← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 98083

فصول البدائع في أصول الشرائع

الفناري

Полный текст (856 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

للشافعى ﵀ أولا أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ قلنا لا من كل وجه فقد يمنع الاستقلال. وثانيا: القياس على الشرط قلنا قياس في اللغة ومع الفارق السالف وأن الشرط مبدل للتنجيز إلى التعليق لا مبطل لا كلا ولا بعضا كالنسخ والاستثناء إلا فيما لا يقبل التعليق كالتمليك وأنه يجعل مقصود المقام المنع أو الحمل لجعله يمينًا والظاهر عدم اختلاف المقصود بين المتصلات أما أن الشرط مقدم تقديرًا فلا يفيد إذْ لا تقدم إلا على ما يرجع إليه إلا أن يقال الفصل بين المتصلات خلاف الظاهر فيجاب بأنه الفصل لفظًا لا تقديرًا فالظاهر أن التأخير لفظًا وهو خلاف الأصل للاحتراز عنه فيعارضه. وثالثًا: أنه في على خمسة وخمسة إلا ستة للجميع قلنا مفردات وليس المستقلة مثلها في الاشتراك ولأن رجوعه إلى الأخير متعذر ولأن مدعاكم الرجوع إلى كل واحد بل النزاع فيما يصلح له وللأخيرة. للواقفية المشتركة أولا: حسن الاستفهام أيهما المراد قلنا لعله لمعرفة الحقيقة أو لدفع احتمال خلاف الظاهر وثانيًا: صحة الإطلاق للأخيرة والجميع والأصل الحقيقة قلنا المجاز أولى ومنها الشرط. وفيه مباحث الأول في حده قد مر ما هو الصحيح عن مشايخنا وكيف يتميز عن السبب والعلة وجزئها والركن وعرفه الغزالي بما لا يوجد المشروط بدونه ورد بأنه دور وغير مطرد لصدقه على جزء العلة فاجيب عن الأول بأنه في قوة شرط الشيء ما لا يوجد بدونه أي المعرف ذات المشروط والموقوف مفهومه وعن الثاني أن المعلول قد يوجد بدون جزء العلة إذا وجد بعلة أخرى ولا يدفع الإيراد بالعلة المساوية وجزئها المساوي. وقيل: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر أي لا ذاته فيخرج جزء العلة ورد بأنه لا يتناول شرط القديم كالحياة للعلم القديم إذ لا تأثير لأن المحوج إلى المؤثر الحدوث واختار بعضهم ما يستلزم نفيه نفي أمر لا على جهة السببية فيخرج السبب أي العلة وجزؤه ولا خفاء أن الفرق بينهما موقوف على معرفة المميز بينهما فهو تعريف بمثله في الخفاء.

стр. 492

الثاني في تقسيمه قد مر أنه تعليقي جعلي أو حقيقي شرعي أو وضعي أي عقلي على منع الخلو والثاني كالطهارة للصلاة والحياة للعلم، والأول قد يسمى لغويا هو ما دخله أداة الشرط حقيقة أو دلالة سواء كان مما يتوقف عليه وجود الجزاء فقط نحو إن جاء غد فأنت طالق أو مقتضيا له جعلا نحو إن كلمت فلانا فأنت طالق حيث جعل التكلم مقتضيا له أو وضعا نحو: إن طلعت الشمس فالبيت مضيء وقد يدخل على شرط شبيه بالعلة من حيث استتباعه للوجود وهو ما لا يبقى للمعلول أمر يتوقف عليه سواه فمن شأنه أن يخرج ما لولاه لدخل إذ لو لم يدخل لولاه لتوقف على أمر آخر نحو أكرم بني تميم أو عبيدي أحرار إن دخلوا يخرج غير الداخلين عن وجوب الإكرام والعتق، وبهذا عد بيانا وتخصيصا كذا. قيل: والحق أنه يخرج أما ما لولاه لدخل كما في ذلك أو ما لولاه لاحتمل الدخول أي على تقدير تحقق غيره مما يتوقف عليه وإن لم يكن الآن إذ كل منهما إخراج الداخل على التقدير وهذا المقدار متفق عليه غير أن إخراجه في حق تأخير انعقاد الجزاء علة إلى وقت وجود الشرط عندنا لأن الإيجاب لا يثبت إلا في محله ولا يوجد إلا بركنه لا كبيع الحر وشطره والشرط حال بينه وبين المحل لأن أثره في المعلق بالذات وهو الاعتاق مثلا لا حكمه ونأخره أثر الأثر ولذا لا يحنث بالتعليق من حلف لا يعتق قبل وجود الشرط اتفاقا بخلاف الإضافة لأنها إيجاب في الحال والتقييد لتعيين زمان وقوعه واللازم يحقق إفضاءه ولذا جاز التعجيل في علي أن أتصدق بدرهم غدًا لا في إذا جاء غد فعلي ذلك وعند الشافعي ﵁ في تأخير حكم العلة المنعقدة فبناه أن المعلق عندنا التطليق مثلا وعنده وقوع الطلاق والحق لنا لأن مجموع الجملة تطليق والوقوع أثره لأن المعتبر عنده مجرد المشروط الموجب للحكم على كل التقادير والتعليق خصصه بتقدير معين فاعدم غيره وعندنا مجموع الشرط والجزاء فهو إيجاب على تقدير ساكت عن غيره ومجرد المشروط كانت من أنت طالق فلا ينعقد عليه ففيه بحث من وجوه: ١ - أنا لا نعلم إيجاب المشروط على كل تقدير لأن الكلام يتم بآخره والإيجاب لولا عدم الشرط لا يكون إيجابا فلا يتم التقرير فلا يترتب الإعدام كيف وهل النزاع إلا في أن التقييد لا يكون إعدامًا. ٢ - إن أريد بمجرد المشروط نفس الطلاق فليس جزاء بل بعضه وإن أريد التطليق له لا لجزئه. ٣ - أن اعتبار المجموع خلاف اعتبار العربية ولا شك أن الأصول الفقهية مقتبسة منه

стр. 493

فكيف يظن بمثل الإِمام ﵀ مخالفته والثمرة بطلان تعليق نحو العتاق والطلاق بالملك عنده لاشتراط الملك عند وجود السبب وفاقا وتجويز تعجيل النذر المعلق وكفارة اليمين المالية قبل الحنث لأنه كتعجيل الزكاة بعد النصاب والمالي يحتمل الفصل بين نفس الوجوب ووجوب الداء كالثمن لا يجب أداؤه قبل المطالبة بخلاف البدني خلافا لنا في الكل كيف واليمين انعقدت للبر فلا يكون سببًا للكفارة بل سببها كما قيل الحنث فبينهما تناف والمال في حقوق الله تعالى غير مقصود لتنزهه عن الانتفاع والخسران بخلاف حقوق العباد وإنما المقصود هو الأداء حتى إنما جاز الإنابة في الزكاة لكونها فعله فالمالي فيه كالبدني فإذا احتمل المال احتمل البدني أيضًا وقياسه على الأجل وشرط الخيار فاسد لأنهما لم يدخلا على السبب بل الأجل على الثمن والخيار على الحكم لأن البيع لا يحتمل الخطر عكس الإسقاطات المحصنة فكان القياس عدم دخوله. وقد جوز لضرورة دفع الغبن فاندفعت بدخوله في الحكم لأنه أدنى الخطرين وفيه تصحيح تصرف العاقل ما أمكن ومن ثمراته أن الإخراج لإيجاب عدم الشرط عدم المشروط عنده لأن العلة منعقدة، فلولا إيجابه العدم لترتب الوجود على علته وعندنا لعدم الأولى لا الشرعي لعدم علته فلا يجوز تعدية ذلك العدم بالقياس وفي قوله: "إن كانت الإبل معلوفة فلا تؤد زكاتها" لا يجب الزكاة في السائمة وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] لا يوجب عدم حل نكاح الأمة عند طول الحرة فيحل نَكاحها بالأيات المطلقة ويجوز تعليق الحكم الواحد بكل من الأمرين فلا توقف لوجوده على أحدهما معينا وان كان أحدهما كلا والآخر جزعًا منه فلا يتوقف على الجزء الآخر وأن يكون الحكم الواحد معلقًا ومرسلا كالطلقات الثلاث المعلقة بشيء والمحتجزة قبل وجوده أما وجوده بالشخص فبأحد الوجهين معنيًّا خلافا له فيها وفي كون طول الحرة الكتابية مانعًا نكاح الأمة روايتان عنده فمنعه مع فهم عدم مانعيته لمعارضة إمكان صيانة الجزء عن الأرقاق الذي هو إهلاك حكمي بنكاحها. الثالث في أنه إما واحد أو متعدد على الجمع فينوقف المشروط على حصولهما معا أو على التفريق فعلى حصول أيهما كان وهو المراد بالبدل لا حصول احدهما مع عدم الآخر لأن أحد الأمرين واحد لا متعدد وكذا الجزاء فاللازم حصول واحد أو كليهما أو احدهما والحاصل من تداخل الاعتبارات الثلاث تسعة. فرع: في إن دخلتما فأنتما طالقان فدخلت احديهما قيل تطلق الداخلة إذ المراد عرفا

стр. 494

تعليق طلاق كل بدخولها، وقيل: لا واحدة منهما لأن الشرط دخولهما معا، وقيل: كلاهما لأنه دخول أيهما كان والذي ذكره أصحابنا أن مدخول كلمة الشرط بجميع أجزائه شرط واحد وكل من اجزاء الجزاء الصالح للجزائية جزاء وهو الموافق لما تقرر في العلوم العقلية أن تعدد المقدم لا يقتضي تعدد الشرطية بخلاف تعدد التالي وللأصل المقرر أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط ففي قوله لأربع عنده إن حضتن فأنتن طوالق لا يقع شيء عند حيض البعض بل تطلق الكل عند حيض الكل. فإن قلنا حضنا فصدق الواحدة أو المثنى لا يقع شيء أو الثلاث تطليق المكذبة فقط لكمال الشرط في حقها فقط نعم لو قال إن حضتن حيضة يكفي في طلاقهن حيضة الواحدة لأن الحمل على نسبة الفرد إلى المتعدد مجازا نحو: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] أولى من اللغو والمحال كما عرف فتطلق الكل بخبر الفرد إن صدقها وإلا تطلق المخبرة فحسب لأنها أمينة في حقها دون حق غيرها فيما لا يختص بحيضها بخلاف الحرمة والعدة وفي قوله إن دخلتن دارا لا يحنث لا بدخول الكل. أما إذا تقابل الجمل في نفس الشرط نحو إن دخلتما دارين فأنتما طالقان تطلقان بدخول كل في دار عندنا حكمت لتقابل الجمل وعند زفر ﵀ بدخول كل في دارين كأن دخلتما هذه ودخلتما هذه أما إن دخلتما هذه وهذه فكدخلتما دارين وأما في مسألة إن شئتما فأنتما طالقان فالمعتبر شرطا عند زفر مشيئة كل منهما في حق نفسها إلا أن المتعارف في مخاطبة المرأة بالطلاق المعلق بالمشبه تعليق طلاقها بمشيئتها كقوله إن شئتما طلقتكما فصار كقوله لكل أنت طالق إن شئت وعندنا مشيئتهما معا لطلاقهما معا في المجلس فلا يقع لمشيئة إحديهما لهما أو لصاحبتها أو بموت إحديهما قبل المشبه لأنه بعض الشرط إذْ معناه إن شتئما الطلاق كما في إن دخلتما هذه الدار والحق لنا لما مر أن المشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط. لا يقال المشروط بالكل مشروط بكل جزء منه فيكون كل جزء شرطًا لأنا نسلمه لمعنى التوقف عليه لا لمعنى عدم التوقف إلا عليه والكفاية في ترتب التالي. ذنابة: قياس الشرط اقتضاء صدر الكلام ليعلم من أول الأمر نوعه كالاستفهام والقسم والنفي ففي أكرمك إن دخلت الدار ما تقدم خبر دليل للجزاء المحذوف لا جزاء أي لفظا وإلا لجاز ولكن معنى إذ لا تتجيز فلم يجز جزمه لاستقلاله لفظا وقدر مدلوله جزاء لكونه جزاء معنى رعاية للمسألتين ولذا اختلف فيه واتفق على إطلاق الجزاء عليه.

стр. 495

ومنها الصفة: نحو أكرم بني تميم الطوال فيخرج القصار والبدل نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فيخرج غير المستطيع والغاية نحو أكرمهم إلى أن يدخلوا فيخرج الداخلون. تتمة: هذه الأربعة كالاستثناء في وجوب الاتصال وتعقيب المتعدد أنه للجميع أو الأخير والاختلاف والاختيار وعن أبي حنيفة ﵁ أن الشرط للجميع والفرق سلف من وجوه أربعة وكذا الأقسام التسعة بحسب اتحاد الغاية والمغيا وتعددهما. ومنها تخصيص العام: وفيه مباحث: المبحث الأول أن قصر العام على بعض أفراده بالمستقل المتصل حقيقة أو حكما للجهل بالتاريخ فخرج غير المستقل وهو ما مر والمفصل المتراخي فإنه نسخ وقد مر أن دونه بيانا مغيرا من القطع إلى الظن والصحيح أن ذلك في التخصيص باللفظ أما بالعقل فقطعي كما قبله ولذا يكفر من أنكر فرضية العبادات الثابتة بخطابات خص عنها غير المكلف بالعقل فهذا تعريف مطلقه وإن أريد ما هو الغير قيد باللفظين أيضًا. المبحث الثاني في جواز التخصيص بالعقل خلاف الشرذمة، لنا: خروج الواجب القديم من نحو ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] لاستحالة مخَلوقيته ومقدوريته وغير المكلف من نحو ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] لعدم فهمه كل ذلك بالعقل. قيل: التخصيص فرع صحة التعميم لغة وهو معلوم إذْ القائل بأني فاعل كل شىء لو أراد نفسه لحظي لغة قلنا التخصيص للمفرد وعمومه لغة من حيث هو الظاهر وبعد التركيب حكم العقل بتخصيصه بل وحين التركيب أيضًا غايته الكذب والخطأ لغة غيره وغير لازم منه. قالوا أولا: ليس العقل متأخر والبيان متأخر عن المبين قلنا الواجب تأخر صفة مبينيته لا ذاته. وثانيا: لو جاز التخصيص عقلا لجاز النسخ عقلا وليس إجماعا قلنا فرق بان النسخ سواء كان بيان لمد الحكم أو رفعه محجوب عن نظر العقل بخلاف خروج البعض عن الخطاب كما مر.

стр. 496

وثالثًا: أن ترجيح العقل على الشرع عند التعارض تحكم قلنا لا نعلم بل صرف للمحتمل القاطع. المبحث الثالث في جواز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا للبعض لكنه عند القاضي وإمام الحرمين إذا علم تأخر الخاص إذْ لو علم تقدمه ينسخه العام مطلقا ومن وجه في قدر ما تناولاه ولو جهل التاريخ يحمل على المقارنة فيثبت حكم التعارض في ذلك القدر وكذا عندنا لكن إذا اتصل الخاص المتأخر إذ لو تراخى كان ناسخا ويبقى العام في الباقي قطعيا فلم يجز تخصيصه بالقياس وخبر الواحد وعند الشافعي ومالك يخصصه الخاص تقدم أو تأخر أو جهل. لنا: في الجواز ووقوعه ما مر من تخصيص الربا من البيع والمستأمن من المشركين وفي اشتراط تأخر الخاص: أولا: إن قوله لا تقتل احدا بعد قوله اقتل زيدا منع له عن قتل زيد أيضًا هو المفهوم بالدلالة العادية القطعية فيصير نسخا قيل تخصيصه ممكن فيصار إليه دون النسخ لأولويته لغلبيته وكونه دفعا لا رفعا كما إذا تأخر قلنا لا يعارضان ما ذكر من الدلالة العادية فضلا عن الترجيح. وثانيًا: قول ابن عباس ﵁ "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" (١) وظاهره أخذ الجماعة فكان إجماعا قيل محمول على ما لا يقبل التخصيص جمعا بين الأدلة قلنا سنبطل دليلكم وفي اشتراط وصله التراخي يقتضي سبق الثبوت فلا يحتمل إلا الرفع للمخصصين مطلقا أنه لو لم يخصص لبطل القاطع وهو الخاص بالمحتمل وهو العام والعقل قاض ببطلانه أما كون العام محتملا فقيل لجواز أن يراد به الخاص وقد مر أنه من احتمال المجاز فلا ينافي القطع، وقيل: للاختلاف في أنه للعموم أو الخصوص أو يوقف قلنا قد أبطلنا الأخيرين فلا يؤبه بهما على أنه عند الخصوم للعموم قطعا وللمعنيين مطلقا أن المبين هو الرسول ﵇ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لا الكتاب ولا يكذب قلنا معارض بقوله في صفة القرَآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] والحل أن الكل ورد على لسانه فهو المبين تارة بالقرآن وأخرى بالسنة.

стр. 497

المبحث الرابع في جواز تخصيص السنة بالسنة خلافا لشرذمة وهذه كالسالفة. المبحث الخامس في جواز تخصيص السنة بالقرآن لقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] قالوا هي تبيين القرآن لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ فالمبين قلنا الرسول هو المبين بكل منهما. المبحث السادس في جواز تخصيص القرآن بخبر الواحد كما بالمتواتر اتفاقا وينسب إلى الأئمة الأربعة لكنه عندنا بالمشهور مطلقا وبغيره بعد التخصيص لا بالعقل لا بعد النسخ، وقيل بعهد التخصيص بقطعي أو منفصل (وقال الكرخي بعد التخصيص بمنفصل قطعي أو ظني فالمنفصل ليس ناسخًا عندهما)، وتوقف القاضي بمعنى لا أدري. لنا وقوعه كتخصيص الصحابة من قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] نكاح المرأة على عمتها وخالتها بقوله ﵇: "لا تنكحوا المرَأة على عمتها ولا على خالتها" فإنه مشهور وكما خص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﵇: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" بعد تخصيص صور الموانع منه قيل إن أجمعوا على ذلك فالمخصص هو الإجماع لا السنة وإلا فلا نعلم التخصيص إذ لا يتصور فيه دليل سوى الإجماع. وأجيب: بأن عدم إنكارهم للتخصيص بخبر الواحد إجماع دل على جوازه أما قبل التخصيص فالعام قطعط الدلالة كما مر والثبوت فلا يعارضه غير المشهور لكونه ظني الثبوت والتخصيص بطريق التعارض لا لرد عمر خبر فاطمة بنت قيس في عدم وجوب النفقة والسكنى المخصص لقوله تعالى وأسكنوهن إذْ ذلك للتردد في صدقها ولذا علل الرد به. قال ابن أبان ولذا لا يخصصه أول الأمر إلا قطعي وبعد ما خصصه صار ظنيا وقال الكرخي القطعي إذا ضعف بالتجوز لا يبقى قطعيا لأن نسبته إلى مراتب التجوز بالجواز سواء والمخصص بالمنفصل مجاز عنده دون المتصل فيعارضه الظن وفي تخصيصه الأول بالظني نظر إلا أن يريد ظنيا يكون سندا للإجماع للقاضي أن الكتاب قطعي ثبوتا وظني دلالة والخبر بالعكس فتعارضا فتوقف قلنا بل ودلالة كما مر. السابع: أن الإجماع يخصصهما كإيجاب نصف الثمانين على العبد بالإجماع المخصص لآية حد القذف ولا بد أن يتضمن نصًّا مخصصًا يكون سنده نفسه أو قياسا يظهر حكمه حتى لو أمكن الإجماع في عهد الرسول على خلاف المنصوص متراخيًا كان

стр. 498

يتضمن نصا ناسخا لكن لا إجماع فيه كما لا نسخ بعده والحق عندنا أن لا تخصيص مع التراخي بل ذلك بنص مجهول التاريخ محمول على المقارنة والمعارضة فإن أمكن العمل بهما وإلا يطلب الترجيح فإذا ترجح الخاص يكون مخصصا. الثامن: من قال بالمفهوم جوز تخصيص العام به سواء فيه الموافقة والمخالفة وذكروا في مثاله المخالفة ليعرف صحة تخصيص الموافقة بالأولى وهو تخصيص قوله ﵇ "خلق الماء طهورا" الحديث بمفهوم قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" قلنا التخصيص بطريق المعارضة ولا يصلح المفهوم لضعفه معارضا المنطوق والجمع بين الدليلين من أحكام المعارضة على أن العام ورد في بئر بضاعة وكان ماؤه جاريا يسقى منه خمسة بساتين وإنما لا يخصص عموم اللفظ بخصوص السبب إذا لم يرد مخصص مثله في القوة وقد ورد هنا حديث المستيقظ والنهي عن البول والاغتسال في الماء الدائم من غير فصل ولئن سلم فحديث القلتين ضعفه أبو داود وقال لا يحضرني من ذكره ومثله دون المرسل فلا يكون حجة عندهم بالأولى ولئن سلم فيحتمل أن يراد إذا بلغ انتقاصا ضعف عن احتماله لا لمعنى يدفعه. التاسع: فعل الرسول ﵇ بخلاف العموم كالوصال في الصوم بعد نهي الناس عنه يخصص العموم إن قيل بحجيته فإن لم يثبت وجوب اتباع الأمة ففي حقه فقط وإن ثبت فبدليل خاص لذلك الفعل نسخ لتحريمه وبدليل عام في جميع أفعاله مثل خذوا عني مناسككم أي عباداتكم لا إن كنتم تحبون الله فاتبعوني لأن الأمر لا يقتضى العموم قيل يصير مخصصا بالنهي الأول من حيث هو خاص من وجه وإن لم يكن قطعيا لعمومه من وجه وذلك لأنه مرادا وداخل تحت الإرادة فيلزم على الأمة موجبه لا الاقتداء بالفعل وقيل لا بل يجب العمل بدليل وجوب اتباع فعله وهو المختار وقيل بالتوقف. لنا أن العام المتأخر ناسخ قالوا تخصيص دليل الاتباع بالنهي الخاص المقدم جمع بين الدليلين قلنا الجمع من أحكام المعارضة ولا معارضة عند العلم بالتاريخ ولئن سلم فالدليل الثاني مجموع دليل التباع مع الفعل وهو أخص. العاشر: علم الرسول ﵇ بما فعله المكلف مخالفا للعموم وعدم إنكاره مخصص للفاعل وهذا من جزئيات القسم الثالث من أقسام بيان الضرورة كما سيجيء فلو تبين علة لتقريره الحق به من يوافقه فيها إما قياسا أو بقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة إذ سكوته عن إنكار غير الجائز لا يجوز لقوله ﵇: "الساكت عن الحق شيطان أخرس" وإن لم يتبين فلا يتعدى لا قياسًا لتعذره ولا بالحديث لتخصيصه

стр. 499

إجماعًا بما علم فيه عدم الفارق للاختلاف في الأحكام قطعًا وها هنا لم يعلم. الحادي عشر: مذهب الصحابي على خلاف العام مخصص والصحيح إن كان هو الراوي، وقيل: لا والمسألة فرع التمسك بالأثر لكنه إذا لم يكن الراوي يحتمل أن لا يبلغه أو لا يعتمد عليه. الثاني عشر: أن العام قد يخصص بالعادة كما يعتمد عليها في كل يجوز ومعناه أن العادة إذا اختصت يتناول نوع من أنواع متناولات اللفظ العام تخصصه به استحسانا نحو أن يحلف أن لا يأكل رأسا يقع على المتعارف الذي يباع في السوق ويكبس في التنانير وهو عند أبي حنيفة رأس البقر والغنم وعندهما الثاني فقط أو بيضا يختص ببيض الإوز والدجاج ونحوها إلا سائر الطيور الغير المتعارفة وفي المبسوط ببيض الطور لا السمك أو طبيخا أو شواء فعلى اللحم المسلوق ومائه لا المقلي إذ لا يسمى مطبوخا ولا نحو البيض والباذنجان والجبن والسلق والجزر وهذا أحد أقسام ما يترك به الحقيقة ذكرناه تتبعا وسنستوفيها إن شاء الله تعالى وقيل لا يخصصه وهو القياس لأنه الحقيقة اللغوية. لنا: أن الكلام للإفهام فالمطلوب به ما يسبق على الأفهام وذا هو المتعارف قطعا فينصرف الفعل المتعلق به إليه انصراف اللفظ الغالب استعماله في أحد متناولاته عرفا إليه كالدابة إلى ذات القوائم والنقد إلى نقد البلد للتعامل لا سيما في الأيمان المبنية على العرف قالوا العادة في التناول لا تصلح دليلا على نقل اللفظ من العموم إلى الخصوص بخلافها في غلبة الاسم قلنا غلبة العادة تستلزم غلبة الاسم ولئن سلم فالتخصيص ككل صرف عن الظاهر ليس من لوازمه نقل اللفظ فمن الجائز صرفه بالسياق والسابق والمحل والحال كما سنذكر وليعلم أن هذا نظير الحقيقة المهجورة مع المجاز المتعارف وفي مثله يحمل على المجاز اتفاقا بخلاف المستعملة معه غير أن المتعارف ها هنا في الفعل لا في اللفظ كما في تلك المسألة كما في وضع القدم للدخول والتوكل بالخصومة للجواب. الثالث عشر: أن الخاص الذي يوافق العام في الحكم إن كان له مفهوم معتبر يدل به على نفي الحكم عن غيره يخصصه كما مر وإلا فلا خلافا لأبي ثور فإن قوله ﵇ في شاة ميمونة "دباغها طهورها" (١) لا يخصص "أيما أهاب دبغ فقد طهر" (٢) وهو فرع

стр. 500

مفهوم اللقب وسيجىء أنه مردود. الرابع عشر: أن رجوع الضمير إلى بعض ما يتناوله العام كضمير ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى الرجعيات من قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لا يخصصه خلافا لإمام الحرمين وأبي الحسين وقيل بالتوقف. لنا: أن صرف أحد اللفظين عن الظاهر كمجازيته لا يقتضيه في الآخر، قالوا فيلزم المخالفة بين الضمير والمرجوع إليه قلنا لا يسمى مخالفة كإعادة الظاهر مقيدًا، للواقف لا بد من تخصيص الظاهر أو المضمر دفعا لتلك المخالفة ولا مرجح قلنا في تخصيص الظاهر تخصيص المضمر دون العكس فهو أولى ولو سلم فالظاهر أقوى دلالة ودفع الأضعف أسهل. الخامس عشر: في جواز تخصيص العام بالقياس إن كان مخصصا قيل وهو مختار كثير من مشايخنا كابن أبان وغيره كتخصيص المدبور من قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] قياسًا على الفقر لما خص منه كثير من الأموال بالإجماع وغيره كاللآلئ والجواهر والتخصيص في الجملة منقول من الأئمة الأربعة والأشعري وأبي هاشم وأبي الحسين وشرط الكرخي التخصيص بمنفصل وابن سريج جلاء القياس قيل هو قياس المعنى لا الشبه أو ما علته ظاهرة كما لا يقتضي القاضي وهو غضبان من دهش العقل المانع عن تمام الفكر أو الذي لو قضي بخلافه ينقض والحق أنه ما قطع ينفي تأثير الفارق منه والبعض خروج الأصل المقيس عليه بنص وتوقف الإِمام والقاضي وعمل حجة الإِسلام بالأرجح من الظن الحاصل بالعام والحاصل بالقياس إن كان تفاوت وإلا فتوقف واختار ابن الحاجب أن ثبت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخرجًا عن العام خص به وإلا فقرائن آحاد الوقائع إن رجحت خاص القياس عمل به وإلا فبعموم الخبر وقال الجبائي يقدم العام جليا أوْ لا ومخصوصًا أوْ لا فهذه ثمانية مذاهب. لنا ما مر أن التخصيص بطريق المعارضة والقياس لكونه ظنى الدلالة يعارض النص إلا إذا كان كذلك والعام قبل التخصيص قطعى الدلالة كما مر وهو المراد بقول الجبائي لزم تقديم الأضعف عن الأقوى إذ الاجتهاد في خبر الواحد في أمرين السند والدلالة وفي

стр. 501

القياس في ستة حكم الأصل وعلته ووجودها فيه وخلوها عن المعارض فيه ووجودها في الفرع وخلوها عنه فيه مع الأمرين إن كان الأصل الخبر. قال ابن الحاجب: ما ثبت عليته بنص أو إجماع أو كان أصله مخرجا بنص يتنزل منزلة نص خاص فيتخصص به جمعا بينهما ثم الإلزام بذلك إنما يراه عند الإبطال وها هنا إعمال لهما على أنه منقوض بتخصيص الكتاب بالسنة والمنطوق بالمفهوم. قلنا: إن علم المعارض المماثل قوة من النص وغيره فالتخصيص به وإذا كان الأصل مخرجًا كان العام مخصصًا وظنيا فيعارضه القياس ثم لا نعلم أن إعمال الدليلين جائز أينما كان بل عند تساويهما قوة وإلا تعين العمل بالأقوى وإليه ينظر مذهب الغزالي ﵀ وبه يعرف عدم ورود النقض بالتخصيصين لعدم قولنا بهما غير أن الجبائي اعتبر تفاصيل الظن وإمكان كثرة تطرق الخلل ونحن اعتبرنا نفس الظن فبعد حصوله واجب العمل به على المجتهد إجماعًا قلت مقدماته أو كثرت قال قدم الخبر في حديث معاذ وصوبه الرسول ﵇ قلنا منقوضٌ بتقديم الكتاب على السنة وأنها تخصصه مشهورًا أو متواترًا أن التخصيص ليس إبطالا بل بيانًا وإعمالا بهما عند صلوح التعارض وقال أيضًا صحة العمل بالقياس للإجماع ولا إجماع ها هنا للخلاف قلنا الإجماع على صحة مطلق العمل به لا على صحة كل قياس يعمل به فلا ينافيه العمل به في موضع مع الخلاف فيه ولأن الإجماع في الحقيقة على العمل بالظن وأنه حاصل وبعد حصوله صار وجوب العمل به قطعيا كما مر في صدر الكتاب، للكرخي ما مر أن المخصص بالمنفصل مجاز فيضعف فيخصص بالظني قلنا المنفصل دافع فهو ناسخ والباقي بعده قطعي ثم مناط أمر القياس حصول الظن وهو وجداني سواء فيه جلاؤه وخفاؤه والباقي إما غير مخالف أو ظاهر الاندفاع وربما يستدل على أن القياس لا يخصصه مطلقا بأن العلة المستنبطة إنما تخصص راجحة لا مرجوحة ولا مساوية فيثبت باحتمال بعينه وينتفي باحتمالين آخرين منهما وهو أقرب من وقوع واحد معين وارجح ظنا وجوابه بأنه يجري في كل تخصيص ليس بشيء لجواز العلم برجحان المخصص أو قصد العمل بكلا الدليلين عند التساوي لا عند المرجوجية لعدم قوة المعارضة بل بأن هذا النوع من الترجيح إنما هو إذا لم يعرف بينهما شيء من الأحوال الثلاثة فيلتزمه لولا الحكم بالمساواة وبأن نمنع عدم التخصيص عند المساواة فإنه عمل بهم لا إبطال للعام.

стр. 502

المقصد الثالث في بيان الضرورة وفيه إضافة الحكم على سببه فإنه بيان يقع للضرورة وأقسامه أربعة: ١ - ما هو في حكم المنطوق للزومه منه عرفا كالآية ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] لأن بيان نصيب أحد الشريكين بيان لنصيب الآخر. ومنه بيان نصيب المضارب فقط في المضاربة وهذا عكسه استحسانًا لهذا لا قياسا لأن المحتاج إلى البيان نصيب المضارب وإلا فكل الربح نماء ملك رب المال وغير لازم لاحتمال أن يشترط بعض الباقي لعامل آخر ومثله المزارعة قياسًا واستحسانًا وعليه من أوصى لزيد وسعد بألف أو بالثك فقال لزيد منه أربعمائة. ٢ - ما بينه حال الساكت القادر كسكوت النبي ﵇ عن تغيير ما يعاينه من قول أوفعل من مسلم حتى لو سكت عما سبق نهيه كان نسخا لا استغناء عنه بما سبق كما وهم لأن تقريره على منكر وإلا لما صدق مدحهم بقوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] إذ المراد عن كل منكر أما ما يعاينه من كافر كشرب الخمر والذهاب إلى كنيسة فسكوته لا يدل على جوازه وهذا سكوت الصحابة ﵃ عندنا كسكوتهم في خلافة عمر ﵁ عن تقويم منفعة البدن في ولد المغرور بعد تقويم البدن فدل أن المنافع لا تضمن بالإتلاف المجرد عن العقد وشبهته بدلالة حالهم أن البيان كان واجبا عليهم يطلب صاحب الحادثة حكمها وهو رجل من بني عذرة تزوج أمة آبقة مغررا وولدت فاستحت وكانت أول حادثة لم يسمعوا فيها نصا بعده ﵇. ومنه سكوت البكر في النكاح بدلالة حال الحياء والناكل عن اليمين بيان لوجوب المنال عند الإمامين بدلالة حال امتناعه عن اليمين الواجبة والإمام الأعظم ﵁ لم يجعله إقرار لاحتمال الاحتراز عن نفس اليمين والاقتداء عنها اقتداء بالصحابة إذْ صلاح حاله لليمين ونسبته إلى الكذب ومنه دعوة المولى أكبر أولاد أمة ولدتهم في بطون بيان لنفى نسب الأخيرين بدلالة حال لزوم الإقرار عليه لو كانوا منه والسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب بيان المنفى. ٣ - ما بينه ضرورة دفع الغرور كسكوت من يرى عبده يعامل كان إذنا لأن الناس يستدلون به على إذنه فيعاملونه فكان إضرار وسكوت الشفيع عن طلبها كان إسقاطا لضرورة دفع الغرور والضر ﵁ عن المشترى وليس مندرجا في القسم الثاني كما ظن لأنه سكوت مع امتناعه شرعا لولا الرضا أو مع وجوبه عرفًا عند الرضا وليس ما نحن فيه بشيء منهما كيف وربما يكون المولى لفرط الغيظ أو لأن يتأمل في صلاحيته

стр. 503

للإذن فيأذن وكذا سكوت الشفيع. ٤ - ما بينه ضرورة طول الكلام مثل له على مائة ودرهم أو دينار أو قفيزين جعل العطف بيانا لها عندنا وعند الشافعي مجمله وإليه بيانها لأن العطف لم يوضع للبيان بل للمغايرة وإلا فكذلك مائة وثوب أو شاة أو عبد وهو القياس. قلنا: استحسناه بالعرف والاستدلال فإن إرادة التفسير بالمعطوف فإن مميزه عينه متعارفة في نحو مائة وعشرة دراهم للإيجاز حتى يستهجن ذكره في العربية ويعد تكرارًا وكذا مائة ودرهم وعطف كل غير عدد إذا كان مقدار لأنه مما يثبت في الذمة في عامة المعاملة كالمكيل والموزون بخلاف له علي مائة وثوب فضلا عن نحو وعبد فإنه لا يثبت في الذمة إلا في السلم فلا يرتكب إلا فيما صرح به كالمعطوف ولأن المعطوفين كشيء واحد كالمضافين ولذا لم يجز الفصل بينهما إلا بالظرف فكما يعرف المضاف إليه مضافه يعرف المعطوف المعطوف عليه إذا صلح كما في المقدر. واتفقوا في له أحد وعشرون درهما أو شاة أنه بيان لكونه تفسيرا يعقب مبهمين متعاطفين والعطف للشركة فيما يتم به أحد المعطوفين كما على مائة وثلاثة دارهم أو ثلاثة أثواب أو شياه وأبو يوسف ﵀ جعل على مائة وثوب أو شاة بيانا لأن احتمال قسمة الجميع قسمة واحدة جبرا دل على الاتحاد إذ الجبري ليس إلا في متحد الجنس بخلاف مائة وعبد قيل لا يصح الفرق لأن عدم التقسيم الجبرى في الرقيق مذهب الإمام وعند صاحبيه كغيره. فأجيب: بان جريانه بأنه عندنا عند اتفاق المتقاسمين وذا في الحقيقة بيع لا قسمة ورد بأن الرواية جريانه عندهما ولو بإرادة البعض ثم وجه بأن الفرق بالاتفاق في جريانه في غير الرقيق لا فيه والحق أن الحق قولهما في الرقيق على جريانه برأي القاضي لا بدونه كما في غيره. المقصد الرابع في بيان التبديل وهو النسخ ويستدعي الكلام في تعريفه وجوازه ومحله وشرطه الناسخ والمنسوخ ففيه مباحث: الأول: في تعريفه هو لغة التبديل وهو إخلاف شىء بغيره ولذا سماه به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وذا يعتبر تارة في نفس الشيء فيعبر عنه بالإزالة نحو نسخت الشمس الظل لأنها تخلفه شيئا فشيئا وأخرى في مكانه فيعبر بالنقل نحو نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه إلى آخر ومنه مناسخات المواريث لانتقال المال في الورثة وتناسخ الأرواح لانتقالها في الأشباح والتعبير عنه في القرآن بالتبديل أدل دليل

стр. 504

على أنه حقيقته لا سيما وقد نقله الثقة من مشايخنا ففي كل من المعنين الآخرين مجازا باسم الملزوم فلا يلتفت إلى أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل باسم اللازم أو بالعكس باسم الملزوم أو مشترك واصطلاحا أن يدل على خلاف حكم شرعي دليل شرعي متراخ فالدلالة أولى من الرفع كابن الحاجب والبيان كبعض الفقهاء لأن صدق كل منهما باعتبار دون آخر فإنه بيان محض في علم الله المتعلق بأمد حكمه ورفع وتبديل في علمنا بإطلاقه الظاهر في البقاء. ومن اللفظ والخطاب كإمام الحرمين والغزالي فأولا لأنه دليل النسخ لا عينه ولذا يقال نسخ به ويسمى ناسخًا ولا يلزم من كون شرط دوام الحكم عدم قول الله الدال على انتفائه أن يكون قطع الدوام ذلك القول لجواز أن يكون آلته كما أن عدم الآلة القتالة شرط بقاء المنقول وتفسير القول بالكلام النفسي ولقثيله بمدلول نسخت ينافي وقوعه موقع اللفظ ووصفه بالدال على الانتفاء فإنه عين النفي الخفي. وثانيا: أن لفظ العدل نسخ حكم كذا داخل ليس بنسخ وفعل الرسول خارج نسخ إلا عند تأويل الدلالة بالذاتية فالأولى عدمه على أن دلالة الفعل عند من يجعله موجبًا ذاتية ويخرج بقولنا على خلاف حكم شرعى أي ما ينافيه لا ما يغايره رفع المباح الأصلي ولا يرد نسخ التلاوة فقط جمعًا لأن المقصود تعريف النسخ المتعلق بالأحكام إلا أن يدرج الأحكام اللفطة كصحة التلاوة في الصلاة وحرمتها على نحو الجنب وبقولنا دليل شرعي دلالة عدم الأهلية كما بالموت والجنون على عدمه كما خرج عدمه بالإذهاب عن القلوب وبانتهاء وقت الموقت ويتناول الكتاب والسنة القولية والفعلية وغيرها وبمتراخ المخصص ونحو الاستثناء لأنه دافع والناسخ رافع لا يقال لا يصح كونه رافعًا فإنه إما للحكم وتعلقه وهما قديمان فلا يرتفعان لأن القدم ينافي العدم لأثرهما وهو الفعل فليس الفعل الماضي أو الحاضر إذْ لا يتصور نسخهما ولا المستقبل قيل: لأن ما في المستقبل إذا نسخ لم يكن وما لم يكن لا يرفع فما في المستقبل لم ينسخ وفيه أن رفع المرفوع بهذا الرفع غير ممتنع. والأولى: أن ما في المستقبل غير موجود فكيف يرفع لأنا نقول قد مر أن قدم المتعلق يختلف فيه بين المشايخ فيمكن أن يكون محل النسخ إياه لكن شبهة الأثر عائدة إن تمت امتنع النسخ والحق أن المنسوخ ليس نفس الفعل بما تعلق الحكم التكليفي لكن بالنسبة إلى إطلاقه في علمنا كما مر، أما بالنسبة إلى علم الله تعالى فالتعليق القديم مكيف بهذه الكيفية ومغيا بهذا الأمد فالمرتفع دوامه الظاهري الاستصحابي لا الحقيقي وهو المراد بالتعلق المظنون في المستقبل والقول بأن القديم الإيجاب والمرتفع الوجوب التنجيزي الذي هو

стр. 505

أثره ليس بتحقيق كما مر أن اختلافهما اعتباري وفي الحقيقة شيء واحد لأن ارتفاع الأثر اللازم يوجب ارتفاع الملزوم فإن أريد التعلق بالوجه الذي قررناه فذلك هو هو. الثالط في جوازه: أجمع أهل الشرائع على جوازه إلا غير العيسوية من اليهود ففرقة منهم عقلا وفرقة سمعا وكذا على وقوعه غلا أبا مسلم الأصفهاني لأن كلاهما يسمى نسخا تخصيص عنده والحكم الأول مقيد بالغاية حتى في الشرائع المتقدمة إلى ظهور خاتم الأنبياء ﵇ وبذا يعلم أن ليس النزاع في إطلاق لفظ النسخ وكيف يتصور من المسلم وقد ورد في القرآن بل في ورود نص على خلاف حكم نص سابق غير موقت والحق أن بشارة موسى وعيسى ﵉ بشرع محمد ﵇ يحتمل أن تكون لتفسيره أو تقريره أو نسخ البعض وغير لازم منه توقيت جميع أحكامهم المنسوخة. لنا في مجرد جوازه القطع به عقلا أما إذا لم يعتبر المصالح أي للعباد فالله غني عن العالمين فظاهر لأن الله يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وأما إذا اعتبرت تفضلا على ما عليه الفقهاء فلجواز اختلاف مصلحة الفعل أو الأمر باختلاف الأوقات وعلم الخبير القدير به وإن كان غيبًا عنا كشرب الدواء ففي ذلك حكمة بالغة لا بداء كما في الإماتة والإحياء وفيهما أمر آدم باستحلال الأخوات والجزء كحواء ونسخ في سائر الشرائع. قيل: بناؤه على حجية شرع من قبلنا ما لم يرد مخالفه فأولى منه أن يقال ثم حرم عليه إذا وجد أولاد أولاده لاندفاع ضرورة التناسل وليس بشيء لأن الكلام ها هنا في مطلق النسخ لا في النسخ بشريعتنا أما وجوب الختان يوم ولادة الطفل في شريعة موسى ﵇ بعد جواز تركه في شريعة إبراهيم ﵇ وحرمة جمع الأختين عندهم بعد جوازه في شريعة يعقوب ﵇ والسبب بعد جوازه قبلهم فقيل لا يصلح للتمسك لأن كلا منهما رفع الإباحة الأصلية ولا ترد بأن الإباحة فيها بالشريعة فإن الناس لم يتركوا سدى في زمان لأن تقييد الحكم بالشرعي مستدرك حينئذ بل بأن سكوت الأنبياء عند مشاهدتها تشريع منهم فكانت أحكامًا شرعية. لليهود أولا قول موسى ﵇ تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض وهذه شريعة مؤبدة عليكم فإنه متواتر قلنا على أن التأبيد قد يستعمل في الزمان المديد لا نعلم أنه قوله ومتواتر كيف وكتابهم محرف لا يصلح حجة ولذا اختلف نسخها ولم يجز الإيمان بالتورية التي فيهم بل يجب بالتي أنزل على موسى ﵇ وكيف يتواتر بعد بخت نصر وقد قتل علماء اليهود شرقا وغربا واحرق أسفار التوراة قيل اختلقه ابن الراونى ويؤيد كونه مختلقا أنهم لم يحتجوا به للنبي ﵇ وإلا لاشتهر عادة ولو كان

стр. 506

لفعلوه عادة. وثانيا: أن النسخ لحكمة ظهرت بداء ولا لها عبث وكلاهما على الله تعالى محال قلنا لحكمة لكن المتجدد نفس المصلحة كما في شرب الدواء لا العلم بهذا فلا بداء. وسره كونه بيانًا بالنسبة إليه وإلا فإن وجد المصلحة الأولى وقت النسخ فلا تجدد وإلا فلا ثبوت فلا نسخ اولا لحكمة لكن المنفى قصدها والعلم المتجدد بها ولا عبث لأنه ما لا مصلحة فيه وإن سلم أن ما لا قصد إلى مصلحة فيه يمنع استحالته على الله تعالى. وتنويره إن أريد بظهور الحكمة تجددها اخترنا الإثبات ولا بداء أو تجدد العلم بها اخترنا النفي ولا عبث ولا إحالة فيه. وثالثا: أنه يوجب كون الشيء حسنًا وقبيحًا معا لا يجاب بأنه في زمانين كما فعل وإلا فلا رفع، قيل: ولأن اجتماعهما على مذهب من يجوز النسخ قبل التمكين من الفعل كما هو المختار إنما هو في زمان وليس بشيء لأن المجتمع فيه الفعلان المأمورية والمنهى عنه لا الحسن والقبح بل بان الحكم حال النسخ حسن ظاهرا قبيح حقيقة أما الأول فلبقائه بالاستصحاب لا يقال ليس بحجة عندنا فلا علم بحكمه إلا حال نزوله لأنه حجة إنما علم عدم تغيره فإن العلم بعدم نزول المغير في زمن الرسول ﵇ علم بعدم المغير إذ لو كان لبين قطعا أو لأن النص هو المفيد بالإجماع أن الأحكام الشرعية لها حكم البقاء إلى زمان نزول الناسخ على احتماله وهذا كله في زمنه أما بعده فكونه خاتم النبين الثابت بالتواتر الموجب لانسداد باب الوحى بعده المقتض لامتناع النسخ بعده يفيد البقاء يقينا وأما الثاني فلأن الحكم الأول مغيا بهذه الغاية في الحقيقة. ورابعا: أن الحكم الأول إما مغيا بها فلا رفع بعد غايته أو موبد فلا نسخ لأربعة أوجه التناقض والتادية إلى أن لا يمكن التعبير عن التأييد وإلى نفي الوثوق بتأييد حكم وإلى جواز نسخ شريعتكم والثواني باطلة باعترافكم. قلنا: بعد ما مر مغيا عند الله ولا ينافي رفعه بالنظر إلينا لا نعلم الحصر بل مطلق عن القيدين قيل ولو سلم فالتأييد قيد الواجب والنسخ للوجوب أي الفعل أبدًا واجب في الجملة وإذا جاز نسخ وجوب المؤقت قبل وقته مع النصوصية فهذا أولى فلا تناقض ولا تأدية لأن المنسوخ غير ما عبر عن تأييده والوثوق لفة ونسخ الحكم المؤيد غير نسخ حكم المؤبد. وفيه بحث فأولا: لأن نسخ الوجوب يستلزم نسخ الجواز عندنا كما مر أنه الحق فإذا نسخ

стр. 507

وجوب المؤبد لم يبق جوازه فارتفع تأييده أيضًا. وثانيا: وفيه سر واضح حجابه. وثالثا: يكشفه لوقته كتابه. رابعا: لأن ترديدهم إما مغيا أو مؤبد إنما هو في محل النسخ وإذا كان محله الوجوب كان الترديد فيه فلا يتم ذلك مخلصا والتعويل على ما سلكه أصحابنا. وخامسا: أنه لو جاز فرفع الحكم إما قبل وجوده والشيء قبل وجوده لا يرتفع وإما بعده أي بعد ابتداء وجوده حالة بقائه لا حالة عدمه بعد الوجود لأن انعدام المعدوم ممتنع لكن الموجود لا ينعدم بعينه أي لا يكون المقصود بالنسخ ارتفاع عينه بل أن لا يوجد مثله ثانيا فيعود إلى الارتفاع قبل الوجود وأما معه فلمثله النسخ وإما في الحكم التكليفي فذلك يجوز ارتفاع تعلقه قبل وجود الفعل كما بالموت كذا قيل. وفيه بحث: لأن التردد إذا كان في الحكم كان معنى هذا القسم ارتفاع الحكم قبل وجود نفسه ولا شك في امتناعه. لا يقال فالأولى اختيار أنه بعد الحكم حالة بقائه قوله الموجود لا ينعدم بعينه قلنا فلا انعدام لأن جميع الموجودات المنعدمة كذلك بل ينعدم بارتفاع بقائه. لأنا نقول المرتفع وجودًا كان أو بقاء لا ينعدم حالة وجوده ولا بعده بعينه وإلا لكان موجودًا معدومًا معا فالحق شيدنا أركانه أن المرتفع لبقاء المطون الاستصحابي لا المتحقق قطعا وذلك كاف لإطلاق الارتفاع فلله در من أختار بيانه. سادسا: أن الحكم في علم الله إما مؤبد فليزم من النسخ جهله وإما موقت بلا ثبوت له بعد الوقت فلا رفع قلنا موقت بوقت معين عنده لعلمه بالارتفاع بالنسخ لكن ذلك التوقيت مما يقرر النسخ لا ينافيه ولا يخلو عن البحث انه لما لم يثبت وقت النسخ كيف ينسخ والأولى أن المرتفع بقاؤه المطون في نظرنا كما مر. ولنا على الأصفهاني أولا إجماع الأمة قبل ظهوره وان شريعتنا بخلاف كل الشرائع أي تنسخ أحكامها المخالفة. وثانيا: أن شريعتنا إن توقفت على النسخ وهي ثابتة ثبت والأحاد إثباته بالأدلة الشرعية بلا دور فهنا الإجماع قبل ظهور ومنها نحو قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية. وثالث: أن التوجه إلى بيت المقدس نسخ بعد وجوبه إجماعا بالتوجه إلى القبلة وكذا الوصية للوالدين بآيات لمواريث وكذا ثبات الواحد للعشرة بثبات الواحد للاثنين وغيرها،

стр. 508

الثالث في محله وهو حكم يحتمل الوجود والعدم من حيث ذاته ولم يلحق منافيه من تأييد أو تأقيت ثبت نصا أو دلالة وإلا فلا نسخ. وتنويره أن الحكم إما أن لا يحتمل العدم لذاته كالأحكام العقلية من أسماء الله وصفاته وما يجري مجراها من الأمور الحسية أو لا يحتمل الوجود كالممتنع أو يحتملها كالشرعية الفرعية فإن لحقه تأييد أي دوام ما دامت دار التكليف نصا كآيتى ادخلوا خالدين ولا حمل على المكث الطويل بلا قرينة وفيه الكلام. قيل ومنه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] فهو تأييد في صورة التأقيت وذا باعتبار تضمنه الحكم بوجوب تقدم المؤمن على الكافر في الكرامات كالشهادة أو لأن مفهومه يحتملهما ذاتا كقوله ﵇: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" أو دلالة كالشرائع التي قبض عليها النبي ﵇ كما مر أو توقيت كان يقول أحللت هذا إلى عشر سنين أو كان إخبارًا عن الأمور الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية لم يقبل النسخ والإلزام خلاف قضية العقل والبداء والتناقض والكذب وإن أطلق فهذا هو المحل لجواز النسخ إذ لا دليل على البقاء عقلا أو نصا بل ظاهرا بخلاف الأقسام الستة فهذا كالبشرى يثبت الملك دون البقاء فينسخ لانعدام الداعي إلى شرعه لا أن الناسخ بعينه أبطله بل أظهره فلم يلزم تنافض وبداء واجتماع حسن وقبح في آن واحد بل في آنين ولو في فعل واحد كإيجاب الصوم غدا ونسخه قبله ولا يرد ذبح إسماعيل ﵇ أنه مأمور به بعد الفداء لأنه فداؤه ومنهي عنه ﵀ لأنه حرام قيل لأنه ليس بمنسوخ بل ثابت نحول مما أضيف إليه بسبب الفداء على ذلك قد صدقت الرؤيا أي حققت مما أمرت به بالإتيان ببدله فإن الإبدال ليس نسخا كالتيمم فذبح الشاة بالأمر الأول. فأولا: لأنه لا أمر آخر والمأمور بلا أمر مح. وثانيا: لأن موجب الفداء هو موجب الأصل كالشيخ الفاني هو المعلوم من نص النقدية كما عرف وأبرز في صورة ذبح الولد تحقيقا للابتلاء فيه وفي والده. ورد بمنع أن الأمر بنفس الذبح بل بالاشتغال بمقدماته وإلا قال إني ذبحتك وقد اشتغل بها وبذا صدق الرؤيا، وأجيب أنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه بلا دليل بل ترويع الولد والإقدام على المذبح بالجد دليل الظاهر والعبارة عن المباشرة إنما هي أذبحك أما ذبحتك فعبارة الفراغ عنها وتصديقه الرؤيا في الذبح حاصل وهو إمرار السكين على محل الذبح إمرار بالمبالغة.

стр. 509

وأقول فيه بحث لأن هذا الجواب محقق لاجتماع المأمورية والحرمة بعد الفداء لدافع والصحيح أن ذبح الولد مقيدا بالإتيان ببدله على الكيفية الواقعة من الترويع وغيره هو المأمور به من أول الأمر فلم يكن ذبح الولد مطلقا حسنًا أصلا. فها هنا مسألتان الأولى لا يجوز نسخ الخبر عند الجمهور ماضيا ومستقبلا خلافا لبعض المعتزلة والأشعرية فإن أريد تكليف الشارع بالإخبار بشىء شرعي أو عقلي أو عادي فلا نزاع في جوازه لأنه للحكم في الحقيقة وكذا نسخ تلاوة الخبر لأنه لجوازها في الصلاة أو حرمتها لعلة الجنب أو نحوها وهل يجوز أن يكلفه الأخبار بنقيضه فعلى الرسول لا لأنه يرفع الثقة وعلى غيره نعم لجواز تكليفهم بالكتاب كما في المواضع الثلاثة خلافا للمعتزلة فهان أحدهما كذب والتكليف به قبيح فمبناه التقبيح العقلي وإن أيد نسخ الخارجي الذي يطابقه مفهوم الخبر فإن كان مما لا يتغير كوجود الصانع وحدوث العالم فلا اتفاقا للزوم الجهل والكذب كما في نسخ مدلوله النفسي وهو الجزم بالنسبة أو مما يتغير كإيمان زيد وكفره فالمختار لا لما مر خلافًا لهم ومنهم من أجازه في المستقبل فقط لأن الماضي قد تحقق قالوا إذا قال أنتم مأمورن بصوم رمضان ثم قال لا تصوموا رمضان جاز اتفاقا قلنا المنسوخ وجوب الصوم لا مدلول الخبر وهو وقوع الأمر. تنبيهات ١ - قوله أنا افعل كذا ألف سنة أو أبدا ثم قال أردت عشرين سنة جائز اتفاقا لكنه تخصيص إن وصل وإلا فغير مسموع لأنه بيان تغيير لا نسخ. ٢ - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قيل أي ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله أو يتركه غير منسوخ وقيل يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة فلا دلالة فيه على نسخ الخبر. ٣ - قلة من الآخرين ليس ناسخا لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٤] لأنه إن صحت الحكاية فزيادة ألحقت بتضرعهم أو بدعاء الرسول ﵇ وإلا وهو الأولى سياقا فالأولى في السابقين والثانية في أصحاب اليمين. ٤ - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] لم ينسخ بقوله فبدت لهما سوآتهما ولا آيات الوعيد بالخَلود في النار بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] بل هي من باب تقييد المطلق بالقرائن لأن مجهول التاريخ مقارن. ٥ - النزاع في خبر في غير الأحكام الشرعية أما فيها فكالآلام والنهي، الثانية في المقيد بالتأييد والتوقيت إن كانا قيدي الفعل نحو صوموا إلا الموالي كذا لأن الفعل يعمل بمادته

стр. 510

والوجود من الهيئة فالجمهور منا من السعة على جواز نسخه خلافا للجصاص وعلم الهدى والقاضي ابن زيد والشيخين ومن تبعهما أما إن كانا قيدي الوجوب نحو الصوم واجب مستمر أبدا لا يجوز اتفاقا أو ظاهرا محتملا نحو صوم رمضان يجب أبدا فإن الفعل أصل في العمل والمختار في التنازع أعمال الثاني ويحتمل ظرفا للصوم يجوز عند الجمهور ويحمل على خلاف الظاهر من أعمال إلا بعد وقيد على التجوز بالأبد عن المكث الطويل وفيه أن هذا التجوز يجوز في "يجب" أبدا أيضًا لا عندهم. للجمهور أن أبدية الفعل المكلف به لا ينافي عدم أبدية التكليف به كما أن تقيده بزمان يجامع عدم تقيد التكليف به نحو هم غدا فمات قبله ولذا جاز نسخه اليوم كما مر وذلك لجواز اختلاف زمانيهما وإذا جاز ذلك في صم غدا مع قوة النصوصية فيما تناوله فهذا مع احتمال التجوز في الأبد أولى لا يقال تقييد الفعل بالأبدية لا من حيث هو بل من حيث كلف به فيستلزم أبدية التكليف به فإذا انتفت أبدية التكليف بالنسخ انتفت أبديته لأنا نقول إن أريد بالحيثية تقييد التكليف بها فليس يلازم ولئن لزم فملتزم وإن أريد اعتبارها في الفعل وقت التكليف فسلم ولا يقتضي تقييد التكليف. وللمشايخ المتأخرين أولا أن ورود النسخ على الصوم الدائم والمؤقت يجعله غير دائم وموقت لأنه ينافيهما وعلى وجوبه يستلزمه لأنه إذا لم يجب جاز تركه فلم يدم فبين دوام الصوم ونسخ وجوبه منافاة نقيض كل لازم لملزومه فيكون مبطلا لنصوصية التأبيد كتأبيد الوجوب بعينه. وثانيا: أن التأبيد بمنزلة التنصيص على كل وقت من الأوقات بخصوصيته ولا نسخ فيه بمنزلة التنصيص على وقته فقط من نحو صم غدًا أولا يرى أن التأبيد في الخبر قطعي حتى نسب حمل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] في حق الجنة والنار وأهليهما على المبالغة إلى الزيغ والضلال فَكذا في الحكم إذْ لا فرق بينهما في دلالة اللفظ. وثالثا: أن عدم الجواز في نحو الصوم واجب مستمر أبدا إن كان لكونه خبرا مؤديا إلى الكذب فكذا الصوم المستمر المؤيد في رمضان واجب وإن كان باعتبار كونه حكمًا وإيجابًا فالإيجاب المويد للصوم كالايجاب للصوم المؤيد في أن نسخه بداء فالفرق تحكم. وأقول: هذا القول كان حقيقا بالقبول لو بني عدم جواز نسخ المؤيد على لزوم رفع نصوصية التأبيد كما هو المفهوم من الكتب حتى فرقوا بينه وبين نسخ بعض أفراد العام بأنه لا يوجب كون المراد ولا بعضها فلا يرفع نصوصية العموم وهذا يرفع نصوصية

стр. 511

التأبيد لكن سر المسألة عندي أن اجتماع الحسن والقبح في زمان واحد إن لزم امتنع لامتناع لازمه وإلا فلا فنسخ الوجوب المؤبد يستلزمه ولو في بعض أزمنة ما نسخ وجوب الفعل المؤبد فلا لاحتمال أن يكون زمان الوجوب غير زمان الفعل أو بعضا منه فيتصف بالقبح في غير زمانه كما في صم غدا ثم نسخه قبله. وها هنا يطلع على خلل نكتهم فإن الفعل المؤبد إذا لم يلاحظ معه الحكم الشرعي لا يتصور نسخه ولا قبحه فكيف يستلزم نسخ وجوبه نسخه ولا نعلم أن لا نسخ في التنصيص على كل وقت إذا قيد به الفعل بل إذ قيد به الوجوب فليس الإيجاب المؤيد كإيجاب المؤبد. وفي فرقهم أيضًا منع يستند بأن نسبة الأزمان إلى نصوصية التأبيد كنسبة الأفراد إلى نصوصية العموم عندهم فالرفع وعدمه مشتركان. تتمة: لا مثال للتأبيد والتأقيت في نصوص الأحكام الشرعية فليس في هذا الخلاف كثير فائدة أما نحو ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فللتحريم في الحيض و ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ [البقرة: ١٨٧] لإباحتهما في الليل وهما مطلقان لا مؤقتان وكذا نظيرهما. الرابع: في شرطه هو التمكن من عقد القلب عندنا فإنه كاف وعند المعتزلة والصيرفي من الشافعية والجصاص وعلم الهدى والقاضي ابن زيد من الحنفية التمكن من الفعل أيضًا وهو أن يمضي بعد وصول الأمر إلى المكلف زمان يسع الفعل من وقته المقدر له شرعا ولا يكفي ما يسع جزعًا منه فكل من النسخ قبل دخول وقته أو بعده وقبل مضى ذلك القدر محل النزاع وبناؤه على أن الأصل عندنا عمل القلب فالنسخ بيان انتهاء مدته لكفايته مقصودا تارة كما في إنزال المتشابه وكونه أقوى المقصودين أخرى لتوقف كون العمل قربة عليه بدون العكس وعدم احتماله السقوط دونه وعندهم عمل البدن لأنه المقصود. بكل تكليف فصار النسخ لبيان انتهاء مدته فلو نسخ قبله كان بداء. لنا أولا: خبر المعراج حيث نسخ الزائد على الخمس من الخمسين قبل التمكن من الفعل لا من عقد النبي ﵇ وهو أصل وعقد جميع المكلفين ليس بشرط وهم ينكرون المعراج بمعنى الإسراء إلى المسجد الأقصى لثبوته بالكتاب بل بمعنى الصعود إلى السماء والحديث مشهور متلقى بالقبول كالمتواتر لا يمكن إنكاره. وثانيا: أنه بعد وجود فرد من المأمور به أو زمان يسعه بدونه جائز اتفاقا وإن كان ظاهر الأمر يتناول كل ما في العمر فكما بين النسخ ثمة أن الأدنى هو المقصود ولم يؤد إلى

стр. 512

البداء فكذا هنا بل أولى. وثالثا: أن النسخ يقتضي تحقق المنسوخ ليكون بيانا لانتهاء حسنه وقبح ما يتصور من أمثاله ولما لم يتحقق قبل الفعل بعد التمكن إلا عقد القلب مع الاتفاق في جواز نسخه علم أن محكم المقصود من الأمر ذلك وعمل البدن الروائد كالتصديق والإقرار في الإيمان. أما التمسك بأن التكليف ثابت قبل وقت الفعل فيجوز رفعه بالنسخ كما بالموت من حيث يمكن مع ثبوت التكليف مع الموت لأن شرطه الحياة عقلا فلا رفع وبأن كل تكليف قبل وقت الفعل أو معه أو بعده لا نسخ لتعين الإطاعة والعصيان من حيث إن ليس كل نسخ كمحل النزاع لجواز أن يكون قبل وقت الفعل وبعد التمكن بوجود الوقت الذي يسعه وبقصة الذبح حيث أمر به لقوله تعالى: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولا قدامه وترويعه ونسخ قبل وقته لأنه لم يفعل فلو حضر وقته كان عاصيا من حيث إمكان أن يكون موسعا وقد انقضى منه ما يسعه ولا يعصي به ومثل هذا التعلق بالمستقبل لا يمنع النسخ عندهم ولا يرد لو كان موسعًا لآخر الإقدام والترويع رجاء أن ينسخ أو يموت فمثله من عظائم الأمور يؤخر عادة لأنا لا نعلم عدم التأخير فكونها في أول أوقات الإمكان غير معلوم أو من حيث أنه ليس بنسخ كما مر فإن الاستخلاف ليس نسخا. ويكون مقرر للأصل وفائدة الأصل ابتلاؤهما بالانقياد وحرمة الذبح بعد الفداء حرمة أصلية معتادة كاستخلاف عقد الذمة عن الحرب لا شرعية ليقال التحريم بعد الوجوب نسخ لا من حيث أنه لم يؤمر بل يوهمه من الرؤيا أو لم يؤمر إلا بمقدمات الذبح وقد فعلها أو أنه ذبح لكن كان كلما قطع شيئًا التحم عقيبه أو خلق صفيحة نحاس يمنعه إذ لولا الأمر لم يقدم على المحرم ولما سماه بلاء مبينا ولما احتاج إلى الفداء ولكان على أصلهم توريطا لإبراهيم ﵇ في الجهل بما يظهر أنه أمر وليس نقله معتبرًا والأمر بالذبح مع الصحيفة تكليف بالمحال فلا يجوز عندهم فليس شيء منها بشيء. ولهم بعد ما مر من البداء أن الفعل لا بد من وجوبه وقت النسخ وإلا فلا رفع فلو عدم وجوبه به لكان مأمورا به وغير مأمور به حينئذ قلنا إن صح منع النسخ مطلقا وحله جواز كونه مأمورا به في وقت وجائزا تركه في وقت بعده هو وقت النسخ وكلاهما قبل وقت الفعل المقدر له شرعا فلا تناقض كذا قيل وحاصله أن زمان التكليف متعدد وإن اتحد زمان الفعل ولا يتم إلا مع حديث الاستصحاب المار إذ لا نسخ وقت الوجوب. وها هنا مسائل الأولى: شرط بعضهم في نسخ التكليف تكليفا يكون بدلا عنه أي خطابا لا وضعيا

стр. 513

سواء كان فيه كلفة كالوجوب والتحريم أو لا كالإباحة الشرعية والجمهور على جوازه بدونه. لنا أولا: أن لا مصلحة وإلا فلعلها فيه بلا بدل. وثانيا: وفوعه كنسخ وجوب تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول ﵇ فالإباحة أصلية أما الإباحة بعد نسخ وجوب الإمساك عن المباشرة بعد الإفطار وتحريم لحوم الأضاحي فشرعية وإنما تصح مثالا لو أريد بالتكليفى إلزام ما فيه كلفة لهم أو لا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية ولا يتصور الخير والمثل إلا في البدل والجواب عنه بأن الآية هو اللفظ فبدلها لفظ فالمراد نأت بلفظ خير لا بحكم خير والنزاع في الثاني لما سيجيء أن ليس المراد اللفظ بل بأن الحكم أعم من البدل والشرعي فلعل الخير في حكمة الله عدم الحكم الشرعي وهو حكم أصلى ولئن كان فربما كان مخصصا بما نسخ لا إلى بدل ولئن كان فدلالته على عدم الوقوع والكلام في عدم الجواز. الثانية: شرط بعض الشافعية كون البدل تكليفا أخف كنسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة بوجوب ثبات الواحد للعشرة بوجوب ثباته للاثنين وتحريم الأكل بعد النوم في رمضان بإباحته أو مساويا كنسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس بوجوبه إلى المسجد الحرام والجمهور على جوازه بدونه. لنا ما تقدم من حديث المصلحة والوقوع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وصوم عاشوراء وهي يوم بصوم شهر رمضان ووجوب الحبس في البيوت على الزاني بالجلد أو الرجم والصفح عن الكفرة بقتال مقاتليهم ثم يقتالهم كافة. لهم أولا: أن النقل إلى إلا نقل أبعد مصلحة قلنا بعد النقض بأصل التكليف لا نعلم وجوب رعاية المصلحة ولئن كان فلعلها في الأثقل بعد الأخف كمن القوة إلى الضعف والصحة إلى السقم والشباب إلى الهرم. وثانيا: بعد قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية والخير هو الأخف والمثل هو المساوي والأشق ليس بشيء منهما قلنا خير باعتبار الثواب قال تعالى: ﴿ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآية وقال ﵇: "أجرك بقدر نصبك" (١) ويقول للمريض الجوع خير لك. وثالثا: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ

стр. 514

الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية والنقل إلى الأثقل تعسير قلنا الآية مطلقة لا عامة والسلام للجنس لا للاستغراق ولئن كان فالسياق دليل إرادته في الآخرة كتخفيف الحساب وتكثير الثواب ولئن كان فحاز باعتبار ما يؤل إليه لأن عاقبة التكليف هذان ولئن كان دنيويا وحقيقة فخصوص بما مر من النسخ بالأثقل تخصيصه بأنواع التكاليف الشاقة والباليات في الأبدان والأموال. الثالثة: بلوغ الناسخ إلى المكلف بعد الرسول شرط لزوم حكمه فبين التبليغين لا يلزم كما قبل التبليغ إلى الرسول خلافا لقوم. لنا أولا: لزوم اجتماع التحريم والتحليل أن ترك العمل بالأول لحرمته للناسخ ووجوبه لعدم اعتقاد نسخه وكذا إن عمل بالثاني لعكسها. وثانيا: لو ثبت قبله لثبت قبل تبليغ جبرائيل أيضًا بعد وجوده لاستوائها في وجود الناسخ وعدم علم المكلف به والفرض أنه لا يمنع والتالي باطل اتفاقا لهم أنه حكم محدد لا يعتبر علم المكلف به كما عند بلوغه إلى مكلف واحد. قلنا الفارق بينهما وهو التمكن من العلم معتبر قطعا وإلا كان تكليف الغافل وهو من ليس له صلاحية اللهم لا من ليس عالما وإلا لم يكن الكفار مكلفين. الخامس في الناسخ والمنسوخ: وفيه مباحث: الأول الإجماع "لا يصلح ناسخا ولا منسوخا" (١) خلافا لبعض مشايخنا (٢) لأن زمن الإجماع بعد عهد الرسول إذ لا إجماع فيه دون راية وهو منفرد ولا نسخ بغده ﵇ وسقوط نصيب المؤلفة في زمن أبى بكر ﵁ لسقوط سببه لا بالإجماع وهذا وإن عم صورة فالمراد به أن لا ينسخ الكتاب والسنة به وبالعكس لا الإجماع بالإجماع فذلك يجوز. والفرق أنه لا ينعقد مخالفا لهما ولو وجد فبنص هو المعارض بخلافه في مصلحة ثم في أخرى، وقيل: لا يجوز مطلقا أما ناسخيته فلأنه إما عن نص فهو الناسخ وإما لا عنه فالأول إما قطعي ولا إجماع على خلاف القاطع لكونه خطأ وإما ظني فقد انتفى بمعارضة الإجماع القاطع فلا ثبوت لحكمه فلا رفع. وفيه بحث: فإن للإجماع عبرة وإن لم يعرف نصه وأيضًا إذا عرف نصه ربما لم

стр. 515

يعرف تاريخه فلم ينسخ بخلاف الإجماع المتراخي والإجماع على خلاف الظني لا يجب قاطعيته فلعله ظني راجح ولئن سلم فالثابت قبل انعقاده ولو بالظني إذا ارتفع به صار نسخا كارتفاع الثابت بالظني من الكتاب وخبر الواحد إذا نزل نص قطعي بخلافه وأما منسوخيته وهو رفع الحكم الثابت به فإما بقاطع من نص أو إجماع فيكون الإجماع الأول على خلاف القاطع وهو مح وإما لا به وكيف ينسخ القاطع بغيره ولا يقدم الأضعف بالإجماع. أما القياس القطعي الذي نص الشارع على عليته فالنسخ به نسخ بالنص القاطع وفيه أيضًا بحث إذ إنما يتم لو كان الإجماع الأول قطعيا وهو غير لازم وكان منشأ لنزاع ذلك. لهم في جواز ناسخيته مطلقا قول عثمان ﵁ بعد ما قال ابن عباس ﵁ كيف تحجب الأم بالأخوين وليس الأخوان إخوة حجبها قومك يا غلام فأبطل حكم القرآن بالإجماع قلنا الإبطال به يتوقف على القطع بعدم حجب ما ليس بإخوة وذا فرع المفهوم وعلى أن الأخوين ليسا إخوة وذا فرع أن الجمع لا يطلق على اثنين ثم هذا بالظاهر لجواز البخاري ولو سلم القطع فيهما فالإجماع الأول مشروط بعدم الثاني فحين انعقد لا إجماع غيره. الثاني أن القياس المظنون لا ينسخ به ولا ينسخ أعم من أن يكون جليا أو خفيا واستنباطًا أو قياس شبه خلافا لابن عباس وابن سريج من الشافعية مطلقا ولأبي القاسم الإنماطي في نسخ قياس الاستنباط القرآني للقرآن والسني للسنة لأنه بنوعه في الحقيقة دون قياس الشبه أو في القياس الجلي في رواية أما الأول فلأن شرطه التغذية إلى ما لا نص فيه والمنسوخ ثابت بالنص أو بما فيه نص ولما سيجيء في السنة من اتفاق الصحابة على ترك الرأي ولو بخبر الواحد وقيل لأن الحكم الأول إما قطعي فلا يرتفع به وإما ظني مرجوح وإلا فلا نسخ فعند ظهور الراجح بطل شرط العمل به وهو رجحانه فلا حكم له فلا رفع وبذا يعرف أنه لا ينسخ إذ لا حكم له عند ظهور الراجح. وفيه بحث لأن المرتفع بالناسخ لحكم المطون ثبوته في وقت ظهور لولاه لا المتحقق وإلا لتناقض كما مر ولا ريب أن الظني السابق ثابت حينئذ لولاه ورفع المرتفع المرتفع بهذا الرافع متحقق ها هنا كما مر من نسخ الظني من الكتاب السنة بقطعي أو راجح منهما. قيل بينهما فرق هو أن الناسخ المتراخي ليس بموجود حين العمل بهما والقياس

стр. 516

موجود لأنه مظهر لا مثبت قلنا على أنه لا يفيد في إبطال منسوخيته غير لازم لجواز أن يكون النص الذي يظهر حكمه متراخيا نعم لو قيل لما كان مظهرًا كان الناسخ والمنسوخ في الحقيقة نصه لا نفسه لكان شيئا ولا سيما لا نسخ بعده ﵇ والعبرة في زمنه ﵇ بالنص. قال الشافعي ﵀: القياس المقطوع وهو ما جميع مقدماته قطعية كأن كان حكم الفرع أقوى كحرمة الضرب على حرمة التأفف أو مساويا كحرمة صب البول في الماء الدائم على حرمة التبول فيه أو أدنى كحرمة النبيذ على حرمة الخمر ينسخ بالمقطوع في حياته ﵇ سواء كان الناسخ نصا كالنص القطعي على خلاف حكم الفرع أو قياسا كالنص على خلاف حكم الفرع في محل يكون قياس الفرع عليه أقوى وهذا متفق على جوازه بينهم أما القياس على حكم الأصل المنسوخ فمختلف فيه كما سيجيء وأما بعد حياته ﵇ فلا نسخ نعم قد يظهر أنه كان منسوخا. وفيه بحث فإن القسمين الأولين مفهوم الموافقة المسمى عندنا دلالة النص والثالث ممنوع قطعيته وأيضًا فاعتبار ولا قرار للرأي في عهده دون الرجوع إليه. للمجوزين مطلقا قياسه على التخصيص به ولا يصلح كون أحدهما في الأعيان والآخر في الأزمان فارقا إذ لا أثر له قلنا بعد النقض بالإجماع والعقل وخبر الواحد حيث يخصص بها ولا ينسخ الدفة أهون من الرفع وللأنماطي أنه نسخ بالنص في الحقيقة قلنا لا نعلم فإن الوصف المدعى علة غير مقطوع بأنه علة المنصوص حتى لو كان مقطوعا كالعلة المنصوصة جاز. الثالث: أن النسخ بعدهما إما للكتاب أو السنة وكل بنوعه أو بالأجر فالكتاب به كالعدتين والسنة بها كإخبار وخالف الشافعي ﵁ في المختلفين على نسخها به في رواية. لنا فيه أولا: إمكانه في نفسه وعدم لزوم المحال كعكسه وبلا منع السمع فإن بيان أمد الحكم والله تعالى بعثه مبينا فمن الجائز أن يتولى بنفسه بيان ما أجرى على لسانه كعكسه. وثانيا: وقوعه كنسخ التوجه إلى بيت المقدس وقد فعله ﵇ في المدينة ستة عشر شهرا وحرمة المباشرة بالليل وصوم يوم عاشوراء وليس في الآيات ما يدل عليها بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] والآن باشروهن وفمن شهد منكم قيل يجوز أن يكون نسخها بالسنة ويوافقها القرآن أو يثبت المنسوخ بشرائع من قبلنا أو بقرآن نسخ تلاوته قلنا لو قدح ذلك لما صح إجماع العلماء على صحة الحكم بناسخيه

стр. 517

نص علم تأخره كما يخالفه وحجية شرائع من قبلنا معتبرة بما قص فيه ولم يقص في الكتاب وما نسخ تلاوته لا يسمى قرآنا بل سنة لأنه وحي غير متلو ولذا لا يجوز به الصلاة ومنه مصالحة الرسول ﵇ أهل مكة من الحديبية على رد نسائهم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية وربما يتمسك بنسخ الشرائع السالفة بشريعتنا فيحتمل حجة له لأنها ما ثبتت إلا بتبليغه ﵇ فلها حكم السنة ولعكسه لأنها ثابتة بالوحي المتلو وقد نسخ كلها أو بعضها في حقنا بقول أو فعل منه ﵇. له أولا: لتبين للناس فلا يكون ما جاء به رافعا قلنا المعنى من البيان التبليغ ولو سلم فالنسخ بيان أمد الحكم ولو سلم فيدل على مبنيته في الجملة ولا ينافي كونه ناسخا لما ارتفع منها. وثانيا: أنه مطعنة للناس توجب نفرتهم قلنا إذا علم أنه مبلغ لا غير لم يوجبها كما في الأقسام الأُخر. ولنا في عكسه بعد ما تقدم من إمكانه ووقوعه ومنه ما سيجىء من أن أهل قباء استداروا في خلال الصلاة بقول ابن عمر ﵁ إن القبلة قد حولت إلى الكعبة ولم ينكره الرسول ﵇ أن المنسوخ بها حكم الكتاب لا نظمه وهي في حقه وحي مطلق مثله ولا لضحك بنسخ التوجه إلى الكعبة في الابتداء بالسنة الموجبة للتوجه إلى بيت المقدس لاحتمال كونهما بالسنة وهو الظاهر ولا بنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله ﵇: "لا وصية لوارث" (١) لأنه لا يصلح ناسخا وليس متواتر الفرع حتى يجعل مشهورا وإن تلقته الأمة كيف ولم يذكره في الخلف البخاري ومسلم والنسائي وفي السلف مالك ولأن النسخ بآية المواريث لا لكونها مترتبة على وصية منكرة نسخت بإطلاقها المعهودة السابقة وإلا لوجب ذكرها أيضًا وإطلاق المقيد نسخ كتقييد المطلق وليست عينها لإعادتها نكرة ولر سلم لم يدل الآية على تقدم وصية إلا جانب ولم يستند الإجماع إلا إليها وذلك لجواز كونها شاملة لها وإن لم يكن عينها ولو سلم مباينتها لا ينفيها إلا بمفهوم اللقب لأن في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] إشارة إلى أنه تولى بنفسه بيان حق كل من الأقارب بعد ما فوضه إلينا لعجزنا عن معرفة مقاديره كما قال تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ﴾ [النساء: ١١] وقد أوضحها قوله ﵇: "إن

стр. 518

الله أعطى كل ذي حق حقه" (١) ولا وصية لوارث. تحريره أن الوصية شاملة شرعا للأوامر والنواهي والمواعظ والتخصيص بالتبرع بعد الموت عرف فقهي طارئ وهي للأقارب كانت مفوضة إلينا هو المفهوم من قوله بالمعروف ثم أوجبها الشارع مقدرة في آية المواريث ولا شك أنها تنافي المفوضة فنسخها وحين لم ينسخ بها إلا وصية الأقارب لتلك المنافاة بقيت وصية الأجانب فتعينت مراده بقوله ﴿بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ [النساء: ١١] والحديث أوضح الأمرين نسخ الوصية المفوضة وإن المنسَوخة وصية الأَقارب. وهذا تحقيق لكلام المشايخ لم أسبق إليه وبه يندفع أن إيجاب حق بسبب لا ينافي إيجابا كان بسبب آخر ولا نسخ بدون المنافاة وقال شمس الأئمة المنتفي بآية المواريث وجوب الوصية لا جوازها فالجواز نسخ بالحديث. وفيه بحث لأن الجواز إباحة أصلية لا يكون رفعها نسخا ولا ينسخ الإمساك في البيوت أو الجلد لظاهر عمومه في حق الحصين بالرجم يفعله أو قوله ﵇ إما لما روينا عن عمر ﵁ أن الرجم كان مما يتلى في كتاب الله وهو قوله "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" وإما لأن قوله تعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] بمعنى إلى أن فكان وجوب الإمساك مغيا به فبين ﵇ إجماله بقوله أو فعله وذا جائز اتفاقا لأنه ليس نسخا وهذا أولى لما سبق أن المنسوخ تلاوته في حكم السنة فإن تواتر أو اشتهر فقد صح التمسك وإلا فلا يصح ناسخا على ما سيجيء ولا بنسخ لا يحل لك النساء من بعد بقول عائشة ﵂ ما قبض رسول الله حتى أباح لله تعالى له من النساء ما شاء إن قوله من بعد محكم في التأييد ولو سلم فبقوله ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية. وقولها أباح ظاهر في أنها في الكتاب ولا بنسخ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية بنهيه عن أكل ذي ناب إما لأنَ النهي رافع للإباحة الأصلية لا بحكم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] لأن معناه كما قيل خلق الكل للكل لا كل واحد لكل واحد ولئن سلم فالحديث مخصص لا ناسخ أو لأن معناه لا أجد إلا أن والتحريم في المستقبل لا ينافيه ولا ينسخ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ

стр. 519

شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١١] الآية بالسنة إذ منسوخ ولأبتلى ناسخة لا يقال ولم يظهَر في السنة أيضًا لأن القرآن محصور دونها ولا نسخ للمتلو بأحدهما وذلك لأدْ في كونه منسوخا اضطرابا فقيل وردت في أن يعطي لمن ارتدت امرأته ولحقت من غرم الصداق على سبيل الندب. وقيل: على سبيل الوجوب لكن من مال الغنيمة لا من كل مال فعنى عاقبتم غنمتم أو غلبتم ثم لم ينسخ وقيل نسخ بآية القتال وقيل بقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ومع هذه الاحتمالات لا تمسك ولا بتقرير النبي ﵇ قول أبي ﵁ حين نسي آية فقال لأبي هلا ذكرتنيها فقال ظننت أنها نسخت فقال ﵇: "لو نسخت لأخبرتكم ولم يكن له ناسخ في الكتاب لجواز أن يعتقد نسخها بآية لم تبلغه لضيق الوقت أو لعله ظن النسخ بالإنشاء كيف وقد مر أن السنة لا تصح ناسخة لنظم الكتاب لتقوم مقامه في الإعجاز وصحة الصلاة وغيرهما. له أولا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآية إما لأن السنة ليست خبرا ولا مثلا أو لأن ضمير نأت الله تعالى قلنا المراد خيرية الحكم أو مثليته في حق المكلف حكمة أو ثوابا كسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن إذ لا تفاضل في القرآن من حيث اللفظ وبلاغته لكون جميع مقتضيات الأحوال مرعيا في كل منه ولذا لم يتفاوت في صحة الصلاة به وكره فعل يوهم اعتقاده على أن حكم القرى كما مر مثل السنة، والسنة أيضًا من عنده لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: الآيات ٣، ٤] وبه يعلم الجواب عن تمسكه. ثانيا: بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] حيث يكون تبديله من الله تعالى كان بالسنة أو بالاجتهاد الذي يفعله بإذن الله لا من تلقاء نفسه أو المراد لا أضع لفظا لم ينزل مكان ما أنزل. وثالثا: قوله ﵇: "إذا روى لكم عني حديث فأعرضوه" (١) الحديث فقد دل على رده عند المخالفة قلنا خبر العرض إن سلم ثبوته ففيما أشكل تأريخه ليحمل على المقارنة فيرد لعدم قوته على المعارضة أو أشكل صحته فلم يصلح لنسخ الكتاب به. الرابع: لا ينسخ المتواتر كتابا كان أو سنة بآحاد لا يفيد القطع بالقرآن إلحاقه وينسخ بالمشهور وأما الأول فلأن المظنون لا يقابل القاطع قالوا التوجه إلى بيت المقدس كان

стр. 520

متواتر فاستداروا في قباء بخبر الواحد ولم ينكره الرسول ﵇ قلنا للقطع بالقرآن فإن نداء مناديه ﵇ بحضرته في مثلها قرينة صدقة عادة وبه يجاب عن تمسكهم ثانيا ببعثه الآحاد ليبلغ مطلق الأحكام حتى ما ينسخ متواتر لو كان وأما الثاني فلأن النسخ من حيث بيانه يجوز بالأحاد كبيان المجمل والتخصيص ومن حيث تبديله بشرط المتواتر فيجوز بالمتوسط بينهما عملا بشبهيه. تحصيل: لتعيين الناسخ من المنسوخ طرق صحيحة كالعلم بالتاريخ وتنصيص الرسول بناسخيته صريحا كهذا ناسخ أو دلالة كأحاديث كنت نهيتكم وكالإجماع وكذا تنصيص الصحابة خلافا لمن لا يرى التمسك بالأثر. ولهم إذا تعارض متواتران فعين الصحابي أحدَهما أنه ناسخ قولان من حيث أن الناسخ آحاد وربما قاله اجتهادا وإليه يميل أبو الحسين أو متواتر والأحاد دليل ناسخيته فقد يقبل مآلا ما لا يقبل ابتداء كالشاهدين في الإحصان دون الرجم المرتب عليه وشهادة النساء في الولادة دون النسب وهو مذهب القاضي عبد الجبار وقال الكرخى إن قال هذا نسخ ذاك لم يقبل وإن قال هذا منسوخ قبل لان الإطلاق دليل ظهوره عنده وفاسده كتأخره في المصحف إذ لم يرتب ترتيب النزول وكحداثة سن الصحابة أو تأخر إسلامه إذ لا يلزم منهما تأخر منقولهما إلا أن ينقطع صحبة الأول قبل الثاني فيرجع إلى العلم بالتاريخ وكموافقته للبراءة الأصلية فيجعل متأخرا ليفيد وذلك لأن تأخره يستلزم تغييرين والأصل قلته لا نسخين لأن رفع الحكم الأصلي ليس نسخا. تنبيه: إذا لم يعلم الناسخ وجب التوقف لا التخيير كما ظن لأن فيه رفع حكمهما أحدهما حق قطعا. الخامس: الثابت بدلالة النص يجوز نسخه مع نسخ الأصل دونه بلا عكس لأن حكم الأصل ملزومه كتحريم التأفيف والضرب فرفع اللازم ملزومه رفعه لأنه عكس نقيضه بلا عكس. للمجوز مطلقا أنهما دلالتان متغايرتان فجاز رفع كل بلا أخرى قلنا لا نعلم الكبرى عند الاستلزام. وللمانع مطلقا من طرف الأصل ما مر ومن طرف الفحوى أنه تابع لا يبقى بدونه قل ضد التبعية في الدلالة والفهم لا في ذات الحكم والمرتفع بالنسخ ذاته لا دلالة اللفظ فلا يتم التقريب. السادس: إذا نسخ حكم أصل القياس لا يبقى حكم فرعه خلافا للبعض ثم بينهم في

стр. 521

أنه يسمى نسخا لحكم الفرع نزاع لفظي. لنا أن نسخه يوجب إلغاء علية علته لأنها بترتب الحكم وبانتفائها ينتفي الفرع، لهم أنه تابع للدلالة لا الحكم كما في الفحوى. قلنا بل يلزم هنا انتفاء الحكمة المعتبرة في الفرع لاتحادها لا في الفحوى؛ لأن حكمه الأصل ثمة كالتعظيم المحرم للتأفيف أقوى فلا يلزم من ارتفاعه ارتفاع الأدنى كالتعظيم المحرم للضرب. قالوا أنتم قستم الفرع بالأصل في عدم الحكم بجامع عدم العلة ولا يصلح جامعا. قلنا لا بل حكمنا بانتفاء الحكم المعين لانتفاء علته المخصوصة وذا ليس قياسا إذ لا يحتاج إلى أصل وفرع وعلة. هذا جواب القائلين بالاستدلال وسنبين إن شاء الله تعالى أنه راجع إلى أحد الأربعة فهذا إما على إجماع القائلين بالحكم والمصالح أن الحكم لا يثبت بلا حكمة ما وإما إلى النصوص المفيدة له نحو: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية وإما إلى قياس بجامع صالح. السابع: أن المنسوخ أربعة عندنا لتلاوة مع الحكم المستفاد منها أو أحدهما. والرابع: وصف الحكم فالمورد منسوخ الكتاب إن اختص التلاوة به ونسخ بعض الحكم مندرج فيه اندراج نسخ الشرط تحت الوصف فالأول كصحف إبراهيم ﵇ وما روت عائشة ﵂ أنه كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات وذلك إما بدليل شرعي أو بموت العلماء أو بالإنسان وذا جائز في حياته للاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧] ولقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وروى عن أبي بن كعب ﵁ أن سورة الأَحزاب كانت تعدل سورة البقرة لا بعد وفاته ﵇ صيانة للدين بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] خلافا لبعض الرافضة والملحدة ورواياتهم مردودة والثاني والثاكَ أنكرهما بعض المعتزلة. لنا أولا: جوازه من حيث إن اللفظ أحكاما مقصودة كالإعجاز وجواز الصلاة والثواب بقرائنه وحرمتها على نحو الجنب لا تلازم بينها وبين الحكم المستفاد منه فيجوز افتراقهما نسخا كسائر المتباينة. وثانيا: وقوعه فالتلاوة فقط كما روى عمر ﵁ أنه كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما نكالا من الله ويراد بهما عرفًا المحصن والمحصنة لأن الشيخوخة

стр. 522

تستلزم الدخول بالنكاح عادة وكمتتابعات في قراءة ابن مسعود ﵁ لأنه لما الحق بالمصحف ولا تهمة في روايته حمل على نسخ نظمه وبقاء حكمه وللمنع فيه وهو أن التواتر في القرآنية شرط فيها ولم يتحقق فيما نسخت تلاوته فلم يكن الباقي حكم القرآن. جوابه: هو أن ذلك في حقنا أما في حق الرواة فيثبت بإخبار الرسول ﵇ أنه من عند الله غايته كونه قرآنا فيما مضى بالظن ولا محذور فإن القطع شرط فيما بقى لا فيما نسخ والحكم فقط كنسخ إيذاء الزواني باللسان وإمساكهن في البيوت والاعتداد بالحول ووصية الوالدين وسورة الكافرين ونحوها. لهم أولا فيهما أن التلاوة والحكم متلازمان كالعلمية مع العلم والمنطوق مع المفهوم قلنا بعد أن لا عالمية فإنها عين قيام العلم بالذات إذ الحال لا نعلم لزوم المفهوم إن أريد به الموافقة كما هو اللائق ولذا صح قول الملك إذا استوجب شريف حدا اجلده ولا تقل له وإن أريد المخالفة فلا نعلم ثبوته فضلا عن لزومه ولئن سلمنا فالتلازم بين التلاوة والحكم لكونهما إمارته وذا في الابتداء لا البقاء ولذا يتكرر التلاوة دون الحكم والنسخ في البقاء. أما المثالان فالمتلازم بينهما لو ثبت ثبت في الحالين وبذا يسقط بأن لهم أن النص وسيلة حكمه فلا اعتبار لها عند فواته كوجوب الوضوء بعد سقوط الصلاة وأن الحكم لا يثبت إلا به فلا يبقى دونه كالملك الثابت بالبيع بعد انفساخه وذلك أن التوسل والنسب هنا في الابتداء وفي الصورتين مطلقا وثالثا ورابعا في بقاء التلاوة أنه يوهم بقاء الحكم وأنه تجهيل قبيح وأنه يبطل فائدته والقرآن منزه عنه قلنا بعد بطلان التقبيح العقلي إنما يكون تجهيلا لو لم ينصب عليه دليلا وهو للمجتهد دليله وللمقلد الرجوع إليه ولمجرد التلاوة فائدة كالأحكام اللفظية وأما الرابع وهو نسخ وصف الحكم كالأجزاء والاعتداد وحرمة ترك الواجب بزيادة جزء في الواجب المخير كالشاهد والمبين علي قسمي الاستشهاد أو المعين كركعة على ركعتي الفجر ومنه زيادة التغريب على الجلد وعشرين على أربعين سوطا وإن فارقاها بعدم وجوب الاستيناف لعدم وجوب الاتصال بين أجزائه أو شرط كالطهارة على الطواف ومنه زيادة قيد الإيمان على مطلق الرقبة. وذكر ابن الحاجب من صورها رفع مفهوم المخالفة كإيجاب الزكاة في المعلوفة بعد نص السائمة ورد بعدم صحته محلا لنزاع الحنفية لعدم قولهم به فوجه بأنه تفريع على تقدير القول به وأنكره الشافعية والحنابلة مطلقا وقوم غير مفهوم المخالفة وهو الجزاء والشرط وقال عبد الجبار ﵀ إن غيرت تغييرا شرعيا وفسره أبو الحسين بأن

стр. 523

جعلت الأصل كالعدم ووجب أصنافه فنسخ كزيادة الركعة وإلا فلا كالتغريب والعشرين فأورد عليه أن زيادة شرط منفصل كالطهارة في الطواف ليس نسخا عنده ويجب الاستئناف بدونه وزيادة وظيفة في الخبر نسخ عنده ولا يجب الاستيناف فيها وليندفع ذلك فسره ابن الحاجب يكون الأصل كالعدم فقط فأخطأ بإدراج بعض الحد لأنه كالعدم في عدم الإجزاء. أما إدراج المخير مع أن الأصل فيه مجزي فوجه بأن تركه لما صار كوجوده في عدم الحرمة وإن كان تركه قبل الزيادة حراما لا وجوده صار وجوده كعدمه في عدم الحرمة ولو بدل الثالث بإمكان الإجزاء بدونه لكان أقرب ولم يندفع إشكال زيادة الشرط أصلا ويرد عليه أيضًا أن الزيادة في المخير إذا كانت نسخا فزيادة مثل التغريب والعشرين أولى إذ به اشتراكهما في عدم وجوب الاستئناف أصل المخير مجزئ دونهما. وقال الغزالي ﵀: إن صار الكل شيئا واحدا كركعة في الفجر فنسخ وإلا كعشرين في الحد والطهارة في الطواف فضل المخير واختار ابن الحاجب مذهب أبي الحسين أنه أن رفع الزيادة حكمًا شرعيا ثابتا بدليل شرعي فنسخ وإلا نحو أن يكون عدما أصليا فلا. وهذا أقرب لأنه مبني على حقيقة النسخ وهو مآل مذهبنا وان اختلف في بعض الأمثلة لأصل آخر فمن الوفاقية زيادة الركعة والتغريب والعشرين لحرمة هذه الثلاثة قبلها بالإجماع وإن كان سنده في الأخيرين لا ضرر ولا إضرار في الإسلام فليس تخصيصا والتخير بعد التعين كما بين غسل الرجل ومسح الخف بعد وجوب الغسل عينا وكل منهما حكم شرعي وإيجاب الزكاة في المعلوفة بعد نص السائمة على تقدير ثبوت المفهوم وتحقق شرائطه ومن الخلافية زيادة وظيفة على المخير كالحكم بهما. ولو جاز بثالث لذكر وزيادة غسل عضو في الوضوء وركن في الصلاة قالوا المرفوع فيها عدم جواز الحكم بشاهد ويمين وعدم وجوب ذلك لزائد فيهما قلنا يرفع الأول حرمة تركهما أو وجوب أحدهما في الحكم والآخر أن الأجزاء بدونهما وكل منها حكم شرعي. قالوا حرمة ترك الأمرين لا يعلم بمجرد التخيير بينهما ولو قيل بالمفهوم لأن مفهوم طلبهما أن غيرهما غير مطلوب لا أنه غير مجزي بل مع العلم بأن الأصل عدم ثالث والإجزاء امتثال به وعدم توقف على شيء آخر والأول لم يرتفع والثاني عدم أصلي قلنا جعل تعيين الأمر الواحد بشخصه شرعيا فرفعه غير نسخ تحكم يوضحه أن منكر وجوب أحدهما أو حرمة تركهما يكفر ولا يكفر منكر العدم الأصلي إن لم يعتبر شرعيا.

стр. 524

ولذا يقال المذكور في صدد الجزاء يكون كله وذا بإشارة العرف ولئن سلم فالحكم هو المجموع ولا يلزم من كون جزئه عدما أصليا كون المجموع كذلك على أن الإجزاء قد سلف أنه حكم شرعي وضعي وبهذا يعرف بطلان مذاهب الخصوم أجمع وقال أبو الحسين حرمة الترك مبنية على عدم اتخلف عنه وأنه عد أصلى وكل مبني عليه ليس حكما شرعيا فليس رفعه نسخا ولذا ثبت التخيير بين غسل الرجل ومسح الخف وبين الوضوء بالنبيذ والتيمم وبين القسمين والشاهد واليمين. قلنا: عدم الخلف ليس علة لحرمة الترك بل مثبتها النص عنده ولو ارتفع شرعية الحكم بذلك القدر لم يكن وجوب شىء ما شرعيا لأن حرمة تركه مبنية على عدم الخلف والتخيير بين الأمرين يجعل كل أصلا فليس هذا استخلافًا ولذا صار نسخا دونه ففي المسألتين الأوليين بالخبر المشهور الذي يزاد به وينسخ اتفاقا والثالثة ممنوعة فالثمرة عدم جواز الزيادة بخبر الواحد إذا لم يشتهر خلافا لهم وفي أن زيادة عبادة مستقلة ليست نسخا إذ لا تأثير لها في عدم إجزاء مسبب بعد سببه اتفاق لا إجماع إذ قال بعضهم إيجاب صلاة سادسة نسخ لأنه لا يبطل كون الوسطى وسطى فوجوب المحافظة عليها. قلنا لا يبطل وجوب ذلك الوسطى بل كونها وسطى وليس شرعيا وقال الغزالي إذا لم يتحد الأصل بالزيادة كانت ضما لا رفعا كزيادة عبادة مستقلة وإذا اتحد بها ركنين وصارا حقيقة أخرى التحق بالعلم حقيقة فصار نسخا لا يقال إن اعتبر اتحاد الماهية الاعتبارية الشرعية فزيادة الحد كذلك لأن المجموع هو الحد شرعًا والفرق بوجوب الاستئناف لشرط آخر هو وجوب الاتصال بين أجزاء الصلاة لا بين أجزاء الحد وإن اعتبر وجوب الاستئناف فالطواف بعد اشتراط الطهارة كذلك لأن له أن يقول المعتبر كلاهما أي وجوب الاستئناف لفقد ركن. قلنا رفع الكل لا يتوقف على رفع كل جزء فوجوب الاستئناف وعدمه في تحقق الرفع سواسية وعد اعتبار الشرط مبني على أن الشرعي هو المشتمل على الأركان فقط لا المعتبر شرعا وقد تقدم بطلانه وبه يعرف فساد مذهب عبد الجبار بعد ما مر في إدارة الفرق على كون وجوده كالعدم أو وجوب الاستئناف. وقال الشافعي أولا الزيادة ضم وتقرير للأصل والنسخ رفع وتبديل ففي في حقوق الله تعالى كزيادة عبادة مستقلة وفي حقوق العباد كمن ادعى ألفا وخمسمائة فشهد شاهد بألف وآخر به وبخمسمائة. يوضحه أن الناسخ متأخر لو تقارنا لتنافيا ومثبت الزيادة يوجب الجمع لا ينافيه ويزيد

стр. 525

توضيحه أن الزيادة مقيدة كتقييد الرقبة بالإيمان والمطلق في التناول البدلي كالعام في التناول الشمولي فكما أن تخصيصه ليس نسخا فكذا تقييده ومن البين الفرق بين الدفع والرفع قلنا إن أريد المنافاة في الوجود فلا يعتبر وإن أريد في الحكم الشرعي فالمنافاة ظاهرة إذْ ليس للبعض كالمطلق حكم وجود الكل كالمقيد لا في العبادة كبعض الركعات ولا في العقوبة كبعض الحد حتى لا يبطل شهادة القاذف ببعضه. أما بطلانها عندك فلترتبه على القذف لا الحد ولا في الكفارة كصوم المظاهر شهرًا ثم إطعام ثلاثين لا يكون مكفرا بشيء منهما وهذا بعض العلة لا يوجب حكمها ولذا قال الأولان بعض المثلث لا يحرم لأنه بعض المسكر والحرمة في غير الخمر للسكر بالحد وقالوا جميعًا بعض المطهر للحديث والجنب كالعدم وإن قال الشافعي ﵀ في قول لا يجوز التيمم قبل استعماله لأن ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] عام، قلنا مخصوص فيخص غير الكافي. يوضحه أن المطلق يستلزم بدون القيد والمقيد عدمه وتنالني اللزوم ملزوم تنافي الملزومات إذ لا يشكل أن الجلد بعد إلحاق النفي لا يبقى حدا وإذا تنافيا كان أحدهما منهيا للآخر وبيان أمد الحكم الشرعي نسخ فنظيره اختلاف الشهود في قدر الثمن أي البيع بألف أو بألف وخمسمائة لأنه الموجب للتغيير لا ما قاله ومثله الطلاق المنجز والمعلق أما إلحاق التناول البدلي بالشمولي فإلحاق للمحتمل بالموجب وللساكت بالناطق. يوضحه أن العام بعد التحاقه عامل فيما هو المراد بنفسه والمطلق بعد التقييد عامل بالمقيد فيحقق أن التقييد إثبات ابتدائي والتخصيص إخراج بنائي. فروعنا: فلا يزاد التغريب على الجلد والنية والترتيب والولاء شرطا على الوضوء ولا هو على الطواف ولا الفاتحة والتعديل فرضا بخبر الواحد ولا الإيمان على الرقية بالقياس وقد مر تمامه. ذنابة: أما نقصان الجزء كركعتى الظهر أو الشرط كطهارته فنسخ لهما اتفاقا وهذا لما هما له وقيل ليس بنسخ مطلقا وعند عبد الجبار جزاءً لا شرطًا. لنا أن رفع الجزء أو الموقوف عليه رفع للكل والموقوف. قالوا: لو كان نسخا لافتقر الباقي إلى دليل جديد قلنا إنما يلزم لو كان بنسخ كل جزء أما بنسخ بعض الأجزاء فلا فالباقي من حيث خصوصيته ليس منسوخا لا يحتاج إلى حكم ودليل جديدين. الثامن: في أن نسخ جميع التكاليف غير جائز وإن جاز رفعه بإعدام العقل اتفاقا

стр. 526

كالاتفاق على امتناع نسخ وجوب معرفة الله تعالى لا مطلقا بل بالنهي عنها لا على تجويز تكليف المحال لأن الحلم بنهيه يستدعي معرفته فعندنا لا يجوز نسخ نحو وجوب المعرفة مطلقا وحرمة الكفر وكذا نحو الظلم والكذب وسائر القبائح العقلية الثابتة عند المعتزلة وعند الغزالي يجوز إلا في وجوب معرفة النسخ والناسخ وقالت الأشعرية بجواز نسخ الجميع لأن كل حسن وقبح شرعي عندهم فيجوز نسخها إذ التكليف غير واجب أصلا. وعند المعتزلة عقلي فلا يجوز أن ينسخ منها لا ما يختلف باختلاف المصالح قلنا ما يتوقف ثبوت الشرع عليه من وجوب المعرفة وحرمة الكفر وغيرهما مما لا يقبل السقوط عقلا لا شرعا لما مر من الدور فلا ينسخ بخلاف غيره على أن نحو الظلم والكذب مما قد لا يقبح. وللغزالي رحمه الله تعالى أن نسخ الجميع مستلزم لنقيضه فيكون مجالا إذ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ أي الشارع ولعدم تمام ملازمته إذ وقوع الشىء لا يستلزم معرفته بل وإمكان معرفة غيره بعضهم إلى معرفة نسخ الجميع يستلزم معرفتهما فيجب على ذلك التقدير وذا خلاف المفروض لا يقال جواز الشىء لا يستلزم معرفته فضلا عن وجوب معرفته والمستلزم لوجوب معرفتهما وجوب معرفته لا عينها لأنا نقول كلامنا في الوجوب الشرعي لمعرفة النسخ وهو ثابت إذْ لا نسخ إلا بدليل شرعى يجب فهمه قلنا المراد بنسخ الجميع أن لا يبقى تكليف فمن أين الوجوب الشرعى ولئن سلم فلا نعلم وجوب فهم كل دليل شرعي وإنما يجب فهم ما يترتب عليه امتثال بنوع ما والناسخ للجميع ليس كذلك ولئن سلم وجوب معرفته لكن معرفته إنما تستلزم المعرفين في الابتداء لا في البقاء لإمكان أن تعرفه بالمعرفتين فيسقطا في البقاء لوقوعهما فإن الواجب المطلق يرتفع بالوقوع مرة ويسقط سائر التكاليف بالنسخ وإذا كان اللزوم في حال وبطلان اللازم في أخرى لم يتم الاستثنائي. الفصل الثالث عشر في حكم الحقيقة هو وجود ما وضع له أي ثبوته أمرًا أو نهيا خاصا أو عاما نحو: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ [الإسراء: ٣١] مخاطبا به ومخاطبا ثم لزوم وجوده بحيث لا يسقط عن المسمى أي لا يصح نفيه عن الموضوع له وعن محل الكلام بخلاف المجاز كما مر فلا يخرج عن حكمه شيء مما يتناوله إلا أن يهجر تفاهمه عرفا لتعذر العمل به أو هجره

стр. 527

فيصير كالمستثنى خلافا لزفر ﵀ كمن حلف لا يسكن فانتقل من ساعته لم يحنث بالسكون حال الانتقال استحسانًا والقياس قول زفر ولا تقتل وقد كان جرح فمات به أو لا يطلق وقد كان علقه فوجد الشرط أو لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من عينه عند بعض المشايخ. قال شمس الأئمة والأصح خلافه لذا قد يؤكل عينه عادة أو من هذه الشجرة التي لا يؤكل عينها فأكل من عينها لما حنث في الجميع ثم بقاؤه، فمتى أمكن العمل بالحقيقة لا يعدل عنها لأن المستعار خلف لا يزاحم الأصل ولذا حملنا الإقراء على الحيض لأنها حقيقة لا على الأطهار لأنها إن كانت مشتركة وهو الصحيح لتساوى الاستعمالين فبالترجيح كما مر. وإن لم يثبت اشتراكها كما ذهب إليه فالمجاز هو الثاني لأن المجتمع والمنتقل الحيض إن كان بما كما يعرفه الفقهاء وإن كان ضرورة فهو رديفهما ومسببهما أما الطهر فليس سببا مجتمعا ولا متنقلا ولا جامعا لأنه عدم والانتقال في الأحوال مع أنه معنوي لا حسي لذي الحال لا للحال وحملنا العقد في قوله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] على ربط اللفظيين لإيجاب حكم كاليمين بالجواب لإيجاب الصدق لا على القصد الذي هو سبب الربط كما فعله الشافعي ﵁ فأوجب الكفارة في الغموس لأنه أقرب إلى الحقيقة التي هي عقد الحبل وهذا النكاح في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] على الوطئ ليثبت حرمة المصاهرة بالزنا لا العقد لأنه أقرب إلى حقيقته التي هي الجمع فإن إطلاقه على العقد لأنه سبب الوطئ. قيل استعارة اسم المسبب للسبب لا يصح وأجيب بأن مسبب مخصوص إذ لا عقد إلا بالقصد ولا وطئ يقصد شرعا إلا بالنكاح ووطئ الأمة استخدام ولو قيل بأن العقد لكونه جمع بين اللفظيين لا لسببيتهما لكان وجها ونحتاج في ترجيح مذهبنا فيهما إلى أصول أُخر كما يذكر. الاستثناء من القاعدة إلا إذا تعذر التعامل بها أو هجر وفرق ما بينهما أن الأول فيه مشقة وأنه كما ليس مرادا ليس داخلا في الإرادة بخلاف الثاني فإنه متروك العمل بلا مشقة عرفا شرعا. وقد يكون داخلا في الإدارة أما المتعذرة فنحو لا يأكل من هذه النخلة أو الكرمة أو القدر يقع على ما يؤخذ منه في الأصح فالأصل أن الشجرة إن كانت مما يؤكل كالريباس وقصب السكر فعلى عينها وإلا فعلى ثمرها إن كان وإلا كالخلاف فعلى دفنها هذا إذا لم

стр. 528

ينو وإلا فعلى ما نوى وذلك لأن الحقيقة وهي أكل العبن لأنه المقصود بالمنع الذي له اليمين متعذرة لا عدمه حتى يرد أنه غير متعذر. وكذا لا يأكل من هذا الدقيق ولا يشرب من هذا البئر إن كانت ملأى فكالنهر مختلف فيه وإلا فعلى الاعتراف اتفاقا لا الكرع لتعذره فإن تكلف في المسألتين فأكل من عينه وكرع فقيل يحنث وإلا شبه لا لقولهم في لا ينكح فلانة وهي أجنبية يقع على العقد فإن زنا لم يحنث لكونه متهذرا شرعا وعرفا وأما المهجورة عرفا فنحو لا يضع قدمه في دار فلان فمن حقيقته وضع القدم حافيا دخل أو لا ولم يقع عليه لهجره عرفا أريد مجازاة المتعارف وهو الدخول كيفما كان فوضع القدم حافيا مع الدخول داخل وبدونه لا فقد جاز دخول الحقيقة وشرعا فكالتوكيل بالخصومة ينصرف إلى مطلق الجواب مجازا فإنه مسبب الخصومة أو يقارنها فيكون مشاكلة ومطلقة يتناول الإقرار لأنه كلام يقطع كلام الغير ويطابقه من جلب الفلاة قطعها فله إقرار على موكله خلافا لزفر والشافعي ﵀ لأن المسألة ضد المشاجرة قلنا المشاجرة بغير حق حرام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]. ولأن الموكل لا يملك شرعا لا ما هو الحق من الجواب بخلاف الإنكار مع وجود الحق فلا يفوضه إلا ذلك لأن المهجور شرعا كالمهجور عادة ولذا من حلف لا يكلم هذا الصبي يحنث بالتكلم بعد ما كبر لأن المراد هذا الذات مجازا لهجران هجرانه بالحديث. تنويرها بمقدمة الحلف على موصوف إن صلح وصفه داعيا يتقيد به منكرا ومعرفا لئلا يلغو فمنكرا مقصودا كرطبا ومعرفا غير مقصود كالرطب لمن يضره فلا يحنث بأكله تمرا وإن لم يصلح يتقيد منكرا لأنه معرفة فيكون مقصودا بالحلف نحو لا يكلم شابا لا معرفا بالإشارة نحو هذا الشاب إذ لا يصلح الوصف داعيا لأنه مظنة السفاهة لكن حرمة هجرانه أوجبت المصير إلى إرادة مطلق الذات الذي هو جزؤه مجازا بخلاف صبيا إذ لا معرف فيه غير الصبا فيكون مقصودا بالحلف فيتقيد به وإن كان هجرانه حراما كمن حلف ليشربن اليوم خمرا وليسرقن ينعقد مع حرمتها المقصود بينهما أما بعد إرادة الذات لزوم ترك الترحم صبيا والتوقير كبيرا وفي الجملة هجر المؤمن الذي هو حرام فوق ثلاثة أيام فضمني غير مصرح به والضمنيات لا تعتبر، حتى لو قال للصبي: لا أكلم هذا الذات لا يكون مرتكبا للمنهي عنه، فكان مما يثبت ضمنا لا قصدا كتضحية الجنينن وبيع الشراب والطريق.

стр. 529

أما إذا استعملت الحقيقة فإن هجر المجاز أو غلبت فهي أولى اتفافا؛ لأن شأنها اليقين عند عدم القرينة الصارفة وإلا فلا ثقة للغات أصلا، والأصل عدم الحادة وإن غلب عليها تعارفا فكذا عند الإمام في الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف وبالعكس عندهما إذ المتبادر بحسب التعارف. فعند مشايخ بلخ أرادوا تعارف التعامل وعند مشايخ العراق تعارف التفاهم وقال مشايخ ما وراء النهر: الثاني قوله والأول قولهما ولذا يحنث من حلف لا يأكل لحما بأكل لحم الأدمي أو الخبز ببر عنده لوقوع التفاهم لا عندهما لعدم التعامل. وقوله: أولى لأن المقصود التفاهم هذا في المبسوط وفي التمر أنه لا يحنث اتفاقا إذ لا تفاهم فيما لا تعامل كأكل النخلة. بيانه: فيمن حلف لا يأكل الحنطة أو من هذه يقع عنده على عينها لأكلها عادة مقلية ومطبوخة وغيرهما عند الحاجة، وعندهما على مضمونها ولو في عينها ولا يشرب من الفرات فعنده على الكرع لاستعماله فيه كما في الحديث وعندهما على ما ينسب إليه بالمجاورة كالمأخوذ بالأواني لا النهر لانقطاع نسبة التبعية إلا في قوله من ماء الفرات لأنه حقيقة فلا عبرة للنسبة وإنما كان الكرع حقيقته؛ لأن ظاهر ممن يقتضي عدم الواسطة كما بين في: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] وللاستثناءين في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] الآية إذ معناه إلا قليلا لم يكرعوا، قيل هذه الخلافية ابتدائية فعنده لعَدم الضرورة الصارفة عن الحقيقة وعندهما الرجحان الغالب فإنه كالمتحقق لا لأن المجاز المتعارف حقيقة عرفيةكما ظن إذْ هي عند هجرانها وقيل بنائية على أخرى هي أن خلفية المجاز في التكلم عنده، وفي الحكم عندهما. تحريرها بعد أن لا خلاف في خلفية المجاز ووجوب تصور الأصل لثبوت اتخلف وأنهما من أوصاف اللفظ وأن التغيير فيه لا في مقصود المتكلم أن خلفيته عنها عنده بأن صار التكلم بلفظ مجازا خلفا عن التكلم به حقيقة ثم يثبت حكمه بالاستبداد لوضعيتهما للفظ وكون التغيمر فيه وعندهما بأن يكون حكم لازم الحقيقة خلفًا عن حكمها مع الصارف عنه لئلا يلغو لأن الحكم هو المقصود فاعتبار اتخلفية فيه أولى ولسان الانتقال عن الشيء يستدعي إمكانه قلنا التجوز لتوسيع الطرق لا لضرورة أداء المقصود والانتقال يستدعى فهمه لا مكانه وذا بأن يصح عمارته كما في أسدًا يرمي والحال ناطقة لغة في أنت طالق مائة إلا تسعمائة وتسعة وتسعين شرعا حيث يقع واحدة بعد أن المهجور شرعا كالمهجور عادة.

стр. 530

تنويره فيمن قال لعبده الأسن هذا ابني لم يعتق عندهما وهو قول الشافعي ﵁ إذ لم ينعقد لإثبات البنوة لاستحالتها كقوله أعتقتك قبل أن أخلق أو يخلق أو للأصغر هذا جدي أو لعبده بنتي أو لأمته ابني فيلغو كقوله هذا أخي بخلافه للأصغر المعروف النسب حيث يعتق إجماعا لأنه حقيقة وإن لم ينقلب النسب ولذا يصير أمة أو ولد له لا كقوله أنت حر لصحته في مخرجه لولا عارض تعلق حق الغير لإمكان خلقه من مائة بوطء الشبهة فنظيرهما الغموس والحلف على مس السماء أما قوله لامرأته المعروفة النسب وهي أصغر هذه بنتي فإنما لا تحرم لأن موجب النسب في النكاح انتفاء حل المحلية من الأصل لإزالة الملك بعد ثبوته وذلك حقها لا حقه فلا يصدق على إبطاله. نكتة: تصور حكم الحقيقة أعني إمكانه الذاتي من حيث المتكلم وكلامه ومحل كلامه غير تصور الحقيقة أعني إمكانها من حيث أنه كلام وأخص منه لتحقق الثاني في هذا ابني للأسن دون الأول وإن انتفيا في أعتقتك قبل أن لخلق فالإمام لا يشترط لصحة الانتقال من الحقيقة على المجاز إلا الثاني وهما الأول أيضًا وهما غير تصور البر الذي لا يشترطه أبو يوسف لانعقاد اليمين المطلقة وبقاء المؤقتة والانتقال إلى الكفارة ويشترطه الطرفان لأنه الإمكان الحالي ولو تخرق العادة فهو أخص منهما ولا منافاة بين أن يشترطه الإمام للانتقال إلى الكفارة ولا يشترط الأعم منه للانتقال إليه كما وهم لأن الانتقالين منفصلان وأيضًا لا يرد نقضا على مطلق قولنا لا بد من تصور الأصل للنقل إلى اتخلف اتفاقا لأن المراد به الإمكان الذاتي لا الحالي وإلا لما وجد مجاز لامتناعه مع الإمكان الحالي للحقيقة. بيانه من حلف ليشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه أو اليوم فصب قبل مضيه أو لأقتلن زيدا وهو ميت ولم يعلم بموته يحنث عنده لا عند الطرفين غير أن الحالف في مسألة القتل إذا علم موته يحمل على أنه يعقد يمينه على حياته المستحدثة بقدرة الله تعالى المتعارفة هي عود عين روحه إلى بدنه يحنث بالعجز الحالي وإذا لم يعلم يعقدها على الحياة المعهودة الحاصلة ولا تفصيل في مسألة الكوز إذ لم يتعارف عود عين مائه إليه وإن كان مقدورا لله تعالى فلا يحمل على عقد يمينه إلا على المتعارف وهو أن كل ماء يحصل عد في الكوز يكون غير مائه وقد حلف على مائه. وقال الإمام يشترط صحة التكلم من حيث أن له حقيقة بخلاف أعتقتك قبل أن أخلق لخلق أو لعبده هذا ابني أو لأمته إذْ نسبة العتق كنسبته إلى الحمار وحين اعتبر الاختلاف بالذكورة والأنوثة فاحشًا في الإنسان لم يتعارف التجوز أيضًا كما لم يعتبر بين الأب والابن ولذا لا يعتق وإن كان أصغر هنا فإذا وجد وفهمت حقيقته وتعذر العمل بها
следующие страницы →