← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 98083

فصول البدائع في أصول الشرائع

الفناري

Полный текст (856 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٣ - أنه لو انقطع الاحتمال الاجتماع لانقلب ممتنعًا. ٤ - احتمال التواطئ في الاجتماع. ٥ - لزوم التناقض إذا أخبر جميع بشىء وجمع بنقيضه. ٦ - لزوم تصديق اليهود والنصارى في صلب عيسى وفيما نقلوه من موسى أو عيسى في أن لا نبي بعدي وتصديق المجوس في أخبار زرادشت اللعين من مس النار وإدخال قوائم الفرس في بطه. ٧ - لو حصل به علم ضروري لما فرقنا بينه وبين الواحد نصف الاثنين. ٨ - لما خالفه فيه إذ الضرورة تستلزم الوفاق فالأولى تنفى وقوعه والأخيرتان ضروريته والبواقي إفادته العلم والجواب إجمالا أنه تشكيك في الضروري كشبه السوفسطائية لا تستحق الجواب وتفصيلا عن: ١ - أن وقوعه مقطوع به والفارق وجود الداعى وعن (٢) أن حكم الجزء قد يخالف حكم الكل ذهنًا وخارجًا فالواجب من الخيوط يقطع ومن المقدمتين لا ينتج ومن الشاهدين لا يثبت وعن (٣) أن الامتناع في غير محل الإمكان ولئن سلم فالامتناع بالغير لا ينافي الإمكان الذاتي ولئن سلم فالامتناع بالغير لا ينافي الإمكان الذاتي وعن (٤) ما مر من استحالته عادةً وعقلا وعن (٥) أن تواتر النقيضين محال عادة وعن (٦) أن شرائط التواتر مفقودة ففي الصلب لأن الداخلين على عيسى ﵇ كانوا سبعة من أهل تعنت وعداوة والمصلوب لا يتأمل عادةً وبتغير هيأته وقد أوقع شبهة كما نص الله تعالى وذلك جائز استدراجًا على من علم دوام نعته وإن لم يجز من غيره لطفًا برفع التلبيس مع أن العيسوية وأنصار الحبشة وبعض اليهود على أنه ﵇ مرفوع إلى السماء وكذا أن لا نبي بعدهما أصله آحاد وأخبار زرادشت تخييل كالشعوذة والتزوير ومواضعة بينه وبين ملكه وما رووا أنه فعلها في خاصة الملك دون مجامع الناس يؤيده وعن جواز الفرق بين الضروريات لسرعة الفهم لا لاحتمال النقيض وعن (٨) جواز البهت من الشرذمة القليلة في الضروريات كالسوفسطائية في جميع المحسوسات. الثاني في أن اليقين الحاصل به ضروري وعند الكعبي وأي الحسين البصري والإمام نظري وعند حجة الإِسلام قسم ثالث وإنما يصح لو فسر الضروري الأول إما بمعنى ما لا تجد النفس إلا الانفكاك عنه سبيلا فضروري وتوقف المرتضى والآمدي. لنا أولا أنه لا يفتقر إلى توسيط المقدمتين بالوجدان. وثانيًا: عدم شيوع الخلاف في المتواترات بمعنى أن دعوى خلافها لم يعد بها أي

стр. 597

إنكارًا لما يقتضيه صريح العقل إذ هو شأن النظري وإن كان من العلوم المتسقة. أولًا أنه محتاج إلى توسيط المقدمتين نحو أنه خبر جماعة كذا عن محسوس وكل ما هو كذلك ليس بكذب بل وإلى ما ليس بكذب صدق. قلنا لا نعلم الاحتياج بل المعلوم بالوجدان عدمه وإمكان الترتيب لا يستدعي الاحتياج كما في كل قضية قياسها معها وليس هذا دعوى أنه منها كما ظن إذ لا يجب ملاحظة القياس فيه بالوجدان بخلافها. وثانيًا: أنه لو كان ضروريًا لعلم ضروريته بالضرورة لأن العلم بالعلم وبكيفيته لازم بين بالمعنى الأعم. قلنا لا أن العلم بكيفية العلم لازم بين إذْ لا يلزم من الشعور بالشيء الشعور بصفته ولئن سلم فلا نعلم أن لازم الضروري ضروري لاحتياجه إلى توسيط الملزوم أما المعارضة بأنه لو كان نظريًا لعلم نظريته بالضرورة ففاسد لأن مثل الشبهة عدم احتياج الملزوم إلى الواسطة. وللغزالي أنه لو كان نظريًا لم يضطر إليه لأن النظري مقدور ولو كان ضروريًا لم يجتج إلى توسيط المقدمتين. فقد علم جوابه وأن لا نزاع له في الحقيقة ولا يخفى فساد التوقف لأنه للعجز عن إفساد أحد الدليلين. الثالث: في شروط التواتر أما صحيحها فثلاثة كلها في المخبرين. ١ - تعددهم إلى أن يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة. ٢ - إسنادهم إلى الحس بخلاف حدوث العالم. ٣ - استواء الطرفين والواسطة في حد التواتر وأما فاسدها فمنه علم كل واحد وإلا لاستند إلى الظن ومنه أن لا يحصى عدد المتواترين وإلا لاحتمل التواطؤ ومنه عدالتهم إذ الكفر والفسق مظنة الكذب والجزاف ومنه تباين أماكنهم لأنه أدفع للتواطؤ. ومنه اختلاف النسب والدين ومنه وجود المعصوم فيهم عند الشيعة وإلا لم يمتنع الكذب ومنه وجود أهل الذلة عند اليهود إذ لخوفهم يمتنع تواطؤهم عادة بخلاف أهل العزة والكل فاسد لحصول العلم الضروري وإن كان البعض مقلدًا أو ظانًا أو مجازفًا وعند انحصارهم واجتماعهم كإخبار الحجيج عن واقعة صدتهم وعند كفرهم ولو في باب السنة هو الصحيح كأهل قسطنطينة عن موت ملكهم. وللضابط في العلم بحصول شرائطه حصول العلم بصدقه عادة ولا يشترط سبق العلم

стр. 598

بها كما يرى من يرى نظريته، الرابع في أقل عدده قيل خمسة وجزم القاضي بعدم حصوله بالأربعة وإلا حصل بشهود الزنا فلم يحتج إلى التزكية بناء على مذهبه في المسألة الآتية وتردد في الخمسة واعترض على الأول بمنع اللزوم إذ لا يلزم من عدم كفايتها في الشهادة والاجتماع فيها على التحاب والتباغض مظنة التواطؤ عدم كفايتها في الرواية وبالنقض بالخمسة فإن وجوب التزكية مشترك إلا أن يقول أن معنى التردد أن الخمسة قد يفيد العلم بسبب الخامس فلا يجب التزكية وقد لا يفيد لكذبه فيجب وقيل اثنا عشر عدد نقباء موسى ليفيد خبرهم وقيل عشرون لقوله تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ليفيد خبرهم العلم بالإِسلام وقيل أربعون عدد الجمعة عند البعضَ لذلك ولقوله ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وكان أربعين وقيل سبعون عدد رفقاء موسى لميقاته للعلم بخبرهم إذا رجعوا والمختار أنه لا ينحصر في عدد بل الضابط ما حصل العلم عنده لحصول اقطع بدون العلم بالعدد ولأن الاعتقاد يتقوى بتدريج ككمال العقل والقوة البشرية عاجزة عن ضبطه ولأنه يختلف بالقرائن اللازمة للخبر كما مر وأنواعها أربعة فباعتبار آحاد أو مركبات مثنى وثلاث ورباع يحصل خمسة عشر وباعتبار أربعة وأفرادها لا ينحصر. الخامس: قال القاضي وأبو الحسين كل خبر أفاد علمًا بواقعة لشخص فمثله يفيد علمًا خرى لأخر والصحيح أن ذلك عند تساوي الخبرين بحسب القرائن اللازمة من كل وجه. السادس في المتواتر من جهة المعنى وهو القدر المشترك بين الآحاد الكثيرة المختلفة من حيث التضمن أو الالتزام كشجاعة علي ﵁ من أخبار حروبه وسخاوة حاتم من آحاد عطاياه قيل الأول مثال الالتزام والثاني للتضمن والصحيح أنهما للالتزام وليس المراد بذلك أن يفهم المقصود من كل الآحاد بل أعم من ذلك الإعجاز من كل من أخبار المعجزات ومن أن من المجموع من حيث هو كالمثالين. القسم الثانى الخبر المشهور: وهو ما انتشر ولو في القرن الثاني والثالث إلى حد ينقله ثقات لا يتوهم تواطؤهم على الكذب لا في أول الصدر الأول ولا يعتبر الشهرة بعد القرنين لأن المشهود بعدالتهما هما. وحكمه أن يفيد الطمأنينة المذكورة لأن إليه سكونًا بلا اضطراب لكن الحادثة لا عند

стр. 599

التأمل في ابتدائه بخلاف المتواتر فلذا صح عند المتأخرين ما اختاره ابن أبان أن يضلل جاحده ولا يكفركما يكفر جاحد المتواتر ولا يضلل جاحدًا الآحاد عملا بشبهي تلقي القرن المشهود له وكونه آحاد الأصل حيث لا نجد وسعًا في رد المتواتر ونخرج في رده لا في رد خبر الواحد وهذا أعلى درجات المشهور عنده فإنه عنده ثلاثة أقسام تشترك في جواز الزيادة بها على الكتاب وإن كانت نسخًا وتفترق إلى ما اتفق الصدر الأول أيضًا على قبوله كخبر الرجم على آية الجلد جاحده والمتراخي لا يكون تخصيصًا وما اختلف في الصدر الأول فقط كخبر المسح على الخفين فإن عائشة وابن عباس رض الله عنهما أنكراه ثم يروى رجوعهما فلا يضلل ويخشى المأثم وما اختلف فيه الفقهاء كخبر التتابع في صيام كفارة اليمين فلا يضلل ولا يؤثم إذْ لا إثم للمجتهد لكن يخطأ. وقال أبو بكر الجصاص أحد قسمي المتواتر لأنه إما المتواتر الأصل والفرع أو الفرع فقط فيوجب علم اليقين لكن استدلالا لا ضرورة وثمرته التكفير ونص شمس الأئمة على عدم التكفير اتفاقًا فلا ثمرة. له أن القائلين مشهود بعدالتهم فلولا صحته لما قبلوه عادة. قلنا يحتمل أن يكون قبولهم في إبجاب العمل وقال بعض الشافعية لا يفيد إلا الظن فأما إن عرفوه بما يروى عنهم أنه ما زاد نقلته على الثلاثة فمسلم في بعضه وأما بما ذكرنا فممنوع في كله. القسم الثالث: خبر الواحد وهو ما لم ينته إلى حد التواتر والشهرة وليس تعريفًا بما يساويه لسبق العلم بهما وقيل خبر أفاد الظن ولا ينعكس لأنه قد لا يفيد الظن إلا أن يزاد في المحدود لعدم الاعتداد به في الأحكام فلا يرد والفرق بين التعريفين أن الثاني يتناول المشهور دون الأول. وفيه مباحث الأول أنه لا يوجب العلم مطلقًا وهو مذهب الأكثرين وقيل يوجبه عند انضمام القرائن الزائدة على ما لا ينفك عنه الخبر عادة من الأنواع الأربعة وقيل وبغير قرينة فأحمد علمًا ضروريًا مطردًا كرامة من الله تعالى وداود الطائي وغيره علمًا استدلاليا والبعض علمًا غير مطرد. لنا أولًا لو أوجب لأوجب عادة إذ لا علية عندنا فاطرد كالمتواتر إذ التخلف في العادة للمعجزة أو الكرامة والكلام في غيرهما ولا اطراد بالوجدان. وثانيًا: للزم تناقض المعلومين إذا أخبر عدلان بمتناقضين وذلك واقع واللازم بطلان المعلومين واقعان وإلا كان جهلا.

стр. 600

وثالثًا: لوجب القطع بتخطئة المخالف اجتهادًا واللازم بط إجماعًا للموجب عند القرائن الزائدة أنه لو أخبر ملك بموت ولده المشرف عليه مع صراخ وجنازة وخروج مخدرات على حال غير معتادة دون موت مثله نجد العلم بموته من أنفسنا ضرورة. قلنا التيقن بالقرائن لا بالخبر كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل قيل لولا الخبر لجوزنا موت شخص آخر قلنا فنجوزه مع الخبر أيضًا لأنه من حيث هو لا يقطع ذلك الاحتمال بالأدلة الثلاثة ولذا لم يقع في الشرعيات وبهذا يعلم أن التزام لزوم الاطراد في الخبر المحفوف بالقرائن ودعوى امتناع حصول مثله في نقيضها عادة والتزام لخطئة المخالف قطعًا إن كان للخبر فباطلة أو للقرائن فمسلم فيما هي كافية للعلم به فلا مدخل للخبر وفي غيره مم ولئن سلم أن له مدخلا فإن أريد بإبجابه إيجاب المجموع الذي هو جزؤه فذلك اعتراف بعدم إيجابه وإن أريد إيجابه بشرط الانضمام فلا نعلم أنه الموجب. وللموجبين مطلقا أولًا أنه يوجب العمل إجماعًا بيننا ولا عمل إلا عن علم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمِ﴾ [الإسراء: ٣٦] وحصول الظن لا يكفي لأن اتباع الظن مذموم لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. قلنا أولًا المتبع هو الإجماع على وجوب العمل بالظواهر وهو قاطع. وثانيًا أنه مؤول بما المطلوب فيه العلم من أصول الدين لا العمل من أحكام الشرع وقد قيل المراد منع الشهادة إلا بما يتحقق. وثانيًا: أن صاحب الشرع كامل القدرة ولا ضرورة له في التجاوز عما يوجب اليقين بخلافنا في المعاملات حيث تقبل خبر الواحد وإن لم يفد العلم بلا خلاف قلنا كما هو كامل القدرة كامل الحكمة فلعل له في ذلك حكمة أقلها الابتلاء بالاجتهاد واليسر في اختلاف العباد كما جاء دا اختلاف أمتي رحمة (١) ولمدعط الضرورة ورود الآحاد في أحكام الآخرة كرؤية الله وعذاب القبر فإنا نجد العلم بها وإلا لم يفد شيئًا إذ لا حظ لها إلا العلم وذلك بطريق الكرامة من الله تعالى لمن تيسر له فلا ينافيه عدم اليقين للبعض قلنا لا نعلم أنها توجب العقد بمعنى اليقين بل توجب الظن كما توجب مشاهيرها الطمأنية وأما إن عقد القلب عمل فيكفي فيه حجة فقد نظر فيه بأن سائر الاعتقاديات كذلك

стр. 601

وليس حجة فيها وجوابه بأن المقصود في الأخروية نفس العقد وفي غيرها العمل ليس بشيء ثم إنه معارض بأنا نجد عدم العلم بالضرورة ولعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل أو سموا الظن علمًا. الثاني أن التعبد به أي تكليف العمل بمقتضى خبر العدل جائز عقلا خلافًا لأبي علي الجبائي. لنا القطع بجوازه وإن التكليف به لا يستلزم محالا لذاته. قالوا أولا يستلزم محالا لغيره هو لخليل الحرام أو عكسه بتقديركذبه الممكن وما يؤدي إلى الباطل على تقدير ممكن بط قلنا لا نعلم بطلان الأمرين فإن المخالف للظن ساقط عن المجتهد ومقلده إجماعًا فعند المصوبة لكون الحق متعددًا وعند المخطئة لكون التكليف بموجب الظن ألا يرى إلى التعبد بقول المفتي والشاهدين وإن خالفا الواقع وهذا يصلح سندًا ونقضًا هذا عند ترجيح أحد الخبرين أو تساويهما عند المجتهدين أما عند مجتهد واحد فالعمل ترك العمل بهما أو التخيير بين مقتضيهما. وثانيًا: يلزم جواز التعبد بالخبر عن الله تعالى بغير معجزة وهو باطل. قلنا لا نعلم الملازمة لأن العادة تفيد العلم بكذبه عند عدم المعجزة ولأن جواز التعبدية يفضي إلى كثرة الكذب عادة بخلاف الخبر عن الرسول ﵇. الثالث أنه واقع أي يوجب العمل خلافًا للقاساني بالمهملة والرافضة وابن داود واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية وهو المعنى بالجواز في المحصول إذ لا معنى له بعد كونه حجة. لنا القواطع والظواهر أما القواطع فمنها إجماع الصحابة والتابعين حيث استدلوا وعملوا به في وقائع لا تحصى وشاع ذلك ولم ينكر وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح وهذا استدلال بالإجماع المنقول بتواتر القدر المشترك لا بأخبار الآحاد حتى يدور ويفيد وجوب العمل به لأن النزاع في أنه دليل نصبه الشارع للاستدلال به على الأحكام كالكتاب فمقتضاه وجوب العمل ولأن الاستدلال بإيجابهم ولأنه لا قائل بحجيته في الجواز دونه، واعترض عليه بمناقضتين ومعارضة. ١ - لا نعلم أن عملهم بها فغير لازم من موافقتها العمل سببيتها له قلنا علم ذلك من سياق الترتيب عادة. ٢ - لا يلزم من وجوب العمل فيما تلقوها بالقبول وجوبه في كل خبر إذ العلة

стр. 602

لخصوصيتها قلنا علم من عادتهم أنه لإفادتها الظن كظاهر الكتاب والمتواتر. ٣ - المعارضة بعد عملهم بخبر البعض في وقائع كثيرة أصلًا أو حتى يروى آخر قلنا ذلك لقصورها عن إفادة الظن ورفع الريبة ولا نزاع فيه ويؤيده عمله بعد رواية الآخر مع أنه لم يخرج عن كونه خبر الواحد فهو لنا عليكم لا علينا لكم ومنها بعثه ﵇ الأفراد إلى الآفاق كعلي ومعاذ إلى اليمن وعتاب إلى مكة أميرًا ودحية إلى هرقل أو قيصر وعبد الله بن حذافة إلى كسرى وعمرو بن أمية إلى الحبشة رسولًا فلو لم يكن خبرهم حجة لما مروا ببيان الأحكام لعدم الفائدة ولا نفتح باب الطعن بالتقصير في التبليغ حيث لم يبلغ بمن يقوم به الحجة. قيل النزاع في وجوب عمل المجتهد ولا دلالة في هذا عليه قلنا أكثر العرب والصحابة كانوا مجتهدين عالمين بقواعد الاستنباط فيتم والاستدلال بالمجموع ولأنهم بعثوا للإخبار عن الشارع إذ بعثهم تفضيل لقوله تعالى ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية وإنما يحتاج إليه للاجتهاد لا للفتوى عادة ومنها أن الشهادة مع أنها مظنة التهمة بالتحاب والتباغض وليست إخبارًا عن معصوم ولا عمن يخاف على الإِسلام بالكذب عليه ولا المخبر مشهورًا بالثقة إذا أوجبت العمل حتى لو لم يقض بعد البينة العادلة كان فاسقًا وإن لم يرد ذلك فكافر فالرواية أولى وكثرة الاحتياج إلى الشهادة يعارضها عموم مصلحة الزاوية. وأما الظواهر وللتمسك بها مقدمتان: ١ - أن المتبع فيها الإجماع على صحة التمسك بها أما في الفروع فظاهر وأما في الأصول فبشهادة الإجماع على التمسك بها في حجية الإجماع وسيجىء في الإجماع أن هذا الإجماع بالقاطع فلا دور. ٢ - إن كل ما يدل على وجوب العمل بخبر الواحد مطلقًا يدل عليه في حق المجتهد إما لعمومه وإما لأنه في المقلد لغلبة ظنه بصدق مقلده بالإجماع ولاشتماله على دفع الضرر المطون فكذا في المجتهد عند غلبة ظنه بصدق الراوي بدلالته بل أولى لأنها للمقلد أسهل حصولا وسببها أضعف منها للمجتهد فإذا كفى ثمنه فهنا أولى وعموم الرواية يعارضها كثرة الاحتياج إلى الفتوى والشهادة فيعمان بدفعات ولو من واحد بعينه أو ينزل الدلالة بالنسبة إلى كل واحد. أما حديث الضرورة ففاسد لأن إمكان العمل بالبراعة الأصلية مشترك فمنها الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:

стр. 603

١٨٧] الآية أوجب بيان ما في الكتاب من الواجبات فإنها أحق بالبيان ولأنها بعضه فإما على الكل وليس في وسع كل واحد أن يجتمع مع كافتهم شرقًا وغربًا وكل مخاطب يما في وسعه وإما على كل واحد فلو لم يجب قبوله لما كان لبيان الواجب فائدة للسامع قيل يحتمل أن يكون فائدته أن يحصل التواتر فيجب العمل، قلنا أحد قسمى البيان الفتوى، وحيث لم يشترط فيها التواتر لم يشترط في الآخر إذ لا دلالة على التفصيل. وكقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية وله توجيهان: ١ - أنه أمر الطائفة المتفقهة بالإنذار، وهو الدعوة إلى العلم والعمل؛ لأن التخصيص يتضمنه فلو لم يكن حجة لم يفد. والطائفة تتناول الواحد في الأصح حيث أريد بطائفة من المؤمنين واحد فصاعدًا. قاله ابن السكيت وبطائفتان من المؤمنين اقتتلوا رجلان من الأنصار. ولأن أقل الفرقة ثلاثة فبعضها واحد أو اثنان ولئن سلم فلا يلزم حد التواتر بالإجماع. ٢ - أن لعل للترجي المتضمن للطلب الجازم ولما استحال على الله تعالى الترجي حمل على لازمه وإيجاب الحذر عند ترك العمل يستلزم وجوب العمل والاعتراض بأن المراد بالإنذار فتوى الفقيه في أحكام الفروع بدلالة ظاهر التفقه لأن الاحتياج إلى التفقه في الفتوى لا في الرواية؛ فالقوم المقلدون مزجوا به في المقدمة الثانية من وجهين على أن الدعوة إلى العلم في المجتهد أظهر وكقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية أوعد بالكتمان لقصد إظهار ما في القرآن من الواجبات ولولا وجوب العمل بها لم يفد إظهارها للسامع. قيل المراد القرآن وهو متواتر والكلام فما الآحاد ولئن سلم فيجوز أن يكون إيجاب الإظهار على كل؛ لأن يبلغ باجتماعهم حد التواتر. والجواب عن: ١ - أن كون المراد هو القرآن بالآحاد فلو لم يكن حجة لم يرد مع تخصيص لشموله الوحي الغير المتأول فالمراد إظهار ما في القرآن من الشرائع لأنه المقصود وأخبار الآحاد تفاصيله كلا أو بعضًا منطوقًا أو مفهومًا. وعن: ٢ - على أنه بعيد لندرة حصول التواتر (ما مر أن إيجاب إظهار الأحكام أعم ندبًا لفتوى أم بالرواية، فلو كان فائدته حصول التواتر لوجب فيهما أذلا دلالة على التخصيص والتفصيل وحيث لم يشترط في الأول لم يشترط فما الثاني وكقوله تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] علل عدم قبول خبر الواحد بالفسق لترتبه على الوصف:

стр. 604

المناسب، فلو كان عدم قبوله لذاته لما علله بتعين؛ لأن ما امتنع بالذات لم يمتنع بالغير فإذا صح قبوله وجب لما مر فهذا ليس استدلالا بمفهوم المخالفة (ومنها السنة كقوله ﵇ خبر بريرة في الهدية وخبر سلمان في الصدقة ثم في الهدية وخبر أم سلمة في الهدايا وقول الرسل في هدايا الملوك على أيديهم وإرساله الرسل (ومنها دلالة الإجماع حيث أجمعت الأمة على قبول أخبار الآحاد من الوكلاء والرسل والمضاربين وغيرهم) وفيهما بحث. أما في الأول فلاحتمال أن يكون قبوله لعلمه بصدقها غيبًا بخلافنا. وأما في الثانية: فلأنه ليس في باب الاجتهاد. والجواب عنه: - أنه على كثرتها التي لا تحصى خلاف الظاهر لعدم اختصاصها بمقام التحدي. وعن: - أن ما يورث غلبة الظن للمجتهد المتفرس المستفسر أقوى فبالقبول أولى. - ومنها أن عدالة الراوي ترجح جانب الصدق لكون الكذب محظور دينه وعقله فيقيد غلبة الظن فيوجب العمل كما في القياس بل أولى إذ لا شبهة في الأصل هنا بل في طريق الوصول، والمنكرون ينكرون إما لعدم الدليل أو لدليل العدم شرعًا أو عقلا. أما الأول فلأن لهم في كل من الأدلة طعنًا، وإن أجبنا عنه. وأما الثاني: فلأنه يفيد الظن والقرآن نهى عن اتباع الظن وذم عليه في الآيتين وكلاهما دليل الحرمة. ولأنه ﵇ توقف في خبر ذي اليدين وقال كل ذلك لم يكن نفيًا للكل تقريرًا لسؤاله أو لكل ردًا له أول بها النواوي، والأخير أولى للرواية الأخرى حتى أخبره أبو بكر وعمر ﵄. وجوابهما بعد ما مر من المتبع الإجماع، وأن الإنكار للريبة وإن عمله بعد خبر هما لنا لا علينا أن هذه الأدلة ليست قاطعة إذ لا عموم لها في الأشخاص والأزمان ولئن سلم يحتمل التخصيص فإذا صح التمسك بمثلها في نفى التعبد ففى التعبد أولى احتياطًا وأن خبر ذي اليدين ليس في تعبد الأمة بالمنقول عن الرسول وهو المبحث وأنه فيما انفرد واحد بالإخبار بين جمع في أمر الغالب عدم وقوعه وعدم الغفلة وظن كذبه وعدم العمل به واجب اتفاقًا لغير الشيعة كما مر. وأما الشاك: فأمر مع جوابه من أن صاحب الشرع كامل القدرة فلا ضرورة له في التجاوز عما يوجب اليقين.

стр. 605

الرابع: أن دليل إيجابه العمل شرعي كما ذكرنا وعقلط عند أبى الحسن البصري وابن سريج والقفال فتمسك أبو الحسين بأن تحصيل المصالح ودفع المضار جملة واجبة عقلا وأخبار الآحاد تفصيل بما لأن النبي ﵇ بعث لذلك ومفيدة للظن بهما وكل جملة واجبة عقلا فالظن بتفضيله يوجب العمل عقلا. وجوابه بعد إبطال التحسين والتنقيح العقلين منع أن العمل بالظن في تفاصيل مقطوع الأصل واجب بل أولى احتياطًا ولئن سلم في العقليات منع في الشرعيات وقياسها بطل لعدم التماثل وأما لأن القياس شرعي فلا لأن القياس الذي أصله عقلي، عقلط بخلاف ما سيجيء من القياس على الفتوى. ولقسك الباقون أولا بأن صدقه ممكن فيجب اتباعه احتياطًا لا يقال الاحتياط يفيد الأولوية كما مر لأنه في الشرعيات يفيد الوجوب ولذا لم يحمل هذا على الدليل العقلي بل على القياس. فأجيب بأن لا أصل له في الشرع فالمتواتر يوجب الاتباع لإفادته العلم لا للاحتياط والفتوى فرق بينهما وبينه لخصوصها بالمقلد وعمومه في الأشخاص والأزمان ولئن سلم ذلك بناء على ما مر من المعارضة فهو دليل شرعي لأن أصله شرعي. وثانيًا بأنه لو لم يجب لخلت أكثر الوقائع عن الحكم لأن الكتاب والمتواتر لا يفيان بها منطوقًا أو مفهومًا أو قياسًا وهو ممتنع عقلا، وجوابه منع بطلان التالي. أما مع الملازمة بناء على أن عدم الدليل دليل العدم شرعًا فعند من يقول به، أو إذا انحصر، ولذا أخرا، وبالنظر إلى المتقدم الوضعط لا لقوته ترقيا. والله أعلم. الفصل الثاني: في الراوي وفيه مباحث: الأول: في تقسيمه وهو إما معروف بالرواية وشرائها فقط. أو بالفقه والاجتهاد. وإما مجهول؛ أي: في الرواية بأن لم يعرف ذاته إما بحديث أو حديثين، ولا عدالته وطول صحبته ولا يوجد في الصدر الأول. وأقسامه خمسة؛ لأن الثقات إما أن يتلقوا حديثه بالقبول أو بالرد أو يختلفوا فيهما، أو بالسكوت، أو لم يظهر بين السلف. أحكام الأقسام: فالمعروف بالكل كالخلفاء، وكالعبادلة، ومعاذ، وأبى موسى الأشعري، وعائشة، وأبى ابن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن الزبير ﵃، يقبل حديثه، وافق القياس فتأيد به ولو من وجهه أو لا فطرحه.

стр. 606

وقيل القياس مقدم وربما ينسب إلى مالك ﵀. وقال أبو الحسن البصري إن ثبت علة القياس بقطعي قدم وإلا فإن قطع بحكم الأصل دون العلة اجتهد فيه حتى يظهر دليل أحدهما فيتبع، وإلا فالخبر مقدم. وقال بعض المتأخرين إن لم يترجح نص العلة على الخبر في الدلالة فالخبر وإن ترجح فإن قطع بوجود العلة في الفرع فالقياس وإلا فالتوقف. لنا أولا أن عمر ترك القياس في مسألة الجنين بأنه ﵇ أوجب فيه الغرة، وقال لولا هذا لقضينا فيه برأينا، وفي دية الأصابع، حيث رأى تفاوتها بتفاوت منافعها، فتركه بقوله ﵇ في كل إصبع عشر، وفي ميراث الزوجة من دية زوجها، ولم ينكره أحد فكان إجماعًا. وثانيًا: حديث معاذ حيث أخر القياس عنه وقرره النبي ﵇. وثالثًا: أن القياس أضعف لأن الاجتهاد المخبر في أمرين عدالة الراوي ودلالة الخبر وللقياس في سنة حكم الأصل وتعليله في الجملة وتعين العلة ووجودها في الفرع ونفى المعارض في الأصل وفي الفرع وإن كان الأصل خبرًا زاد أمره على السنة وما فيه الاجتهاد أكثر فالخطأ فيه أوفر والظن به أندر. ورابعًا: أن علة القياس ساكنة وشهادتها بالإشارة والخبر نطاق فكان فوقها في الإبانة وكذا السماع لكونه إحساسًا فوق الرأي في الإصابة ولذا قدم خبر الواحد على التحري في القبلة. قالوا أولًا القياس حجة بالإجماع لأن نفاته ظهرت بعد القرون الثلاثة والإجماع أقوى من الخبر. قلنا الخبر أيضًا حجة إجماعًا فيترجح بما مر. وثانيًا: أن الاحتمال في القياس أقل لأن الخبر باعتبار العدالة يحتمل كذب الراوي وفسقه وكفره وخطأه وباعتبار الدلالة التجوز وغيره مما هو خلاف الظاهر وباعتبار حكمه النسخ والقياس لا يحتمل شيئًا من ذلك. قلنا: الاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور ويأدي الجميع في القياس إذا كان أصله خبرًا وأنتم تقدمونه. وثالثًا: رد الصحابة إياه بالقياس. قلنا: كان لمعان نذكرها لا لترجيح القياس. قال المفصلون إذا ترجح نص العلة وقطع وجودها في الفرع ترجح القياس لترجح

стр. 607

نصه وإن لم يقطع توقف لتعارض النصين. قلنا: فلم يكن الترجيح أو التعارض للقياس من حيث هو بل للنص في الحقيقة فالمتبع ما لنا من الطريقة ويحدث من هنا فساد تفصيل أبى الحسين بلا شائبة شبهة ومانع مبين. والمعروف بالرواية فقط؛ كأبي هريرة، وأنس بن مالك يقبل إن وافق القياس مطلقًا أو خالف من وجه وإن خالف من كل وجه وهو المراد بانسداد باب الرأي يضطر إلى تركه. أما الأول فلكون الراوي ثقة بخلاف خبر المجهول إذا خالف القياس من وجه حيث يجوز تركه. وأما الثاني فلأن النقل بالمعنى كان مستفيضًا فيهم فإذا قصر فقهه لم يؤمن أن يذهب عليه شيء من معانيه لأن للحديث خطرًا وقد أوتى جوامع الكلم فدخله شبهة زائدة في متنه وفي شيء يضاف إليه الحكم ولا يترك العمل بالكتاب والسنة المشهورة، أعنى حديثي معاذ الدالين على حجية القياس بالإجماع عليها في القرون الثلاثة إلا لقطعيته وليس بحيث يصاب بالاجتهاد بخلاف القياس مثل حديث أبى هريرة ﵁ في المصراة فإن قياسه على ضمان العدوان بالمثل أو القيمة إجماعًا بمنع وجوب التمر لا أن هذا ضمان عدوان وإلا فمخالفته للكتاب كاف في رده ولهذا أنكرت عليه عائشة ﵂ في روايته أن ولد الزنا شر الثلاثة وأن الميت يعذب ببكاء أهله، متمسكة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وأنكر ابن عباس ﵄ عليه روايته الوضوء مماسته النار، ومن حمل جنازة فليتوضأ، قائلا كيف نتوضأ مما عنه نتوضأ، أيلزمنا الوضوء بحمل عيدان يابسة، ويعنى به قصورهم بالنسبة إلى فقه الحديث، فأما الازدراء، فمعاذ الله. وحديث المجهول كوابصة بن معبد وسلمة بن المحبق ومعقل بن سنان ﵃ يقبل إذا تلقاه السلف بالقبول أو بالسكوت فإنه في موضع الحاجة بيان ولايتهم السلف بالتقصير كحديث المعروف بقسميه لتعديلهم إياه، وهذا إن اختلف في قبوله عندنا كحديث معقل في قصة بَرْوَعَ أنه مات عنها هلال قبل الفرض والدخول فقضى لها رسول الله ﷺ بمهر مثل نسائها فعمل ابن مسعود ﵁. ورواه من القرن الثاني علقمة ومسروق ونافع والحسن، وأنه قرن العدول فأخذنا بقوله قياسًا للموت بكونه مؤكدًا على الدخول ولذا وجب العدة ورد على ﵁ لعود المعقود عليه سالمًا فلا يوجب العوض وأخذه الشافعي، وإذا تلقوه بالرد صار مستنكرًا لا يترك به القياس اتفاقًا كحديث فاطمة بنت ليس ﵇ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى ورده عمر رضي الله عنه

стр. 608

وغيره، وكذا حديث بُسْرة في مس الذكر. أما إذا لم يظهر حديثه بين السلف فلا يترك به وجوبًا لكن يجوز العمل به إذا لم يخالف القياس ليضاف الحكم إلى النص فلا يمنعه نافيه وهذا في القرون الثلاثة؛ لأن العدالة أصل فيها لا بعدها لظهور الفسق. ولذا جوز أبو حنيفة ﵁ القضاء بظاهر العدالة (١) لأنه في القرن الثالث، وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] الآية تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] دل على المنع من اتباع الظن مطلقًا فخولف في المعلوَم عدالته بالإجماع فيبقى في غيره وجوابه بعد ما مر أن المتبع هو الإجماع على إثبات الظن في الفروع وأن ذلك مخصوص بالأصول أن المراد بالمعلوم عدالته إن كان المتيقن فبط للإجماع على أنه إذا عدل الراوي اثنان يجب قبول روايته مع عدم التيقن وإن كان المظنون فهو حاصل بالأصل، أما أن المراد أعم من التيقن أو الظن بالقول فتخصيص بلا دليل واصطلاح غير معهود. قيل: مبنى الخلاف على أن الأصل هو الفسق لأنه أثر القوه الشهوية والغضبية الغريزيتين والعدالة أثر التزام تكاليف الشر فهي طارئة ولأنه الغالب فيما بعد القرون الثلاثة بالحديث وأكثر أئمة المذهبين فيهم فلا ظن بعدالتهم ما لم يختبر حالهم ولم يترك الخبير بها. قلنا: أولًا العقل الذي ليس مطروحًا في معرفة الحسن والقبيح بالكلية بل آلة لها غريزي وهي أثره. وثانيًا: أن غريزية سبب الفسق لا ينافى ما ادعيناه من أصالة العدالة في القرون الثلاثة بالحديث واتباعه أولى، لا سيما أن التأثير بإجراء العادة لا بالإيجاب، فالمتبع في معرفة كيفيته صاحب الشرع. وثالثًا: أن العدالة فيما بين رواة الحديث لا سيما إذا كانوا فقهاء هي الأصل ببركته هو الغالب بينهم في الواقع كما نشاهده، فلذا قلنا مجهول القرون الثلاثة في الرواية، أما في الضهادة فإن اختص قول الإِمام بالقرون الثلاثة كما قيل من أنه اختلاف زمان فذاك وإن كان اختلاف برهان وإن أفتى المتأخرون بقولهما فبالنظر إلى الإِسلام والتزام الأحكام وكمال العقل الزاجرة عن المعصية، وأن أول البلوغ يصادف العدالة لا شك أنها الأصل فيجوز العمل به فيما يكثر فيه الوقوع وإبطال الحقوق ثم ترجيحنا هذا أولى لأنه فيما بين نفسي العدالة والفسق لا سببهما.

стр. 609

الثاني: في شرائطه منها مصححة للقبول ومنها مكملة؛ أما المصححة فأربعة: الأول: العقل، أي الكامل ولذا قد يعبر عنه بالتكليف وقد مر تفسيره وأنه لا يكمل شرعًا لا حين البلوغ وإنما اشترط لأن كل موجود فبصورته ومعناه يتحقق فالصوت والحروف لا يكون كلامًا إلا بالعقل الذي به الفهم والتفهيم بخلاف ألحان الطور والنائم فخبر الصبي وإن قارب البلوغ ليس بحجة في الشرع لاحتمال أن يعلم عدم حرمة الكذب عليه فيكذب فلا يحصل ظن صدقه ولأن الشرع لم يجعله وليًّا في أمر دنياه ففي دينه أولى، أما عدم ولاية العبد فلحق المولى لا لنقصان عقله ولأن قوله في حقه لا يقبل فكيف في حق غيره ولأن قول الفاسق أوثق وهو مردود فكيف الصبي وكذا المجنون والمعتوه. وإجماع أهل المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء قبل تفرقهم كما يرويه مالك ﵀ فعلى تقدير تسليمه كان لضرورة أن لا يضيع حقوق الجنايات حيث كثرت بينهم منفردين عن العدول والمشروع استثناء لا يرد نقضًا كالعرايا وشهادة خزيمة أما لتحمل في الصبي والرواية بعد البلوغ فمقبول لأن الخلل الدفع عن تحمله وقياسًا على جواز الشهادة اتفاقًا فالرواية أولى ولإجماع الصحابة على قبول رواية جماعة من أحداث ناقلي الحديث كابن عباس، وابن الزبير، وأبى الطفيل، ومحمود بن الربيع، وغيرهم. من غير فرق واستفسار، وأما إحضار الصبيان فيحتمل التبرك ولذا يحضرون من لا يضبطه وقد اصطلحوا على أن يكتبوا لتحمل الطفل حضورًا وجسدًا، ولتحمل الكبير سماعًا. الثاني: الضبط، وهو الحفظ مع الحزم والمراد مجموع المعاني الأربعة، حق السماع بأن لا يفوت منه شيء ثم فهم تمام معناه، لإمكان أن ينقله بالمعنى بخلاف القرآن، إذ المعتبر في حقه نظمه المعجز المتعلق به أحكام مخصوصة والمقصود في السنة، معناها حتى لو بذل مجهود في حفظ لفظ السنة كان حجة ولأنه محفوظ عن التغيير لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ثم حفظه باستفراغ الوسع ثم المراقبة أي الثبات عليه إلى حين الأداء فمن ازدرى نفسه ولم يرها أهلا للتبليغ فقصر في شيء منها ثم روى بتوفيق الله تعالى لا يقبل وإنما اشترط لأن طرق الإصابة لا يترجح إلا به فلا يظن بصدق الخبر دونه لاحتمال السهو. وهو نوعان: ظاهر وباطن: فالظاهر: ضبط معناه لغة، وهو الشرط عند الأكثر والباطن ضبطه فقهًا أي من حيث تعلق الحكم الشرعي به وهو الكامل فلاشتراط الأول لم يكن خبرًا لمغفل خلقة أو مساهلة

стр. 610

حجة وإن وافق القياس والكمال. الثاني: قصرت رواية من لم يعرف بالفقه عن رواية من عرف به. الثالث: العدالة وهي الاستقامة لغة ومنه طريق عدل وجابر للجادة والبينات واستقامة السيرة والدين شريعة وحاصلها هيئة راسخة في النفس لخمل على ملازمة التقوى والمروءة وترك البدعة ليستدل بذلك على رجحان صدقه. وهي قسمان: قاصر يثبت بظاهر الإِسلام، واعتدال العقل الزاجرين عن المعاصي كما مر. وكامل ليس له حد يدرك مداه فاعتبر أدنى كماله هو ما لا يؤدى إلى الحرج وتضييع الشريعة وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة، ولماكانت هيئة خفية نصب لها علامات هي اجتناب أمور أربعة وإن ألم بمعصية لأن في اعتبار اجتناب الكل سد بابه: ١ - الكبائر: وهي تسعة برواية ابن عمر ﵄ "الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم؛ أي: الظلم فيه لشرفه" وزاد أبو هريرة ﵁ "أكل الربا" وعلى ﵁ "السرقة، وشرب الخمر" وقيل: كل ما توعد الشارع عليه بخصوصه وقيل: كل ماكان مفسدته مثل مفسدة أقلها أو أكثر مفسدة دلالة الكفار إلى استئصال المسلمين أكثر من مفسدة الفرار عن الزحف ومفسدة إمساك المحصنة للزنا بها أكثر من مفسدة القذف، وقد يقال ما يدل على قلة المبالاة بالدين دلالة أدنى ما ذكره وعلى هذا كثيرة. ٢ - الإصرار على الصغائر فقد قيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، ومرجعه أن يعرف بالعرف بلوغه مبلغًا ينفي الثقة. ٣ - الصغائر الخسية؛ أي الدالة على خسة النفس كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة. ٤ - المباح الدال على ذلك كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأرذال، والحرف الدنية مما لا يليق كالحياكة، والدباغة، والحجامة، والأكل والبول على الطريق، وذكر قاضى خان الأكل والشرب في السوق، فإن مرتكب الكل لا يجتنب الكذب غالبًا فخبر الفاسق والمستور وهو من يعلم ذاته دون صفته مردود. قال الشافعي فخبر المجهول أولى إذ لا يعلم لذاته ولا صفته فربما لو علم ذاته علم بالفسق بخلاف من علم ولم يعرف بالفسق، قلنا قبلناه في القرن المشهود بعدالته وكذا

стр. 611

المستور فيه. وأما المبتدع، وهو من ليس معتقده كأهل السنة فإن تضمن بدعته الكفر ويسمى صاحبها الكافر المتأول، فمن كفر به جعله كالكافر وسيجيء، ومن لم يكفر كالبدع الواضحة فإنها إما غير واضحة فيقبل اتفاقًا وإما واضحة ويسمى الفاسق المتأول؛ كفسق الخوارج، والروافض، والجبرية، والقدرية، والمعطلة، والمشبهة، وكل منها اثنتا عشرة فرقة، تبلغ اثنتين وسبعين. فمن الأصوليين من رد شهادته وروايته منهم الشافعي والقاض لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ومنهم من قبلهما. أما في الشهادة فلأن ردها لتهمة الكذب والفسق من حب الاعتقاد لا يدل عليه، بل أمارة الصدق لأن موقعه فيه تعمقه في الدين والكذب حرام في كل الأديان لا سيما من يقول بكفر الكاذب أو خروجه من الإيمان وذلك يصده عنه إلا من تدين بتصديق المدعى المنتحل بنحلته كالخطابية وكذا من اعتقد بحجية الإلهام. وقد قال ﵇ نحن نحكم بالظاهر وأما في الرواية فلأن من احترز عن الكذب على غير الرسول فعليه أولى إلا من يعتقد وضع الأحاديث ترغيبًا أو ترهيبًا كالكرامية أو ترويجًا لمذهبه كابن الراوندي. وأصحابنا قبلوا شهادكم لما مر دون روايتهم إذ ادعوا الناس إلى هواهم على هذا جمهور أئمة الفقه والحديث لأن الدعوة إلى التنحل داعية إلى التقول فلا يولقن على الرواية ولا كذلك الشهادة. قيل مذهب القاضي أولى لأن الآية أحق بالعمل من الحديث لتواترها وخصوصها والعام يحتمل التخصيص ولأنها لم تخصص إذ كل فاسق مردود، والحديث خص عنه خبر الكافر والفاسق. قلنا: مفهومها أن الفسق هو المقتضى للتثبت فيراد به ما هو أمارة الكذب لا ما هو أمارة الصدق، وقبول الصحابة قتلة عثمان رواية وشهادة إجماعهم عليه، ولئن سلم فليس بدعة واضحة لأن كثيرًا من القتلة وغيرهم يجعلونه اجتهاديًّا ونحو الخلاف في البسملة أنها من القرآن أو زيادة الصفات وغيرها من مسائل الاعتقاد إذ لم يتضمن كفرًا أو لم يكفر بها وإن ادعى الخصم القطع ليس من الواضحة لقوة الشبهة من الجانبين فيقبل. ومن مسائل العمل كشرب النبيذ، واللعب بالشطرنج من يجتهد بحله أو مقلد له فالقطع أنه ليس بفسق صوبنا أو خطأنا لوجوب العمل دموجا الظن ولا يفسق بالواجب فالصحيح أن لا يحد مثله بشرب النبيذ وإن حده الشافعي لا لأنه فاسق بل لزجره لظهور

стр. 612

التحريم عنده ولذا قال أحدّه وأقبل شهادته، وكذا الحد في شهادة الزنا لعدم تمام النصاب ليس بفسق بخلافه في مقام القذف. الرابع الإِسلام وهو تحقيق الإيمان كما أنه تصديق الإِسلام وهو نوعان ظاهر بنشوء بين المسلمين وتبعية الأبوين أو الدار وكامل يثبت بالبيان وأدناه البيان إجمالا بتصديق جميع ما أتى به النبي ﵇ مطلقًا، والإقرار به لأن في شرط التفصيل حرجًا ولذا اكتفى بعد الاستيصاف بنعم وكان دأبه ﵇، والمقبول منه أدنى الكامل إلا أن يظهر أمارته كالصلاة بالجماعة للحديث، ولذا قال محمَّد في الصغيرة بين المسلمين إذا لم تصف حين أدركت تبين من زوجها وإنما اشترط لا لأن الكفر يقتضى الكذب بل لأن الكافر ساع في هدم الدين فتثبت به تهمة زائدة كما في الأب لولد، فلا يقبل روايته ولا شهادته على المسلم ولانقطاع الولاية عليه ويقبل على الكافر عندنا صيانة للحقوق إذ أكثر معاملاتهم مما لا يحضر مسلمان وإن خالفا ملة، لأن الكفر كله ملة فللذمي على مثله والمستأمن وللمستأمن على مثله من دارهما فقط وعند مالك والشافعي لا يقبل والاستدلال على اشتراطه بأنه لا يوثق به كالفاسق وبأن الفاسق في قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] يتناوله بالعرف المتقدم وهو الخارج عن طاعة الله تعالى وإن لم يتناوله بالمتأخر وهو مسلم ذو كبيرة أو صغيرة أصر عليها ضعيف لأنه قد يوثق بقوله لتدينه في مطلق دينه المتضمن لتحريم الكذب أو في تحريم الكذب ولأن المراد الفسق المفضي إلى الكذب والتدين رادع عنه. تتمة: يزاد في الشهادة شروط عليها كالبصر والذكورة والحرية وأن لا يحد في القذف وعدم القرابة للشهود له وعدم العداوة للمشهود عليه، والعدد وغيرها مما ذكر في بابها فيقبل رواية الأعمى والعبد والمرأة والمحدود في القذف إلا في رواية الحسن كما قبلت الصحابة ﵃ منهم من غير طلب التاريخ لا شهادتهم لأنها تفتقر إلى تمييز زائد ينعدم بالعمى وولاية كاملة متعدية تنعدم بالرق وتقصر بالأنوثة وحد القذف وتحقيق ظن غالب بعدم بواعث الكذب لا يحصل عند القرابة، وللعداوة، ولا يغلب عند وحدة المخبر لأن البراءة الأصلية تعارض دليل صدقه فإذا تعدد رجح وبناء الجميع على حروف فارقة: ١ - أن فيها إلزامًا على المشهود عليه واللزوم على سامع الخبر بالتزامه طاعة الله ورسوله، كعلى القاضى بتقلده. ٢ - إن حكم الخبر يلزم الخبر أولًا ثم يتعداه ولا يشترط لمثله قيام الولاية بخلاف الشهادة حتى كان العبد كالحر في الشهادة بهلال رمضان، أيضًا وما يلزم العبد والفقير من

стр. 613

خبر الزكاة، مثلا اعتقاد وجوبه. ٣ - أن الشهادة لخصوصها تؤثر المحبة والعداوة ويجرى المساهلة فيها والخبر عام والذي ترى شهود الزور أكثر من رواة المفترى. وأما المكلمة: فربما يظن أنها شرط الصحة وليست. فمتها العدد عند الجبائي، حيث شرط لقبوله أحد أمور أربعة: خبرا آخر، أو موافقة ظاهر له، أو انتشاره بين الصحابة، أو عمل بعضهم بموجبه. وزاد في خبر الزنا رواية أربعة من العدول ويكفى في بطلانه ما تقدم من عمل الصحابة بلا عدد وإنفاذ الآحاد للتبليغ وغيرهما، ومن الجواب عن توقفهم في قبول المنفرد ونحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ومنها البصر والذكورة وعدم القرابة والعداوة لأن أضدادها فادحة في الضبط والعادلة بخلاف الحرية فإن قدح الرق في الولاية وهي ليست من لوازم الرواية وجوابه ما مر من الحروف الفارقة مع قبول الصحابة رواية الأعمى وعائشة ﵂ وغيرهما. ومنها الإكثار من الرواية، وقد قبلت الصحابة حديث أعرابي لم يرو غيره نعم أثره في الترجيح عند التعارض. ومنها كون الراوي معروف النسب وألحق قبوله إذا عرفت عدالته وإن لم يكن له نسب فضلا عن معروفيته. ومنها الفقه والعربية أو معرفة معنى الحديث فيقبل بدونها لقوله ﵇ "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، أما اشتراط موافقته للقياس عند أصحابنا فليس مطلقًا بل عند عدم فقه الراوي لما مر من احتمال نقله بالمعنى ولم يطلع على عنه مراده لا ينافيه عدالة الراوي وظهور صدقه. الفصل الثالث: في الانقطاع وهو نوعان: ظاهر، وباطن؛ لأنه إما صورة أو معنى. والظاهر هو الإرسال بأقسامه الأربعة لأنه إما من كل وجه، فمن الصحابة أو القرنين بعدهم أو من دونهم، وإما من وجه فقط. والباطن إما بالمعارضة بأقسامه الأربعة لمخالفته الكتاب أو السنة المعروفة، أو لشذوذ فيما عم به البلوى لمحالصلاة ومقدماتها لحاجة الكل إليها أو لإعراض الصحابة عنه وإما لقصور في الناقل بأقسامه الأربعة لانتفاء إحدى الشرائط الأربع. فبيان الأقسام الاثني عشر في ثلاث مباحث:

стр. 614

الأول في الإرسال الحديث إما مستند؛ وهو الذي يرويه واحد عن واحد رآه وسمع منه بإحدى الطرق الآتية متصلة إلى من سمع من النبي ﵇. وإما مرسل وهو الذي يرويه عمن لم يسمع منه فمرسل الصحابي مقبول إجماعًا لأن قوله قال رسول الله ﷺ ظاهر في سماعه بنفسه فيحتمل عليه إلا أن يصرح بالرواية عن غيره وإن احتمل غيره (١) كما قال البراء بن عازب ما كل ما تحدثه سمعناه من رسول الله ﷺ وإنما حدثنا عنه لكنا لا نكذب وكذا مرسل القولين بعدهم عندنا وعند مالك وحماد وإبراهيم النخعي خلافًا للشافعي حيث شرط لقبوله أحد أمور خمسة: ١ - أن يسنده غيره أو نفسه مرة أخرى كمراسيل سعيد بن المسيب حيث أوردها مسانيد قيل عليه، العمل بالمسند، واعتذر بأن مقصود جواز العمل به وإن لم يثبت عدالة رواة المسند أو أن العمل لا يحتاج إلى تعديلهم وفيه نظر لأن العمل بحديث المستور والمجهول غير جائز عنده وإن تعدد والظن الحاصل بانضمام الإرسال لا يربو عنده على الحاصل بانضمام إسناد آخر. ٢ - أن يرسل آخر وعلم أن شيوخهما مختلفة قبل عليه ضم الباطل إلى مثله لا يوجب القبول واعتذر بأن الظن رلما لا يحصل بأحدهما أو لا يقوى ويراد أن تعدده لا يربو على تعدد الإسناد إلى المستور أو المجهول عنده. ٣ - أن يعززه قول صحابي. ٤ - أن يعززه قول أكثر أهل العلم ولا شك أن انضمام هذين يقوى الظن لكن الكل في أن مثل هذا الظن كاف في الحجية عنده. ٥ - أن يعلم من حال الراوي أنه لا يرسل إلا بروايته عن عدل وهذا صحيح وموافق لمذهبنا لأن كلامنا في مثله وعند البعض لا يقبل مطلقًا وعند بعض المتأخرين إن كان الراوي من أئمة نقل الحديث قبل وإلا فلا فإن ما أرادوا بأئمته من لو أسند لقبل إذ هو عدل لا يروى إلا عن عدل فذلك مذهبنا وإلا فلا بد من تصويره. لنا أولًا عمل الصحابة به كأبي هريرة في قوله ﵇ "من أصبح جنبًا فلا صوم له حتى أسند بعد رد عائشة إلى الفضل بن عباس وكابن عباس ﵄ في أن لا ربا إلا في النسيئة حتى أسند بعد المعارضة بحديث ربا النقد إلى أسامة بن زيد وشاع أمثاله

стр. 615

ولم ينكر. وثانيًا: اتفاق الصحابة على قبول روايات ابن عباس ﵄ مع أنه لم يسمع منه ﵇ إلا أربع أحاديث كما ذكره الغزالي ﵀ أو بضعة عشر كما ذكره السرخسي ﵀ واعترض عليهما بأنه استدلال في غير محل النزاع إذ لاكلام في قبول مراسيل الصحابة لعدالتهم وجوابه أن وجوب عدالتهم مختلف فيه كما سيجيء وقبول مراسيلهم متفق عليه لكن بيننا وبين الشافعي لا بين الكل إذ منهم من يردها أيضًا، ذكره في جامع الأصول فهذا الاستدلال عليهم. وثالثًا: إرسال الثقة من التابعين كابن المسيب في الميدنة ومكحول من الشام وعطاء بن أبي رباح من مكة وسعيد بن أبي هلال من مصر والشعبي والنخعي من الكوفة، والحسن البصري من البصرة، حتى قال إذا اجتمع أربعة من الصحابة أرسلته وغيرهم ولم ينكر أحد فكان إجماعًا، حتى قال البعض رد المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين ولا يلزم عدم جواز تكفير المخالف أو تخطئته قطعًا لأن ذلك في الإجماع الضروري لا في الاستدلالي أو الظني. ورابعًا: لو لم يكن المروى عنه عدلا لكان جزمه بالإسناد الموهم لسماعه عن عدل تدليسًا، وهو بعيد من الثقة. وخامسًا: أن الكلام في إرسال من لو أسند إلى غير، لا يظن به الكذب فلان لا يظن به كذبه على الرسول وفيه زيادة الوعيد أولى ولذا قلنا بأنه فوق المسند ولأن المعتاد أن العدل إذا لم يتضح له طريق الاتصال رواه ليحمله ما تحمله وإذا وضح طواه غير أنه ضرب مزية يثبت بالاجتهاد فلم يجز نسخ الكتاب به بخلاف المتواتر والمشهور إذ مزيتهما لمعنى في نفسهما وهو قوة الاتصال. قيل: فيه بحث لأن العدالة التي هي شرط القبول معلومة في المسند بالتصريح وفي المرسل بالدلالة والصريح أقوى منها ولأن الراوي الثقة ربما يظن الواسطة عدلا فيطويها ولعله لا يظهر عند السامع كذلك فليزم التصريح كيلا يلزم التقليد والجواب عنه: ١ - أن المصرح به ذكر العدل لا عدالته فضلا عن قوتها والمفهوم من دلالة عادة الطى قوة العدالة فأين أحدهما عن الآخر. وعن: ٢ - أنه وارد فيما إذا عدله الراوي بصريح لفظه وليس مردودًا والاتباع لغلبة الظن بالصدق المخصوص ليس تقليدًا. وسادسًا: قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] إما إلزاميًّا فإن

стр. 616

عدم الشرط ملزوم عدم المشروط عند الخصم، وإما تحقيقيًّا؛ حيث يفيد صحة القبول عند عدم الفسق بالطريق الكلف وفيها المقصود، لهم. أولًا أن جهالة الصفة تمنع صحة الرواية فجهالة الذات والصفة أولى، قلنا الثقة لا يتهم بالفعلة عن صفات من سكت عن ذكره ولذا لو قال حدثني الثقة صحت روايته. وثانيًا: أنه لو قبل لقبل في عصرنا إذ لا تأثير للزمان، قلنا ملتزم في الثقة أولًا ثم الملازمة، لما للشهادة بالعدالة ثمة أو لجريان العادة بالإرسال بلا دراية أصحاب الرواية هنا. وثالثًا: لو جاز لم يكن في الإسناد فائدة فكان ذكره إجماعًا على العبث وهو ممتنع عادة، قلنا: لا نعلم اللزوم، فمن فوائده معرفة رتب النقلة للترجيح وكون القبول متفقًا عليه وكون الراوي متفقًا على عدالته. وأما مرسل من دون القرنين فقال مشايخنا منهم الكرخي يقبل من كل عدل لبعض ما ذكر وبعضهم منهم ابن أبان لا يقبل لأنه زمان فشو الفسق ولتغير عادة الإرسال إلا أن يروى الثقات مرسلة كما رووا مسنده كمراسيل محمَّد بن الحسن وأما المرسل من وجهه فبعض أهل الحديث رد الاتصال بالانقطاع ترجيحًا للجرح على التعديل وعامتهم على العكس وهو الصحيح لأن الساكت لا يعارض الناطق وربما يطلق أصحاب الحديث المنقطع على معان أخر: ١ - أن لا يسمع بعض الرواة ممن روى عنه. ٢ - أن يروى عن رجل ولا يسميه جهلًا به لكونه معروفًا. ٣ - أن يترك بين الراوين راو كما يطلقون المعضل على ما يرويه تبع التابع من الرسول ﵇، إذا لم يظهر اتصاله أصلا أو لا يرويه عن أحد كالموقوف، ثم يوجد متصلًا، والموقوف على قول الصحابي أو من دونه. المبحث الثاني: في الانقطاع بالمعارضة: أما ما خالف الكتاب فلأن اليقين لا يترك دمًا فيه شبهة سواء فيه الخاص والعام والنص والظاهر فلا يخص العام قبل التخصيص ولا يزاد على الخاص ولا يترك الظاهر بخبر الواحد عندنا خلافًا للشافعي ﵁ لأن المتن أصل ومتن الكتاب لا شبهة فيه كسنده فوجب ترجيحه قبل المصير إلى المعنى، ولقوله ﵇: "يكثر لكم

стр. 617

الأحاديث من بعدى" (١). الحديث، فإبطال اليقين بالشبهة فتح باب البدعةكما أن رد الخبر الذي هو حجة والعمل بالقياس أو استصحاب الحال الذي في طريقه أو حجيته شبهة فتح باب الجهل وله أمثلة: ١ - حديث فاطمة بنت قيس أن الرسول ﵇ لم يفرض لها نفقة ولا سكنى وقد طلقت ثلاثًا لمخالفته قوله تعالى: ﴿أَسْكنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآية، ففي السكنى ظاهر وفي النفقة لأن المعنى وأنفقوا من وجدكم لقراءة ابن مسعود كذلك والضمير للنساء المطلقة فبعمومها يتناول المبتوتة الحائل وفيها خلاف الشافعي رضى الله عنه وظاهر الكتاب أولى من نص الآحاد وإفراز أولات الحمل لدفع وهم سقوط النفقة عند طوله ولذا قال عمر ﵁ "لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا" (٢)، الأثر. والسنة ما قال سمعته ﵇ يقول للمطلقة الثلاث النفقة والمسكنى ما دامت في العدة وقيل مراده بالكتاب والسنة القياس الثابت بهما أي: على الحامل والرجعية. ٢ - حديث زيد بن ثابت في القضاء بشاهد ويمين، ففط المبسوط أنه بدعة وأول من قضى به معاوية ولذا رده زيد بن جابر وثابت أيضًا لمخالفته قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. فأولا لأن التفسير بعد الإيهام يراد به القصر استعمالا كما في "يشيب ابن آدم ... " الحديث فلا يرد منع الإجمال والقصر إذ المراد بالقصم الاستعمالي ما هو خارج عن الطرق المدونة والأئمة لا تتهم في النقليات. وثانيًا: لأن قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] على تقدير أن يكون ذلك إشارة إلى العدد المذكور للشاهد كما قال بعض المفسرين والأئمة لا تتهم يكون بمعنى الأقل ولا مزيد على الأقل وكون العدد أقسط إلى أعدل عند الله وأقوم على أدائها بالنسبة إلى الواحد ظاهر لأن التعدد عنده يتوجح الظن بالصدق ويتقوى الأداء بالتذاكر. وثالثها: أنه انتقل بعد الرجلين إلى غير المعهود وهو شهادة النساء فإنهن لخلقهن

стр. 618

لتمرار والستر يمنعن عن الحضور عن الحكم إلا للضرورة وذلك استقصاء في بيان أن ليس وراء الأمرين ما يصلح حجة كما انتقل في الآية الأخرى إلى شهادة الكفار حين كانت حجة بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وإلى يمين الشاهد بقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] مع إنه ليس ليشروع أصلا ويمين الخصم مشروع في الجملة كما في التحالف. ٣ - خبر المصراة لمخالفته قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية. ٤ - حديث مس الذكر فإنه كالبول عند الخصم فكَما لا مدحِ به لا يمدح بهذا وقد مدح به في قوله تعالى في أهل قباء المستنجين بالماء: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] قيل المدح من حيث التطهر لا المس وإن كان لازمه وأيضًا النقض بالمس بعد الطهارة لا مطلقًا فلا ينافيه مجح غير الناقض وجوابه أن ناقضية المس من حيث إنه مظنة ثوران الشهوة الداعية إلى إنزال ما يوجب الغسل أو الوضوء أو الغسل وإن قل عند القائل به والتطهر المشتمل على مظنة ما يوجب إعادته لا يناسب المدح به والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب فلا يدفعه كون سبب نزوله الغسل من الجظ بة وأما ما خالف السنة المشهورة فلأنها فوقه كحديث الشاهد واليمين لمخالفته قوله ﵇ البينة على المدعى واليمين على من أنكر إما لأن القسمة تنافى الشركة وإما لأن تعريف المتبدأ بلام الجنس يقتضي الحصر وكحديث سعد بن أبي وقاص أنه ﵇ سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم قال: فلا إذًا" (١). وقد تمسك به الصاحبان في فساده حيث اعتبرا المساواة في أعدل الأحوال وهو حال الجفاف. قلنا إن كان الرطب تمرًا كما يدل عليه قوله نهى عن بيع التمر حتى يزهى أي يحمر أو يصفر، وقول الشاعر: وتمر على رأس النخيل وماء ولذا لو أوصى بالرطب فيبس قبل الموت لا تبطل كما تبطل بالعنب فصار زبيبًا قبله ولو أسلم في تمر فقبض رطبًا أو بالعكس لم يكن استبدالا والمعتبر في المماثلة حال العقد لا حالة مفقودة يتوقع حدوثها فقد خالف قوله ﵇ "التمر بالتمر" (٢) الحديث.

стр. 619

والاختلاف في الصفة غير معتبر لقوله ﵇ "جيدها ورديها سواء" وكذا التفاوت إذا لم يرجع إلى القدر بخلاف المنتفخة بالقلي حيث لم يجز. قالا الرطب ليس بتمر كما في اليمين. قلنا بناؤها على العرف الطارىء وشأن اليمين أن تتقيد بوصف دعا إليها وإن لم يكن تمر فقد خالف قوله ﵇ إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم وأما ما شذ فيما بين الصحابة فيما عم به البلوى فلاستحالة أن يخفى عليهم ما يثبت به حكم الحادثة المشتهرة بينهم عادة فإذا لم ينقلوه ولم يتمسكوا به دل على زيادته وانقطاعه لمعارضة القبضة العقلية القائلة لو وجد لاشتهر وأدلة وجوب التبليغ عليهم ولذا لا يقبل شهادة الواحد من المصر إذا لم يعتل المطلع بخلاف ما إذا كان علة أو جاء من موضع آخر كحديث الجهر بالتسمية مع أنه معارض بأحاديث أقوى في الصحة وحديث مس الذكر والوضوء مماسته النار ومن حمل الجنازة ورفع اليدين قبل الركوع وبعده. وأما ما أعرض عنه الصحابة ﵃ فلأنهم الأصول في نقل الشريعة فإعراضهم عنه عند اختلافهم إلى الرأي دليل انقطاعه فقد عارض إجماعهم على ترك العمل به فيحمل على السهو أو النسخ أو بأول والمراد اتفاق غير ذلك الراوي كحديث الطلاق بالرجال فقد ذهب عمر وعثمان ورواية زيد وعائشة إلى اعتباره بالرجل وعلى وابن مسعود بالمرأة وابن عمر بمن رق منهما ولم يتمسكوا إلا بالرأي. وكقوله ﵇ "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كيلا يأكلها الصدقة أو الزكاة" فذهب على وابن عباس إلى عدم وجوبها في مال الصبي وابن عمر وعائشة إلى الوجوب وابن مسعود ﵁ إلى أن يعد الوصي السنين عليه فيخبره بعد البلوغ فيؤدى إن شاء ولم يحاجوا إلا بالرأي وهذان الانقطاعان قول عامة المتأخرين وبعض المتقدمين من أصحابنا خلافًا لبعضهم ولعامة الأصولين والمحدثين فالوظيفة في المسائل المذكورة فيهما أن يجاب لمعارضة أحاديث أخر أقوى في الصحة كما روى البخاري بإسناده عن أنس في عدم الجهر بالتسمية وغيره أو يطعن في الرواية كما أن الطلاق بالرجال موقوف على زيد رضى الله عنه مع أنه معارض بحديث عائشة ﵂ طلاق الأمة تطليقتان فتأويله انقطاع الطلاق إليهم وتأويل الصدقة في الحديث الآخر بالنفقة لإضافتها إلى جميع المال ولمعارضة أحاديث أخر فقد تسمى النفقة صدقة كما قال ﵇ نفقة الرجل على نفسه صدقة وينفقون مفسر بها والزكاة محمولة على زكاة الرأس وهو صدقة الفطر. للمخالفين فيهما أن الخبر حجة على الكل فإذا صح سنده لا يقدح شذوذه وترك

стр. 620

الصحابة العمل به فإنهم محجوجون به كغيرهم وفي الأول خاصة قبول الأمة له في تفاصيل الصلاة ونحوها وإن القياس مع أنه أضعف يقبل فالخبر أولى وفي الثاني خاصة إن ترك العمل يحتمل أن يكون لمعارض أو فقد شرط والجواب عن: ١ - إن الاستحالة العادية معارض عقلي راجح. وعن: ٢ - منع الشذوذ فيما تمسكوا به من نحونا قضية القصد والحجامة والقهقهة والتقاء الختانين وقبول القياس لأنه آخر الأدلة وعن: ٣ - إن ترك من يذهب إلى موجبه الاستدلال به لا يحتمل المعارض ولو سلم فالغرض استحقاقه أن لا يعمل به بأي وجه كان مع أنه لو كان لأظهروه وتمسكوا به عادة لا بالقياس على أن الأصل عدم مانع آخر بل هو بعيد والاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور فعدم عمل الشافعي بالانقطاع الباطن المعنوي كمخالفة الكتاب والحديث المشهور والشذوذ فيما عم به البلوى مع العمل بالانقطاع الصوري في المرسل وعكسنا دأبنا في اعتبارنا المعاني واعتباره الصور. المبحث الثاني: في الانقطاع لقصور في الناقل: وقد تقدم حكمه في الرواية والشهادة، أما في غيرهما فخبر الصبي والمعتوه أي المختلط العقل بلا زوال، قيل: كالعاقل البالغ لقبول أهل قباء خبر ابن عمر ﵄ بتحويل القبلة إلى الكعبة وهو صغير لأنه كان قبل بدر بشهرين وعرض على رسول الله ﷺ قبل بدر بيوم واحد وهو ابن أربعة عشر سنة فرده لصغره والمعتوه ملحق به وقيل كالفاسق يجب ضم التحري لقصور في عقلهما. والصحيح من مشايخنا أنهما كالكافر لا يقبل خبرهما في الديانات بحال وإن عقلا لأنه لا يلزمهما ولو قبل على غيرهما يكون ملزمًا ولا يصلح لأن الولاية المتعدية فرع القائمة ولا إلزام بما على أنفسهما لتوقف تصرفهما على رأى الولي ألا يرى أن الصحابة لم ينقلوا ما تحملوا في صغرهم إلا في كبرهم. والجواب عن حديث قباء أن اعتمادهم على رواية أنس ﵁ فقد روى أنه الذي أتاهم فيحمل على إتيانهما معًا ولو سلم فكان ابن عمر ﵄ ذا أربعة عشر سنة ويجوز البلوغ حينئذ ورده عن الحرب كان لضعفه وأما خبر المغفل الذي غلب على طبعه الغفلة فمثلهما لا يقبل لترجح السهو وكذا المساهل أي المجازف الذي لا يبالي بالسهو والتزوير ولا يشتغل بتداركهما فقد يكون العبادة ألزم من الخلقة لكن تهمة الغفلة بدون الغلبة ليست بشىء إذ قلما يخلو عامة البشر عن ضرب غفلة.

стр. 621

وأما خبر الفاسق في الديانات فالأصل الاحتياط فيه بضم التحري فإذا أخبر بنجاسة الماء إذا وقع صدقه في القلب تيمم قبل الإراقة والأحوط بعدها بخلاف الكافر والصبي والمعتوه حيث يتوضأ وإن وقع في قبله صدقهم مع أن الاحتياط بالتيمم بعد الإراقة أفضل وكذلك يجب أن يكون رواية الحديث أي لا يعمل بها وجوبًا لكن يستحب العمل إن كان الاحتياط فيه وقيل معناه أن الاستحباب حينئذ في العمل بقول الفاسق فوقه بقولهم (فالحاصل أن خبر الفاسق في الرواية هدر لرجحان كذبه ولا ضرورة إذ في عدول الرواة كثرة وفي نحو الحال والحرمة محكم الرأي لتعسر الحصول من العدول لخصوصه لكن لا مكان العمل بالأصل لم يكن ضرورته لازمة بخلاف خبره في الوكالات والهدايا ونحوهما مما لا إلزام فيه فثمة ضرورة لازمة في وجدان العدول فيقبل من كل مميز عدلا كان أو لا وصبيًا أو بالغًا مسلمًا أو كافرًا ولأن في نحو الحل والحرمة معنى الإلزام من وجه كما سيجىء بخلاف المعاملات. ثم خبر المستور في كتاب الاستحسان مثل الفاسق في الديانات وفي رواية الحسن مثل العدل بناء على القضاء بظاهر العدالة والصحيح الأول لغلبة الفسق في هذا الزمان وما كان شرطا لا يكتفي بوجوده ظاهرًا كما إذا قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال العبد لم أدخل فالقول للمولى. وليس في دعم قبول رواية الحديث بعد القرون الثلاثة هذا الخلاف احتياطًا في الرواية ونص شمس الأئمة عليه فيها وخبر صاحب الهوى مر حكمه والكافر علم ضمنًا والله أعلم. الفصل الرابع: في محل الخبر وهو الحادثة وهي إما حقوق الله تعالى فإما أن لا تندرئ بالشبهات نحو العبادة خالصة مقصودة كانت أو لا كالوضوء والأضحية وغالبة على العقوبة كما خلا كفارة الفطر من الكفارات أو على المؤنة كصدقة الفطر أو مغلوبة عنها كالعشر ومنه الحق القائم بنفسه كالخصر وإما أن تندرئ بها كالعقوبة خالصة وقاصرة وتابعة للمؤنة كالخراج وغالبة على العبادة ككفارة الفطر أو حقوق العباد. فإما ما فيه الزام أو ليس فيه من كل وجه أو فيه من وجه دون آخر فهذه خمسة أقسام، وإنما لم يقسم حقوق الله باعتبار الإلزام لأن اللزوم فيها بالتزام الإِسلام لا بإلزام المخبر ولذا يجب على سامع الخبر حكمه من غير قضاء والشهادة فيها لمحض الاظهار أو من حيث تضمنها لحق العباد.

стр. 622

أما الأول من حقوق الله تعالى: بأصنافه الخمسة فخبر الواحد حجة رواية بشرائطه السابقة في ابتدائها وبقائها، قيل في بقائها فقط لأنه أسهل وقيل لا بد من العدلين كالشهادة قلنا: الأدلة المذكورة لا تفصل والقياس على الشهادة في اشتراط شيء من شرائطها لا يصح لضيق بابها وكذا شهادة كالشهادة بهلال رمضان مع علة المساء يقبل الواحد العدل رجلا وامرأة حرًا وعبدًا لأنه أمر ديني كالرواية، ولذا لم يشترط لفظة الشهادة وقبل عن المحدود في القذف في ظاهر الرواية، ويروى لا يقبل لأنه شهادة إذ لا يجب العمل به إلا بعد القضاء واشترط مجلسه والعدالة وكذا في سائر الديانات. أما خبر الصبي والمعتوه والكافر فلا يقبل فيها أصلا وإخبار الفاسق والمستور رواية لا تقبل وديانة تقبل بشرط انضمام المتحرى للضرورة هنا وكمرة عدول الرواة. وأما الثاني منها: بإضافة الثلاثة كالقصاص والحدود وحرمان الميراث وكفارة الفطر عندنا فتقبل فيما روى عن أبي يوسف واختاره الجصاص لأن الأدلة لا تفصل ولدلالة الإجماع على العمل بالبينة وأنها خبر الواحد وبدلالة النص الذي فيه شبهة كالرجم في حق غير ماعز وغيره مع أن مواضع الشبهات مخصوصة والعلم المخصوص دون خبر الواحد إذ يعارضه القياس لا إياه وهو قول الكرخي لا يقبل جمعًا بين تلك الأدله والدارئة لشبهة فيه كما في القياس وقبول البينة إما بالإجماع أو بالنص القطعي الوارد على خلاف القياس نحو: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] فمحل الخلاف عليه لا يقاس ولأن الشهادة ق حقوق الله تعالى مَظهرة وخبر الواحد مثبت ولأن البينة لإثبات سببها وهو الفعل لا نفسها ولأنها لو لم يعمل فمِها لانسد بابها إذ الإقرار نادر والتواتر أندر بخلاف خبر الواحد لأن أكثر أنواعها ثابت بالكتاب والكلام ق مثل حد الشرب الغير الثابت به أما الفرق بان لها شرائط كثيرة ففيه ما فيه وخبر الواحد إذا كان ظني الدلالة يكون كالعام المخصوص يعارضه القياس بالأولى مع أن المعارضة في الحقيقة للنص المخصص الذي يظهر القياس عموم حكمه. قيل: والأصح عند الإِمام هو الأول لأنها أحكام عملية لا علمية وقد تمسك في قتل مسلم بذمي بالمرسل وفي قتل جماعة بواحد بأثر عمر ﵁ وهما دون المسند وإنما لم يعمل بالرأي لأن الحدود مقدرة مكيفة لا مدخل للرأي ق معرفتهما ولكلام صاحب الشرع أن يثبتهما والقصاص أعظم ولأن الشبهة في نفسه لا في طريق ثبوته المقنن فلذا لم يعمل ق اللواطة بالرأي ولا بخبرها لغرابته وعملا بالدلالة ولا شك أن الخبر القطعي الدلالة أعلى من العام المخصوص ولا قائل بالتفصيل.

стр. 623

وأما حقوق العباد فرواية الواحد في أقسامها الثلاثة مقبولة مع شرائطها وغير الرواية ففي الأول كالبياعات والأملاك وغيرهما لا يقبل لكونه إلزامًا إلا بالولاية فإنها تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى فلا تقبل من نحو العبد والصبي والكافر ولكونه مظنة التزوير والتلبيس إلا بالعدالة وسائر الشرائط الرافعة إياهما وبلفظة الشهادة لأنها أبلغ في إفادة العلم لأنها من المشاهدة المعاينة كما قال على ﵁ إذا علمت مثل الشمس فأشهد وإلا فدع وبالعدد عند الإمكان لأن الطمأنينة معه أظهر ولأن الترجيح على البراءة الأصلية به. وفيه بحث سيجيء بخلاف حقوق الله تعالى فإن ظهور الصديق كاف لعدم المنازع ولأن لزومها بالتزام الإِسلام لا بإلزام المخبر ولأن الغالب فيها عدم تهمة الحيلة والتزوير ولهذه المعاني لم يحتج إلى القضاء بعد الإخبار أما إذا لم يمكن العدد فلا يشترط كشهادة المرأة بالولادة والبكارة وسائر ما لا يطلع عليه الرجال، قال مالك ﵀ الشهادة بالرضاع في المملوكة يمينًا أو متعةً تقبل من المرأة الواحدة الثقة (١) لأن الحرمة أمر ديني كمن اشترى لحمًا فأخبره عدلٌ أنه ذبيحة المجوس قلنا فيها إلزام إبطال الملك الذي هو حق العبد مقصودًا وإن لزمه الحرمة كالعتق والطلاق والإخبار بحرية الأمة لأن الحل والحرمة في البضع يستلزمان الملك وعدمه لا ينفكان عنه ولذا يؤثر فيهما الإباحة من مالك الأمة ونفس الحرة بخلافهما في الطعام والشراب فإنهما مقصودان برأسهما فيهما حيث ينفكان عنهما فاعتبر أمرًا دينيًّا فالحل بدون الملك في الإباحة وعكسه في العصير المتخمر واللحم المذكور حتى لا يملك الرجوع على بايعه فالشهادة بهما لا يتضمن الشهادة بالملك وإبطاله. وأيضًا فيها إبطال استحقاق الوطئ للولي أو الزوج على الأمة والمنكوحة حيث كان يلزمهما الانقياد بما وليس في حل الطعام وحرمته استحقاق حق لشخص على آخر والحق أن فيه تفصيلا وهو أن الاحتياج إلى التأكيد في الشهادة بالدافع وهو القاطع المقارن كما بفساد أصل النكاح لارتداد أحدهما أو الرضاع حالة إذن إما بالرافع وهو القاطع الطارىء كما بارتضاع المنكوحة الصغيرة من أم الزوج أو زوجته إذا أراد الزوج نكاح أختها أو أربع سواها أو المرأة نكاح زوج آخر فيجوز أن يقبل فيها الواحد والفرق أن ظاهر الإقدام على العقد دليل الصحة فيعارض الواحد في الأول ولا معارضة في الثاني أو أن الثاني موضع مسالمة والخبر مجوز غير ملزم كما في الخبر بموت الزوجة أو الزوج أو

стр. 624

طلاقه بخلاف الأول ولكون الشهادة بأن اللحم ذبيحة المجوس من الأول لم يقبل في حق إبطال الملك حتى لم يرجع على بايعه إلا لعدلين وإن قيل في الحرمة لانفكاكها وعلى هذا تدور المسائل وفيه عمل بشبهى إبطال الملك ولثبات الحرمة. ومن هذا الشهادة بالفطر إذ ينتفعون بها ويلزمهم الكف عن الصوم فيشترط العدد وكذا تزكية السر ورسول القاضي والمترجم عند محمَّد ﵀ اعتبارًا بالشهادة حتى شرط أربعة في تزكية الزنا ولذا يشترط إجماعًا سائر الشروط سوى لفظتها حتى المذكورة في مزكى الحدود. ولهما أنها ليست كالشهادة ولذا لا يشترط لفظتها ومجلس القضاء فلا يشترط أهلية الشهادة والعدد ولأنه أمر تعبدي لا يتعداهما. وهذا أولى مما يقال أنه معقول من حيث إنه لترجيح الواحد على البراءة الأصلية لأن الاثنين يكفى وإن عارضهما ألف أصل ويوضحه عدد شهود الزنا لما في العلانية فيشترط الأهلية والعدد إجماعًا على ما قاله الخصاف ﵀ لأنها في معنى الشهادة حتى يقبل تزكية السر من الأب أو الابن أو أحد الزوجين والمولى أو الشريك أو غيرها دونها. وفي القسم الثاني كالوكالة والمضاربة والرسالة في الهدايا والودائع والعوارى والإذن في التجارة يقبل خبر كل مميز ولو كان صبيًّا أو كافرًا ووقوع صدقهما في القلب شرط الاستحباب ولذا أطلقه محمَّد ﵀ في الجامع الصغير وفيه روايتان وذلك لأمرين عموم الضرورة الداعية وعدم الإلزام ومن لوازمه أن يكون خانة مسالمة لا منازعة فليس أمرًا ثالثًا بخلاف الديانات التي هى حقوق الله تعالى فإن فيها إلزامًا من جهة لزوم الإقدام والإحجام وعدمه من جهة عدم الجبر فلهذا شرط فيها أحد شريها وهو العدالة وإن لم يشترط العدد ولم يعكس للديانة فالأصل تقرر على قبول الواحد أو أن المسالمة وعدمه زمان المنازعة. ومن فروعه: غصبه فلان فأخذته لا يقبل وفرده على تقبل وما مر من الخبر بالرضاع الطارى وكذا بالموت من الطرفين أو الطلاق من الزوج الغائب إذا أراد الزوج نكاح أختها أو أربع سواها أو المرأة نكاح زوج آخر بعد العدة إذ ليس فيها معنى المنازعة كما مر وهو مجوز لا ملزم بخلافه بالمقارن. وجعل فخر الإِسلام الشهادة بهلال رمضان منه باعتبار أن الملزم النص لا هى أولى منه جعل شمس الأئمة من أول قسمى حقوق الله تعالى لأنه أمر ديني ولذا الأشترط فيها الإِسلام والتكليف والعدالة إجماعًا بخلاف ما نحن فيه.

стр. 625

وفي القسم الثالث: كالخبر بعزل الموكل وحجر المولى وفسخ الشركة والمضاربة حيث يبطل عملهم بعده مطلقًا أو للموكل وإن تصرفوا في حق أنفسهم وإنكاح البكر البالغة حيث يلزمها النكاح لو سكتت وإن كان لها فسخه وبيع الدار المشفوعة للشفيع حيث يلزمه الكف عن الطلب لو سكتت وإن كان له الطلب قبله وجناية العبد للمولى فأعتقه حيث يلزمه الأرش لا لو لم يعتق إن كان المبلغ رسولًا أو وكيلا ممن إليه الإبلاغ كالموكل والمولى والأب والجد والأمير والقاضي يقبل خبر الواحد الغير العدل وإن كان فضوليًّا يشترط أحد شطريها أما العدد أو العدالة بعد وجود سائر الشرائط وإن لم يصرح به الأصل. وقال بعض مشايخنا يشترط العدالة في المثنى أيضًا عنده والأصح هو الأول والفرق أن الرسول والوكيل يقومان مقام الأصل وإن تطرق التزوير فيهما قليل بخلاف الفضولي فيهما فلا بد من تأكيد الحجة بأحد شطريها عملا بشبهى الإلزام وعدمه عند أبى حنيفة ﵁ وقالا هي كالقسم الثاني لأنها من باب المعاملات والضرورة مشتركة قلنا فيه إلقاء شبهة الإلزام. ومنه الإخبار بالشرائع للمسلم الذي لم يهاجر. أما عنده فلأنه من حيث ثبوت الشرائع به في حقه ملزم ومن حيث أن اللزوم بالتزام الإِسلام ليس به. وأما عندهما فلتحقق الضرورة إذ لا يكاد يقع انتقال العدول من دارنا إلى دارهم وهذه الضرورة هي الموجبة لإلحاقه بالمعاملات وإن كانت من الديانات. وقال شمس الأئمة ﵀: الأصح عند لزوم الشرائع إياه بخر الفاسق الواحد لأنه ليس بفضولي بل رسول الرسول لقوله ﵇ "ألا فليبلغ الشاهد الغائب" (١) وساع في إسقاط ما لزمه من التبليغ فهو كرسول المولى. وعد فخر الإِسلام تزكية السر على قول غير محمَّد منه في سقوط شرط العدد لا العدالة وكذا رسول القاضي والمترجم أولى منه عده شمس الأئمة من أول حقوق الله تعالى لأن وجوب القضاء على القاضي من حقوق الشرع. الفصل الخامس: في وظائف السمع وهي ثلاثة: السماع والضبط والتبليغ. ولكل منها عزيمة ورخصة.

стр. 626

القسم الأول: السماع وله ست طرق، أربع عزايم فيها استماع حقيقة أو حكمًا ورخصتان ليس فيهما ذلك والأربع اثنتان منها نهاية العزيمة والأخريان خليفتاهما لشبههما بالرخصة. أ- قراءة الشيخ عليه في معرض الأخبار، وعبارتها المختارة حدثني ويجوز أخبرني وأنبأني ونبأني عند انفراده وعند انضمامه بصيغة الجمع أولى والكل إذا قصد الشيخ إسماعهم وإلا قال: قال وحدث وأخبر وسمعته يقول. ب- قرأته على الشيخ من كتاب أو حفظ وهو يقول نعم أو يسكت إذ لم يكن ثمة مخيلة إكراه أو غفلة أو غيرهما من المقدرات المانعة للإنكار فسكوته تقرير خلافًا لبعض الظاهرية. لنا أنه يفهم منه عرفًا تصديقه وإن فيه إيهام الصحة فينفذ من العدل عند عدمها وعبارتها كالأولى وقيل يقيد بقوله قراءة عليه لئلا يكذب. قال الحاكم القراءة إخبار ويروى ذلك عن الأئمة الأربعة وفي حكمها قراءة غير على الشيخ بحضوره وقيل يقيد بقوله سماعًا يقرأ عليه لكنها نازلة من حيث أن السامع ربما يغفل واصطلح ابن وهب على تخصيص التحديث بالأولى وأخبرني بقراءته وأخبرنا بقراءة غيره. قال المحدثون الأولى أولى وهو مذهب الشافعية لأنه طريق الرسول ﵊ والصحابة ﵃ والذي يفهم من مطلق الحديث والمشافهة وأبعد عن السهو والغلط. وعند أبى حنيفة ﵁ الثانية أولى لأن رعاية الطالب لكونه أمر نفسه أشد عادة وطبيعة قالا من عن الغلط أكثر ولأن المحافظة عن قراءة التلميذ من الطرفين وعند قراءة الشيخ منه فقط ولأنه لا مصحح لغلظ الشيخ لو وقع وهو لغلظ التلميذ مصحح ولأن الغفلة مما تعرض للسامع كثيرًا فغفلته عن بعض ما قرأه الشيخ أمكن من تركه بعض ما يقرأ أما الرسول ﵇ فكان مأمونًا عن السهو بل الصحبة أيضًا ببركة صحبته ويقرأ من المحفوظ، وكلامنا فيمن يجري عليه ويقرأ من المكتوب حتى لو قرأ من المحفوظ كالصحابة كان الأولى أولى والمشافهة مشتركة لغة لأن التصديق تقرير لما سبق والمختصر مثل المشبع. ج- الكتابة على رسم الكتب بالختم والعنوان وذكر الأسانيد فالبسملة فالثناء فقوله إذا بلغك كتابي هذا وفهمته فحدث به عني بهذا الإسناد وهي مقبولة لأن الرسول يرى

стр. 627

الكتاب حجة وكتاب الله أصل الدين وعبارتها في المختار، أخبرنا وما في معناه لا حدثنا وكلمنا كما يقول أخبرنا الله تعالى لا كلمنا الله تعالى ذلك لموسى ﵇ وقلنا لا يحنث في لا يحدث ولا يكلم بالكتابة وهذا بالرسالة بخلاف لا يخبر وفي الزيادات إن كلمت أو حدثت يقع على المشافهة. د- الرسالة بما ذكر في الكتابة وأثر تبليغ الرسول كان بالإرسال والصحيح أن جل الرواية بهما بعد ثبوتهما بالبينة وعند المحدثين معرفة خط الكاتب أو غلبة ظن الصدق كافية وعبارتها كما قبلها. وأما الرخصتان فالإجازة وهي أن يقول مشافهة أو رسالة أو كناية حدثني فلان بن فلان بما في هذا الكتاب على ما فهمته بأسانيده هذه فأجزت لك الحديث به أو بما صح عندك أنه من مسموعاتي فإن كان المجاز له عالمًا بما فيه وكان مأمونًا بالضبط والفهم صحت اتفاقًا وإلا فلا عند أبى حنيفة ومحمد وأبى بكر الرازي ومن تبعهم خلافًا لأكثر أئمة الحديث والفقهاء كما في كتاب القاضي إلى القاضي فقد جوزه أبو يوسف بلا علم الشهود لأن ذلك لضرورة دفع احتمال الغدر من الشهود لكونه من باب الإسرار عادة ولذا لم يجوز في الصكوك فيحتمل عنده أن لا يجوز في الرواية لعدم اشتمالها على السر وأن يجوز لضرورة حصول التبليغ تداركًا لما ظهر في أمر الدين من التواني بشرط أن يأمن التغيير حتى لم يجوز والإشارة إلى غير المسموعة بعينها من نسخ البخاري مثلا إلا أن يعلم اتفاقهما من كل وجه والأصح الأحوط قولهما وإن أبا يوسف معهما في الرواية لأنها أصل الدين القويم وخطبها جسيم وفي جواز الإجارة من غير علم حسم للمجاهدة وفتح للتقصير فلا يؤمن من الخلل ولذا شرط علم المجيز اتفاقًا قالوا أولا لم يزل العلماء يتداولون الإجازة من غير علم. قلنا: للتبرك كسماع الصبي الذي ليس من أهل التحمل. وثانيًا: يجوز في القرآن الذي هو أعظم، قلنا: محفوظ عن التبديل. وثالثًا: أنه ﵇ كان يرسل كتبه بمن لا يعلم ما فيها ليعمل من يراها بموجبها لا لمجرد التبرك قلنا لعل ذلك يصان ببركته فلا يصح القياس لا سيما في زمان فشو الكتب ومشاهدة التزوير ومنه يعلم أن الإجازة لجميع أمة الموجودين لا لقوم معينين بعيد الصحة والمعدوم كما لمن يولد في بني فلان ما تناسلوا والمعلقة كأجزت لفلان إن شاء أو لمن شاء أو لمن شئت رواية حديثي مخاطبًا أبعد لعدم تعين المتحمل فلذا خالف في كل منها الموافق لما قبله والحق أن الأجدر بالاحتياط ورعاية خطر الحديث هو مذهب مشايخنا

стр. 628

ظاهر أن العدل لا يروى إلا بعد العلم بعدالته وروايته هو الثاني فإن علم الشيخ باستحقاق الرواية أوثق من علم الراوي بنفسه لأن الغالب في جبلة النفوس استحسان نفسها لا ظن السوء بها وعبارتها المستحبة أجازني ويجوز أخبرني وقيل وحدثني إجازة وقيل ومطلقًا وهما رخصتان والأصح أن ذلك في الإجازة مشافهة إما بالكلية أو الرسالة فلا يستعمل التحدث ويجوز أنبأني بالاتفاق لأنه إنباء عرفًا ولغة كما أنه إخبار لغة كما قال: زعم الغراب منبئ الأنباء وأعلاها المشافهة ثم الرسالة لأنها ناطقة بخلاف الكتابة. والثاني: المناولة ويسمى العرض وفسرها الأصوليون بأن يناوله الشيخ كتاب سماعه أو آخر مصححًا ويقول حدث به عني وبدونه لا تكفى فيغنى عنها ذلك القول غير أنها توكده ولذا هي أعلى من الإجازة المفردة وأحوط لأنها إجازة محصورة ما هي معلومة بل قيل أوفي من السماع والمحدثون إن تناول المستفيد جزءًا من حديثه ليتأمل الشيخ فإذا عرف ذلك قال له إنه روايتي عن شيوخي فحدث به عني والكلام فيها خلافًا واستدلالا وإن مشايخنا يشترط العلم وعبارة عنها مقيدة بالمناولة أو العرض كما في الإجازة بعينه وعلى الشيخ أن يشترط فيهما البراءة من الغلط والتصحيف والتزام شروط الرواية ليخرج عن العهدة ذكره المحدثون وبذلك يعلم أن القول ما قالت حذام. لأن اشتراط عدم التغيير بمن يستحقه بالعلم ما فيه. القسم الثاني: الضبط: وعزيمته الحفظ من السماع إلى الأداء وهو فضيلة الرسول ﵇ لقوة نور قلبه والصحابة ببركة صحبته ورخصته الكتابة حيث صارت سنة مرضية وانقلبت عزيمة صيانة للعلم. وهي نوعان: مذكثرة للحادثة وهو المنقلب عزيمة وإمام لا يفيد تذكره. وكل منهما إما بخطه أو بخط ثقة معروف موثقًا بيده أو يد أمينة وإما بهما موثقًا بيد ثقة وإما غير موثق وإما بخط مجهول وكل من الثمانية إما أن يعتبر في الرواية أو ديوان القاضي أو الصكوك فهذه أربعة وعشرون. فالمذكر بأقسامه الاثنى عشر مقبول اتفاقًا ولا يشترط عدم لخلل النسيان اتفاقًا إذ منه الإنسان. والإمام لا يقبله الإِمام مطلقًا لأن غير المتذكر من الخط كالأعمى من المراعاة والعزيمة قوله وإنه أمارة إتقانه مع أنه كان في الحديث أعلم أهل زمانه. وأبو يوسف يقبل أو الأربعة في المحال الثلاث. وثانيها أيضًا في باب الرواية دون

стр. 629

القضاء لغلبة التزوير فيه وعدم التبديل فيها عادة لا ثالثها وهو الغالب في الصكوك لأنها في يد الخصم غالبًا حتى قيل لو كان في يد الشاهد يقبل ففي أمن القاضي بالأولى. ومحمد يقبل غير الرابع ولو في الصكوك إذا علم الخط بلا شبهة لحصول غلبة الظن بناء على أن الخطوط كالأعيان في خلقها متفاوتة لإظهاره القدرة عليهما والتشابه نادر لا حكم له وأما الرابع المجهول فلا يقبل إمامًا إلا إذا كان مضمومًا بجماعة من المجاز لهم أو بخطورو مجهولة لا يتوهم التزوير في مثلها ونسبتهم بأمة لا بجماعة من الأحاديث المسموعة المشتبه بينها فإنه لو لم يسمع حديثًا من البخاري مثلا واشتبه فيه لم يجز رواية حديث منه لأن كلا يجوز ان يكونه. قال شمس الأئمة وإنما يقبل المستثنى في الرواية لا القضاء والشهادة لاعتبار مزيد الاستقصاء في المظالم ومنصوصية اشتراط العلم كتابًا وسنة بقى ما لم يسمعه ووجده بخط أبيه أوثقه في كتاب معروف أو قال شيخه هذا خطى وذلك يقبل منه ثمنه لم يسلطه على الرواية بقوله أو حاله كالجلوس للرواية أو قال عدل هذه نسخة صحيحة لصحيح البخاري فليس له الرواية بل يقول وجدت بخط فلان أو قال فلان هكذا وهل يعمل به فالمقلد لا يقول بل يسأل المجتهد وهذا المجتهد في الأصح ما لم يسمعه وإن علم صحة النسخة بقول عدل. القسم الثالث: التبليغ: فعزيمة النقل باللفظ ورخصته النقل بالمعنى من أولوية الأول إجماعًا ومنعه ابن سيرين وأبو بكر الرازي وبعض أئمة الحديث والجمهور يجوزونه وتشديد مالك ﵀ في عدم تبديل باء القسم بتائه وعكسه محمول على المبالغة في أولوية رعاية الصورة. لنا اختلاف ألفاظ الرواة في نقل واقعة واحدة والظاهر أنه ﵇ قاله مرة وشاع ولم ينكر واتفاق الصحابة على نحو أمرنا ونهانا وقول ابن مسعود ﵁ قال ﵇ كذا أو نحوه أو قريبًا منه والإجماع على جواز تفسيره بالعجمية فبالعربية أولى والقطع بأن المقصود في التخاطب المعنى. قالوا أولًا قال ﵇: "نضر الله امرأ" (١) الحديث قلنا دعا لمن اختار الأولى ولا

стр. 630

منع ولئن سلم الأداء كما سمع متحقق في مراعى المعنى كما فق الشاهد والمترجم وإن بدلا لفظه. وثانيًا: أنه يؤدي عند تعاقب النقول إلى اختلال كثير وإن كان التغيير في كل مرة أدنى شيء قلنا النزاع في العارف بمواقع الألفاظ المغير أصلًا. وإذا قال مشايخنا الألفاظ خمسة أقسام والجواز في اثنين: ١ - ماكان محكمًا أي متضح المعنى غير محتمل وجوهًا لا ما لا يحتمل النسخ يجوز لأهل اللسان مطلقًا كما قال- ﵇ "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (١) ظاهرًا كعلم يحتمل الخصوص وحقيقة يحتمل المجاز يجوز لمن حوى إلى علم اللغة فقه البشرية لا لغيره إذ لعل المحتمل هو المراد لا موجبه فينقله إلى ما لا يحتمله بمن بدل قوله ﵇ "من بدل دينه فاقتلوه" إلى كل من بدل وقد خص الأنثى والصغير منه وقوله: "لا وضوء لمن لم يسم الله" إلى لا يجوز وضوعه مع أن الفضيلة والباقية لا رخصة فيها فماكان مشكلا أو مشتركًا فإذ ليس تأويله حجة على غيره وماكان مجملا ومتشابهًا إذ لا يمكن تفسيرهما من الراوي وماكان من جوامع الكلم وفيه خلاف البعض إذ لا يؤمن الغلط فيه لإحاطتها لمعان يقصر عنها الألباب نحو الخراج بالضمان والغنم بإزاء الغرم والعجماء جبار ولا ضرر ولا إضرار في الإِسلام والبينة على المدعى واليمين على من أنكر ومن قال يجوز إلا بلفظ مرادف لا لجوز إلا القسم الأول. تتمتان: إحديهما في استيفاء الرواة وجموعها في ستة أقسام: متفق على وجوب قوله نحو سمعته وحدثني وأخبرني وشافهني إذ لا احتمال فيه. ٢ - قول الصحابي قال رسول الله ﷺ وكذا قول غيره قال الشيخ ظاهره السماع منه فيقبل وقال القاضي يحتمل الواسطة فيبتنى قوله على عدالته إذ العدل لا يروى إلا عن عدل فإن قيل بعدالة جميع الصحابة تقبل منهم. له أن الواحد منا يقول قال الرسول وقد قال ابن عباس قال ﵇ إنما الربا في النسيئة فلما رجع فيه قال سمعته من أسامة بن زيد (قلنا قرينة حال من لم يعاصر المروى عنه تدل على أنه لم يسمع في المطلق فضلا عن الصحابي المعاصر والوقوع على الندرة لا ينافى في الظهر سمعته أمر بكذا ونهى عن كذا فالأكثر على أنه حجة لأن العدل لا يجزم إذا علمه خلافًا لبعض الظاهرية قالوا فيه ثلاث احتمالات الواسطة في الظهور كما في قوله وأن يرى ما ليس يأمر أمرًا كالصيغة والفعل

стр. 631

واللازم من النهى الخاص إلا أن يثبت أن أمره للواحد أمر للجماعة. قلنا الاحتمالات البعيدة الظهور لا سيما إذا علم من عادة الصحابة وسائر العدول أنه لا يطلقونه إلا في أمر الأمةكما لا يجزمون إلا مع العلم. ٤ - صيغة ما لم بسم فاعله هو نحو أمرنا ونهينا وأوجب وحرم وغيرها فالأكثر على أنه حجة لظهوره في أن النبي ﷺ هو الأمر والناهي كالمختص بملك قالوا فيه الاحتمالات الثلاث ورابع من حيث الفاعل المطوي وخامس من حيث ظنه المستنبط مأمورًا به لكونه واجب العمل وقال بعضهم بالتفصيل فأمرنا من أبى بكر ﵁ حجة إذ لم يتأمر عليه غير الرسول ﵇ ومن غيره لا لما ذكر إنما نحو أوجب وحظر وأبيح فحجة مطلقًا إذ لا يقال أوجب الإِمام إلا مجازًا ولا يخفى أن الاحتمالات في التابعي أكثر. قلنا العدل لا يطلق إلا وهو يريد من يجب طاعته والاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور. ٥ - السنة أو من السنة كذا مطلقها طريقة النبي ﵇ عند الشافعية حيث ساوى المرأة والرجل فيما دون النفس إلى ثلث الدية عنده ونصف ديتها في الثلث وما فوقه فأوجب في ثلاث أصابع ثلاثين إبلا وفي الأربع عشرين بقول سعيد بن المسيب أنه السنة إذ مراسيله مقبولة عنده ولا يقتل الحر بالعبد عنده لقول ابن عمر وابن الزبير من السنة قلنا فيه الاحتمالات الخمسة وشهرة إطلاق السنة على الطريقة المرضية مطلقًا كسنة العمرين وسنة الصحابة والتابعين والشهرة قادحة في الظهور فينفى الاحتجاج كيف وكبار الصحابة مثل عمر وعلى ﵄ أفتوا بتنصف دية المرأة في النفس وما دونها مطلقًا وتأثير قطع الرابعة في إسقاط عشر من الإبل غير معقول وفي الثانية عموم النص مثل النفس بالنفس يشمله وقوله الحر بالحر والعبد بالعبد تخصيص بالذكر فلا ينفى ولذا يقتل العبد بالحر إجماعًا وكونه تفاوتًا إلى نقصان لا يؤثر في تغيير المنصوص لو كان (وما ينبئ عنه القصاص ليس المساواة من كل وجه إجماعًا إذ لولاها لم يتحقق إتلاف ما وهي بالدين أو الدار ويستوي الحر بالعبد فيهما والقضاء بالرجم جزاء على الجريمة فلا يمنعه وجود العصمة وأما أن الرق أثر الكفر فيتسبب لشبهة الإباحة فيبطله جريان القصاص بين العبدين. ٦ - كنا نفعل أو كانوا يفعلون فإن ضم إلى ذلك سماع الرسول ﵇ وعدم إنكاره فلا كلام نحو قول ابن عمر كنا نفاضل على عهد رسول الله ﵇ فنقول خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فبلغ ذلك رسول الله فلا ينكره وإلا

стр. 632

كقول عائشة ﵂ كانوا لا يقطعون أي اليد في الشيء التافه أي الحقير فالأكثر على أنه حجة مطلقًا لأنه ظاهر في الجميع وأنه عمل الجماعة وأنه حجة وقيل لو قاله التابعي لا يدل على فعل الجميع والظاهر دلالته أما عليه أو على فعل البعض وسكوت الباقي مع عدم الإنكار قالوا فلا يسوغ المخالفة لأنه إجماع قلنا لا نعلم فإن ذلك فيما كان قطعيًا إذا لم يتعلق المحذوف بالمذكور تعلقًا بغير المعنى كشرط العبادة وركنها وكالغاية في لا تباع النخلة حتى تزهى والاستثناء في لا يباع مطعوم بمضعوم إلا سواء بسواء وشرط المحدثون أن تذكره مرة بتمامه كيلا يتطرق إليه سوء الظن بتهمة التحريف والتلبيس. ٧ - في انفراد الثقة بالزيادة لفظًا كانت أو معنى كرواية أنه ﵇ دخل البيت أو دخل وصلى فإن اتحد مجلس السماع فإن كان كثرة الرواة الآخر بحيث لا يتصور غفلتهم عن مثلها لم تقبل وإلا فالجمهور على القبول وعن أحمد روايتان لنا أنه عدل جازم فيقبل كانفراده بحديث وعدم إقدامه على الكذب هو الظاهر فعلى الرسول أظهر لا سيما وقد بلغه الوعيد به وغيره من الرواة ساكت وغير جازم بالنفي لاحتمال الحضور أو الذهاب في أثناء المجلس أو النسيان أو الشاغل عن السماع قالوا نسبة الوهم إليه أولى لوحدته. قلنا: جزم العدل بسماعه ما لم يسمع مع وحدته أبعد بكثير عن ذهول الإنسان عما جرى بحضوره مع كثرتهم. وإن تعدد المجلس أو جهل حاله وحده وتعددا يقبل اتفاقًا. ومثله اختلافًا ودليلا كون الزيادة والنقص من واحد مرتين وإسناد عدل مع إرسال الباقين أو رفعه مع وقفهم أو وصله بأن لم يترك راويًا في البين مع قطعهم. ٣ - في الإدراج وهو أن يضيف الراوي إلى الحديث شيئًا من قوله بحيث لا يميزه عن قول الرسول فإن ثبت أنه ليس قول الرسول لا يقبل قبول الحديث وإلا فالظاهر من الثقة لا يدرج فإذا روى من الصحابة مرة لا تمييزه عن قول الرسول وأخرى بتمييزه فالحق أن يعمل بهما بأن يجعل من قول الرسول ويحمل الأخرى على ظن الراوي كذلك أو تكرار قول الرسول من عنده إذ العمل بهما أولى من إهمال أحدهما وذلك الحمل أولى من نسبة التلبيس إلى الصحابة ﵃ ولذا جعلنا قوله إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلواتك من حديث التشهد لا من قول ابن مسعود ﵄. الفصل السادس: في الطعن وفيه مباحث: الأولى في تقسيمه هو، إما من المروى عنه أو من غيره وكل منهما

стр. 633

سبعة أقسام: أما الأول فلأن إنكاره إما بالقول أو بالفعل والأول إما بالنفى الجازم أو المتردد وبالتأويل وما بالفعل إما بالعمل بخلافه قبل الرواية أو بعدها أو مجهول التاريخ أو بالامتناع عن العمل بموجبه. وأما الثاني: فلأنه إما من الصحابة فيما يحتمل الخفاء على الطاعن أو لا يحتمله، وإما من سائر أئمة الحديث فالطعن مبهم أو مفسر بما لا يصلح جرحًا أو يصلح لكن مجتهدًا فيه أو متفقًا عليه لكن ممن يوصف بالإتقان والنصيحة أو بالمعصية والعداوة. الثاني: في أحكام أقسام الأول أما الجازم فيسقط العمل اتفاقًا في الأصح لكذب أحدهما قطعًا ولعدم تعينه لا يسقط عدالتهما المتيقنة بالشك كبينتين متعارضتين فيقبل رواية كل منهما في غير ذلك الخبر وأما المتردد سواء نفى ولم يصر عليه وقال لا أدرى فقال أبو يوسف يسقط وهو مختار الكرخي والشيخين وسائر المتأخرين. وقال محمَّد ومالك والشافعي ومن تبعهم لا يسقط ولأحمد روايتان مثاله ما رواه سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: "أيما امرأة" (١) الحديث وقد أنكره الزهري. وما رواه ربيعة عن سهيل في الشاهد واليمين ولم يعرفه سهيل حين سئل وكان يقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي نظيرة إنكار أبى يوسف رواية مسائل ثلاث أو أربع أو ست من الجامع الصغير على محمَّد فلم يقل بها وصححها محمَّد للراد ولا ما قال عمار بن ياسر لعمر أما تذكر حين كنا في إبل فاجنبت فتمعكت في التراب فذكرته للرسول ﵇ فقال: أما كان يكفيك ضربتان ولم يذكره عمر ﵁ فلم يقبل وكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ولو لم ينحك حضور عمر ﵁ لقبله لعدالته وفضله ولم ينكر أحد ما فعله عمر ﵁ فازداد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أول فلا يحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر ﵁ فإذا رد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أولى فلا بحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر ﵁ فليس مما نحن فيه. وثانيًا: أنه يرد بتكذيب دلالة العادة كالغرابة في الحادثة المشهورة فبتصريح الراوي وعليه مداره أولى أما قياسه على الشهادة حيث لا يقبل شهادة الفرع من نسيان الأصل فلا يتم لأن بابها أضيق فقد اعتبر فيه بعد الحرية والذكررة والعدد لفظة الشهادة وامتناع

стр. 634

العنعنة والحجاب للقائل أولًا حديث ذي اليدين حيث قبل رواية أبى بكر وعمر ﵄ عنه أو شهادتهما عليه بما لم يذكر وجوابه أن الظاهر أنه ﵇ عمل بذكره بعد روايتهما إذ كان لا يقر على الخطأ. وثانيًا أن الحمل على نسيان المروى عنه أولى من تكذيب الثقة الراوي وجوابه بأن نسيان الحاكي سماعه عن غيره وزعم أنه منه في الاحتمال سواء فيه شيء لأن إنكار الأصل جازمًا ليس محل النزاع ومترددًا ليس كالاحتمال الذي في الفرع لجزمه بالرواية وأنه عدل كما لو مات الأصل أو جن. قال مشايخنا: اختلاف الصاحبين هنا فرعه في الشهادة على حكم القاضي بقضية لا بذكره ولا يلزم ذلك مالكًا واحمد لأنهما يوجبان الحكم كمحمد بل أصحاب الشافعي حيث لا يوجبونه، وجوابهم بان نسيان الترافع وطول المقاولة ومآل النزاع أبعد من نسيان الرواية معارض بل مرجوح بأن وجوب ضبطها والثبات عليها يجعل نسيانها عن الثقة في غاية الندرة. ولذا قال المحدثون الحق التفصيل بأن ينظر الشيخ في نفسه فإن رأى أن عادته غلبة النسيان قبل رواية غيره عنه وإلا رد إذ قلما لا يتذكر مثله بالتذكير والأمور تبنى على الظواهر لا على النوادر. وأما بالتأويل من الشيخ فإن كان كتعيين بعض معاني المجمل مما ليس ظاهرًا في بعض المحتملات كان ردًا لسائر الوجوه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا بقرينة معاينة فيصلح للترجيح وإن لم يصلح حجة على الغير لما سيجيء وإن كان ظاهرًا فحمله على غيره كتخصيص العام وتقييد المطلق. قيل: يعتبر ظهوره وإليه ذهب الكرخي وأكثر مشايخنا والشافعي حيث قال كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته. وقيل يحتمل على تأويله لمثل ما مر. وقال أبو الحسين البصري وعبد الجبار إن علم بالضرورة أنه علم مقصود النبي ﵇ وجب المصير إليه وإن جهل نظر في دليله فإن اقتضاه أَتبع وإلا أخذ بظاهر الخبر وهذا في الحقيقة عين المذهب الأول وهو الحق لأن تأويله لا يبطل الاحتمال اللغوي لا يكون حجة على غيره كاجتهاده ولا يلزمنا حديث ابن عباس ﵁ "من بدل دينه فاقتلوه" حيث قال ابن عباس لا نقتل المرتدة فأخذنا به خلافًا للشافعي لأنا عملنا فيه بنهى النبي ﵇ من قتل النساء مطلقًا لا بتخصيصه ولا الشافعي إثباته خيار

стр. 635

المدلس بحديث ابن عمر ﵁ المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وقد حمله على اقتراق الأبدان وإن احتمل افتراق الأقوال وأنه في معنى المشترك بينهما لأنه أثبته بدلالة ظاهر الحديث لا بتأويله. قلنا ظاهره افتراق الأقوال لأن حقيقة المتبايع حالة المباشرة ومجاوبة الركنين وأما عمله بخلاف مرويه قبل بلوغه وروايته فليس جرحًا إذْ يحمل على تركه بالحديث إحسانًا للظن به وكذا مجولا تاريخه لأن حجية الحديث لا تسقط بالشبهة وأما بعدها بما هو خلاف بيقين لا ببعض محتملاته كما مر وذلك بأن كان نصًا في معناه فسقط حملا له على وقوفه على أنه منسوخ أو ليس بثابت إذ لو كان خلافه باطلا سقطت روايته أيضًا. وقيل: يعمل الخبر إذ ربما ظن ناسخًا ولم يكن وهو بعيد أما عمل غيره وإن كان أكثر الأمة فلا يسقط مثل حديث عائشة ﵂: "أيما امرأة نكحت" (١) الحديث ثم زوجت أي بعد الرواية ابنة أخيها حفصة وهو غائب. قيل: لعل الولاية انتقلت إلى الأبعد لغيبة الأقرب. قلنا: جوزت نكاح المرأة نفسها دلالةً فإنه إذا انعقد بعبارة غير المتزوجة فبعبارتها أولى وحديث ابن عمر في رفع اليدين في الركوع حيث قال مجاهد صحبته عشر سنين فلم أره رفع اليدين إلا في تكبيرة الافتتاح. وأما الامتناع عن العمل كترك الصلاة في جميع وقته من غير اشتغال بعمل فمثل العمل بخلافه لحرمته. وشمس الأئمة ﵀ ذكر ترك ابن عمر رفع اليدين في القبيلين لأن الترك فعل من الثالث: في أحكام أقسام الثاني: فالأول وهو طعن الصحابة فيما لا يحتمل الخفاء بمنع القبول إذ لو صح لما خفي عادة فيحمل على السياسة أو عدم الختم أو الانتساخ مثاله قوله ﵇ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢) أي حكم زنا غير المحصن بغير المحصن. وقوله "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" (٣) أي: المحصن كناية فيهما فالخلفاء
следующие страницы →