← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 98083

فصول البدائع في أصول الشرائع

الفناري

Полный текст (856 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

واللازم من النهى الخاص إلا أن يثبت أن أمره للواحد أمر للجماعة. قلنا الاحتمالات البعيدة الظهور لا سيما إذا علم من عادة الصحابة وسائر العدول أنه لا يطلقونه إلا في أمر الأمةكما لا يجزمون إلا مع العلم. ٤ - صيغة ما لم بسم فاعله هو نحو أمرنا ونهينا وأوجب وحرم وغيرها فالأكثر على أنه حجة لظهوره في أن النبي ﷺ هو الأمر والناهي كالمختص بملك قالوا فيه الاحتمالات الثلاث ورابع من حيث الفاعل المطوي وخامس من حيث ظنه المستنبط مأمورًا به لكونه واجب العمل وقال بعضهم بالتفصيل فأمرنا من أبى بكر ﵁ حجة إذ لم يتأمر عليه غير الرسول ﵇ ومن غيره لا لما ذكر إنما نحو أوجب وحظر وأبيح فحجة مطلقًا إذ لا يقال أوجب الإِمام إلا مجازًا ولا يخفى أن الاحتمالات في التابعي أكثر. قلنا العدل لا يطلق إلا وهو يريد من يجب طاعته والاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور. ٥ - السنة أو من السنة كذا مطلقها طريقة النبي ﵇ عند الشافعية حيث ساوى المرأة والرجل فيما دون النفس إلى ثلث الدية عنده ونصف ديتها في الثلث وما فوقه فأوجب في ثلاث أصابع ثلاثين إبلا وفي الأربع عشرين بقول سعيد بن المسيب أنه السنة إذ مراسيله مقبولة عنده ولا يقتل الحر بالعبد عنده لقول ابن عمر وابن الزبير من السنة قلنا فيه الاحتمالات الخمسة وشهرة إطلاق السنة على الطريقة المرضية مطلقًا كسنة العمرين وسنة الصحابة والتابعين والشهرة قادحة في الظهور فينفى الاحتجاج كيف وكبار الصحابة مثل عمر وعلى ﵄ أفتوا بتنصف دية المرأة في النفس وما دونها مطلقًا وتأثير قطع الرابعة في إسقاط عشر من الإبل غير معقول وفي الثانية عموم النص مثل النفس بالنفس يشمله وقوله الحر بالحر والعبد بالعبد تخصيص بالذكر فلا ينفى ولذا يقتل العبد بالحر إجماعًا وكونه تفاوتًا إلى نقصان لا يؤثر في تغيير المنصوص لو كان (وما ينبئ عنه القصاص ليس المساواة من كل وجه إجماعًا إذ لولاها لم يتحقق إتلاف ما وهي بالدين أو الدار ويستوي الحر بالعبد فيهما والقضاء بالرجم جزاء على الجريمة فلا يمنعه وجود العصمة وأما أن الرق أثر الكفر فيتسبب لشبهة الإباحة فيبطله جريان القصاص بين العبدين. ٦ - كنا نفعل أو كانوا يفعلون فإن ضم إلى ذلك سماع الرسول ﵇ وعدم إنكاره فلا كلام نحو قول ابن عمر كنا نفاضل على عهد رسول الله ﵇ فنقول خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فبلغ ذلك رسول الله فلا ينكره وإلا

стр. 632

كقول عائشة ﵂ كانوا لا يقطعون أي اليد في الشيء التافه أي الحقير فالأكثر على أنه حجة مطلقًا لأنه ظاهر في الجميع وأنه عمل الجماعة وأنه حجة وقيل لو قاله التابعي لا يدل على فعل الجميع والظاهر دلالته أما عليه أو على فعل البعض وسكوت الباقي مع عدم الإنكار قالوا فلا يسوغ المخالفة لأنه إجماع قلنا لا نعلم فإن ذلك فيما كان قطعيًا إذا لم يتعلق المحذوف بالمذكور تعلقًا بغير المعنى كشرط العبادة وركنها وكالغاية في لا تباع النخلة حتى تزهى والاستثناء في لا يباع مطعوم بمضعوم إلا سواء بسواء وشرط المحدثون أن تذكره مرة بتمامه كيلا يتطرق إليه سوء الظن بتهمة التحريف والتلبيس. ٧ - في انفراد الثقة بالزيادة لفظًا كانت أو معنى كرواية أنه ﵇ دخل البيت أو دخل وصلى فإن اتحد مجلس السماع فإن كان كثرة الرواة الآخر بحيث لا يتصور غفلتهم عن مثلها لم تقبل وإلا فالجمهور على القبول وعن أحمد روايتان لنا أنه عدل جازم فيقبل كانفراده بحديث وعدم إقدامه على الكذب هو الظاهر فعلى الرسول أظهر لا سيما وقد بلغه الوعيد به وغيره من الرواة ساكت وغير جازم بالنفي لاحتمال الحضور أو الذهاب في أثناء المجلس أو النسيان أو الشاغل عن السماع قالوا نسبة الوهم إليه أولى لوحدته. قلنا: جزم العدل بسماعه ما لم يسمع مع وحدته أبعد بكثير عن ذهول الإنسان عما جرى بحضوره مع كثرتهم. وإن تعدد المجلس أو جهل حاله وحده وتعددا يقبل اتفاقًا. ومثله اختلافًا ودليلا كون الزيادة والنقص من واحد مرتين وإسناد عدل مع إرسال الباقين أو رفعه مع وقفهم أو وصله بأن لم يترك راويًا في البين مع قطعهم. ٣ - في الإدراج وهو أن يضيف الراوي إلى الحديث شيئًا من قوله بحيث لا يميزه عن قول الرسول فإن ثبت أنه ليس قول الرسول لا يقبل قبول الحديث وإلا فالظاهر من الثقة لا يدرج فإذا روى من الصحابة مرة لا تمييزه عن قول الرسول وأخرى بتمييزه فالحق أن يعمل بهما بأن يجعل من قول الرسول ويحمل الأخرى على ظن الراوي كذلك أو تكرار قول الرسول من عنده إذ العمل بهما أولى من إهمال أحدهما وذلك الحمل أولى من نسبة التلبيس إلى الصحابة ﵃ ولذا جعلنا قوله إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلواتك من حديث التشهد لا من قول ابن مسعود ﵄. الفصل السادس: في الطعن وفيه مباحث: الأولى في تقسيمه هو، إما من المروى عنه أو من غيره وكل منهما

стр. 633

سبعة أقسام: أما الأول فلأن إنكاره إما بالقول أو بالفعل والأول إما بالنفى الجازم أو المتردد وبالتأويل وما بالفعل إما بالعمل بخلافه قبل الرواية أو بعدها أو مجهول التاريخ أو بالامتناع عن العمل بموجبه. وأما الثاني: فلأنه إما من الصحابة فيما يحتمل الخفاء على الطاعن أو لا يحتمله، وإما من سائر أئمة الحديث فالطعن مبهم أو مفسر بما لا يصلح جرحًا أو يصلح لكن مجتهدًا فيه أو متفقًا عليه لكن ممن يوصف بالإتقان والنصيحة أو بالمعصية والعداوة. الثاني: في أحكام أقسام الأول أما الجازم فيسقط العمل اتفاقًا في الأصح لكذب أحدهما قطعًا ولعدم تعينه لا يسقط عدالتهما المتيقنة بالشك كبينتين متعارضتين فيقبل رواية كل منهما في غير ذلك الخبر وأما المتردد سواء نفى ولم يصر عليه وقال لا أدرى فقال أبو يوسف يسقط وهو مختار الكرخي والشيخين وسائر المتأخرين. وقال محمَّد ومالك والشافعي ومن تبعهم لا يسقط ولأحمد روايتان مثاله ما رواه سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أنه ﵇ قال: "أيما امرأة" (١) الحديث وقد أنكره الزهري. وما رواه ربيعة عن سهيل في الشاهد واليمين ولم يعرفه سهيل حين سئل وكان يقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي نظيرة إنكار أبى يوسف رواية مسائل ثلاث أو أربع أو ست من الجامع الصغير على محمَّد فلم يقل بها وصححها محمَّد للراد ولا ما قال عمار بن ياسر لعمر أما تذكر حين كنا في إبل فاجنبت فتمعكت في التراب فذكرته للرسول ﵇ فقال: أما كان يكفيك ضربتان ولم يذكره عمر ﵁ فلم يقبل وكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ولو لم ينحك حضور عمر ﵁ لقبله لعدالته وفضله ولم ينكر أحد ما فعله عمر ﵁ فازداد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أول فلا يحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر ﵁ فإذا رد برد المحكى حضوره فبرد الراوي أولى فلا بحث فيه بأن عمارًا لم يرو عن عمر ﵁ فليس مما نحن فيه. وثانيًا: أنه يرد بتكذيب دلالة العادة كالغرابة في الحادثة المشهورة فبتصريح الراوي وعليه مداره أولى أما قياسه على الشهادة حيث لا يقبل شهادة الفرع من نسيان الأصل فلا يتم لأن بابها أضيق فقد اعتبر فيه بعد الحرية والذكررة والعدد لفظة الشهادة وامتناع

стр. 634

العنعنة والحجاب للقائل أولًا حديث ذي اليدين حيث قبل رواية أبى بكر وعمر ﵄ عنه أو شهادتهما عليه بما لم يذكر وجوابه أن الظاهر أنه ﵇ عمل بذكره بعد روايتهما إذ كان لا يقر على الخطأ. وثانيًا أن الحمل على نسيان المروى عنه أولى من تكذيب الثقة الراوي وجوابه بأن نسيان الحاكي سماعه عن غيره وزعم أنه منه في الاحتمال سواء فيه شيء لأن إنكار الأصل جازمًا ليس محل النزاع ومترددًا ليس كالاحتمال الذي في الفرع لجزمه بالرواية وأنه عدل كما لو مات الأصل أو جن. قال مشايخنا: اختلاف الصاحبين هنا فرعه في الشهادة على حكم القاضي بقضية لا بذكره ولا يلزم ذلك مالكًا واحمد لأنهما يوجبان الحكم كمحمد بل أصحاب الشافعي حيث لا يوجبونه، وجوابهم بان نسيان الترافع وطول المقاولة ومآل النزاع أبعد من نسيان الرواية معارض بل مرجوح بأن وجوب ضبطها والثبات عليها يجعل نسيانها عن الثقة في غاية الندرة. ولذا قال المحدثون الحق التفصيل بأن ينظر الشيخ في نفسه فإن رأى أن عادته غلبة النسيان قبل رواية غيره عنه وإلا رد إذ قلما لا يتذكر مثله بالتذكير والأمور تبنى على الظواهر لا على النوادر. وأما بالتأويل من الشيخ فإن كان كتعيين بعض معاني المجمل مما ليس ظاهرًا في بعض المحتملات كان ردًا لسائر الوجوه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا بقرينة معاينة فيصلح للترجيح وإن لم يصلح حجة على الغير لما سيجيء وإن كان ظاهرًا فحمله على غيره كتخصيص العام وتقييد المطلق. قيل: يعتبر ظهوره وإليه ذهب الكرخي وأكثر مشايخنا والشافعي حيث قال كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته. وقيل يحتمل على تأويله لمثل ما مر. وقال أبو الحسين البصري وعبد الجبار إن علم بالضرورة أنه علم مقصود النبي ﵇ وجب المصير إليه وإن جهل نظر في دليله فإن اقتضاه أَتبع وإلا أخذ بظاهر الخبر وهذا في الحقيقة عين المذهب الأول وهو الحق لأن تأويله لا يبطل الاحتمال اللغوي لا يكون حجة على غيره كاجتهاده ولا يلزمنا حديث ابن عباس ﵁ "من بدل دينه فاقتلوه" حيث قال ابن عباس لا نقتل المرتدة فأخذنا به خلافًا للشافعي لأنا عملنا فيه بنهى النبي ﵇ من قتل النساء مطلقًا لا بتخصيصه ولا الشافعي إثباته خيار

стр. 635

المدلس بحديث ابن عمر ﵁ المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وقد حمله على اقتراق الأبدان وإن احتمل افتراق الأقوال وأنه في معنى المشترك بينهما لأنه أثبته بدلالة ظاهر الحديث لا بتأويله. قلنا ظاهره افتراق الأقوال لأن حقيقة المتبايع حالة المباشرة ومجاوبة الركنين وأما عمله بخلاف مرويه قبل بلوغه وروايته فليس جرحًا إذْ يحمل على تركه بالحديث إحسانًا للظن به وكذا مجولا تاريخه لأن حجية الحديث لا تسقط بالشبهة وأما بعدها بما هو خلاف بيقين لا ببعض محتملاته كما مر وذلك بأن كان نصًا في معناه فسقط حملا له على وقوفه على أنه منسوخ أو ليس بثابت إذ لو كان خلافه باطلا سقطت روايته أيضًا. وقيل: يعمل الخبر إذ ربما ظن ناسخًا ولم يكن وهو بعيد أما عمل غيره وإن كان أكثر الأمة فلا يسقط مثل حديث عائشة ﵂: "أيما امرأة نكحت" (١) الحديث ثم زوجت أي بعد الرواية ابنة أخيها حفصة وهو غائب. قيل: لعل الولاية انتقلت إلى الأبعد لغيبة الأقرب. قلنا: جوزت نكاح المرأة نفسها دلالةً فإنه إذا انعقد بعبارة غير المتزوجة فبعبارتها أولى وحديث ابن عمر في رفع اليدين في الركوع حيث قال مجاهد صحبته عشر سنين فلم أره رفع اليدين إلا في تكبيرة الافتتاح. وأما الامتناع عن العمل كترك الصلاة في جميع وقته من غير اشتغال بعمل فمثل العمل بخلافه لحرمته. وشمس الأئمة ﵀ ذكر ترك ابن عمر رفع اليدين في القبيلين لأن الترك فعل من الثالث: في أحكام أقسام الثاني: فالأول وهو طعن الصحابة فيما لا يحتمل الخفاء بمنع القبول إذ لو صح لما خفي عادة فيحمل على السياسة أو عدم الختم أو الانتساخ مثاله قوله ﵇ "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢) أي حكم زنا غير المحصن بغير المحصن. وقوله "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" (٣) أي: المحصن كناية فيهما فالخلفاء

стр. 636

الراشدون لم يعملوا بهما وهم الأئمة والحدود إليهم حتى حلف عمر حين لحق من فيه بالروم مرتدًا أن لا ينفى أبدًا وقال على ﵁ كفي بالنفي فتنة فعلم أنه كان سياسة ولما امتنع عمر ﵁ عن قسمة سواد العراق بين الغانمين حين فتحه عنوة علم أن قسمة خيبر لم تكن حتمًا فيتخير الإِمام في الأراضي بين الخراج والقسمة اتفاقًا. ومنه نكاح المتعة كما قال ابن سيرين هم رأوها وهم نهوا عنها أما عمل ابن مسعود بالتطيق وهو إرسال المصلى كفيه مطقة بين الفخذين بعد حديث عمر في أخذ الركب أو وائل بن حجر في الوضع عليها أو أبى حميد الساعدي في الجمع بينهما فلم يوجب جرحًا إذ كان ذلك لأن التطبيق عزيمة لا للإنكار غير أن أحد الثلاثة رخصة إسقاط عندنا وهو مذهب عامة الصحابة ولذا نهى سعد بن أبي وقاص ابنه عنه مستندًا إلى نهى عبد الله ولأن التخيير بينهما في العزيمة نوع تخفيف لاكما نحن فيه. الثاني طعنهم فيما يحتمله لا يمنعه لأن النادر يحتمل الخفاء كحديث زيد بن خالد الجهني في الوضوء بالقهقهة (١) لأنها نادرة لا سيما في الصحابة وإن لم يعمل به أبو موسى الأشعري وكحديث الخثعمية "حجى عن أبيك واعتمري" وحديث يرخص الحائض بترك طواف الصدر وإن لم يعمل ابن عمر بهما فلم يجوز الحج عن الغير وأوجب إقامتها حتى تطهر. الثالث: الطعن المبهم عن سائر أئمة الحديث كأن الحديث غير ثابت أو مجروح أو متروك أو رواية غير عدل أو غيره لا يقبل خلافًا للقاضي وجماعة لأن الظاهر العدالة بين المسلمين للعقل والدين لا سيما في القرون الثلاثة ولأن قبوله يبطل السنن ولأنه لا يقبل في الشهادة وهي أضيق ففيها أولى. الرابع: طعنهم بما لا يصلح جرحًا لا يقبل كطعن أبي حنيفة ﵀ لا سيما من المتعصب بدس ابنه لأخذ كتب أستاذه حماد فإنه آية إتقانه ويجوز لذلك الغرض عند ظن المنع وكالطعن بالتدليس هو لغة كتمان عيب السلعة عن المشترى واصطلاحًا كتمان انقطاع أو خلل في الإسناد كما في العنعنة فإنها توهم شبهة الإرسال وحقيقته ليست بجرح ومنه قول من عاصر الزهري قال الزهري موهمًا أنه سمع

стр. 637

منه. وبالتلبيس بذكر كنية الراوي كقول سفيان حدثني أبو سعيد يحتمل الثقة هو الحسن البصري وغيره وهو محمَّد الكلبي وكقول محمَّد بن الحسن حدثني الثقة يريد أبا يوسف ولم يصرح به للخشونة بينهما أو بذكر موضعه نحو حدثنا بما وراء النهر موهمًا أنه يريد جيحون وهو يريد جيحان وذا لأن الكناية صيانة له وللسامع عن الطعن بالباطل وليس كل تهمة قادحة إذا لم تكن فاطعة ولا التهمة في حديث مسقطة كل الأحاديث كما في الكلبي لتفسيره وربيعة بن عبد الرحمن وغيرهما والتسمية بالثقة شهادة بالعدالة. وللكناية وجوه أُخر ككون المروى عنه دونه في السنن أو قرينة أو تلميذه إذ الجميع صحيح عند أهل الفقه والحديث نعم يصير جرحًا إذا لم يفسر حين استفسر وكالطعن بما ليس ذنبًا شرعيًا كما في محمَّد بن الحسن بقول ابن المبارك لا يعجبني أخلاقه وقد قال فيه هو من يحيى الله به دين الأمة ودنياهم اليوم وأخلاق القدوة غير أخلاق أهل العزلة وكما بسباق الخيل والقدم مع أنه استعدادًا لجهاد وبالمزاح فإنه يحق من امرئ لا يستفزه الخفة مباح وبالصغر إذ لا يقدح عند التحمل كحديث عبد الله العذري في صفية الفطر أنها نصف صاع من حنطة وقدمناه على حديث الخدري أنها صاع لأنه بعد استوائهما في الاتصال أثبت متنا لكونه مع قصته وقولا لا فعلا وقد تأيد برواية ابن عباس ﵁ وكما بعدم احتراف الرواية لأن العبرة للإتقان كما في أبى بكر ﵁. الخامس: طعنهم بمجتهد فيه لا يقبل كما بالاستكثار من فروع الفقه في أبى يوسف لأن كثرة الاجتهاد دليل قوة الذهن والضبط وبالإرسال فإنه دليل الإتقان من الثقة. السادس: طعنهم مفسرًا بالفسق لكن من متهم بالعصبية كطعن الملحدين في أهل السنة لا يسمع. السابع: ذلك ممن يوصف بالنصيحة مقبول وقد مر كلياته في وجوه الانقطاع قيل والصحيح من وجوه الطعن يبلغ أربعين فما لم يتل هنا يرام في كتاب الجرح والتعديل. وأما التذييل ففي مباحث الجرح والتعديل. الأول: في تعريفهما الجرح وصف متى التحق بالراوي والشاهد بطل العمل بقولهما والتعديل وصف متى التحق بهما أخذ به ويرادفه التزكية. الثاني: في عدم اشتراط العدد فيهما وعليه القاضي وهو مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف في الرواية والشهادة إلا في تزكية العلانية وأكثر الشافعية على عدمه في الرواية واشتراطه في الشهادة وهو مذهب محمَّد وقيل يجب العدد فيهما، لما مر أن باب الرواية وقضاء القاضي بعد الشهادة من حقوق الله فيعمل فيهما بخبر الواحد تعديلا وجرحًا.

стр. 638

أما التعديل فلأنه بعد تسليم كونه شرطًا لا يربو على حال المشروط لتبعيته وكفاية وجوده كيف ما كان وأما الجرح فإنه رد إلى أصل العدم لا أخرج عنه وأما ترجح الجارحين على الجماعة المعدلة وكذا جارح على معدل في رواية والأصح العمل بثالث فليس لهذا بل لأن الخارج مثبت للفسق والمعدل ناف والمثبت المستوفى للنصاب لا غالب عليه لا يقال أصالة العدالة في باب الشهادة يقتضي كون الجرح إلزامًا وإخراجًا من الأصل لأن إصابتها عند عدم تعرض الخصم أما عند طعنه فيشترط التعديل ويكون الجرح دفعًا لا رفعًا كما يشترط مطلقًا في الرواية بعد القرون الثلاثة غير أن تزكية العلانية لاستناد ظهور لزوم الحق إليها عند التعرض استناده إلى الشهادة مطلقًا ألحقت بها واشترط شروطها كما مر ومثلها تزكية السر عند محمَّد والحق بما لأن الإلزام بالظواهر وتزكية السر للاحتياط وإنما لم يشترط لفظة الشهادة لأنها تنبئ عن التيقن وذلك في العلم بعدم أسباب الجرح متعذر بل مبناه على الظاهر ولا مجلس افيضاء إحرازًا لفضيلة الستر ولا حضور الخصم احترازًا عن فتنة العداوة أو الكذب استحياء. وللمشترطين في الشهادة دون الرواية إلحاق التبع بالمتبوع فيهما. وجوابه أن لذلك وجهًا في الرواية فإن الاحتياط في التبع لا يربو على أصله أما في الشهادة فإنما يثبت لو وجب عدم نقصان التبع وعدم زيادته عليه وهو مم ولذا يصح تعديل شهود الزنا إلا عند محمَّد ﵀ ويكفى واحد في أصل الشهادة بهلال رمضان ويجب في تعديله اثنان عندهم ولا يقال ذلك للاحتياط في العبادة إذ لا احتياط في المتردد بين الوجوب والحرمة في شيء من طرفيه كصوم يوم الشك، ولموجبي العدد فيهما أو لا أنهما شهادة كسائر الشهادات. وجوابه بعد المعارضة بأنه إخبار كسائر الأخبار الفرق بما مر في الرواية وتزكية الشر. وثانيًا: أنه أحوط لتعيده في التعديل احتمال العمل بما ليس بحديث وبينة وفي الجرح احتمال عدم العمل بما هو حديث وبينة. وجوابه بعد المعارضة لما في كل بما في الآخر الفرق في تزكية العلانية يتضمنها للإلزام وأن الأحوطية تفيد الأولوية ولئن سلم فالاحتياط في الجرح ليس في محن لأن كونه حديثًا وبينة لم يثبت بعد حتى يحتاط في تبعيد احتمال العمل به. الثالث: في إطلاق الجرح والتعديل يكفي فيهما عندنا رواية وشهادة وعليه القاضي حتى قلنا يكفي في التعديل هو عدل مقبول الرواية أو الشهادة رواية واحدة وفي عدل فقط روايتان والأصح قبول لثبوت الحرية بالدار وفي الجرح الله يعلم بعد الاستفسار إحرازًا

стр. 639

السبب فيهما وقال الشافعي يكفى في التعديل دون الجرح وقيل بالعكس وقال الإِمام إن صدر عمن يعلم أسبابهما كفى وإلا فلا. لنا أن غير البصير بحالهما وإن كان عدلا لا يصلح بما حتى لو عمل بخبر غير العدل البصير فسق وبطلت عدالته والبصير يتبع لحصول الثقة. قيل أسباب الجرح مختلف فيها فربما جرح بسبب لا نراه. وجوابه بأن إطلاق العدل البصير في محل الخلاف تدليس قادح في عدالته مردود بأن الواجب معرفة أسبابه اجتهادًا أو تقليدًا لا معرفة الاتفاق والاختلاف فيها فربما لا يخطر الخلاف بباله. ولو سلم فالبناء على ما هو الحق عنده ليس تدليسًا. والصحيح أن الغالب من أسبابه متفق عليه والغالب من البصير أن يعرف محل الخلاف والاتفاق والغالب من الحاكي للمجتهد أو القاصر إذا كان ثقة أن ينبه على الخلاف وإلا فإطلاقه تدليسًا قادح في عدالته وبناء على زعمه يؤدى إلى التقليد فيحمل على أنه لإحراز فضيلة الستر ولما تقرر أن الغالب بوجه كالمتحقق فبوجوه أولى واتباع غالب الظن ليس تقليدًا بل أقصى غاية الاجتهاد. لا يقال لو كفى الإطلاق في الجرح عندكم لسمع الشهادة على جرح مجرد وهو ما يفسق به ولم يوجب حقًا للشرع أو العبد مثل هو فاسق أو آكل الربا أو استأجرهم للشهادة وأعطاهم مالى أو صالحتهم ودفعته على أن لا يشهدوا على وشهدوا لأنا نقول لا يلزم من كفاية الإطلاق في مطلق العمل كفايته للإلزام إذا كان على وجه الشهادة إذ عدم سماعها حينئذ لعدم إمكان الإلزام بالفسق وهو معنى عدم دخول الفسق تحت الحكم إذ له الرفع بالتوبة حتى لو علم القاضي بفسقهم لا يحكم به أيضًا وإن لم يقبل شهادتهم حتى يعلم توبتهم ومضى مدة يظن باستقرار التوبة فمِها بخلاف شهادتهم على إقرار المدعى بفسق شهوده فإن الإقرار يدخل تحت الحكم ولأن هتك الستر من غير ضرورة فسق لا يعمل بشهادتهم وضرورة دفع خصومة المدعى تندفع بالأخبار للقاضي من غير شهادة وبوظيفة التزكيتين لموجب ذكر السبب فيهما أن الإطلاق لا ينفك عن الشك للالتباس والاختلاف في أسبابهما فلا يصلح للإثبات. وجوابه أن قول العدل يوجب الظن فلا شك للشافعي أن الاكنفاء بالإطلاق في الجرح يؤدى إلى تقليد المجتهد في سبب الجرح فربما لو ذكره لم يره جرحًا والمقلد في بعض المقدمات ليس بمجتهد بخلافه في التعديل فإن الإطلاق فيه أمارة عدم علمه بفسق ما فلا

стр. 640

فسق أصلًا لوقوع النكري في سياق النفي وهذا عمل بالإجماع لا تقليد. قلنا اتباع ظن الصدق من المجتهد المتفرس ليس تقليدًا كما مر. ولئن سلم فإن لم يجب للجارح معرفة الخلاف فإطلاقه في التعديل أمارة عدم فسق مما يراه جرحًا فلا يدل على الإجماع وإن وجب فإن أطلق تلبيسًا فليس بعدل وإن أطلق اكتفاء بزعمه لم يخرج عن التقليد للعاكس إن كثرة التصنع في العدالة بين الناس يؤدى إلى الالتباس. فلا بد من بيان سببه بخلاف الجرح وقد علم جوابه والإمام إن شرط العلم بأنه عالم بأسبابهما فلزومه مم وإن اكتفى بالظن فذلك حاصل ممن يوثق ببصيرته وضبطه. الرابع في تعارض الجرح والتعديل الجرح مقدم عند الأكثرين مطلقًا والتعديل عند البعض كذا والصحيح من مشايخنا تقديم جرح الاثنين على تعديل الجماعة أما عند وحدتهما فيتبع الثالث. لنا أن شأن المعدل الظن بعدم أسباب الجرح إذ العلم بالعلم لا يتصور والجارح السبب كقتل فلان يوم كذا وجزم المعدل بنفيه بأن يراه بعد ذلك اليوم تعارضًا واحتيج إلى الترجيح بالثالث وإلى هذا دليل مقدمي الجرح مطلقًا ثم نقول ما دام الجارح واحدًا يعارضه ظاهر العدالة الذي يقتضيه العقل والدين ويتقوى به المعدل الواحد على معارضته وإذا تعدد المعدل ترجح عليه. أما إذا استوفى الجارح نصاب الشهادة تقرر فلا يعارضه التعديل وإن تكثر إذ لا حكم للزائد عليه. الخامس في طرق التعديل وهي أربعة: ١ - أن يحكم بشهادته من يرى العدالة شرطًا في فبولها اتفاقًا أما من لا يرى فليس بتعديل. ٢ - أن يبنى عليه عارف بوجوه العدالة بأنه عدل. ٣ - أن يعمل بروايته العالم إن رآها شرطًا في قبولها إذ العمل بخبر الفاسق فسق ولم يمكن حمله على الاحتياط أو على العمل بدليل آخر وافق الخبر وإلا فلا. ٤ - رواية العدل عنه وفيها مذاهب: ١ - تعديل إذ الظاهر أنه لا يروى إلا عن عدل. ٢ - ليس بتعديل إذ كثيرًا ما نرى من يروى ولا يفكر ممن يروى. ٣ - وهو المختار إن علم من عادته أنه لا يروى إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا.

стр. 641

السادس: الصحابة عدول وقيل كغيرهم يحتاجون إلى التعديل. وقال واصل بن عطاء كغيرهم إلى حين ظهور الفتن من فتنة عثمان وما بني عليها مما بين علي ومعاوية وبعده لا تقبل الداخلون فيها من الطرفين إذ الفاسق غير معين ومجهول العدالة لا يقبل عنده والخارجون كغيرهم وقالت المعتزلة عدول إلا من علم أنه قاتل عليا فإنه مردود. لنا من الكلام نحو أمة وسطا أي عدولا وخير أمة ورحماء بينهم ومن الحديث "بأيهم اقتديتم اهتديتم" "وخير القرون" الحديث ولما نال مدى أحدهم ومن العقل ما تواتر عنهم من الجد في الطاعة وبذل المال والنفس والفتن محمولة على الاجتهاد الموجب للعمل ولا يفسق بالواجب. السابع: الصحابي من رأى الرسول (١) وقبل وطالت صحبته وقيل وروى والمسألة لفطة فلا مناقشة في الاصطلاح إذ لو أريد اللغوي فالحق الأول لأنه للقدر المشترك دفعًا للمجاز والاشتراك كالزيارة والحديث بدليل صحبه قليلًا أو كثيرًا من غير تكرار ولا نقض ولأن من حلف لا يصحب يحنث بالصحبة لحظة وإن أريد العرفي فعلى موجب التعارف وفهم الملازمة من نحو أصحاب الجنة وأصحاب الحديث بعرف مجدد والمنفى عن الوافد والرائي الصحبة بقيد اللزوم ونفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم قالوا إذا قال العدل المعاصر أنا صحابي فهو صفي ظاهرا لا قطعًا فتهمة أنه يدعى رتبة تستدعى ريبة والله أعلم. الركن الثالث في الإجماع: وفيه مقدمة وعشرة فصول أما المقدمة ففي تفسيره هو لغة لمعنيين العزم نحو قوله تعالى: ﴿فَأَجْمعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وقوله ﵇ "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" فيتصور من واحد والاتفاق (٢) ما جمع صار ذا جمع كالبن فلا يتصور. واصطلاحًا اتفاق المجتهدين من أمة محمَّد عليه الإِسلام في عصر على حكم شرعي (٣)

стр. 642

فخرج المقلد وبعض المجتهدين وجميعهم من أرباب الملل السالفة مخالفة وموافقة ولى عصر يتناول القليل والكثير من شرط انقراض عصر المجمعين يقول إلى انقراضه وخرج الاتفاق على حكم غير ديني كان السقمونيا مسهل فإن إنكاره ليس كفرًا بل جهل به وعلى ديني غير شرعي لأن إدراكه إما بالحس ماضيًا كأحوال الصحابة أو مستقبلا كأحوال الآخرة وأشراط الساعة فالاعتماد في ذلك على النقل لا الإجماع من حيث هو وإما بالعقل فإن حصل اليقين به فالاعتماد عليه وإلا من قبيل الشرعيات التي يحصل بالإجماع القطع فيها كتفضيل الصحابة على غيرهم عند الله وغيره من الاعتقاديات ومن عمم اكتفى بعلى حكم ويشمل سنة وحمسين قسمًا لأنه إما عقلي أو عرفي أو لغوى أو شرعي وكل إما مئبت أو منفى وكل من الثمانية إما قولي أو فعلى أو تقريري أو مختلف ثنائية ثلاثة وثلاثية واحد وهذا من قال بجوازه بعد خلاف مستقر أما من لم يجوزه ويرى استحالته فأخرجه بالجنس ومن جوزه وقال بانعقاده اكنفى به. وقال الغزالي هو اتفاق أمة محمَّد على أمر ديني ويشعر بالاتفاق من البعثة إلى القيامة ويخالفه إجماع القائلين بالإجماع لأنه لا يفيد ورد عنا به بأن المراد في عصر كما في قوله تعالى ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] فإن فاطمة أفضل إجماعًا فأورد أنه لا يطرد لصدقه على اتفاق غير المجتهدين ورد عناية بان المراد اتفاق المجتهدين وليس العنايتان بسلامة الأمير بل لسبقهما إلى فهم التشرعة من نحو لا تجتمع أمتي على الضلالة مع محافظة لفظ الحديث إما أنه لا يتناول الاتفاق على عقلي أو عرفي كأمر الحروب فلا ينعكس فغير وارد لأنا لا نتم حجيته فيهما لو لم يتعلق به عمل أو اعتقاد. الفصل الأول في إمكانه خلافًا للنظام وبعض الشيعة. فأولا لأن العادة قاضية بامتناع تساويهم في نقل الحكم إليهم لانتشارهم في الأقطار وجوابه منعه فيمن يجد في الطلب والبحث عن الأدلة. وثانيًا: لأن اتفاقهم لو كان عن قاطع لنقل عادة فأغنى عن الإجماع وعن ظنى ممتنع لاختلاف القرائح والأنظار كعلي أكل الزبيب الأسود في زمان واحد وجوابه أن الإجماع أغنى عن نقل القطاع والاختلاف دمنع الاتفاق في الدقائق لا في الظني الجلى. الفصل الثاني في إمكان العلم به قالوا العادة تقضى بامتناع معرفة علماء الشرق والغرب بأعيانهم فضلا عن معرفة

стр. 643

تفاصيل أحكامهم مع جواز خفاء بعضهم عمدًا أو انقطاعه خملة أو أسره في مطمورة أو كذبه خوفًا أو تغير اجتهاده قبل السماع عن الباقين وجوابه أنه تشكيك في مصادمة الضرورة للقطع بإجماع الصحابة والتابعين على تقديم القاطع على المطون وهم كانوا محصورين مشهورين ديّنين ولم يرجع واحد منهم وإلا لاشتهر. الفصل الثالث في إمكان نقل العالم إلى المحتج به قالوا الآحاد لا تفيد القطع ويجب في التواتر واستواء الطرفين والواسطة ويستحيل عادة مشاهدة أهل التواتر جميع المجتهدين شرقًا وغربًا طبقة بعد طبقة إلى أن يتصل بالمحتج به وجوابه ما مر للقطع بأن الإجماع المذكور منقول إلينا تواترًا. الفصل الرابع: في حجيته وخالف النظام والشيعة وبعض الخوارج وهم شرذمة قليلون من أهل الأهواء نشأوا بعد الاتفاق على حجيته فلا عبرة بخلافهم (١) وما روى عن أحمد من قوله من ادعى الإجماع فهو كاذب استبعاد لوجوده أو الاطلاع عليه ممن بزعمه وحده والدليل على حجيته عقلي ونقلي، أما العقلي فمنه أن ما عليه الإجماع لو لم يكن حقا لما أجمع العدد الكثير من العلماء المحققين على القطع بتخطئة مخالفه, لأن العادة قاضية بأن إجماع مثلهم في قطعي شرعي ليس إلا عن نص قاطع لا عن قياس إذ لا يفيد القطع ولا إجماع للدور وما فيه النص القاطع حق وقد أجمعوا لأن ما يدعى حجيته أخص الإجماعات وقيدنا العلماء بالمحققين احترازًا عن الإجماع اتباعًا لآحاد الأوائل من غير تحقيق كإجماع اليهود على أن لا نبي بعد موسى ﵇ وقد وضح في النسخ وإجماع النصارى على قتل عيسى ﵇ وقيدناه بالشرعي احترازًا عن إجماع الفلاسفة على قدم العالم فإن معارضة الوهم في العقليات مجلبة للشبهة ولا اشتباه بين القاطع والظني في الشرعيات عند أهل التمييز وخلاصته استدلال بوجود الإجماع على القطع بتخطئة المخالف على وجود نص قاطع فيها لا بحجيته وبذلك على حجيته فالعلم بحجيته لا يتوقف على حجيته فلا مصادرة ومنه أنه لو لم يكن حجة قطعية لما أجمعوا على تقديمه على القاطع وإلا لعارضه إجماعهم على أن غير القاطع لا يقدم على القاطع وهو مح عادة ولا يلزم من الدليلين

стр. 644

اشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر لأن تخطئة المخالف وتقديمه على القطاع مطلقان ولو سلم فالغرض وهو حجية الإجماع في الجملة حاصل أو نقول إن بلغ حد التواتر وهو الأكثر كإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت وإلا يثبت حجيته بالظواهر وحجيتها بالإجماع البالغ ذلك الحد لا به فلا مصادرة. ومنه استدلال إمام الحرمين أن الإجماع على حكم يدل على وجود دليله القاطع لقضاء العادة بامتناع اتفاق مثلهم على مظنونه، وفيه منع لأن امتناعه إذا دق النظر أما في القياس الجلي وخبر الواحد يعد العلم بوجوب العمل بالظواهر فلا إلا أن يريد به الإجماع على القطع في حكم فيصح كالأول وأما النقلي فمنه أن شريعة محمَّد ﵊ باقية إلى آخر الدهر بالأحاديث الآتية فلو جاز الخطأ على جماعتهم بان اتفقدا على خطأ أو اختلفوا وخرج الحق عن أقوالهم وقد انقطع الوحي لم تبق فوجب القول بأن إجماعهم صواب كرامة من الله تعالى صيانة لهذا الدين ولا يلزم ذلك في كل مجتهد فلعل المصيب من يخالفه وإذا أفاد القضاء اللزوم صيانة لسبب الدين فلان يفيده الإجماع صيانة لأصل الدين أولى والمراد بالأمة في الأحاديث أمة المتابعة لإطلاقها لا من تمسك بالهوى والبدعة ومنه أن شريعته ﵇ كاملة لقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] , فلو لم يكن للمجتهدين ولاية استنباط الأحكام التي ضاق عنها نطاق الوحي الصريح تبقى مهملة فلا يكون الدين كاملا ولو أمكن اتفاقهم على غير الحق كان فاسدًا فضلا عن الكمال ولا ينافيه ثبوت لا أدري من البعض لجوازِ دراية الآخر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]. ضم اتباع غير سبيلهم إلى مشاققة الرسول التي هي كفر في استيجاب النار فيحرم إذ لا يضم مباح إلى حرام في الوعيد أو أوعد على اتباع غير سبيلهم فيحرم فيجب اتباع سبيلهم إذ لا مخرج عنهما بعد وجوب الاتباع بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، والإجماع سبيلهم وكما الوجوب ترك المشاقة لحقيتة قول الَرسول ﵇ فوجوب اتباع سبيلهم لحقيته ولا بد من أجوبة عن شبهه: ١ - الوعيد مرتب على كل منهما وإلا لغي ذكر اتباع الغير. ٢ - مشاركة المعطوف في حكم الإعراب لا في جميع قيوده ولئن سلم فالمراد بالهدى دليل التوحيد والنبوة لا جميع الأدلة وإلا لم يكن المشاقة في عهد النبي ﵇ حرامًا. ٣ - لغير عام كما لنبي من دخل غير دارى ضربته إذ معيار العموم صحة الاستثناء فلا يختص بالارتداد الذي هو سبب النزول لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.

стр. 645

٤ - السبيل ليس دليل الإجماع وإن كان التجوز فيه أنسب لأنه الآية أو السنة أو القياس الراجع إليهما فيندرج تحت المشاقة والأصل الإفادة دون الإعادة وبهذا يعلم أنه ليس عين ما أتى به الرسول مع أن أصل العام أن يجرى على عمومه. ٥ - ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع غير سبيلهم إذ معنى السبيل ها هنا ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو عمل كما في هذه سبيلي ولئن سلم فالاتباع واجب بما مر فلا مخرج عنهما. ٦ - المراد سبيل كل المومنين المجتهدين في عصر وإن قل لأن إرادة الموجودين إلى يوم القيامة تفوت العمل المقصود إذ لا عمل فيه وبعد الكل لا يتخطى عن القليل بلا دليل ولما حرم على المقلد المخالفة لم يبق اعتباره ولما مر أن السابق إلى فهم المتشرعة هو المقيد بالقيدين. ٧ - المراد اتباع كل سبيلهم لأن إنكار البعض كاف في الخروج فلا يختص بالإيمان أو مناصرة الرسول ﵇ على أن التخصيص من غير دليل لا يقبل قيل غايته الظهور وحجيته الظواهر بالإجماع إذ لولاه لوجب العمل بالأدلة المانعة من اتباع الظن ففيه مصادرة مع أنه إثبات لأصل كلي بدليل ظني. قلنا عن الأول حجية الظواهر بإجماع غير الذي ثبت حجيته بالظواهر كما مر. وعن الثاني إنه جائز كما في القياس ومنه قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية، وصفهم بالخيرية المفسرة على طريق الاستئنًاف بالأمر بَالمعروف والنهى عن المنكر وهذه الخيرية توجب الحقية فيما أجمعوا وإلا كان ضلالا فماذا بعد الحق إلا الضلال وأيضًا لو أخطأوا لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف وهو خلاف المنصوص والتخصيص بالصحابة لا يناسب وروده في مقابلة أمم سائر الأنبياء ولا يلزم من عدم منافاة الضلال الخيرية في كل واحد من المسائل المجتهد فيها عدمها في الكل فقياس الكل على كل واحد يكذبه الحس والعقل والشرع والتفسير قرينة إرادة المجتهدين لأن الحكم لهم أو متلقى منهم لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] ولما لم يرد جميعهم إلى يوم القيامة أريد من في عصره ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية والوساطة العدالة التي هي التوسط بين الإفراط والتفريط في الحكمة والعفة والشجاعة أو الوسط الخيار فوصفهم من يعلم السر والعلانية بها وذلك يقتضي الحكم عليهم بالرسوخ على الصراط المستقيم وذلك بكونهم معصومين عن الخطأ كبيرة كان أو صغيرة لأنها بالإصرار يكون كبيرة وجعلهم شاهدين والحكيم لا

стр. 646

يحكم بشهادة قوم يعلم أن كلهم يقدمون على الكذب والعدالة وقت الشهادة وإن كفت لكن جميع الأمم عدول في الآخرة فليس التفضيل باعتباره ولما لم يتحقق المعنيان في كل واحد لقوله ﵇ "ما منا إلا وقد عصى إلا يحيى بن زكريا" علم أن المراد الكل وحديث عدم الملازمة كما مر ولما لم يتحقق العدالة إلا بعدم الفسق لم يقدح في المقصود كونها بالنسبة إلى سائر الأمم وأراد المجتهدين في عصر على ما مر. ومنه استدلال الغزالي ﵀ بأخبار الآحاد نحوا لا لختمع أمتي على الضلالة (١) أو على الخطأ "لا يزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعه (٢) أو "حتى يجىء المسيح الدجال" (٣) أو "حتى يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال" (٤) "يد الله مع الجماعة من خالف الجماعة قيد شبر فقد مات ميتة جاهلية" (٥) "عليكم بالسود الأعظم" (٦) "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (٧) "أبى الله ذلك والمسلمون" (٨) وغير ذلك متمسكًا بوجهين: ١ - أن القدر المشترك متواتر كما في شجاعة على وسخاوة حاتم فيفيد القطع بحجيته

стр. 647

ويقدمه على القاطع وفيه أن لا دلالة قمية لشيء منها على حجية حتى يتواتر بالكل ويصير قطعط الثبوت أيضًا كما لا دلالة لكل خبركإقدام على وإعطاء حاتم على الشجاعة والسخاوة. ٢ - لولا أنها صحيحة قطعًا لقضت العادة بامتناع إتفاق الأمة على تلقيها بالقبول وعلى تقديمه بها على القاطع ورد بأنها آحاد ظواهر والتلقط لا يخرجها عن ذلك والتمسك بها بالٍا جماع ففيه دور وقد مر جوابه نعم تقديم بالإجماع على القاطع كالمتواتر من الكتاب والسنة بغيرها لا بها لئلا يلزم كون الفرع أقوى. ومنه سائر الظواهر القرآنيةكقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية فإنه يدل على وجوب اتباع كل قوم طائفته المنفقة فعند اتفاق الطوائف يجب قبوله على الكل وكقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فإنهم إما يجتهدون فيجب طاعتهم وإما الحكام وشأنهم السؤال منهم لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] فيجب أن يقبلوا وإلا فلا فائدة في وجوب السؤال وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥] حيث يفيد أنه لا يلقى في قلوب العلماء المهدين خلاف الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال وكقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] حيث يدل إلى النفس المزكاة وهي المشرفة بالعلم والعمل يلهمها الله الخير والشر والكلام في الجميع من حيث أنه محمول على كل المجتهدين في عصر وأن تخصيص المأتى به بنحو الإيمان والمنفى بنحو الكفر خلاف الظاهر كما مر. للمخالفين من الظواهر أولا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] و ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]،َ فلا مرجع غير الكتاب والسنة. وجوابه منع ظهورهما في ذلك فيحتمل الأول كون غيره أيضًا تبيانا بواسطة الإجماع والثاني يختص بمحل النزاع ومحل الإجماع ليس كذلك أو بالصحابة للخطاب وبعد تسليم ظهورهما فالرجحان للقاطع المذكور. وثانيًا: أن نهى الكل في نحو لا تقولوا عن الخطأ يقتضي جوازه وإلا لما أفاد. وجوابه أنا لا نعلم اقتضاء الجواز فنسبة القدرة ليست على السوية عند الشيخ ولئن سلم فلا نعلم أنه منع للكل بل لكل أحد وفيه الجواز ثم إنه ظاهر لا يقاوم القاطع. وثالثًا حديث معاذ حيث لم يذكر فيه الإجماع. وجوابه أن ذلك لعدم كونه حجة حينئذ لعدم تقرر المآخذ بخلاف ما بعد زمن الرسول.

стр. 648

الفصل الخامس: في ركنه وهو الاتفاق وفيه مباحث: الأول أنه إما عزيمة وهو التكلم أو العمل من الكل. والثاني: يفيد الجواز إلا مع قرينة على الزائد لا الوجوب لما روى عبيدة السلماني ما اجتمع أصحاب رسول الله ﵊ كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر. أو رخصة وهو تكلم البعض أو عمله وسكوت الباقط بعد بلوغه ومضى مدة التأمل وقبل استقرار المذهب إذ بعده لإعادة بإنكاره فلا يدل على الموافقة اتفاقًا وأكثر أصحابنا على أنه إجماع. وروى عن الشافعي ﵀ المشهور عنه أنه ليس إجماعًا ولا حجة وعند الجبائي إجماع بشرط انقراض العصر. وعند ابنه حجة وليس بإجماع وعند أبى علي بن أبي هريرة إن كان فتيا لا إن كان حكمًا (١). لنا أن المعتاد في كل عصر عند العرض أن يتولى الكبار الفتوى ويسلم سائرهم فشرط سماع المنطق من كل متعين خلافه بل بالنسبة إلى أهل العصر متعذر والمتعذر كالممتنع ولا سيما أن السكوت عند العرض أو الاشتهار المنزل منزلته ووقت المناظرة وطلب الفتوى ومضى مدة التأمل فسق وحرام إذ الساكت عن الحق شيطان أخرس فمن المحال عادة أن يكون سكوتهم لا عن اتفاق. للشافعى ﵀ جواز: أن يكون سكوته للتأمل أو للتوقف بعده لتعارض الأدلة أو للتوقير أو الهيبة أو خوف الفتنة أو غيره كاعتقاد حقية كل مجتهد فيه وكون القائل أكبر سنًا أو أعظم قدرا أو أوفر علما كما سكت على رض الله عنه حين شاور عمر ﵁ في حفظ فضل الغنيمة حتى سأله فروى حديثًا في قسمته وفي إسقاط الجنين فأشاروا أن لا غرم حتى سأله فقال: أرى عليك الغرة. وقيل لابن عباس ﵁ ما منعك أن تخبر عمر بما يرى في العول فقال: درته. وجوابه بعد ما شرطنا مضى مدة التأمل أن الصحابة لا يتهمون بارتكاب الحرام مع أنه خلاف المعلوم من عادتهم كما قال عمر ﵁ حين قال معاذ ما جعل الله على ما

стр. 649

في بطنها سبيلا لولا معاذ لهلك عمر وحين نفى المغالاة في المهر فقالت امرأة يعطنا الله بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] ويمنعنا عمر، كل أفقه من عمر حتى المخدرات في الحجال وسَكوت على ﵁ في المسألتين كان تأخيرًا إلي آخر المجلس لتعظيم الفتوى والممنوع ما فيه الفوت أو محمول على أن الفتوى الأولى كانت حسنة وما اختاره على ﵁ كان أحسن صيانة عن السنن الناس ورعاية لحسن الثناء والعدل. وحديث الدرة غير صحيح لأن المناظرة في القول كانت مشهورة بينهم وكان عمر ﵁ ألين الناس للحق واعتذار ابن عباس ﵁ للكف عن المناظرة إذ هي غير واجبة لا عن بيان مذهبه. وبه يعلم جواب الجبائي في أن الاحتمالات المذكورة قوية قبل انقراض العصر وضعيفة بعده فالظاهر الموافقة. وجواب ابنه في أن دلالة السكوت ظاهرية غير قطعية. قلنا: لولا اعتبار قضاء العادة لما حصل القطع بالإجماع أصلا كما علم من أدلته وهو حاصل ها هنا وبهذا يندفع الاحتمالات جمع ولابن أبي هريرة ﵁ أن العادة في الفتيا أن يخالف ويبحث دون الحكم والحاكم يوقر ويهاب دون المفتى. وجوابه: أنهما سواء قبل استقرار المذاهب قيل هذا إذا انتشر بين أهل العصر ولم تنكر أما إذا لم ينتشر فالأكثر على أن عدم الإنكار ليس مرافقة لجواز أن القول للغير أو لا بنقل قوله بخلاف الأول وهذا الفارق كأنه غافل عما قيس به محل النزاع من كونه بعد البلوغ ومضى مدة التأمل والحق أن هذا مسألة أخرى وهي أن ما نقل الفتوى فيه عن البعض دون الباقين فإن كان مما يعم به البلوى واشتهر كان كالإجماع السكوتي حكما وخلافًا وإن لم يكن منه وقد اشتهر فقبل هو مثله وقيل لا لاحتمال عدم الوصول إلى الغائب بخلاف السامع الساكت وإن لم يشتهر فعدم الإنكار لا يدل على الموافقة عند الأكثر فيما يعم به البلوى للأمرين واتفاقًا في غيره. الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين مثلا إجماع على نفي قول ثالث فلا يجوز إحداثه لمن بعدهم وفي غير الصحابة خلاف لبعض مشايخنا لأن لهم من الفضل والسابقة في الدين ما ليس لغيرهم وإنما يستقيم عند من حصر الإجماع على الصحابة ويطرد ذلك في الإجماع السكوتي عند سماع خطبة الخلفاء مثلا لما علم من عدم سكوتهم فيما هو من دقائق الفتوى وإن كان مباحًا فكيف فيما خالف الحق وجوزه الظاهرية.

стр. 650

ولتحريره مقدمة هي أن محل الاختلاف إما واحد أو متعدد قالوا حسد ذكروا له أمثلة: ١ - نحو عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بالوضع أو أبعد الأجلين ويشتركان في عدل جواز بالأشهر قبل الوضع لأن التقدير هنا مانع للأقل فبالأشهر ثالث بنفى المشترك المتفق عليه. ٢ - وجدان المشترى للبكر عيبًا فيها بعد الوطئ فالرد مع أرش النقصان وهو تفاوت قيمتها بكرًا وثيبًا ومنعه يشتركان في بقاء شيء من الثمن للبايع والرد مجانًا ثالث بنفيه. ٣ - إرث الجد مع الأخ استقلالا أو مقاسمة فحرمانه ثالث يمنع الإرث. ٤ - علة الربا في غير النقدين القدر مع الجنس أو الطعم مع الجنس أو الطعم والادخار معه وتشترك في أن لا برا إلا مع الجنس فالقول الرابع بعلة بلا جنس ينفيه ومعه لا. ٥ - خروج النجس من غير السبيلين يوجب تطهير المخرج أو الوضوء ويشتركان في وجوب التطهير فالقول بعدم وجوب شطء منهما برفع "المجمع عليه وبوجوب تطهيرهما لا. وفيهما بحث، أما في الأول فلصدق لا شيء من التطهيرين بمجمع عليه فلا يصدق، أحدهما واجب بالاجماع ولئن سلم فليس حكمًا واحدًا في الحقيقة وشرعيًا والمعتبر ذلك كما سيجيء. وأما الثاني فلأنه يرفع الافتراق المجمع عليه. والجواب عن الأول: أن الصادق سلب الإجماع عن وجوب المعينين ولا ينافى صدق الإجماع على وجوب التطهير المطلق وهو حكم واحد شرعي كالإجماع على دوام وجوب إحدى صلاتي الظهر أربعًا أو اثنتين أي حضرًا أو سفرًا مع صدق لا شيء من الصلاتين بمجمع على دوامه. وعن الثاني: أن الافتراق ليس حكمًا شرعيًا إذ الشرع لم يحكم بالمنافاة بينهما بخلاف ثبوت نسب الولد من الزوج المنعي كما هو عندنا أو الزوج الثاني كما عند الشافعي فثمة شمول الوجود والعدم برفعه وأما المتعدد فالقولان أما الوجود في الكل والعدم في الكل كفسخ النكاح بعيوبه الستة وعيوبها السبعة عند الشافعي وعدمه عندنا وتفريق القاضي في الجب والعنة ليس به وكثلث الكل اللام بكلا الزوجين وعدمه بل ثلث الباقي بينهما فالافتراق أي بأحدهما ثالث لكن لا يرفع في شيء منهما قولًا مشتركا شرعيًّا بخلاف أن للأب والجد ولاية إجبار البكر البالغة عند الشافعي لا عندنا فالافتراق يرفع مشتركًا شرعيًّا هو وجوب مساواة الأب والجد في الولاية وقد عهد حكمًا شرعيًّا بخلاف مساواة الزوجين في حق ميراث الأم ومساواة العيوب في حق فسخ النكاح وأما الوجود

стр. 651

في البعض مع العدم في البعض وعكسه كأقضية الخروج من غير السبيلين دون المس عندنا وعكسه عند الشافعي فشمول وجود الناقضية أو عدمها ثالث لكن لا يرفع مشتركًا شرعيًّا بل يوافق مذهبًا في كل وشمول العدم في المحتجم الماس رافع لعدم جواز الصلاة فيه وهو حكم شرعي متفق عليه لكن ذلك باعتبار وحدة محله كإجبار البكر الصبية لا بما هو المعتبر ها هنا من تعدد علته كالبكارة والصغر فإنهما بذلك الوجه من قبيل الاختلاف في علة الربا وأما الوجود في البعض مع العدم في بعض آخر شمول الوجود أو العدم كجواز النفل دون الفرض في الكعبة عند الشافعي وجوازهما عندنا فعدم جوازهما أو جواز الفرض دونه ثالث كاشتراط النية في جميع الطهارات عنده وفي التيمم دون الوضوء والغسل عندنا فالقول بعدمه في الكل أو في التيمم دونهما ثالث كإفادة البيع بالشرط الملك دون بيع الملاقيح عندنا وعدمها فيهما عنده فإفادتهما أو إفادة بيع الملاقيح عنده ثالث ففي نحوها اتفاق على وجود أو عدم في البعض وهو حكم شرعي يرفعه القول الثالث. إذا تمهدت فنقول اختار المتأخرون من الشافعية أن الثالث إن استلزم رفع قول متفق عليه فممنوع وإلا فلا لأن الممنوع مخالفة الكل فيما اتفقدا عليه أما مخالفة مذهب في مسألة وآخر في أخرى كما في أكثر القسم الأول وجميع القسم اك في من المتعدد فلا. وفيه بحث لأن المانعين مطلقًا تمسكوا أولًا بان الاتفاق ثابت إما على عدم التفصيل كما في مسألة العيوب وإرث الأم أو على عدم القول الثالث كما في الكل لأن كلا أوجب الأخذ بقوله أو قول صاحبه. فأجيب أن عدم القبول التفصيل أو الثالث وليس قولًا يعد مهمًا والمنفى القول بمنفيهم لا بما لم يتعرضوا له وإلا لزم كل مجتهد وافق صحابيًّا أو مجتهدًا يوافقه في جميع المسائل وليس كذا بالإجماع كما وافق أبو حنيفة ﵁ ابن مسعود في عدة الحامل لا في أن المحروم يحجب ومثله أكثر من أن يحصى حتى لو تعرضوا بنفي التفصيل أو الثالث أو بالعلة المشتركة كتوريث العمة والخالة لكونهما من ذوي الأرحام كان إحداثه ممتنعا وأما لزوم المنع عن الحكم في الواقعة المتحددة فممنوع إذ عدم التعرض أصلًا ليس لمحالتعرض بخلافه على أنا لا نعلم أن كلا أوجب الأخذ بقول صاحبه بل بقوله فقط. وأما الجواب بأن الاتفاق كان مشروطًا بعدم القول الثالث فيزول بزوال شرطه فليس بشىء لأنه يجوز مخالفة الإجماع مطلقًا والقول بتخصيص الإجماع البسيط عن هذا الجواز بالإجماع إثبات للإجماع بالإجماع وأنه دور. وثانيًا: أن فيه تخطئة كل فريق في مسألة وفيها تخطئة كل الأمة.

стр. 652

فاجيب أن الأدلة تقتضي منع تخطئة الكل فيما اتفقوا لأنه المفهوم عرفًا من الاجتماع ولئن سلم فالمحتمل ذلك جمعا بين الأدلة. والمجوزين مطلقًا تمسكوا أولًا بأن اختلافهم دليل صحة الاجتهاد لا مانع منه. فأجيب بأنه دليل ما لم يتقرر إجماع كما لو اختلفوا ثم أجمعوا هم ولئن سلم فالممنوع مخالفة ما تتفقوا عليه من الأمر المشترك. وثانيًا: لو لم يجز لم يقع وقد أحدث ابن سيرين أن للأم ثلث الكل مع الزوج دون الزوجة وعكس تابعي آخر ولم ينكروا وألا ينقل عادة فأجيب لا بأنه ليس بحجة إذ هو تمسك بالإجماع السكوتي بل بأنه كمثله العيوب في أنه لا ترفع مشتركًا متفقا عليه فلذا جاز. فنقول: المفهوم من أدلة المانعين أن القول الثالث يستلزم إبطال المجمع عليه مطلقًا ومن أدلة المجوزين أنه لا يستلزمه مطلقًا فالتفصيل بأنه إن استلزم منع وإلا فلا غير مقيد بل الشأن في التمييز بين الاستلزام وعدمه على أن التمسك بعدم القائل بالفصل مشهور في المناظرات كما يقال الوجوب في الضمان إن كان ثابتًا يثبت في الحلي قياسًا وإلا يثبت في الحلي أيضًا وإلا لاجتمع العدمان وهو منتف إجماعًا بل الحق هذا التفصيل وهو أن الغرض إما إلزام الخصم فيقبل التمسك ويبطل الثالث مطلقًا وهو محمل المنع المطلق من أصحابنا بدليل تجويزهم الإصابة في إحدى المسألتين المنفصلتين والخطأ في الأخرى. وأما إظهار الحق فلا يقبل ولا يبطل إلا إذا اشترك القولان في حكم واحد حقيقي شرعي يبطله الثالث. أما إذا لم يشتركا في قول إذ ما لا يتعرض له لا يسمى قولًا أو اشتراكًا في واحد اعتباري كما لو اعتبر ألحكمان من نحو الخروج والمس حكمًا واححًا أو في واحد ليس بشرعي كالافتراق فيما لم يحكم الشرع بالمنافاة أو شرعي لكن لم يرفعه الثالث كما في القول بوجوب تطهير المخرج والوضوء فلا. وهذا لأن الخلافين جعلوا عدم قول القرن الأول يحكم قولًا بعدمه لأنهم أقرب إلى زمن النبي ﵇ وأقوى في وجوه العدالة والضبط وتقاسيم الدلائل ودلالاتها فلو كان لما خرج من أقوالهم دليل لاطلعوا عليه عادة والحق أن المظنة لا ترفع المننة. ولابد ها هنا من تحقيق الإجماع المركب والإجماع المسمى عدم القائل بالفصل والفرق بينهما فالإجماع المركب الاتفاق في الحكم مع الاختلاف في العلة فكانه تركب من علتين.

стр. 653

ومن لوازمه أن يبطل عند فساد أحد المأخذين لانتهاء الحكم بالتهاء سببه المنحصر فلا ينافيه ثبوته بأسباب شتى ولذا سقط سهم ذوي القربى من الغنيمة بانقطاع النصرة، فإن المراد قرب النصرة لا قرب القرابة ولذا قسم ﵇ يوم خيبر بين بني هاشم وبنط المطلب لا بين بني عبد شمس وبنى نوفل وعلل بالاشتباك وسقط المؤلفة من أصناف الزكاة لغنى الإِسلام عنهم ولا نسخ بعد النبي ﵇. والقول بناسخية الإجماع مؤول بدلالته على النص الناسخ. أما بقاء الرمل في الطواف بعد إنتهاء التجلد وبقاء الرق بعد إنتهاء الاستنكاف فبدليله كالسنة الفعلية والإجماع وكونهما من الصور الحكمية الغير المحتاجة إلى تلك العلة وعدم القول بالفصل. قيل هو الإجماع المركب الذي يكون القول الثالث فيه موافقًا لكل من القولين من وجهه كما في فسخ النكاح بالعيوب وكأنهم عنوا بالفصل التفصيل. وقيل كما في القول بالعلة دون فرعها أو بالعكس أو بأحد فرعيها دون الآخر أو بشمول الوجود أو العدم بين مأخذي المذهبين المتناكرين لأن عدم القول بالفصل نوعان: عند اتحاد منشأ الخلاف بأحد طريقين إما بان يثبت الأصل المختلف فيه ثم يثبت فرعه بأن القول بالأصل دون الفرع لا قائل به كنفي الربا في الجص والنورة والحديد بعد إثبات عليه القدر والجنس وتزويج الثيب الصغيرة بعد إثبات علة الصغر وهذا صحيح والأوضح في مثاله أن يقال بعد إثبات أن النهى في الأفعال الشرعية يوجب تقريرها صح النذر بصوم يوم النحر وأفاد البيع الفاسد الملك بالقبض إذ لا قائل بالفصل وبعد إثبات أن التعليق يصير سببًا عند وجود الشرط يصبح تعليق الطلاق بالملك ولا يصبح التكفير قبل الحنث لعدم القائل بالفصل وأما بأن يثبت فرعًا لأصله ثم يبطل فرع الخصم وتثبيت فرعه الآخر بأن القول بأحدهما دون الآخر لا قائل به كان الربا جاد في الجص لقوله ﵇ "ولا الصاع بالصاعين" (١) فلا يجرى في الحفنة بالحفنتين فيجوز لأن عدم الجواز فيهما معًا خلاف الإجماع وهذا ضعيف لأنه لم يثبت العلة صريحًا بل بواسطة الفرع وإذ لا يبطل أصل الخصم لجواز ثبوت الحكم بعلل شتى بخلاف التصريح بإثباتها فإنه يشتمل على إثبات مجموع العلة وذا يبطل وجود علة أخرى أما تصحيحه بأن مجموع العلتين أو مجموع العدمين لا قائل به ولو ثبت لاجتمعت الأمة على الخطأ فإنما يصح عند قصد الإلزام أما عند قصد التحقيق فلا لجواز الخطأ في إحدى المنفصلتين مع الإصابة في

стр. 654

الأخرى كما مر. ٢ - عند اختلاف المنشأ كان يقال الفىء أو المس ناقض ولا ينقض الفيء بالنص فينقض عليه آخر وإلا كفى في إثبات أحكام مذهب إثبات حكم منه فعلى هذا عدم القول بالفصل هو الفرق بين القولين بغيرهما. وفيه بحث فإن أصحابنا على أن الإجماع المركب حجة مطلقًا ولا سيما عند قصد الإلزام فيكف يكون نوع منه مردودًا مع أنه مسألة إرث الأم كمسالة الفسخ بالعيوب فجعل أحديهما من عدم القول بالفصل دون الأخرى نحكم على أن الفرق بين القولين يشتمل جميع صور الإجماع المركب ويستعمل في جميعها في الخلافيات فالحق أنهما يتساويان مقبولا ومردودًا على التفصيل السالف. الثالث إذا استدل أهل عصر بدليل أو أولوا تأويلان قال الأكثرون يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر خلافًا للبعض فإن نصوا على بطلانه لم يجز اتفاقًا. لنا أولًا أنه لا إجماع إحداث لأن عدم القول ليس قولًا بالعلم بخلاف صورة التنصيص. وثانيًا: وقوعه لأن إحداث الأدلة والتأويلات يعد فضلا بين العلماء. ولهم أولًا أنه اتباع غير سبيل المؤمنين، قلنا المراد بسبيلهم ما اتفقوا عليه لا متعرضون له بالخلاف فضلا عما لم يتعرضوا له أصلًا جمعًا بين الأدلة وقيل لأنه لو عمم لزم المنع عن الحكم في الواقعة المتجددة وأنه بطل إجماعًا ورد بأن فيما نحن فيه سبيلا ولا سبيل هناك أصلًا أو تقول المراد بسبيل المومنين مذهب المجمعين لا دليلهم وإلا لزم معرفة السند واتباع المجهول. وثانيًا: أن المعروف في ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٧١] عام أي بكل معروف فليس ذلك معروفًا وإلا لأمروا به، قلنا معارض بقوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [التوبة: ٧١] إذ لو كان منكرًا لنهوا عنه والعموم مم ولئن سلم فعرفي أي بكل معروف يحيطه أذهانهم هذا في مطلق الدليل أما في الدليل الراجح كالخبر وغيره فلا يجوز أن لا يعلمه جميع أهل عصر ويعملوا بمعارضه لأنه اجتماع على الخطأ وإن عملوا على وقفه بدليل آخر يجوز في المختار لأن عدم القول ليس قولًا بالعلم فليس إجماعًا على الخطأ وقيل لا لأن السبيل هو الراجح وقد اتبعوا غيره. وجوابه مر بالوجهين وهنا ثالث هو أنه ليس سبيلهم بل من شأنه أن يكون ذلك. الرابع: يمتنع ارتداد كل الأمة في عصر وإلا لاجتمعوا على ضلالة وأي ضلالة.

стр. 655

قيل الردة تخرجهم عن أن يكونوا أمة, لأن المراد أمة المتابعة ولذا لم يعتبر الكفار في الانعقاد وأجيب بصدق أن أمة محمَّد ﵇ ارتدت كصدق كل نائم مستيقظ وهو أعظم الخطأ. اخامس: لا يصح التمسك بالإجماع كما زعم في نحو قول الشافعى: دية اليهودي الثلث زعما أن الأمة لا تخرج عن القول به أو بالكل أو النصف وفيهما هو لأن القول بالثلث مشتمل على نفي الزائد ولا إجماع فيه فإن أبدى لنفيه أمر آخر من مانع أو أن الأصل العدم لم يمكن إثباته بالإجماع ويمكن أن يقال المتمسك جعله حكمين فتمسك في وجوب الثلث لا ينفى الزائد. الفصل السادس: في أهلية من ينعقد به هي بأهلية الكرامة لأن حجيته كرامة لهذه الأمة وهي بصفة الاجتهاد والاستقامة في الدين عملا واعتقادًا فهو كل مجتهد ليس فيه فسق ولا بدعة فإن الفاسق متهم حيث لم يتحرز عن الفعل الباطل فلا يتحرز عن القول الباطل وساقط عدالته فلا يصح قوله ملزمًا وصاحب البدعة إن كان عالمًا بقبح ما يعتقده معاندًا فهو متعصب إذ التعصب عدم قبول الحق مع ظهور الدليل للميل سواء غلا حتى كفر كالمجسمة في التشبيه والرافضة في تغليط جبرائيل ﵇ أو كالروافض في إمامة الشيخين والخوارج في إمامة على ﵁ وإن لم يكن عالمًا بقبيحه فإن كان لعدم المبالاة فهو ماجن كالروافض في الهذيانات المحكية وإن كان لنقصان العقل فهو سفيه إذ السفه خفة تحمل على مخالفة العقل لقلة التأمل والمجدعة لا لخلو من هذه وأيًا كان فليس من الأمة المطلقة بكمالها بل من أمة الدعوة وإن كانوا من أهل القبلة وهي المرادة بقوله ﵇ ستفترق أمتي الحديث. أما صفة الاجتهاد فشرط في أحد نوعي الإجماع وهو ما يحتاج إلى الرأي كتفصيل أحكام الصلاة والنكاح وغيرهما وفي النوع الآخر وهو ما لا يحتاج إليه كأصول الدين الممهدة من نقل القرآن وأمهات الشرائع فعامة المسلمين داخلون لا بمعنى أن أحدًا من العوام لو خالف لم ينعقد فلم يكفر جاحده بل بمعنى وجوب دخولهم حتى يكفر كل منكر لإيجاب سنده القطع بخلاف الأول إذ القطع ثمة بالإجماع فلو أنكر واحد من أهل الحل والعقد لم يكفر جاحده. وهاهنا مسائل الأولى أدلة الإجماع منتهضة على أن لا عبرة بالخارج عن ملة الإِسلام ولا بمن سيوجد وإلا لم يعلم إجماع قط اتفاقًا أما المقلد فلا يعتبر جاهلا أو عالمًا بغيره فمن الاجتهاد أو قول حصل طرفًا حاصلا منه وقيل يعتبر الأصولي فقط التمكنة من

стр. 656

التمييز بين الحق والباطل بعلمه بكيفية الاستدلال. وقيل الفروعي فقط لعلمه بالأحكام. وقيل كل منهما لنوع من الأهلية. وقيل والعوام وينسب إلى القاضي لأنهم كل من الأمة وإن خص الصبي والمجنون ومن لم يوجد لعدم اللهم لنا أولًا لو اعتبر وفاق العوام مطلقًا أو في فن الاجتهاد لم يتصور إجماع إذ العادة لقنع وفاقهم. وثانيًا: أن غير المجتهد مقلد يحرم عليه المخالفة قولا وفعلا فمخالفته عصيان قادح ومن لم يقدح مخالفته لم يؤثر موافقته والمجتهد العاصي لا يعتبر فغيره أولى. وثالثًا: أن قول المقلد من عنده قول بلا دليل فيكون خطأ فلو اعتبر جاز أن يكون قول المجتهدين أيضًا خطأ فجاز اتفاق الأمة على الخطأ. الثانية: بدعة المبتدع إن تضمنت كفرًا كالتجسيم فإن قلنا بالتكفير فكالكافر وإلا فكسائر المبتدعين وهم كمن فسق فسقًا فاحشًا وأصر من نحو الخوارج قتلوا وأحرقوا وسبوا ولم يمنعوا الفروج والأموال فقيل يعتبر مطلقًا وقيل في حق نفسه لا في غيره فاتفاق غيرهم ليس حجة عليهم. والحق أنه لا يعتبر لعدم أهلية الكرامة والإلزام بقوله إذ عندها بتحقق صلوح الشهادة والخيرية وقضاء العادة بامتناع اتفاقهم على الكذب قالوا ليس من سواه كل الأمة. قلنا: كل أمة المتابعة وهو المراد وإلا لدخل الكافر. وللمفصلين أن فسقه لا يمنع قبول قوله في حقه كإقرار الفاسق والكافر. قلنا: لو قيل كان له لا عليه إذ يحصل به شرف الاعتداد بمقاله. الثالثة: قالت الظاهرية به إجماع غير الصحابة ليس بحجة (١) وعن أحمد قولان (٢) والحق خلافه (٣) لأنه إجماع الأمة قالوا أولًا لو جاز إجماع غيرهم فيما اختلفوا فيه لعارضه إجماعهم على جواز أخذ أي طرف كان بالاجتهاد فيما لا قاطع من الأحكام وتعارض الإجماعين ممتنع عادة. قلنا: يجرى ذلك في إجماعهم على حكم بعد اختلافهم فيه.

стр. 657

وحله أن ما انعقد فيه الإجماع يحصل فيه القاطع فيخرج عن محلية الإجماع على جواز أخذ أي طرف كان إذ معناه ما دام لا قاطع فيه فإن أكثر القضايا العرفية سيما السوالب مقيدهَ بوصف الموضوع نحو لا شيء من النائم بيقظان. وثانيًا: لو اعتبر إجماع غيرهم لاعتبر مع مخالفة بعض السوالب ولا يصح قلنا يصح عند من لا يشترط أن لا يسبقه خلاف مستقر وليس بإجماع عند من يشترطه. وثالثًا: أن نصوص حجيته تناولتهم فقط مع أن اجتماع جميع المجتهدين إنما كان في زمنهم. قلنا: فلا ينعقد من الصحابة أيضًا بعد موت بعضهم وذا خلاف مذهبهم ثم الكلام فيما على اتفاقهم وتعذره بعذر منهم لا ينافِيه. الرابعة: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة القليل (١) خلافًا لأبي الحسين الخياط من المعتزلة ومحمد بن جرير الطبرى وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين وأبى بكر الرازى (٢) لأن الدليل لم ينهض إلا في كل الأمة. قالوا: الأمة وسبل المؤمنين يصدق على الأكثر كما يقال بقرة سوداء وإن كان فيها شعور بيض وبنو تميم يحمون الجار ولأن الجماعة أحق بالإصابة وقال ﵇ "عليكم بالسواد الأعظم" (٣) وهو الأكثر وقال: "يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار" (٤) وكما اعتمد على الإجماع في خلافة أبى بكر مع مخالفة سعد بن عبادة وعلى وسلمان ﵃ ولأن الأكثر ربما يبلغ حد التواتر ولأن الصحابة أنكروا على ابن عباس خلافه في ربا الفضل. قلنا الأمة والمؤمنون في الأكثر مجاز والأصل عدمه والإصابة لا تستلزم الإجماع إذ الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها. والمراد بالسواد الأعظم وبالجماعة الكل وإلا لانعقد إذا نقص المخالف عن النصف بواحد فضلا عن الثلث وليس كذا إجماعًا وأعظميته مما دون الكل. والوعيد على من خالف بعد إنعقاد الإجماع وإلا فلا وعيد ولأن شذ البعير إذا توحش

стр. 658

بعد ما كان أهليًا فمعناه نهى عن مخالفة الإجماع المنعقد أو عن الرجوع أو إيجاب على كل واحد للعمل والاعتقاد بموجبه إذ لا يلزم في كل إجماع مخالف شاذ إجماعًا ألا يرى أن المخالف الواحد كابن عباس ﵁ في العول وأبي موسى الأشعرى في انتقاض الوضوء بالنوم وأبي طلحة في أن البرد لم يفطر صح في الإجماع بينهم ولذا لم ينكروه وخلاف الأقل من النصف أكثر من أن يحصى والتمسك في خلافة أبى بكر قبل موافقة الثلاثة كان تبيعة الأكثر وبعدها تأكدت بالإجماع والإجماع حجة ولو لم يتواتر كما مر وقدح خلاف الواحد في الابتداء فلا ينافيه الإنكار في البقاء ولو سلم كونه في الابتداء فالإنكار لفساد مأخذه لا لمخالفة الإجماع نعم لو ندر المخالف مع كرة المثقفين كما في المسائل الثلث كان قول الأكثر حجة وإن لم يكن إجماعًا لأن الظاهر وجود راجح لهم وكون متمسك النادر راجحًا ولم يطلع الكثيرون عليه واطلعوا وخالفوا عمدًا أو غلطًا في غاية البعد. الخامسة: التابعى يعتبر في إجماع الصحابة معهم (١). وقيل: لا (٢) لأنهم الأصول في الأحكام وهم المخاطبون حقيقة بالأداء أما من نشأ بعد انعقاد إجماعهم فالخلاف فيه مبنى على اشترارو انقراض العصر. لنا أنهم ليسوا بدونه كل الأمة وأن الصحابة سوغوا اجتهاده معهم والتفتوا إليه كما يجب وذا دليل اعتباره. السادسة: قبل إجماع أهل المدينة وحدهم من الصحابة والتابعين معتبر عند مالك ﵀ وحل على تقدم روايتهم أو على حجية إجماعهم في المنقولات المستمرة كالأذان والصاع ونحوهما وقيل مراده التعميم. والحق أنه وحده ليس بحجة لأنهم ليسوا كل الأمة والاصل عدم دليل آخر. لهم أولًا أن العادة قاضية بعدم إجماع مثل هذا الكثير من المحصورين في مهبط الوحي الواقفين على وجوه الأدلة والترجيح إلا عن راجح. وجوابه منع ذلك لما علم من تشتت الصحابة قبل زمان صحة الإجماع فيجوز أن يكون لغيرهم متمسك راجح لم يطلعوا عليه فهذا ليس احتمالا بعيدًا. وثانيًا: نحو المدينة طيبة تنفى خبثها والخطأ خبث.

стр. 659

وجوابه: أنه دليل فضلها وقد علم وجود الفسوق فيها فلا دلالة على انتفاء الخطأ. وثالثًا: تشبيه علمهم بروايتهم. وجوابه: الفرق بأن الرواية ترجح بكثرة الرواة إلا الاجتهاد بكثرة المجتهدين. السابعة: لا ينعقد بمجرد العترة أي أهل بيت رسول الله ﵇ خلافًا للإمامية والزيدية من الشيعة (١) ولا بالأئمة الأربعة وحدهم خلافًا لأحمد والقاضى أبى خازم من الحنفية (٢) ولأبى بكر وعمر خلافًا للبعض. لنا ما مر وللشيعة حصر انتفاء الرجس فيهم بقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية والخطأ رجس وحصر التمسك في كتاب الله وفيهم بالحديث قد علم أنه دليل فضلهم مع أن المذكور في التفاسير أن المراد بالرجس الشرك أو الإثم أو الشيطان أو الأهواء والبدع أو البخل والطمع وسيعلم أن المفهوم من الحديث أهلية الاقتداء ومعارض بأحاديث الصحابة على أنه يفيد التمسك بهما معًا لا بالعترة وحدها وحديث العصمة مستوفى في الكلام. وللآخرين الأحاديث الدالة على الأمر باتباع الخلفاء الراشدين وأبى بكر وعمر. وجوابه أن المفهوم منها أهليتهم للاقتداء لا انعقاد الإجماع بهم ككل مجتهد وإلا لعارضها الواردة في اقتداء مطلق الأصحاب وعائشة ﵃ حيث يدل على اهتداء من اقتدى بمن خالفهم. وهو جواب عن أدلة الشيعة أيضًا. ثم لو صحت الأدلة لوجب الاقتداء بهم على سائر الصحابة وهو خلاف الإجماع. الفصل السابع: في شروطه وفيه مسائل: الأولى: انقراض عصر المجمعين ليس بشرط لانعقاده ولا حجيته وهو الأصح من الشافعي ﵁ فلو اتفقوا ولو حينًا لم يجز لأحد مخالفته وقال الشافعى في قول وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن فورك يشترط وفائدته عند أحمد جواز الرجوع قبل الانقراض لا دخول من أدرك عصرهم فلا يكون المخالف خارقًا إلا بعد الانقراض وعند

стр. 660

الباقين كلا الأمرين لكن لا دخول من أدرك عصر من أدركهم وإلا لم ينعقد إجماع أصلا لو فرض تلاحق المجتهدين وهو خلاف الإجماع. وقال الأستاذ وبعض المعتزلة يشترط في السكوتى دون الباقين وقال إمام الحرمين يشترط فيماكان سنده قياسًا فقط (١). لنا عموم الأدلة السمعية مع أن الزيادة نسخ عندنا فإن انتهضت العقلية أيضًا لتقرر الاعتقادات فذاك وإلا فنقول كون الحق لا يعدو الإجماع كرامة لهم لا لمعنى يعقل وإلا لم يختص بهذه الأمة فوجب حين الاتفاق. للمشترطين أولًا أن الإجماع باستقرار الآراء وهو بالانقراض إذ قبله وقت التأمل. قلنا مضى وقت التأمل إذ تقرر الاعتقاد. وثالثا: أن احتمال رجوع الكل أو البعض ينافي الاستقرار. قلنا: توهم الدافع ليس دافعا فكيف أن يكون ذاك رافعا. وثالثا: أن ابتداء الانعقاد برأي الكل فكذا بقاؤه، لأن مدار كرامة الحجية وصف الاجتماع فلا يبقى مع رجوع البعض. قلنا قياس الرفع على الدفع. ورابعًا: لو لم يشترط لزم أن لا يعمل بالخبر الصحيح إن اطلع عليه فأدى إلى إبطال النص بالاجتهاد. قلنا: الاطلاع بعد أن لم يمكن إذ الظاهر عدمه بعد إنعقاد الإجماع فالمحلل جاز أن يستلزم المحال وإن أمكن فإبطال النص بالإجماع القاطع لا بالاجتهاد في سنده كما لو اطلع بعد الانقراض. وخامسًا: أن عليًا ﵁ وافق الصحابة في منع بيع المستولدة ثم رجع لقول عبيدة السلمانى رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك فدل على جواز الرجوع عن الإجماع قبل الانقراض. قلنا قد وافق بعض الصحابة المختلفين وليس الجماعة هو الإجماع. الثانية: بلوغ المجمعين عدد التواتر ليس بشرط عند الأكثر لعموم دليل السمع لا سيما وحجيته كرامة لا تعقل، أما من استدل بالعقل وهو أنه لولا القاطع لما حصل الإجماع على القطع فيقول بالتواتر إذ لا يحكم العادة بالقطع في غيره كذا قيل.

стр. 661

وقد مر أن العقلي أيضًا أعم والحق أن كل إجماع قطعى الثبوت بالتواتر قطعى الدلالة لمعنى عدم الاحتمال الناشئ عن الدليل بالاتفاق أما بمعنى عدم الاحتمال أصلًا فإذا بلغ المجمعون عدد التواتر فكذا وإلا فإن اكتفى في التواتر بحصول اليقين من غير اشتراط عدد فهذا الإجماع الثابت بالعقل يلازمه وإن اشترط العدد فهو أعم وإذا لم يشترط العدد فلو لم يبق إلا مجتهد واحد فالحق أن قوله حجة بمضمون السمعى أن الحق لا يعدو الأمة وإن خالف صريحه فلم يخالفه قول المخالف لعدم صدق الاجتماع. وقيل لا نظر إلى صريحه. الثالثة: اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول بعد ما استقر خلافهم يمتنع عند الأشعرى وأحمد والإمام والعزالى (١) ويجوز عند غيرهم (٢) ثم قال بعض من المتكلمين ومن أصحابنا ومن الشافعية ليس بحجة والأصح عند مشايخنا أنه حجة اتفاقًا فقد صح عن محمَّد أن قضاء القاضي ببيع المستولدة ينقض وكذا عن أبي يوسف في الصحيح وأما عن أبى حينفة ﵁ برواية الكرخي أنه لا ينقض فاستدل به على أنه اعتبر الاختلاف السابق لا الإجماع اللاحق وليس بتام لجواز أن يكون ذلك للشبهة في نفس الإجماع مجتهدًا لكونه مجتهدًا فيه المقتضية لنفاذ القضاء كما لا ينقض القضاء في مختلف فيه إلا إذ كان نفس القضاء مجتهدًا فيه كاستقصاء محدود في القذف أو امرأة فقضت الحدود فإنه ينقص لأن انقضاء الثاني لحق المجتهد فيه مع أن في بيع المستولدة روايات أصحها على ما في الجامع إن أمضى قاض آخر تنفذ وإلا فلا. لنا في جوازه وإن قل على بعد لأن الإجماع لا يكون إلا عن جلى ويبعد غفلة لمخالف عنه وإن وقعت كالسوفسطائية وقوعه كإجماع من بعد الصحابة على بيع المستولدة بعد اختلافهم فيه وكما في صحيح البخاري أنه ﵇ كان يمنع عن المتعة أي متعة الحج إلى العمرة برواية عثمان وعلى ﵄ وفي صحيح مسلم برواية عمر ﵁ قال البغوي ﵁ ثم صار إجماعًا أي جوازه مجمعًا عليه. للأشعرى أو لإفضاء العادة بامتناع الاتفاق بعد استقرار الخلاف لأن المعتاد هو الإصرار لكل على مذهبه وجوابه لمنع حيث وقع. ثانيًا: لو وقع لكان حجة لتناول الأدلة فيتعارض هذا الإجماع مع إجماع الأولين على

стр. 662

تسويغ الأخذ بكل منهما وإنه محال، وجوابه ما مر من الوجهين منع تسويغ كل من الأخذ بقول الآخر وبعد تسليمه فالإجماع مشروط بعدم وجود القاطع وقد ورد أما نقضه بما لم يستقر الخلاف حيث أجمعوا على جواز الأخذ حينئذ بكل واحد فليس بتام لأن ذلك تجويز ذهنى الإمكان أي لا يمتنع الذهاب إلى شيء منهما وإن جاز ظهور بطلانه وهذا تخويز وجودى بمعنى الإباحة أي يجوز العمل بهما معًا. وثالثًا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩] الآية فيجب رد محل النزاع إلى الكتاب والسنة فلو كانَ هذا الاتفاق حجة لرد إليه لا إليهما وجوابه أنه لم يبق محل النزاع. ورابعًا: قوله ﵇ "بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١) فلو كان حجة لما حصل الاهتداء باقتداء المخالف وجوابه بأن الخطاب لعوام الصحابة لا للمجتهد إذ لا يجوز له الاقتداء بغيره ولا لمن بعدهم ليس بشىء لأن عوام من بعدهم بالأولى بل بأن ذلك فيما بقى فيه الاختلاف ولم يبق بالإجماع. ولنا في حجيته تناول الأدلة. وللمانعين أولًا تعارض الإجماعين وقد تكرر مع جوابه. وثانيًا: عدم صدق اتفاق كل الأمة لأن الميت منهم وقوله يعتبر لدليله لا لعينه ودليله باق لا يموت مع موت صاحبه بخلاف من لم يأت إذ لا هو متحقق ولا قوله وجوابه بالنقض ما لم يستقر الخلاف فاسد إذ ليس هنا قول عرفًا بل بأن حجية اتفاقهم كرامة لهم للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يتصور ذلك إلا من الأحياء المعاصرين ودليله إنما يبقى لو لم ينسخ بالإجماع كالقياس الذي نزل نص بخلافه. قيل وفيه بحث إذ لا نسخ بعد وفاة الرسول ﵇. قلنا: المنفى هو النسخ بالوحى لانقطاعه وهذا نسخ دليل المجتهد بالإجماع أو الناسخ في الحقيقة الوحي المتأيد به، وثالثا: أن في تصحيحه تضليل بعض الصحابة بإجماع التابعين على خلافه كابن عباس ﵁ في إنكار العول وابن مسعود في تقديم ذوي الأرحام على مولى العتاقة وإذ بطل.

стр. 663

وجوابه إن أريد التضليل في الاعتقاد منع اللزوم إذ الاعتقاد فيما اختلف فيه على أن ما أراد الله تعالى حق منهما وإن أريد من حيث وجوب العمل كا هو الحق فبطلان اللازم بل خطأ معذور فيه, لأن أحد المختلفين مخطئ في الواقع قطعا إذ الحق واحد. أو نقول إن أريد التضليل بالنظر إلى الدليل فغير لازم لأن دليلهم يومئذ كان حجة موجبة للعمل إلى زمان حدوث الإجماع فنسخ به كقول بعض المختلفين وإن رده الرسول بعد العرض وكصلاة أهل قباء بعد نزول النص قبل بلوغهم وإن أريد بالنظر إلى الواقع فليس بباطل لأن المجتهد يخطئ ويصيب. ورابعًا: لزوم كون قول الباقي بعد موت المخالفين أو ارتدادهم حجة لأنه قول كل الأمة الأحياء في عصر. وجوابه التزام اللازم على قول الأقلين أما على الأكثر فالفرق بأن قولهم قول من خولف في عصرهم بخلاف ما نحن فيه. وخامسًا: فيما بين أصحابنا أن محمدًا ﵀ نص عنهم أن من نوى الثلاث في أنت بائن فوطأها في العدة لا يحد لقول عمر ﵁ إنها رجعية مع الإجماع المركب في أن لا رجعة للبينونة أو للثلاث وجوابه أن سقوط الحد لشبهة الخلاف في حجيته فلما عملت في نفاذ القضاء فلأن تعمل فيه أولى. الرابعة: اتفاق أنفس المختلفين قبل استقرار الخلاف حجة وإجماع إجماعًا وحمل خلاف الصيرفي عليه ليس بشىء وبعده ممتنع عند الصيرفى والصحيح جوازه فقيل ليس بحجة والأصح حجيته كما عند كل من شرط انقراض العصر إذا انقرض عليه. لنا وقوعه كعلى خلافة أبي بكر ﵁ وعموم الأدلة ولهم ما مر من تعارض الإجماعين وغيره مع جوابه والحجية ههنا أظهر لأن قول البعض بعد الرجوع عنه لم يبق معتبرًا فهو اتفاق كل الأمة بخلاف ما قبلها إذا اعتبر قول المخالفين من الموتى. الفصل الثامن: في حكمه أصله أن يثبت حكمًا شرعيًّا على اليقين كالكتاب والسنة وإن جاز تغيره بالعارض كما في الآية المأولة وخبر الواحد وأبو بكر بن الأصم وأمثاله يأبى حكمه كما يأبى انعقاده فيقوم الحجج السالفة عليه، ضابط محله لا يصح التمسك به فيما يتوقف حجته عليه كوجود البارى تعالى وصحة الرسالة ودلالة المعجزة لأنه دور بخلاف الأحكام الفرعية ونحو حدوث العالم فإن حدوث الأعراض كاف في الاستدلال على وجوده تعالى ونحو وحدة الصانع فإن تعدده لا

стр. 664

ينافى حجيته وما لا يتوقف عليه إن كان دينًا صح اتفاقًا فرعيًا كان أو عقابًا لكن المعتبر كما في العقليات ما يقع القطع به لا للعلة كرؤية البارى تعالى لا في جهة وغفران المذنبين وإن كان دنيويًا كالأراء والحروب صح خلافًا للغزالى والمتأخرين من مشايخنا وللقاضى عبد الجبار قولان: للمجوزين عموم النصوص وفي الميزان لكن إنما يحب العمل به في العصر الثاني إن لم يتغير الحال ويجوز مخالفته إن تغير لأن المصالح العاجلة تحتمل الزوال. وللمانعين أنه ليس أعلى من قول الرسول وإنه ليس حجة في أمور الدنيا كما قاله ﵇ في قضية التلقيح "أنتم أعلم بأمور دنياكم" (١) والحق أن هذا فيما لا يتعلق به عمل واعتقاد. الفصل التاسع: في سببه وهو قسمان سبب ثبوته وهو السند وسبب ظهوره وهو الثقل ففيه مسألتان: الأولى: لا بد له من سند أي دليل أو أمارة يستند علمِه فالأول لأن الفتوى قبل الإجماع بدونها قول بالتشهى فيكون خطأ وإذا كان قول كل خطأ بيقين كان الإجماع خطأ. وثانيًا: استحالة الاتفاق بلا داع عادة كعلى طعام واحد. وثالثًا: أن الحكم الذي ينعقد به الإجماع إن لم يكن عن دليل سمعي كان عن عقل وقد مر أن لا حكم له قالوا لو كان عن سند لاستغنى به عن الإجماع فلم يبق له ولحجيته فائدة. قلنا: مع أن يقتضي أن لا يكون إجماع ما عن سند وهو خلاف الإجماع فلم يبق له ولحجيته فائدة، قلنا: مع أنه يقتضي أن لا يكون إجماع ما عن سند وهو خلاف الإجماع لأتم اللزوم إذ فائدته حرمة المخالفة وسقوط البحث عن كيفية دلالة السند وعن تعيينه وتعدد الأدلة والإجماع في بيع المراضاة وبعض الإجارات كالحمام والقصار متروك نقل دليله استكفاء بالإجماع. فرعان: ١ - يصح الإمارة كالقياس وخبر الواحد سندًا له خلافًا لابن جرير الطبرى والظاهرية فبعضهم منع الجواز وبعضهم منع الوقوع. لنا في جوازه عدم لزوم المحال لذاته منه وفي وقوعه الإجماع على خلافة أبى بكر قياسًا على إمامته الصغرى وعلى دخريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه وإراقة نحو الشيرج

стр. 665

بوقوع الفأرة قياسًا على السمن، وعلى ﵁ أثبت حد شارب الخمر بالقياس على المفترى وعبد الرحمن بقياس حده على حده وكالإجماع على وجوب الغسل في التقاء الختانين بحديث عائشة ﵂ وعلى حرمة بيع الطعام قبل القبض بحديث ابن عمر ﵁ قالوا: أولًا: أجمعوا على جواز مخالفة الإمارة فلو كان سندًا لما جاز. قك ذلك قبل انعقاده كما مر. وثانيًا: المختلف فيه كيف يصير سندًا للمتفق عليه والفرع لا يكون أقوى من الأصل. قلنا: منقوض بعموم النص وحله أن الإجماع برفع الخلاف لأن القطع به ليس من سنده بل من عينه كرامة لأمة وإدامة لأهل الحجة على الحجة كقضاء القاضي. ٢ - أن الإجماع الموافق لحديث لا يجب أن يكون منه لجواز تعدد الأدلة على واحد خلافًا لأبي عبد الله البصري. الثانية: يجوز نقله بالأحاد خلافًا لبعض الفقهاء لنا وقوعه كالأربع قبل الظهر وإسفار الصبح وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت بقول عبيدة السلماني وكالتكبيرات الأربع في الجنازة بقول ابن مسعود رض الله عنه. قالوا لا يثبت القطع به. قلنا: الثابت ظني كما في السنة الثابة به. الفصل العاشر: في مراتبه الأقوى في المنقول متواترًا إجماع الصحابة إذا انقرض عليه عصرهم فهو كالآية والخبر المتواتر القطعى الدلالة يكفر جاحد حكمه كما يكفر جاحد حجية الإجماع مطلقًا وهو المذهب عند مشايخنا. وقيل: ليس بكفر. وقيل كفر فيما علم كونه من الدين ضرورة كالعبادات الخمس وفي غيره خلاف وفي جعل الثالث مذهبًا نظر، ثم إجماع من بعدهم بذلك الشرط فيما لم يرو فيه خلافهم فهو كالمشهور يضلل جاحده ولا يكفر إجماعًا ثم الإجماع المختلف فيه كإجماع فيه خلاف سابق أو رجوع من البعض لاحق فهو كالصحيح من الآحاد لا يضلل جاحده ويجرى هنا النسخ إن قيل به في الإجماع فيما بين إجماعى الصحابة وبين ما بعدهم مطلقًا لا بينه وبين ما بعدهم لكن يجب العمل به بشرط أن يوافق الأصول وهكذا حكم كل إجماع نقل بالأحاد خلافًا للغزالى وبعض مشايخنا لنا أن الظنى الدلالة كالخبر يجب العمل به فقطعي الدلالة أولى.

стр. 666

وقوله ﵇ "نحن لا نحكم بالظاهر" (١) وبعد إلاطلاع لا يقتضى الامتناع. قيل هما من الظواهر ولا يثبت الأولى الكلي به لوجوب القطع في العمليات. قلنا: الأول قطع لأنه إثبات بالأولى لا قياس. والثاني: مني على أن لا يشترط القطع في الأصول والحق ذلك للإجماع على التمسك بالظواهر في حجية الإجماع. الركن الرابع: القياس وفيه حمسة فصول إذ لا يصح الشىء المشروع إلا بمعناه ولا يوجد إلا عند شرطه ولا يقوم إلا بركنه ولم يشرع إلا لحكمة ولكونه مما يحتج به قد يدفع. الفصل الأول: في معناه وفيه مباحث: الأول: في تعريفه هو لغة التقدير (٢) كقياس انتعل بالنعل والثوب بالذراع وذا المعاني بإلحاق الشىء بغيره وجعله نظيره ولكونه تقدير شىء بآخر ليعم المساواة تخوز لها يقال: فلا يقاس به ولا يقاس وعلى المعنين، إما من قاس أو من قايس وأصل وصل الأربعة الباء وقد يوصل بعلى تبين البناء والتنبيه على أن الشرعي له لا للابتداء وشرعًا قال علم الهدى إبانة مثل حكم أحد المعلومين بمثل عليه في الآخر (٣) فالإبانة لأنه مظهر والمثبت ظاهرًا دليل الأصل وحقيقة هو الله تعالى والمثل لئلا يلزم القول بانتقال الأوصاف ولأن المعنى الشخصى لا يقوم بمحلين وحكم المعلومين يشمل وجودى الموجودين كقولنا في شبه العمد عمد عدوان فيقتص به كما في المحدد وعدمهما نحو قتل فيه شبهة فلا يقتص به كالعصا الصغيرة ووجودى المعدومين كعديم العقل بالجنون عليه بالصبر في أن يولى عليه وعدميهما كهو عليه في أن لا يلي ولا يخفى أربع المختلفين وبمثل علته يتناول الوجودى الشرعى كالعدوانية والعقلي كالعمدية والعدمى نحو ليس بعمد وعدوان فلا يقتص به كما في الصبى وهذا يتناول دلالة النص ولذا تسمى قياسًا قطعيًا وجليًا.

стр. 667

فإن أريد التمييز عنه قيد العلة بالتى لا تدرك دمجرد اللغة أو التي ليست شرط تناول اللفظ لغة بل سبب ظهور الحكم. بل هذا تعريف والثمرة المتوقفة عليه إذ يقال في ليل إبانة حرمة الربا في الذرة هو القياس فالصحيح تعريفه يتبين عليه علة الأصل للإبانة. وجوابه أن الغاية الإبانة الجزئية للقياس الجزئى الخارجى والحد الإبانة العقلية الكلية كما أن المقصود بالتحديد القياس العقلي والإبانة الجزئية ليست بموقوفة على تعقله فضلا عن الكلية فلا دور والحق أنه تعريف بالغاية وهو رسم معتبر وقيل مساواة فرع لأصل في علة حكمه ولأن المتبادر إلى الفهم من المساواة ما في نفس الأمر إما لإطلاقها أو لأن مؤدى الألفاظ في الحقيقة ذلك اختص بالصحيح منه فلا مساواة فيه فاسد فعلى المصوبة أن يزيد في نظر المجتهد ليتناولهما والمتناول على المذهبين ما مر وأيضًا ليس المساواة صفة القانس والأصل عدم التقدير كالحكم بالمساواة ثم فيه ما مر والمراد بالفرع محل الحكم المطلوب والأصل محل الحكم المعلوم ولا المقيس والمقيس عليه أي ذاتهما لا وصفًا هما فلا دور ولا يرد على عكسهما قياس الدلالة وهو الإبانة لا بمثل علته بل بمساويها كقياس النبيذ على الخمر بالرائحة اللازمة المساوية للشدة المطربة ولا قياس العكس وهو إبانة نقيض حكم الأصل بنقيض علئه كقولنا لما وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر كالصلاة لما لم تخب بغير النذر لم تجب به فالأولى عكس نقيض هذه ومبناه على أن العلة إذا كانت مستنبطة يستدل بثبوت الحكم على وجود العلة في الأصل وبوجودها على حكمه في الفرع فلا خطأ فيه كما ظن. فأولا لأنهما لا يرادان من مطلق القياس لمجازيتهما والشامل لهما إبانة حكم الفرع بتعليل الأصل ليشتمل التعليل بنفس علته وبلازمها وما لإثبات نفس حكمة أو نفيه. وثانيًا: أن الأول يستلزم المساواة في نفس العلة كالشدة المطربة وهي أعم من الضمنية والمصرح بها والثالى يفيد المساواة في أمر يستلزم المساواة في العلة وهي بوجوه أربعة: ١ - أن المقصود مساواة الاعتكاف بغير نذر في أن الصوم شرطه للاعتكاف بنذره إما بإلغاء النذر لأنه غير مؤثر كما في الصلاة وإما بالسير فان العلة ليست الاعتكاف بالنذر لأنه غير مؤثر كما في الصلاة فهي مطلق الاعتكاف إذ الأصل عدم غيرهما. وأجابوا بان مقارنة الصوم قربة لأنه من هيئة المعتكف وكلاهما كف عن الشهوة ولذا يبطل بالجماع وذلك لقوله ﵇: "لا اعتكاف إلا بالصيام" (١) بخلاف الصلاة إذ

стр. 668

مقارنتها له ليست قربة لعدم الدليل. قلنا: بعد أن المقصود من كليهما الاشتغال بالصلاة والاعتكاف وسيلة الصوم الذي هو وسيلتها وإن الكف عن الشهوة والبطلان بما به ببطلان فيها أظهر وإن عدم الدليل ليس دليلًا ممنوع عدمه فيها لدلالته الأولى. ٢ - أن قياسًا للصوم بالنذر على الصلاة به في عدم تأثير النذر في وجوبهها فيلزمها وجوبه بدون النذر كوجوبه معه وإلا لكان للنذر تأثير. ٣ - إنه قياس خلفي استثنى فيه نقيض اللازم وبين الشرطية بالقياس على الصلاة والمساواة حاصلة على التقدير. بيانه لو لم يشترط الصوم فيه لم يجب بالنذر قياسًا عليها لما لم تكن شرطًا لم تجب به وهو يساوى الصلاة على تقدير عدم الاشتراط. ٤ - مساواة الصيام للصلاة في تساوى حالتي النذر وعدمه وتمثيله بمثل قول الإمامين الوتر يؤدى على الراحلة فهو نفل كصلاة الصبح لما كان فرضًا لم تؤد عليها برشد إلى أن الجواب الحق الشامل هو الثالث إذ الأول لا يوافق العرف والبواقى إلا الثالث يستدعى لكل من الفرع وما دخل عليه حرف التشبيه حالتين وذلك غير لازم. الثاني: في تمثيله بالمباين والمطابق. أما الأول فإن العمل به في الأحكام كهو بالبينات في خصومات الأنام فالنصوص أو الأصول بمعنى أحكام المقيس عليها شهود ومعناها الجامع شهادة. ومعلوليتها أي صلاحها للتعليل بأن لا يكون معدولا به عن القياس ولا مخصوصًا يحكم بالنص صلاحها بمنزلة الحرية والتكليف. وملائمة المعنى لتعليل السلف صلاح الشهادة بمنزلة لفظتها. وتأثيره عدالة كصديق الشهادة. ومطابقته للحكم المطلوب إسقاطه كموافقة الشهادة للدعوى. والقائس طالبه كالمدعى فهو مطلوبه والمقضى عليه الخصم في مجلس النظر والقلب إذا حاج نفسه ضرورة كما هو البدن مقصودًا لأن موجبه العمل والعقد لازم السبب. والقاضي هو القلب ولا منافاة أما إذا جعل المقضى عليه البدن فظاهر.

стр. 669

وأما إذا جعل القلب فلأنه ضمني كصيرورة القاضي إذا حكم بثبوت الملك للمدعى مقضيًا له عليه ضنًا حتى لا يمكن من دعواه أو بثبوت الرمضانية حتى وجب عليه الصوم فما بقى إلا الدفع عن الخصم. وأما الثاني: فكانتقاض الطهارة بخروج النجس من غير السبيلين. فالشاهد نص أو جاء أحد وشهادته خروج النجاسة من بدن الإنسان الحس وصلاحه معلوليته إذ لا عدول ولا خصوص وملائمته موافقته الخبر فإنه دم عرق انفجر لإشعاره بالنجاسة وأنه دم مسفوح وأنه خارج لا بد. وعدالته ظهور أثره في غير محل النص اتفاقا كخروجها من السرة واستقامة مطابقته له فإن خروج النجاسة موضوع لزوال الطهارة والطالب الحنفي ومطلوبه انتقاضها والحاكم القلب والمحكوم عليه البدن أو أصحاب الشافعى ﵀. والدفع بأن النبي ﵇ قاء فلم يتوضأ أو احتجم فلم يتوضأ فيجاب يحمل محكياته على القليل كما يحمل مرويات زفر على الكثير جمعا بين الأدلة الثلاثة. الثالث: أنه مدرك من مدارك أحكام الشرع أي دليل مظهر كما يشعر به تعريف فيجوز أن يتعبد الله به أي يوجب العمل بموجبه عقليًا في الأصول وشرعيًا في الفروع وواقع سمعًا وهو مذهب جميع الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء والمتكلمين وذلك السمعي قطعي إلا عند أبى الحسين البصري ولذا عدل إلى العقلي. وعند النظام وجماعة من معتزلة بغداد والشيعة كلها والخوارج والملاحدة يمتنع عقلا مطلقًا. وعند الحنابلة: المشبهة أصولا لا فروعًا. وعند الأصفهاني وابنه وجميع أصحاب الظواهر والقاساني والنهرواني ليس بممتنع عقلا بل شرعًا. وعند القفال وأبى الحسين البصري يجب فمن ينكره مطلقًا من لا يرى دليل العقل أصلا والقياس قسم منه كالامامية والخوارج والملاحدة. ومنهم من لا يراه في الشرع وهم بقية الشيعة والنظام ومتابعوه (١).

стр. 670

ومن يرى التفصيل أو عدم وفوعه سمعًا بيني على كونه دليلًا ضروريا يتمسك به لضرورة الحاجة ولا ضرورة في الأصول لإمكان العمل بالكتاب أو وفي الفروع لإمكانه بالاستصحاب. لنا في جوازه عقلا ووجوبه نقلا أولًا عدم لزوم المح لو أمر الشارع به لا بنفسه ولا لغيره. وثانيًا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] أي ردوا الشىء إلى نظيره وهو معنى القياس فيندرج لخته أو بينوا من قوله تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] والتبين المضاف إلينا هو إعمال الرأى في المعالى المنصَوصة لإبانة حكم نظيرها وانتقلوا وجاوزوا من العبور كما من حكم الأصل إلى حكم الفرع وكل قياس مشتمل على هذه المعالى فيندرج تحت المأمورية. قيل عليه أولًا أنه ظاهر في الاتعاظ لغلبته فيه ومنه العبرة. ولئن سلم فظاهر في العقليات لا الشرعيات لصحة نفيه عن قائس لم يتعظ بأمور الآخرة ولترتبه على: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ [الحشر: ٢] الآية وركيك أن يقال يخربون فقاسوا الذرة على البر أو ظاهر في منصوص العلة. وثانيًا: أن الأمر يحتمل غير الوجوب ولا يقتضي التكرار ويحتمل الخطاب مع الحاضرين فقط والتجوز وظن وجوب العمل به في غاية الضعف. قلنا: الاتعاظ معلول الاعتبار لا حقيقته ولذا صحيح اعتبر فاتعظ وصحة نفيه عن غير المتعظ مجاز من قبيل ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لاختلال أعظم مقاصده والركاكة لعدم المناسبة في خصوصه والمأمور به مطلق الاعتبار فذا كقولنا من أفطر فعليه الكفارة في جواب من سأل عن الأكل بخلاف قولنا من شر. ثم العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب فيشمل القياس العقلي والشرعى. ولئن سلمنا أنه حقيقة في الاتعاظ أو عبارة دق منصوص العلة فيمكن إلحاق القياس به لا بالقياس ليدور بل بالدلالة المسماة بالفحوى لا الأمر بالاتعاظ مترتبًا بالفاء أو بالسياق على هلاك قوم بسبب اغترارهم بالشوكة لنكف عن مثله ونتخلص عن جزائه إنما يوجبه إذا كان العلم بوجود السبب يوجب الحكم بوجود المسبب كليًا لوجوب كلية الكبرى وهذا معنى القياس الشرعى وهو كالتأمل في حقائق اللغة للاستعارة. وحديث احتمال غير الوجوب والتجوز ساقط، أما التكرار فتسببه لأن كل محل للاعتبار سببه أو للكلية المذكورة.
следующие страницы →