← Фикх общий

Фикх общий · id 98086

الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز

عبد العظيم بدوي

Полный текст (480 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقوله ﷺ :"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم" (١). وقوله ﷺ :"لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر" (٢). وقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع: "ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبّرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" (٣). ويجب على الرجل العدل بين نسائه في الطعام والسكن والكسوة والمبيت، وسائر ما هو مادّى، فإن مال إلى إحداهن دون الأخرى شمله الوعيد المذكور في قوله ﷺ : "من كانت له امرأتان، يميل مع إحداهما على الأخرى، جاء يوم القيامة واحد شقيه ساقط" (٤). ولا جناح عليه في الميل القلبى؛ لأنه لا يملكه، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٥). ولقد كان رسول الله ﷺ يعدل بين نسائه فيما هو مادى، لا يفرق بينهن، ومع ذلك كانت عائشة أحبّهن إليه: عن عمرو بن العاص "أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته

стр. 282

فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب. فعدّ رجالًا" (١). كم ينكح الحر ؟ ولا يحل التزوج بأكثر من أربع، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢). ولقوله ﷺ لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٣). وعن قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندى ثمانية نسوة، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "اختر منهن أربعا" (٤). المحرمات من النساء: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٥).

стр. 283

فذكر الله تعالى في هذه الآيات المحرمات من النساء، وبالتأمل فيها نجد أن التحريم قسمان: ١ - تحريم مؤبد، يمنع المرأة أن تكون زوجة للرجل في جميع الأوقات. ٢ - تحريم مؤقت، يمنع المرأة من التزوج بها ما دامت على حالة خاصة قائمة بها، فإن تغير الحال زال التحريم وصارت حلالًا. وأسباب التحريم المؤبد هى: النسب، والمصاهرة، والرضاع. أولًا: المحرمات بالنسب، وهن: الأمهات. البنات. الأخوات. العمات. الخالات. بنات الأخ. بنات الأخت. ثانيا: المحرمات بالمصاهره، وهن: ١ - أم الزوجة، ولا يشترط في تحريمها الدخول بها، بل مجرد العقد على ابنتها يحرّمها. ٢ - ابنة الزوجة المدخول بها، فإن عقد على الأم ولم يدخل بها حلّت له ابنتها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. ٣ - زوجة الابن: وتحرم بمجرد العقد. ٤ - زوجة الأب: يحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه بمجرد عقد الأب عليها. ثالثا: المحرمات بسبب الرضاع: قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وقال النبي ﷺ : "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" (١). وعلى هذا، فتنزل المرضعة منزلة الأم، وتحرم على المرضع هى وكل من يحرم على الابن من قبل أمّ النسب، فيحرم على الرضيع التزوج من: ١ - المرضعة. ٢ - أم المرضعة. ٣ - أم زوج المرضعة. ٤ - أخت المرضعة.

стр. 284

٥ - أخت زوج المرضعة. ٦ - بنات بنيها وبناتها. ٧ - الأخت من الرضاعة. الرضاع الذي يثبت به التحريم: عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تحرم المصّة والمصّتان" (١). وعن أم الفضل أن نبي الله ﷺ قال: "لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان" (٢). وعن عائشة قالت: "كان فيما أنزل من القرآن "عشر رضعات معلومات يحرمن"، ثم نسخن "بخمس معلومات". فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن" (٣). ويشترط أن يكون الرضاع في الحولين، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٤). وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء في الثدى وكان قبل الفطام" (٥). المحرمات مؤقتا: ١ - الجمع بين الأختين: لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦).

стр. 285

٢ - الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها: لحديث أبى هريرة أن النبي ﷺ -قال: "لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١). ٣ - زوجة الغير ومعتدته: لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي حرمت عليكم المحصنات من النساء، أى المتزوجات منهن، إلا المسبيات، فإن المسبية تحل لسابيها بعد الاستبراء، وإن كانت متزوجة، لحديث أبى سعيد: أن رسول الله ﷺ بعث جيشا إلى أوطاس، فلقى عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن (٢). ٤ - المطلقة ثلاثًا: لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا. لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. ٥ - زواج الزانية: لا يحل للرجل أن يتزوج بزانية، ولا يحل للمرأة أن تتزوج بزان، إلا أن يحدث كل منهما توبة. لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن مرثد بن أبي مرثد الغنوى كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغىّ يقال لها عَنَاق، وكانت صديقته. قال: جئت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ قال: فسكت عني.

стр. 286

فنزلت: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) فدعانى فقرأها علىّ، وقال: لا تنكحها" (١). الأنكحة الفاسدة: ١ - نكاح الشغار: وهو أن يزوّج الرجلُ ابنته أو أخته أو غيرهما ممن له الولاية عليه على أن يزوّجه الآخر أو يزوّج ابنه أو ابن أخيه ابنته أو أخته أو بنت أخته أو نحو ذلك. وهذا العقد على هذا الوجه فاسد، سواء ذكر فيه مهر أم لا؛ لأنّ الرسول ﷺ نهى عن ذلك وحذر منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وفي الصحيحين عن ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن الشغار" (٣). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ نهى عن الشغار قال: والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوّجنى ابنتك وأزوجك ابنتى، أو زوّجنى أختك وأزوجك أختى" (٤). وقال ﵊: "لا شغار في الإِسلام" (٥). فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على تحريم نكاح الشغار وفساده، وأنه مخالف لشرع الله، ولم يفرّق النبي ﷺ بين ما سمى فيه مهر وما لم يسمّ فيه شيء. وأما ما ورد في حديث ابن عمر (٣) من تفسير الشغار بأن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق، فهذا التفسير قد ذكر أهل العلم

стр. 287

أنه من كلام نافع الراوى عن ابن عمر، وليس هو من كلام النبي ﷺ ، وقد فسره النبي ﷺ في حديث أبى هريرة بما تقدم، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته ولم يقل وليس بينهما صداق، فدل ذلك على أن تسمية الصداق أو عدمها لا أثر لها في ذلك، وإنما المقتضى للفساد هو اشتراط المبادلة، وفي ذلك فساد كبير، لأنه يفضى إلى إجبار النساء على نكاح من لا يرغبن فيه، إيثارًا لمصلحة الأولياء على مصلحة النساء، وذلك منكر وظلم للنساء، ولأن ذلك أيضًا يفضى إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن، كما هو الواقع بين الناس المتعاطين لهذا العقد المنكر، إلا من شاء الله، كما أنه كثيرا ما يفضى إلى النزاع والخصومات بعد الزواج، وهذا من العقوبات العاجلة لمن خالف الشرع" (١). ٢ - نكاح المحلل: وهو أن يتزوج المطلقة ثلاثًا بعد انقضاء عدتها، ثم يطلقها لتحل لزوجها الأول. وهذا النوع من الزواج كبيرة من كبائر الإثم والفواحش، لا يجوز، سواء شرطا ذلك في العقد، أو اتفقا عليه قبل العقد، أو نواه أحدهما بقلبه، وفاعله ملعون. عن عليّ قال: "لعن رسول الله ﷺ -والمحلَّل له" (٢). وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلَّل، لعن الله المحلِّل والمحلل له" (٣). وعن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: "جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها

стр. 288

لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ (١). ٣ - نكاح المتعة: " ويسمى الزواج المؤقت، والزواج المنقطع، وهو أن يعقد الرجل على المرأة يوما أو أسبوعا أو شهرا. أو غير ذلك من الآجال المعلومة. وهو زواج متفق على تحريمه، وإذا انعقد يقع باطلًا (٢). عن سبرة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها" (٣). العقد على المرأة وفي نية الزوج طلاقها: قال الشيخ سيد حافظ -حفظه الله- في فقه السنة (٣٨/ ٢): اتفق الفقهاء على أن من تزوج امرأة دون أن يشترط التوقيت وفي نيته أن يطلقها بعد زمن، أو بعد إنقضاء حاجته في البلد الذي هو مقيم به، فالزواج صحيح. وخالف الأوزاعى فاعتبره زواج متعة. قال الشيخ رشيد رضا تعليقا على هذا في تفسير المنار: هذا وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضى منع النكاح بنية الطلاق وإن كان الفقهاء يقولون إن عقد النكاح يكون صحيحا إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد. ولكن كتمانه إياه يعد خداعا وغشا، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضى بين الزوج والمرأة ووليها، ولا يكون فيه

стр. 289

من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هى أعظم الروابط البشرية وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذوّاقين والذوّاقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات. وما لا يشترط فيه ذلك يكون على اشتماله على ذلك غشا وخداعا، تترتب عليه مفاسد أخرى، من العداوة والبغضاء، وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو إحصان كل من الزوجين للآخر، وإخلاصه له وتعاونهما على تاسيس بيت صالح من بيوت الأمة. أهـ. (قلت): ويؤيد ما ذهب إليه الشيخ رشيد ﵀ أثر عمر بن ناف ع عن أبيه أنه قال: "جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ قال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ " (١). الحقوق الزوجية: الأسرة هى اللبنة الأولى في المجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، لذا أولى الإِسلام الأسرة عناية كبيرة، وفرض لها ما يكفل سلامتها وسعادتها. فاعتبر الإِسلام الأسرة مؤسسة تقوم على شركة بين اثنين، المسئول الأول فيها الرجل ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ (٢). وجعل الإِسلام لكل من الشريكين على صاحبه حقوقا، تكفل -بأدائها- استقرار هذه المؤسسة واستمرارية هذه الشركة، وحث كلًا من الشريكين أن يؤدى

стр. 290

ما عليه، وأن يغض الطرف عما يحدث من تقصير في حقوقه أحيانا. حق المرأة على الرجل: يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١) فما يوجد من المودة والرحمة بين الزوجين لا يكاد يوجد بين اثنين. والله سبحانه يحب للأزواج دوام المودة والرحمة، ولذا شرع لهم من الحقوق ما يحفظ أداؤه المودة والرحمة من النفاد أو الضياع، فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وهذه الكلمة على إيجازها جمعت مالًا يؤدى بالتفصيل إلا في سفر كبير، فهي قاعدة كليّة ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق، إلا أمرأَ واحدًا عبّر الله تعالى عنه بقوله ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٢) وقد أحال في معرفة ما لهنّ وما عليهن على المعروف بين الناس ومعاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهم، وما يجرى عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم. فهذه الجملة تعطى الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور تذكّر أنه يجب عليه مثله بإزائه. ولهذا قال ابن عباس ﵄: إنى لأتزيّن لامرأتى كما تتزين لي (٣). فالمسلم الحق يعترف بما لزوجته عليه من الحقوق، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وكما قال النبي ﷺ : "ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا" (٤). والمسلم الواعى يحاول دائما أن يؤدى لزوجه حقها غير ناظر في حقه استوفاه

стр. 291

أم لا، لأنه حريص على دوام المودة والرحمة بينهما، كما أنه حريص على تفويت الفرصة على الشيطان الذي يحرش بينهما ليتفرقا. ومن باب "الدين النصيحة" نذكر الآن حق المرأة على الرجل، ثم نذكر بعد ذلك حق الرجل على المرأة، لعل الأزواج يتعظون فيتواصون بالحق ويتواصون بالصبر. "إن لنسائكم عليكم حقا" وأوّل ذلك: أن يعاشر الرجلُ المرأة بالمعروف، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، وذلك بأن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ويؤدّبها إذا خاف نشوزها بما أمر الله أن يؤدب به النساء، بأن يعظها موعظة حسنة من غير سبّ ولا شتم ولا تقبيح، فإن أطاعت وإلا هجرها في الفراش، فإن أطاعت وإلا ضربها في غير الوجه ضربًا غير مبرّح، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (٢) ولقوله ﷺ وقد سئل: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ فقال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبّح ولا تهجر إلا في البيت" (٣). إن من مظاهر اكتمال الخلق ونمو الإيمان أن يكون المرء رفيقا رقيقًا مع أهله كما قال النبي ﷺ : "أكتمال المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقا، وخياركم خياركم لنسائهم" (٤) فإكرام المرأة دليل الشخصية المتكاملة، وإهانتها علامة على الخسة واللؤم. ومن إكرامها التلطف معها ومداعبتها، اقتداء برسول الله ﷺ ، فقد كان يتلطف مع عائشة ويسابقها، حتى قالت "سابقنى رسول الله ﷺ فسبقته، فلبثنا حتى إذا

стр. 292

أرهقنى اللحم سابقنى فسبقنى، فقال: هذه بتلك" (١). ولقد عدّ النبي ﷺ -اللهو باطلًا إلا ما كان مع الأهل، فقال ﷺ : "كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثًا: رميُه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق" (٢). ٢ - ومن حق المرأة على الرجل أن يصبر على أذاها، وأن يعفو عما يكون منها من زلات لقوله ﷺ : "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلُقا رضي منها آخرً" (٣). وقال ﷺ : "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خُلِقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تُقيمُه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا" (٤) وقال بعض السلف: اعلم أنه ليس حُسن الخلق مع المرأة كف الأذى عنها، بل تحملّ الأذى منها، والحلم على طيشها وغضبها، اقتداء برسول الله ﷺ ، فقد كانت نساؤه يراجعنه وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل (٥). ٣ - ومن حق المرأة على الرجل أن يصونها ويحفظها من كل ما يخدش شرفها ويُثلم عِرضها ويمتهن كرامتها، فيمنعها من السفور والتبرج، ويحول بينها وبين الاختلاط بغير محارمها من الرجال، كما عليه أن يوفّر لها حصانة كافية ورعاية وافية، فلا يسمح لها أن تفسد في خلق أو دين، ولا يفسح لها المجال أن تفسق عن أوامر الله ورسوله أو تفجر، إذ هو الراعى المسئول عنها والمكلف بحفظها وصيانتها لقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٦)، ولقول النبي ﷺ : "والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته" (٧).

стр. 293

٤ - ومن حق المرأة على الرجل أن يعلمها الضرورى من أمور دينها، أو يأذن، لها أن تحضر مجالس العلم، فإن حاجتها لإصلاح دينها وتزكية روحها ليست أقلّ من حاجتها إلى الطعام والشراب الواجب بذلهما لها، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١) والمرأة من الأهل، ووقايتها من النار بالإيمان والعمل الصالح، والعملُ الصالح لابد له من العلم والمعرفة، حتى يمكن أداؤه والقيام به على الوجه المطلوب شرعا. ٥ - ومن حق المرأة على الرجل أن يأمرها بإقامة دين الله والمحافظة على الصلاة، لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢). ٦ - ومن حق المرأة على الرجل أن ياذن لها في الخروج من البيت إذا احتاجت إليه كأن ترغب في شهود الجماعة، أو في زيارة أهلها وأقاربها أو جيرانها، بشرط أن يأمرها بالجلباب، وينهاها عن التبرج والسفور، كما ينهاها عن العطر والبخور، ويحذرها من الاختلاط بالرجال ومصافحتهم، كما يحذرها من رؤية التلفزيون وسماع الأغانى. ٧ - ومن حق المرأة على الرجل أن لا يفشى سرّها، وأن لا يذكر عيبها، إذ هو الأمين عليها، والمطالب برعايتها والذود عنها، ومن أخطر الأسرار أسرار الفراش ولذا حذّر النبي ﷺ -من إذاعتها لحديث أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود فقال: "لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟ فأرَمَّ القوم، فقلت: إى والله يا رسول الله! إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون. قال "فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقى شيطانه فى طريق، فغشيها والناس ينظرون" (٣). ٨ - ومن حق المرأة على الرجل أن يستشيرها في الأمور ولا سيما التى تخصهما وأولادَهما، اقتداء برسول الله ﷺ ، فقد كان يستشير نساءه ويأخذ

стр. 294

برأيهن، ومن ذلك ما كان منه يوم الحديبية حين فرغ من كتابة الصلح ثم قال لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا". فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ﵂، فذكر لها ما لقى من الناس. فقالت: يا نبى الله أتحب ذلك؟ اخرج، ولا تكلّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد يعضهم يقتل بعضًا غمًا (١). وهكذا جعل الله لرسوله ﷺ في رأى زوجه أم سلمة الخير الكثير، خلافا للأمثلة الجائرة الظالمة التي تنهى عن مشاورة النساء وتحذر منها، كقولهم بالعامية مشورة المرأة إن نفعت بخراب سنة، وإن ما نفعت بخراب العمر. ٩ - ومن حق المرأة على الرجل أن يرجع إليها بعد العشاء مباشرة، وألا يسهر خارج المنزل إلى ساعة متأخرة من الليل، فإن هذا يؤرقها ويزعجها قلقًا عليه، إن لم تدب في صدرها الوساوس والشكوك إن طال السهر وتكرر، بل من حق المرأة على الرجل أن لا يسهر في البيت بعيدا عنها ولو في الصلاة حتى يؤديها حقها، ومن هنا أنكر النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو طول سهره واعتزال امرأته، وقال له: "إن لزوجك عليك حقا" (٢). ١٠ - ومن حق المرأة على الرجل أن يعدل بينها وبين ضرتها إن كان لها ضرة، يعدل بينهما في الطعام والشراب، واللباس، والسكن، والمبيت في الفراش، ولا يجوز أن يحيف في شيء من ذلك أو يجور ويظلم، فإن الله حرّم هذا، قال النبي ﷺ : "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم القيامة وشقه مائل" (٣).

стр. 295

إخوة الإِسلام: هذه هى حقوق نسائكم عليكم، فالواجب عليكم أن تجتهدوا في أداء هذه الحقوق لهن، وأن لا تألوا جهدًا في ذلك، فإن قيامكم بهذه الحقوق من أسباب سعادتكم في حياتكم الزوجية، ومن أسباب استقرار البيوت وسلامتها وخلوها من المشاكل التي تؤرقكم وتفقدكم الراحة والسكون والمودة والرحمة. ونذكر النساء بضرورة غض طرفهن عن تقصير أزواجهن في حقهن وأن يقابلن تقصير الرجال بالاجتهاد في خدمتهم، وبذلك تدوم الحياة الزوجية سعيدة. حق الرجل على المرأة: إن حق الرجل على المرأة عظيم، بيّن النبي ﷺ عظمته بقوله: فيما رواه الحاكم وغيره من حديث أبى سعيد "حق الزوج على زوجته أن لو كانت به قرحة فلحستها ما أدَّت حقه" (١). والمرأة الكيسة الفطنة هى التي تعظّم ما عظم الله ورسوله، وهي التي تقدر زوجها حق قدره: فتجتهد في طاعته لأنّ طاعته من موجبات الجنة، قال ﷺ : "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلى الجنة من أي أبوابها شئت" (٢) فتأملى أيتها المسلمة كيف جعل النبي ﷺ -طاعة الزوج من موجبات الجنة كالصلاة والصيام، فالزمى طاعته، واجتنبى معصيته، فإن في معصيته غضب الربّ ، قال النبي ﷺ : "والذي نفسى بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها" (٣). فالواجب عليك أيتها المسلمة أن تدينى لزوجك بالسمع والطاعة في كل ما يأمرك به مما لا يخالف الشرع، واحذرى كل الحذر من الإفراط في الطاعة حتى

стр. 296

تطيعيه في المعصية، فإنك إن فعلت كنت آثمة. ومن ذلك مثلا: أن تطيعيه في إزالة شعر وجهك تجملًا له، فقد لعن النبي ﷺ النامصة والمتنمصة (١). ومن ذلك: أن تطيعيه في ترك الخمار عند الخروج من البيت لأنه يحبّ أن يتباهى بجمالك أمام الناس، فقد قال ﷺ : "صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" (٢). ومن ذلك أن تطيعيه في الوطء في المحيض أو في غير ما أحل الله، فقد قال ﷺ : "من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد" (٣). ومن ذلك أن تطيعيه في الظهوِر على الرجال والاختلاط بهم ومصافحتهم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤) وقال النبي ﷺ : "إياكم والدخول على النساء" قيل: يا رسول الله: أفرأيت الحمو (وهو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وعمه وابن عمه ونحوهم) قال: "الحمو الموت" (٥) وقيسى على ذلك كل ما يخالف شرع ربك، فلا تغترى بما يلزمك من الطاعة لزوجك حتى تطيعيه في المعصية، فإنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ٢ - ومن حق الزوج على زوجته أن تصون عرضه، وتحافظ على شرفها، وأن ترعى ماله وولده وسائر شئون منزله، لقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ ِللْغَيْبِ بِمَا

стр. 297

حَفِظَ اللَّهُ﴾ (١) ولقول النبي ﷺ : "والمرأة رأعيه في بيت زوجها ومسؤلة عن رعيتها" (٢). ٣ - ومن حق الزوج على زوجته أن تتزين له وتتجمل، وأن تبتسم في وجهه دائما ولا تعبس، ولا تبدو في صورة يكرهها، فقد أخرج الطبراني من حديث عبد الله ابن سلام قال ﷺ : "خير النساء من تسرّك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك" (٣). والعجب كل العجب من إهمال المرأة لنفسها في بيتها بحضرة زوجها، وإفراطها في الاهتمام بنفسها وإبداء زينتها عند الخروج من بيتها، حتى صدق فيها قول من قال: قردٌ في البيت وغزال في الشارع فاتق الله يا أمة الله في نفسك وزوجك، فإنه أحق الناس بزينتك وتجملك، وإياك وإبداء الزينة لمن لا يجوز له رؤيتها، فإن هذا من السفور المحرّم. ٤ - ومن حق الزوج على زوجته أن تلزم بيته فلا تخرج منه ولو إلى المسجد إلا بإذنه، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٤). ٥ - ومن حق الزوج على زوجته أن لا تأذن في بيته إلا بإذنه، لقوله ﷺ "فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون" (٥). ٦ - ومن حق الزوج على زوجته أن تحفظ ماله، وأن لا تنفق منه إلا بإذنه، لقوله ﷺ "ولا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها" قيل: ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضل أموالنا" (٦). بل من حق الزوج على زوجته أن لا تنفق من مالها إن كان لها إلا بإذن

стр. 298

زوجها لقوله ﷺ "ليس للمرأة أن تنتهك شيئًا من مالها إلابإذن زوجها" (١). ٧ - ومن حق الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعًا وهو شاهد إلا بإذنه، لقوله ﷺ : "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" (٢). ٨ - ومن حق الزوج على زوجته أن لا تمنّ عليه، بما أنفقت من مالها في بيتها وعلى عيالها، فإن المنّ يبطل الأجر والثواب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (٣). ١٠ - ومن حق الزوج على زوجته أن ترضى باليسير، وأن تقنع بالموجود، وأن لا تكلفه من النفقة ما لا يطيق، فقد قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٤). ١١ - ومن حق الزوج على زوجته أن تحسن القيام على تربية أولادها منه في صبر فلا تغضب على أولادها أمامه، ولا تدعو عليهم، ولا تسبّهم، فإن ذلك قد يؤذيه والرسول ﷺ يقول: "لا تؤذى امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا" (٥). ١٢ - ومن حق الزوج على زوجته أن تحسن معاملة والديه وأقاربه، فما أحسنت إلى زوجها من أساءت إلى والديه وأقاربه. ١٣ - ومن حق الزوج على زوجته أن لا تمنع منه نفسها متى طلبها، لقوله ﷺ : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها

стр. 299

الملائكة حتى تصبح" (١) وقال -صلي الله عليه وسلم- "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور" (٢). ١٤ - ومن حق الزوج على زوجته أن تكتم سرّه وسرّ بيته، ولا تفشى من ذلك شيئًا، ومن أخطر الأسرار التي تتهاون النساء بإذاعتها أسرار الفراش وما يكون بين الزوجين فيه، وقد نهى النبي -صلي الله عليه وسلم- عن ذلك: فعن أسماء بنت يزيد ﵂ أنها كانت عند النبي -صلي الله علي وسلم- والرجال والنساء قعود، فقال -صلي الله عليه وسلم- "لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها" فأرمّ القوم. فقلت: إى والله يا رسول الله، إنهن ليفعلن وإنهم ليفعلون. فقال -صلي الله عليه وسلم- "فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك كمثل شيطان لقى شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون" (٣). ١٥ - ومن حق الزوج على زوجته أن تحرص عليه وتحافظ على الحياة معه، ولا تسأله الطلاق من غير سبب، عن ثوبان ﵁ قال -صلي الله عليه وسلم-: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (٤). وقال صلي الله عليه وسلم: "المختلعات (*) هن المنافقات" (٥). هذه أيتها المسلمة حقوق زوجك عليك، فعليك أن تجتهدى في القيام بها حق القيام، وأن تغضّى الطرف عن تقصير زوجك في حقك، فإنه بذلك تدوم المودة والرحمة، وتصلح البيوت، ويصلح المجتمع بصلاحها. وعلى الأمهات أن يَعلَمن أن من الواجب عليهن أن يبصّرن بناتهن بحقوق أزواجهن وأن تذكّر كل أم بنتها بهذه الحقوق قبل زفافها، سنة نساء السلف رضي

стр. 300

الله عنهن فقد خطب عمرو بن حجر ملك كندة أم إياس بنت عوف الشيبانى، فلما حان زفافها إليه خلت بها أمها أمامة بنت الحارث فأوصتها وصيّة بينت فيها أسس الحياة الزوجية السعيدة وما يجب عليها لزوجها، فقالت: أى بنيّة: إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك، لكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلقن ولهن خُلق الرجال. أي بنيّة: إنك فارقت الجوّ الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا فكونى له أمة يكن لك عبدًا وشيكا. واحفظى له خصالًا عشرًا يكن لك ذخرًا: أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والإرعاء على حشمه وعياله وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًا، فإنك إن خالفت أمره أوْغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمنى غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهمومًا، والكآبة بين يديه إن كان مسرورًا (١). (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما).

стр. 301

الخلافات الزوجية: لا تكاد أسرة تسلم من المشاكل والخلافات، ولكن الأسر تتفاوت في حجم مشاكلها ونوع خلافاتها. وقد حث الإِسلام الزوجين على معالجة مشاكلهما والقضاء عليها فيما بينهما، وأرشد كلاّ منهما إلى طرق العلاج التي يستخدمها مع صاحبه، كما حثهما على المبادرة إلى العلاج حين تظهر بوادر الخلاف وأعراضه, قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْخرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُالحًا وَالصُلْحُ خَيْر﴾ (٢). "فالمنهج الإسلامى لا ينتظر حتى يقع النشوز بالفعل، وتعلن راية العصيان، وتسقط مهابة القوامة، وتنقسم المؤسسة إلى معسكرين .. فالعلاج حين ينتهى الأمر إلى هذا الوضع قلّما يجدى .. ولابد من المبادرة في علاج مبادئ النشوز قبل استفحاله، لأن مآله إلى فساد في هذه المنظمة الخطيرة، لا يستقر معه سكن ولا طمأنينة، ولا تصلح معه تربية ولا إعداد للناشئين في المحضن الخطير. وماَله بعد ذلك إلى تصدع وانهيار ودمار المؤسسة كلها، وتشرد للناشئين فيها، أو تربيتهم بين عوامل هدامة مفضية إلى الأمراض النفسية والعصبية والبدنية .. وإلى الشذوذ. فالأمر إذن خطير، ولابد من المبادرة باتخاذ الإجراءات المتدرجة في علاج علامات النشوز منذ أن تلوح من بعيد. علاج نشوز المرأة: قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١). ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: هذا هو الإجراء الأول .. الموعظة .. وهذا هو أول واجبات

стр. 302

القيم ورب الأسرة. عمل تهذيبى، مطلوب منه في كل حالة: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقُوذهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾ (١) ولكنه في هذه الحالة بالذات، يتجه اتجاها معينا لهدف معين، هو علاج أعراض النشوز قبل أن تستفحل وتستعلن. ولكن العظة قد لا تنفع؛ لأن هناك هوى غالبا، أو انفعالا جامحا، أو استعلاء بجمال، أو بمال أو بمركز عائلى، أو بأى قيمة من القيم، تنسى الزوجة أنها شريكة في مؤسسة، وليست ندا في صراع أو مجال افتخار. هنا يجىء الإجراء الثاني .. حركة استعلاء نفسية من الرجل على كل ما تتدل به المرأة من جمال وجاذبية أو قيم أخرى، ترفع بها ذاتها عن ذاته، أو عن مكان الشريك في مؤسسة عليها قوامة. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ , والمضجع موضع الإغراء والجاذبية التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها. فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء فقد أسقط من يد المرأة الناشز أمضى أسلحتها التي تعتز بها. على أن هناك أدبا معينا في هذا الإجراء .. إجراء الهجر في المضاجع .. وهو ألا يكون هجرا ظاهرا في غير مكان خلوة الزوجين .. لا يكون هجرًا أمام الأطفال، يورث نفوسهم شرًا وفسادًا .. ولا هجرا أمام الغرباء يذل الزوجة، أو يستثير كرامتها فتزداد نشوزًا فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة ولا إفساد الأطفال. وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء. ولكن هذه الخطوة قد لا تفلح كذلك .. فهل تترك المؤسسة تتحطم؟ إن هناك إجراء ولو أنه أعنف، ولكنه أهون وأصغر من تحطيم المؤسسة كلها بالنشوز: ﴿وَاضْرِبُوهنّ﴾ , واستصحاب المعانى السابقة كلها، واستصحاب الهدف من هذه الإجراءات كلها يمنع أن يكون هذا الضرب تعذيبا للانتقام والتشفى. ويمنع أن يكون إهانة للإذلال والتحقير، ويمنع أن يكون أيضًا للقسر والإرغام على معيشة لا.

стр. 303

ترضاها .. ويحدد أن يكون ضرب تأديب، مصحوب بعاطفة المؤدب المربى، كما يزاوله الأب مع أبنائه، وكما يزاوله المربى مع تلميذه. وقد أبيحت هذه الإجراءات لمعالجة أعراض النشوز -قبل استفحالها- وأحيطت بالتحذيرات من سوء استعمالها، فور تقريرها وإباحتها، وتولى الرسول ﷺ بسنته العملية في بيته مع أهله، وبتوجيهاته الكلامية، علاج الغلو هنا وهناك، وتصحيح المفهومات في أقوال كثيرة: عن معاوية بن حيدة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (١). وعن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لا تضربوا إماء الله". فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النساء على أزواجهن. فرخّص في ضربهن، فاطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن. فقال رسول الله ﷺ "ولقد أطاف بآل بيت محمَّد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم" (٢). وعن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي- ﷺ يقول: "يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من آخر يومه" (٣). وعلى آية حال فقد جعل لهذه الإجراءات حد تقف عنده، متى تحققت الغاية عند مرحلة من هذه المراحل فلا تتجاوز إلى ما وراءها: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" فعند تحقق الغاية تقف الوسيلة مما يدل على أن الغاية -غاية الطاعة- هى المقصود، وهي طاعة الاستجابة، لا طاعة الإرغام، فهذه ليست طاعة تصلح لقيام مؤسسة الأسرة، قاعدة الجماعة.

стр. 304

ويشير النص إلى أن المضي فيِ هذه الإجراءات بعد تحقق الطاعة بغى وتحكم وتجاور ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ثم يعقب على هذا النهى بالتذكير بالعلى الكبير، كى تتطامن القلوب وتعنو الرؤوس، وتتبخر مشاعر البغى والاستعلاء إن طافت ببعض النفوس: على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب" (١). علاج نشوز الرجل قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْر وَأُحْضرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَ ان تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٢) "لقد نظم المنهج -من قبل- حالة النشوز من ناحية الزوجة، والإجراءات التي تتخذ للمحافظة على كيان الأسرة فالآن ينظم حالة النشوز والإعراض حين يخشى وقوعها من ناحية الزوج، فتهدد أمن المرأة وكرامتها وأمن الأسرة كلها كذلك. إن القلوب تتقلب، وإن المشاعر تتغير. والإِسلام منهج حياة يعالج كل جزئية فيها، ويتعرض لكل ما يعرض لها في نطاق مبادئه واتجاهاته، وتصميم المجتمع الذي يرسمه وينشئه وفق هذا التصميم. فماذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة، وأن تؤدى هذه الجفوة إلى الطلاق -وهو أبغض الحلال إلى الله- أو إلى الإعراض، الذي يتركها كالمعلقة، لا هى زوجة ولا هى مطلقة، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية، كان تترك له جزءًا أو كلا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هى قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها. هذا كله إذا رأت هى -بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها- أن ذلك

стр. 305

خير لها وأكرم من طلاقها "وإن أمرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا" وهذا هو الصلح الذي أشرنا إليه. ثم يعقب على الحكم بأن الصلح إطلاقا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١) أهـ. ثم يحث الرجل على الإحسان إلى هذه المرأة الراغبة فيه ولذا تنازلت عن بعض حقوقها لتبقى في عصمته ويبين أن الله عليم بإحسانه وسيجازيه به فيقول ﴿وَأُحضرِتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وسبب نزول الآية ذكره أبو داود من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت عائشة: يا ابن أختى، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفَرِقَت أن يفارقها رسول الله ﷺ يا رسول الله، يومى لعائشة، فقبل ذلك ﷺ منها. قالت: تقول في ذلك أنزل الله وفي أشباهها" أراه قال ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ (٢) [النساء: ١٢٨]. كيف الأمر إذا اشتد الخلاف بين الزوجين ؟ قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَفا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٣). "ذلك- الذي ذكرناه لعلاج نشوز المرأة والرجل- حين لا يستعلن النشوز، وإنما تتقى بوادره فاما إذا كان قد استعلن، فلا تتخذ تلك الإجراءات التي سلفت، إذ لا قيمة لها إذن ولا ثمرة وإنما هى إذن صراع وحرب بين خصمين، ليحطم أحدهما رأس الآخر، وهذا ليس المقصود، ولا المطلوب، وكذلك إذا رئى أن استخدام هذه

стр. 306

الإجراءات قد لا يجدى، بل سيزيد الشقة بعدا والنشوز استعلانا، ويمزق بقية الخيوط التي لا تزال مربوطة. أو إذا أدى استخدام تلك الوسائل بالفعل إلى غير نتيجة. في هذه الحالات كلها يشير المنهج الإِسلامى الحكيم بإجراء أخير لإنقاذ المؤسسة العظيمة من الانهيار قبل أن ينفض يديه منها ويدعها تنهار: ﴿وَإنْ خِفْتمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ الآية. وهكذا لا يدعو المنهج الإِسلامى إلى الاستسلام لبوادر النشوز والكراهية، ولا إلى المسارعة بفصم عقدة النكاح، وتحطيم مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار- الذين لا ذنب لهم ولايد ولا حيلة -فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإِسلام، بقدر خطورتها في بناء المجتمع، وفي إمداده باللبنات الجديدة اللازمة لنموه ورقيه وامتداده. إنه يلجا إلى هذه الوسيلة الأخيرة -عند خوف الشقاق- فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلا، ببعث حكم من أهلها ترتضيه، وحكم من أهله يرتضيه، يجتمعان في هدوء، بعيدين عن الانفعالات النفسية، والرواسب الشعورية، والملابسات المعيشية، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين. طليقين من هذه المؤثرات التي تفسد جو الحياة، وتعقد الأمور، وتبدو -لقربها من نفس الزوجين- كبيرة تغطى كل العوامل الطيبة الأخرى في حياتهما، حريصين على سمعة الأسرتين الأصليتين. مشفقين على الأطفال الصغار بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما علي الآخر -كما قد يكون الحال مع الزوجين في هذه الظروف- راغبين في خيرالزوجين وأطفالهما ومؤسستهما المهددة بالدمار. وفي الوقت ذاته هما مؤتمنان على أسرار الزوجين؛ لأنهما من أهلهما، لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار، إذ لا مصلحة لهما في التشهير بها، بل مصلحتهما في دفنها ومداراتها. يجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح، فإن كان في نفس الزوجين رغبة حقيقية في الإصلاح، وكان الغضب فقط هو الذي يحجب هذه الرغبة، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق: ﴿إِنْ يُرِيدَا

стр. 307

إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ فهما يريدان الإصلاح، والله يستجيب لهما ويوفق. ﴿إِن اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (١). لم تحرم ما أحل الله لك ؟ عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله هذه الآية: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْوَاجِكَ .... ﴾ إلى آخر الآية (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: إذا حرمٍ الرجل امرأته فهي يمين يكفرها .. ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسنةٌ﴾ (٣). فمن قال لزوجته: أنت على حرام، فعليه كفارة يمين، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لا يؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ لِيكُمْ أَوْ كسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّام ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (٤). الإيلاء: وإذا حلف الرجل ألا يطأ زوجته مدة دون الأربعة أشهر، فالأولى أن يكفر عن يمينه ويطأها, لقوله ﷺ "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٥). فإن لم يكفر فعليها الصبر حتى ينقض الأجل الذي سماه، فقد: "آلي رسول

стр. 308

الله ﷺ من نسائه، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسع وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله آليت شهرا؟ فقال: الشهر تسع وعشرون" (١). وأما إذا حلف ألا يطاها أبدأ أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فإنْ كفّر وعاد إلى وطئها، وإلا انتظرت به حتى تمضيِ أربعة أشهر ثم طالبته بوطئها أو طلاقها لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلمونَ مِن نِّسَائِهِمْ تربصن أَرْبَعَةِ أَشْهرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيغ عَلِيمٌ﴾ (٢). عن نافع أن ابن عمر ﵄ كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله تعالى: لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق، كما أمر الله (٣). الظهار ومن قال لزوجته أنت على كظهر أمى فهو مظاهر، وتحرم عليه زوجته، فلا يطؤها ولا يستمتع منها بشئ حتى يكفر بما سماه الله في كتابه: ﴿وَالَذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِم ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكمْ تُوعَظُونَ به وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خبِيرٌا (٣) فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَم يَسْتطَعْ فَإطْعَام سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (٤). عن خُويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: "ظاهر مني زوجى أوس بن الصامت، فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه، ورسول الله ﷺ يجادلنى فيه،

стр. 309

ويقول: اتق الله، فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى الفرض. فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين. قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا. قالت: ما عنده من شيء يتصدق به. قالت: فأُتى ساعتئذ بعَرَقَ فيه تمر. قلت: يا رسول الله، فإنى أعينه بعَرَق آخر. قال: قد أحسنت، اذهبى فأطعمى بها عنه ستين مسكينا، وارجعى إلى ابن عمك. قال: والعَرَقُ ستون صاعًا (١). وعن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تشتكى زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابى، ونثرت له بطني (*)، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إنى أشكو إليك. فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). ومن ظاهر من امرأته يومًا أو شهرًا أو نحو ذلك، فقال: أنت على كظهر أمي شهرا -مثلا- فهو مظاهر، إن برّ بيمينه فلا شيء عليه، وإن أصابها قبل المدة التي سماها لزمته كفارة الظهار. عن سلمة بن صخر البياضي قال: كنت امرأ أستكثر من النساء، لا أرى رجلا كان يصيب من ذلك ما أصيب. فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتى حتى ينسلخ رمضان. فبينما هي تحدثني ذات ليلة انكشف لي منها شيء. فوثبت عليها فواقعتها. فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت لهم: سلوا لي رسول الله ﷺ . فقالوا: ما كنا نفعل. إذًا ينزل الله فينا كتابا، أو يكون فينا من

стр. 310

رسول الله ﷺ قول، فيبقى علينا عاره. ولكن سوف نسلمك بجريرتك اذهب أنت فاذكر شأنك لرسول الله ﷺ قال: فخرجت حتى جئته، فأخبرته الخبر. فقال رسول الله ﷺ : "أنت بذاك؟ فقلت: أنا بذاك، وها أنا يا رسول الله، صابر لحكم الله عليّ قال: "فأعتق رقبة" قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك إلا رقبتي هذه قال: "فصم شهرين متتابعين" قال: قلت: يا رسول الله، وهل دخل عليّ ما دخل من البلاء إلا بالصوم؟ قال: "فتصدق أو أطعم ستين مسكينًا. قال: قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه ما لنا عشاء. قال: "فاذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له، فليدفعها إليك، وأطعم ستين مسكينا، وانتفع ببقيتها" (١). والشاهد أن النبي ﷺ لم ينكر عليه ظهاره، وإنما أنكر مسّه زوجته قبل الأجل. حكمه: والظهار حرام، لأن الله وصفه بأنه منكر من القول وزور، وأنكرِ على المظاهر: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٢). * * *

стр. 311

الطلاق رأيت فيما سبق حرص الإِسلام على الأسرة المسلمة وسلامتها، واستقرار الحياة فيها، ورأيت طرق العلاج التي شرعها لمعالجة الخلاف الذي ينشأ في الأسرة المسلمة سواء كان سببه أحد الزوجين أو كليهما. إلا أنه قد لا ينفع هذا العلاج أحيانًا لاستفحال الخلاف وشدة الخصومة، وحينئذ فلا بدّ من استخدام علاج أقوى وهو الطلاق. والمتأمل في أحكام الطلاق يتأكد له مدى حرص الإِسلام على مؤسسة البيت، ورغبته في بقاء الشركة بين الزوجين، ذلك أن الإِسلام حين أباح الطلاق لم يجعله مرة واحدة، بحيث تنقطع هذه العلاقة بين الزوجين فلا تتصل أبدا إذا طلق الرجل المرأة، وإنما أباح الطلاق، وأمر أن يكون على مرات: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وإذا طلق الرجل المرة الأولى أو الثانية فليس من حقه إخراج مطلقته من بيته حتى تنقضي عدتها، بل وليس لها الخروج، والعلة في ذلك الطمع في ذهاب الغضب الذي أوجد الطلاق، ثم الحث على عودة الأمور إلى ما كانت عليه، وهذا ما ذكره ربنا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢). أي: لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل.

стр. 312

أقسام الطلاق: أولًا- من حيث اللفظ: ينقسم الطلاق من حيث اللفظ إلى: صريح وكناية: فالصريح: هو الذي يفهم من معنى الكلام عند التلفظ به، ولا يحتمل غيره، مثل: أنت طالق ومطلقة، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق. وهذا يقع به الطلاق، هازلا كان أو لاعبا، أو لم ينو: لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" (١). والكناية: ما يحتمل الطلاق وغيره، مثل: الحقي باهلك، ونحوه. وهذا لا يقع به الطلاق إلا بالنية، فإن نوى طلاقًا وقع، وإن لم ينو لم يقع: عن عائشة ﵂: "أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك. فقال لها: لقد عذت بعظيم، ألحقي بأهلك" (٢). وفي حديث كعب بن مالك حين هجره النبي ﷺ وصاحبيه لتخلفهم عن الخروج معه إلى تبوك: أن رسول الله ﷺ أرسل إليه: "أن اعتزل امرأتك. فقال: أُطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها، فلا تقربنّها. فقال لامرأته: ألحقيى بأهلك" (٣). ثانيا- من حيث التعليق والتنجيز: صيغة الطلاق إما أن تكون منجزة، وإما أن تكون معلقة: فالمنجزة: هى التي قصد بها من أصدرها وقوع الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق.

стр. 313

وحكم هذا الطلاق أنه يقع في الحال، متى صدر من أهله، وصادف محلا له. وأما المعلّق: فهو ما جعل الزوج فيه حصول الطلاق معلّقًا على شرط، مثل أن يقول لزوجته إن ذهبت إلى مكان كذا فأنت طالق. وحكم هذا الطلاق أنه إن أراد الطلاق عند وقوع الشرط، فهو كما أراد وأما إن قصد به الحض على الفعل أو الترك ونحو ذلك فهو يمين، إن لم يقع ما حلف عليه لم يلزمه شيء، وإان وقع لزمته كفارة يمين (وهذا مذهب شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٤٤ - ٤٦، ٥٨ - ٦٠ - ٦٤ - ٦٦/ ٣٣). ثالثًا- من حيث السنة والبدعة: ينقسم الطلاق من حيث السنة والبدعة إلى: طلاق سنيّ، وطلاق بدعيّ. فطلاق السنة: أن يطلق الرجل امرأته التي دخل بها طلقة واحدة، في طهر لم يجامعها فيه. قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). وقد فسر النبي ﷺ الآية: حين طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : "مُره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء" (٣). وأما الطلاق البدعي: فهو الطلاق المخالف للمشروع، كان يطلقها وهي

стр. 314

حائض، أو في طهر جامعها فيه، أو أن يجمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد أو في مجلس واحد: كأن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وهذا الطلاق حرام، وفاعله آثم. فإن كان طلقها وهي حائض، فقد وقعت طلقة، وإن كانت رجعية أمر بمراجعتها، ثم يمسكها حتى تطهير، ثم تحيض، ثم تطهير، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك، وإن شاء طلق قبل أن يمسها. كما أمر النبي ﷺ ابن عمر. وأما الدليل على وقوعها: فما رواه البخاري: عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَت عليّ بتطليقة" (١). قال الحافظ في الفتح: (٣٥٣/ ٩): إن النبي ﷺ هو الآمر بالمراجعة وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﷺ بعيدا جدا، مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه وهو ينقل أن النبي ﷺ تغيظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟ قال الحافظ: وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعا أخبره "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر". قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﷺ :"وهي واحدة" قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي ﷺ ذلك. قال الحافظ: وأخرجه الدارقطني من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب

стр. 315

وابن إسحاق جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "هى واحدة" (١) وهذا نص في موضع الخلاف يجب المصير إليه اهـ. طلاق الثلاث: وأما إن طلّقها ثلاثًا بلفظ واحد، أو في مجلس واحد، فإنما يقع واحدة لما رواه مسلم عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة .. فلو أمضيناه عليهم؟ فامضاه عليهم" (٢). ورَأْىُ عمر هذا اجتهاد منه رضى الله عنه، غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها، ولا يجوز ترك ما أفتى به رسول الله ﷺ ، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته" اهـ. رابعا- من حيث الرجعة وعدمها: الطلاق إما رجعي وإما بائن. والبائن إما أن يكون بينونة صغرى أو كبرى. الطلاق الرجعي: هو طلاق المدخول بها، في غير مقابلة مال، ولم يسبقه طلاق أصلا، أو كان مسبوِقا بطلقة واحدة. قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). والمطلقة طلاقًا رجعيًا زوجة ما دامت في عدّتها، ولزوجها حق مراجعتها في أى وقت شاء ما دامت في العدة، ولا يشترط رضاها ولا إذن وليها، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٤).

стр. 316

الخلع تعريفه: الخلع لغة: مأخوذ من خلَع الثوب إذا أزاله، لأن المرأة لباس الرجل، والرجل لباس لها. قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١). وعرّفه الفقهاء: بأنه فراق الرجل زوجته ببدل يأخذه منها. ويسمّى فدية وافتداء (٢). مشروعيته: إذا اشتد الخلاف بين الزوجين ولم يمكن التوفيق بينهما ورغبت المرأة في الفراق جاز لها أن تفدي نفسها من زوجها بمال تعويضًا له عن الضرر الذي يلحقه بفراقها. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شمّاس إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أنى أخاف الكفر، فقال رسول الله ﷺ : فتردِّين عليه حديقته؟ فقالت: نعم. فردّت عليه، وأمره ففارقها" (٤). التحذير منه: عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (٥).

стр. 317

وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المختلعات هن المنافقات" (١). تحذير الرجال من عضل النساء: إذا كره الرجلُ المرأة ورغب عنها لسببٍ ما فعليه أن يفارقها بمعروف كما أمر الله تعالى، ولا يجوز له حبسها والإضرار بها لتفتدى نفسها منه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣). الخلع فسخ وليس طلاقا: إذا افتدت المرأة نفسها وفارقها زوجها كانت أملك لنفسها، ولا حق له في مراجعتها إلا برضاها، ولا يعتبر هذا الفراق طلاقا وإن وقع بلفظ الطلاق، وإنما هو فسخ للعقد لمصلحة المرأة مقابل ما افتدت به. قال ابن القيم ﵀: "والذي يدل على أنه ليس بطلاق: أن الله رتّب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام، كلها منتفية عن الخلع: أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث، فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة.

стр. 318

الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص والاجماع أنه لا رجعة في الخلع. وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة. وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثة بعده. وهذا ظاهر جدًا في كونه ليس بطلاق، فإنه سبحانه قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولها وغيرها، ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يُذكر، ويُخلي منه المذكور، بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله وغيره، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ (٢) وهذا يتناول من طلقت بعد فدية وطلقتين قطعا لأنها هى المذكورة، فلا بد من دخولها تحت اللفظ، وهكذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله ﷺ أن يعلمه الله التأويل، وهي دعوة مستجابة بلا شك. وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دل على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النص، والقياس، وأقوال الصحابة" (٣).

стр. 319

العدة تعريفها: العدة: مأخوذة من العدد والإحصاء، أي ما تحصيه المرأة وتعده من الأيام والأقراء. وهي: اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها، إما بالولادة أو بالأقراء أو الأشهر. أنواعها: ومن مات عنها زوجها فعدّتها أربعة أشهر وعشرِ، دخل بها أم لمِ يدخل، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١). إلا أن تكون المدخول بها حاملا، فعدتها بوضع الحمل: قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). وعن المسور بن مخرمة: "أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي ﷺ استأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت" (٣). والمطلقة قبل الدخول لا عدة عليها: لقوله تعالىْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٤). والمطلقة بعد الدخول إن كانت حاملًا فعدتها بوضع العمل، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢). وعن الزبير بن العوام "أنه كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت له وهي

стр. 320

حامل: طّيب نفسى بتطليقة، فطلقها تطليقة. ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعت فقال: مالها خدعتنى خدعها الله؟! ثم أتى النبي ﷺ فقال: "سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها" (١). وإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاث حيض، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢). والقرء هو الحيضة، لحديث عائشة: "أن أم حبيبة كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها" (٣). فإن كانت صغيرة لا تحيض، أو كبيرة قد يئست من الحيض، فعدتها ثلاثة أشهر. قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤). ما يجب على المتوفى عنها زوجها: يجب عليها الإحداد حتى تنقضى عدتها. والإحداد: هو ترك الزينة والطيب، ولبس الحلى، ولبس الملون من الثياب، والخضاب والكحل: عن أم عطية قالت: "كنا ننهى أن نُحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل، ولا نطيّب، ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز" (٥).
следующие страницы →