← Фикх общий

Фикх общий · id 98086

الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز

عبد العظيم بدوي

Полный текст (480 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

على من تجب ؟ تجب على كل مسلم حرّ مالك للنصاب إذا حال الحول علي ما يملك من المال سوى الزرع فإنه تجب الزكاة فيه يوم حصاده إذا بلغ النصاب، قال تعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١). الأموال التي تجب فيها الزكاة: تجب الزكاة في النقدين، والزروع، والثمار، والمواشى، والركاز. أولًا- زكاة النقدين: الذهب والفضة: النصاب ومقدار الواجب: نصاب الذهب عشرون دينارا، ونصاب الفضة مائتا درهم وفيهما ربع العشر: عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا، فهذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار" (٢). زكاة الحلى: زكاة الحلى واجبة بعموم الآية والأحاديث، وليس مع من أخرجه من هذا العموم دليل، ومع ذلك فقد جاءت فيه نصوص خاصة: منها: عن أم سلمة قالت: "كنت ألبس أوضاحا (*) من ذهب، فقلت يا سول الله أكنز هو؟ فقال: "ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز" (٣).

стр. 212

وعن عائشة قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات (*) من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزيّن لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار" (١). ثانيًا- زكاة الزروع والثمار: قال تعالى: ﴿ووَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَناتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنخْلَ وَالزرْعَ مُخْتَلِفًُا أُكلًهُ وَالزيْتونَ وَالرمَّانَ فتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَا تُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّه لا يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢). الأصناف التي تؤخذ منها: لا تؤخذ الزكاة إلا منِ أصناف أربعة، بيّنها هذا الحديث: عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب" (٣). النِّصَاب: يشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار أن تبلغ النصاب المذكور في هذا الحديث: عن أبي سعيد الخدرى قال: قال رسول الله ﷺ :" ليس فيما دون خمس ذَود صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق (* *) صدقة، وليس فيما دون

стр. 213

خمسة أوسُقٍ (*) صدقة" (١). المقدار الواجب: عن جابر عن النبي ﷺ قال: "فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقى بالسانية نصف العشور" (٢). وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريَّا العشر، وفيما سقى بالنضح نصف العشر" (٣). خرص النخيل والأعناب (* *): عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادى القرى إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ لأصحابه: اخرصوا،

стр. 214

وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: أحصى ما يخرج منها ... فلما أتى وادى القرى قال للمرأة: كم جاء حديقتك؟ قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ " (١). وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخيّر يهود يأخذونه بذلك الخرص أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي يحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق" (٢). ثالثا- زكاة المواشي: المواشى ثلاثة أجناس: الإبل، البقر، الغنم زكاة الإبل: نصابها: عن أبي سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذَودٍ من الإبل صدقة" (٣). مقدار الواجب فيها: عن أنس: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سُئِلَها من المسلمين على وجهها فلْيُعْطِها، ومن سُئلَ فوقها فلا يُعطِ: في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا بلغتَ خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مَخاضٍ أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لَبونٍ أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّةٌ طروقة الجملِ، فإذا بلغت

стр. 215

واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فهذا بلغت -يعني ستا وسبعين- إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حِقَّتانِ طروقتا الجمل، فهذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها فهذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة" (١). من لزمته سن وليست عنده: عن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله ورسوله ﷺ "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقه فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنه تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليس عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما. ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين. ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين" (٢). زكاة البقر: النصاب ومقدار الواجب: عن معاذ بن جبل قال: "بعثنى رسول الله ﷺ إلى اليمن، وأمرنى أن آخذ من البقر من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة" (٣).

стр. 216

زكاة الغنم: النصاب ومقدار الواجب: عن أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ : "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث فهذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها" (١). شروط وجوب الزكاة في المواشي: ١ - النصاب: وهو واضح في الأحاديث السابقة. ٢ - أن يحول عليها الحول، لقوله ﷺ "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (٢). ٣ - أن تكون سائمة، أي راعية في الكلأ المباح أكثر العام: لقوله ﷺ : "في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ... " (٣). وقوله: "وفي كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون" (٤). ما لا يؤخذ في الزكاة: عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا على اليمن قال "وإياك وكرائم أموالهم .. " (٥).

стр. 217

وعن أنس أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ : "لا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس، وإلا ما شاء المصدق" (١). حكم الخلطة: إذا اختلط اثنان فأكثرمن أهل الزكاة ولم يتميز مال أحدهما عن مال الآخر فإنهما يزكيان زكاة الواحد إذا وجبت عليهما الزكاة: عن أنس أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ "ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية" (٢). رابعًا- زكاة الركاز: الركاز: دفن الجاهلية الذي يؤخذ من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل. وتجب فيه الزكاة على الفور من غير اشتراط حول ولا نصاب، لعموم قوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس" (٣). مصارف الزكاة: قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).

стр. 218

قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية (٣٦٤/ ٢): لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إياه في قسم الصدقات بيّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولّى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين هل يجب استيعاب هذه الأصناف ؟ قال ابن كثير: وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية، هل يجب استيعاب الدفع إليها أو إلى من أمكن منها؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك، وهو قول الشافعي وجماعة. والثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجور الدفع إلى واحد منها ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف، منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، قال ابن جرير: وهو قول عامة أهل العلم. وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف ههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء، قال ابن كثير: ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية: ١ - فأما الفقراء: فعن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذى مرة سوى" (١). وعن عبيد الله بن عدى بن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلّب فيهما بصره، فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب" (٢). ٢ - وأما المساكين: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 219

"ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان" قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا" (١). ٣ - وأما العاملون عليها: فهم الجباة والسعاة، يستحقون منها قسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة، لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة، فقال: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمَّد، إنما هى أوساخ الناس" (٢). ٤ - وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام: منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركًا، قال: "فلم يزل يعطينى حتى صار أحب الناس إليّ، بعد أن كان أبغض الناس إليّ" (٣). ومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضا جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، وقال: "إني لأعطى الرجل وغيرُه أحب إليّ منه، خشية أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم" (٤). وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن عليا بعث إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها من اليمن فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير وقال: "أتألفهم" (٥).

стр. 220

ومنهم من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه. ومنهم من يعطى ليجبى الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد. والله أعلم. وهل تعطى المؤلفة على الإِسلام بعد النبي ﷺ ؟ قال ابن كثير: فيه خلاف: فروي عن عمر وعامر والشعبى وجماعة أنهم لا يعطون بعده، لأن الله قد أعز الإِسلام وأهله ومكن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد. وقال آخرون: بل يعطون لأنه ﵊ قد أعطاهم بعد فتح مكة وكسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم. ٥ - وأما الرقاب: فروى عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعى والزهرى وابن زيد أنهم المكاتبون، وروى عن أبي موسي الأشعرى نحوه، وهو قول الشافعي والليث ﵄. وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة. وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق. أي أن الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالا. وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوا من معتقها، حتى الفرج بالفرج (١)، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل "وما تجزون إلا ما كنتم تعملون". ٦ - وأما الغارمون فهم اْقسام:- فمنهم من تحمل حمالة، أو ضمن دينا فلزمه فاجحف بماله، أو غرم في أداء دينه، أو في معصية ثم تاب، فهؤلاء يدفع إليهم.

стр. 221

والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها". قال: ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتي يصيبها ثم يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة، حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَا من قَوْمِهِ: لقد أصابت فلانا فاقة، فَحَلَّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش، فما سِوَاهُنَّ من المسألة يا قبيصة! سُحْتًا يكلها صَاحِبُهَا سُحْتًا" (١). ٧ - وأما في سبيل الله: فهم الغزاة الذين لاحق لهم في الديوان. وعند الإِمام أحمد والحسن وإسحاق: والحج من سبيل الله، للحديث. (قلت): يريد بالحديث حديث ابن عباس ﵁ قال: "أراد رسول الله ﷺ الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحِجَّنى مع رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي ما أحِجُّكِ عليه. قالت: أجِجَّنى على جملك فلان. قال: ذاك حَبيس في سبيل الله ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتى تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتنى الحج معك، قالت: أحجنى مع رسول الله ﷺ ، فقلت ما عندي ما أحجك عليه. فقالت: أحجنى على جملك فلان. فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله. فقال ﷺ : "أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله" (٢). ٨ - وابن السبيل: هو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره فيعطي من الصدقات ما يكفيه إلى بلده، وإن كان له مال. وهكذا الحكم

стр. 222

فيمن أنشأ سفرا من بلده وليس معه شيء فيعطي من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه. والدليل على ذلك الآية، وما رواه الإِمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغنى إلا خمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه فأهدي منها لغنى" (١). زكاة الفطر حكمها: زكاة الفطر واجبة على كل مسلم: لحديث ابن عمر ﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (٢). حكمتها: عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" (٣).

стр. 223

على من تجب؟ تجب على الحر المسلم المالك لما يزيد عن قوته وقوت عياله يومًا وليلة، وتجب عليه عن نفسه وعمن تلزمه نفقته، كزوجته، وأبنائه، وخدمه، إذا كانوا مسلمين. عن ابن عمر قال: "أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون" (١). قدرها: والواجب عن كل شخص نصف صاع من قمح، أو صاع من تمر أو زبيب، أو شعير أو أقط، أو غير ذلك مما يقوم مقامه كالأرز والذرة ونحوها مما يعتبر قوتا. أما كون الواجب من القمح نصف صاع فلحديث عروة بن الزبير: "أن أسماء بنت أبي بكر كانت تخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها -الحر منهم والمملوك- مُدّيْن من حنطة أو صاعا من تمر، بالمد أو بالصاع الذي يقتاتون به" (٢). أما كون الواجب من غير القمح صاعا، فلحديث أبي سعيد الخدرى قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أوصاعا من أقط أو صاعا من زبيب" (٣). "ولم يجز عامة الفقهاء إخراج القيمة، وأجازه أبو حنيفة". ذكره النووى في شرح مسلم (٦٠/ ٧) قلت: وقول أبي حنيفة ﵀ مردود؛ لأنه (وما

стр. 224

كان ربك نسيا) فلو كانت القيمة مجزئة لبين ذلك الله ورسوله. فالواجب الوقوف عند ظاهر النصوص من غير تحريف ولا تأويل. وقت إخراجها: عن ابن عمر قال: "أمر رسول الله- ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (١). ويجوز تعجيلها لمن يقبضها قبل الفطر بيوم أو يومين: عن نافع قال: "كان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" (٢). ويحرم تأخيرها عن وقتها لغير عذر: عن ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مفبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" (٣). مصرفها: لا تعطى صدقة الفطر إلا للمساكين، لقوله ﷺ في حديث ابن عباس "وطعمة للمساكين" (٤).

стр. 225

صدقة التطوع: ويستحب الإكثار من صدقة التطوع، لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ولقول النبي ﷺ "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا" (٢). وأولى الناس بصدقة المسلم أهله وذووا رحمه، لقوله ﷺ : "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذى الرحم ثنتان صدقة وصلة" (٣). * * *

стр. 226

كتاب الحج

стр. 227

فضل الحج والعمرة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله: ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (١). وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر، كما ينفى الكبير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس لحجة مبرورة ثواب إلا الجنة" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" (٣). وعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الغازي في سبيل الله، والحاج والمعتمر، وفد الله. دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" (٤). والحج واجب مع العمرة مرة في العمر على كل مسلم، بالغ، عاقل، حر، مستطيع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٥)

стр. 228

قد فرض عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أكل عام يا رسول الله- ﷺ ؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، ثم قال ﷺ "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم". ثم قال: "ذرونى ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم، على أنبيائهم، فماذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (١). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ : "بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصيام رمضان" (٢). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدى فليحل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة" (٣). وعن الصبى بن معبد قال: "أتيت عمر ﵁ فقلت: يا أمير المؤمنين، إني أسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبيْن علي، فأهللت بهما. فقال: هديت لسنة نبيك" (٤). حج الصبى والعبد: لا يجب الحج على الصبى والمجنون، لقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم" (٥). ولا يجب على العبد لأنه غير مستطيع لانشغاله بخدمة سيده.

стр. 229

وإذا حج الصبى أو العبد صح حجهما ولا يجزئهما عن الفريضة إذا بلغ الصبى أو أعتق العبد. عن ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (١). وعنه قال: قال النبي ﷺ : "أيما صبىّ حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى" (٢). ما هى الاستطاعة ؟ الاستطاعة تتحقق بالصحة وملك ما يكفيه لذهابه وإيابه، فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، وبأمن الطريق. أما اشتراط الصحة فلحديث ابن عباس: "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرًا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة، فاحج عنه؟ قال: "حجى عنه" (٣). وأما ملك ما يكفيه فاضلا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، فلقوله ﷺ : "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" (٤). وأما اشتراط الأمن فلأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر، وهو منفى شرعا. حج المرأة:

стр. 230

إذا توفرت شروط الاستطاعة المذكورة في المرأة وجب عليها الحج كالرجل تمامًا، ألا أنه يشترط في حقها شرط زائد وهو أن يصحبها زوج أو محرم، فإن لم تجد فليست مستطيعة: فعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم"، فقام رجل فقال: يا رسول الله- ﷺ ، إن امرأتى خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال "انطلق فحج مع امرأتك" (١). الحج على الفور: ويجب على من استطاع المبادرة بالحج، لقوله ﷺ : "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة" (٢). المواقيت: المواقيت جمع ميقات. كمواعيد وميعاد. وهي مواقيت زمانية ومواقيت مكانية (٣). المواقيت الزمانية: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٥).

стр. 231

قال ابن عمر: "أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة" (١). وقال ابن عباس: "من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج" (٢). المواقيت المكانية: عن ابن عباس قال: "إن النبي ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولمن أتي عليهن من غيرهنّ ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (٣). وعن عائشة: "أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذاث عرق" (٤). فمن أراد مكة لنسك فلا يجوز له أن يتجاوز هذه المواقيت حتى يحرم. ويكره الإحرام قبلها: "وكل ما روى من الأحاديث في الحض على الإحرام قبل الميقات لا يصح بل قد روى نقيضها، فانظر الكلام على عللها، في "سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢١٠/ ٢١٢). وما أحسن قول الإمام مالك ﵀ لرجل أراد أن يحرم قبل ذى الحليفة: "لا تفعل، فإنى أخشى عليك الفتنة، فقال: وأى فتنة في هذه؟ إنما هى أميال أزيدها قال: وأى فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله- ﷺ إنى سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥). مجاوزة الميقات من غير إحرام:

стр. 232

من جاوز الميقات غير محرم "وهو يريد الحج والعمرة، ثم أحرم بعد مجاوزته فقد أثم بذلك ولا يذهب عنه الإثم إلا أن يعود إلى الميقات فيحرم منه، ثم يتم سائر نسكه" فإن لم يعد فنسكه صحيح. وقد لحقه الإثم، ولا دم عليه، لحديث صفوان بن يعلى أن يعلى قال لعمر ﵁: أرنى النبي ﷺ حين يوحى إليه. قال: فبينما النبي ﷺ بالجعرانة -ومعه نفر من أصحابه- جاءه رجل فقال: يا رسول الله- ﷺ ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ بساعة، فجاءه الوحى، فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى- وعلى رسول الله- ﷺ ثوب قد أظل به- فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ﷺ مخمر الوجه وهو يغط، ثم سرى عنه فقال: أين الذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل. فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" (١). "فهذا الحديث يدل دلالة صريحة على أن من أتى مخالفة أو محظورًا من محظورات الإحرام فليس عليه إلا أن يدعه فقط؛ لأن الرسول ﵇ لم يأمر الرجل لابس الجبة المتضمخ بطيب النساء -وهو الخلوق كما في رواية أخرى- إلا أن ينزع الجبة ويغسل الطيب، ولم يأمره بذبح هدي الجزاء، ولو كان واجبا لأمره به؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة والحاجة هنا قائمة" (*). الإحرام في الميقات: " فإذا أراد الإحرام، فإن كان قارنا قد ساق الهدى قال: "لبيك اللهم بحجة وعمرة، وإن لم يسق الهدى -وهو الأفضل- لبى بالعمرة وحدها، ولابد فقال: لبيك اللهم بعمرة، فان كان لبى بالحج وحده فسخه وجعله عمرة" (٢). لأن النبي

стр. 233

- ﷺ أصحابه جميعًا أن يحلوا من إحرامهم، وأن يجعلوا طوافهم وسعيهم عمرة، إلا من كان قد ساق الهدى منهم مثله ﷺ وغضب على الذين لم يبادروا إلى الاستجابة لأمر، وأكد ذلك صلوات الله وسلامه عليه بقوله: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" فهذا نص أيضًا على أن العمرة صارت جزءًا لا يتجزأ من الحج. وقال ﷺ : "لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى". وهذا ليس إشعارًا منه ﷺ بمجرد رغبة فاتته بإحرامه قارنا، بل هو إيذان منه عليه الصلاة السلام بأن التمتع بالحج أفضل من القران به. فكل حاج لا بد له من أن يقرن مع حجه عمرة، إما متقدمة عليه لأنه لم يسق الهدى، وهذا هو التمتع -وإما مقرونة به لأنه ساق الهدى وهذا هو القران-، فأى الاثنين اختار كان موافقا هدى النبي ﷺ كان التمتع أفضل من القران كما بيّنا آنفا. بقى أن نعلم أنه وان قال! واجبا على من حج مفردًا أو قارنا لم يسق الهدى أن يحل من إحرامه إذا طاف وسعى فإن المحرم بهما قد لا يجد متسعا من الوقت يتحلل فيه من إحرامه ثم يهلّ بالحج قبل خروج وقت عرفة، وعليه فإنه يجوز لمن أحرم مفردًا أو قارنا لم يسق الهدي أن يظل محرما، لا يتحلل من إحرامه إلا بعد رمى جمرة العقبة يوم النحر، إذا لم يتسع وقته للتحلل ثم الإحرام من جديد. ومثال ذلك: من قدم مكة ليلة التاسع، وخشى فوات الوقوف بعرفة، لضيق الوقت واقتراب الفجر، فهذا عليه أن يبادر إلى الصعود إلى عرفة لكيلا يفوته الركن الذي بفواته يفوت الحج كله، وهو الوقوف بعرفة، فيكون الحج المفرد جائزًا مشروعا في حدود ضيقة جدًا وإذا حج إنسان مفردا وترك التمتع والقران إيثارا للإفراد عليهما فهو آثم بهذا؛ لأنه غير مستجيب لأمر النبي ﷺ حين أمر أصحابه أن يجعلوا حجهم عمرة لكن حجه صحيح" (*). جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه:

стр. 234

عن عائشة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ علي ضباعة بنت الزبير، فقال لها: "أردت الحج؟ " قالت: والله لا أجدنى إلا وجعة فقال لها: "حجى واشترطي، وقولي: اللهم على حيث حبستنى" (١). فمن اشترط ذلك فإنه متى حبسه شيء من مرض أو عدو أو غير ذلك، تحلل ولادم عليه. ومن لم يشترط فإنه إذا حُبس لزمه دم، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والهدى لا يكون إلا من النعم: الإبل والبقر والغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولي بالإجزاء فإن لم يتيسر الهدى صام عشرة اأيام قياسا على المتمتع إذا لم يجد الهدى. * * *

стр. 235

"خذوا عني مناسككم" حجة النبي صلي الله عليه وسلم روى مسلم (١) بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله. فسأل عن القوم حتى انتهى إليّ. فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسى فنزع زِرِّى الأعلى، ثم نزع زِرِّى الأسفل، ثم وضع كفّه بين ثدييى وأنا يومئذ غلام شاب، فقال مرحبا بك يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته. وهو أعمي. وحضر وقت الصلاة، فقام في نِسَاجَة ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغَرِهَا، ورداؤه على المِشْجَب، فصلى بنا، فقلت: أخبرنى عن حجة رسول الله ﷺ فقال بيده فَعَقَدَ تِسْعًا فقال: "إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لمِ يحج، ثم اذَّنَ في الناس في العاشرة، أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُلَيْفَة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فارسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى واسْتَثْفِرى (*) بثوب وأحرمى"، فصلى رسول الله ﷺ في المسجد. ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرتُ إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". وأهلّ الناس بهذا الذي يهلّون به، فلم يرد رسول الله ﷺ -عليهم شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ لبيته.

стр. 236

قال جابر ﵁: لسنا ننوى إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فَرَمَلَ ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١)، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول: "ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ " كان يقرأ في الركعتين: قل هو الله أحد، وقيل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فَرَقِىَ عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحّد الله وكبّره وقال: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصَبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: "لو أني استقبلت من أمرى ما استدبرت لم اسُقِ الهَدْىَ وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة" فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم لأبد؟ فَشَبَّكَ رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج" مرتين "لا بل لأِبَد أبَدٍ". وقدم عليُّ من "اليمن بِبُدْنِ النبي ﷺ فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فكان عليّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ مُحَرِّشًا على فاطمة للذى صنعت، مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرتْ عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: "صدقت صدقت. ماذا قلت حين فَرَضْتَ الحج؟ " قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك. قال: "فإن معى الهدى فلا تحل" قال: فكان جماعة الهدى الذي قدم به عليُّ من اليمن والذي أتي به النبي ﷺ مائة قال: فحلّ

стр. 237

الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى مني، فاهلّوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلّى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتي طلعت الشمس، وأمر بقبة من شَعَر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا إنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فاجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس ابن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" ثلاث مرات. ثم أذن. ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا. ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخَرَاتِ، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِكَ رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتي حبلا من الحبال

стр. 238

أرخى لها قليلًا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلي بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين. ولم يسبّح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء. حتى أتي المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله وحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلًا حسن الشَّعْرِ، أبيض، وسيما، فلما دفع رسول الله ﷺ -مرت به ظُعُنٌ يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحوّل الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحوّل رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى بطن مُحَسِّر، فحرك قليلًا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة "الكبرى" حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخَذْف (١)، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلائا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غَبَرَ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت، فاكلا من لحمها، وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فافاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتي بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلوا فشرب منه". قال الإِمام النووي ﵀ في شرح مسلم (١٧٠/ ٨): "وهو حديث عظيم، مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، قال القاضى قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه واكثروا، وصنف فيه

стр. 239

أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا وخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، ولو تقصي لزيد على هذا القدر قريب منه. أهـ. الحج عبادة من العبادات، له أركان وواجبات وسنن: أولًا- سنن الحج: أ- سنن الأحرام: ا- الغسل عند الإحرام: لحديث زيد بن ثابت "أنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل" (١). ٢ - الطيب في بدنه قبل الإحرام: لحديث عائشة قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (٢). ٣ - أن يحرم في إزار ورداء أبيضين: لحديث ابن عباس قال: "انطلق النبي من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه" (٣). وأما استحباب كونهما أبيضين: فلحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم" (٤). ٤ - الصلاة في وادى العقيق لمن مرّ به: لحديث عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادى العقيق يقول: "أتانى الليلة آت من ربى فقال: صلّ في هذا الوادى المبارك وقل عمرة في حجة" (٥). ٥ - رفع الصوت بالتلبية: لحديث السائب بن خلاد قال: قال رسول الله ﷺ "أتانى جبريل فامرنى أن آمر أصحابى أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال أو التلبية" (٦).

стр. 240

ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يصرخون بها صراخًا، وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم" (١). ٦ - التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال: لحديث أنس قال: "صلى رسول الله ﷺ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذى الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة" (٢). ٧ - الإهلال مستقبل القبلة: لحديثَ نافع قال: "كان ابن عمر إذا صلى بالغداة بذي الحليفة أمر براحلته، فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبى ... وزعم أن رسول الله ﷺ فعلِ ذلِك" (٣). ب- سق دخول مكة: ٨، ٩، ١٠ - المبيت بذي طوى والاغتسال لدخول مكة ودخولها نهارًا: عن نافع قال: "كان ابن عمر ﵄ إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذى طوى ثم يصلى به الصبح ويغتسل، ويحدث أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك" (٤). ١١ - دخول مكة من الثنية العليا: لحديث ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى" (٥).

стр. 241

١٢ - أن يقدم رجله اليمنى عند الدخول إلى المسجد ويقول: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم الله، اللهم صل على محمد وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك" (١). ١٣ - فإذا رأى البيت رفع يديه إن شاء، لثبوته عن ابن عباس (٢)، ودعا بما تيسر له، وإن دعا بدعاء عمر "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام" فحسن لثبوته عنه (٣). جـ- سنن الطواف: ١٤ - الاضطباع: وهو أن يُدْخِل إزاره تحت إبطه الأيمن ويُردَّ طرفه على منكبه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفا. لحديث يعلي بن أمية "أن النبي ﷺ طاف مضطبعا" (٤). ١٥ - استلام الحجر الأسود: لحديث ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يَخُبُّ ثلاثة أطواف من السبع" (٥). ١٦ - تقبيل الحجر: لحديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبّل الحجر وقال: لولا أني رأيت رسول الله قبّلك ما قبّلتك" (٦).

стр. 242

١٧ - السجود عليه: لحديث ابن عمر قال: رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر، وسجد عليه، ثم عاد فقبّله وسجد عليه ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ " (١). ١٨ - التكبير عند الركن: لحديث ابن عباس ﵄ قال: طاف النبي ﷺ بالبيت على بعيره كلما أتي الركن أشار إليه بشيء كان عنده وكبر" (٢). ١٩ - الرمَل في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف الأول: لحديث ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول، مل ثلاثة، ومشى أربعة، من الحجر إلى الحجر" (٣). ٢٠ - استلام الركن اليمانى: لحديث ابن عمر قال: "لم أر النبي ﷺ يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين" (٤). ٢١ - أن يدعو بين الركنين بهذه الدعوة: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٥). ٢٢ - صلاة ركعتين بعد الطواف خلف المقام: لحديث ابن عمر قال: "قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعا، ثم صلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة". وقال "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٦). ٢٣ - أن يقرأ عند المقام قبل الصلاة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وأن يقرأ في الركعتين الكافرون والإخلاص، لحديث جابر "أن رسول الله ﷺ لما

стр. 243

انتهى إلى مقام إبراهيم ﵇ قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ثم صلى ركعتين وكان يقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ... ﴾ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. ٢٤ - التزام ما بين الركن والباب، بأن يضع صدره ووجهه وذراعيه عليه: لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه قال: طفت مع عبد الله بن عمرو، فلما فرغنا من السبع ركعنا في دبر الكعبة، فقلت ألا تتعوذ بالله من النار؟ قال أعوذ بالله من النار، قال: ثم مضى فاستلم الركن، ثم قام بين الحجر والباب، فألصق صدره ويديه وخده إليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله عد ﷺ يفعل" (١). ٢٥ - الشرب من زمزم وغسل الرأس به، لحديث جابر أن النبي ﷺ فعله. د- سنن السعى: ٢٦ - استلام الركن على النحو السابق. ٢٧ - قراءة ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. ثم يقول: نبدأ بما بدأ الله به، وذلك إذا دنا من الصفا للسعى (٢). ٢٨ - استقبال القبلة وهو على الصفا وقول: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. (ثلاثًا)، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم يدعوا بما شاء. يفعل مثل هذا ثلاث مرات. ٢٩ - السعى بين العلَمين الأخضرين سعيًا شديدًا. ٣٠ - أن يفعل على المروة كما فعله على الصفا من استقبال البيت والذكر والدعاء.

стр. 244

هـ - سنن الخروج إلى مني: ٣١ - الإحرام بالحج يوم التروية من منزله (*). ٣٢ - صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء بمنى يوم التروية، والمبيت بها، حتى يصلى الفجر وتطلع الشمس. ٣٣ - صلاة الظهر والعصر جمعا وقصرا بنمرة يوم عرفة. ٣٤ - أن لا ينفر من عرفة قبل غروب الشمس. أركان الحج: ١ - النية: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (١). وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٢). ٢ - الوقوف بعرفة: لقوله ﷺ : "الحج عرفة" (٣). ولحديث عروة الطائي قال: أتيت النبي ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبلى طىء، ممللت راحلتى، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه" (٤). ٣ - المبيت بمزدلفة حتي مطلع الفجر، وصلاة الفجر بها لقوله ﷺ لعروة في الحديث السابق: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفثه" (٥).

стр. 245

٤ - طواف الإفاضة: لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١). وعن عائشة ﵂ قالت: حاضت صفية بنت حيي بعد ما أفاضت. قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "أحابستنا هى؟ " قلت: يا رسول الله، إنها قد أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة. قال: "فلتنفر إذن" (٢). فدل قوله ﷺ : "أحابِسَتُنا هى"؟ على أن هذا الطواف لا بد منه، وأنه حابس لمن لم يأت به. ٥ - السعى بين الصفا والمروة، لسعيه ﷺ ، وقوله: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى" (٣). واجبات الحج: ا- الإحرام من الميقات، بأن يتجرد من ثيابه، ويلبس ملابس الإحرام، ثم ينوى قائلا: لبيك اللهم بعمرة. أو لبيك اللهم حجة وعمرة. ٢ - المبيت بمنى في ليالى التشريق، لأن الرسول ﷺ بات بها، و"رخص لرعاء الإبل في البيتوتة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد بيومين ويرمون يوم النفر" (٤). وترخيصه ﷺ لهم دليل الوجوب على غيرهم. ٣ - رمى الجمار مرتبا: بأن يرمى يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وبرمى الجمرات الثلاث في أيام التشريق كل يوم بعد الزوال، كل جمرة بسبع

стр. 246

حصيات، يبدأ بالأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة. ٤ - طواف الوداع: لحديث ابن عباس: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (١). ٥ - الحلق أو التقصير: "ثبت الحلق والتقصير بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (٢). وعن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "اللهم ارحم المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: "اللهم ارحم المحلّقين". قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصّرين". وقد اختلف جمهور الفقهاء في حكمه: فذهب أكثرهم إلى أنه واجب، يجبر تركه بدم، وذهبت الشافعية إلى أنه ركن من أركان الحج. وسبب اختلافهم هو عدم الدليل على هذا أو ذاك، كما أخبرنى بذلك شيخنا الألباني -حفظه الله-.

стр. 247

شروط الطواف (*): عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير" (١). فإذا كان الطواف صلاة فإنه يشترط له: ١ - الطهارة من الحدثين، لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٢). ولقوله ﷺ لعائشة وقد حاضت في الحج: "افعلى ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تغتسلى" (٣). ٢ - ستر العورة: لقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤). ولحديث أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: "ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (٥). ٣ - أن يكون سبعة أشواط كاملة: لأن النبي ﷺ طاف سبعا، كما قال ابن عمر ﵄: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعًا، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. ففعله هذا ﷺ مبين للمراد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَوُّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن ترك شيئًا من السبع ولو قليلًا لم يجزئه. وإن شك بني على الأقل حتى يتيقن.

стр. 248

٤, ٥ - أن يبدأ الطواف من الحجر إلاسود وينتهى إليه، جاعلا البيت عن يساره، لقول جابر ﵁: "لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتى الحجر الأسود فاستلمه ثم مشى عن يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعًا". فلو طاف وكان البيت عن يمينه لا يصح الطواف. ٦ - أن يكون الطواف خارج البيت؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يقتضى الطواف بجميعه. فلو طاف في الحِجْر لا يصح طوافه، لقوله ﷺ : "الحجْر من البيت". ٧ - المَوالاة: لأن النبي ﷺ طاف كذلك، وقال:"خذوا عني مناسككم". فإن قطعه ليتوضأ، أو ليصلى المكتوبة التي أقيمت، أو ليستريح قليلًا، بني على ما مضى، فإن طال الفصل استأنف. شروط السعى: يشترط لصحة السعى أمور: ١ - أن يكون سبعة أشواط. ٢ - أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة. ٣ - أن يكون السعى في المسعى، وهو الطريق الممتد بين الصفا والمروة. وذلك لفعل رسول الله ﷺ ذلك، مع قوله: "خذوا عني مناسككم". محظورات الإحرام: ويحرم على المحرم: ١ - لبس المخيط: لحديث ابن عمر: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله ﷺ :"لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين

стр. 249

وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران أو ورس" (١). ويرخص لمن لم يجد إلا سراويل وخفافا أن يلبسهما من غير قطع: لحديث ابن عباس قال: "سمعت النبي ﷺ يخطب بعرفات: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم" (٢). ٢ - تغطية وجه المرأة ويديها: لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" (٣). ويجوز لها أن تغطى وجهها إذا مرّ بها رجال لحديث هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: "كنا نخمّر وجوهنا، ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبى بكر الصديق" (٤). ٣ - تغطية رأس الرجل بعمامة أو نحوها لقوله ﷺ في حديث ابن عمر "لا يلبس القمص ولا العمائم" (٥). ويجوز أن يستظل بخيمة ونحوها، لما مرّ في حديث جابر "أن النبي ﷺ أمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فنزل بها". ٤ - الطيب: لقوله ﷺ في حديث ابن عمر "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه زعفران أو ورس" (٦). ولقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تحنّطوه،، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (٧).

стр. 250

٥، ٦ - تقليم الأظفار، وإزالة الشعر بالحلق أو القص أو غير ذلك: لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). وأجمع العلماء على حرمة قلم الظفر للمحرم (٢). ويجوز إزالة الشعر لمن يتأذى ببقائه، وفيه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣). وعن كعب بن عجرة "أن النبي ﷺ مر به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامّك هذه؟ قال نعم. قال: فاحلق رأسك، وأطعم فرقًا بين ستة مساكين "والفرق ثلاثة آصع" أو صم ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة" (٤). ٧ - الجماع ودواعيه. ٨ - اقتراف المعاصى. ٩ - المخاصمة والجدال. والاصل في تحريم هذه الثلاث قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥). ١٠، ١١ - الخِطبة وعقد النكاح: لحديث عثمان أن النبي ﷺ قال: "لاينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب" (٦).
следующие страницы →