بين حديث التشبيك أنها قرابة النصرة وعام مخصص عنده ولذا يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب لا بني نوفل وبني عبد شمس اتفاقا وأيا كان خص بالفقراء بدلالة حديث: "أن خمس الخمس عوض لهم عن الزكاة" ولذا يحرمهم الطحاوية والحق للكرخي لإجماع الأربعة الراشدين على قسمته على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل وتقديمهم، يدفع المساواة ولعل إعطاء ابن العباس باعتبار كونه ابن السبيل.
٧ - أن اللام في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية لبيان المصرف فيجوز الاقتصار على واحد منهم وهو قول مالك ﵀ قال إمام الحرمين للشافعي ﵀ في وجوب ثلاثة من كل صنف بعيد لأن اللام في التمسك، والواو في الشريك ظاهر إن ولذا لو أوصى بثلث ماله لهؤلاء لم يجز حرمان لبعضهم فهي للاستحقاق وقال الغزالي لا يعد فيه لأن سياق الآية قبلها من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] يقتضي بيان المصرف لئلا يتوهم أن المعطى مختار في الإعطاء والمنع ويعلم أن المصارف هؤلاء وهم ليسوا منها ورده الآمدي ﵀ بأن ذلك قد يحصل ببيان الاستحقاق إذ لا منافاة بين القصد إلى بيان المصرف والاستحقاق بصفة التشريك فلا يصح صارفا عن الظاهر.
قلت يعني به أن معنى اللمز في الصدقات اللمز في صرفها لا في نفسها فسياقه يقتضي أن يراد إنما صرف الصدقات لهؤلاء والصرف لا يملك فاللام صلة ولا دلالة على التمليك وأيضًا المجهول لا يستحق فهي حق الله وحاجة الفقير لها كتعظيم الكعبة للصلاة وهذه الأسماء أسباب الحاجة كأجزاء الكعبة فالبعض يكفي وكذا الواحد من البعض كما روي عن عمر وابن عباس ﵁ بخلاف مسألة الوصية وهو مؤيد بنحو قوله تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ [البقرة: ٢٧١] وقوله ﵇ وردها في فقرائهم فلاستعارتها عن الجنس إذ لا معهود والكل متعذر يتناول الواحد.
الفصل الخامس في حكم الظاهر
وهو وجوب العمل بما ظهر منه خاصًا كان أو عامًا يقينًا حتى صح إثبات الحدود والكفارات به على احتمال التأويل والتخصيص والنسخ وعلى احتمال السقوط بالنص وما فوقه عند التعارض لمرجوحيته بيانًا وقوةً، والتساوي في القوة شرط التعارض الموجب للتساقط لا مطلقه ولا خلاف في إيجابه العمل فلذا صار يقينا بل الخلاف في أنه يوجب العلم أيضًا عند العراقين وأبي زيد ولو عامل وعند علم الهدى وعامة الأصولين لا يوجبه
стр. 457
مع وجوب اعتقاد أن مراد الله تعالى منه حق ومبناه اعتبار الاحتمال البعيد أعني غير الناشئ عن الدليل وعدمه وهو الحق كما في العلوم العادية مثال تعارضه مع النص من الكتاب كما قالا إن قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] نص في أن مدة الرضاع حولان وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ظاهر فيه لأنها سبقت لمنة الوالدة على الولد فتجرحت الأولى.
وقال الإِمام: نعم لولا حمل الحولين على مدة استحقاق المطلقة أجرة الرضاع حيث لا يجبر الزوج على إعطائها بعدهما قيل وكقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ظاهر في إباحة غير المحرمات مطلقا وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى﴾ [النساء: ٣] نص في حرمة ما وراء الأربع فترجح وإنما يصح لوعد ما سبق له ظاهرا وإلا فمن تعارض النص مع المفسر ومن السنة قوله ﵇ للعرنيين اشربوا من أبوالها وألبانها ظاهر في إطلاق شرب أبوال الإبل، لأن سوقه ألبان للشفاء وقوله ﵇: "استنزهوا من البول" (١) نص في وجوب الاحتراز فهذا مرجح ولذا لم يجوز الإمام شربه ولو للتداوي.
ومن المسائل قولها أبنت نفسي بعد ما قال لها طلقي نفسك ظاهر في الإبانة نص في الطلاق إذْ سوقه له، لأن كلامها للجواب عن طلقي فرجح الرجعي وهذا معنى أنه لم يفوض إليها إلا الرجعي فيلغو الوصف الزائد لا يقال لا تعارض إلا بين كلامين وليس ها هنا كلامان لأنا نقول معنى التعارض أنه دار بين كونه نصا في ذلك وظاهرا في هذا فجحل نصا وكذا في نظائره الآتية من تزوج امرأة إلى شهر وغير كذا قيل الصحيح الكلي هو الجواب الآتي.
ثم إنما يترجح النص عليه بعد تساويهما في الرتبة فلا يترجح نص خبر الجواب الآتي ثم إنما يترجح نص خبر الواحد على ظاهر الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فإنه ظاهر في أنها ناكحة نص في ثبوت الحرمة الغليظة وقوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي" (٢)، وإن كان نصا في اشتراط الولي لكن خبر الواحد لا يقوى على معارضته.
الفصل السادس في حكم النص
هو وجوب العمل بما وضح منه كذلك على احتمال التأويل والتخصيص والنسخ
стр. 458
والسقوط المفسر المساوي وما فوقه عند التعارض اتفاقا فيه واختلافا في إيجاب العلم.
وهذه الأمور في حيز العدم عند العدم دليله كالمجاز مثال تعارضه مع المفسر قوله ﵇: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" نص يحتمل التأويل باستعارة اللام للتوقيت وقوله ﵇: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" (١) مفسر فيه فرجح.
وفيما إذا تزوج امرأة إلى شهر فالأول نص في النكاح يحتمل المتعة والآخر مفسر فيها فرجح، وفيما قال داري لك هبة أو سكني هبة فأول الكلام نص في لقليك الرقبة يحتمل تمليك المنفعة وآخره مفسر فيه فرجح وقيل آخره محكم في المثالين فهما من تعارض النص والمحكم كتعارض قوله ﵇: "من استنج منكم فليستنج بثلاثة أحجار"، مع قوله "من استجمر فليوتر فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج" فقد رجح محكم التخيير في الثاني من نص اشتراط الثلاثة ومداره على فرض احتمال النسخ وامتناعه بسبب فإن الفرض كاف في التمثيل وبه يعرف صحة تفريق المعنى في التمثيل بها بالاعتبارين.
الفصل السابع في حكم المفسر
هو وجوب العمل به والعلم بذلك اتفاقا على احتمال النسخ والسقوط بالمحكم عند التعارض قيل مثاله قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فإن ذوي العدل مسوق لمقبولية الشهادة لأنها فائدة العدالة ووجوب قبولها منهم بالإجماع فهو نص فيها ومفسر لا يحتمل غير قبول شهادة العدول؛ لأن الإشهاد إنما يكون للقبول عند الأداء وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] المقتضي لعدم القبول من المحدود في القذف فإن تاب وعدل محكم في رده إذ لا يحتمل النسخ للتأييد فرجح فاعترض عليه يمنع أن الأول مفسر حيث يحتمل الأمر الإيجاب والندب ومخصص من الأعمى والعبد ومنع أن الإشهاد إنما يكون للقبول فلعله للتحمل فقط كشهادة العميان والمحدودين في القذف في النكاح ولقوله ليس شيء منهما بهائل فإن المستشهد به للمفسر ذوي عدل لا غير واحتمال المجاز الذي في الأمر والتخصيص الذي في مجرور منكم لا ينافيه.
والعدالة تقصد للقبول لا للتحمل وهذا لأن كون مجموع الكلام مفسرًا لا يكاد يوجد لا سيما في كلام الله تعالى لأنه إن كان خبرا فمحكم وإن كان إنشاء فلكل نوع منه
стр. 459
محتملات مجازية بل وهذا كونه محكما كالنهي في لا تقبلوا فالتحقيق يقتضي أن يكون التمثيل لهما بقيد من الكلام لا بمجموعه كالمفعول في: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وإلا فاحتمال أن يراد بالقتل الضرب الشديد مجازا واحتمال الأَمر المعاني المجازية قائمًا فكيف يكون مفسرًا لا يقال مقصود التفاوت بين هذه وإلا قام الترجيح لو تعارضت ولا تعارض إلا بين الحكمين لأنا نقول المراد تعارض الحكمي باعتبار تعلقهما بذينك القيدين والله أعلم.
الفصل الثامن في حكم المحكم
هو وجوب العمل به والعلم من غير احتمال وقد مر تحقيق الحق في أن الدليل اللفظي قد يفيد اليقين بمعنى عدم احتمال ما في الشرعيات لأنه منحصر مضبوط على ما هو المشهور، وفي العقليات أيضًا على ما اخترنا وقد رجح على ظاهر قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ [النساء: ٣] ونص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ومحكم قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] فحرم نكاح أزواج النبي ﵇.
ومن مسائل الجامع أنه لو قال في عليك ألف درهم الحق أو الصدق أو اليقين منصوبا بمعنى ادعيت الحق أو مرفوعًا بمعنى قولك الحق صار تصديقا لأنها أوصاف الخبر تصلح لذلك ظواهر باعتبار أن المسوق له المقر به متضمن لا ملفوظ ونصوصا باعتبار أن المتضمن كالملفوظ.
ولو قال الصلاح كان ردًّا لأنه لما لم يصلح وصفا للخبر إذ لا يقال خبر صلاح لم يصلح تصديقا فيكون محكما في ابتداء الكلام أي أَتبع الصلاح واترك الدعوة الباطلة أو الصلاح أولى بك منها فمتى دخل الصلاح جاء الفساد ولو قال البر كان مجملا محتملا لهما؛ لأنه موضوع لأنحاء الإحسان قولا وفعلا لا يختص بالجواب ولا ينافيه فهذا قرن بما يصلح تصديقا من الألفاظ الثلاثة يحمل عليه لأنها بيان لإجماله، وإذا قرن بالصلاح يكون ردا وابتداء لأن المحكم بينه وكذا لو قرن بالصلاح الألفاظ الثلاثة كان ردا حملا للظاهر وللنص على المحكم فأصلها أن كلام المدعى عليه إن صلح تصديقا أو ردا فذا أو احتمله وإلا فكالمسكوت.
الفصل التاسع في حكم الخفي
وهو الطلب أي النظر في أن اختفاءه في محله لمزيد فينتظمه أو لنقصان فلا ينتظمه كالسارق في الطرار والنباش فإن اختلاف الاسم دليل اختلاف المسمى ظاهرًا فنظر أن
стр. 460
السرقة أخذ المال مسارقة عن عين الحافظ أو قاصد الحفظ بحرز المكان وقد انقطع حفظه بعارض وهذا في غاية الكمال في الطَّرِّ لأنه قطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة تعتريه فكان اختصاصه باسم آخر لحذق في فعله فصح تعدية الحدود إليه وفي غاية القصور وفي النبش إما لأنه الأخذ مسارقة عن عين من لعله يهجم عليه وهو لذلك غير حافظ ولا قاصد ولأنه ارذل الأفعال وأردأ الخصال وفي السرقة مع أنها قطعة من حرير دلالة على خطر المأخوذ حيث اشترط فيه النصاب فلم يصح تعدية الحدود إلى مثله فلذلك قال الإمام ومحمد رحمهما الله لا يقطع ولو كان القبر في بيت مقفل في الأصح وإن سرق مالا آخر من ذلك البيت لاختلال الحرز بإمكان التأويل في الدخول بزيارة القبر.
وقال أبو يوسف والشافعية يقطع لأن الأخذ على الخفية يتناوله فعند الغزالي إذا سرق من بيت محرزًا وفي مقبرة متصلة بالعمران وعند القفال مطلقا.
وكالزاني في اللائط فإن الزنا صفح ماء محترم في محل مشتهى بحيث يؤدي إلى استهلاك الفراش أو إهلاك الولد واللواط لا يؤدي إليهما فلا يعدي الإمام حده إليه.
الفصل العاشر في حكم المشكل
وهو الطلب ثم التأمل أي النظر في محامله صم التكليف في الفكر ليميز مراده الداخل في أشكاله أما الغموض في المعنى نحو: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فطلب أنه يجيء بمعنى من أين نحو: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] وبمعنى كيف نحو: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [مريم: ٢٠].
ثم تأمل أن المراد ليس الأول ليباح الدبر لأنه موضع الفرث لا الحرث والفرث أذى أصلي فبالأولى أن يحرم ويؤيده سبب النزول فتعين الثاني المفيد في الإطلاق في الأوصاف أعني قاعدة ومضطجعة ومستدبرة وإما لاستعارة بديعة نحو: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦] فطلب حقيقتها ومجازها وتأمل أن لا صحة لها فتعين هو وقد مرت أمثلته.
الفصل الحادي عشر في حكم المجمل
هو التوقف إلى الاستفسار عملا مع اعتقاد حقيقة ما هو المراد حالا ثم الطلب والتأمل إن احتيج إليهما كما في الربا فإن حديث الأشياء الستة الحاصل من الاستفسار معلل بالاجماع فيطلب معانيه الصالحة للعلية ويتأمل لتعيين ما هو العلة فيعدى بحسبه وإن لم يحتج إليهما يكتفي بالاستفسار فإن كان بيانه قطعيا صار مفسرا كما في الصلاة والزكاة وإن كان ظنيا صار مأولا كمقدار المسح.
стр. 461
الفصل الثاني عشر في حكم المتشابه
وهو التسليم واعتقاد حقيقة المراد علما والتوقف لبدا عمل وهو عبودية لأنها الرضا بفعل الرب والإمعان في الطلب عبادة لأنه فعل يرضي الرب والأولى أولى ولذا تسقط الثانية في العقبي دون الأولى والمراد بالأبد إلى آخر الدنيا لأن انقطاع رجاء بيانه للابتلاء فيختص بداره وينكشف في العقبي وإنما عد من أقسام النظم من حيث يعرف به حكم الشرع ولا يعرف به أصلا لأن حيثية المعرفة أعم من إيجابها وسلبها انجر إليه التقسيم أو يعرف به أن لنا منه اشتد الوجهين بلوى وأن لله شيئا استأثر بعلمه عبر عنه به والفرق بينه وبين المجمل الذي لم يبين بوروده في الاعتقادات وورود المجمل في العمليات غالبا.
تحصيل ما يتعلق بهذه الفصول للخفاء والبيان من الأصول وفيه بابان:
الباب الأول في المجمل
وفيه بحثان:
الأول: قد مرت الإشارة إلى أن الشافعية يسمون كل ما لم يتضح المراد منه أي بعد ما دل وأورد المهمل متشابها ومقابله محكما فكذلك يسمون قسمًا من المتشابه مجملا لا يعرف قبل البيان من المجمل وبعده مبينا فقيل في تعريفه ما له دلالة غير واضحة فيتناول القول والفعل والمشترك والمتواطئ إذا أريد به واحد من أفراده لا الحقيقة.
وهذا يقتضي الترادف بينه وبين المتشابه مع أن المتشابه مشترك بينه وبين المؤول كما مر فهو قسم منه قسيم للمؤول فإن التشابه عندهم بالدلالة على شيئين أو أكثر فحين التساوي جمل وعند مرجوحية أحدهما مؤول كما أن الراجح لكن لا يرد الظاهر لأن دلالته واضحة ولذا عدوه كالنص قسما في المحكم.
وقيل هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند إطلاقه شيء ولام اللفظ للعهد وإلا فالنكرة كافية للتعريف والأصل عدم الزيادة فلا يرد على طرده المهمل ولا المستحيل إذا أريد بالشيء اللغوي ولا على عكسه المشترك الدائر بين المعنى بناء على أنه يفهم منه أحد محامله لا بعينه لأن المراد فهم الشىء على أنه مرادًا نعم يرد الفعل لوعد مجملا كالقيام من الركعة الثانية من غير تشهد يحتمل الجواز والسهو إذ ليس لفظا إلا أن يقال أريد تعريف المجمل الذي من أقسام المتن اللفظ.
وقال أبو الحسين: ما لا يمكن معرفة المراد منه قيل الجار متعلق بالمعرفة لا بالمراد وإلا لم يصدق على مجمل لإمكان معرفة كل مجمل بالبيان لكن المعرفة من البيان منه فيرد
стр. 462
على طرده المشترك المقرون بالبيان إذْ ليس بمجمل وكذا المجازيين أولا فالمعرفة فيهما ليست منهما بل من البيان لو كان ويمكن أن يقال المشترك مجمل من حيث هو وذلك كاف في الصحة؛ لأن قيد الحيثية مراد في مثله ولا نعلم أن المتردد بين المعاني المجازية مع الصارف على الحقيقة ليس محملا فالأوضح ما مر لهم أما المجمل ما تساوى دلالته بين المعنين أو أكثر والأصح ما مر.
لنا: أنه ما لا يدرك مراده مع رجائه إلا بالاستفسار إما لغرابة أو تغيير في مفهومه اللغوي أو تساو فالمبين ما يقابله ولا يختص بمقابلته.
الثاني: فيما اختلف في إجماله:
١ - التحريم المضاف إلى العين نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] حقيقة وعند العراقيين مجاز من حذف المضاف أو التعبير بالمحل لأن تعلقه بالمقدور وهو الفعل ثم منهم من ذهب إلى إجماله كالكرخي منا وأبي عبد الله البصري والبهشمية إذْ لا يضمر الجميع لأن الضرورة تندفع بالبعض ولا أولوية بين الأبعاد.
قلنا: لا نعلم التجوز إذْ المراد أحد نوعي الحرمة وهو حرمة المحل أعني خروجه من محلية الفعل أعني خروجه من الاعتبار شرعًا كالمنهي الفساد والمنع عن شرب الماء الموجود والحماية ويعبر عنهما بالحرمة العينية والغيرية فالمنع في الأول أوكد فإلحاقه بالثاني غلط ولئن كان مجازا فالعرف يعين المراد كالأكل من الميتة والشرب في الخمر والتمتع في النساء فلا إجمال.
٢ - نحو: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (١)، "وإنما الأعمال بالنيات" (٢) مما يراد به لازم من لوازمه وإلا لزم الكذب وهو الحكم لأنه مبعوث لبيانه مجمل بعد التجوز لكونه مقولا شرعا على الدنيوي كالصحة والفساد والأخروي كالثواب والعقاب وهما مختلفان حقيقة ومحلا ومقصودًا ومناطًا فقط ببط الأول بتحقيق ما يتوقف عليه، والثاني بصحة العزيمة؛ ولذا يفترقان إجماعا في ظن تحققه وإلا فلا يرادان معا وإلا لتلازما فيتحققا معا في الأول وينتفيا معا في الثاني وحينئذ إن أريد بالأعمال مثلا ما صدق عليه الحكم على التعين مجازا من الثواب أو الصحة صار مشتركا وهو مراد فخر الإِسلام فلا بحث فيه.
وإن أريد مطلق الأثر الثابت بها صار في حكم المشترك أو صار حكم العمل مشتركا بين حكم عزيمته وحكم تحقق ما يتوقف عليه فصار مجملا وحين أريد الأخروي اتفاقا
стр. 463
إذ المؤاخذة بالخطأ ليست ممتنعة في الحكمة بدليل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] لم يرد الدنيوي لما مر عندنا ولعدم عموم المجاز عنه فلم يصح تمسك بالأول على عدم فساد الصلاة بالكلام ناسيا والصوم بالإفطار مخطئا وبطلان طلاق المخطئ وبالثاني على اشتراط نية الوضوء وقال البصري بأن لا إجمال في حديث الرفع لأن العرف عين إرادة رفع العقاب كقول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والضمان بإتلاف مال الغير جبر المتلف لا العقاب إذ لا يقصد به الزجر كما في الصبي.
قلنا العرف مشترك إذْ لا نعلم إرادة رفع العقاب في كل موضع فإنه بعد ترتيب الوعد كللى أمر له شروط أو منافيات قد يراد برفع الخطأ الاعتداد في الشروط بما عدمت فيه وفي المنفيات بما وجدت فيه خطأ في ترتب الوعد من غير تعرض لترتب الوعيد أصلا.
تنبيه: من لم يفرق بين المقتضي والمحذوف من أصحابنا كأبي زيد جعل الحكم مقتضى فبنى على أن لا عموم له عندنا لا عند الشافعي ﵁ وفيه التقصي عن تكلف إثبات الاشتراك أو حكمه.
٣ - المسح في حق المقدار مجمل خلافا لغيرنا كمالك والقاضي وابن جني لأن مسح الرأس لغة مسح الكل، والشافعي وعبد الجبار وأبو الحسين البصري للعرف الطارئ على أطرقة للبعض فالمشهور من أن مسح بعض الرأس واجب وكله سنة وبعضهم على أن الواجب مطلقه.
قلنا: ما دخل عليه الباء لا يراد استيعابه عرفا كما مر أما الآلة فلأن المقصود منها مقدار ما يتوسل به وأما غيرها فلأن دخول الباء لتشبيهه بها نحو مسحت يدي بالمنديل والحائط ورأس اليتيم فلا فرق بينهما في ذلك كما ظن وحمله على الصلة خلاف الأصل وبعد انتفاء الكل فليس المراد مطلق البعض بما سلف من الوجوه.
٤ - نحو قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور"، "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، "لا نكاح إلا بولي"، "لا صيام لمن لم يبيت"، مما ينفي الفعل والمراد صفته لا إجمال فيه بين نفي الصحة ونفي الكمال خلافا للقاضي.
لنا أنه إن ثبت عرف شرعي في نفي الصحة أو عرف لغوي في نفي الفائدة نحو لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد ولا طاعة إلا لله فلا إجمال وإن انتفيا فالأولى حمله على نفي الصحة إلا لدليل كالإجماع في "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولزوم النسخ في لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب عندنا لأنه كالعدم في عدم الجدوى قكان أقرب المجازين إلى الحقيقة المتعذرة وظاهرا فيه فلا إجمال وهذا ترجيح له أن العرف الشرعي
стр. 464
مشترك قلنا لا نعلم بل ذلك للاختلاف في الظهور يعني أنه ظاهر عند كل في واحد ولا قائل بالتردد ولئن سلم التردد فنفي الصحة راجح بأنه أقرب إلى نفي الذات.
٥ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] مجمل في حق مقدار ما يجب قمه خلافا للأكثر، لنا أن إرادة كل اليد وبعضها المطلق منتفيان بالإجماع لا بالخبر إذ لا يزاد به على خاص الكتاب فلا بد من مقدار بينة خبر الواحد.
قالوا أولا اليد حقيقة في جملة العضو إذْ الأصل خلاف الاشتراك والقطع في الإبانة فلا إجمال. قلنا: بل المعاني الثلاثة مشتركة في الاستعمال وغلبته وذلك آية الاشتراك ولئن سلم فالمراد إجماله بعد العلم بعدم إرادة الكل والبعض المطلق كما مر، وثانيا إنما يكون مجملا لوكان مشتربما بين الكل لا متواطئا فيها ولا حقيقة في أحدها ومجازا في الباقي ووقوعه واحد لا بعينه من اثنين أقرب من وقوع ثالث بعينه فيغلب ظن عدم الإجمال.
قلنا: إثبات اللغة بالترجيح ونفي لمطلق الإجمال في محل النزاع أما ما يثبت إجماله بدليل آخر فلا.
٦ - اللفظ المستعمل تارة في معنى وأخرى في معنيين إذا لم يثبت ظهوره في أحد الاستعمالين مجمل خلافا لشرذمة.
قلنا: إثبات اللغة بالترجيح بكثرة الفائدة على أنه معارض بأن الموضوع لواحد أكثر ففيه أظهر فيتعارضان. وثانيًا: إجماله عند الاشتراك لا التواطؤ والتجوز ووقوع المبهم أقرب. قلنا: مر جوابه.
٧ - قيل: اللفظ الذي له معنى لغوي ومحمل شرعي إذا صدر من الشارع ليس مجملا بل يتعين الشرعي محملا لأنه بعث لتعريف الأحكام الشرعية لا الموضوعات اللغوية فقوله ﵇ "الطواف صلاة" (١) يراد به كهي في اشتراط الطهارة لا أنه يسمى صلاة لغة.
قلنا: الكلام فيما لم يتضح دلالته على الشرع ولئن سلم فلا يراد ظاهره إذ ليس صلاة حقيقة وفي المجازات كثير لاحتمال إرادة أنه كهي في الفضلية واحراز الثواب وكونه إمارة الإيمان وشيء منها غير متعين على أن حمله على اشتراط الطهارة يؤدي إلى نسخ خاص الكتاب.
стр. 465
٨ - اللفظ الذي له مسمى لغوي وشرعي بناء على الحقائق الشرعية كالنكاح في الوطئ والعقد إذا صدر عن الشارع ظاهر في الشرعي مطلقا وقيل مجمل وقال الغزالي في النهي مجمل كما عن صوم يوم النحر وفي الإثبات ظاهر فيه كقوله ﵇: "إني إذا لصائم" (١) بعد سؤاله عن عائشة ﵂ أعندك شيء فقالت لا وقيل في الإثبات بالشرعي وفي النهي باللغوي فلا إجمال.
لنا: ظهور إطلاق المستعمل في متعارفه فلا يسمع تمسكهم بصلوحه لهما بعد وضوح اتضاحه وفرق الغزالي بأن النهي لو كان شرعيا لكان صحيحا والنهي لا يدل على الصحة ولا دليل عليهما غيره إجماعا فيكون مجملا بين المجاز الشرعى والحقيقة اللغوية والجواب بأن الشرع ليس الصحيح شرعا بل ما يسميه الشارع به من الهيآت قد استفيد فساده من باب النهي بل الحق منع أن النهي لا يدل على الصحة.
ومن يعلم جواب الرابع فإنه لما لم يمكنه حمله في النهي على الشرعي حمله على اللغوي فالرد والتحقيق كما سلف.
الباب الثاني في المبين
وفيه مباحث مشتركة ومقاصد مختصة:
المبحث الأول
أن البيان يطلق على التبين وهو الإظهار كالسلام على التسليم من بان أي ظهر أو انفصل وهو الغالب كما قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] أي إظهار ما في الضمير بالمنطق المعرب عنه: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وقال ﵇: "إن من البيان لسحرا" فاختاره أصحابنا ويناسبه تعريف الضمير في الإخراج من خبر الأشكال التي حيز التجلي والوضوح وما أورد عليه من البيان الابتدائي ومجازية لفظ الحيز في الموضعين والتكرار في الوضوح مناقشات واهية لأن مقتضي الإخراج عرفًا تجويز الإشكال لا وقوعه نحو ضيق فمم الركية.
ويجوز التجوز في الحدود إذا اشتهر والترادف للتوضيح فإنه محل البيان وقد يطلق على ما به التبين ولذا عرف القاضي والأكثرون بأنه الدليل وعلى محل التبيين وهو المدلول ولذا عرفه عبد الله البصري بأنه العلم عن الدليل.
стр. 466
قلنا البيان بيان علم به السامع فاقرا ولم يعلم قاصرا إذ لو كان علمًا لم يكن النبي مبينا للكل وقد قيل لتبيين للناس ما نزل إليهم.
المبحث الثاني
وجوه تقسيمه:
١ - انه إما مفرد أو مركب مع أقسامها ويتضح بتنويره فيما يقابله من المجمل فإن الإجمال اما مفردا كالمشترك المتردد أصالة كالعين أو إعلال كالمختار يحتمل الفاعل والمفعول وإما في مركب إما بجملته نحو: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يحتمل الزوج والولي أو في مرجع الضمير منه كمَا يحكى عن ابن جريح أنه سئل عن أبي بكر وعلى ﵄ أيهما أفضل فقال أقربهما إليه فقيل من هو قال من بنته في بيته فأجمل فيهما أو مرجع الصفة تجوز طبيب ماهر لتردده بين مطلق المهارة والمهارة فيه أو في تعدد المجازات مع الصارف عن الحقيقة ومنه التخصيص أو الاستثناء أو الصفة أو البدل أو الغلبة المجهولات فلكل مبين يقابله.
٢ - قد يسبقه إجمال وهو ظاهر وقد لا نحو: ﴿اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١] ابتداء.
٣ - قد يكون قولا وذا بالاتفاق وقد يكون فعلا عند الجمهور خلافا لشرذمة.
لنا أولا: بيانه ﵇ الصلاة والحج بالفعل لا يقال بل بقوله صلوا وخذوا إذ البيان بالفعل وهما دليلا بيانيته.
وثانيًا: أن مشاهدة الفعل أدل كما قيل ليس الخبر كالمعاينة قالوا الفعل يطول فالبيان به يوجب تأخير البيان عن وقت الحاجة وأنه غير جائز.
قلنا: يطول القول أكثر في مثل هيئات الركعتين ولئن سلم فلا تأخير لأنه لا يشرع فيه عقيب الإمكان لا امتداد الفعل كمن قال لغلامه ادخل البصرة فصار عشرة أيام حتى دخلها ولئن سلم فلأنما عدم جوازه مع غرض في التأخير كسلوك أقوى البيانين على أن جوازه مطلقا مما ذهب إليه وسيجىء ذنابة إذا ورد بعد الإجمال قول وفعل صالحان للبيان فإن اتفقا كطواف واحد والأمر به بعد آية الحج فإن عرف المتقدم فهو البيان وإلا فأحدهما لا بعينه وقيل إذا لم يرجح أحدهما وإلا فهو المتأخر لأن المرجوح لا يؤكد به.
قلت ذلك في المفردات لا في المؤكد المستقل وإن اختلفا كطوافين والأمر بواحد وصورة اربع فالقول هو البيان تقدم أو لا والفعل ندب أو واجب مختص به لأن فيه جمعا بين الدليلين وقال أبو الحسين المقدم هو البيان ففي صور في تقدم القول اتفاق ويلزمه نسخ
стр. 467
الفعل في طوافين ثم الأمر بواحد وهو باطل، أما عكسه فليس نسخا بل زيادة للتكليف.
٤ - في أقسام القول أنه إن لم يكن بالمنطوق بل يتركه في محله فبيان ضرورة وإن كان فللازم المعنى كمدة بقاء المشروع بيان تبديل ولعينه بالتغيير بيان تغيير كالاستثناء والشرط والصفة والبدل والغاية ولخصيص العام القطعي والاستدراك فإنها بيان مدة نفس المشروع لإبقائه ولا بالتغيير فلتأكيد المعنى المعلوم برفع احتماله المرجوح بيان تقرير ولتبين المراد المجهول بأحد الوجوه الثلاثة بيان تفسير.
٥ - في أقسام الفعل أن بيانه إما بنفسه وذا إما وضعي كالخطوط والعقود والنصب أو عرفي كالإشارة أو بضرورة معرفة أن فعله للبيان كإمامة جبريل أو بدليل عقلي كوقوعه وقت الحاجة إلى العمل بالمجمل نحو قطع يد السارق من الكوع وإما بتركه كترك التشهد الأول عمدا ليعلم عدم وجوبه وترك ما يتناول الخطاب به له ولأمته قبل الفعل ليعلم تخصيصه أو بعده ليعلم نسخه في حقه فإن علم أن أمته في ذلك كهو ثبت في حقهم أيضًا وإلا فلا.
المبحث الثالث
أن الأكثر على أن المبين يجب كونه أقوى، وقال الكرخي لا أقل من المساواة وجوز أبو الحسن الأدنى والصحيح من مشايخنا عدم جواز الأدنى في المغير والمبدل لا في المقرر والمفسر.
لنا أن إلغاء الراجح بالمرجوح بافى فإن تخصيص العام إلغاء لدلالته والتحكم في المساوي ممنوع بل لكونه محمولا على المقارنة عند الجهل بالتاريخ يخص العام.
لا يقال الصحابة ﵃ خصصوا الكتاب بخبر الواحد من غير نكير فكان إجماعًا لأنا نقول بعد ما ثبت تخصيصه بقطعي من إجماع وغيره ولئن سلم فخبر الواحد عندهم كان قطعيا مسموعا من النبي ﵇ وأما تقييد المطلق متراخيا فنسخ عندنا إذ لا دلالة له على المقيد فضلا عن قوتها وضعفها كالعام المنطقى بخلاف العام الأصولي المخصص حيث يدل على بعض أفراده تضمنا فحين قيد متراخيا لم يبق مطلقًا وتبدل والعام المخصص عام مخصص ولو خصص.
ثانيا: متراخيًا ولم يتبدل من القطع إلى الظن بخلاف غير المخصص أو خصص متراخيا أما تقييده متصلا فبيان لما هو المراد منه تغيير لما هو الظاهر لولاه فيكون بيان تغيير موجبا توقيف أول الكلام على الآخر المغير لئلا يلزم نفي شيء وإثباته معا واحتمال للتوقف مع الفصل وإلا لزم بطلان الأحكام هذا في الظاهر وأما المجمل ونحوه فيكفي في
стр. 468
بيانه تفسيرا أدنى دلالة ولو مرجوحًا إذ لا تعارض فإنه لا يدفع دلالته بل يجمع بينهما وفي بيان التقرير بالأولى لأنه تأكيدٌ للظاهر لا إظهار لما ليس فيه.
المبحث الرابع
أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إلا على قول من جوز تكليف المحال أما خبر وضع العقالين في آية الخيطين قبل نزول: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فحمله على تقدير ثبوته نفل الصوم ووقت الأجل وقت فرض الصوم وعن وقت الخطاب قيل يجوز مطلقا وهو مختار ابن الحاجب، وقال الصيرفي والحنابلة يمتنع مطلقًا وقال الكرخي: يمتنع في الظاهر إذا أريد به غير ظاهره ويتناول تخصيص العام وتقييد المطلق وتفسير الأسماء الشرعية والنسخ لا في المجمل كالمشترك والمتواطئ المراد به معين، وقال أبو الحسين من المعتزلة والقفال والدقاق وأبو اسحق المروزي من الأشاعرة كما قال الكرخي لكنه في البيان الإجمالي أي بجواز التأخير في المجمل وامتناعه في غيره لكن الممتنع تأخيره هو البيان الإجمالي كان يقال هذا العام مخصوص أو سيخص أو سيقيد المطلق أو سينسخ الحكم وجوزوا تأخير التفصيل بعد قرآن البيان الإجمالي.
وقال: الجبائيان وعبد الجبار لا يجوز التأخير أصلا إلا في النسخ وهو المفهوم من المعتمد ولا ينبئك مثل خبير والمختار عند مشايخنا جوازه إجمالا وتفصيلا في بيان التقرير والتفسير كتبين المجمل بل والمشكل والخفي ومنه تصير الأسماء الشرعية وفي بيان التبديل ومنه تقييد المطلق متراخيا كما مر وتعيين معين أريد بالنكرة من أقسامه عندنا وامتناعه في بيان التغيير باقسامه.
قال فخر الإِسلام ﵀ وكذا عند الشافعي ﵀ إلا أن تجويزه التراخي في تخصيص العام دوننا بناء على أنه تفسير عنده لما كان محتملا له وللكل كالمجمل وبيان محض فشرطه محل موصوف بالإجمال والاشتراك أي بالخفاء والجهل محققا في البيان البنائي أو مقدرًا كما في البيان الابتدائي وأما شرط سبق الكلام له تعلق في الجملة كما ظن وليس مشهورا والتغيير عندنا من القطع إلى الاحتمال لما مر أن العام قبل التخصص قطعي عندنا دونه وإنما لم يجوز التراخي في الاستثناء والخمسة المتصلة الباقية مع أنها تخصيصات عنده لعدم استدلالها وليس الخلاف في جواز قصر العام على بعض متناولاته بمستقل متراخ بل في أن يكون تخصيص فيكون في الباقي ظنيا أو نسخ فيكون قطعيا بناء على أن دليل النسخ لا يحتمل التعليل.
стр. 469
فليس اشتراط المقارنة كاشتراط الاستقلال مجرد اصطلاح كما ظن بل ليفيد الظن والجري على هذا مستمر ومهول التاريخ محمول على المقارنة وذلك كثير لنا في جوازه في التقرير والتفسير كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩].
حيث أريد التفسير لأنه فسر بيان ما اشكل عليك من معانيه ولأنه إيضاح لغة ولأنه مرادٌ إجماعًا فلا يراد غيره دفعا لعموم المشترك ولو سلم عمومه فبيان التعبئة أخص منه لما سيأتي وفي التقرير معنى التفسير بل أولى وأن الخطاب بالمجمل مفيد للابتلاء بعقد القلب على أحقية المراد به مع انتظار البيان كما بالمتشابه مع عدمه كما يبتلى بالفعل عنده وفي امتناعه في التفسير قوله ﵇: "فليكفر عن يمينه" (١).
إذْ لو جاز تراخيه لما وجب التكفير أصلا لأن الإبطال بالاستثناء محتمل ولو استدل الإجماع على وجوب الكفارة ووقوع نحو الطلاق والعتاق ولزوم الأقارير ونحوها مما لا يحصى لكان أولى على ما لا يخفى هذا المعتمد لا أن التأخير إلى مدة معينة تحكم وإلى الأبد تكليف مع عدم الفهم لكفاية تعينها عند الله تعالى يعلمه من وقت التكليف به ولا أن الخطاب يستلزم التفهيم ولذا لا يصح خطاب الجماد ولا الزنجى بالعربي ولا تفهيم بظاهره لأنه غير مراد ولا بباطنه لأنه غير مبين متعذر والقصد إلى ما يمتنع حصوله سفه وذلك لأنه مع نقضه بالنسخ يجوز قصد تفهيم الظاهر مع لخويز التخصيص عند الحاجة فلا جهالة إذ لم يعتقد عدم التخصيص ولا أدلة إذ لم يقصد فهم التخصيص تفصيلا للمجوزين مطلقا.
أولا: قوله تعالى في المغنم ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] ثم بين أن السلب للَقاَتل مطلقًا على ما رأي وإذا رأه الإِمام على آخر.
قلنا ذلك بشرط التنفيل قبل الإحراز عندنا ولم يكن حينئذ غنيمة ومذهبنا أولى جمعا بين حديث التنفيل وحديث خبيب بن أبي سلمة ﵁.
وثانيا: أنه بين ذوى القربى بأنهم بنو هاشم دون بني أمية وبنى نوفل متراخيا قلنا بيان مجمل القرابة فإنها تحتمل قرابة النصرة وقرابة النسب قيل ظاهرة في الثانية قلنا ولئن سلم فقرابات النسب أيضًا مختلفة فهو بيان المراد بالعام الذي تعذر العمل بعمومه.
ثالثا: بيانه بقرة بني إسرائيل متراخيًا وجه تمسكهم قيل إن المطلق عندهم عام وقيل
стр. 470
من حيث أريد به خلاف الظاهر في الجملة إذ المذبوحة هى المأمور بها بعينها من أول الأمر لرجوع الضمائر إليها وإلا كان الأمر ثانيا وثالثا جديدا وليس كذا إجماعا ولا دلالة على التعين والأمر ليس للفور ليكون تأخيرًا عن وقت الحاجة.
قلنا بل تقييد للمطلق وهو كإطلاق القيد نسخ أي لإطلاقه السابق فلا يرد أن قيود الجواب الأول لم تنسخ بالجواب الثاني إذ هى أيضًا مرادة فيجوز متراخيا إذ المراد بها أولا غير معينة بدليل قول ابن عباس رض الله عنهما لو ذبحوا أي بقرة لاجزأتهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم والاستدلال به من حيث إنه تفسير سلطان المفسرين لا من حيث إنه خبر واحد ولئن سلم فليس معاضا لظاهر الكتاب لأن ظاهره الإطلاق ورجوع الضمائر إليها لا يقتضى اتحاد التكليف وإن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] دليل على قدرتهم وأن سؤالهم كان تعنتًا وفاء ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ [البقرة: ٧١] يمنع كون الذم لتوانيهم في الذبح بعد البيان.
ورابعا: بيان قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] بعد سؤال ابن الزبعري أليس قد بعدت الملاَئكةَ والمسيح بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
قلنا: لا يتناولهما لأن ما لما لا يعقل كما نقل عن الرسول قوله له: "ما أجهلك بلغة قومك" وذلك لأن تعذيب الشخص بعبادة الغير إياه معلوم الانتفاء عقلا وكذا عدم رضاء الملائكة والأنبياء بها وإذ لا دليل على رضاهم والأصل عدمه فالظاهر عدم إرادة التعميم لعدم الحاجة وأن الذين كالتقييد بقوله من دون الله لتوضيح خروجهم وبيان جهله ودفع وهو التجوز لمن أو للذي أو تجوز للتغليب لا للتخصيص من أنه خبر وذكر عدم جواز التأخير عن وقت الحاجة في محل النزاع دليل تخصيص الاختلاف بما فيه التكليف.
وخامسا: بيان وأهلك وهو عام يتناول بنيه بقوله في كنعان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، قلنا متصل لدخوله في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] أي وعد إهلاك الكفار فهو منهم ولئن سلم فبيان أن المراد أهل ديَانة لا أهل نسبة فإن أهل الرسل من اتبعهم وذلك بيان المجمل وقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ لحسن ظنه بإيمان ابنه حين شاهد الآية الكبرى.
ولما وضح له أمره أعرض عنه وذا في الأنبياء بناء على العلم البشري إلى أن ينزل الوحى غير عزيز كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [التوبة: ١١٤] فقد استغفر بناء على رجاء أن يؤمن وظن جوازه ما دام يرجى له الإيمان والعقل يجوزه إلى أن
стр. 471
يجىء الوحى فهو كقول نبينا ﵇ لعمه "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه".
وسادسا: بيان قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] بقوله تعالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢] بعد قول إبراهيم "إن فيها لوطا"، قلنا بل متصل لأن قوله: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] استثناء معنى كقوله في آية أخري ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٩] وقول إبراهيم ﵇ بعد علمه بخروجه بالاستثناء طلب لمزيد الإكرام له بتخصيصه بوعده النجاة فإن التخصيص بعد التعميم من موجبات التفخيم كما أن قول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] بعد علمه طلب للطمانينة الحاصلة بالمعاَينة المنضمة إلى الاستدلال أو خوف من عموم العذاب بشؤم المعصية.
تنبيه: هذه الوجوه تصح تمسكًا للشافعى ﵀ أيضًا في جواز تخصيص العموم لكن على الأول من وجهى مسئلة البقرة.
وسابعا: أن التأخير ليس ممتنعًا لا لذاته ولا لغيره وإلا لعرف بالضرورة أو النظر ولا ضرورة بالضرورة في محل النزاع ولا نظر إذ لو كان لكان الامتناع لجهل مراد المتكلم ولا يصلح مانعا كما في النسخ قلنا معارض إذ لا ضرورة في جوازه ولانظر إذ لو جاز لجاز لعدم المانع ولا جزم به غايته عدم الوجدان، وحله أن ليس كل واقع معلوما بأحد الطريقين ولئن سلم فعدم الدليل لا يقتض العلم بعدم المدلول بل عدم العلم به.
وثامنا: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثم بينه جبرائيل ﵇: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ثم بين تفاصيل الجنس والنصاب بتدريج وآية السرقة ثم بين اشتراط الحرز والنصاب وآية الزنا ثم بين أن المحصن يرجم ونهى ﵇ عن بيع المزاينة وهو أن يبيع التمر على النخيل بمجذوذ مثله كيله حرصا وقيل على أنه إن زاد فله وأن نقص فعلى إنه مفض إلى المزاينة أي المدافعة بالنزاع ثم رخص في العرايا وهي هو ولكن فيما دون قدر الزكاة كخمسة أوسق.
قلنا: أما بيان للمجمل كالصلاة والزكاة والربا ولا نزاع لنا فيه أو توضيح لتحقق الماهية فإن الخفية من مفهوم السرقة ولا يتحقق في التافه المبتذل كالقليل وفي غير المحرز عادة أو لعدم العذر الواجب بدلالة أنها خيانة أو نسخ بما يصلح ناسخًا كحديث الرجم إن علم تراخيه وإلا فتخصيص العام بمثله قوة كتخصيص عمومات الحدود المخرج عنها مواضع الشبهات والعرايا عندنا بيع مجازا بل بر مبتدا لأنه أن يبيع المعرى له ما على النخيل للمعرى بتمر مجذوذ لعذر طرأ بعد هبته كذا فسروه ولأن العرية العطية ولاتفاقه
стр. 472
فيما دون خمسة أوسق ظنه الراوي شرطا.
وتاسعا: أن جبرائيل ﵇ قال له ﵇: ﴿اقْرَأْ﴾ فقال ما أقرأ كرره ثلاث مرات فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فتبين المراد.
لا يقال: إنما يصح الاستدلال بالظاهر فيما ليس كهذا متروك الظاهر فإن الأمر فيه إما للفور ففيه تأخير عن وقت الحاجة فيمتنع وإما للتراخي وهو للوجوب لا الجواز إذ لا قائل بوجوب التأخير والجواز حكم يمتنع تأخيره أيضًا لأنه عن وقت الحاجة لأنا لا نعلم أن الأمر قبل البيان للفور أو للتراخي إنما صحة ذلك الترديد بعد الفهم.
قلنا كان المراد الأمر بقراءة معين لم يكن معهودا وإلا لم يسأل ما اقرأ والنسبة إلى المعينات سواسية فيكون مجملا وتأخير بيانه نجوزه للجبائي ومتابعيه في امتناع تأخيره أما في المجمل:
فالأول: لأن الجهل بصفة الشيء يخل بفعله في وقتها ولا جهل بالصفة في النسخ قلنا لا يخل ولا يضر قبل وقت الفعل وهو وقت الحاجة.
وثانيا: أن الخطاب به قبل البيان كالخطاب بالمهمل في عدم الإفهام فلو جاز ذاك لجاز هذا قيل له معنى مرجو بيانه بالآخرة بخلافه فأجيب بان المراد مهمل وضعه من لم يصطلح مع غيره لمعنى فخاطبه مريدًا إياه.
قلنا فذاك ليس لمهمل بل مجمل بالغرابة وهو أحد أقسامه فلا نعلم امتناع الخطاب به إذ هو من محل النزاع فعينه مصادرة والجواب بان في المجمل طاعة ومعصية بالعزم على فعل أحد مدلولاته وتركه إذا بين بخلاف المهمل عائدٌ إلى ذلك مع أنه تخصيص ببعض أقسام المجمل كالمشترك لا كالهلوع والأسماء الشرعية وأما في الظاهر المراد خلافه كتخصيص العام مثلا أنه يوجب الشك في كل واحدة من متناولاته هل هو مراد أم لا فلا يعلم تكليف فينتفي غرض الخطاب والكل في النسخ داخلون إلى أوانه.
قلنا المنتفي غرضه التفصيلي لا الإجمالي وهو الابتلاء بالعزم وتركه إذا فهم والجواب بأن الشك في متناولاته على البدل وفي النسخ على الاجتماع لأنه محتمل في كل زمان فكان أجدر بالامتناع فيه ما فيه للبون البين بين الشك في أصل الثبوت وبينه في الرفع بعد الثبوت مدة في حصول غرض الخطاب.
ولأبى الحسين أن تأخير مطلق البيان يوهم وجوب الاستعمال في الجميع وأنه تجهيل وإغواء فيمتنع من الشارع بخلاف تأخير التفصيلى بعد الإجمالى قلنا لا يضر إذا بين قبل وقت الحاجة ولعل الغرض هو الفعل وقت الحاجة والعلم قبله مع الداعي إلى تقديم
стр. 473
التكليف والصارف عن تقديم التبين كالابتلاء بالعزم وإمعان النظر وقد وقع مثله فيما يوجب الظنون الكاذبة نحو يد الله فوق أيديهم ونحوه تذنيبات.
١ - إذا جوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة فتأخر تبليغ الرسول إليه أجوز لخلوه من كثير من مفاسده كعدم الإفهام والإفادة أما إذا منع فاختير جوازه إذ لا استحالة بالذات ولعل لتاخيره مصلحة.
وقيل بامتناعه لأن ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] للفور والألم يفد فائدة جديدة
لأن وجوب التبليغ يقضي به العقل ورد الثالى بأنه مع إمكان أن الأمر لا للوجوب تجوزا
ولا للفور وفائدته تقوية ما يقتضيه العقل ظاهر في تبليغ لفظ القرآن لا في كل الأحكام.
٢ - إذا جوز تأخير وجوده فتأخير إسماع المخصص السمعي للداخل تحت العام بعد إسماع العام أجوز وإذا منع فالمختار جوازه وهو مذهب النظام وأبى هاشم خلافا لأبي الهذيل والجبائي.
لنا قياس الطرد أعني الدلالة الزاما على المانع فإنه إذا ثبت جواز التأخير في وجوده ثبت في إسماعه بالأولى وقياس العكس من المانع لأنه إنما منع في وجوده لبعد الاطلاع مع عدمه فيجوز في إسماعه لقربه مع وجوده ووقوعه فلأن فاطمة ﵂ سمعت:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ولم تسمع مخصصه "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (١) والصحابة سمعوا "اقتلوا المشركين كافة" مخصصه في المجوس عند من يقول به "سنوا به سنة أهل الكتاب" إلى زمان خلافة عمر ﵁.
٣ - إذا منع تأخير المخصص مع ذكر بعض المخصصات دون بعض وإذا جوز فالمختار جوازه وقيل يجب ذكر الجميع لنا مع عدم الامتناع الذاتي ووقوعه كما أخرج عن "اقتلوا المشركين" أهل الذمة ثم العبد ثم المرأة على التدريج وكذا غيرها قالوا تخصيص البعض فقط يوهم وجوب الاستعمال في الباقي وأنه تجهيل، قلنا لا نعلم امتناعه كما مر في الكل.
الخامس: أن الهجوم على الحكم بالعموم قبل التأمل فيما يعارضه من الخصوص إلى أن يجىء وقت العمل لا يجوز إجماعا كما في كل دليل مع معارضه أما العمل به قبل البحث في أن له مخصصا فممتنع خلافا للصيرفي كذا في المحصول ومختصر به ولا إجماع فيه إذ إما في عصره فلا ينعقد مع مخالفته أو قبله فهو انعقد بمعرفته أو بعده فلم يخالف فيه من بعده
стр. 474
وبعد وجوب البحث فبلغه.
قيل: بحيث يغلب معه ظن انتفاء المخصص وقال القاضي لا بد من القطع بانتفائه وكان الخلاف في أن النقلي هل يفيد اليقين وأن العام هل هو القطعي الدلالة على العموم مبني على هذا.
لنا: لو اشترط القطع لبطل العمل بالعمومات المعمول بها اتفاقا إذ الغاية عدم الوجدان، قالوا إذا كانت المسألة مما كثر البحث فيها ولم يطلع يقضي العادة بعدمه وإن لم يكن منه فبحث المجتهد يوجب القطع بعدمه.
قلنا: لا نعلم حكم القسمين فكثيرًا ما يبحث بين الأئمة أو يبحث المجتهد ثم يوجد ما نرجع به.
هذا عند مشايخنا القائلين بأن الاحتمال وإن لم ينشأ عن دليل قادح في القطع، أما عند مشايخنا القائلين بعدم قدحه إلا إذا نشأ عن دليل وهو الحق كما مر فالمختار القطع بما ذكر من قضاء العادة وقضاؤها فيما لا يوجد ما يرجع به وإلا فلا اعتماد على الدليل العقلي أيضًا لاحتمال الرجوع بظهور خطأه كما يقع كثير والإجماع على الاعتماد وهذا كله بالنظر إلى مجرد العام ونحوه.
أما بالنظر إلى القرائن الحاقة ومنها العادة العامة فقد يحصل القطع كما سلف.
المقصد الأول في بيانيّ التقرير والتفسير
فبيان التقرير توكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز أو الخصوص نحو: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ينفي أن يراد المسرع وغيره ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ينفي إرادة البعض ومثله قوله لها أنت طالق وله أنت حر وقال عنيت المعنى الشرعي وبيان التفسير بيان المجمل والمشترك وغيرهما مما فيه خفاء ففي المجمل كما مر من بيان الصلاة والزكاة والسرقة المجملة في مقدار ما يجب به القطع ومحله ومثله قوله لها أنت بائن وسائر الكنايات وقال عنيت الطلاق ولفلان طى ألف وفي البلد نقود مختلفة ففسر بإحدها وفي المشترك كما أن الإحالة في "أحلنا" كمعنى الإنزال بقرينة دان المقامة وفي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، بمعنى الإباحة بقرينة الرفث وكلاهما يصح موصولا ومفصولا في الأصح من أصحابنا وقد مر.
المقصد الثاني في بيان التغيير
وهو الاستثناء اتفاقا والشرط إلا عند السرخسي وأبي زيد إذْ عندهما الشرط تبديل والنسخ ليس ببيان لأن الشرط يبدل الكلام من انعقاده للإيجاب إلى التعليق أي إلى أن
стр. 475
ينعقد عند وجوده لا للحال فإنه رفع الحكم لا إظهار ابتداء وجوده.
قلنا: الشرط فيه تغيير من ذلك الوجه واظهار إيجاب عند وجوده فكان بيان تغيير كالاستثناء إخراج صورة عما هو المقصود ذكره له حيث بعض المفهوم لا سيما في العدد الذي لا يحتمله حقيقة ولا مجازا ولذا يصح علمًا للجنس كأسامة وإظهار لعدم تعلق الحكم إلا بعد الإخراج كما لا يدخل شىء منه تحت قوله له على ألف لو صدر عن غير المكلف.
أما النسخ فليس تغييرًا بل رفعا وإبطالا بالنسبة إلينا لكنه عند الله بيان نهاية مدة الحكم فسمي بيان تبديل للجهتين ها هنا يعلم أن تقييد المطلق كقيود الفعل ليس من بيان المغير مطلقا بل إذا اقتضى تغيير ما يوجبه الكلام لولاه إلى محتمله كما بهذين الوجهين أعني من القطع إلى الاحتمال ومن المقصود ذكره إلى نقضه وإن لم يقتضه فإن اتصل فبيان ما هو أول المقصود من المذكور وإن انفصل فتبديل القصد من المبهم إلى المعين إذ المبهم مما يصلح مرادا بدون التعيين وإن لم يلح متحققا بدونه ولا يلزم من عدم تحققه عدم إرادته إلا معه كما علم.
وهو أقسام: منها: الاستثناء وفيه مقاصد: أحدها: أنه لغة من الثني وهو الصرف واصطلاحا إن كان للمشترك بين المتصل والمنقطع أي متواطئًا فالدلالة على المخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها والمستثنى مخالف سبق عليه أحد أدواته فبالإخراج ولو تقديرًا أي من حيث التناول لولا القرينة أو صورة أو ذاتًا على المذاهب ومنع الدخول تحقيقًا أي من حيث الإرادة أو معنى أو حكما متصل وبدونه منقطع ومنفصل.
فلا بد فيه بعد التعلق من المخالفة بأحد وجهين لكونه بمعنى لكن إما بالنفي والإثبات نحو: ما جاءني القوم إلا حمارا أو زيدا وهو ليس منهم ونحوه في وجه: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] وعليه ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، إلا على قول مقاتل، وإما بعدم الاجتماع نحو: ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر، بخلاف ما جاءني إلا أن الجوهر الفرد حق وإن كان مشتركا بينهما أي لفطا وهو الحق أو حقيقة في المتصل مجازا في المنقطع كما هو الحق في صيغ الاستثناء ولذا لم يحمله جمهور العلماء عللا عند تعذر المتصل وتكلفوا في ارتكاب مخالفة الظاهر للجنسية حملا لكلام العاقل على الاتصال بقدر الإمكان.
فمن حيث القيمة مطلقًا عند الشافعى ﵀ كما في على ألف إلا ثواني أي قيمته ومن حيث المعنى المقصود في المقدرات فقط عند أبي حنيفة وأبي يوسف واعتبر محمد
стр. 476
الصورة مطلقا وخير الأمور أوساطها فلا يمكن جمعها في حدٍّ واحد وإن تحقق معنى مشترك بينهما كما مر إذ لا يكون ذلك حقيقة الاستثناء لعدم وضعه له فيقسم أولا ثم يعرف كل بما مر أو بما قال بعض أصحابنا هو المنع عن دخول بعض ما تناوله صدر الكلام في حكمه بإلا وأخواتها فهو أولى من تعريفه بالإخراج بإلا وأخواتها لا لأن إلا للصفة داخل إذ لا إخراج حيث لا يتحقق التناول بل لأن الإخراج تقديري أو صوري أو ذاتي، والمنع عن الدخول تحقيقي أو معنوي أو حكمي ورعاية الثواني أولى ولو أريد به ففيه مجازان.
وفي الثاني واحد وبما قال الغزالي ﵀ هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة قال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول لأنه إن أراد بالصيغ ألفاظ أدوات الاستثناء كما ظن كان تعريفا لفطا لا حقيقيا ولا سيما والمطلوب في الأصول هما وعن هذا أنه قد يمتنع جمعهما في حد وإن قيل بالتواطؤ وإن أراد معانيها فلا بد من تفسير الدلالة بالوضعية كما هو المتعارف لئلا يرد نحوها جاءني القوم ولم يجيء زيد فإن لزوم عدم إرادته من الكلام الأول عقلي لا وضعي إذ لم يوضع نحو لم يجىء إلا للنفي.
ولذا جاز لم يجىء القوم ولم يجىء زيد ومن القول بإنه تعريف جنس من الاستثناء من حيث عمومه لئلا يرد أن كل استثناء ذو صيغة لا ذو صيغ إذ المتعارف صدق التعريف على كل فرد مع أن في فيه نظرا هو أنه لا يمنعه من الصفة نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، لأن لا دلالة وضعية على ذلك بخلاف أكرم الناس إن لم يكونوا جهالا وإن ادعى عدم دلالته حين استعارته للوصفية وإلا خص انه إخراج بحرف وضعت له وأنه تعريف ليس بلفظي.
ثانيها: في أنه لا تناقض فيه وان توهم أن في على عشرة إلا ثلاثة اثباتا للثلاثة في ضمن العشرة ونفيا لها صريحا كيف وأنه واقع في كلام الله نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وإنما يحتاج إلى دفعه في الإخبار لجواز النفي بعد الإثباتَ وعكسه في الإنشاء.
كما في دليل الخصوص والنسخ ففيه وجوه:
١ - أن المراد بالعشرة السبعة مجازًا والاستثناء قرينته ولا يرد عليه ما مر أن الأعداد أعلام أجناس ولا تجوز فيها إذ الممنوع الاستعارة ولئن سلم فالعلم عدد لا يراد به معدوده ولذا يتصرف اخذت عشرة من الدراهم ولأنها ليست جزءًا مختصا ليلزمها فيصح التجوز لأن كل عدد جزء لكل مما فوقه إذْ الاختصاص يطلب إطلاق الجزء على الكل
стр. 477
كعين الرئية وإلا فالجزء لازم ولا أنه يؤدي في نحو اشتريت الجارية إلا نصفها إلى استثناء الشيء من نفسه أو إلى التسلسل.
فإن استثناء النصف من النصف يوجب إرادة الربع ومن الربع ارادة الثمن وهلم جرا هذا الاستثناء من حيث التناول لولا القرينة فالمفهوم قبلها هو الكل لا من حيث إرادة المعنى المجازي فإنها بعد الإخراج ولقام القرينة لا قبلهما فالذي أطلق مجازا على نصف الجارية هي الجارية المقيدة لا المطلقة كاشتريت جارية نصفها للغير فما لم يتم التقييد لقيام القرينة يكون الملاحظ المعاني الوضعية فلذا يرجع الضمير إلى كمال الجارية ويتحقق أن الاستثناء إخراج بعض من كل كما أجمع عليه وأن العشرة نص في مدلوله وأن فيه رعاية وضع الإخراج والمخرج والمخرج عنه وليس مثله جعلوا الأصابع في آذانهم إلا اصولها كذلك لأن الاستثناء وإرجاع الضمير بعد تمام القرينة.
٢ - قول القاضي أن المجموع موضوعٌ بإزاء السبعة فلها مفرد ومركب يريد به أنه موضوع وضعًا نوعيًا والمعاني الإفرادية ليست مهجورة في الموضوعات النوعية فلا يراد أنه خارج عن قانون اللغة إذ الأمر مركب مزجي فيها عن ثلاثة ولا مركب اعرب جزؤه الأول وليس بمضاف ولا مشبه به نحو اثني عشر ولا انه لإخراج ولا نصوصية للعشرة في مدلولها حينئذ ويرجع الضمير إلى بعض الاسم ويقصد بجزء من المفرد الدلالة على جزء معناه لأن امتناع جميع ذلك في الأوضاع الشخصية أما النقض بنحو برق نحوه وأبي عبد الله فليس بشيء لأن الأول من باب الحكاية الغير المقصود التركيب فيه بل نثره نثر أسماء العدد وليس ما نحن فيه كذلك والثاني فيه مضاف وهذا في التحقيق عين ما يقال مراده التعبير عن السبعة بلازم مركب نحو أربعة ضمت إليها ثلاثة كالتعبير عن الإنسان لمجموع مستوى القامة الضاحك بالطبع أو بمجموع الحيوان الناطق عقلا والبدن النفس خارجًا فارتضاء أحدهما وازراء الآخر يفضي إلى خلاف الأطر الفارقة ولا ريب أن اعتبار المقيد في ذاته لكونه مقيدا في نفس الأمر غير اعتباره من حيث هو مقيد وغير اعتبار المجموع فيه يحقق التقابل بين المذاهب.
٣ - أن المراد من كل حقيقته والإسناد إلى العشرة بعد إخراج الثلاثة منها والفرق بين المذاهب الثلاثة من وجوه:
١ - ما ذكر.
٢ - أن المستثنى منه مجاز على الأول دون الأخيرين.
стр. 478
٣ - ما قيل إن في الأول إيجابا وسلبا بالمنطوق لأن الاستثناء لا يصلح قرينة لارادة السبعة بالعشرة إلا إذا نفي الثلاثة منها ولا حكم في الأخيرين بالنفي أو الإثبات في المستثنى بل مجرد دلالة على مخالفته لحكم الصدر وهي أعم من الحكم عليه بنقيض حكمه فرق بينهما بأن تلك الدلالة في الثاني بمفهوم العلم في العددي لأن العدد كالعلم خاص بمفهومه وبفهوم الوصف في غيره؛ لأن معنى جاءني القوم إلا زيدا جاءني غير زيد منهم، وفي الثالث بإشارة الإخراج قبل الإسناد لكن لا نقتضي الحكم بالنقيض كما في الأول؛ لأن الإخراج هنا قبل الحكم وثمة بعده؛ لأن القرينة سياقية فالثالث أوكد في تلك الدلالة لأن الإشارة طريق اتفاقي واضح.
ثم قيل ميل الشافعي إلى الأول ولذا جعله من النفي إثباتًا ومن الإثبات نفيا وتخصيصًا غير مستقل بطريق المعارضة ويعني بها إثبات حكم مخالف للسابق.
ومشايخنا مالوا إلى الأخيرين ولذا جعلوه تكلما بالباقي بعد الثنيا أي المستثنى إما تعبيرًا عنه بالمجموع أو بالعشرة المقيدة بإخراج الثلاثة وبيانًا مغيرًا لا تخصيصًا فقالوا بالإثبات في المستثنى في كلمة التوحيد بالإشارة على الثالث إذْ لو لم يكن حكم المستثنى خلاف حكم الصدر لما خرج منه لا على الثاني؛ لأن التخصيص بالعلم أو الوصف لا يقتضي النفي عما عداهما عندهم بل بضرورة أن وجود الآلة كان ثابتا في عقولهم وقد نفي غيره.
وبعضهم مالوا في غير العددي إلى الثالث فقالوا بإثبات حكم في المستثنى مخالف للصدر بطريق الإشارة بشهادة العرف وبنوا ذلك على أن المستثنى كالغاية، وفي العددي إلى الثاني حتى قالوا في إن كان في إلا مائة فكذا ولم يملك إلا خمسين لا يحنث لأن معناه إن كان في فوق المائة فلم يشترط وجود المائة وفي ليس له على عشرة إلا ثلاثة لا يلزمه شيء كأنه قال ليس له علي سبعة.
وفيه نظر من وجوه:
١ - أن بيان عدم إرادة الثلاثة يكفي قرينة لإرادة السبعة ولا يلزم إرادة عدم الثلاثة.
٢ - أن دلالة الاستثناء على مخالفة حكم الصدر في الخارج ممنوعة وفي العقل بمعنى أن ليس فيه حكم الصدر مسلمة لكن لا تقتضي حكمًا بخلافه من الإثبات أو النفي لا بالعبارة ولا بالإشارة فإن الأخص لا يلزم الأعم فلا يتم الإشارة المذكورة ولو في كلمة التوحيد، وقوله: إذْ لو لم يكن إلخ لا يفيد الحكم بالنقيض إذ يكفي للخروج عدم الحكم السابق.
стр. 479
٣ - أن الإخراج لو أفاد بالإشارة الحكم بالنقيض لأفاد في كلا القولين الأخيرين لأن الإخراج بحسب الصورة والذات لا بحسب المعنى والحكم متحقق فيهما كما مر كيف والمدلول بالإشارة لازم المنطوق فلو كان حاصلا كان مطرد اللزومة، فكان مذهبنا مثل مذهب الشافعي ولم يكن أيضًا عنده منطوقًا مع ما عرفت أن بيان منطوقيته غير تام.
٤ - أن فرق البعض بين العددي وغيره غير مسلم فإن كون المستثنى كالغاية لا يقتضي الإشارة المذكورة لأن شأن الغاية إنهاء الحكم بخلافه ومرادهم بما ذكروا في ذلك لزوم هذا الأخص من ذلك الأعم بحسب المقام كما تحقق ولئن سلم فكونه كالغاية لا يفرق بين العددي وغيره وكذا المسألتان.
أما الأولى: فلما كان معناها إن كان في فوق المائة بدلالة العرف كان المستثنى ما دون ما فوقها وذلك موجود كالخمسين ولو سلم فعدم اشتراط وجود المائة من خطران حيث سرى من المستثنى منه في المستثنى حتى لو قال والله ما كان في إلا مائة وجب وجودها.
وأما الثانية: فلا اختصاص فيها بالثاني؛ لأن إسناد ليس إلى العشرة بعد إخراج الثلاثة عنها كاف في ذلك ثم إذا لم يلزم ثبوت الثلاثة كان مؤيدا لما قلنا من عدم الإشارة بحسب اللفظ هذا.
ولله الملك العلام، در التحقيق في هذا المقام، وذلك في فوائد سمح بها الألمعي من مهرة الفحول، ولعمري أنها تنسمت من مهب قبول القبول.
١ - أن مرجع القول الثالث إلى أحد الأولين إذ لا ريب أن العشرة مثلا أطلقت أو قيدت ليست حقيقة في السبعة مع لنها مرادة فإن أطلق فيها مجرد العشرة المقيدة كنحو: أربعة ضمت إليها ثلاثة كانت مجازًا وإن أطلق المجموع على أنه تعبير ببعض لوازمها كجذر التسعة والأربعين ونصف الأربعة عشر على طريق قوله: بنت سبع وأربع وثلاث، كانت حقيقة إذ التعبير عن الشيء بلازم حقيقته باعتبار أنه الذي يصدق عليه ليس مجازا فلا خروج عنهما.
وأقول بعد أنه أقرب إلى الثاني لأن اعتبار المقيد من حيث هو مقيد أقرب إلى اعتبار المجموع من اعتباره في ذاته وهو مقيد ولذا حكموا عليهما بأنهما حقيقة فيهما واشتركا في ظهور كونهما تكلما بالباقي بعد الثنيا يفهم من هذه الفائدة أن الأخيرين بل الثلاثة مشتركة في الإفادة بالإشارة أو الضرورة أو كونه بمعنى الغاية وفي الإخراج الصوري والبيان المعنوي وفي عدم التعرض للحكم بنقيض حكم الصدر كما يجب.
стр. 480
نعم لو بنى على القول بمفهوم الصفة للمستثنى فإن الاستثناء في محل الصفة للمستثنى منه اعتبر قرينة أو جزءً أو قيدًا لكان شيئًا.
٢ - أن الاستثناء كان من النفي أو الإثبات لا يدل على المخالفة في النسبة الخارجية بل النفسية فإن كان مدلول الجملة هي النفسية فالمخالفة في المستثنى عدم الحكم النفسي فيه لا الحكم بخلافه وإن كان مدلولها الخارجية فالاستثناء إعلام بعدم التعرض لها والسكوت لا بالتعرض لعدمها.
أقول: وكل من الأوليين أعم فلا يلزمه الأخص إلا بحسب خصوصية المقام كما أن السكوت عن الإثبات يسئلزم نفي الحكم بالبراعة الأصلية وعن المسلب قد يستلزم إثباته كما إذا علم ثبوت حكم لعدة قلب عن غير المستثنى علم ثبوته في المستثنى بالاستصحاب نحو ما قام القاعدون لمقدم عمرو إلا زيد وعليه وضع الاستثناء المفرغ ومنه كلمة التوحيد أو يقال أفادتها الإثبات بالعرف الشرعي لا اللغوي.
ولذا يندفع تشكيك الإمام الرازي ﵀ أن المقدر فيها إن كان الموجود لم يلزم عدم إمكان إله غيره وإن كان الممكن لم يلزم منه وجود ذات الله تعالى بل إمكانه إذ يلزم عرفًا وإن لم يلزم لغة وهذه الوجوه هي مجمل الإشارة المقولة فيه وفي الغاية التي بها التوفيق بين الإجماعات الأربعة:
١ - إفادة القصر بما وإلا.
٢ - أنه إخراج.
٣ - أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا.
٤ - أنه من النفي إثبات وبالعكس.
٥ - أن هذا في الخبر أما فيما هو عدة الأحكام وهو الطلب فلأنه يدل إما على طلب تحصيل النسبة النفسية كإكرام الناس في أكرمهم أو لا تكرمهم إلا زيدًا في الخارج كالأمر والنهي وبالعكس كالاستفهام فالاستثناء بعده دل على انتفاء النسبة النفسية التي بين المستثنى منه وما نسب إليه في المستثنى لا على طلب دخصيل خلافها خارجًا فلا دلالة على المخالفة في الخارجية أصلا لكن في النفسية فبعد الثبوت يفيد عدم الحكم النفسي فيه وبعد النفي ثبوته لكن عقلا لأن النفي العام إنما هو بعد تعقل الثبوت العام وحين نفي عقلا عن غير المستثنى بقى الثبوت له فيه.
تنبيه: كفى كرامةً للحنفية اعتراف أفضل متأخريها بأن لا تعرض في الاستثناء للحكم بالنقيض ومنه يلزم عدم التعرض في الوصف أيضًا لأنه في معناه، ثالثها في أدلة المذهبين.
стр. 481
لنا: في أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا أي استخراج صوري وبيان معنوي أن المستثنى لم يرد لا نحو قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] لأن سقوط الحكم بالمعارضة حالي انشائي فلا يتصور في الإخبار عن الخارج لا سيما عن الماضي وفي العدد بخلاف الإنشاء والأصل خلاف التجوز.
وثانيا: اجماع أهل اللغة أنه استخراج أي صورة وتكلم بالباقى الثنيا أي معنى كما مر.
وثالثا: أنه بخلاف النسخ لا يستغرق أي لا يجوز استثناء الكل عن الكل ولو فيما يصح الرجوع عنه كأوصيت بثلث مالي إلا ثلث مالي يثبت الوصية وطريق المعارضة يقتضي استواء البعض والكل كالنسخ ولا وجه للفرق بآدائه في الاستثناء إلى الناقض لا في النسخ وإلا لأدى إلى استثناء البعض أيضًا لأن اختلاف الزمان مشترك إذ تخلل العمل ليس بلازم للاختلاف.
ورابعا: أنه بخلافه لا يستقل كصدره وشرط المعارضة التساوى في القوة كالنسخ أو فهو تبع له والتبع لا يعارض أصله إجماعا.
وخامسا: أنه لوكان معارضًا كان التكلم بالصدر باقيا حكما بصيغته بقاء المشركين بعد تخصيص أهل الذمة ولذا كان منتهى تخصيص الجمع ثلاثة والمفرد واحدا والعشرة في السبعة غير باقية بحقيقتها.
قيل: وليصر مجازا قلنا خلاف الأصل فلا يعدل إليه إلا لضرورة انتفت بجعله تكلما بالباقي، قيل عدم بقاء حكم الصيغة مشترك مع ذلك.
قلنا: إنما يطلب بقاؤه لتقابله المعارض أما بالشيء بلا حكم ولا انعقاد له فسايغ شايع كطلاق الصبي وكل ممتنع بعد لمانع، قيل فليكن بعد المعارضة كذلك قلنا ما قلناه مرجح بأنه حقيقة بلا ضرورة صارفة.
وسادسا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] فمعناه ليس له ذلك عمدا لا أن له ذلك خطأ لحرمته بناء على ترك التروي ولذا وجبت الكفارة والخصم يحمله على المنقطع فرارًا عنه ولو صح في المفرغ فالأصل لمتصل.
فرع: بعت هذا العبد بألف إلا نصفه بيع النصف بألف لدخوله في المبيع لا الثمن وعلى أن في نصفه بيع النصف بخمسمائة لأن على شرط معارض لاستقلاله ولأنه في المعنى ليس شرطا بل بيع شيء من شيئين فيعتبر الإيجاب السابق إلى أن يقع البيع من المشتري ومنه والبيع من النفس صحيح إذا أفاده فالتقسيم هنا فيدخل ليخرج بقسطه من الثمن كمن اشترى عبدين بألف أحدهما ملكه وكشرى رب المال مال المضاربة ليفيد
стр. 482
ولاية التصرف بخلاف الشرط الغير المعارض نحو إن كان في نصفه حيث يبطل العقد فالمسألة افادت أصولا.
١ - الفرق بين الاستثناء والشرط وإن شملهما بيان التغيير.
٢ - الفرق بين الشرطين بالابطال وعدمه بالاعتبار لمعناه وهو بيع شىء من شيئين.
٣ - صحة البيع من نفسه إذا أفاد وللشافعي ﵁ في أنه إخراج لبعض ما حكم عليه في الصدر وتخصيص بالمعارضة.
أولا: أن إعدام التكلم الموجود إنكار للحقيقة بخلاف التكلم مع عدمه في البعض قلنا ليس إعداما بل لكونه حقيقة أولى.
وثانيا: إجماعهم على أنه من النفى إثبات وبالعكس فلنا مرادهم بالإثبات عدم النفى وبالعكس إطلاقا للخاص على العام ولئن سلم فتعارض الإجماعين يدفع بأنه استخراج صوريّ في الأفراد وتكلم بالباقي في الحكم لما مر أن المجموع عبارة يصلح لذلك ونفى وإثبات بإشارته بحسب خصوصية المقام أو العرف لعدم ذكرهما قصدًا بل لازمًا عن كونه كالغاية المنهية للوجود بالعلم وبالعكس لكن في ذلك المقام لا مطلقًا لما مر من قوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ ولما سيجيء من نحو "لا صلاة إلا بطهور".
وثالثًا: دلالة الإجماع على أن لا إله إلا الله كلمة توحيد ولو من الدهري ولا يحصل إلا بالإثبات بعد النفي قلنا لإشارته بالوجهين ولأن الأصل في التوحيد التصديق القلبي لا الذكر اللساني اكتفى بعد النفي قصدًا إنكارًا لدعوى التعدد بالإشارة الغير المقصودة في الإثبات لأنه كلما يذهب إلى النفي بالكلية والحكم بإسلام قائله بناء على الأغلب عملا بظاهر الحديث ويمكن أن يجعل تكلما بالباقي ونفيا لا لمطلق الألوهية بل لها عن غير الله تعالى ويكون الاستثناء منقطعا فيكون كل من النفى والإثبات مقصودا لطيفة سلكها بعض أصحابنا لإبطال أن كل استثناء من النفي إثبات هي أنه لوكان إثباتًا لاستلزم قولنا "لا صلاة إلا بطهور" كل صلاة طهور ثابتة أي جائزة لوجهين:
١ - أن خبر لا محذوف أي لا صلاة ثابتة إلا صلاة بطهور فالمستثنى نكرة موصوفة في سياق الإثبات مقصود بها الجنس وقد عرفت في بحث العام لنها عامة لا سيما بعد النفي نحو لا أجالس إلا رجلا عالمًا حيث يشمل الإباحة رجل عالم فلا يحنث بمجالسة أي فرد واحد فصاعدا منه.
ومنه علم أن مثل هذا العموم للاستغراق بخلاف لأكر من رجلا عالمًا أو ما كتبت إلا بالقلم وإذا عمت وقد حكم عليها بالثبوت حصل كل صلاة مقترنة بطهور ثابتة.
стр. 483
٢ - أن النفي شامل لكل فرد فكذا إيجابه إلا فالبعض لا يكون مقترنة بطهور فالمعنى إلا كل صلاة مقترنة بطهور وقد حكم عليها بالثبوت وأما صلاة فاقد الطهورين فليست صلاة بل تشبها بها إذ الكلام فيما هو شرط ولو كان معناه لا صلاة بغير طهور لم يلزم شيء فلما ثبت العموم فلوجهين لم يرد أن رفع السلب الكلي إيجاب جزئي فلا يلزم إلا جواز شيء منها حال الاقتران بالطهور لأنه المراد به أما بعض المقترنة بالطهور فلا نعلم كفايتها في اللزوم أو بعض مطلق الصلاة فلا ينافي العموم الذي ادعيناه ولا أن اللازم أن كل صلاة بطهور صلاة لأن المسلوب في صدر الكلام الثبوت والجواز فكذا المثبت في عجزه وبأن المنفي الجواز علم إن انتفى على حقيقته فلا يحتاج إلى التأويل بالمبالغة أو بأن سائر صفاتها لم يعتبر بالنسبة إليه أو بأن المنفي ما زعم المخاطب ثبوته كصحة الصلاة بغير طهور وقولنا في لا أجالس إلا رجلا عالما له أن يجالس كل عالم ليس إثباتًا بعد النفى بل ذلك بالإباحة الأصلية وبإفادة المقام إياها.
فروعه: جعل الشافعي معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فلا تجلدوهم واقبلوا شهادتهم وأولئك هم الصالحون فقبل شهادته لأن ردها من حقوق الله تعالى فيكفي في سقوطه التربة كشرب الخمر بخلاف جلد القذف فإنه حق العبد خالصا عندنا وغالبا عنده.
ولذا يجري فيه التوارث ولا عفو عنده فلا يسقط بمجرد التوبة إلى الله كالمظالم بل وإلى العبد بان يعتذر حتى يعفو فيسقط كالقصاص، وقوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء متساويين" (١).
فعمم صدر الكلام في القليل والكثير؛ لأن المعارضة في المكيل خاصة كـ ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فإن عفو المطلقة قبل المس وقد فرض لها تختص بالعاقلة الكبيرة فالمجنونة والصغيرة تحت حكم الصدر وأسقط في على ألف درهم إلا ثوبا قدر قيمته كما مر؛ لأن دليل المعارضة يجب العمل به في المذكور ما أمكن لكونه كلاما برأسه لا كما لو كان قيدًا مستخرجا.
ولذا قال النسفي ﵀ هذا من ثمرة ذلك الاختلاف يعني لاقتضائه الجنسية
стр. 484
المصححة للحمل على الاتصال هذا ويمكن تخريجها عنده على أصول أخر، ومن الجائز توارد التخريجات على مسألة فلا بحث فيه.
فالأولى على أن الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى الجميع أو على أن أولئك الفاسقون في معنى التعليل لعدم القبول وسنبطلهما بأن الرد ثابت بضرورة عدم استقلاله وقد اندفعت بالأخيرة وأن الواو يمنع التعليل والثانية على أن القليل باق عن المستثنى فلئن جعل تكلمًا بالباقي اندرج تحت النهي أيضًا. قلنا: إلاسواء كـ ألا يعفون استثناء حال مفرغ من العام المقدر مجانسًا لعدم المجانسة ظاهرًا والأحوال المقدرة من المجازفة والمفاضلة والمساواة مختصة بالكثير الداخل تحت القدر ولا يقدر بحيث يندرج القلة والكثرة تحتها لأن ذا تعميم فوق الضرورة الداعية إلى التقدير فلا يجوز لما عرف في الجامع وكذا ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] تكلم بالباقي مثله غير أن حالة العفو تستدعي أهلية العافية له وقال أبو زيد منقطع لأن الوجوب الثابت بالصدر لا ينتفي بالعفو بل العفو بعده وعن هذا كما قال بعض مشايخنا بأن الاستثناء في ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] متصلٌ لكنه يرجع إلى الأخيرة كما مر أو مفرغ والتقدير إلا حال توبة الذين تابوا وفيه تكلف.
قال بعضهم: منقطعٌ قال أبو زيد: لأنه لا إخراج عن الحكم المذكور وهو أن من قذف صار فاسقا إذْ معناه أن من تاب لا يبقى فاسقا وفخر الإِسلام ﵀ لأن التائب ليس بفاسق؛ فلا تناول وهذا بناء على أن الصفة مجاز في الماضي فيصح نفيه.
وقيل: لأن الفسق لازم القذف والتائب قاذف فيكون فاسقًا في الجملة وإن لم يمكنه في الحال فلا إخراج وهذا بناء على كونها حقيقة في الماضي وهو المذكور في العفو والفرق بين الأول والأخيرين أن المستثنى منه فيه هو أولئك وفيهما الفاسقون فاعترض عليه بأن الإخراج يتحقق لو أريد الفاسقون دائمًا وليس بشيء لأنه خلاف الظاهر بل بعيد لأن الشرط لا يستدعيه وعليهما بأن الاستثناء عن المحكوم عليهم وهم الرماة لا الحكم بالفسق والتائبون بعضهم نحو القوم منطلقون إلا زيدا.
ورد بأن شرط المتصل تناول الحكم للمستثنى على تقدير السكوت عنه ولا يتناول التائب الفاسق أصلا إن أريد الفاسق دائما ويتناوله إن أريد الفاسق في الماضي أو في الجملة ولا يصح إخراجه.
لا يقال المراد الفاسق حقيقة وهو الفاسق في الحال لأنه لا يتناول التائب كالفاسق دائما وهذا هو مراد فخر الإِسلام ﵀ في الحقيقة لا كونه مستثنى من الفاسقين
стр. 485
ومن ذهب من أصحابنا إلى أنه متصل ينظر إلى تناول لفظ أولئك والحكم بالفسق باعتبار الدلالة اللغوية ولا ينافيه عم التناول شرعا بقوله ﵇: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١) أو بالإجماع كقولنا خلق الله كل شيء إلا ذاته وصفاته أو نقول عدم التناول الشرعي مستفاد من دلالة هذا الاستثناء والحديث مبين له وربما يقال المرتفع بالتوبة عقاب الفسق لا نفسه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له لا عينه ونظيره إلا ما قد سلف فإن المرتفع ليس حرمة الجمع السالف بين الأختين بل عقابه بالعفو والثالثة على أن الأصل المتصل فلا يصار إلى المنقطع ما أمكن قليس من ضرورة إلزام القيمة كونه للمعارضةكما في المقدرات عند غير محمد وزفر.
قلنا: منقطع لعدم المجانسة ولا معنى بخلاف المقدر كالمكيل والموزون والمعدود المتقارب للمجانسة المعنوية من حيث الثبوت في الذمة ثمنا وحالا ومؤجلا وجواز الاستقراض وهذه الأحكام الشرعية أثر الجنسية الحلقية ولذا يقال النقدان مخلوقان للثمينة فهذه تبين حكم الشرع من حكم اللغة الناظرة على الخلقة لا عكسه كما وهم ولجنسيتهما من وجه لم يجز بيع أحدهما بالآخر نسيئة وإن جاز حالا لأن ربا النقد كمال الفضل فيترتب على كمال الجنسية.
رابعها: أنه يشترط فيه كما مر في مطلق بيان التغيير الاتصال لفظًا أو حكمًا فلا يضر قطعه بتنفس وسعال ونحوهما مما لا يعد انفصالا عرفًا وروي عن ابن عباس ﵁ صحة الانفصال إلى شهر وقيل مطلقًا بنية الوصل وعليه حمل مذهب ابن عباس ﵁ وإلا فبعيد وقيل يصح في كتاب الله خاصة.
لنا قوله ﵇ وليكفر عن يمينه حيث لم يقل فليستثن أو يكفر مع كونه اسهل الطريقين والإجماع على لزوم إحكام الأقارير والطلاق ونحوها من غير أن يوقف على الاستثناء بعد.
وأيضًا يؤدي تجويزه إلى أن أن لا يعلم كذب لجواز أن يصيره الاستثناء صدقا أو بالعكس.
стр. 486
قالوا أولا: قال ﵇: "لأغزون قريشا فسكت ثم قال إن شاء الله" (١).
قلنا لعله سكوت ضرورة من تنفس أو سعال فيحمل عليه جمعا بين الأدلة.
وثانيًا: قوله ﵇ حين سأله اليهود عن مدة لبث أصحاب الكهف فقال غدا أجيبكم فتأخر الوحي بضعة عشر يوما ثم نزل ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] فقال إن شاء الله ولا كلام يعود إليه الاستثناء إلا قوله أجيبكم وهو استثناء عرفا ولأنه في معنى إلا أن يشاء الله.
قلنا: بل يعود إلى مقدار متعارف مثله أي فعل تعليق ما أقول بأني فاعله غدا بالمشيئة إن شاء الله أو أذكر ربى إن شاء الله وأذكر هذه الكلمة وإذا قدر أذكر فالأول أولى لقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
وثالثا: أن قول ابن عباس رض الله عنه متبع لكونه ترجمان القرآن ومن المشهود له بالبلاغة. قلنا: محمول على ما مر من سماع دعوى نيته أو على أن الإتيان بعد شهر بالعبارة الصحيحة نحو بلى فاعل غدا إن شاء الله امتثال للأمر المستفاد من نهي الآية أو لقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ [آل عمران: ٤١] ولمن خصه بكتاب الله.
أولا: أن غير أولى الضرر نزل بعد ما نزل ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] بزمان قلنا بيان تبديل لأنه تقييد للمطلق متراخيا.
ثانيا: أن القرآن اسم للمعنى فقط فلا يضر في وصله فصل اللفظ قلنا لا نسلمهما فإن كونه عربيا ومعجزًا ومخالفته للقراءة الفارسية في الأحكام آية أنه اسمهما مع أن الأدلة غير فاصلة.
تعميم: ولشمول شرط الوصل كل بيان مغير لما يوجبه الكلام لولاه وكونه أعم مما مر لوجوده في الصفة والحال والاستدراك وغيرها.
قلنا لو قال لزيد على ألف وديعة يصدق موصولا فقط لأنه تغيير لحقيقة وجوب الألف إلى مجاز لزوم حفظه على حذف المضاف أو إطلاق اسم المحل على الحال فإن الدراهم محل الحفظ، ولو قال أسلم إليّ في بُرّ أو أسلفنى أو أقرضنى أو أعطاني ولكن لم اقبض يصدق موصولا في الأصح لجواز استعارتها للعقد وليس برجوع لكن شرط الوصل
стр. 487
استحساني نظرًا إلى حقائقها يقتضي القبض والقياس لا يفصل الفصل من الوصل لأنها عقود شرعا فكان نحو اشتريت منه فلم اقبض بيان تقرير وكذا دفع إلى أو نقد لكن لم اقبض عند محمد ﵀ لشيوع الاستعارة له كالإعطاء إطلاقا لاسم المسبب خلافًا لأبي يوسف ﵁ لاختصاصهما بالتسليم لغة وشرعا بخلاف الإعطاء المستعمل بمعنى الهبة فكان رجوعا فلا يقبل أصلا.
وكذا عندهما لو أقر به قرضًا أو ثمن مبيع وقال هو أو وهو زيوف فلتنوع الدراهم لم يكن رجوعا ولغلبة الجياد حتى تنصرف عليها مطلقا صار الزيوف كالمجاز فكان تغييرا والإمام ﵀ يجعله رجوعا لأن الزيافة عارضة وعيب لا يحتملها مطلق الاسم فلا يقبله مطلقا كدعوى الأجل في الدين والخيار في البيع؛ لأن مقتضى مطلقهما الحلول واللزوم.
ولو قال على ألف من ثمن جارية باعينها لكنى لم أقبضها لم يصدق عنده أصلا سواء صدقه في البيع أم لا بل ادعى الالف مطلقا أو من جهة أخرى كالقرض والغصب لأنه رجوع فإن إنكار القبض في غير المعين ينافي الوجوب وقالا يصدق مع التصديق في البيع وإن فصل لثبوته حينئذ بتصادقهما وليس إقرارًا بالقبض ومع التكذيب فيه إن وصل لأنه تغيير من جهة أن الأصل في البيع وجوب المطالبة بالثمن وعدم قبض المبيع محتمل البيع لا من العوارض.
قلنا: وجوب الثمن لمبيع لا يعرف أثره دلالة قبضه ولذا يقال غير المعين كالمستهلك والدلالة كالصريح.
خامسها: أن الاستثناء يجرى في اللفظ لا في الفعل خلافًا لأبي يوسف فإذا أودع الصبي العاقل الحجور عليه شيئًا فاستهلكه يضمن عنده لتنوع التسليط إلى الاستحفاظ وغيره كالإباحة والتمليك والتوكيل والنص على الحفظ جعل غيره وعدم ولاية الصبى عليه لا يبطله؛ لأن الاستثناء تصرف للناطق على نفسه فيثبت الاستحفاظ لكن لا يتعدى إلى الصبى لعدم الولاية عليه فانعدم، وصار كالملقى على الطريق فيؤاخذ به؛ لأنه ضمان فعل كما قبل الإيداع، وفالا: الاستثناء كم اللفظ والتسليط فعل كيف وهو مطلق لا عام إذ لا عموم للفعل.
ولئن سلم فالأمر بالحفظ قول ليس من جنس الدفع فيكون منقطعا معارضا له إن صح شرعا مثل قول الشافعي ﵁ في المتصل لكن لا يصح إذ ليس المخاطب من أهل الالتزام بالعقد فيبقى تسليطا مطلقا فلا يضمن بالاستهلاك كما بتضييع الوديعة.
стр. 488
سادسها: من شرطه أن يكون مما أوجبه الصيغة قصدا لا مما يثبت ضمنا لأنه تصرف لفظي ففيمن وكل بالخصوصية غير جائز الإقرار عليه أو على أن لا يقر عليه يبطل عند أبي يوسف لكون الإقرار مملوكا له لقيامه مقام الموكل لا لأنه من الخصومة ولذا لا يختص بمجلسها فيثبت بالوكالة ضمنا لا قصدا فلا يصح استثناؤه ولا إبطاله ليعارضة الشرط بل بالعزل عن الوكالة وقال محمد يصح الاستثناء إما لتناولها اياه بعموم مجازها وهو الجواب وقد انقلب حقيقة شرعيته ديانة إذْ المهجور شرعًا كالمهجور عادة فالحق بها فكل من الاستثناء والتقييد تغيير فصح بشرط الوصل لا منفصلا إلا أن يعزله أصلا لا عن الإقرار فقط لكون ذكره حكمًا للوكالة بخلاف من وكل بيع عبدين حيث لا يصح استثناء أحدهما منفصلا ويصح العزل عن بيع أحدهما وإما للعمل بحقيقة الخصومة لغة فإن الإقرار مسألة لا يتناوله فصح بيان تقرير وصلا وفصلا وهو مختار الخصاف أما استثناء الإنكار فقيل لا يصح اتفاقا إذْ حقيقته عينه ومجازها إما عينه أو إقرار بتبعه ولا تبع مع عدم المتبوع والأصح أنه على الخلاف أيضًا لكن على الطريق الأول لمحمد ﵀ لأن مجازها شامل لهما لا عين شيء منهما فيصح استثناء أحدهما لا على الثاني إذ ليس عملا بالحقيقة بوجه ولا يصح عند أبي يوسف ﵀ لا لدليل الإقرار بل لأن الإنكار عين الخصومة قصدا والتبع لا ينفك عن المتبوع فيكون استثناء الكل من الكل.
سابعها: أن استثناء الكل أو الأكثر منه باطل اتفاقا كان بلفظه أو بما يساويه مفهوما لا وجودا فيصح عبيدى احرار إلا هؤلاء لاحتمال الكلام بقاء ما يكون عبارة عنه لا إلا عبيدي أو مماليكي والأكثر على جواز المساوي والأكثر وقالت الحنابلة والقاضي أو لا يمنعها فيجب أن يبقي أكثر من النصف.
وقال ثانيا بمنعه في الأكثر خاصة، وقيل: بمنعهما في العدد الصريح لا في نحو أكرم بني إلا الجهال وهم ألف والعالم واحد لكفاية الاحتمال.
لنا أولأ وقوعه نحو: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وهم الأكثر لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وكل غير مؤمن غاو فالمساوي أولى.
وثانيا: صحة أن يقال: "كلكم جائع إلا من أطعمته" (١) وقد أطعم الأكثر كيف وهو
стр. 489
وارد في الحديث القدسى أورده الترمذي ومسلم ولكونه آحادًا لم يتمسك بوقوعه.
وثالثا: دلالة إجماع فقهاء الامصار على إلزام الواحد على من قال على عشرة إلا تسعة لمشترطي الأقل أن الاستثناء إنكار بعد الإقرار خالفناه في الأقل لأنه قد ينسى فبقي غيره.
قلنا: لا نعلم بل تكلم بالباقي ولو سلم فليجز باتباع أدلتنا أما استقباح على عشرة إلا تسعة ونصفا وثلثا فلا يقتضي عدم صحته بل ذلك للتطويل بل مع إمكان الاختصار.
ثامنها: الاستثناء بعد الجمل المتعاطفة لا نزاع في إمكان رده إلى الجميع والأخير بل للظهور فعندنا إلى الأخيرة وعند الشافعي ﵁ إلى الجميع كالشرط وقال القاضي والغزالي بالوقف بمعنى لا أدري وعليه ابن الحاجب ﵀ والمرتضى بالاشتراك فهم كالحنفية في الحكم وهو عدم الرد إلى غير الأخيرة بلا قرينة لا في التخريج لأن عدم ظهور التناول غير ظهور عدم التناول وقال أبو الحسين البصري إن ظهر إضراب الثانية عن الأولى فللاخيرة وإلا فللجميع فظهوره إما بالاختلاف نوعا أي إنشاءً وخبرًا أو اسمًا للمستثنى منه أو محكوما به مع أن لا يكون الاسم الثاني ضمير الأول وأن لا يشترك الجملتان غرضا كالتعظيم والإهانة فأقسام الاختلاف أفرادًا وجمعًا سبعة أربعة منها وهي ما فيها الاختلاف اسمًا لا يتصور فيها كون الاسم الثاني ضمير الأول وإلا لم يختلفا اسما فالثلاثة الباقية باعتبار اشتمالها على هذا الشرط وعدمه معنة وهي مع الأربعة باعتبار الشرط الثاني عشرون فالأقسام السبعة للاختلاف المشتملة على شرطين صور ظهور الإضراب وهي الأربعة من الثمانية التي فيها الاختلاف اسما والثلاثة من الاثني عشر الباقية فالثلاثة عشر الباقية التي منها أربعة لا اختلاف فيها بوجه من الوجوه الثلاثة لأنه مع أحد الشرطين أو كليهما أو بدونهما صور ظهور عدم الإضراب والأمثلة غير خافية.
تنبيه: صورة رجوع الاستثناء إلى الأخيرة عند الواقفية أعم من صور ظهور الإضراب لأن مطلق الإمارة أعم من الاختلافات السبعة وصورة رجوعه إلى الجملة عندهم أخص لأن ظهور الاتصال أخص من عدم ظهور الاضراب ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] ففي قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] عند غير الشافعي وأبي الحسين راجع إلى الأخيرة لما سيجيء مؤيدًا ذلك بأن الأخير اسمية لا تعلق لها بالحكام وبالحد وما قبلها فعلية إنشائية خوطب بها الحكام للحد إذ هذا الاختلاف مع الاشترك في الضمير والتسبب عن الشرط أمارة الإعراض عن الأسلوب السابق لغرض كالاستثناء عنه فقط لأن الامتناع مع الداعى اشتد فلا يصلح الاشتراك فيهما دليلا لعدم ظهور الإضراب كما توهموا.
стр. 490
قيل الغرض تعليل السابق قلنا لا يناسبه الواو وان أريد أنه في معرض التعليل وإن لم يسق له لا يتم التقريب وعندهما إلى الجملة للاشتراك المذكور غير أن لا يرجع إلى الجلد لكونه حق العبد.
قيل يرجع باعتبار أن يدرج الاستحلال في واصلحوا وفيه أن يتوقف قبول شهادته عندهم على الاستحلال أيضًا وليس كذلك.
لنا أولا: أن رجوع الاستثناء لضرورة عدم استقلاله ووضعه للرجوع لا ينافيه لأنه بواسطة وضعه غير مستقل مع اعتباره جزءًا للعبارة عن الباقي بعد الثنيا ومقدمًا على الحكم والأمور الاعتبارية كثيرًا ما يصار إليها للدواعي كاعتبار الوصف مع الموصوف شيئأ واحدًا والبدل مقصودًا من البدل والغاية جزءًا من المغيا أو منهيا لوجوده ومقررا والحال في معنى الصفة والاستدراك في معنى الاستثناء فيقدر بقدر ما تندفع به والثابت بهذه الضرورة المشتملة على وجوه من خلاف الظاهر الأصل عدم ارتكابه وتقليله ما أمكن بخلاف الشرط وسائر المتعلقات الغير مسمتقلة.
وثانيا: أن الرجوع إلى الأخيرة متحققه على التقديرين وإلى غيرها مشكوك مع أن حكم الأولى بكمالها متيقن وارتفاع بعضه بالاستثناء أو توقفه على المغير مشكوك لجواز ترتبه على الأخيرة فقط والوقوف عندما تحقق وهذا يناسب الواقفية أيضًا من حيث الحكم ولا يقلب لجواز كونه للأولى لدليل لأن الاحتمال المحتاج إلى الدليل كعدمه قبله.
وثالثا: أن في عليَّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين يعود إلى الأخيرة حتى يلزم ثمانية. قيل: الكلام في المتعاطفة قلنا كذا في غيرها لاشتراك العلة بل أولى لأن ما يجوز على المقيد يجوز على المطلق ولذا لم يذكر أبو الحسين قيد العطف.
قيل: الكلام في الجمل وهذه مفردات قلنا ففي المستقلة أولى قيل: لتعذر عوده إلى الجميع وإلا كان الاثنان مثبتا ومنفيا لاستثنائه منهما وكان لغوًا للزوم الستة على التقديرين وبعد تعذر الجميع جعل للأخيرة لقربها حتى لو تعذر للأخيرة جعل للأولى نحو عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة يلزم خمسة.
قلنا يجوز ذلك بالاعتبارين عما في كل عدد يستثنى من عدد وفي كل عدد يتضمنه كلا المستثنى والمستثنى منه وحديث اللغو لغو لاحتمال أن يقال بعد الكل إلا واحد بل التمسك منزل فيه فلا تناقض لو رجع المنفى على إلى كل مثبت وبالعكس ولا لغو إذ يلزم الستة حينئذ وعند العود إلى الأخير فقط سبعة إذ القاعدة أن يجمع المثبتات على حدة والمنفيات كذلك ويرفع الثانية عن الأولى فيعرف الباقية.
стр. 491
للشافعى ﵀ أولا أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ قلنا لا من كل وجه فقد يمنع الاستقلال.
وثانيا: القياس على الشرط قلنا قياس في اللغة ومع الفارق السالف وأن الشرط مبدل للتنجيز إلى التعليق لا مبطل لا كلا ولا بعضا كالنسخ والاستثناء إلا فيما لا يقبل التعليق كالتمليك وأنه يجعل مقصود المقام المنع أو الحمل لجعله يمينًا والظاهر عدم اختلاف المقصود بين المتصلات أما أن الشرط مقدم تقديرًا فلا يفيد إذْ لا تقدم إلا على ما يرجع إليه إلا أن يقال الفصل بين المتصلات خلاف الظاهر فيجاب بأنه الفصل لفظًا لا تقديرًا فالظاهر أن التأخير لفظًا وهو خلاف الأصل للاحتراز عنه فيعارضه.
وثالثًا: أنه في على خمسة وخمسة إلا ستة للجميع قلنا مفردات وليس المستقلة مثلها في الاشتراك ولأن رجوعه إلى الأخير متعذر ولأن مدعاكم الرجوع إلى كل واحد بل النزاع فيما يصلح له وللأخيرة.
للواقفية المشتركة
أولا: حسن الاستفهام
أيهما المراد قلنا لعله لمعرفة الحقيقة أو لدفع احتمال خلاف الظاهر
وثانيًا: صحة الإطلاق
للأخيرة والجميع والأصل الحقيقة قلنا المجاز أولى ومنها الشرط.
وفيه مباحث
الأول في حده
قد مر ما هو الصحيح عن مشايخنا وكيف يتميز عن السبب والعلة وجزئها والركن وعرفه الغزالي بما لا يوجد المشروط بدونه ورد بأنه دور وغير مطرد لصدقه على جزء العلة فاجيب عن الأول بأنه في قوة شرط الشيء ما لا يوجد بدونه أي المعرف ذات المشروط والموقوف مفهومه وعن الثاني أن المعلول قد يوجد بدون جزء العلة إذا وجد بعلة أخرى ولا يدفع الإيراد بالعلة المساوية وجزئها المساوي.
وقيل: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر أي لا ذاته فيخرج جزء العلة ورد بأنه لا يتناول شرط القديم كالحياة للعلم القديم إذ لا تأثير لأن المحوج إلى المؤثر الحدوث واختار بعضهم ما يستلزم نفيه نفي أمر لا على جهة السببية فيخرج السبب أي العلة وجزؤه ولا خفاء أن الفرق بينهما موقوف على معرفة المميز بينهما فهو تعريف بمثله في الخفاء.
стр. 492
الثاني في تقسيمه
قد مر أنه تعليقي جعلي أو حقيقي شرعي أو وضعي أي عقلي على منع الخلو والثاني كالطهارة للصلاة والحياة للعلم، والأول قد يسمى لغويا هو ما دخله أداة الشرط حقيقة أو دلالة سواء كان مما يتوقف عليه وجود الجزاء فقط نحو إن جاء غد فأنت طالق أو مقتضيا له جعلا نحو إن كلمت فلانا فأنت طالق حيث جعل التكلم مقتضيا له أو وضعا نحو: إن طلعت الشمس فالبيت مضيء وقد يدخل على شرط شبيه بالعلة من حيث استتباعه للوجود وهو ما لا يبقى للمعلول أمر يتوقف عليه سواه فمن شأنه أن يخرج ما لولاه لدخل إذ لو لم يدخل لولاه لتوقف على أمر آخر نحو أكرم بني تميم أو عبيدي أحرار إن دخلوا يخرج غير الداخلين عن وجوب الإكرام والعتق، وبهذا عد بيانا وتخصيصا كذا.
قيل: والحق أنه يخرج أما ما لولاه لدخل كما في ذلك أو ما لولاه لاحتمل الدخول أي على تقدير تحقق غيره مما يتوقف عليه وإن لم يكن الآن إذ كل منهما إخراج الداخل على التقدير وهذا المقدار متفق عليه غير أن إخراجه في حق تأخير انعقاد الجزاء علة إلى وقت وجود الشرط عندنا لأن الإيجاب لا يثبت إلا في محله ولا يوجد إلا بركنه لا كبيع الحر وشطره والشرط حال بينه وبين المحل لأن أثره في المعلق بالذات وهو الاعتاق مثلا لا حكمه ونأخره أثر الأثر ولذا لا يحنث بالتعليق من حلف لا يعتق قبل وجود الشرط اتفاقا بخلاف الإضافة لأنها إيجاب في الحال والتقييد لتعيين زمان وقوعه واللازم يحقق إفضاءه ولذا جاز التعجيل في علي أن أتصدق بدرهم غدًا لا في إذا جاء غد فعلي ذلك وعند الشافعي ﵁ في تأخير حكم العلة المنعقدة فبناه أن المعلق عندنا التطليق مثلا وعنده وقوع الطلاق والحق لنا لأن مجموع الجملة تطليق والوقوع أثره لأن المعتبر عنده مجرد المشروط الموجب للحكم على كل التقادير والتعليق خصصه بتقدير معين فاعدم غيره وعندنا مجموع الشرط والجزاء فهو إيجاب على تقدير ساكت عن غيره ومجرد المشروط كانت من أنت طالق فلا ينعقد عليه ففيه بحث من وجوه:
١ - أنا لا نعلم إيجاب المشروط على كل تقدير لأن الكلام يتم بآخره والإيجاب لولا عدم الشرط لا يكون إيجابا فلا يتم التقرير فلا يترتب الإعدام كيف وهل النزاع إلا في أن التقييد لا يكون إعدامًا.
٢ - إن أريد بمجرد المشروط نفس الطلاق فليس جزاء بل بعضه وإن أريد التطليق له لا لجزئه.
٣ - أن اعتبار المجموع خلاف اعتبار العربية ولا شك أن الأصول الفقهية مقتبسة منه
стр. 493
فكيف يظن بمثل الإِمام ﵀ مخالفته والثمرة بطلان تعليق نحو العتاق والطلاق بالملك عنده لاشتراط الملك عند وجود السبب وفاقا وتجويز تعجيل النذر المعلق وكفارة اليمين المالية قبل الحنث لأنه كتعجيل الزكاة بعد النصاب والمالي يحتمل الفصل بين نفس الوجوب ووجوب الداء كالثمن لا يجب أداؤه قبل المطالبة بخلاف البدني خلافا لنا في الكل كيف واليمين انعقدت للبر فلا يكون سببًا للكفارة بل سببها كما قيل الحنث فبينهما تناف والمال في حقوق الله تعالى غير مقصود لتنزهه عن الانتفاع والخسران بخلاف حقوق العباد وإنما المقصود هو الأداء حتى إنما جاز الإنابة في الزكاة لكونها فعله فالمالي فيه كالبدني فإذا احتمل المال احتمل البدني أيضًا وقياسه على الأجل وشرط الخيار فاسد لأنهما لم يدخلا على السبب بل الأجل على الثمن والخيار على الحكم لأن البيع لا يحتمل الخطر عكس الإسقاطات المحصنة فكان القياس عدم دخوله.
وقد جوز لضرورة دفع الغبن فاندفعت بدخوله في الحكم لأنه أدنى الخطرين وفيه تصحيح تصرف العاقل ما أمكن ومن ثمراته أن الإخراج لإيجاب عدم الشرط عدم المشروط عنده لأن العلة منعقدة، فلولا إيجابه العدم لترتب الوجود على علته وعندنا لعدم الأولى لا الشرعي لعدم علته فلا يجوز تعدية ذلك العدم بالقياس وفي قوله: "إن كانت الإبل معلوفة فلا تؤد زكاتها" لا يجب الزكاة في السائمة وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] لا يوجب عدم حل نكاح الأمة عند طول الحرة فيحل نَكاحها بالأيات المطلقة ويجوز تعليق الحكم الواحد بكل من الأمرين فلا توقف لوجوده على أحدهما معينا وان كان أحدهما كلا والآخر جزعًا منه فلا يتوقف على الجزء الآخر وأن يكون الحكم الواحد معلقًا ومرسلا كالطلقات الثلاث المعلقة بشيء والمحتجزة قبل وجوده أما وجوده بالشخص فبأحد الوجهين معنيًّا خلافا له فيها وفي كون طول الحرة الكتابية مانعًا نكاح الأمة روايتان عنده فمنعه مع فهم عدم مانعيته لمعارضة إمكان صيانة الجزء عن الأرقاق الذي هو إهلاك حكمي بنكاحها.
الثالث في أنه إما واحد أو متعدد على الجمع
فينوقف المشروط على حصولهما معا أو على التفريق فعلى حصول أيهما كان وهو المراد بالبدل لا حصول احدهما مع عدم الآخر لأن أحد الأمرين واحد لا متعدد وكذا الجزاء فاللازم حصول واحد أو كليهما أو احدهما والحاصل من تداخل الاعتبارات الثلاث تسعة.
فرع: في إن دخلتما فأنتما طالقان فدخلت احديهما قيل تطلق الداخلة إذ المراد عرفا
стр. 494
تعليق طلاق كل بدخولها، وقيل: لا واحدة منهما لأن الشرط دخولهما معا، وقيل: كلاهما لأنه دخول أيهما كان والذي ذكره أصحابنا أن مدخول كلمة الشرط بجميع أجزائه شرط واحد وكل من اجزاء الجزاء الصالح للجزائية جزاء وهو الموافق لما تقرر في العلوم العقلية أن تعدد المقدم لا يقتضي تعدد الشرطية بخلاف تعدد التالي وللأصل المقرر أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط ففي قوله لأربع عنده إن حضتن فأنتن طوالق لا يقع شيء عند حيض البعض بل تطلق الكل عند حيض الكل.
فإن قلنا حضنا فصدق الواحدة أو المثنى لا يقع شيء أو الثلاث تطليق المكذبة فقط لكمال الشرط في حقها فقط نعم لو قال إن حضتن حيضة يكفي في طلاقهن حيضة الواحدة لأن الحمل على نسبة الفرد إلى المتعدد مجازا نحو: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] أولى من اللغو والمحال كما عرف فتطلق الكل بخبر الفرد إن صدقها وإلا تطلق المخبرة فحسب لأنها أمينة في حقها دون حق غيرها فيما لا يختص بحيضها بخلاف الحرمة والعدة وفي قوله إن دخلتن دارا لا يحنث لا بدخول الكل.
أما إذا تقابل الجمل في نفس الشرط نحو إن دخلتما دارين فأنتما طالقان تطلقان بدخول كل في دار عندنا حكمت لتقابل الجمل وعند زفر ﵀ بدخول كل في دارين كأن دخلتما هذه ودخلتما هذه أما إن دخلتما هذه وهذه فكدخلتما دارين وأما في مسألة إن شئتما فأنتما طالقان فالمعتبر شرطا عند زفر مشيئة كل منهما في حق نفسها إلا أن المتعارف في مخاطبة المرأة بالطلاق المعلق بالمشبه تعليق طلاقها بمشيئتها كقوله إن شئتما طلقتكما فصار كقوله لكل أنت طالق إن شئت وعندنا مشيئتهما معا لطلاقهما معا في المجلس فلا يقع لمشيئة إحديهما لهما أو لصاحبتها أو بموت إحديهما قبل المشبه لأنه بعض الشرط إذْ معناه إن شتئما الطلاق كما في إن دخلتما هذه الدار والحق لنا لما مر أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط.
لا يقال المشروط بالكل مشروط بكل جزء منه فيكون كل جزء شرطًا لأنا نسلمه لمعنى التوقف عليه لا لمعنى عدم التوقف إلا عليه والكفاية في ترتب التالي.
ذنابة: قياس الشرط اقتضاء صدر الكلام ليعلم من أول الأمر نوعه كالاستفهام والقسم والنفي ففي أكرمك إن دخلت الدار ما تقدم خبر دليل للجزاء المحذوف لا جزاء أي لفظا وإلا لجاز ولكن معنى إذ لا تتجيز فلم يجز جزمه لاستقلاله لفظا وقدر مدلوله جزاء لكونه جزاء معنى رعاية للمسألتين ولذا اختلف فيه واتفق على إطلاق الجزاء عليه.
стр. 495
ومنها الصفة: نحو أكرم بني تميم الطوال فيخرج القصار والبدل نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فيخرج غير المستطيع والغاية نحو أكرمهم إلى أن يدخلوا فيخرج الداخلون.
تتمة: هذه الأربعة كالاستثناء في وجوب الاتصال وتعقيب المتعدد أنه للجميع أو الأخير والاختلاف والاختيار وعن أبي حنيفة ﵁ أن الشرط للجميع والفرق سلف من وجوه أربعة وكذا الأقسام التسعة بحسب اتحاد الغاية والمغيا وتعددهما.
ومنها تخصيص العام:
وفيه مباحث:
المبحث الأول
أن قصر العام على بعض أفراده بالمستقل المتصل حقيقة أو حكما للجهل بالتاريخ فخرج غير المستقل وهو ما مر والمفصل المتراخي فإنه نسخ وقد مر أن دونه بيانا مغيرا من القطع إلى الظن والصحيح أن ذلك في التخصيص باللفظ أما بالعقل فقطعي كما قبله ولذا يكفر من أنكر فرضية العبادات الثابتة بخطابات خص عنها غير المكلف بالعقل فهذا تعريف مطلقه وإن أريد ما هو الغير قيد باللفظين أيضًا.
المبحث الثاني
في جواز التخصيص بالعقل خلاف الشرذمة، لنا: خروج الواجب القديم من نحو ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] لاستحالة مخَلوقيته ومقدوريته وغير المكلف من نحو ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] لعدم فهمه كل ذلك بالعقل.
قيل: التخصيص فرع صحة التعميم لغة وهو معلوم إذْ القائل بأني فاعل كل شىء لو أراد نفسه لحظي لغة قلنا التخصيص للمفرد وعمومه لغة من حيث هو الظاهر وبعد التركيب حكم العقل بتخصيصه بل وحين التركيب أيضًا غايته الكذب والخطأ لغة غيره وغير لازم منه.
قالوا أولا: ليس العقل متأخر والبيان متأخر عن المبين قلنا الواجب تأخر صفة مبينيته لا ذاته.
وثانيا: لو جاز التخصيص عقلا لجاز النسخ عقلا وليس إجماعا قلنا فرق بان النسخ سواء كان بيان لمد الحكم أو رفعه محجوب عن نظر العقل بخلاف خروج البعض عن الخطاب كما مر.