال أبو الحسين والغزالي يصح أن يراد عقلًا لكن اللغة منعت.
стр. 451
لنا في أنه لا يجوز، لا حقيقة لأن تعينها لتعيين الوضع فإن تحقق وضع واحد لكل منهما معا فلا نزاع فيه، وإن لم يتحقق إلا لأحدهما فإن لم يعتبر الواضع حين الوضع انفرد ذلك المعنى وعدم اجتماعهن حتى جاز اجتماعه لم يكن ذلك المعنى تمام الموضوع له من كل وجه وذا خلاف المفروض وإن اعتبره فالاجتماع مناف له فلزم لو جاز إرادتهما وضعا أن يكون كل منهما مرادًا وإن لا يكون لأن وضع الآخر مناف له.
وهو مع ومنه يعلم أن الانفراد معتبر في المستعمل فيه وأن الملاحظ في الوضع اعتبار عدم الاجتماع لا عدم اعنبار الاجتماع كما ظن كثبوت يشترك بين شخصين ممكن بانتفاعهما المنفعة الخاصة لغوية لا عقلية كما ظن فمنع ومنه يعلم غلط السكاكي أيضًا في أن معنى المشترك الدائر بين الوضعين أحدهما لا بعينه غير مجموع بينهما إذ لا وضع يساعده ولا مجازا إذ لا علاقة تجوزه بين أحد المعنيين وكل منهما معا على ما هو المفروض وإلا فلا نزاع في مجازيته ولا حقيقة ومجازًا إذ فيه الجمع وهو مراد التنقيح بالشق الثاني.
قالوا أولا: يتبادر ذلك عند عدم القرينة المعينة وذلك أمارة الحقيقة قلنا لا نعلم ولئن سلم فالمعتبر التبادر على أنه الموضوع له والمراد كما مر ومنه أيضًا يفهم فساد مذهب السكاكي.
وثانيا: مستعمل فيهما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الحج: ١٨] حيث أريد به وضع الجبهة في الناس وغيره في غيره وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] حيث أريد بالصلاة الرحمة والاستغفار.
قلنا في الأولى: أريد بالسجود الانقياد قيل التسخيري عام وقد قال وكثير من الناس ولا يناسبه عطف وكثير حق عليه العذاب والتكليفي لا يتأتى في غير الناس وجوابه أن المراد الانقياد المعتبر في كل نوع والمعتبر في المكلف التكليفى وفي غيره التسخيري أو أضمر الفعل في وكثير بمعنى آخر فإذا جاز إضمار المغاير لفظا ومعنى في علفتها تبنا وماء باردا فلأن يجوز هذا أولى.
وقد دل الدليل على حذفه وتعيينه وقيل المراد بالسجود وضع الجبهة فقدرة الله شاملة لإيجاده في الكل بإيجاد ما يتوقف عليه كما ذهب إليه في: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فإن ما يناسبه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] إرادة حقيقته لا معنى لا تفهمون دلالته على قدسه كما ظن لأن المخاطبين كانوا عارفين بذلك لا يقال قوله ألم تر لا يناسب هذا المعنى الخفي لانا تقول
стр. 452
هذا خطاب عارف باقي من أمثاله وإلا فالإلزام مشترك إذ المراد بالانقياد في الجمادات والحيوانات بل وفي السماويات أخفى وفي الثانية أريد بصلاة الكل معنى واحد إذ إيجاب الاقتداء يقتضي الوحدة في كل المراد أو في جزئه.
والأول هو الظاهر حقيقي أو مجازي كالعناية بأمر الرسول إظهارا لشرفه ولأن تحقق ذلك بأسباب محتلفة بحسمب موصوفاتها فسرت بالمعاني المختلفة كما يقال في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] المحبة من الله تعالى إيصال الثواب ومنهم الطاعة ليس المراد الاشتراك اللفظي بل بيان لوازمها في كل موصوف أو العناية لازمة للمعاني الثلاثة.
وقيل: أريد بها الدعاء ففط الله تعالى أنه يدعو ذاته إلى إيصال الخير فلكون لازمه الرحمة فسروه بها وقال الزمخشري عفى الله عنه حقيقتها الرحمة، واستغفار الملائكة ودعاء المؤمنين سينها فإسنادها إلى الطائفتين مجازي ومن الجائز إسناد الشيء إلى مجموع في بعضه حقيقي نحو بنو تميم يقري الضيف ويحمي الحريم.
الفصل الرابع في حكم المؤوَّل
هو العمل يما ظن منه على احتمال السهو الغلط إذ بيانه غير قاطع وإلا كان مفسرا كما في قوله أنت بائن بتة بتلة حال مذاكرة الطلاق المرجحة لجهة بينونته نكاحا لا خلقا ومكانا، حتى لو قال أردت البينونة الحسية لا يصدق قضاء لأنها خلاف الظاهر وفيها تخفيف.
وإنما لم يرجح مفسره هذا على مؤوله ذلك كما هو الواجب لأن الترجيح بعد التعارض ولا تعارض لتقدم الوقوع بالمؤول الذي خلافه تخفيف منزلة الحكم به ولا يعتبر التفسير بعد الحكم بخلاف سائر المأولات.
تتمة: التأويل إن كان بما لا يحتمله اللفظ يسمى متعذرًا وهو مردود وإلا فإن ترجح فقريبا وإن احتاج إلى المرجح الأقوى فبعيدا تذنيب قال الشافعية للحنفية تأويلات بعيدة:
١ - في قوله ﵇ لغيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفي هو الصحيح لابن عبلان "وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن" (١) تارة بأنه أراد بأمسك ابتداء
стр. 453
النكاح وبفارق لا تنكح وأخرى بأمسك الأوائل وفارق الأواخر فإنهم يرون الأول إن تزوجهن معا، والثاني مرتبا والشافعية إمساك أي أربع شاء بلا تجديد وجه البعد أنه متجدد الإسلام لا يعرف شيئًا من الأحكام فخطاب مثله بأي ظاهر مثله بعيد وإنه لم ينقل تجديد لا منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين.
وكذا لنوفل بن معاوية "وقد أسلم على خمس اختر أربعًا وفارق واحدةً" فقال عمدت إلى أقدمهن عندي ففارقتها ففيه وجه ثالث وهذا لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى وفيه أربعة أوجه تجدد الإِسلام وعدم النقل وتعميم الآية والتعرض لعدم الترتيب.
قلنا: لا بعد فيها أما الإمساك فإذا أريد به إبقاء الحالة الأولى وإطلاق البقاء على ما يتجدد في الأمثال شائع عرفا والداعي الجمع بينه وبين الأصل الممهد أنهم غير مخاطبين بالشرائع فيبقى أنكحتهم الجائزة عندهم بعد الإِسلام إن لم يكن ما ينالق بقاءها كالنكاح بغير الشهود ولق العدة خلافا لزفر فيهما لأن الخطاب يعمهم عنده وللإمامين في الثاني لأن حرمته اتفاقية دون الأول.
أما جمع الأختين والزيادة على الأربع وهذا الطلقات الثلاث فينافى البقاء كالمحرمة كما أن تعرضنا لهم لا يجب إلا بالإِسلام ولو من أحدهما أو بمرافعتها عنده لأنه كتحكيمهما فإن استحقاق إحداهما لا يبطل بمواقعة الأخرى وإسلام إحداهما يعلو وأما إرادة الأوائل فاعترف منصفهم بقرية بناء على جواز علمه بالوحي أنه يختار الأوائل.
وهذا شأن الإفتاء يكتفي فيه بالإطلاق عند الإطباق ولا يجب التعرض لتفصيل فيه وقوله عمدت إلى أقدمهن مع أنه لا يتعرض لسماع النبي ﵇ ذلك يحتمل الأقدم في النشوء على الكفر وهو المناسب لعرض الراغب في محاسن الإسلام وأما عدم النقل فلعله لكون أنكحتهم مرتبة ولا تجديد فيها وأما تعميم الآية فصحيح بشرط تقدمها في النكاح فظاهره عدم التعرض للترتيب لا التعرض لعدمه.
٢ - أن المراد في قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] إطعام طعام ستين لأن المقصود وهو دفع الحاجة في واحد ستين يومًا كهو في ستين شخصا وجه بعده جعل المعدوم مذكورا والمذكور معدوما إرادة أو جعل المقصود من المفعولين غير مقصود
стр. 454
وبالعكس مع الفرق لفضل الجماعة وقرب دعائهم للمحسن على الإجابة إذ لعل فيهم مستجابا.
قلنا إلحاق بمعنى دفع الحاجة لا إضمار والفرق ليس بشيء إذْ مناط التكفير نفس الإحسان لا الدعاء للمحسن ولئن سلم فلا نعلم بعد كل إضمار وإن المقصود الحقيقي يجب أن يوافقه الظاهري وإلا فلا تأويل وليس فيه جعل المذكور معدوما لاندراجه تحت المراد.
٣ - أن المراد في قوله ﵇: "في أربعين شاة" قيمته لأن المعنى دفع الحاجة وإنجاز وعد رزق الفقراء وهو كما قبله تقريرا وجوابا قيل هذا ابعد لأنه إذا وجب قيمتها فلا يجزي نفسها لعدم النص وفيه مخالفة الإجماع ولأن المؤدي إلى إبطال أصله يبطل نفسه.
فلنا: في الاعتراف بالإلحاق دفع لهما إذ يفيد أحدهما عبارة والآخر استنباطا ولا يكون إبطالا بل تعميما.
٤ - أن المراد بأيما في قوله ﵇: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١) هي الصغيرة والأمة والمكاتبه والمجنونة وبالبطلان الأول إليه عند اعتراض الولي عليه مطلقا في المذكورات ولعدم الكفاءة أو الغبن الفاحش في المهر في المكلفة فبين التأويلين منع الخلو ولا الجمع ولا منه كما ظن لأن النكاح للرقيقة موقوف على إجازة المولى ولغير المكلفة لكونه مترددا بين النفع والضر كالبيع على إجازة الولي بخلاف نحو الطلاق وقبول الهدية وغيرهما مالكة بضعها فيعتبر رضاها كبيع السلعة واعتراض الولي لدفع نقصان الكفاءة أو المهر فإن الشهوة مع قصور النظر للحديث.
ولأنهن سريعات الاغترار سيئات الاختيار مطتها بخلاف السلعة وجه بعده أنه على أن يحتمل منع المرأة عما لا يليق بمحاسن العادات من نهوضها بنفسها إبطال للتعميم المستفاد من مقام تمهيد القاعدة والتصريح بأداته المؤكدة ولتأكيد التكرير الدافع لاحتمال
стр. 455
السهو والتجوز مع أنهما بالحمل على صورة نادرة كقول السيد لعبد أيما امرأة لقيتها فانكحها فقال أردت المكاتبة، إن رضيت هي ومكاتبها.
قلنا: منع الشخص عن التصرف في خالص حقه لا يكون إلا لمعنى في غيره كالتشبه إلى الوقاحة هنا والمبالاة ينعقد عنده بعبارتها وأن إذن وليها فمن ضرورته جوازه في نفسه فيصرف إلى ما فيه جمع بين الدليلين وتعميم القواعد بحسب الطاقة وليس التكرير لدفع كل تجوز بل لعله لدفع أن لا يراد بالبطلان عدم الانعقاد كما هو حقيقته بلا عدم ترتب الثمرات كبطلان البيع الفاسد وهو المتعارف العام في الفعل الواقع ولئن سلم فلا نعلم تأويله بالأول إليه بل بالإضمار أي باطل عند اعتراض الولي بدلالة أن إذنه كعبارته في المعنى أو عند عدم الكفاءة كما روى الحسن عن الإِمام واختاره المتأخرون احتياطًا عن عدم جوازه عنده أما قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (١) فقد عمل بحقيقته في الشاهد إذ زيد به لشهرته على خاص فأنكحوا لا في الولي جمعًا بين الأدلة ففيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وجوابه أن المنفي ها هنا نكاح نحو الأمة والصغيرة واشتراط الشهادة في كل نكاح رواية أخرى ساكتة عن الولي.
٥ - أن المراد بقوده ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" كقضاء الصوم ونذره لما ثبت من صحة الصيام بنية من النهار وجه بعده حمله على نادر قلنا لا يعد جمعا بين الدليلين لا سيما وهو مخصص اتفاقا كالنفل عند الكل قالوا فليحمل على أقرب تأويل كنفي الفضلية.
قلنا: فيما فعلنا إبقاء الحقيقة والعموم في بعض الأصناف وفي ذلك إبقاء العموم فقط فهذا أقرب المجازين.
٦ - إن المراد من قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] الفقراء منهم لأن المقصود سد الخلة، وجه بعده تعطل لفظ العموم وظهور أن القرابة ولو مع الغني يناسب سببا للاستحقاق وإلا لساواهم سائر الفقراء مع أنه ﵇ أعطى العباس من الخمس مع غناه.
قلنا: التعميم باق فيما هو المراد بالقرابة فإنها عندنا مجملة بين قرابة النصرة والنسب،
стр. 456
بين حديث التشبيك أنها قرابة النصرة وعام مخصص عنده ولذا يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب لا بني نوفل وبني عبد شمس اتفاقا وأيا كان خص بالفقراء بدلالة حديث: "أن خمس الخمس عوض لهم عن الزكاة" ولذا يحرمهم الطحاوية والحق للكرخي لإجماع الأربعة الراشدين على قسمته على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل وتقديمهم، يدفع المساواة ولعل إعطاء ابن العباس باعتبار كونه ابن السبيل.
٧ - أن اللام في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية لبيان المصرف فيجوز الاقتصار على واحد منهم وهو قول مالك ﵀ قال إمام الحرمين للشافعي ﵀ في وجوب ثلاثة من كل صنف بعيد لأن اللام في التمسك، والواو في الشريك ظاهر إن ولذا لو أوصى بثلث ماله لهؤلاء لم يجز حرمان لبعضهم فهي للاستحقاق وقال الغزالي لا يعد فيه لأن سياق الآية قبلها من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] يقتضي بيان المصرف لئلا يتوهم أن المعطى مختار في الإعطاء والمنع ويعلم أن المصارف هؤلاء وهم ليسوا منها ورده الآمدي ﵀ بأن ذلك قد يحصل ببيان الاستحقاق إذ لا منافاة بين القصد إلى بيان المصرف والاستحقاق بصفة التشريك فلا يصح صارفا عن الظاهر.
قلت يعني به أن معنى اللمز في الصدقات اللمز في صرفها لا في نفسها فسياقه يقتضي أن يراد إنما صرف الصدقات لهؤلاء والصرف لا يملك فاللام صلة ولا دلالة على التمليك وأيضًا المجهول لا يستحق فهي حق الله وحاجة الفقير لها كتعظيم الكعبة للصلاة وهذه الأسماء أسباب الحاجة كأجزاء الكعبة فالبعض يكفي وكذا الواحد من البعض كما روي عن عمر وابن عباس ﵁ بخلاف مسألة الوصية وهو مؤيد بنحو قوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: ٢٧١] وقوله ﵇ وردها في فقرائهم فلاستعارتها عن الجنس إذ لا معهود والكل متعذر يتناول الواحد.
الفصل الخامس في حكم الظاهر
وهو وجوب العمل بما ظهر منه خاصًا كان أو عامًا يقينًا حتى صح إثبات الحدود والكفارات به على احتمال التأويل والتخصيص والنسخ وعلى احتمال السقوط بالنص وما فوقه عند التعارض لمرجوحيته بيانًا وقوةً، والتساوي في القوة شرط التعارض الموجب للتساقط لا مطلقه ولا خلاف في إيجابه العمل فلذا صار يقينا بل الخلاف في أنه يوجب العلم أيضًا عند العراقين وأبي زيد ولو عامل وعند علم الهدى وعامة الأصولين لا يوجبه
стр. 457
مع وجوب اعتقاد أن مراد الله تعالى منه حق ومبناه اعتبار الاحتمال البعيد أعني غير الناشئ عن الدليل وعدمه وهو الحق كما في العلوم العادية مثال تعارضه مع النص من الكتاب كما قالا إن قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] نص في أن مدة الرضاع حولان وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ظاهر فيه لأنها سبقت لمنة الوالدة على الولد فتجرحت الأولى.
وقال الإِمام: نعم لولا حمل الحولين على مدة استحقاق المطلقة أجرة الرضاع حيث لا يجبر الزوج على إعطائها بعدهما قيل وكقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ظاهر في إباحة غير المحرمات مطلقا وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾ [النساء: ٣] نص في حرمة ما وراء الأربع فترجح وإنما يصح لوعد ما سبق له ظاهرا وإلا فمن تعارض النص مع المفسر ومن السنة قوله ﵇ للعرنيين اشربوا من أبوالها وألبانها ظاهر في إطلاق شرب أبوال الإبل، لأن سوقه ألبان للشفاء وقوله ﵇: "استنزهوا من البول" (١) نص في وجوب الاحتراز فهذا مرجح ولذا لم يجوز الإمام شربه ولو للتداوي.
ومن المسائل قولها أبنت نفسي بعد ما قال لها طلقي نفسك ظاهر في الإبانة نص في الطلاق إذْ سوقه له، لأن كلامها للجواب عن طلقي فرجح الرجعي وهذا معنى أنه لم يفوض إليها إلا الرجعي فيلغو الوصف الزائد لا يقال لا تعارض إلا بين كلامين وليس ها هنا كلامان لأنا نقول معنى التعارض أنه دار بين كونه نصا في ذلك وظاهرا في هذا فجحل نصا وكذا في نظائره الآتية من تزوج امرأة إلى شهر وغير كذا قيل الصحيح الكلي هو الجواب الآتي.
ثم إنما يترجح النص عليه بعد تساويهما في الرتبة فلا يترجح نص خبر الجواب الآتي ثم إنما يترجح نص خبر الواحد على ظاهر الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإنه ظاهر في أنها ناكحة نص في ثبوت الحرمة الغليظة وقوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٢)، وإن كان نصا في اشتراط الولي لكن خبر الواحد لا يقوى على معارضته.
الفصل السادس في حكم النص
هو وجوب العمل بما وضح منه كذلك على احتمال التأويل والتخصيص والنسخ
стр. 458
والسقوط المفسر المساوي وما فوقه عند التعارض اتفاقا فيه واختلافا في إيجاب العلم.
وهذه الأمور في حيز العدم عند العدم دليله كالمجاز مثال تعارضه مع المفسر قوله ﵇: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" نص يحتمل التأويل باستعارة اللام للتوقيت وقوله ﵇: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" (١) مفسر فيه فرجح.
وفيما إذا تزوج امرأة إلى شهر فالأول نص في النكاح يحتمل المتعة والآخر مفسر فيها فرجح، وفيما قال داري لك هبة أو سكني هبة فأول الكلام نص في لقليك الرقبة يحتمل تمليك المنفعة وآخره مفسر فيه فرجح وقيل آخره محكم في المثالين فهما من تعارض النص والمحكم كتعارض قوله ﵇: "من استنج منكم فليستنج بثلاثة أحجار"، مع قوله "من استجمر فليوتر فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج" فقد رجح محكم التخيير في الثاني من نص اشتراط الثلاثة ومداره على فرض احتمال النسخ وامتناعه بسبب فإن الفرض كاف في التمثيل وبه يعرف صحة تفريق المعنى في التمثيل بها بالاعتبارين.
الفصل السابع في حكم المفسر
هو وجوب العمل به والعلم بذلك اتفاقا على احتمال النسخ والسقوط بالمحكم عند التعارض قيل مثاله قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فإن ذوي العدل مسوق لمقبولية الشهادة لأنها فائدة العدالة ووجوب قبولها منهم بالإجماع فهو نص فيها ومفسر لا يحتمل غير قبول شهادة العدول؛ لأن الإشهاد إنما يكون للقبول عند الأداء وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] المقتضي لعدم القبول من المحدود في القذف فإن تاب وعدل محكم في رده إذ لا يحتمل النسخ للتأييد فرجح فاعترض عليه يمنع أن الأول مفسر حيث يحتمل الأمر الإيجاب والندب ومخصص من الأعمى والعبد ومنع أن الإشهاد إنما يكون للقبول فلعله للتحمل فقط كشهادة العميان والمحدودين في القذف في النكاح ولقوله ليس شيء منهما بهائل فإن المستشهد به للمفسر ذوي عدل لا غير واحتمال المجاز الذي في الأمر والتخصيص الذي في مجرور منكم لا ينافيه.
والعدالة تقصد للقبول لا للتحمل وهذا لأن كون مجموع الكلام مفسرًا لا يكاد يوجد لا سيما في كلام الله تعالى لأنه إن كان خبرا فمحكم وإن كان إنشاء فلكل نوع منه
стр. 459
محتملات مجازية بل وهذا كونه محكما كالنهي في لا تقبلوا فالتحقيق يقتضي أن يكون التمثيل لهما بقيد من الكلام لا بمجموعه كالمفعول في: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وإلا فاحتمال أن يراد بالقتل الضرب الشديد مجازا واحتمال الأَمر المعاني المجازية قائمًا فكيف يكون مفسرًا لا يقال مقصود التفاوت بين هذه وإلا قام الترجيح لو تعارضت ولا تعارض إلا بين الحكمين لأنا نقول المراد تعارض الحكمي باعتبار تعلقهما بذينك القيدين والله أعلم.
الفصل الثامن في حكم المحكم
هو وجوب العمل به والعلم من غير احتمال وقد مر تحقيق الحق في أن الدليل اللفظي قد يفيد اليقين بمعنى عدم احتمال ما في الشرعيات لأنه منحصر مضبوط على ما هو المشهور، وفي العقليات أيضًا على ما اخترنا وقد رجح على ظاهر قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ [النساء: ٣] ونص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ومحكم قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] فحرم نكاح أزواج النبي ﵇.
ومن مسائل الجامع أنه لو قال في عليك ألف درهم الحق أو الصدق أو اليقين منصوبا بمعنى ادعيت الحق أو مرفوعًا بمعنى قولك الحق صار تصديقا لأنها أوصاف الخبر تصلح لذلك ظواهر باعتبار أن المسوق له المقر به متضمن لا ملفوظ ونصوصا باعتبار أن المتضمن كالملفوظ.
ولو قال الصلاح كان ردًّا لأنه لما لم يصلح وصفا للخبر إذ لا يقال خبر صلاح لم يصلح تصديقا فيكون محكما في ابتداء الكلام أي أَتبع الصلاح واترك الدعوة الباطلة أو الصلاح أولى بك منها فمتى دخل الصلاح جاء الفساد ولو قال البر كان مجملا محتملا لهما؛ لأنه موضوع لأنحاء الإحسان قولا وفعلا لا يختص بالجواب ولا ينافيه فهذا قرن بما يصلح تصديقا من الألفاظ الثلاثة يحمل عليه لأنها بيان لإجماله، وإذا قرن بالصلاح يكون ردا وابتداء لأن المحكم بينه وكذا لو قرن بالصلاح الألفاظ الثلاثة كان ردا حملا للظاهر وللنص على المحكم فأصلها أن كلام المدعى عليه إن صلح تصديقا أو ردا فذا أو احتمله وإلا فكالمسكوت.
الفصل التاسع في حكم الخفي
وهو الطلب أي النظر في أن اختفاءه في محله لمزيد فينتظمه أو لنقصان فلا ينتظمه كالسارق في الطرار والنباش فإن اختلاف الاسم دليل اختلاف المسمى ظاهرًا فنظر أن
стр. 460
السرقة أخذ المال مسارقة عن عين الحافظ أو قاصد الحفظ بحرز المكان وقد انقطع حفظه بعارض وهذا في غاية الكمال في الطَّرِّ لأنه قطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة تعتريه فكان اختصاصه باسم آخر لحذق في فعله فصح تعدية الحدود إليه وفي غاية القصور وفي النبش إما لأنه الأخذ مسارقة عن عين من لعله يهجم عليه وهو لذلك غير حافظ ولا قاصد ولأنه ارذل الأفعال وأردأ الخصال وفي السرقة مع أنها قطعة من حرير دلالة على خطر المأخوذ حيث اشترط فيه النصاب فلم يصح تعدية الحدود إلى مثله فلذلك قال الإمام ومحمد رحمهما الله لا يقطع ولو كان القبر في بيت مقفل في الأصح وإن سرق مالا آخر من ذلك البيت لاختلال الحرز بإمكان التأويل في الدخول بزيارة القبر.
وقال أبو يوسف والشافعية يقطع لأن الأخذ على الخفية يتناوله فعند الغزالي إذا سرق من بيت محرزًا وفي مقبرة متصلة بالعمران وعند القفال مطلقا.
وكالزاني في اللائط فإن الزنا صفح ماء محترم في محل مشتهى بحيث يؤدي إلى استهلاك الفراش أو إهلاك الولد واللواط لا يؤدي إليهما فلا يعدي الإمام حده إليه.
الفصل العاشر في حكم المشكل
وهو الطلب ثم التأمل أي النظر في محامله صم التكليف في الفكر ليميز مراده الداخل في أشكاله أما الغموض في المعنى نحو: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فطلب أنه يجيء بمعنى من أين نحو: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] وبمعنى كيف نحو: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [مريم: ٢٠].
ثم تأمل أن المراد ليس الأول ليباح الدبر لأنه موضع الفرث لا الحرث والفرث أذى أصلي فبالأولى أن يحرم ويؤيده سبب النزول فتعين الثاني المفيد في الإطلاق في الأوصاف أعني قاعدة ومضطجعة ومستدبرة وإما لاستعارة بديعة نحو: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦] فطلب حقيقتها ومجازها وتأمل أن لا صحة لها فتعين هو وقد مرت أمثلته.
الفصل الحادي عشر في حكم المجمل
هو التوقف إلى الاستفسار عملا مع اعتقاد حقيقة ما هو المراد حالا ثم الطلب والتأمل إن احتيج إليهما كما في الربا فإن حديث الأشياء الستة الحاصل من الاستفسار معلل بالاجماع فيطلب معانيه الصالحة للعلية ويتأمل لتعيين ما هو العلة فيعدى بحسبه وإن لم يحتج إليهما يكتفي بالاستفسار فإن كان بيانه قطعيا صار مفسرا كما في الصلاة والزكاة وإن كان ظنيا صار مأولا كمقدار المسح.