كالاتفاق على امتناع نسخ وجوب معرفة الله تعالى لا مطلقا بل بالنهي عنها لا على تجويز تكليف المحال لأن الحلم بنهيه يستدعي معرفته فعندنا لا يجوز نسخ نحو وجوب المعرفة مطلقا وحرمة الكفر وكذا نحو الظلم والكذب وسائر القبائح العقلية الثابتة عند المعتزلة وعند الغزالي يجوز إلا في وجوب معرفة النسخ والناسخ وقالت الأشعرية بجواز نسخ الجميع لأن كل حسن وقبح شرعي عندهم فيجوز نسخها إذ التكليف غير واجب أصلا.
وعند المعتزلة عقلي فلا يجوز أن ينسخ منها لا ما يختلف باختلاف المصالح قلنا ما يتوقف ثبوت الشرع عليه من وجوب المعرفة وحرمة الكفر وغيرهما مما لا يقبل السقوط عقلا لا شرعا لما مر من الدور فلا ينسخ بخلاف غيره على أن نحو الظلم والكذب مما قد لا يقبح.
وللغزالي رحمه الله تعالى أن نسخ الجميع مستلزم لنقيضه فيكون مجالا إذ لا ينفك عن وجوب معرفة النسخ والناسخ أي الشارع ولعدم تمام ملازمته إذ وقوع الشىء لا يستلزم معرفته بل وإمكان معرفة غيره بعضهم إلى معرفة نسخ الجميع يستلزم معرفتهما فيجب على ذلك التقدير وذا خلاف المفروض لا يقال جواز الشىء لا يستلزم معرفته فضلا عن وجوب معرفته والمستلزم لوجوب معرفتهما وجوب معرفته لا عينها لأنا نقول كلامنا في الوجوب الشرعي لمعرفة النسخ وهو ثابت إذْ لا نسخ إلا بدليل شرعى يجب فهمه قلنا المراد بنسخ الجميع أن لا يبقى تكليف فمن أين الوجوب الشرعى ولئن سلم فلا نعلم وجوب فهم كل دليل شرعي وإنما يجب فهم ما يترتب عليه امتثال بنوع ما والناسخ للجميع ليس كذلك ولئن سلم وجوب معرفته لكن معرفته إنما تستلزم المعرفين في الابتداء لا في البقاء لإمكان أن تعرفه بالمعرفتين فيسقطا في البقاء لوقوعهما فإن الواجب المطلق يرتفع بالوقوع مرة ويسقط سائر التكاليف بالنسخ وإذا كان اللزوم في حال وبطلان اللازم في أخرى لم يتم الاستثنائي.
الفصل الثالث عشر في حكم الحقيقة
هو وجود ما وضع له أي ثبوته أمرًا أو نهيا خاصا أو عاما نحو: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ [الإسراء: ٣١] مخاطبا به ومخاطبا ثم لزوم وجوده بحيث لا يسقط عن المسمى أي لا يصح نفيه عن الموضوع له وعن محل الكلام بخلاف المجاز كما مر فلا يخرج عن حكمه شيء مما يتناوله إلا أن يهجر تفاهمه عرفا لتعذر العمل به أو هجره
стр. 527
فيصير كالمستثنى خلافا لزفر ﵀ كمن حلف لا يسكن فانتقل من ساعته لم يحنث بالسكون حال الانتقال استحسانًا والقياس قول زفر ولا تقتل وقد كان جرح فمات به أو لا يطلق وقد كان علقه فوجد الشرط أو لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من عينه عند بعض المشايخ.
قال شمس الأئمة والأصح خلافه لذا قد يؤكل عينه عادة أو من هذه الشجرة التي لا يؤكل عينها فأكل من عينها لما حنث في الجميع ثم بقاؤه، فمتى أمكن العمل بالحقيقة لا يعدل عنها لأن المستعار خلف لا يزاحم الأصل ولذا حملنا الإقراء على الحيض لأنها حقيقة لا على الأطهار لأنها إن كانت مشتركة وهو الصحيح لتساوى الاستعمالين فبالترجيح كما مر.
وإن لم يثبت اشتراكها كما ذهب إليه فالمجاز هو الثاني لأن المجتمع والمنتقل الحيض إن كان بما كما يعرفه الفقهاء وإن كان ضرورة فهو رديفهما ومسببهما أما الطهر فليس سببا مجتمعا ولا متنقلا ولا جامعا لأنه عدم والانتقال في الأحوال مع أنه معنوي لا حسي لذي الحال لا للحال وحملنا العقد في قوله تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] على ربط اللفظيين لإيجاب حكم كاليمين بالجواب لإيجاب الصدق لا على القصد الذي هو سبب الربط كما فعله الشافعي ﵁ فأوجب الكفارة في الغموس لأنه أقرب إلى الحقيقة التي هي عقد الحبل وهذا النكاح في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] على الوطئ ليثبت حرمة المصاهرة بالزنا لا العقد لأنه أقرب إلى حقيقته التي هي الجمع فإن إطلاقه على العقد لأنه سبب الوطئ.
قيل استعارة اسم المسبب للسبب لا يصح وأجيب بأن مسبب مخصوص إذ لا عقد إلا بالقصد ولا وطئ يقصد شرعا إلا بالنكاح ووطئ الأمة استخدام ولو قيل بأن العقد لكونه جمع بين اللفظيين لا لسببيتهما لكان وجها ونحتاج في ترجيح مذهبنا فيهما إلى أصول أُخر كما يذكر.
الاستثناء من القاعدة إلا إذا تعذر التعامل بها أو هجر وفرق ما بينهما أن الأول فيه مشقة وأنه كما ليس مرادا ليس داخلا في الإرادة بخلاف الثاني فإنه متروك العمل بلا مشقة عرفا شرعا.
وقد يكون داخلا في الإدارة أما المتعذرة فنحو لا يأكل من هذه النخلة أو الكرمة أو القدر يقع على ما يؤخذ منه في الأصح فالأصل أن الشجرة إن كانت مما يؤكل كالريباس وقصب السكر فعلى عينها وإلا فعلى ثمرها إن كان وإلا كالخلاف فعلى دفنها هذا إذا لم
стр. 528
ينو وإلا فعلى ما نوى وذلك لأن الحقيقة وهي أكل العبن لأنه المقصود بالمنع الذي له اليمين متعذرة لا عدمه حتى يرد أنه غير متعذر.
وكذا لا يأكل من هذا الدقيق ولا يشرب من هذا البئر إن كانت ملأى فكالنهر مختلف فيه وإلا فعلى الاعتراف اتفاقا لا الكرع لتعذره فإن تكلف في المسألتين فأكل من عينه وكرع فقيل يحنث وإلا شبه لا لقولهم في لا ينكح فلانة وهي أجنبية يقع على العقد فإن زنا لم يحنث لكونه متهذرا شرعا وعرفا وأما المهجورة عرفا فنحو لا يضع قدمه في دار فلان فمن حقيقته وضع القدم حافيا دخل أو لا ولم يقع عليه لهجره عرفا أريد مجازاة المتعارف وهو الدخول كيفما كان فوضع القدم حافيا مع الدخول داخل وبدونه لا فقد جاز دخول الحقيقة وشرعا فكالتوكيل بالخصومة ينصرف إلى مطلق الجواب مجازا فإنه مسبب الخصومة أو يقارنها فيكون مشاكلة ومطلقة يتناول الإقرار لأنه كلام يقطع كلام الغير ويطابقه من جلب الفلاة قطعها فله إقرار على موكله خلافا لزفر والشافعي ﵀ لأن المسألة ضد المشاجرة قلنا المشاجرة بغير حق حرام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦].
ولأن الموكل لا يملك شرعا لا ما هو الحق من الجواب بخلاف الإنكار مع وجود الحق فلا يفوضه إلا ذلك لأن المهجور شرعا كالمهجور عادة ولذا من حلف لا يكلم هذا الصبي يحنث بالتكلم بعد ما كبر لأن المراد هذا الذات مجازا لهجران هجرانه بالحديث.
تنويرها بمقدمة الحلف على موصوف إن صلح وصفه داعيا يتقيد به منكرا ومعرفا لئلا يلغو فمنكرا مقصودا كرطبا ومعرفا غير مقصود كالرطب لمن يضره فلا يحنث بأكله تمرا وإن لم يصلح يتقيد منكرا لأنه معرفة فيكون مقصودا بالحلف نحو لا يكلم شابا لا معرفا بالإشارة نحو هذا الشاب إذ لا يصلح الوصف داعيا لأنه مظنة السفاهة لكن حرمة هجرانه أوجبت المصير إلى إرادة مطلق الذات الذي هو جزؤه مجازا بخلاف صبيا إذ لا معرف فيه غير الصبا فيكون مقصودا بالحلف فيتقيد به وإن كان هجرانه حراما كمن حلف ليشربن اليوم خمرا وليسرقن ينعقد مع حرمتها المقصود بينهما أما بعد إرادة الذات لزوم ترك الترحم صبيا والتوقير كبيرا وفي الجملة هجر المؤمن الذي هو حرام فوق ثلاثة أيام فضمني غير مصرح به والضمنيات لا تعتبر، حتى لو قال للصبي: لا أكلم هذا الذات لا يكون مرتكبا للمنهي عنه، فكان مما يثبت ضمنا لا قصدا كتضحية الجنينن وبيع الشراب والطريق.
стр. 529
أما إذا استعملت الحقيقة فإن هجر المجاز أو غلبت فهي أولى اتفافا؛ لأن شأنها اليقين عند عدم القرينة الصارفة وإلا فلا ثقة للغات أصلا، والأصل عدم الحادة وإن غلب عليها تعارفا فكذا عند الإمام في الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف وبالعكس عندهما إذ المتبادر بحسب التعارف.
فعند مشايخ بلخ أرادوا تعارف التعامل وعند مشايخ العراق تعارف التفاهم وقال مشايخ ما وراء النهر: الثاني قوله والأول قولهما ولذا يحنث من حلف لا يأكل لحما بأكل لحم الأدمي أو الخبز ببر عنده لوقوع التفاهم لا عندهما لعدم التعامل.
وقوله: أولى لأن المقصود التفاهم هذا في المبسوط وفي التمر أنه لا يحنث اتفاقا إذ لا تفاهم فيما لا تعامل كأكل النخلة.
بيانه: فيمن حلف لا يأكل الحنطة أو من هذه يقع عنده على عينها لأكلها عادة مقلية ومطبوخة وغيرهما عند الحاجة، وعندهما على مضمونها ولو في عينها ولا يشرب من الفرات فعنده على الكرع لاستعماله فيه كما في الحديث وعندهما على ما ينسب إليه بالمجاورة كالمأخوذ بالأواني لا النهر لانقطاع نسبة التبعية إلا في قوله من ماء الفرات لأنه حقيقة فلا عبرة للنسبة وإنما كان الكرع حقيقته؛ لأن ظاهر ممن يقتضي عدم الواسطة كما بين في: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] وللاستثناءين في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] الآية إذ معناه إلا قليلا لم يكرعوا، قيل هذه الخلافية ابتدائية فعنده لعَدم الضرورة الصارفة عن الحقيقة وعندهما الرجحان الغالب فإنه كالمتحقق لا لأن المجاز المتعارف حقيقة عرفيةكما ظن إذْ هي عند هجرانها وقيل بنائية على أخرى هي أن خلفية المجاز في التكلم عنده، وفي الحكم عندهما.
تحريرها بعد أن لا خلاف في خلفية المجاز ووجوب تصور الأصل لثبوت اتخلف وأنهما من أوصاف اللفظ وأن التغيير فيه لا في مقصود المتكلم أن خلفيته عنها عنده بأن صار التكلم بلفظ مجازا خلفا عن التكلم به حقيقة ثم يثبت حكمه بالاستبداد لوضعيتهما للفظ وكون التغيمر فيه وعندهما بأن يكون حكم لازم الحقيقة خلفًا عن حكمها مع الصارف عنه لئلا يلغو لأن الحكم هو المقصود فاعتبار اتخلفية فيه أولى ولسان الانتقال عن الشيء يستدعي إمكانه قلنا التجوز لتوسيع الطرق لا لضرورة أداء المقصود والانتقال يستدعى فهمه لا مكانه وذا بأن يصح عمارته كما في أسدًا يرمي والحال ناطقة لغة في أنت طالق مائة إلا تسعمائة وتسعة وتسعين شرعا حيث يقع واحدة بعد أن المهجور شرعا كالمهجور عادة.
стр. 530
تنويره فيمن قال لعبده الأسن هذا ابني لم يعتق عندهما وهو قول الشافعي ﵁ إذ لم ينعقد لإثبات البنوة لاستحالتها كقوله أعتقتك قبل أن أخلق أو يخلق أو للأصغر هذا جدي أو لعبده بنتي أو لأمته ابني فيلغو كقوله هذا أخي بخلافه للأصغر المعروف النسب حيث يعتق إجماعا لأنه حقيقة وإن لم ينقلب النسب ولذا يصير أمة أو ولد له لا كقوله أنت حر لصحته في مخرجه لولا عارض تعلق حق الغير لإمكان خلقه من مائة بوطء الشبهة فنظيرهما الغموس والحلف على مس السماء أما قوله لامرأته المعروفة النسب وهي أصغر هذه بنتي فإنما لا تحرم لأن موجب النسب في النكاح انتفاء حل المحلية من الأصل لإزالة الملك بعد ثبوته وذلك حقها لا حقه فلا يصدق على إبطاله.
نكتة: تصور حكم الحقيقة أعني إمكانه الذاتي من حيث المتكلم وكلامه ومحل كلامه غير تصور الحقيقة أعني إمكانها من حيث أنه كلام وأخص منه لتحقق الثاني في هذا ابني للأسن دون الأول وإن انتفيا في أعتقتك قبل أن لخلق فالإمام لا يشترط لصحة الانتقال من الحقيقة على المجاز إلا الثاني وهما الأول أيضًا وهما غير تصور البر الذي لا يشترطه أبو يوسف لانعقاد اليمين المطلقة وبقاء المؤقتة والانتقال إلى الكفارة ويشترطه الطرفان لأنه الإمكان الحالي ولو تخرق العادة فهو أخص منهما ولا منافاة بين أن يشترطه الإمام للانتقال إلى الكفارة ولا يشترط الأعم منه للانتقال إليه كما وهم لأن الانتقالين منفصلان وأيضًا لا يرد نقضا على مطلق قولنا لا بد من تصور الأصل للنقل إلى اتخلف اتفاقا لأن المراد به الإمكان الذاتي لا الحالي وإلا لما وجد مجاز لامتناعه مع الإمكان الحالي للحقيقة.
بيانه من حلف ليشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه أو اليوم فصب قبل مضيه أو لأقتلن زيدا وهو ميت ولم يعلم بموته يحنث عنده لا عند الطرفين غير أن الحالف في مسألة القتل إذا علم موته يحمل على أنه يعقد يمينه على حياته المستحدثة بقدرة الله تعالى المتعارفة هي عود عين روحه إلى بدنه يحنث بالعجز الحالي وإذا لم يعلم يعقدها على الحياة المعهودة الحاصلة ولا تفصيل في مسألة الكوز إذ لم يتعارف عود عين مائه إليه وإن كان مقدورا لله تعالى فلا يحمل على عقد يمينه إلا على المتعارف وهو أن كل ماء يحصل عد في الكوز يكون غير مائه وقد حلف على مائه.
وقال الإمام يشترط صحة التكلم من حيث أن له حقيقة بخلاف أعتقتك قبل أن أخلق لخلق أو لعبده هذا ابني أو لأمته إذْ نسبة العتق كنسبته إلى الحمار وحين اعتبر الاختلاف بالذكورة والأنوثة فاحشًا في الإنسان لم يتعارف التجوز أيضًا كما لم يعتبر بين الأب والابن ولذا لا يعتق وإن كان أصغر هنا فإذا وجد وفهمت حقيقته وتعذر العمل بها
стр. 531
لا حد الأمور الخمسة يصار إلى لازمه المتعين وهو ها هنا عتقه من حين ملكه إقرار به قضاء وإن كان كاذبا وفيه إشارة إلى أنه لا يعتق ديانة كما يصار في وهبت ابنتي أو نفسي منك نكاحا أو بمهر كذا إلى النكاح قالا لاحتمال تمليك الحرة عقلا وشرعا في الجملة كما في شريعة يعقوب حتى قال بنوه جزاؤه من وجد في رحله قلنا لما انتسخ في شريعتنا لم يبق محلا كنكاح المحارم لم ينعقد أصلا ولم يصر شبهة في سقوط الحد عندهما مع بقاء المحلية في حق الأجنبي فانتفى الإمكان الحالي بخلاف مس السماء.
أما في قوله هذا أخي فعلى رواية الحسن وهو قول الإمام يعتق لا في ظاهر الرواية لاشتراك الأخوة بين الشركة في الدين والقبيلة والنسب فلا يفيد بلا بيان فلو قال أخي لأبي وأمي يعتق أما لو علل بأنها مجاورة صلب أو رحم فيستدعي واسطة فلا يفيد بدون إلْباتها وكذا في هذا جدي مع البرغري نفى الرواية فيه فلا وأما يا ابني حيث لا يعتق به إلا في رواية شاذة فلأن النداء لاستحضار المنادى بصورة الاسم فلا يستدعى تحقيق معناه إلا إذا كان معروفا بذلك الاسم.
ضابطة: النداء بوصف ثابت لاستحضاره به نحو يا طويل لمن له طول وبغير ثابت فإن صح ثبوته من جهة المنادى يثبت اقتضاء نحو يا عتيق وإلا فلاستحضاره بصورة الاسم نحو يا ابني لأكبر سنا منه أو أصغر معروف النسب.
تنبيه: التجوز في مسألتنا من إطلاق السبب عن المسبب كما أنه في قوله عبدي أو حماري حر أو على هذا الجدار ألف حيث يعتق العبد ويجب الألف عند الإمام من إطلاق المطلق وهو إلا حد لا بعينه على المقيد وعندهما لما لم يصلح إلا حد المبهم محلا لغا.
وقد ظن بعض الظن أنه استعارة تبعية في ابني لأنه بمعنى مولودي دفعا لتوهم أنه مبتدأ وخبر فيكون تثبيتها لا استعارة في الأصح لأن مبناها على دعوى الجنسية وفي المبتدأ والخبر قول بالمغايرة كما أن بناء الخلاف على أن هذا ابني تشبيه عندهما مثل هذا كابني بخلافه للأصغر سنا فإنه حقيقة فلا حاجة إلى إضمار التشبيه أما الإمام فجعل نية الحرية قرينة المجاز إيهام خيل إلهاما لتحقيق الخلاف في نحو ابني هذا فعل كذا.
تقريب: فالحقيقة إذا استعملت صارت أولى تكلما والمجاز لغلبته صار أولى حكما لقربه فهما قلنا الترجيح بالغلبة ترجيح بالزيادة من جنس العلة وهو مردود بخلاف المهجورة وقال الإمام فخر الإِسلام لعمومه الحقيقة أيضًا والعموم إنما يصلح دليلا لو اعتبر الحكم لا التكلم فليس مستقلا كما ظن وهذا فيما يكون المجاز أعم والدليل الشامل
стр. 532
ما مر.
تدقيق الفصل وتحقيق الأصل: قوله للأصغر المعروف النسب هذا ابني حقيقة في إثبات بنوته وإن لم ينقلب النسب لا تحرير مبتدأ لجواز ثبوت النسب من واحد ولو بوطء الشبهة واشتهاره من آخر ولذا يثبت أمومة الولد لأمة لا كانت حرة كما مر لأن إمكان العمل بالحقيقة بعينها يدل عليه مسائل الجامع.
قال في صحته لجارية لها أولاد ببطون أحدهم ولدي ومات قبل البيان يعتق عند لصاحبين ثلث الأول ونصف الثاني لأن أحوال الإصابة واحدة فإن للأسباب تزاحمًا فبنوة أحدهما يمنع الباقين وأحوال الحرمان متعددة لإمكان اجتماعها وكذا الثالث.
ولو كان تحريرا مبتدأ عتق الثلث من كل نحو أحدهم حر وهو قول الإِمام ﵁ ولو قال في مرضه ولا مال غيرهم ولا أجازه وهو سواء يجعل كل رقبة ستة للنصف والثلث وسهام العتق من الثلاثة أحد عشر يضيق عنها الثلث فيجعل كل أحد عشر ويعتق سهما الأكبر وثلاثة الأوسط وستة الأصغر ويسعون في الباقي ولو قال في صحته عبد وابنه وابنى ابنه ببطنين وكلهم أصغر فمات مجهلا يعتق ربع الأول لأن أحوال حرمانه ثلاثة وثلث الثاني لأن لحرمانه حالتين وحالا أصابه بكونه مرادا أو حافدا أريد أبوه وثلاثة أرباع كل من الأخيرين لان أحدهما حر بيقين لوجوب أن يراد أحدهما أو أبوهما أحدهما والآخر حر لو أريد هو أو أبوه أو جده ليس حرا لو أريد أخوه فيعتق النصف منه لوحدة أحوال الإصابة فحرية الكل والنصف قسمت بينهما ولو كان ابن الابن واحد فثلث الأول ونصف الثاني وكل الثالث والكل بحكم الحقيقة وهي البنوة لاحتمال النسب لا لأنه تحرير مبتدأ وإلا لعتق من كل ثلثه.
ثم قيل هذه أيضًا خلافية فيعتق عند الإمام من كل ربعه أو ثلثه كما في الأولى والأصح أنهما وفاقية والفرق له أن احتمال النسب في الأولى على السواء والتفاوت في العتق الحاصل بالسراية من الأم وذلك كالمجاز من الحقيقة فلا يجمع بينهما وها هنا لا عتق بطريق السراية إذ لا يلزم من حرية الأب حرية أولاده بل بجهة النسب بكونهم حفدة وهم في ملكه فلذا يعتبر الأحوال.
أما لو قال في مرضه ولا مال ولا أجازه يجعل كل رقبة اثنى عشر للربع والثلث يبلغ ثمانية وأربعين يضيق سهام الوصية وهي خمسة وعشرون عن ثلثها وهو ستة عشر فجعل الخمسة والعشرون ثلثا لكن ثلث الرقبات الأربع رقبة وثلث فالرقبة ثلاثة أرباع الثلث وليس لخمسة وعشرين ربع صحيح فضربت الأربعة فيها بلغ الثلث كل رقبة خمسة
стр. 533
وسبعين فضرب كل من ثلاثة الجد وأربعة الأب وعتق مبلغيه ويسعى في الباقي أما فيه فعن الإِمام طريقان:
١ - أنه إقرار بالحرية من حين ملكه فيكون إقرار بأمومة الولد لأمة لاحتمالها الإقرار.
٢ - أن الإقرار بالنسب تحرير مبتدأ كما قلنا في رجلين ورثا عبدا مجهولا فادعى أحدهما بنوته غرم لشريكه كأنه اعتقه ولو كان كأنه ورثه لم يغرم لعدم الفعل منه ولذلك لأن النسب لو ثبت لثبت بقوله والاستناد إلى القول شأن التحرير فيجعل مجازا عنه وإثبات أمومة الولد من حكم الفعل لا القول.
قال شمس الأئمة والأول أصح إذ لو قال هذا ابني مكرها لا يعتق فليس تحريرا مبتدأ والغرم لشريكه لا يختص بالإنشاء فقد يثبت بالإقرار كقوله عتق على من حين ملكته.
تفريغ آخر: يجوز الصلاة بآية قصيرة والجمعة بخطة قصيرة عنده لأن القراءة والذكر فيهما مستعملان وعندهما لا بد مما يسمى قراءة وخطة عرفا ولا نقض عليهما دون الآية لأنه خارج إجماعا والعام الذي خص عنه حقيقة في الباقي أو قريب منها ولا عليهما بما خلف لا يقرأ القرآن حيث يحنث بقراءة آية لأن القراءة في الآية الفذة متعارفة خارج الصلاة كالذكر مطلقا خارج الجمعة والتعارف في الثلاث للصلاة.
فصل
في الأمور الخمسة التي يترك بها الحقيقة أعني القرائن الصارفة عنها مقالية كانت أو حالية وواحدة كانت أو متعددة أو ممتلئة منها ودلالتها على الصرف عقلية أو عرفية.
وحصرها المشايخ في خمسة إما بدلالة العرف قولا والعادة فعلا أو اللفظ في نفسه بحسب اشتقاقه أو إطلاقه أو السباق أو حال المتكلم أو محل الكلام لأن القرينة إن كانت مقالية فدلالتها إما من نفس ذلك اللفظ من حيث اشتقاقه أو إطلاقه المقتضي لكمال حقيقته القوية في القوة والضعيفة في الضعف وهو الثاني وإما من لفظ يقارنه ويندرج فيه كون القرينة في التبعية نسبة الحدث إلى فاعله أو إلى مفعوله الأول أو الثاني أو المجرور أو غيره أو المجموع وهو الشاك وإن كانت حالية فإما من حال المتكلم الحقيقة ككونه بحيث يستحيل صدور ذلك الكلام عنه عقلا ومنه كونه حكيما لا يأمر بالفحشاء أو عادة ومنه كونه موحدا غير دهري في أنبت الربيع البقل أو الإضافية ككونه مجيبا وهو الرابع وإما من حال الكلام كصدقه وهو الخامس وإما من حال أهل الكلام كتعارفهم الأقوال وتعودهم الأفعال وهو الأول قدم لأنه أغلب ثم دلالة القرينة عرفية أو عادية عامتان أو خاصتان بالشرع أو غيره في الأول ويندرج فيهما الحسية التي يعرف العرف فيها بالحس فالأول
стр. 534
قسمان ما بدلالته الاستعمال قول وله أمثلة:
١ - المنقولات الشرعية كالصلاة عن الدعاء إلى العبادة المخصوصة المشروعة للذكر وكل ذكر دعاء وكالحج من القصد إلى عبادة هو فيها وكالعمرة اسم من الاعتمار وهو الزيادة والزكاة عن النماء والتطهير إلى العبادتين فإنها فيها مجازات لغوية تعورفت إلى أن صارت حقائقها مهجورة حتى لا يلزم الحالف بها إلا العبادات والتعارف لإيجابه التفاهم دليل ترك الحقيقة كالدراهم في نقد البلد فمن نذرها يلزمه المجازات.
٢ - المنقولات العرفية كمن نذر المشي إلى بيت الله تعالى يلزمه حجة أو عمرة ماشيا والخيار إليه وليس كناية لأن حقيقته مطلق المشي وليس بمراد على أن إرادتهما معا في الكناية أيضًا ممنوع كما مر أو أن يضرب بثوبه حطيم الكعبة إهداء ثوب استحسانا فيهما وفي القياس لا شيء عليه إذ ليس من جنسهما واجب شرعا والعرف مخصوص بالمشي المضاف إلى الكعبة أو بيت الله أو مكة فالمشي إلى الحرم والمسجد الحرام ليس كذلك عند الإمام لذلك منه لزوم ذبح الهدي بالحرم بقوله علي أن أذبح الهدي ولزوم ذبح الشاة بقوله علي أن أنحر ولدي أو أذبحه أو أضحية عند الطرفين.
٣ - أمثلة الحقائق المعذرة السالفة التي بالحس عرف تركها من آكل النخلة والقدر والدقيق ورب ماء البئر الغير المملوءة.
٤ - أمثلة الحقائق المهجورة التي عرف بالحس أو الشرع عرف هجرها من وضع القدم والتوكل بالخصومة وعدم كلام هذا الصبي.
وما بدلالة العادة فعلا ومنه استحالة صدور الفعل عن الفاعل المذكور عادة في نحو هزم الأمير ونبى الوزير وكسا اتخلفية وذلك نحو وقوع لا يأكل رأسا على المتعارف كرأس البقر والغنم عنده والغنم فقط عندهما لا رأس الجراد والعصفور وهو فيهما حقيقة وبيضا على بيض الإوز والدجاج.
وفي المبسوط بيض الطير مطلقا أي ما له قشر ويؤكل لا بيض السمك وطبخا أو شواء على اللحم المطوخ أو مائه لا المقلي ولا البيض والباذنجان والسلق والجزر استحسانا في الكل للتعود عليهم إذا نوى الكل والتمثيل بهذه لصرف اللفظ عن بعض الأفراد التي هي حقائق وعن هذا مر أن المخصص كالمجاز أو على مذهب الكرخي أن المخصص مجازا أو لغاية تقاربهما بفهم حال أحدهما من مثال الآخر.
والثانى أيضًا قسمان:
ما بدلالة اشتقاق اللفظ نحو لا يأكل لحما لا يقع على لحم السمك خلافا لمالك فإنه
стр. 535
حقيقة فيه لقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤] ولذا لا يصح نفيه منه قلنا لما عنا الشدة بدلالَة التحامَ الحرب والجرح والملحمة وهي بالدم ولا دم فيه ولذا يعيش في الماء ويحل بلا زكاة لم يتناوله مطلقه ولذا لا يطلق على لحم السمك إلا مفيدا ومنه الآية فإنها دليل أنه فرد منه في الجملة لا إرادته من مطلقه وكذا على الجراد إذ لا دم له ولذا لا يذبح ولا يرد لحم الخنزير والأدمى على ما في المبسوط أنه يحنث بهما لأن الإضافة فيهما للتعرف كلحم الطير لا للتقييد ومدار الفرق وجود الشدة الدموية وعدمها.
وما بدلالة إطلاقه فإن شأن المطلق أن ينصرف إلى الكامل في الحقيقة ككل مملوك لا يتناول المكاتب بنت مولاه بموت المولى أما الرقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فيتناوله لكمال رقه وأنه عبد ما بقى عليه درهم ولذا يقبل الفسخ لا يتناول لا الشلاء والعمياء لهلاكهما من جهة فوت المنفعة والمدبر وأم الولد عكسه في هذه الأحكام فيتناولهما المملوك لا الرقبة لأن في التحرير إزالة الرق عنده ونفسها عندهما فيستدعى كماله وكذا كل امرأة لا يتناول المبتوتة ولو في العدة إلا بالنية ومطلق الصلاة صلاة الجنازة وإدراجها في: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] بالإلحاق الإجماعي.
ثم هذا يقتضى كمال حقيقته القوية في القوة ومنه ما يقتضي كمال حقيقته الضعيفة في الضعف نحو لا يأكل فاكهة لم يحنث عند الإِمام بأكل الرمان والعنب والرطب إلا إذا نوى وقالا وهو قول الشافعي ﵀ يحنث كالتين لتناوله بل الكامل أولى كالطرار قلنا لما أنبأ عن التنعيم الزائد على التغذى وهو بالتبعية لا الغذائية والدوائية انصرف إلى الكامل فيها وهو القاصر فيها فإنهما تغيران التفكه والطر يقرر أمر السرقة والحق تخريجه من كماله لا من نقصانه كما زعم وإلا يلزم أن ينصرف بعض المطلق إلى الناقص.
قال المتأخرون ينبغى أن يحنث في عرفنا اتفاقا ومثله لا يأكل إذا ما يقع على ما يصطبغ الخبز به كالملح والخل لا على اللحم والبيض والجبن خلافا لهما لأن الموآدمة الموافقة والتبعية وللحديث في الثمرة وخصص ما يؤكل وحده لا تابعا غالبا كالبطيخ والتمر والعنب بخلاف تلك.
قلنا كمال الموافقة والتبعية فيما يختلط به ولا يحتاج إلى تجديد الحمل والمضغ والابتلاع فلا يتناول مطلقه القاصر فيها فإن كان كاملا من جهة أخرى والحديث مع أنه مقيد في دليل فرديته فقط وعن أبي يوسف روايتان والفرق على إحديهما شيوع إطلاق الفاكهة على تلك لا الإدام على هذه وقوله أشتري جارية لخدمني فاشترى الشلاء أو العمياء أو جارية أطأها فأشترى أخته من الرضاع لا يجوز.
стр. 536
والثالث: أيضًا قسمان ما بسياقه المتقدم وسياقه المتأخر وقد يطلق السياق عليهما نحو: [فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ] [الكهف: ٢٩] ترك حقيقة الأمر بتعليقه بالشية وكذا من شاء فليكفر بذلك وهذا سياق وبقوله ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] وهذا سياق وحمل الثاني على الإنكار والتوبيخ على فعله والأَولَ عَلى تركه.
ومنه جمعهما في ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] للسياق.
ومن المسائل قوله للمستأمن أنزل فأَنت آمن أمان وإن قارنه ستعلم ما تلقى أو إن كنت رجلًا ليس به فلو نزل صار فيئًا وكذا طلق امرأتى أو افعل كذا إن كنت رجلًا أو إن قدرت ليس توكيلا ونعم لك على ألف درهم ما بعدك ليس إقرارا والكل توبيخ بالسياق عرفا.
والرابع: أيضًا قسمان ما بدلالة حال المتكلم الثابتة قبل الكلام عقلا نحو: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أي حرك بوسوستك لما استحال صدور الأمر بالمعصية منه لكوَنه حَكيما لا يأمر بالفحشاء لا لكونها غير أصلح حمل على الأقدار الظاهري الذي هو منح الأسباب والألات السليمة فإنه لازم الإيجاب لا مسببه كما ظن أو عادة نحو انبت الربيع وشفى الطيب وسرتني رؤيتك من الموحد.
وما بدلالة حاله الثابتة عند الكلام عادة ككونه مجيبا فيمن دعا إلى غذاء فحلف لا يتغذى وامرأة قامت للخروج فيقال لئن خرجت ينصرف إلى ذلك الغذاء والخروج مع أن الفعل نكرة في سياق النفى ولا خلاف في عمومه إلا بحسب المفعولات ونحوها مما هي شرط الوجود لا الفهم ويسمى يمين الفور سبق بإخراجه أبو حنيفة ﵀ أخذًا من حديث جابر وابنه حيث دعيا إلى نصرة الإِسلام فحلفا أن لا ينصراه ثم نصراه بعد مدة ولم يحنثا وكان يقال قبله اليمين مؤبدة أو مؤقتة فأخرج قسما ثالثا هو مؤبدة لفظا مؤقتة معنى.
ومنه ما وكل بشراء اللحم يتقيد بالني مقيما وبالمطبوخ والمسوى مسافرا أو بشراء فرس أو خادم يتقيد بحال الأمر أدلى أو أعلى.
والخامس: قسم واحد هو كلام لولا ما فيه من التجوز لما صدق فيقيد تجوزا بما يقتضيه محله فالصارف صدقة والمعين للمجاز محله فلذا جاز أن يقال بدلالة حال الكلام أو محله وقد ظن أن نحو اليمين بأن لا يأكل النخلة منه لأنها لا تقبل إلاَّكل وهو بعض الظن وإلا لكان كل من الحقائق المتعذرة المهجورة عرفا أو شرعا ونحو أنبت الربيع البقل كذلك.
стр. 537
منه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩] أي في الإدراك البصري، ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] أي في الفوز بالسباق فلا ينافيه قصاص المسلم بالذمي ومساواة ديتهما وتملك الحربي بالاستيلاء كما ظنه الشافعي ﵀ كما في الآية الأولى لأن الفعل وإن عم لكونه نكرة في سياق النفي فحقيقته عموم النفي لا نفي العموم كما وهم لكنه خص ضرورة صدقه بما يقتضيه محله وهذا أحد الوجوه السالفة في تحقيقه.
ومنه: أن كاف التشبيه قد يفيد إطلاقه بعد أنه لا يوجب العموم إلا إذا دخل في العام واحتمله محله وقد مر.
ومنه: الأعمال بالنيات ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان، أي حكمها أي ما صدق عليه حكمها وقد مر مرتين.
تنبيه: مر بحث تحريم الأعيان وما بينه وبين تحريم الأفعال تحصيل قد يعتذر الحقيقة والمجاز معا كقوله لأمر إنه المعروفة النسب تولد لمثله أو لا هذه بنتي لا تحرم وإن أصر إلا أن القاضي يفرق بينهما عند الإصرار لكونها كالمعلقة كما في الجب والعنة خلافا للشافعي فيما يولد لمثله لأن ملك النكاح أضعف من ملك اليمين والأولاد أنس له منه فينتفي بذلك بالأولى.
قلنا: تعذر الطريقان فيه أما الحقيقة ففي الآسن ظاهر وكذا في غيره أما في حق ثبوت النسب فلأنه مطلقا وفي حق كل الناس إبطال حق من اشتهر منه وفي حق نفسه فقط لأن الشرع كذبه وتكذيبه ليس أدلى من تكذيب نفسه فقام مقام رجوعه والإقرار بالنسب مما يحتمل الرجوع.
وأما في حق التحريم لكونه لازما وموجبا للبناة لا لكونه مرادا مجازا إذ الكلام في الحقيقة فلان الملزوم لو بطل كما قلنا يبطل اللازم ببطلانه كبطلان العتق لبطلان شراء الابن ولو صح ولم يتأت ما قلنا في بطلانه كما في مجهولة النسب فإن المذكور في المبسوط وإشارات الأسرار أنها أيضًا لا تحرم فلما لا تحرم أو كان مجازا عن التحريم في الآسن وغيره وهو أنه على تقدير ثبوته تحريم يتوقف على النكاح السابق فإن هذا القول للأجنبية المعروفة النسب أو المكذبة لغو وكل تحريم يتوقف عليه لا يكون منافيا ومبطلا لانعقاده وإلا لكان مبطلا لنفسه كالتطليق والتحريم اللازم من البنتية مرادا كان أو موجبا ينافيه فهذا مما لا حقيقة له فلا يصار إلى مجازه اتفاقا نحو أعتقتك قبل أن لخلق أو لعبدته هذه بنتي بخلاف قوله لعبده الاسن وغيره هذا ابني فإن العتق لا ينافي تلك اليمين بل قد
стр. 538
يتوقف عليه كما في شراء الابن هذا أقصى ما فهمته من كلام فخر الإِسلام عامله الله بكامل كرمه.
بقى أنه إذا لم يتأت ما قلنا في معروفه النسب فأي دليل على عدم ثبوت النسب يشملها والمجهولة التي تولد لمثله والأجنبية المكذبة مطلقا وهو ما مر أن حل المحلية حقها الثابت شرعا كرامة لها ولذا يزداد بحريتها وينتقض برقها فلا يملك الزوج إبطاله إقرارًا عليها ومنه يعلم أن تكذيب الشرع ليس لثبوت النسب من غيره بل أعم منه وأن ذكر التحريم اللازم ليس قبيحا وأن دليله ليس بطلان الحقيقة مطلقا إذ لم يعلم ذلك بعد كما ظن كل منهما.
الفصل الرابع عشر في حكم المجاز
منه ثبوت ما استعير له خاصا كان كالغائط للحديث أو عاما نحو الصالح في حديث ابن عمر فإنه لما لم يحله إجماعا عاما عندنا مطعوما كان أو جصا ونوره فيقضي بعبارته حومة بينهما متفاضلا ولأن المراد ما يكال به فالكيل مأخذه يكون علة بإشارته فيجوز الحفنة بالحفنتين والتفاحة بالتفاحتين فيعارض فيهما قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام إلا سواء بسواء" فإنه عكسه في العبارة والإشارة قال الشافعي ﵀ لا يعارضه إذْ لا عموم للمجاز فلما أريد بالمكيل المطعوم ليوافقه أو بالإجماع لم يرد غيره وذلك لأن طريق ثبت ضرورة التوسعة على المتكلم وهي تندفع بلا عموم كما في المقتضى عندكم ولئن سلم المعارضة غلب المحرم على المبيح والخلاف نقل الثقة فالأوجه لمنعه قلنا ما كر في التنزيل متعلقا بالمتكلم لا يكون ضروريا.
تنويره أنه إن أريد بضرورة التوسعة حصولها فالترادف كذلك فلا عموم لشىء من المترادفات وليس كذا وإن أريد أنه لا يصار إليه إلا عند العجز عن الحقيقة فلا نسلمه بل هو أحد نوعي الكلام كالحقيقة وإلا لما وقع في كلام الله تعالى المنزه عن العجز والضرورة ولئن سلم فربما يكون العجز عن الحقيقة لتحصيل العموم كيف ومن الواجب في صناعه البلاغة رعايته في خطاب الذكي وعند قصد شيء من فوائده السالفة وإن كانت الحقيقة حاضرة.
والتحقيق أن العموم لدليله كالتثنية والجمع كان في الحقيقة أو في المجاز وتغليب المحرم معارض بالمثل أما وقوع المقتضي في كلام الله تعالى فلأن ضرورته عائدة إلى وقوف السامع وصحة الكلام ولذا عد في أقسامه وهذه عائدة إلى المتكلم إذ المجاز من أقسام الاستعمال.
стр. 539
ومنه استحالة اجتماعه مع الحقيقة في الإرادة بخلافه في الاحتمال والتناول الظاهري كما في استيمان الأبناء والموالي وقد يسمى عموم المجاز لمحما يطلق في المشهور على كون المعنى المجازي بحيث يعم معنى الحقيقة.
ولخرير المذاهب وتقرير الأقوال كما سبق في عموم المشترك فلا خلاف في إرادة المجموع من حيث هو مجازا عند شروط إطلاق الجزء على الكل من كون الكل ماهية واحدة اعتبر لزومها للجزء كالرقبة على الإنسان بخلاف الأسد على المفترس والشجاع ولا في إرادة كل منهما بدلا ولا في إرادة معنى يعمهما مجازًا بل في إرادة كل منهما فأحدهما للوضع والآخر لمناسبته للأول قبل ولا في امتناع أن يستعمل فيما بحيث يكون اللفظ حقيقة ومجازا بحسبه فإنه موضوع للحقيقي وحده فهو في المجموع مجاز اتفاقًا ولا في رجحان الحقيقة إذا دار بينهما وخلا عن القرينة بل في أن إيراد المعينات معًا ويكون كل مناط الحكم أحدهما بالوضع والآخر بالقرينة نحو رأيت أسدين يرمي أحدهما ويفترس الآخر وإن كان اللفظ مجازًا في هذا الاستعمال.
وفيه شيء أما رواية فلان المنصوص في كتب الشافعية أن مذهبه أن اللفظ ظاهر في المعنيين بل حقيقة فيهما كما في المشترك حيث الحق المعنى المجازي للوضع النوعي للعلاقة بالحقيقى وكونه مجازًا فيهما مختار ابن الحاجب ﵀ فكيف ادعى الاتفاق في المجازية والأصح أن الخلاف في التثنية والجمع بناء على المفرد ولا صحة للمثال المذكور عند اشتراط الجنسية في مفهومها وأما دراية فلما كان اللفظ مجازًا لم يكن لا بد من القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي فإما عن نفسه فلا يكون مرادًا وإما عن وحدته كما وهم فدل أن وحدته معتبرة في الوضع ومعدودة إن لم ينافيها إرادة المجازى لم يتحقق الصرف وقد اعترف به وإن نافتها امتنع اجتماعهما وستزداد وضوحًا.
لنا مسلكان:
١ - أن الجمع لم يرد لغة قيل هو الحق مع أنه استقراء النفى وعدم الوجدان لا يقتضى عدم الوجود.
٢ - امتناعه لكن بحسب وضع اللغة لا عقلا وهو المختار كما في المشترك وبناؤه على أن الكلام في اللفظ الذي معناه تمام الموضوع له من كل وجه فلا بد للواضع من ملاحظة انفراده حين الوضع بمعنى اعتبار عدم الاجتماع لا بمعنى عدم اعتبار الاجتماع وإلا لم يكن تمامه فالجمع مخالفه فنقول كل ما ذكروه من أدلة امتناعه مبنى عليه فلنعدها تصحيحًا لها.
стр. 540
١ - أن المتبوع راجح أي عند الخلو عن القرينة وإلا فلا ثقة على أن المتبوع هو المعنى الحقيقط بصفة الانفراد لا مطلقًا لأن الكلام في تمام الموضوع له من كل وجه.
٢ - أن الاستقرار في محله أي الموضوع له عند الخلو عنها قاعدة وطبيعية فلو استعمل فيهما لزم الاستقرار وعدمه أو مخالفة الوضع.
٣ - لزوم إرادته منفردًا حتى لا يخالف الوضع وعدمها.
٤ - لزوم الاستغناء عن القرينة الصارفة والاحتياج إليها قيل المشروط بتلك القرينة كون اللفظ مجازًا إلا إرادة المعنى المجازي متصلًا بالحقيقي بنوع علاقة والنزاع في الثاني وليس بشيء فإن اللفظ في هذا الاستعمال مجاز باعترافه كيف ولا وضع يوافقه فلو كان حقيقة فلا ثقة للغة وإذا كان مجازًا لم يكن بد من قران القرينة الصارفة كيف وكون اللفظ مجاز اللازم له وشرط اللازم شرط للملزوم.
قال الموضوع له هو المعنى الحقيقي وحده والقرينة هنا صارفة عن وحدته وليس مخلص لأن الوحدة إذ لوحظت في الوضع يلزم من انتفائها هنا انتفاؤه وإلا فلا صرف ولأن الصرف إن وجد فلا موضوع له وإن لم يوجد فلا مجاز.
٥ - أن المعنى الحقيقي بتمامه حق اللفظ ومحله المشغول به وضعًا كما أن الثوب المملوك بتمامه حق المالك شرعًا والملبوس بتمامه مكان اللابس عقلا فكما يمنع هذا كون ذلك الثوب حق المستعير شرعًا في آن واحد وشاغل لابس آخر عقلا يمنع ذلك أيضًا وضعًا وإن لم يمنع عقلا وشرعًا وهذا تمثيل للتوضيح وإلحاق لمقتضى الوضع بمقتضاهما أما استعارة الراهن ثوب الرهن من المرتهن فمجاز وتصرفه بالمالكية ولذا لا يضمن المرتهن ولا يسقط الدين بهلاكه.
فروعها قسمان:
ما أريدت به الحقيقة:
١ - ما أريدت به الحقيقة لم يرد به المجاز كالوصية لموالى زيد أو أبنائه وأولاده لا يتناول موالى مواليه وأحفاده لأنها مضافة حقيقة في الأوائل ومجاز فيما بالوسائط إذ ثمة مباشرة وهنا تسبيب لا لأن كون إضافة المشتق للاختصاص في معناه كما ظن فإنها للاختصاص في الإثبات لا في الثبوت. أما مطلقه فحقيقة في الكل فلو وجد من الأوائل اثنان فصاعدًا ولا أعلى له كان كلها لهم أو واحد فالنصف له والباقي للورثة.
لا يقال الجمع في الواحد والاثنين مجاز ففيه الجمع.
стр. 541
لأنا نقول لا جمع في الإرادة والمتحقق وجود الواحد أو الاثنين لإرادتهما أو لم يوجد فالكل لما بالوسائط منزلا كذلك في كل مرتبة ولا يرد تكملة الثلثين ببنات الابن مع الصلبية لأنها بالسنة أو لأن الوارد فيها لفظ النساء لا البنات لكنه في الأبناء قول الإِمام آخرًا فإن قوله أولا وهو قولهما تناول الفريقين بعموم المجاز لأن إطلاق الأبناء عليهما متعارف فهو كالشرب من الفرات وأيضًا عند للذكرر خاصة وعندهما وللإناث حال الاختلاط لذلك لا حال انفرادهن اتفاقًا أما الأولاد التي للذكرر والإناث مختلطة ومنفردة اتفاقًا فأشار شمس الأئمة ﵀ أن فيها الخلاف السابق، وقيل: عدم تناول الأحفاد وفاق فيها فالفرق لهم عدم تعارف أولاد فلان في أحفاده كتعارف بني فلان وهذا كما لم يعم المشترك لكانت الوصية للموالي وله أسافل وأعالي باطلة وإن رويت الأقسام الأُخر من ترجيح الأعالي شكرًا للأنعام أو الأسافل قصدًا للإتقام أو القسمة بينهما وهو قول الشافعي قولا بعموم المشترك أو عموم المجاز ولا يرد ما حلف لا يكلم مواليه يتناول الأعلى والأسفل لأنه بمعنى أحدهما فيعم في سياق النفي كهو وإنما يبطل الوصية لأحد هذين للجهالة فإنه في سياق الإثبات فإذ لم يجز عموم المشترك لاختلاف الحقيقتين مع أن دلالتهما وضعية وغير مشروطة بالقرينة فلأن لا يجوز عموم المجاز والحقيقة على اختلاف دلالتهما من وجهين أولى.
وقالوا إذا جاز عموم المشترك عند بعضهم ولا مناسبة بين معنييه فلأن يجوز عموم المجاز، وفيه هي أولى. قلنا: لولا تنافي اللازمين وهما اشتراط القرينة وعدمها أما الاستئمان على الأبناء فإنما يدخل فيه الأحفاد استحسانًا لا لجمع بل لأن تناولها الظاهري للفروع الخلقية حيث يطلق بنو آدم وبنو هاشم وبنو لقيم على الكل صار شبهة وهو مما يثبت بها عكس الوصية حقنًا للدم وصونًا لبنيان الرب ولذا يثبت بقوله أنزل لأقتلك أو دعائه إلى نفسه للمقاتلة فظنه الكافر أما أنا فنزل بخلافه على الآباء والأمهات حيث لا يدخل الأجداد والجدات لأنها أصول خلقة فمع معارضته لم يظهر أثر تناول ظاهر الاسم لأنه طريق ضعيف فحرمة نكاح الجدات وبنات الأولاد على هذا بالإجماع لا بتناول لفظ الأمهات والبنات وكذا استحقاق الميراث ولا يلزم أن المكاتب إذا اشترى أباه بتكاتب عليه لأن كلامنا في تناول اللفظ لا في سراية الحكم بطريق شرعي.
ثم هذه التخريجات على تقدير أن لا يثبت إرادة الفرع من الابن والبنت والأصل من الأب والأم بعموم المجاز لدلالة القرينة أو أنهما معناهما لغة أما لو ثبت كما قيل في آية تحريم النكاح والمواريث وهن أم الكتاب وإله آبائك فلا كلام في تناول الوصية
стр. 542
كالاستيمان وحرمة النكاح واستحقاق الميراث وإنما لم يتعرض المشايخ له هنا إما لعدم ثبوتها وإما لأنه لا يتأتى في الموالى.
ومن نظيره أن لا يلحق غير الخمر بها حدًا بتناول اللفظ لأنها في الني من ماء العنب حقيقة وفي المسكرات الآخر مجاز باعتبار مخامرة العقل كما استدل بعض أصحاب الشافعي ﵁ على وجوب الحد بقليله وإلحاقنا عند حصول السكر بالإجماع وبقوله ﵇ والسكر من كل شراب لا لتناوله.
٢ - ما أريد به المجاز لم يرد به الحقيقة كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] لما أريد المجامعة مجازًا بإجماع الأئمة الأربعة حتى حل للجنب التيمم بطل إرادة المس باليد ليكون مس المرأة حدثًا خلافًا للشافعي ﵁ وإرادة مطلق المس الشامل لا قرينة لها ولم يفسر به أحد ولو صحت ويثبت فلا نزاع كما لا نزاع في حمل القراءتين على المعنين كما في يطهرن مشددًا ومخففًا وأرجلكم منصوبًا ومجرورًا وقد يقال من حمله من الصحابة على المس باليد لم يجوز تيمم الجنب كابن مسعود ﵁ ومن حمله على الوطئ لم يجعل المس حدثًا كعلي وابن عباس ﵄ ومن تبعهما.
فالقول بهما بالقراءتين خرق لإجماعهم ورد بأن عدم القول بأحد الحكمين ليس قولا بعدمه بل سكون فلا خرق قلنا سيجيء أن مثله خرق عند الخلافيين جرًا على أن السكوت فيما عم به البلوى بيان لا سيما في الصحابة على أن عدم قولهم بالعلم ممنوع.
رفع إبهامات لدفع إيهامات:
قلنا بعموم المجاز لا بالجمع بينهما فيما يحنث بالدخول حافيًا ومنتعلا ماشيًا وراكبًا في لا يضع قدمه في دار فلان إذ المراد لا يدخل مطلقًا لأنه مسببه لهجر حقيقته وهو وضع القدم حافيًا ولو بدون دخول الجسد فلو نوى حقيقته يصدق ديانة ولو نوى المشي فديانة وقضاء لأنه حقيقة مستعملة.
كذا في المبسوط أما في المحيط فينوي حقيقته ديانة وقضاء مطلقًا وبالملك والإجارة والعارية في لا يدخل دار فلان أو بيت فلان خلافًا للشافعي في غير الملك لأن المراد نسبة السكنى التي تعمهما فصار كمسكن فلا لأنها لا تهجر لذاتها بل لبغض ساكنها وهي أعم من الحقيقة والتقديرية بالتمكن منها للمالك غير أن شمس الأئمة ﵀ ذكر أنه لا يحنث بدخول مملوكته المسكونة لغيره فتختص بالحقيقة وينوي حقيقته لأنها مستعملة وبما قدم ليلا أو نهارًا في امرأته طالق يوم يقدم زيد لأن ظرف الفعل بلا واسطة معيار له كما عرف فإذا قارن الممتد امتد المعيار فيراد النهار وإذا قارن غير الممتد كوقوع الطلاق
стр. 543
لم يمتد فيراد الوقت الذي يعمهما وينوي حقيقته ديانة وقضاء في ظاهر الرواية وفي رواية أبي يوسف ديانة فقط لأنه المتعارف في المجاز والحقيقة خلاف الظاهر.
قال جواهر زاده والحق هو الظاهر لأنها حقيقة مستعملة كما في وضع القدم وبه يعرف أن المراد بالمقارن المظروف لا المضاف إليه وهو الحق لأنه الموثر والمقصود من الإضافة البيان لا النظر فيه فذكر المضاف إليه من بعض المشايخ فيما وافق المظروف امتدادًا وعده تسامح كيف والرواية الظهيرية المحفوظة فيمن قال أمرك بيدك يوم يقدم فلان فقدم نهارًا ولم تعلم حتى حسن الليل لا خيار لها دليل عدم اعتبار المضاف إليه إذ لو علمت قبل جنان الليل بعد مهلة من قدومه لها الخيار ومنه يعلم أن ما ذكر صاحب التنقيح في شرح الوقاية من حمله في قسمي اختلاف المظروف والمضاف إليه على النهار لكونه حقيقة مع مخالفته لما يفهم من المحيط أن اليوم مشترك بين المعنين ومتعارف فيهما بحسب الشرطين غير صحيح رواية ودراية والممتد ما صح فيه ضرب المدة كاللبس والركوب والمساكنة وغير الممتد ما لم يصح كالخروج والدخول والقدوم فالطلاق لا يمتد إذ لا يصح طلقت شهرًا وتفويضه يمتد لصحة فوضت يومًا وعد الكلام مما لا يمتد لأنه لا يمتد يومًا غالبًا والمراد ذلك.
تنبيه:
هذان أصلان فلا يتغيران إلا بالقرينة كما بالنية.
ومنه قولهم اركب يوم يأتيك العدو واكتسب يوم لخاف الفقر في الممتد وأنت طالق يوم تنكشف الشمس وأنت حر يوم يصوم الناس في غيره على أننا نمنع التخيف ففي الأول لإخراجه مخرج الغالب وفي الثاني لأنه لا يلزم من عدم التحقق عدم الإرادة كما عمل الصاحبان به لا بالجمع كما وهم في لا يأكل من هذه الحنطة ولا نية له فعنده على القضم وعندهما يحنث بأكلها وأكل ما يتخذ منها رواية واحدة لأن المراد أكل ما فيها بالعادة كالخبز بخلاف السويق إلا عند محمَّد ﵀ لأنه غير جنس الدقيق عرفًا ولذا صح مبايعتهما متفاضلا ولو نوى عينها صحت لأنه حقيقته كما في لا يأكل من الدقيق ونوى عينه وإن صرف بلا نية إلى نحو الخبز عندهم وكذا لو نوى ما يتخذ منها لأنه محتمل وفي لا يشرب من الفرات ولا نية له فعنده على الكرع ولو نوى الاغتراف لا يصدق قضاء لأنه مجاز فيه تخفيف وعندهما يحنث بالاغتراف باليد أو بالإناء وكذا بالكرع في الأصح عنهما لا لأن المراد ماء الفرات كما وهم وإلا يحنث بالشرب من نهر يأخذ منه كما هو الحكم فيه بل لأنه أريد الماء المنسوب إليه المجاور له وبالنهر ينقطع
стр. 544
النسبة لا بالأواني.
قال الطرفان ﵏ فيمن قال على صوم رجب ونوى اليمين أو كليهما عليه بالحنث قضاء المنذور والكفارة كما اتفقوا على النذر فيما نواه أو منع نفى اليمين أو لم ينو شيئًا وعلى اليمين لو نواها ونفى النذر وقال أبو يوسف يمين في الأول ونذر في الثاني وإلا الجمع.
قلنا إطلاق اللفظ على لازم مسماه مع نية الصرف عنه مجازى كما في الرابعة من الاتفاقيات لا إطلاقه على مسماه مقصودًا لازمه معه أو مسكوتًا عنه إذ كثيرًا ما يقصد لوازم الحقائق معها لا بطريق إطلاق عليها لو كان مع الصارف عن الحقائق فلا نزاع فيه ولو جاز بلا صارف ارتفع الثقة عن اللغة وهذا معنى قولهم اسم الذات مستجمع لجميع الصفات فيعمل في الأحكام بحسب الاعتبارين وذلك في الشرعيات كالهبة بشرط العوض والإقالة تسميان بيعًا لأنه من لوازمها وكشراء القريب يسمى إعتاقًا لأنه من لوازمه وموجباته فكذا ما نحن فيه مسماه نذر أطلق صيغته عليه وموجبه يمين قصدت معه أو بدونه لكن لا إطلاقًا للصيغة عليها بل للزومها وهذا معنى أنه نذر بصيغته أي بالنظر إليها يمين بموجبه أي بالنظر إلى موجبه ولازمه وهو تحريم المباح اللازم لمسمى النذر الذي هو إيجاب المباح وتحريم المباح يمين بالآية أو معناه دمين حكمًا بواسطة حكمه الذي هو وجوب المنذور إذ من لوازمه حرمة تركه وهو حكم اليمين قاله النسفي ﵀ أو معناه يمين بواسطة معناه وهو الإيجاب فإن إيجاب المباح يوجب تحريم ضده وهو اليمين قاله فخر الإِسلام ﵀ غير أن الموجب هنا تحريم المباح وهو ثابت نوى أولًا ثبوت موجبات التصرفات الثلاثة كذلك فلا مخالفة بينها وبينه في اللزوم لكن كون تحريم المباح يمينًا غير مسلم مطلقًا بل إذا قصد وصرح به كما في مورد الآية وإلا كان نحو البيع والتصديق والإبراء والإعتاق والتطليق يمينًا لكونه موجبًا لحرمة التصرف فيما كان مباحًا أو إذا لم يشتهر صرف اللفظ إلى ما يباينها حكمًا وهو النذر كما في ذكر النذر إذ لازمه ليس أقوى منه وما يقال من أن فراء القريب علة للعتق فلا يحتاج إلى النية وهذه الصيغة تصلح لليمين لا علة لها فإنما يتم بأحد هذين الوجهين فمن هنا افترقا في وجوب النية وقد علم هنا وفيما مر أن الكناية مع الصارف مجاز وبدونه حقيقة وإلا فلا ثقة فلا نفضي هنا بالتزام كونه كناية مخالفًا لتصريح الجمهور كما ظن وكذا في إرادة الحج ماشيًا بعلي المشي إلى بيت الله وإلا كان كل مطلق في مقيد كناية لا مجازًا فالكناية من الإِمام النسفي فيه مجاز.
стр. 545
تصحيح المجاز وتوضيح الجواز:
من بعض الظن إنكار المجاز اللغوي في التصرف الشرعي زعمًا بأنه لكونه إنشاء من الأفعال وقيام فعل مقام آخر محال والحق بلا خلاف بين الفقهاء أولى الأبصار جريانه في الإنشاء كالإخبار وأن الاتصال معنويًا كان أو صوريًا كما يصلح طريقًا للاستعارة اللغوية يصلح للشرعية وأنها غير مختصة باللغة إذ المشروع كالمحسوس قائم بمعناه الذي شرع له ومتعلق صورة بسببه وعلته فوجود المناسبة معنى في الشرع كيف شرع والاتصال صورة من حيث السببية والعلية بين المشروعين يصحح انتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر كما بين المحسوسين.
ولأن حكم الشرع متعلقًا بلفظ شرع سببًا له أو علة في تعلقه ذاك إذ الكلام فيه لا يكون إلا واللفظ قال عليه لغة كما في البيع وغيره فجريانه في الشرعيات عين جريانه في اللغويات فنقول الاتصال المعنوي فيها المشابهة في معنى المشروع كيف شرع والصوري هو السببية أي الإفضاء إلى ما ليس مقصودًا منه والتعليل، أي إيجاب ما هو المقصود منه أما المعنوي فكالوصية للإرث في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] لكون كل مثبتًا للملك بالخلافة بعد الفراغ عن حاجة الميت والكفالة للحوالة بشرط براءة الأصل والحوالة لها بشرط مطالبته وللوكالة في قول محمَّد ﵀ يقال للمضارب المفترق بلا ربح وفي رأس المال دين أحل رب المال عليه أي وكله يقبض ديونهم.
وأما الصوري فالسببية المحضة منه لا تتعاكس بل يستعار اسم السبب للمسبب لافتقاره إليه كالهبة لنكاح النبي ﵇ أربعة من أزواجه لا كما ظن بعض الشافعية أنه بمنزلة التسري حتى صح بلا ولي وشاهد في حالة الإحرام وزائدًا على التسع وبلا قسم وبلا انحصار وطلاقه في عدد وبلا مهر قلنا حقيقة الهبة تمليك المال فلا يتصور في غير المال ولم يكن في نكاحه بذلك توقف على القبض ولا حق الرجوع وكان فيه وجوب العدل في القسم والطلاق والعدة وهذه تنافي التسري والأصح من الشافعي أنه نكاح لكنه يختص بحضرته ﵇ لقوله تعالى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ولأنه عقد شرع لمصالح لا تحصى من أمور الدين والدنيا لا يفيدها غير ما وضع له من لفظي النكاح والتزويج عربيًا كان أو غيره في الأصح أو لا ينعقد بغيره مطلقًا أو إن كان يحسن العربية وهذا كلفظ الشهادة موجب للحكم بنفسه بالنص فلا يقوم الحلف بالله مقامه لأنه موجب بغيره وهو مخافة هتك حرمة اسم الله تعالى ولا أعلم ولا أتيقن لأنهما خبران وضعا وعرفا وكذا المفاوضة عندكم على ما حكى عن الكرخي وروى الحسن بن زياد والصحيح أنه فيمن لا يعرف أحكامها قلنا قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾
стр. 546
[الأحزاب: ٥٠] أي في أحكامه المختصة كعدم المهر وغيره وإلا فوجوه الكلام لا تختص به ﵇ والمصالح المذكورة ثمرات غير محصورة لا تصلح بناء صحة النكاح عليها فربما لا تترتب بل على حكم الملك له عليها.
ولذا يلزمه المهر عوضًا والطلاق يكون بيده فإذا انعقد بما ليس للتمليك وضعًا كالنكاح لكونه علمًا له عالمًا بوضعه كالنص لا بمعناه كالقياس فلأن ينعقد بما وضع له أولى فينعقد نكاحنا أيضًا بها لكن مع القرينة من ذكر النكاح أو المهر أو الخطبة أو النية وإلا فيحتمل الهبة الخدمة والتمكين من الوطىء.
وقال شمس الأئمة لا حاجة إلى النية في النكاح بألفاظ التمليك لتعين المحل للمجاز وثبوته عن قبول الحقيقة بخلاف التطليق بالإعتاق كما ينعقد بكل لفظ وضع لتمليك العين حالا بخلاف الإباحة والإجازة والإعارة والإقراض والوصية والأصح انعقاده بلفظ البيع لأنه كالهبة وضع لملك الرقبة وهو سبب ملك المتعة وإن لم يكن مقصودًا منه بخلاف ملك المنفعة إذ ليس سببًا لملك المتعة.
وكذا الإباحة بل أولى لأن الإتلاف فيها على ملك المبيح والوصية لا توجب الملك بل الخلافة المضافة إلى ما بعد الموت وليست أعلى من النكاح المضاف إليه لا يقال ملك المتعة في النكاح غير هذا حيث يقبل الطلاق والايلاء والظهار بخلافه فلم يكن سببًا لأنا نقول متحدان ذاتا فيكون سببًا والاختلاف من حال المقصود به وعدمها فكم مما يثبت مقصودًا ولا يثبت تابعًا كالتخلص من الشفيع في شراء التمر مقصودًا لا تابعا للشجر فعند الاستعارة يكون ملك المتعة مقصودًا ويترتب أحكامه وكألفاظ العتق للطلاق مع النية لأن إزالة ملك الرقبة سبب إزالة ملك المنعة ولا يستعار اسم المسبب لسببه لعدم افتقار السبب إليه إلا إذا كان المسبب مختصًا به نحو أعصر خمرًا وأسنمة الآبال في سحابه إذ الافتقار حينئذ من الطرفين فلذا لم يجز استعارة النكاح للبيع لأن ملك المتعة ليس مقصودًا في البيع ليختص به كما في شراء المجوسية والأخت من الرضاع والعبد والبهيمة وكذا استعارة الطلاق للعتق لأن إزالة ملك المتعة ليس سببًا ولا مسببًا مختصًا لإزالة ملك الرقبة خلافًا للشافعي ﵀ لا بالسببية بل بالمشابهة في المعنى فإن كلا منهما إسقاط بني على السراية واللزوم ولذا يصح معلقًا وفي المجهول ومن غير قبول المرأة والعبد وبغير شهود.
ومعنى السراية عند الإِمام وجوب السعاية في الباقي على معتق البعض إذا كان مشتركًا وعندهم عتق الكل فيه كما إذا كان منفردًا ولزومه أنه لا يقبل الفسخ والرد والرجوع قلنا لا استعارة لكل مشابهة كما مر بل بها في المعاني المختصة البينة الثبوت للمستعار منه
стр. 547
والانتفاء عن غيره كشجاعة الأسد لا بخره كما لا يعلل النص بكل وصف من غير أثر خاص وإلا لبطل الابتلاء وكان كل الموجودات متناسبة ولا مشابهة بينهما كذلك لأن معناهما ما وضعا له لغة وذا للطلاق إزالة القيد لا الرق إذ لا رق في النكاح والحديث مجاز وللإعتاق إثبات القوة الشرعية من عتق الطير وعتقت البكر وليس بين إزالة القيد ليعمل القوة الثابتة عملها وبين إثبات القوة بعد العدم مشابهةكما ليست بين إطلاق الحي وإحياء الميت لا يقال الإعتاق أيضًا إزالة القيد لأنه إما إزالة الرق أو إزالة الملك وكل منهما كان مانعًا للملكية الثابتة بكونه آدميًا ولذا صح تعليقه والإثبات لا يعلق لأنا نقول الرق لما سلب الولايات فقد أهلكه حكمًا ولذا صار الإعتاق إحياء وإثباتًا للقوة.
فالمالكية بالحرية لا بالآدمية وإنما يعلق إما لأنه إثبات للقوة لا للملك حتى ينافي التعليق لكن فيه معنى التمليك وذا لا ينافيه كالنذر وإما لأنه إثبات للقوة بواسطة إزالة الملك وهو معنى قول الإِمام ﵀ أنه إزالة الملك على معنى أنها التصرف الصادر من المالك وبهذا يسند إليه ويترتب الولاء عليه وإن كان معناه في نفسه مسببها فإطلاقه عليها مجاز فاشتمل على جهتي الإثبات والإسقاط بخلاف الطلاق لا يقال فقد قالوا لا يصح للتعليق إلا الإسقاطات المحضة بخلاف الإبراء.
لأنا نقول معنى ذلك أن لا يكون فيه جهة إثبات الملك كما في الإبراء لا أن لا يكون جهة الإثبات مطلقًا.
أما استعارة الطلاق لنفس إزالة الملك لا للإعتاق فمع أنه غير المبحث لا تصح لأنها إما بالإعتاق فعادت إليه أو لا به فمتحققة في البيع وغيره فليس الجامع مع أمرا مختصًا ولا بينًا يفهم فليفهم فإن قلت فهلا تنعقد الإجارة بلفظ البيع وملك المنفعة مسبب ملك الرقبة كملك المتعة قلنا تنعقد في الحر إذا أضافه إلى نفسه لا إذا أضافه إلى المنفعة كنفس الإجارة لا لفساد الاستعارة بل لعدم صلاحية المحل لإضافة العقد لأن المنفعة معدومة ليس بمقدور للبشر إيجادها أما في العبد والدار فإن أضيف إلى المنفعة ففى التقويم أنه إجارة والأصح أنه لا يجوز أو إلى العين فبدون المدة بيع لصلاحية المحل ومعها لا رواية فيجوز أن يكون إجارة إذا سمى جنس العمل أيضًا لأن تسمية الإجارة بيعًا متعارف أهل المدينة وأن لا يكون بل بيعًا صحيحًا ويصرف المدة إلى تأجيل الثمن أو بيعًا فاسدًا لأن الحقيقة القاصرة أولى من المجاز.
وأما التعليل فيتعاكس كما في إن شريت عبدًا فهو حر فشرا نصفه فأعتق ثم نصفه يعتق لأنه يعد مشتريًا ولو بالتفرق فمن الجائز أن يحيط معنى الصفة الحال والماضي تعارفا
стр. 548
إلا أن ينوى شراء الكل فيصدق ديانة فقط وهذا إن كان شراء صحيحًا وإلا فلا يعتق ولو مجتمعًا إذ لا ملك به قبل القبض وقد تم شرط حنثه إلا إذا كان في يده ومضمونًا بنفسه حتى ينوب قبضه عن قبض الشراء، ولو قال إن ملكت عبدًا ففعل لا يعتق استحسانًا والقياس العتق لإطلاقه عن قيد الاجتماع كما في المعين وذلك لأنه لا يعد مالك عبد إلا عند ملك الكل يؤيده سبب تسمية المسألة استحقاقية أما المعين فيتعين في التفرق والاجتماع إما لأن صفة الاجتماع في المعين لغوًا ولعدم التعارف على نفي الملك عن المعين لمملوكيته متفرقًا والمقصود من هذه المسألة أنه لو نوى بالملك الشراء يصدق ولو قضاء لأن فيه تغليظًا ولق عكسه ديانة فقط لأن فيه لخفيفًا فإن الشراء علة الملك وهو مقصود أصلى منه فجرى الاستعارة من الطرفين وإن كان المعلول أعم لجواز ثبوته بالإرث وقبول الهبة والوصية لأن المعلول لكونه مقصودًا منه باعث على وجوده ومقتض لفعله ففيه مع معلوليته علية من وجه بخلاف المسبب المحض إذ ليس فيه هذا لا لعمومه كما ظن.
الفصل الخامس عشر: في حكم الصريح
وهو تعلق الحكم بعينه حتى استغنى عن النية إذ قام لفظه مقام معناه قيام السفر مقام المشقة فيقع الطلاق بينا طالق أو مطلقة أو طلقتك ولو غلطًا حين أراد أن يقول سبحان الله نعم لو نوى محتمله كرفع القيد الحسن ينوي ديانة فقط فقوله تعالى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بعد قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] صريح في حصول الطهارة بالتراب بعد إعواز الماء وهي طهارة مطلقة من غير هذا القيد ومشروطة به ابتداء وبقاء فانتفى كلا قولي الشافعي أنه ليس بطهارة بل ساتر للحديث كطهارة المحدث ولذا لو رأى الماء مع القدرة عاد الحدث أو أنه طهارة ضرورية فلا يشرع لفرضين وقيل الوقت ولا بغير طلب وفوت ولا يجوز لمريض لم يخف ذهاب نفس في الوضوء أو طرف لتعذر ما ثبت بالضرورة بقدرها قلنا عود الحدث لانتفاء شرط بقاء رفعه فإنه لا يزال رافعًا بشرط إعواز الماءكما أن مسح الخف لا يزال مانعًا لحدث القدم مطلقًا بشرط استتاره به ومسح الجبيرة بشرط أن لا يسقط عن برؤ.
وبه يسقط أنه إن رفع مطلقًا لا ينتقض برؤية الماء لأن المرتفع لا يعود وإلا فلا يكون طهارة مكلقة وذلك لأن حيثية الإطلاق غير حيثية التقييد.
الفصل السادس عشر: في حكم الكناية
منه أن لا يجب العمل بها إلا بالنية كما في حال الرضا في جميع الكنايات فإن أنكرها
стр. 549
فالقول له مع اليمين أو ما يقوم مقامها كحال مذاكرة الطلاق فيما يصلح جوابًا لا ردًا فلا يصدق في إنكار النية قضاء بل ديانة وفيما يصلح لهما قضاء أيضًا وكحالة الغضب لأنها دليل إرادة الطلاق فلو أنكر يصدق ولو قضاء إلا فيما لا يصلح إلا جوابًا وذلك لتعين المراد منها بأحديهما.
وقال أئمة العربية قرينتها غير صارفة بخلاف قرينة المجاز فلذا لا يجتمع اجتماعها مع الحقيقة.
وقال النسفي ﵀ يجوز هى بلا اتصال كأبي البيضاء عن الحبشي وأبى العيناء عن الضرير وأيضًا لا انتقال فيها بخلافه فيهما.
وفيه بحث لما مر أن الحقيقة عند عدم الصرف في متعينه وإلا فلا وثوق على اللغة ولا انتقال ويلزم مخالفة الوضع بلا ضرورة يؤيده اجتماعها مع المجاز في غير المتعارف وإن لا فهم لغير الموضوع له بلا اتصال وأن التضاد اتصال ولو تباينًا بوجود الانتقال وعدمه لما اجتمعا.
ومنه أنها لما فيها من الإبهام قاصرة في الكلام عن إفهام المرام بالتمام فلا يثبت بها ما يندرئ بالشبهات فلا يحد بالتعريض نحو لست بزان خلافًا لمالك ﵀ ولا بقوله لمست أو وطئت أو جامعت فلانة حتى يقول نكتها أو زنيت بها ولا يحد مصدق القاذف بقوله صدقت لاحتماله وجوهًا كصدقت في إنجاز وعدك بنسبته إلى الزنا والاستهزاء وكصدقت إلى الآن فلم كذبت الآن خلافًا لزفر لأنه ظاهر فيه كقوله هو كما قلت قلنا الظاهر لا يكفي لإيجاب الحد بخلاف هو كما قلت لأن كاف التشبيه يوجب العموم في محل يقبله أما أنت كالحر فلا مكان العمل بحقيقته.
أي في حرمة الدم ووجوب العبادات لا يصار إلى مجاز الإنشاء ولا إلى العموم لئلا يجتمع الحقيقة والمجاز.
الفصلين السابع عشر والثامن عشر في حكم الدال بعبارته وإشارته
هو إيجاب الحكم قطعًا فيهما غير أن الأول أقوى لتقويه بالسوق وشبها برؤية المقابل المقصود بالنظر وغيره المدرك بأطرافه وقيل لأن القطع فيه متعين وفي الثاني محتمل والأول هو هو ولذا يرجح عند التعارض كما رجح عبارة مروي أبى أمامة الباهلي عنه عليه السلام
стр. 550
من قوله ﵇ "أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام" (١) على إشارة قوله ﵇ في بيان نقصان دينهن "تقعد في قعر بيتها شطر دهرها لا تصوم ولا تصلي" (٢).
وهي أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا على أن الشطر قد يجيء بمعنى البعض ولئن سلم أنه بمعنى النصف فبضم ما قبل البلوغ إلى ثلث ما بعده، إلى تمام العمر الغالب وهو الستون يكمل زمن القعود نصفًا.
فمن أمثلة ح ما اجتمعا فيه قوله تعابي ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] عبارة في استحقاق سهم من الغنيمة إشارة إلى زوال ملكهم عن المخلف في دار الحرب لأن الفقر به لا يبعد اليد لوجوب الزكاة على المنقطع من ماله وإلى لقلك الحربي أموالنا بعد الإحراز بها خلافا للشافعي فيهما وجعل الفقراء مجازًا كان لا مال لهم ولا ضرورة تدعو إليه وقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] عبارة في إيجاب الإرضاع على المنكوحات من كل وجهَ أو من وجه كالمعتدة عن بائن أو ثلاث تدينا أو قضاء أو عجز عن الاستيجار أو لم يجد ظئرًا أو لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه إشارة إلى عدم جواز استيجار المنكوحة من كل وجه باتفاق الروايات ومن وجه في رواية خلافا للشافعى إذ قد وجب فلا يجب ثانيًا بالاستئجار أو لأن وجوب النفقة على الأب بمقابلة الإرضاع وقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] عبارة في إيجاب النفقة على الأب أعنى فضل نفقة تحتاج إليهَا حالة الإرضاع إن أريد بهن المنكوحات كما يدل عليه ذكر الرزاق والكسوة دون الأجر وفي إيجاب أجر الرضاع إن أريد للمطلقات كما يقتضيه وعلى الوارث فإن نفقة النكاح لا تنتقل إليه إشارة إلى أن النسب إلى الأب فيعتبر به في الإمامة الكبرى والكفاءة ومهر المثل لا بها وله حق التملك في ماله للأم الملك المفيد للاختصاص التام وإن لم يفد الملك إذ ليس له حق الملك في الحال بوجه ولذا يطأ الابن جاريته ويتصرف في ماله بلا رضاه كما للمكاتب حيث لا يطأ المكاتبة مولاها بل له أن يجعل ملكا في المال كالشفيع للمبيع.
стр. 551
وعليه مسائل:
١ - لا يحد بوطء جارية ابنه وإن علم الحرمة (١) بل لا يعاقب به مطلقًا فلا يقتل بقتله ولا يحد بقذفه ولا يحبس بدينه.
٢ - يفرض نفقته محتاجًا قدر على الكسب على الابن الموسر بخلاف الابن القادر.
٣ - يجب نفقة خادمته عليه امرأة وجارية بخلاف نفقة خادمة الابن.
٤ - له استيلاد جاريته.
٥ - لا يجب العقر عليه بذلك لثبوت الملك قبيل الوطئ.
٦ - يثبت نسب ولدها.
٧ - لا يجب عليه رد قيمة الولد.
٨ - إذا أنفق ماله على نفسه عند الضرورة لا يجب الضمان.
٩ - ينفرد بتحمل نفقة الولد كالعبد.
١٠ - ينفرد بتحمل نفقته وله.
وقوله: ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] عبارة في إيجاب أجر الرضاع أو فضل نفقته إشارةَ إلى استغناته عن التقدير كيلا ووزنًا كما قال به الإمام ﵁ خلافًا لهما فإن بالمعروف يستعمل في مجهول الصفة والقدركما في الحديث ولأن الجهالة فيه غير مفضية إلى النزاع إذْ العادة جرت بالتوسعة على الأظآر شفقة على الصغار وقوله ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: وعلى وارث المولود له وقيل على وارث الصبي الذي لوَ مات يرثه عبارة في بيجاب النفقة التي منها أجر الرضاع على الوارث إشارة أولا إلى أن علة استحقاقها الإرث فيستحق بغير الولادة لشمول اللفظ المحلي باللام وعموم المعنى بالإيماء فإن الترتيب على المشتق دليل عليه مأخذه فيجب نفقة كل ذي رحم محرم منه من الصغر والنساء والعاجزين من الرجال محتاجين.
وعند ابن أبي ليلى ﵀ نفقة كل وارث وإن لم يكن محرما للعموم قلنا قرأ ابن مسعود وعلى الوارث ذي الرحم المحرم خلافًا للشافعي في غير الولاد فإن أصله أن استحقاق الصلة بالجزئية ويحمل الآية على نفى المضارة لا يختص بوجوبه بالوارث ولو أريد ذلك لقيل ولا الوارث فإن على ظاهر في العطف على مثله وذلك ظاهر في الأبعد والأصل أن استحقاق الصلة لحرمة القطعة وهي بالمحرمية.
وثانيًا: إلى أن من عدا الأب بتحملها على قدر الميراث فيجب على الأم والجد ثلاثًا.
стр. 552
وقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] عبارة في إباحة المفطرات الثلاث في الليالي ونسخ ما قبل الإحلال من تحريمها في ابتداء الإِسلام بعد ما صلى العشاء أو نام إشارة إلى استواء الكل في الحرمة لدخولها تحت خطاب واحد فلا يخص الإفطار بالوقاع بالكفارة كما قال الشافعي ﵀ تمسكًا بأن النص ورد فيه وله مزية فلا يلحقان به إذ المزية ممنوعة حينئذ.
أما مزية السجود من أركان الصلاة فمع أنها ليست في الوجوب والركنية إما لأنها بخطابات متعددة أو بدليل مستقل كحديث الأقرب وكونه نهاية في التذلل كإشارة أحل ﴿لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ إلى هنا إلى صحة صوم المصبح جنبًا فإن حله إلى الانفجار يقتضي جواز الغسل بعده يؤيده حديث عائشة ﵂ فما روى بعض أصحاب الحديث عن أبي هريرة ﵁ مؤول بأن المراد من أصبح بصفة توجب الجنابة أي مخالطًا لأهله وكإشارة ثم أتموا إلى جواز النية نهارًا لأنه لما أباح المفطرات إلى أول الفجر كان معنى قوله ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ [البقرة: ١٨٧] ثم ابتدأوا به وألقوه فوجب ترتيب ابتدائه على آخر الليل ووقوعه في جزء من النهار وإن جعل التراخي من ابتداء الفعل كما في قوله تعالى ﴿فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ولا شك أن الصوم المبتدأ به إمساك عنها لا مطلقًا بل مع النية فقد جازت النية من النهار ولم يجب مع ورود الأمر لأن وجوب الكل مؤخرًا لا يقتضي وجوب كل جزء كذلك.
وهذا لا يحتاج إلى ذكر أن الليل لا ينقضي إلا بجزء من النهار مع أن مراد فخر الإِسلام منه بيان أنه لا فصل بينهما أصلًا فمن ضرورة التراخي وقوع العزيمة في النهار، وقيل: قصد الصوم قصد الفعل، فلا بد من تقدمه عليه فيتقدم النية على الصوم ضرورة، وليس بشيء لأن النية هنا قصد جعل الإمساك العادي عباديا، وذا يمكن أن يقارنه لا قصد إيجاده فإن وجوده لا يتوقف عليه، وأما جعل النية المتأخرة متقدمة فأمر حكمي عرفي لميته في موضعه، وإذا ثبتت الإشارة فقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" (١) محمول على نفي الفضيلة لا على حقيقته، وإلا لنسخ به الكتاب،
стр. 553
فجوز تقديمها تخفيفًا بخبر الواحد الذي لا ينسخ به الكتاب، وتفضيله لا لكمال الصوم بل للمسارعة على أدائه كالابتكار يوم الجمعة أو ليخرج عن الخلاف فلا بحث فيه، وقوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] عبارة في إيجاب إحدى الخصال على التخيير إشارة إلى أن اَلأصلَ في جهة الإطعام الإباحة لا التمليك، خلافًا للشافعى، لأن إطعام ما يؤكل عينه متعارف في التمليك كإطعام الحنطة بخلاف إطعام الأرض ولأنه أدفع لحاجة المسكين كما في الزكاة والكسوة والخلاف مطرد في كل ما شرع بلفظ الإطعام بخلاف ما شرع بلفظ الأداء أو الإيتاء. قلنا: الإطعام جعل الغير طاعم أي: آكلًا فحقيقته التمكين لا التمليك، يؤيده ﴿تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فان المتعارف الإباحة لهم، وإضافته إلى المساكين لحاجتهم إلى الاَّكل دون التملك، وأن التمكين أقرب إلى سد الجوعة من التمليك وإنما تعورف أطعمت هذا لما لم يؤكل بعد في التمليك، مجازًا لصارف عن حقيقته كما تجوز في أطعمت الأرض لصارف عن عينها إلى منفعتها وإنما الحق التمليك بها خلافًا لحمدان بن سعل ومن تبعه، لأنه أدفع لحاجة الفقير فإن فيه إباحة وزيادة من حيث المقصود لأنه سبب لقضاء كل حوائج المسكين التي منها الأكل، فلخفاء قضائها أقيم التمليك مقامه واستقام التعدية بطريق الدلالة إلى الكل المشتمل على النصوص لا بطريق أن التمليك لاشتماله على التمكين أحد أفراد الإباحة كما ظن لأن المنصوص الإطعام بطريق الإباحة لا هي أما الكسوة اسمًا كان بالكسر أو مصدرًا بالفتح أو وبالكسر فيتناول التمليك القاضي كل الحوائج. تقديرًا فلم يتعد إلى ما هو جزء منها وذلك لأن إضافة الوجوب إلى العين وإن قدر الفعل المناسب كالإيتاء يستدعي مبالغة في اختصاصها بالوجوب كإضافة التحريم إليها على ما مر وهي بالتمليك كما في الزكاة ولأن التكفير يقتضي زوال الملك المكفر ليتم الانزجار له واندفاع الحاجة للفقير به وذا بالتمليك هنا لا بالإعارة وفي الطعام بالإباحة فلا حاجة إلى الزيادة فلذا كان مصدرًا كهو اسمًا ولم يكن إلحاق الإعارة به هنا لنقصانها في ذلك وفي أنها بعض الحوائج ومنقضية قبل كمال المقصود على نقيض إعارة الإطعام بالكسوة فيهما ففي الأصل لأن التمليك فيه ليس لمنصوص بل فهم من ضرورة إضافة الوجوب إلى العين فلا يعلى، وفي الفرع لأنه قياس للمنصوص على خلاف مقتضى نصه، ثم في لفظي الإطعام والمساكين إشارة إلى أنهم صاروا مصارف لحوائجهم لا لإغنائهم، فإن الإطعام للجائع أما للطاعم فكإغناء الغنى
стр. 554
والمسكنة وهي الحاجة مأخذ المشتق فالمراد عشر حاجات فإطعام واحد في عشرة أيام كإطعام عشرة في يوم خلافًا للشافعي ﵀، لأن المنصوص مساكين، والواحد لا يتعدد بتكرار الزمان كما لا يتعدد الشاهد بتكرار الأداء، قلنا: المقصود وهو طمأنينة القلب وتقليل تهمة الكذب لا يحصل ثمة بالتكرار بخلاف دفع الحاجة هنا فصاركاعتبار رأس ونصاب متعددًا بتعدد المؤنة والنماء.
ثم هنا أصلان: أولًا: لما اعتبر التمليك في الكسوة قاضيًا لجميع الحوائج اعتبر فيها الجميع لا حاجة اللبوس فقط فجوز صرف عشرة أثواب في عشرة أيام إلى مسكين واحد وإن لم يتجدد حاجة لبوسه إلا بعد ستة أشهر لكن لا بد من اعتبار تجدد الحاجات وهو بالزمان وأدناه يوم لا ساعة لن لخدد الحاجة فيه معلوم وفيما دونه موهوم، ولا يترك المعلوم بالموهوم مع قول بعض المشايخ للجواز صرفها في عشر ساعات والطعام كالثوب في التمليك على القولين لا في الإباحة إذْ لا يصح بالإجماع إلا في عشرة ليال إذْ لم يعتبر حينئذ قاضيًا للحوائج فلا بد من تجدد حاجة الأكل.
ثانيًا: أن مسكينًا في حق مكلف غيره في حق آخر لأن تكليف الغير غير تكليفه فلا تكلف بالتفريق إلا بالنظر إلى أداء نفسه ويجعل أداء الغير كالعدم بالنسبة إليه لئلا يخرج فيصح أداء مكلفين إلى مسكين ولو في ساعة، وقوله ﵇ "اغنوهم عن المسئلة في مثل هذا اليوم" من جوامع الكلم عبارة في إيجاب صدقة الفطر إشارة إلى مسائل:
١ - لابجب إلا على الغني لأن الإغناء منه.
٢ - لا يصرف إلا إلى فقير إذْ لا غناء للغني.
٣ - أن وجوب أدائها بالفجر لأنه مبدأ اليوم وإنما يغنيه في ذلك اليوم أداء يقع فيه.
٤ - تأديها بمطلق المال لأن الإغناء به ورماكان بالنقد أهم للفقير منه بالحنطة والشعير.
٥ - أن الأولى أداؤها قبل الخروج إلى المصلى ليحضره الفقير فارغ البال عن قوت العيال.
٦ - أن الأولى أن يصرفها إلى مسكين واحد ليحصل الإغناء التام.
الفصل التاسع عشر: في حكم الدال بدلالته
هو إيجاب الحكم قطعًا مثلهما حتى صح إثبات الحدود وكفارة الفطر به كإيجاب حد القطاع لحى الدرء ولا مجاز به له إذ لا يباشر القتال بجامع القهر ولتخويف قطاع للطريق وإيجاب الرجم على غير ماعز بجامع أنه زنا محض وذلك لأن مناطه مفهوم لغة فيضاف
стр. 555
إلى الشرع لما لم يبق فيه شبهة دارئة للحدود هي الواقعة في نفس المناط لا في طريق دليل ثبوته لاتفاق الفقهاء على صحة إثباتها بأخبار الآحاد وإثبات أسبابها بالبينات وإن صدرت عمن ليس بمعصوم عن الكذب والغلط والنسيان بخلاف القياس فإن مناطه مستنبط بالرأي نظرًا لا لغة حتى اختص بالفقهاء ولذا لا يضاف حكمه إلى النص.
وقال الشافعي ﵁ دلائل حجية القياس لا تفصل.
قلنا أولًا كل منهما عقوبة مقدرة زاجرة وللذنوب ماحية ولا مدخل للعقل في معرفة ما يحصل به إزالة الأثام ومقادير الأجزية والأجرام.
وثانيًا: أن في القياس الشبهة في نفس المناط والحدود مما يندرئ بها وإنما جمعنا بين النكتتين لأن من مشايخنا من رجح معنى العبادة في كفارة الفطر كسائر الكفارات لما تؤدى بما هي عبادة فتعلق بالأولى يناسبه أن الثبوت بالدلالة دون القياس يعم سائرها كما يفهم من عبارة فخر الإِسلام ﵀ وغيره.
إن قيل فلم يجب هذه على غير المتعمد من المخطئ والمعذور وجوب سائرها عليه أجيب ليقيد نصه الذي لا يحتمل التعليل بالتعمد فاقتصر عليه وشمول نصها ظاهرًا أو نصًا والمشهور منهم ترجيح معنى العقوبة فيها وجعلها كالحدود بخلاف سائرها لتعلقها بالإفطار العمدي الذي هو جناية أبدًا وغيرها ربما يشرع متعلقة بالمندوب كالعود في الظهار أو فيما يجب تحصيله ككلام الأب فيما حلف لا يكلم أباه فتعلقوا بالثانية مع تأتي الأولى لأنها أظهر وأوفق لعدم وجوب هذه على غير المتعمد بخلاف سائر الكفارات ولا ينافيه عموم الفرق إياها بالنكتة الأولى إلا أنه عند التعارض دونهما فإن الثلاثة بعد استوائها في لغوية المعنى يرجح الأولان بدلالة النظم أو الفهم بلا واسطة التعدية كما قال الشافعي ﵁ لما وجب الكفارة بالقتل الخطأ مع قيام العذر فالعمد أولى.
قلنا يشير إلى قوله تعالى ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] إلى عدم وجوبها لأن جهنم كل المذكور في الجزاء أو الجزاء اسم للكَامل ولذا جمع في جزاء الخطأ بينهما والإشارة أقوى.
وحاصله أمران التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بالشيء على ما يساويه أما على الأعلى فنوعان قطعي جلي إن اتفق على طريق تعيين مناطه وظني خفي إن اختلف فيه أما القطعي فمن أمثلته ما فهم من حرمة التأفيف حرمة الضرب كما مر وهما معلومان لغة صورة ومعنى فصورة التأفيف التصويت بالشفتين عند الكراهية ومعناها المقصود الأذى المتحقق ق الضرب ومثله ما فهم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
стр. 556
يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧].
جزاء ما فوقها ومن ﴿بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْك﴾ [آل عمران: ٧٥] تأدية ما دونه.
وأما الظني فكما في إيجاب الكفارة على المفطر في رمضان بالأكل والشرب خلافًا للشافعي بدلالة سؤال الأعرابي بقوله واقعت امرأتي في نهار رمضان عامدًا مترتبًا على قوله هلكت وأهلكت عن الجناية على الصوم بتفويت ركنه التي هي معنى المواقعة لا عن الوقاع من حيث هو وذا مما يفهم لغة فكذا جوابه ﵇ عن حكم الجناية لوجوب التطابق خصوصًا عن أفصح الناس والوقاع آلتها وهي متحققة فيهما بل أولى لكون حرص الصائم عليهما أشد وشوقه إليهما أحد لمصادفة شرع الصوم وقتهما الغالب وكونه وجاء فالظن من اختلافهم أن طريق فهم المناط يفضى إلى أنه الجناية المطلقة أو المقيدة.
لا يقال بل قاصران عنه لإفساده صومين ولذا قال هلكت وأهلكت دونهما ولأن فيه داعين هما طبعًا الفاعلين بخلافهما لأنا نقول لا يعتبر في وجوب الكفارة على كل أحد إلا إفساد صومه واشتراطه بالداعيين ولا سيما من المسلم أو المسلمين يقتضي قلة وقوعه واستغناء عن الزاجر بخلافهما وأما على المساوى فكإيجاب الكفارة على المرأة لتحقق الجناية وكونها معنى فطره معقول لغة وعند الشافعي ﵁ لا يجب عليها في قول لأنه المباشر دونها بخلاف الزنا حيث سماها الله تعالى زانية ويتحمل عنها الزوج إذا كانت مالية في آخر كثمن ماء الاغتسال قلنا تمكينها فعل كامل كما في الزنا إذ لا يجب الحد مع النقصان ولا معنى للتحمل لأن الكفارة عبادة أو عقوبة وبالنكاح لا يتحمل شىء فيهما بخلاف مؤن الزوجية وكإثبات حكم النسيان الوارد في الأكل والشرب في الوقاع خلافًا لسفيان الثوري بمعنى كونه سماويًا محمولا عليه طبعًا وذا مفهوم لغة وميل الطبع إليها مساو فكان نظيرهما وشمول كل منهما قصورًا وكمالا فلهما مزية في أسباب الدعوة وقصور في حالة ما إذا يغلبان البشر وهو بالعكس يحقق المساواة.
ومن هنا لم يكن الجماع ثانيًا في الصوم كالأكل ناسيًا في الصلاة إن قيل اشتبه الفهمٍ في هذه المسائل على فقيه مبرز في الفقه بعد أن بلغه الأدلة فكيف يكون مفهومًا لغويا ومناطًا قطعيًا صالحًا لاثبات ما يندرى بالشبهات أجيب بما سلف أن معنى لغويته عدم توقف فهم مناطه على مقدمة شرعية من تأثير نوع المعنى أو جنسه في نوع الحكم أو جنسه شرعًا بخلاف القياس لا فهم كل أحد ومعنى قطعيته قطعية مفهوميته لغة بالمعنى المذكور كالجناية من سؤال الأعرابي لا قطعية دليل مناطيته ولا قطعية تعدى الحكم إلى
стр. 557
الملحق ولا قطعية كونه أعلى أو مساويًا ومن طريق الدلالة إثبات حكم القود الوارد في قوله ﵇ "لا قود إلا بالسيف" (١) إذا أريد لا قود يجب إلا بالقتل بالسيف عند الإِمام ﵁ وهو قول زفر بجرح ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا وما يشبهه فيعدى إلى الرمح والخنجر والسكين والسهم لا إلى المثقل إلا إذا جرح فيجب اتفاقًا وعندهما وهو قول الشافعي بما لا يطق البنية احتمال كحجر الرحى والاسطوانة العطمة لأن القود عقوبة انتهاك حرمة النفس وذا بما لا يطق احتماله إنما البدن وسيلة وما كان عاملا بنفسه لا بوسيلة كان أكمل ولما كان عدم احتمال البنية فيما بالجارح أتم ثبت فيه بالدلالة.
يوضحه استواء الحجر والحديد في قود قطاع الطريق فكذا في غيرهم وإن مثل الغرز بالإبرة والضرب بالسنجات لما أوجب القود فالضرب بحجر الرحى والحياة معه لا يرجى أولى.
قلنا الأصل أن المعتبر فيما يترتب عليه حكم كماله لأن للناقص شبهة العدم ثم إن كان الحكم مما يثبت بالشبهة كالمعاملات والحرمات يلحق الناقص به وإن كان مما لا يثبت بها كالعقوبات فلا كما يعلى حرمة الزنا إلى مواضع الشبهة لا حده وكما يعلى حرمة المصاهرة إلى التقبيل والمس ووجوب الكفارة والدية من القتل الكامل خطأ أي بما ينقض البنية ظاهرًا وباطنًا إلى سائر أنواع الحطأ لأنهما كالحرمة مما يثبت بالشبهة.
إذا تقرر هذا فالكامل هو الجارح الناقض ظاهر التخريب البنية وباطنًا بإراقة الدم وإفساد الطبائع بمقابلة كمال الوجود لا ما لا يحتمله البنية بدليل اختصاص الزكاة به وذلك لأن المعتبر في القود بالنص الجناية على النفس التي هي معنى الإنسان خلقة وصورة وذا بدمه وطبائعه فتكامل الجناية بإفسادهما فاعتباره أولى خصوصًا في العقوبات لا على الجسم لأنه فرع وتبع ولا على الزوج لأنه لا يقبل الجناية أما القاضي أبو زيد فرجح حمل الحديث على الاستيفاء واختاره صاحب الهداية ﵀ أي لا قتل قصاصًا إلا بالسيف لوجهين:
١ - أن القود اسم قتل المجازاة وجب أو لا فلا بد في تخصيصه بالواجب من مجازية ما
стр. 558
ولأنه حينئذ يتعلق قوله بالسيف به بلا تجوز وتقديرًا وعلى الأول لا بد من أن يراد بالقود وجوبه أو يقدر مضافًا.
٢ - أن القود يجب بغير السيف كالرمح وغيره.
ومنه إثباتهما كالشافعي حكم الزنا في اللواطة لمزية الحرمة فيها لأنها لا تنكشف بحال وفي سفح الماء فوقه بعد تساويهما في قضاء الشهورة لسفح الماء في محل محرم مشتهى، وقال الإِمام ﵁ يجب فيها أشد التعزير وللإمام أن يقتله إن اعتاد لا الحد لما مر أنه يتعلق بالكامل وهو سفح الماء بحيث يؤدي إلى فساد الفراش باشتباه النسب وإهلاك البشر بعد من يقوم بتربيته دينًا ودين لا تضيعه فقد يحل بالعزل في الحرة بإذنها وفي الأمة بدونه ولئن سلم فهو غالب الوجود بالشهوة الداعية من الطرفين بخلافها فلا يلزم من احتياجه إلى الزاجر احتياجها والحرمة المجردة عن هذه المعاني غير معتبرة في شرع الحد كشرب البول والدم فلا ترجح بها.
ومنه إيجاب الشافعي ﵀ الكفارة في القتل العمد والغموس بالوارد في الخطأ والمنعقدة لمزية الإثم فيهما لعدم العذر والكذب من الأصل قلنا لا يجب الكفارة بالعمد وجب القود أو لا كقتل ابنه وعبده ومسلم لم يهاجر في دار الحرب ولا بالغموس لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة فيدور سببها بين الخطر والإباحة وهما كبيرتان محضتان لا تصلحان سببًا لها كالمباح المحض ووجوب التوبة والاستغفار مع أن طاعة ليس بهما بل نقض لهما فلا يضاف إليهما وجوبهما بل إلى ديانته كوجوب الكفارة بالزنا أو شرب الخمر في رمضان لكونه مفطرًا ولذا لا تجب بهما ناسيًا لا لأنهما سبباها والفطر دائر بين الخطر لهتك العبادة والإباحة للتصرف في مملوكه على أن معنى العقوبة راجح في كفارة الفطر فجاز إيجابها بما يترجح فيه معنى الخطر وإنما وجبت بشبه العمد عند الإِمام لأن فيه شبهة الخطأ من حيث إن المثقل ليس بآلة للقتل خلقة بل للتأدب فلم يخل عن شبهة إباحة وهي مما يثبت بشبهة السبب كما يثبت بحقيقته ولم تجب في قتل المستأمن عمدًا مع شبهة حله لأنها شبهة المحل لا الفعل فاعتبرت في إسقاط القود المقابل بالمحل من وجه حيث لم يجب الدية معه ولولاها لوجبا كمحرم قتل صيدًا مملوكا وإن كان جزاء الفعل بالحقيقة إذ يثبت للمقتول حكم الشهادة ويقتل الجماعة بواحد فبقى الفعل كبيرة محضة والكفارة جزاء الفعل من كل وجه وكانت الشبهة في مسألة القتل بالمثقل فيه فأثرت في إسقاط القود وإيجاب الكفارة ولما أن المحظور المحض كترك الواجب عمدًا لا يصلح سببًا للعبادة الجائزة قلنا سجود السهو الثابت بالحديث لا يجب بالعمد خلافًا للشافعى رحمه
стр. 559
الله بدلالة تمكن النقصان وزيادة.
تتمة: قال بعض الأصولين ليس للدلالة عموم لأن معنى النص إذا ثبت علةً لا يحتمل أن لا يكون علةً والإشارة تصلح له، ومعناه أن العلة لا تخصص لأنها مدار الحكم وملزومه فلو وجد دليل يعترض عليها لكان نسخا لا تخصيصًا وكذا الإشارة عند بعض منهم أبو زيد لما لم يسق الكلام له والأصح أنها قد لخصص كما قال الشافعي بتخصيص إشارة قوله تعالى في حق الشهداء ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] إلى أن لا يصلى عليهم في حق حمزة ﵁ حيث صلى ﵇ عليه حين استشهد سبعين صلاة والحق بناء الفرق على أن العموم للمنطوق لا للمفهوم كما مر ويفرع عليه قبول التخصيص.
الفصل العشرون: في حكم الدال بالاقتضاء
وهو أن يطلب شرطًا لصحة المنصوص عليه كائنًا مع حكمه حكمًا له ومضافًا إلى نفس النظم لا معناه كالعتق إلى شراء القريب فلا يعارضه القياس كما لا يعارضه الثلاثة السابقة فالثابت به كالثابت بها غير أنه لثبوته بناء على الحاجة والضرورة كان إنزال منها لو عارضها.
قال فخر الإِسلام وعلامة المقتضى أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره ويصلح لما أريد له فصحة المذكور به أن يتوقف صحته عليه بخلاف ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] على المختار وعدم الغاية عند الظهور أن لا يتغير به إعراب مفرداته فيتغير نسبة الحكم بتغيره بخلاف واسأل القرية والمقصود منه أن لا يتغير نسبة الحكم إذ لو حصل بدون تغير الإعراب أيضًا لم يكن مقتضى نحو أعجبنى سؤال القرية لكن قيد به إخراجًا له مخرجِ المشتهر أو الغالب فما عد العلامة النسفي نحو قوله تعالى ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفجَرَت﴾ [البقرة: ٦٠] و ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى﴾ [يوسف: ١٩] من المقتضى إنما يصح عند من لم يقيد الصحة بالشرعية وما يقال من أن النسبة بتغير عند ظهوره في المثال المشهور إذ بعد البيع يكون العبارة أعتق عبدي فذا من سوء الفهم إذ هذه ليست في معناه ولا تفيد فائدته بل صحتها بعد تمام العقد من الطرفين حتى لو قال المأمور في جوابه بعت عبدي وأعتقته لا يقع عن الأمر وصلوحه لما أريد له يحتمل معنييها.
١ - أن لا يتغير معناه بخلاف قوله لعبده المتزوج تمردًا طلقها لا يكون إجازة اقتضاء لأن غرضه الرد والمتاركة فيكون توكيلا بالطلاق وليس في وسعه بخلافه للمزوج
стр. 560
الفضولي إذ الطلاق يعد الإجازة في يده فيصح الأمر به قبلها.
٢ - أن يصلح مستتبعًا للمقتضى بخلاف يدك طالق إذ لا يصلح مستتبعًا للنفس ولذا قالوا الكفار لا يخاطبون بالشرائع وإلا ثبت الإيمان مقتضى تبعًا لها وهو عكس المعقول فمذهبه وهو مختار شمس الأئمة وصدر الإِسلام وصاحب الميزان أن نحو واسأل القرية وإن أكلت وحرمت عليكم أمهاتكم وإنما الأعمال بالنيات من قبيل المحذوف أو المضمر الذي هو كالمنطوق به فلا يخرج دلالته من الأقسام الأربعة المذكورة فلا بد عندهم من تقييد الصحة بالشرعية.
وعد شيء منها في أمثلة المقتضى كما فعله فخر الإِسلام إنما هو على سوق من يقول به.
أما عامة أصحابنا منهم أبو زيد وهو مذهب الشافعي ﵀ أنه ثلاثة أقسام كما مر ما أضمر ضرورة صدق الكلام نحو رفع عن أمتي أو ضرورة صحته عقلا نحو واسأل القرية أو شرعًا نحو فتحرير رقبة فعرفوه بجعل غير المنطوق منطوقًا لتصحيح المنطوق من غير تقييد بالشرعى كما قيده فخر الإِسلام رحمه الته بقوله فأمر شرعى ضروري ثم العموم في الكل وتجويز التخصيص مذهب الشافعي وعدمه في الكل مذهب أبي زيد والعموم في المحذوف دون المقتضى مذهب الفارقين إلا أبا اليسر حيث لم يقل بعموم المحذوف أيضًا.
للشافعي ﵀ أنه ثابت بالنص كالثلاثة قلنا العموم صفة النظم وإنما أنزلناه منظومًا شرطًا لغيره وضرورة تصحيحه فيتقدر بقدرها بخلاف الثلاثة فهما كتناول الميتة لا يتجاوز به سد الرمق وحل الذكية يظهر في الشبع والحمل والتمول والعموم الثابت بقولك أعتق عبيدك عني نفس المقتضى وفرق ما بين العموم المقتضى وعموم المقتضى بين.
وللفارق أن الحذف للاختصار وهو أمر لغوي فالمختصر أحد طريقي اللغة قيقبل العموم كالمطول والاقتضاء أمر شرعي ضروري يندفع ضرورته بالخصوص فحقيقة الفرق بينهما يكون الاحتياج لغويا في الحذف وشرعيًا في الاقتضاء وقيل أو عقليًا ثم المضمر يرادف المحذوف أو كالمحذوف حكمًا وإن فرق بينهما بأنه ما له أثر نحو والقمر قدرناه وبلدة ليس بها أنيس والمحذوف ما لا أثر له نحو واسأل القرية.
ومنه يعلم أن تغير الإعراب عند الظهور لا مدخل له في صحة العموم بل وليس قيدًا في المحذوف غلا غالبًا في الوقوع فعلى هذا اختصاص الحكم بالآخرة في حديثي الرفع والنية وعدم عمومه لاشتراك الحكم لا للاقتضاء كما مر مرات.
стр. 561
تفريعات:
١ - تبطل نية الثلاث في اعتدى بعد الدخول لأنه وقع مقتضى الأمر بالاعتداد ولذا كان رجعيًا إذ الضرورة تندفع به والمقتضى له اعتداد لهذا الأمر أثر في إيجابه فلذا يقع به ولو في عدة طلاق آخر وهذا تخريج غير ما مر من أنه مستعار لكوني طالقًا.
٢ - تبطل نية الثلاث في أنت طالق وطلقتك خلافًا للشافعي ﵀ فعنده يقع ما نوى كما في طلقي نفسك وأنت باين وإذا يقع الثلاث تفسيرًا لهما قلنا نية غير المحتمل لأن طالق نعت فرد للمرأة لا عموم فيه ومحتمله هو الطلاق بمعنى التطلمِق وهو المراد هنا لأن ما هو صفة المرأة يقتض ضرورة صدقه إيقاعًا سابقًا وهو الذي في يده فأثبتناه وهذا الشرعي واللغوي المصدر القائم بها لا به وكيف يراد هو وأنه غير واقع بعد وقد أخبر عن وقوعه فلا بد من إثبات الإيقاع والوفع قبيله ليصدق ويصح شرعًا وكذا المدلول اللغوي لطلقت المصدر الماضي وليس موجودًا فاقتضى سابقًا ليصبح والمقتضى لا عموم له وإنما صحت في أنت طالق طلاقًا وأنت الطلاق وإن كان المصدر المذكور صفة للمرأة لأن نية التعميم في المذكور المقتضى للتطليق يقتضى التعميم فيه فذلك هو التعميم المقتضى لا تعميم المقتضى كبيع العبيد في أعتق عبيدك عني بألف وللغفلة عن هذا ظن أن المراد بالطلاق التطليق والمراد أنت طالق لأني طلقتك تطليقات ثلاثًا.
وفيه بعد من وجوه لا سيما في أنت الطلاق وهذا طريق جعله إنشاء فلا يقال هو إنشاء وضرورة الصدق في الإخبار فلا اقتضاء إذ لولا اعتبار الاقتضاء حال إنشائيته كلما عمل بإخباريته إذا أمكن كقوله للمطلقة والمنكوحة إحديكما طالق لا يقع شىء ولئن لم يلاحظ إخباريته فلأن مدلوله الحقيقي معدوم ولو لفظًا والمعدوم لا يحتمل العموم أو لأنه لما جعل إنشاء شرعًا صار فعلا لا قولا والفعل لا يتعدد بالنية لأنها تعمل في المراد من الأقوال ثم الباين كالطالق في كل ذلك لكن صحت نية الثلاث فيه لأمر آخر هو أن لاتصال البينونة بها وجهين انقطاع الملك وانقطاع الحل فالنية عينت أحد محتمليه فإذا لم ينو أو نوى مطلق البينونة تعين الأدنى المتيقن وإذا نوى انقطاع الحل يثبت العدد ضمنًا كالملك في المغصوب في ضمن الضمان أما الطلاق فغير متصل بالمحل في الحال اتفاقًا لبقاء جميع أحكام النكاح فضلا عن تنوعه إنما هو في نفسه انعقاد العلة فقط والأفعال قبل الحلول في المحال لا تنوع إلى النقصان والكمال كالرمي بل المتنوع أثره كالجرح والقتل ولئن سلم اتصاله فغير متنوع بل تنوعه بالعدد فهو الأصل في التنويع فلا يثبت مقتضى وإلاكان الأصل تبعًا أو نقول تنوعه إلى مزيل الملك بانقضاء العدة وإلى مزيل الحل بكمال
стр. 562
العدد فهما محتملا متعلقيه لا نفسه وأما طلقى فليس إخبارًا وضعًا ليقتضى إيقاعًا سابقًا ولا إيقاعًا للطلاق ليكون معدومًا ولا أن إنشائيته جعلية شرعًا ليكون فعلا بل قول موضوع لغة لطلب مصدره فله طالب أن يعين مطلوبه بالنية وعلى تنوع الفعل يصحح نية التخصيص صح نية السفر ديانة في إن خرجت خلافًا للقاضى أبى هيثم لتنوعه إلى المديد المرخص وغيره لا قضاء لأن فيه تخفيفًا ونية بيت واحد لا يعينه في لا نساكن فلانًا مع أنه بلا نية يقع على الدار والمكان يقتضى لتنوع المساكنة إلى كاملها في بيت وغيره في دار ويتعين الأدنى لعدم النية وأما من أقر ببنوة صغير صدقته أمه المعروفة بالحرية وبأموميته بعد موته فإنما يثبت نكاحها دلالة كما قل شمس الأئمة أو إشارة كما اختاره أبو زيد أن النكاح الصحيح هو المتعين للولادة في مثلها فالإقرار بالولد إقرار بالوالدة ولئن ثبت اقتضاء لثبوت النسب كما قال فخر الإِسلام فإنما ترث لأن الإرث لازم النكاح في أصله إذ لا يتنوع إلى موجب الإرث وغيره إلا بعارض لا يعتبر فالإرث هنا للنكاح كالملك للبيع الثابت مقتضى في أعتق عبدك عني بألف.
٣ - يبطل نية مكان ومأكول ومشروب دون آخر في إن خرجت أو أكلت أو شربت عندنا قضاء اتفاقًا وديانة إلا عن أبي يوسف ﵀ في رواية لا عند الشافعي ﵀ في المفعول به رواية واحدة والشرط كالنفي هنا لأنها وإن دلت على المصدر لغة لم يدل على المكان والمفعول إلا شرطًا لأن المحال شروط وكذا نية تخصيص سبب وفاعل في إن اغتسلت أو اغتسل لأن اللغة لا تقتض ذكر السبب وفاعل المبني للمفعول ولا بد منهما بخلافها لو ذكر طلاقًا وموضعًا ومأكولا ومشروبًا وغسلا واحدًا حيث يصدق في نية التخصيص ديانة والفرق أن هذه الاقتضاءات إن كانت شرعية فقد علم وإن لم تكن بل كانت عقلية حيث يعرفها من لم يعرف الشرع أصلًا فللاقتضاء عند من يقول به أو لأن نية التخصيص في غير الملفوظ لغو مطلقًا إليه أشير في المبسوط فإنما ذكرها من شرط الشرعية هنا أخذًا بسوق القوم إما أنه يحنث فيها بكل مفعول ومكان وحال فلحصول المحلوف عليه لا للعموم وإنما لم يذكروا المصدر لأنه المدلول اللغوي إذا أريد مطلقه فيصح ديانة نية التخصيص في أنواعه إذاكان متنوعًا في نفسه كما سلف في مسألتى إن خرجت ولا أساكن لا إن أريد النوع ثم ينوي تخصيص ذلك النوع ففي إن اغتسلت يصح نية تخصيص الفرض أو النفل أو التبرد إن كانت أنواعه لا إن كانت أوصافه كما نص عليه وقيل إنما يصح نية التخصيص في اغتسلت اغتسالا لا في اغتسلت لأن المصدر المصرح يقوم مقام الاسم الذي له عموم بخلاف غير المصرح وكونه في حكم المصرح
стр. 563
في حق صحة الفعل لا في حق إقامته مقام الاسم.
وتحقيق مذهبنا أن لا آكل أو إن أكلت لنفي نفس الحقيقة فلا يحتمل إثبات بعض أفرادها للمنافاة الظاهرة فلو نوى مأكولا دون مأكول فقد نوى ما لا يحتمله لفظه بخلاف لا آكل شيئًا ولا آكل أكلا إذ قد يقصد به عدم التعيين لما هو معين عند المتكلم إذا فسره ببيان نيته فقد عين أحد محتملاته.
ونظيره الفرق بين قراءتي ﴿لا رَيْبَ﴾ [البقرة: ٢] بالفتح والرفع على ما علم فيما مر من الفرق الواضح بين نفي الجنس المساوي للفرد المنتشر نصًا وبين الفرد المقيد بالإبهام المحتمل لهما، واستدق الإِمام فخر الدين الرازي هذا النص للإمام الأعظم ﵀ والفضل ما شهدت به الأعداء فلا يرد أن التأكيد تقوية مدلول الأول من غير زيادة فلا تفاوت بينهما.
للشافعي ﵀ أن نفي الحقيقة إنما يتحقق بنفي كل مأكول ولذا يحنث بأيها أكل وذلك معنى العموم فوجب قبوله للتخصيص.
قلنا منقوص بتخصيص بعض الأزمنة والأمكنة بالنية حيث لا يجوز اتفاقًا والحل ما مر على أن دليلهم يفيد عموم المعنى والمبحث العموم الذي هو من عوارض الألفاظ ومنهما يعلم أن التزام جواز التخصيص في الجميع فاسد كفساد فرقهم بأن المفعول به من معقولية الفعل فلا يخطر بالبال إلا به فيكون كالمذكور بخلاف غيره وذلك لأن المتعدي قد يراد تعلقه بالمفعول وقد لا بتنزيله منزلة اللازم كما لو عم كلا الاستعمالين في المعاني ونزل في أكثر الفواصل القرآنية فلم يكن من ضرورياته كما في غيره.
ومن حكمه أن يثبت بشرط المقتضى لا شرط نفسه كالبيع الثابت في ضمن الأمر بالإعتاق بألف إلا عند زفر فإنه ينكر الاقتضاء ويشترط أهلية الإعتاق في الأمر لا القبول ولا يثبت فيه خيار العيب والرؤية ويصح في الأبق وذا شأن التابع كإقامة الجندي والغلام والمرأة بنية السلطان والمولى والزوج فليس كالمذكوركما ظنه الشافعى ﵀ ولذا لو قال المأمور بعته منك بألف وأعتقته يقع عنه لأنه كان مأمورًا بالبيع الضمني وأتى به مقصودًا فكان ابتداء عقد توقف على قبول الأمر فإعتاقه قبله يقع منه وقال أبو يوسف ﵀ في الأمر به بغير شيء يعتق عن الأمر ويملكه هبة ويسقط القبض كما في البيع الفاسد مثل أن يقول أعتق عبدك عني بألف ورطل خمر وقوله لغيره أطعم عني كفارة يميني لأنه القبول وأنه ركن لما سقط فالشرط أولى وقالا يقع عن المأمور لأن مالية العبد تلفت على ملك المولى في يده غير مقبوضة للطالب ولا محتملة لها لهلاكها بالإتلاف لا حقيقة
стр. 564
وهو ظاهر ولا حكمًا لأن القبض والتسليم في الهبة لا يسقط في صورة فلا يحتمله ودليل السقوط يعمل في محله بخلاف القبول في البيع حيث يحتمل كلا ركنيه السقوط بالتعاطي في النفيس والخسيس في الأصح وفي نحو كيف تبيع الحنطة فقال قفيزًا بدرهم فقال كلني خمسة أقفزة فكالها فالشرط أولى كما في نحو بعتك هذا الثوب فأقطعه فقطعه والبيع الفاسد كالصحيح مشروع بأصله فيعتبر به نظرًا إلى الأصل وفي مسألة التكفير جعل الفقير قابضًا عن الأمر ثم عن نفسه لكون الطعام قائمًا ولضة المالية تالفة.
وهذه تحصيلات المنطوق والمفهوم على سوق الشافعية.
الأول في تعريفها قسموا الدلالة إلى المنطوق والمفهوم وإن جعلهما قليل منهم فسمى المدلول فأدرجوا غير دلالة النص في المنطوق وإياها في المفهوم فالمنطوق دلالة اللفظ على الحاصل في محل النطق إما حكمًا له تكليفيًا شرعيًا في الشرع وإيجابًا وسلبًا مطلقًا وإما حالًا من أحواله أي حكمًا وضعيًا بأن يكون شرطًا له عقلا كتحصيل القوس في أرم أو شرعًا كالوضوء للصلاة والتمليك في أعتق عبدك عني أو سببًا له أو مانعًا كالحيض لترك الصلاة أو لنفسها وكما يستدل بقوله ﵇ "تمكث إحداهن شطر دهرها" (١)، الحديث أن أكثر عشرة أو خمسة عشر قيل فنحو رفع عن أمتي واسأل القرية ليس من الاقتضاء إذْ ليس المقدر حكمًا أو حالًا للمنطوق.
وأقول إلا أن يجعل الاقتضاء أعم من وجه أو يفسر الحال يما يتناول المقدر فيهما فأقسام المنطوق أربعة ..
١ - الدلالة على حكم مذكور لمذكور كأقم الصلاة الآية على وجوب صلاة الظهر.
٢ - على غير مذكور لمذكور نحو ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ على جواز إصباح الصائم جنبًا.
٣ - على حال مذكورة لمذكور نحو السارق والسارقة الآية على كون السرقة علة.
٤ - على غير مذكورة لمذكور كحديث الحيض على أكثر مدته والمفهوم دلالته على حكم أو حال غير المذكور لغير ما نطق به فهو قسمان نحو ولا تقل لهما أف على حكم الضرب ونحو ﴿وَمنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِدِينَار﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية على علية الأمانة لتأدية ما دون القنطارَ كذا ذكر.
وفيه بحث فإن الأمانة مذكورة إلا أن يراد كونه أمينًا والمذكور جعله أمينًا.
стр. 565
الثاني: في تقسيم المنطوق هو صريح إن كانت مطابقة أو تضمنًا لما مر أن فهم الكل عين فهم الجزئين ذاتًا وغير صريح إن كانت التزامًا وهذه ثلاثة لأنه إن كان مقصودًا للمتكلم فقسمان استقراء.
١ - أن يتوقف الصدق والصحة العقلية أو الشرعية عليه نحو رفع الحديث واسأل القرية وأعتق عبدك عني بألف ويسمى اقتضاء.
٢ - أن يقترن وصف مذكور في الجملة بحكم لو لم يكن ذلك الوصف أو نظيره علة له كان بعيدًا ويسمى إيماء وأقسامه خمسة.
١ - عين الوصف علة لحكم مذكور في كلام الشارع والوصف في كلام غيره كقوله ﵇ أعتق لمن قال واقعت أهلي في نهار رمضان.
٢ - نظير الوصف علة الحكم في كلامه والنظير في كلام غيره كما في حديث الخثعمية.
٣ - أن يفرق بين حكمين بوصفين صفة أو استثناء أو غاية أو غيرها نحو للراجل سهم وللفارس سهمان.
٤ - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا مناسبًا نحو لا يقضى القاضي وهو غضبان.
٥ - أن يذكر الوصف دون الحكم فيستنبط نحو أحل الله البيع فإنه حله وصف حكمه الصحة فالعلية في الكل مدلولة لا بالوضع للوصف المذكور وأما إذا ذكر الحكم دون الوصف كما في العلل المستنبطة فالمختار أنه ليس من الإيماء وإن لم يكن مقصودًا فإشارة.
ولها أمثلة منها حديث الحيض إلى أن أكثر من خمسة عشر عندهم وهو ظاهر فإن المقصود وهو المبالغة في نقصان الدين يقتضي ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض وعشرة عندنا وهذا أوجه كما مر أن العمر الغالب هو الستون بالحديث ولا حيض إلا بعد البلوغ فالثلاث مما بعده إذا ضم بما قبله وذا مجموع زمان الترك يبلغ نصف العمركذا قيل.
وفيه بحث لأن سياق الذم يوجب اعتبار ترك زمان الوجوب إذ لا ذم بترك غير الواجب إلا أن يقال ليس الذم بترك الواجب فقط بل بالمجموع منه.
ومن عدم الأهلية على أن المناسب للسياق أن لا يكون الذم بترك الواجب بل بعدم أثر الأهلية إذ لا وجوب لنحو الصلاة في أيام الحيض أيضًا.
وأما إشارته إلى أن أقل الطهر خمسة عشر إذ لو كان زمانه أقل لذكره في ذلك السياق فإنما يناسب توجيههم ويقويه.