← Фикх общий

Фикх общий · id 98086

الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز

عبد العظيم بدوي

Полный текст (480 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأتمت صلاة الحضر" (١). وعن ابن عمر قال: صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتي قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله، "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٢). مسافة القصر: اختلف العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلافا كثيرًا، حتى نقل ابن المنذر وغيره في هذه المسألة أكثر من عشرين قولًا، والراجح "أنه لاحد لذلك أصلًا، إلا ما سمى سفرًا في لغة العرب التي بها خاطبهم ﵇، إذ لو كان لمقدار السفر حد غير ما ذكرنا لما أغفل ﵇ بيانه ألبتة، ولا أغفلوا هم سؤاله ﵇ عنه، ولا اتفقوا على ترك نقل تحديده في ذلك إلينا" (٣). الموضع الذي يقصر منه: " ذهب جمهور العلماء إلى أن قصر الصلاة يشرع بمفارقة الحضر والخروج من البلد وأن ذلك شرط، ولايُتمّ حتى يدخل أول بيوتها. قال ابن المنذر: ولا أعلم أن النبيّ ﷺ قصر في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة، وقال أنس: صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعًا وبذى الحليفة ركعتين" (٤).

стр. 142

المسافر إذا أقام لقضاء حاجة ولم يُجمع إقامة يقصر حتى يخرج: عن جابر قال: "أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة" (١). قال ابن القيم: ولم يقل ﷺ للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة (٢). فإن عزم الإقامة أتم بعد تسعة عشر، كما قال ابن عباس ﵄: "أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا" (٣). الجمع بين الصلاتين: أسبابه: ١ - السفر: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلي الظهر ثم ركب" (٤). وعن معاذ "أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخّر الظهر حتي يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب" (٥).

стр. 143

وعنه: "أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال: فأخّر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا" (١). ٢ - المطر: عن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم". وعن هشام بن عروة: أن أباه عروة وسعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين ولا ينكرون ذلك" (٢). وعن موسى بن عقبة: "أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وإن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك" (٣). وعن ابن عباس قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر" (٤). وعنه قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر" (٥). وهويُشعِر أن الجمع للمطر كان معروفا في عهد النبيّ ﷺ ، ولو لم يكن كذلك لما كان ثمة فائدة من نفي المطر كسبب مبرر للجمع" (٦). ٣ - الحاجة العارضة: عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر

стр. 144

والعصر جميعًا بالمدينة في غير خوف ولا سفر". قال أبو الزبير فسألت سعيدا: لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتنى فقال: "أراد أن لا يحرج أحدا من أمته" (١). وعنه قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته" (٢). قال الإِمام النووى ﵀ في شرح مسلم (٢١٩/ ٥): "وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشى الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزى عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس "أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعلّله بمرض ولا غيره. والله أعلم". ...

стр. 145

الجمعة شهود الجمعة فرض عين على كل مسلم إلا خمسه: عبد مملوك، أو امرأة أو صبىِ، أو مريض، أو مسافر قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ (١). وعن طارق بن شهاب عن النبي ﷺ قال: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبيّ أو مريض" (٢). وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "ليس على المسافر جمعة" (*). الحث عليها: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل ثم أتي الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلى معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (٣). وعنه عن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ ما بينهن إذا اجُتنِبَت الكبائر" (٤). التحذير من التهاون بها: عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن وَدْعِهِمُ الجُمُعَاتِ أو ليختمن الله على قلوبهم ثم لَيكُونُن من الغَافِلِين" (٥).

стр. 146

وعن عبد الله أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلى بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم" (١). وعن أبي الجعد الضمرى أن رسول الله ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه" (٢). وعن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين" (٣). وقتها: وقتها وقت الظهر، وتجوز قبله: عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس" (٤). وعن جابر بن عبد الله أنه سئل: متى كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة؟ قال: كان يصلى ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس" (٥). الخطبة: وهي واجبة، لمواظبته ﷺ عليها وعدم تركه لها أبدا، مع قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتمونى أصلى" (٦).

стр. 147

هديه ﷺ في الخطبة: كان ﷺ يقول: "إن طُولَ صلاة الرجل وقِصَرَ خطبته مَئَّنِةٌ (*) من فِقْهِهِ، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا" (١). وعن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع النبيّ ﷺ الصلوات، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا (**) " (٢). وعن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم" (٣). خطبة الحاجة: كان ﷺ يستفتح خطبه ومواعظه ودروسه بهذه الخطبة التي عرفت باسم: خطبة الحاجة، وهذا نصها (٤): إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُم الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَقوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُون بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنًّ اللهَ كَانَ عَلَيْكمْ رَقِيبًا﴾ (٦).

стр. 148

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١). أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمَّد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". "ومن تأمل خطب النبيّ ﷺ وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب ﷻ ، وأصول الإيمان الكلية،- والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم. وكان ﷺ يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة ق (٢): قالت أم هشام بنت الحرث بن النعمان: ما حفظت ق إلا من فِيّ رسول الله ﷺ ممايخطب بها على المنبر" (٣). وجوب الإنصاف وحرمة الكلام أثناء الخطبة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت (*) " (٤). بماذا تدرك الجمعة ؟ صلاة الجمعة ركعتان في جماعة، فمن تخلف عن الجماعة ممن لا تجب عليه الجمعة أو كان معذورا صلى الظهر أربع ركعات، ومن أدرك ركعة مع الإِمام فقد

стр. 149

أدرك الجمعة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الصلاة" (١). الصلاة قبل الجمعة وبعدها: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدرله، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلى معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام" (٢). فمن جاء قبل الجمعة فليصل ما شاء من غير حصر، حتي يخرج إمامه، أما ما يعرف اليوم بسنة الجمعة القبلية فمما لا أصل له، فإن من المعلوم "أن النبي ﷺ كان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن إلا أذان واحد، فمتى كانوا يصلون السنة؟ " (٣). وأما بعدها فإن شاء صلى أربعًا أو اثنتين: عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا" (٤). وعن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين في بيته" (٥).

стр. 150

آداب يوم الجمعة: يستحب لكل من أراد شهود الجمعة أن يعمل بما في هذه الأحاديث: عن سلمان الفارسي قال: قال النبي ﷺ "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلى ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإِمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (١). وعن أبي سعيد قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسّ من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" (٢). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على قدر منازلهم الأول فالأول، فهذا جلس الإِمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر، ومثل المهجر (*) كمثل الذي يهدى بدنة (**) ثم كالذى يهدى بقرة، ثم كالذي يهدى الكبش، ثم كالذى يهدى الدجاجة، ثم كالذى يهدى البيضة" (٣). ما يستحب من الأذكار والأدعية يوم الجمعة: ١ - الإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ : عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من

стр. 151

الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليّ، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت (*)؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (١). ٢ - قراءة سورة الكهف: عن أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضَاءَ له من النور ما بين الجمعتين" (٢). ٣ - الإكثار من الدعاء رجاء أن يصادف ساعة الإجابة: عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه، إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد صلاة العصر" (٣). الجمعة في المسجد الجامع: عن عائشة قالت: "كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالى .. " (٤). وعن الزهري: "أن أهل ذى الحليفة كانوا يجتمعون مع النبي ﷺ ، وذلك على مسيرة ستة أميال من المدينة" (٥). وعن عطاء بن أبي رباح قال: "كان أهل منى يحضرون الجمعة بمكة" (٦).

стр. 152

قال الحافظ في التلخيص (٥٥/ ٢): " لم ينقل أن النبي ﷺ أذن لأحد في إقامة الجمعة في شيء من مساجد المدينة ولا في القرى التي قربها". اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد (١): إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد: عن زيد بن أرقم قال: صلى النبي ﷺ العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: "من شاء أن يصلى فليصل" (٢). ويستحب للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد: عن أبي هريرة أنه ﵁ قال: "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مُجَمِّعون" (٣). * * *

стр. 153

صلاة العيدين حكمها: وصلاة العيدين واجبة على الرجال والنساء، لمواظبة النبي ﷺ عليها، وأمره بالخروج لها. عن أم عطية قالت: " أمِرْنا أن نُخرِجَ العوَاتقَ (*) وذواتِ الخُدور (**) " (١). وعن حفصة بنت سيرين قالت: كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد، فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف، فأتيتها، فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتى عشرة غزوة، فكانت أختها معه في ست غزوات، فقالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوى الكلمى ( ... )، فقالت يا رسول الله، على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين" (٢). وقتها: عن يزيد بن خمير الرحبي قال: "خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإِمام، فقال: "إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح" (٣).

стр. 154

الخروج إلى المصلى: ومن الأحاديث السابقة تعلم أن محل صلاة العيد هو الخلاء وليس المسجد، فقد كان ﷺ يخرج لها، وعمل بذلك من بعده. هل يؤذن لها ويقام ؟ عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى" (١). وعن جابر: "أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإِمام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شىء، لا نداء يومئذ ولا إقامة" (٢). صفة الصلاة: صلاة العيد ركعتان، يكبر فيهما ثنتى عشر تكبيرة، سبعًا في الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وخمسًا في الثانية قبل القراءة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رسول الله ﷺ كبر في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة" (٣). وعن عائشة "أن رسول الله ﷺ كبر في الفطر والأضحى سبعًا وخمسًا، سوى تكبيرتى الركوع" (٤). القراءة فيها: عن النعمان بن بشير: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية" (٥).

стр. 155

وعن عبيد الله بن عبد الله قال: "خرج عمر يوم العيد، فأرسل إلى أبي واقد الليثى: بأي شيء كان النبي ﷺ يقرأ في مثل هذا اليوم؟ قال: بقاف واقتربت" (١). الخطبة بعدها: عن ابن عباس قال: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة" (٢). الصلاة قبلها وبعدها: عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها" (٣). ما يستحب يوم العيد: ١ - الاغتسال: عن علي ﵁ أنه سئل عن الغسل فقال: "يوم الجمعة، ويوم عرفة ويوم الفطر، ويوم الأضحى" (٤). ٢ - لبس أحسن الثياب: عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء" (٥). ٣ - الأكل يوم الفطر قبل الخروج: عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات" (٦).

стр. 156

٤ - تأخير الأكل يوم الأضحى حتى يأكل من أضحيته: عن أبي بريدة: أن رسول الله كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم النحر حتى يذبح" (١). ٥ - مخالفة الطريق: عن جابر قال: "كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق" (٢). ٦ - تكبير في أيام العيدين: قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣). وذلك في الفطر. وفي الأضحى قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤). وقال: ﴿كَذَلِكَ سَخرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ َعَلَى مَا هَدَاكمْ﴾ (٥). ووقته في الفطر من حين يخرج إلى المصلى حتي يصلى: قال ابن أبي شيبة (٦): حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهرى: "أن رسول الله ﷺ كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتى المصلى، وحتي يقضى الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير". قال الألباني (٧): وهذا سند صحيح مرسلًا. وقد روى من وجه آخر عن ابن

стр. 157

عمر مرفوعًا، أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩)، من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس وعلى وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن ﵃ رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتى المصلى، وإذا فرغ رجع على الحذائين حتى ياتى منزله". وقال البيهقي: "هذا أمثل من الوجه المتقدم". قلت: (الألباني): ورجاله ثقات رجال مسلم غير عبد الله بن عمر وهو العمرى المكبر، قال الذهبي: "صدوق في حفظه شيء". ورمز له هو وغيره بأنه من رجال مسلم، فمثله يستشهد به، فهو شاهد صالح لمرسل الزهرى، فالحديث صحيح عندي موقوفًا ومرفوعًا والله أعلم أهـ. ووقت التكبير في الأضحى من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، صح ذلك عن علي وابن عباس وابن مسعود ﵃ (١). وأما صيغة التكبير فالأمر فيها واسع، "وقد ثبت تشفيع التكبير عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. أخرجه ابن أبي شيبة (١٦٧/ ٢) وإسناده صحيح. ولكنه ذكره في مكان آخر بالسند نفسه بتثليث التكبير، وكذلك رواه البيهقي (٣/ ٣١٥) عن يحيى بن سعيد عن الحكم وهو ابن فروح أبو بكار عن عكرمة عن ابن عباس بتثليث التكبير وسنده صحيح أيضًا" (٢).

стр. 158

صلاة الخوف قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ .... ﴾ الأيه (١). صفتها: قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبي ﷺ في أيام مختلفة وأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى. أهـ (٢). ١ - عن ابن عمر قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة ثم سلم النبي ﷺ ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة (٣). ٢ - عن سهل بن أبي حثمة: "أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه في الخوف فصفّهم خلفه صفين فصلّى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم يزل قائمًا حتى صلى الذين خلفهم ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين كانوا قدامهم فصلى بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة، ثم سلم" (٤). ٣ - عن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصفنا

стр. 159

صفين: صف خلف رسول الله ﷺ العدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبّرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نَحْرِ العدو (*)، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتاخر الصف المقدم،، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولي وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى رسول الله ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا" (١). * * *

стр. 160

كتاب الجنائز (*)

стр. 161

ومن حضره الموت من المسلمين ندب لأهله أن يلقنوه الشهادة: عن أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" (١). وإنما أمر النبي ﷺ بالتلقين رجاء أن يكون آخر كلام الميت لا إله إلا الله: فعن معاذ بن جبل قال: قال رسول ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (٢). فهذا قضى وأسلم الروح فعليهم عدة أشياء: ١ - ٢ أن يغمضوا عينيه، ويدعوا له: عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله ﷺ علي أبي سلمة، وقد شق بصره (*)، فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، فضج ناس من أهله، فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون". ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه (* *) في الغابرين (* * *)، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونوّر له فيه" (٣). ٣ - أن يغطوه بثوب يستر جميع بدنه: عن عائشة "أن رسول الله ﷺ حين توفي سُجي ببرد حبرة" (٤).

стр. 162

٤ - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (١). ٥ - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله، ولو أتى عليه كله: عن جابر بن عبد الله قال: "مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه فجاء معنا خطى، ثم قال: "لعل على صاحبكم دينا". قالوا: نعم. ديناران، فتخلف، فقال له رجل منا يقال له أبو قتادة: يا رسول الله هما عليّ، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "هما عليك وفي مالك والميت منهما برىء" فقال: نعم. فصلّى عليه، فجعل رسول الله ﷺ إذا لقى أبا قتادة يقول: "ما صنعت الديناران؟ " حتى كان آخر ذلك قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: "الآن حين بردت عليه جلده" (٢). ما يجوز للحاضرين وغيرهم: ويجور لهم كشف وجه الميت وتقبيله، والبكاء عليه ثلاثة أيام: عن عائشة "أن النبي ﷺ دخل على عثمان بن مظعون وهو ميت، فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبله، وبكى، حتى رأيت الدموع تسيل على وجنتيه" (٣). وعن عبد الله بن جعفر "أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخى بعد اليوم ... " (٤). ما يجب على أقارب الميت: ويجب على أقارب الميت حين يبلغهم خبر وفاته أمران:

стр. 163

الأول: الصبر والرضا بالقدر، لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "مرّ رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكى فقال لها: "اتقى الله واصبري". فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتى قال: ولم تعرفه. فقيل لها: هو رسول الله ﷺ ! فأخذها مثل الموت. فأتت باب رسول الله ﷺ فلم تجد عنده بوابين. فقالت: يا رسول الله، إني لم أعرفك. فقال رسول الله ﷺ : "إن الصبر عند أول الصدمة" (٢). والصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم: عن أبي سعيد الخدرى: "أن النساء قلن للنبي ﷺ : اجعل لنا يوما. فوعظهن وقال: "أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابا من النار". قالت امرأة: واثنان؟ قال: "واثنان" (٣). الأمر الثاني مما يجب على الأقارب: الاسترجاع، وهو أن يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" كما جاء في الآية، ويزيد عليه قوله "اللهم أجرني في مصيبتى وأخلف لي خيرًا منها": عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله "إنا لله وانا إليه راجعون" اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها". قالت: فلما

стр. 164

مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ " (١). ما يحرم علي أقارب الميت: ١ - النياحة: عن أبي مالك الأشعرى أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الإنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سِرْبَالٌ من قَطِرَانٍ ودِرْعٌ من جَرَبٍ" (٢). ٢، ٣ - ضرب الخدود، وشق الجيوب: عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (٣). ٤ - حلق الشعر: عن أبي بردة بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله، فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا فلما أفاق قال: أنا برىء ممن برىء منه رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ برىء من الصالقة والحالقة والشاقة" (٤). ٥ - نشر الشعر: لحديث امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: وأن لا نخمش وجها، ولا ندعو بويل، ولا نشق جيبا، وأن لا ننشر شعرا" (٥).

стр. 165

ما يجب للميت: ويجب للميت على من حضره من أهله أو غيرهم أربعة أمور: غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. أولًا - الغسل: ووجوبه مأخوذ من أمر النبي ﷺ به في غير ما حديث: ١ - قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: "واغسلوه بماء وسدر ... " (١). ٢ - قوله ﷺ في ابنته زينب ﵂: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا .. " (٢). صفة الغسل: عن أم عطية "أن رسول الله ﷺ قال لهن في غسل ابنته: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" (٣). وعنها قالت: دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك. بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فهذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حِقوَهُ (*) فقال: "أشعرنها إياه" (* *) " (٤).

стр. 166

وعنها قالت: "فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث قرنيها وناصيتها" (١) وعنها قالت: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها" (٢). من يتولى الغسل: يتولى غسل الميت من كان أعرف بسنة الغسل، لا سيما إذا كان من أهله وأقاربه، لأن الذين تولوا غسله ﷺ كانوا من أهله: عن عليّ قال: غسلت رسول الله ﷺ فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيبًا حيًا وميتًا ﷺ " (٣). ويجب أن يتولى غسل الذكر الرجال، والأنثى النساء، ويستثنى من ذلك الزوجان فإنه يجوز لكل منهما أن يتولى غسل الآخر: عن عائشة قالت: "لو كنت استقبلت من أمرى ما استدبرت ما غسل النبيَّ ﷺ غيرُ نسائه" (٤). وعنها قالت: "رجع إليَّ رسول الله ﷺ من جنارة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسى وأقول: وارأساه. فقال: "بل أنا وارأساه. ما ضرك لو مت قبلى فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" (٥). تنبيه: لا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة: عن جابر قال: قال النبي ﷺ "ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد- ولم يغسلهم" (٦).

стр. 167

ثانيًا- الكفن: ووجوبه مأخوذ من أمر النبي ﷺ به في حديث المُحْرِم الذي وقصته ناقته: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين ... " (١). والكفن أو ثمنه من مال الميت ولو لم يخلف غيره، لحديث خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، فمنهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهدِبُها. قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبيّ ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل علي رجليه من الإذخر" (٢). والواجب من الكفن ثوب يستر جميع البدن، فإن لم يوجد إلا ثوب قصير لا يكفى لجميع البدن غطى رأسه وجعل على رجليه من الإذخر، كما في حديث خباب. ويستحب في الكفن أمور: ١ - البياض، لقوله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها" (٣). ٢ - كونه ثلاثة أثواب: لحديث عائشة: أن رسول الله ﷺ كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ يمانيةٍ بيضٍ سَحوليةٍ من كُرْسُفٍ ليس فيها قميص ولا عمامة" (٤). ٣ - أن يكون أحدها ثوب حبرة إذا تيسر لحديث جابر عنه ﷺ "إذا توفي أحدكم فوجد شيئًا فليكفن في ثوب حبرة" (٥).

стр. 168

الصلاة على الجنازة: الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية، لأمره ﷺ بها في أحاديث: منها حديث زيد بن خالد الجهني: "أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ تُوفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صلوا على صاحبكم". فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: "إن صاحبكم غَلّ في سبيل الله". ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوى درهمين" (١). ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما: الأول: الطفل الذي لم يبلغ، قالت عائشة ﵂: "مات إبراهيم بن النبيّ ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا، فلم يصل عليه رسول الله ﷺ " (٢). الثاني: الشهيد، عن أنس: "أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصلّ عليهم" (٣). لكن عدم الوجوب لا ينفى مشروعية الصلاة عليهما: عَن عائشة قالت: "أُتى رسول الله ﷺ بصبي من صبيان الأنصار، فصلى عليه .. " (٤). وعن عبد الله بن الزبير: "أن رسول الله ﷺ أمر يوم أحد بحمزة فسجى ببردة، ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات، ثم أُتى بالقتلى يصفّون، ويصلى عليهم، وعليه معهم" (٥).

стр. 169

وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع، لقوله ﷺ : "ما من ميت تصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" (١). وقوله "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه" (٢). ويستحب أن يصلوا وراء الإِمام ثلاثة صفوف، وإن قلوا: عن مرثد اليزني عن مالك بن هُبيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ميت يموت فيصلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب". قال: فكان مالك إذا استقل أهل الجنارة جزأهم ثلاثة صفوف، للحديث (٣). وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء: فإن صلى على كل جنازة صلاة فهذا الأصل، وإن صلى عليها جميعًا صلاة واحدة جاز، ويجعل الذكور -ولو كانوا صغارا- مما يلي الإِمام، والأناث مما يلي القبلة: عن نافع عن ابن عمر: "أنه صلى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفًا واحدًا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد، وضعا جميعا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة، فقلت ما هذا؟ قالوا: هى السنة" (٤) ..

стр. 170

أين يُصَلَى على الجنازة: تجوز الصلاة على الجنازة في المسجد: عن عائشة قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد" (١). لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز، كما كان الأمر على عهد النبي ﷺ ، وهو الغالب على هديه فيها: عن ابن عمر: "أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد" (٢). وعن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعًا" (٣). ولا تجوز صلاة الجنازة بين القبور: لحديث أنس: "أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور" (٤). أين يقوم الإمام ؟ عن أبي غالب الخياط قال: شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، فلما رفع أتى بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار، فقيل له:

стр. 171

يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها، فصلى عليها، فقام وسطها. وفينا العلاء بن زياد العدوى، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال نعم. قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا" (١). صفة الصلاة: ويكبر عليها أربعا، أو خمسا، إلى تسع تكبيرات، فيفعل هذا تارة، وهذا تارة: أما الأربع: فلحديث أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلي المصلى فصف بهم وكبر أربعا" (٢). وأما الخمس: فلحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول ﷺ يكبرها" (٣). وأما الست والسبع، ففيها بعض الآثار الموقوفة، ولكنها في حكم المرفوعة لأن بعض كبار الصحابة أتى بها على مشهد من الصحابة دون أن يعترض عليه أحد: عن عبد الله بن معقل: "أن على بن أبي طالب صلي على سهل بن حنيف، فكبر عليه ستا، ثم التفت إلينا فقال: إنه بدرى" (٤). وعن موسي بن عبد الله بن يزيد "أن عليا صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعا، وكان بدريا" (٥).

стр. 172

وعن عبد خير قال: "كان على ﵁ يكبر على أهل بدر ستا، وعلى أصحاب النبي ﷺ خمسًا، وعلى سائر الناس أربعا" (١). وأما التسع: فعن عبد الله بن الزبير: "أن النبي ﷺ صلى على حمزة فكبر عليه تسع تكبيرات ... " (٢). ويشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى: عن عبد الله بن عباس "أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة، ثم لا يعود" (٣). ثم يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، ثم يشد بينهما على صدره: عن سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة " (٤). ثم يقرأ عقيب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة: عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: "صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته؟ فقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة وحق" (٥). ويقرأ سرًا، لحديث أبي أمامة بن سهل قال: "السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة" (٦).

стр. 173

ثم يكبر التكبيرة الثانية، ويصلى على النبي ﷺ ، لحديث أبي أمامة المذكور أنه أخبره رجل من أصحاب النبي: "أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإِمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلى على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث، لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًا في نفسه" (١). ثم يأتي ببقية التكبيرات، ويخلص الدعاء فيها للميت: لقوله ﷺ : "إذا صليتم على الميت فاخلصوا له الدعاء" (٢). ويدعو فيها بما ثبت عنه ﷺ من الأدعية، ومنها ما جاء عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دار خيرا من داره وأهلًا خير من أهله، وزوجا خير من زوجه وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار" قال: فتمنيت أن أكون أنا ذلك الميت" (٣). والدعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع: لحديث أبي يعفور عن عبد الله ابن أبي أوفى ﵁ قال: "شهدته وكبر على جنازة أربعًا، ثم قام ساعة -يعني- يدعوا ثم قال: أترونى كنت أكبر خمسًا؟ قالوا: لا، قال: إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعًا" (٤). ثم يسلم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة، إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ثلاث خلال

стр. 174

كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة" (١). ويجوز الاقتصار على التسليمة الأولى فقط، لحديث أبى هريرة ﵁: "أن رسول الله صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا، وسلم تسليمة واحدة" (٢). ولا تجوز الصلاة على الجنازة في الأوقات التي تحرم الصلاة فيها إلا الضرورة لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلى فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" (٣). فضل الصلاة على الجنازة واتباعها: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراطان، قيل وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أحد" (٤). وهذا الفضل في اتباع الجنائز: إنما هو للرجال دون النساء، لنهى النبي ﷺ لهن عن اتباعها وهو نهى تنزيه، فقد قالت أم عطية ﵂: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" (٥). ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة، وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء، واتباعها بالبخور، وذلك في قوله ﷺ "لا تتبع

стр. 175

الجنازة بصوت ولا نار" (١). ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة؛ لأنه بدعة، ولقول قيس بن عباد: "كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز" (٢). ولأن فيه تشبها بالنصارى، فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين. وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفًا حزينًا، كما يفعل في بعض البلاد الإِسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان. ويجب الإسراع في السير بها، سيرا دون الرمل: لقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها عليه، وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (٣). ويجور المشى أمامها وخلفها، وعن يمينها ويسارها، على أن يكون قريبا منها إلا الراكب فيسير خلفها لحديث المغيرة بن شعبه قال رسول الله ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشى حيث شاء منها" (٤). لكن الأفضل المشى خلفها؛ لأنه مقتضى قوله ﷺ "واتبعوا الجنائز". ويؤيده قول علىّ ﵁: "المشى خلفها أفضل من المشى أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا" (٥). ماذا يقول إذا دخل القبور أو مرّ عليها:

стр. 176

عن عائشة قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" (١). وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية" (٢). الدفن: ويجب دفن الميت ولو كان كافرا لقول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب وقد مات أبو طالب: "اذهب فواره" (٣). والسنة الدفن في المقبرة؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر أيضًا أن النبي ﷺ دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته ﷺ ، كما دل عليه حديث عائشة قالت: "لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته قال: "ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه". فدفنوه في موضع فراشه" (٤). ويستثنى من ذلك الشهداء في المعركة، فإنهم يدفنون في مواطن استشهادهم، ولا ينقلون إلى المقابر، لحديث جابر ﵁ قال: "لما كان يوم أحد، حمل القتلى ليدفنوا بالبقيع، فنادى منادى رسول الله

стр. 177

- ﷺ : إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم" (١). ولا يجوز الدفن في الأحوال الآتية إلا لضرورة: ١ - عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلى فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب" (٢). ٢ - وعن جابر: "أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفّن في كفن غير طَائِلٍ وقُبِرَ ليلًا فَزَجَرَ النبي ﷺ أن يُقْبَرَ الرجل بالليل حتى يُصَلَى عليه، إلا أن يُضْطَرَّ إنسان إلى ذلك" (٣). فإن اضطروا إلى الدفن ليلًا جاز، ولو مع استعمال المصباح والنزول به في القبر، لتسهيل عملية الدفن لحديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أدخل رجلًا قبره ليلًا، وأسرج في قبره" (٤). ويجب إعماق القبر وتوسيعه وتحسينه: عن هشام بن عامر قال: "لما كان يوم أحد، أصيب من أصيب من المسلمين، وأصاب الناس جراحات، فقلنا يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد، فكيف تأمرنا؟ فقال: "احفروا وأوسعوا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآنا قال: فكان أبي ثالث ثلاثة، وكان

стр. 178

أكثرهم قرآنا، فقدم" (١). ويجوز في القبر اللحد والشق، لجريان العمل عليهما في عهد النبي ﷺ ، ولكن الأول أفضل، عن أنس بن مالك: قال: "لما توفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ " (٢). ويتولى إنزال الميت ولو كان أنثى الرجال دون النساء لأنه المعهود في عهده ﷺ وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم. وأولياء الميت أحق لإنزاله، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٣). ولحديث علىَّ ﵁ قال: "غسلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان ﷺ طيبا حيا وميتا، وولى دفنه وإجنابه دون الناس أربعة: عليّ والعباس والفضل وصالح مولي رسول الله ﷺ ، ولحد لرسول الله ﷺ لحدا ونصب عليه اللبن نصبا" (٤). ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته، لحديث عائشة قالت: " دخل عليّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدىء فيه، فقلت: وارأساه، فقال: "وددت أن ذلك كان وأنا حىّ، فهيأتك ودفنتك ... " (٥). لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة، وإلا لم يشرع له دفنها، وكان غيره هو الأولى بدفنها ولو كان أجنبيا بالشرط المذكور، لحديث أنس قال:

стр. 179

شهدنا ابنة لرسول ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، ثم قال: "هل منكم من رجل لم يقارف الليلة؟ فقال أبو طلحة: أنا يا رسول الله قال: فأنزل، قال: فنزل في قبرها" (١). والسنة إدخال الميت من مؤخرة القبر، لحديث أبي إسحاق قال: "أوصى الحارث أن يصلى عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلى القبر وقال: هذا من السنة" (٢). ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين، ووجهه قبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها، وعلى هذا جرى عمل أهل الإِسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا. ويقول الذي يضعه في لحده: "بسم الله، وعلى سنة رسوله الله، أو ملة رسول الله ﷺ : عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله" (٣). ولحديث البياضى ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الميت إذا وضع في قبره، فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد: باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله ﷺ " (٤). ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سد اللحد لحديث أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا" (٥).

стр. 180

ويسن بعد الفراغ من دفنه أمور: الأول: أن يرفع القبر عن الأرض قليلًا نحو شبر، ولا يسوى بالأرض، وذلك لِيَتَميز فَيُصَان ولا يُهَان، لحديث جابر ﵁ "أن النبي ﷺ ألحد له لحد، ونصب عليه اللبِن نصبا، ورفع قبره من الأرض نحوا من شبر" (١). الثاني: أن يجعل مسنما، لحديث سفيان التمار قال: "رأيت قبر النبي ﷺ مُسَنَمًا" (٢). الثالث: أن يعلمه بحجر أو نحوه، ليدفن إليه من يموت من أهله، لحديث المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، أمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ : كأني انظر إلى بياض ذراعى رسول الله ﷺ حين حسر عنها، ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: أتعلم بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلى" (٣). الرابع: أن يقف على القبر يدعوله بالتثبيت، ويستغفر له، ويأمر الحاضرين بذلك: لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" (٤). ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده، لحديث البراء بن عازب قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، وكأن
следующие страницы →