القرض
فضله:
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يّسر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" (١).
وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين
إلا كان كصدقتها مرة" (٢).
التشديد فيه:
عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من فارق الروحُ الجسدَ، وهو برئ من ثلاث دخل الجنة: من الكبر والغلول والدَّين" (٣).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نفس المؤمن معلّقة بدينه حتى يقضى عنه" (٤).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات وعليه دينار أو درهم قُضى من حسناته، ليس ثُمَّ دينار ولا درهم" (٥).
وعن أبي قتادة ﵁: أن رسول الله ﷺ قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ : "نعم. إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. ثم قال
стр. 352
رسول الله ﷺ : كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتكفر عني خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم. إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدّين، فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك" (١).
من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أو إتلافها:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله" (٢).
وعن شعيب بن عمرو قال: حدثنا صهيبُ الخير عن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل يدين دينا وهو مجمع أن لا يوفيه إياه، لقى الله سارقا" (٣).
الأمر بأداء الدّين:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (٤).
حُسن القضاء:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان لرجلٍ على النبي ﷺ سنُّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه فقال النبي ﷺ : أعطوه، فطلبوا سنَّه فلم يجدوا إلا سنّا فوقها، فقال: أعطوه، فقال: أوفيتنى أوفى الله بك، قال النبي ﷺ : "إن خياركم أحسنكم قضاء" (٥).
стр. 353
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد -قال مسعر: أراه قال ضُحىً- فقال: صل ركعتين. وكان لي عليه دين فقضانى وزادنى" (١).
وعن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومى، عن أبيه، عن جده "أن النبي ﷺ استلف منه حين غزا حنينا، ثلاثين أو أربعين ألفا، فلما قدم قضاها إياه. ثم قال له النبي ﷺ : "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد" (٢).
حُسن المطالبة:
عن ابن عمر وعائشة أن رسول الله ﷺ قال:
"من طالب حقًا فليطلبه في عفاف، وافٍ أو غير وافٍ" (٣)
إنظار المعسر:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
وعن حذيفة ﵁ قال: سمعت النبي يقول: "مات رجل، فقيل له: ما كنت تقول؟ قال: كنت أبايع الناس، فأتجوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر، فغفر له" (٥). وعن أبي اليسر صاحب النبي قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يظله الله في ظله فلينظِر معسرًا، أو ليضع عنه" (٦).
стр. 354
مَطلُ الغنىِّ (*) ظُلمٌ:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"مَطل الغنى ظلم" (١).
حبس القادر على الأداء إذا امتنع:
عن عمرو بن الشّريد عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَىُّ الواجد (* *) يُحلّ عرضه وعقوبته" (٢).
كُلُّ قرض جرّ منفعة فهو ربا:
عن أبي بردة قال: "قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال: انطلق معى إلى المنزل، فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله ﷺ ، وتصلى في مسجدٍ صلّى فيه فانطلقت معه، فسقانى سويقا وأطعمنى تمرا، وصليت في مسجده، فقال لي: إنك في أرضٍ الربا فيها فاش، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يقرض القرض إلى أجل، فإذا بلغ أتاه به وبسلة فيها هدية فاتق تلك السلة وما فيها" (٣).
стр. 355
الرّهن
تعريفه:
الرهَن في اللغة: الاحتباس، من قولهم: رَهَن الشيء، إذا دام وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌْْ﴾ (١).
وفي الشرع: جعل مال وثيقة بدين، ليستوفى منه إن تعذر وفاؤه من المدين (*).
مشروعيته:
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢).
والتقييد بالسفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له، لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر.
عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ اشترى من يهودى طعاما إلى أجل ورهنه درعه" (٣).
انتفاع المرتهن بالرهن:
ولا يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن، لما سبق في القرض: كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا.
إلا أن يكون الرهن مركوبًا أو محلوبًا، فيجوز له أن يركب المركوب، ويحلب المحلوب إذا أنفق عليه.
عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَهْر يُركب بنفقته إذا كان مرهونا, ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يَركب ويشرب النفقة" (٤).
стр. 356
الحوالة
تعريفها:
الحوالة: بفتح الحاء وقد تكسر، مشتقة من التحويل أو من الحئول، تقول: حال عن العهد إذا انتقل عنه حئولا. وهي عند الفقهاء: نقل دين من ذمّة إلى ذمّة.
فمن كان عليه دين وله عند آخر فأحال دائنه على من له عنده وجب على الدائن التحول إذا كان المحال عليه ملياّ، لقوله ﷺ :"مَطلُ الغنَّى ظلم، فإذا أُتبع (*) أحدكم على ملىّ فليتبع" (١).
الوديعة
تعريفها:
الوديعة: مأخوذة من ودع الشىء بمعنى يتركه:
وسمى الشىء الذي يدعه الإنسان عند غيره ليحفظه له بالوديعة لأنه يتركه عند المودعَ.
حكمها:
وإذا استودع الرجل أخاه شيئًا استحب له قبوله إن علم من نفسه القدرة على حفظه لأن هذا من باب التعاون على البّر والتقوى.
ويجب على المودعَ ردّ الوديعة متى طلبت منه، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٣)
стр. 357
ولقوله: ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك .. " (١)
ضمانها:
ولا ضمان على المودّع إلا بالتفريط:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ :"من أودع وديعة فلا ضمان عليه" (٢).
وعنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضمان على مؤتمن" (٣).
وعن أنس بن مالك: "أن عمر بن الخطاب ﵁ ضمّنه وديعة سُرقت من بين ماله"
قال البيهقي: يحتمل أنه كان فرّط فيها، فضمنها إياه بالتفريط (٤).
* * *
стр. 358
العارية
تعريفها:
عرفها الفقهاء بأنها إباحة المالك منافع ملكه لغيره بلا عوض.
حكمها:
وهي مستحبة، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١).
ولقوله ﷺ : "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٢).
وقد ذمّ الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٣).
وجوب ردّها:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤)
ضمانها:
والمستعير مؤتمن، لا ضمان عليه إلا بالتفريط، أو أن يشترط عليه المعير الضمان: عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال: "قال لي رسول الله ﷺ : إذا أتتك رسلى فأعطهم ثلاثين درعا، وثلاثين بعيرا، قال: فقلت يا رسول الله، أعارية مضمونة، أو عارية مؤداة؟ قال: بل مؤداة" (٥).
قال الأمير الصنعانى في سبل السلام (٦٩/ ٣):
المضمونة: التي تضمن إن تلفت بالقيمة.
والمؤداة: التي تجب تاديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة.
قال: والحديث دليل لمن ذهب إلى أنها لا تُضمن العارية إلا بالتضمين، وتقدم أنه أوضح الأقوال أهـ.
стр. 359
اللقطة
تعريفها:
اللقطة: هى كل مال معصوم معرض للضياع لا يعرف مالكه.
وكثيرا ما تطلق على ما ليس بحيوان، أما الحيوان فيقال له: ضالة.
الواجب على الملتقط:
من التقط مالًا وجب عليه أن يَعْرِفَ جنسه وعدده، ثم يُشْهِد ذا عدل، ثم يحفظه ويعرّفه سنة، فإن أخبره صاحبه بالعلامة دفعه إليه ولو بعد السنة، وإلا انتفع به: عن سويد بن غفلة قال: لقيت أُبيّ بن كعب قال: أصبت صُرةَ فيها مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ فقال: عرّفها حولًا، فعرّفتها حولًا، فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرّفها حولًا، فعرّفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثًا، فقال: احفظ وعاءها، وعددها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها، فاستمتعت. فلقيته بعدُ بمكة فقال: لا أْدرى ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا (١).
وعن عياض بن حمِار قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ثم لا يغيره ولا يكتم، فإن جاء ربّها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء" (٢).
стр. 360
ضالّة الغنم والإبل:
ومن وجد ضاّلة من الغنم أخذها وعرفها، فإن اعترفت وإلا ملكها، ومن وجد ضالة الإبل لم يحلّ له أخذها لأنه لا يخشى عليها:
عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء أعرابيٌّ النبىَّ ﷺ فسأله عما يلتقطه فقال: عرّفها سنة، ثم اعرف عفاصها ووكاءها (*)، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها. قال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: لك أو لأخيك أو للذئب. قال: ضالة الإبل؟ فتعفَّر وجه النبي ﷺ فقال: مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر (١).
حكم المأكول والشئ الحقير:
ومن وجد مأكولًا في الطريق، فله أكله، ومن وجد شيئًا حقيرًا لا تتعلق به النفوس فله أخذه وتملكه. عن أنس ﵁ قال: "مرّ النبي ﷺ بتمرة في الطريق قال: لولا أنى أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" (٢).
لقطة الحرم:
وأما لقطة الحرم فلا يجوز التقاطها إلا لتعريفها أبدا، ولا يجوز تملكها بعد سنة كغيرها: عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ : "إن الله حرّم مكة، فلم تحل لأحد قبلى ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شجرها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف" (٣).
стр. 361
اللقيط
تعريفه:
اللقيط: هو الطفل غير البالغ الذي يوجد في الشارع أو ضال الطريق أو لا يعرف نسبه.
حكم التقاطه:
والتقاطه فرض كفاية، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١).
إسلامه وحريته والنفقة عليه:
وإذا وُجد في دار الإِسلام حكم بإسلامه، ويحكم بحريته أينما وُجد؛ لأن الحرية هى الأصل في الآدميين، وان كان معه مال أنفق عليه منه، وإلا فنفقته على بيت المال.
عن سُنين أبى جميلة -رجل من بني سليم- قال: "وجدت ملقوطا، فأتيت به عمر بن الخطاب، فقال عريفى: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر: اكذلك هو؟ قال: نعم: فقال: اذهب به، وهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته" (٢).
ميراث اللقيط
واذا مات اللقيط وترك ميراثا ولم يخلّف وارثًا، كان ميراثه لبيت المال، وكذا ديته إن قتل.
ادعاء نسبه:
ومن ادعى نسبه من ذكر أو أنثى أُلحق به متى كان وجوده منه ممكنًا فإن ادعاه اثنان أو أكثر ثبت نسبه لمن أقام البينة على دعواه، فإن لم تكن، عُرض على القافة
стр. 362
ادعاه اثنان أو أكثر ثبت نسبه لمن أقام البينة على دعواه، فإن لم تكن، عُرض على القافة الذين يعرفون الأنساب بالشبه، ثم أُلحق بمن حكم له القائف أنه ولده:
عن عائشة ﵂ قالت: دخل على النبي ﷺ مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم ترى أن مجزرًا المدلجى نظرًا آنفًا إلى زيد وأسامة وقد غطّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (١).
فإن حكم القائف أنه لاثنين ألحق بهما:
فعن سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعًا، فجعله عمر بينهما" (٢).
الهبة
تعريفها:
الهبة: بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة - هى:
تمليك الإنسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض.
التحريض عليها:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
"يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرسَنَ (*) شاة" (٣)
وعنه أن النبي ﷺ قال: "تهادوا تحابُّوا" (٤).
قبول القليل من الهبة:
стр. 363
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو دُعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت، ولو أهدى إلىّ ذراع أو كُراع لقبلت" (١).
ما لا يُرد من الهدية:
عن عَزرة بن ثابت الأنصارى قال: حدثني ثمامة بن عبد الله قال: دخلت عليه فناولنى طيبا قال: "كان أنس ﵁ لا يرد الطيب. قال: وزعم أنس أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب" (٢).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
"ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن" (٣).
المكافأة في الهبة:
عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها" (٤).
مَن أولى بالهدية ؟
عن عائشة ﵂ قالت: "قلت يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيّهما أُهدى؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا" (٥).
وعن كُريب مولى ابن عباس: أن ميمونة بنت الحارث ﵂ أخبرته أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذى يدور عليها فيه
стр. 364
قالت: أشعرت يا رسول الله أنى أعتقت وليدتى؟ قال: "أو فعلت"؟ قالت: نعم. قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" (١).
حرمة تفضيل بعض الأولاد في الهبة:
عن النعمان بن بشير قال: تصدّق علىّ أبى ببعض ماله. فقالت أمى عَمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ فانطلق أبى إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتى، فقال له رسول الله ﷺ : "أفعلت هذا بولدك كلهم"؟ قال: لا. قال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فرجع أبى، فردّ تلك الصدقة.
وفي رواية قال: "فلا تُشْهِدْنى إذًا، فإنى لا أشهد على جور".
وفي رواية: ثم قال: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواءً؟ قال: بلى. قال: "فلا إذا" (٢).
لا يحل لأحد أن يرجع في هبته ولا يشتريها:
عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ :
"ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" (٣).
وعن زيد بن أسلم عن أبيه، سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: "لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٤).
стр. 365
ويستثنى من ذلك الوالد فيما يعطى ولده:
عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى النبي ﷺ قال:
"لا يحل للرجل أن يعطى العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطى ولده" (١).
وإذا رد المهدي إليه الهدية فلا كراهة للمهدى في قبولها:
عن عائشة أن النبي ﷺ صلّى في خميصة (*) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: "اذهبوا بخميصتى هذه إلى أبى جهم وأئتونى بأنبجانية أبى جهم فإنها ألهتنى آنفا عن صلاتي" (٢).
وعن الصعب بن جثّامة الليثى- وكان من أصحاب النبي ﷺ : أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء- أو بودّان -وهو محرم، فرده. قال صعب: فلما عرف في وجهى رده هديتى، قال: ليس بنا ردّ عليك، ولكنا حرم" (٣).
من تصدق بصدقة ثم ورثها:
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنى تصدقت على أمى بجارية، وإنها ماتت. فقال: "آجرك الله، ورد عليك الميراث" (٤).
هدايا العمال غلول:
عن أبي حميد الساعدى ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهدى لي. فقام
стр. 366
النبي ﷺ على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال العامل نبعثه فيأتى فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى له أم لا؟ والذي نفسى بيده، لا يأتى بشئ إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" - ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتى إبطيه- "ألا هل بلغت"ثلاثًا" (١).
العمرى والرقبى:
تعريفهما:
هما نوع من الهبة موقّت بوقت:
فالعمرى: بضم المهملة وسكون الميم مع القصر، مأخوذ من العمر.
والرقبى: بوزن العمرى، مأخوذة من المراقبة. لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية فيعطى الرجل الدار ويقول له: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك، فقيل لها عمرى لذلك وكذا قيل لها رقبى لأن كلًا منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه.
وقد اعتبر النبي ﷺ هذا التوقيت ملغيًا، وجعل كلًا من العمرى والرقبى لمن وهبت له حياته ولورثته من بعده، لا ترجع للواهب:
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "العمرى جائزة لمن أُعمرها، والرقبى جائزة لمن أُرقبها" (٢). وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعمر رجلًا عُمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، فهي لمن أُعمر ولعقبه" (٣). وعنه قال: قال النبي ﷺ :
"أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عُمرى فهي للذى أُعمرها حيًّا وميّتًا ولعقبه" (٤).
стр. 367
الغصب
تعريفه:
الغصب: أخذ حق الغير بغير حق.
حكمه:
وهو ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢).
وقال النبي ﷺ في خطبة الوداع:
"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن" (٤).
حرمة الانتفاع بالمغصوب:
ويحرم على الغاصب الانتفاع بالمغصوب، ويجب عليه ردّه:
عن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه، لا لاعبأ ولا جادًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها" (٥).
стр. 368
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" (١).
من قُتل دون ماله فهو شهيد:
ويجوز للإنسان الدفاع عن نفسه وماله إذا قصده آخر لقتله أو أخذ ماله:
عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ قال: "فلا تعطه مالك". قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار" (٢).
غصب الأرض:
عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من ظلم من الأرض شيئًا طوّقه من سبع أرضين" (٣).
وعن سالم عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ :
"من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (٤)
ومن غصب أرضًا فغرسها أو بني فيها أُلزم بقلع الغرس، وهدم البناء:
لقوله ﷺ : "ليس لعرقٍ ظالمٍ حق" (٥).
стр. 369
وإن كان زرعها، أخذ نفقته والزرع للمالك:
عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شىء، وله نفقته" (١).
الشفعة
تعريفها:
الشُفْعة: بضم المعجمة وسكون الفاء، وهي لغة مأخوذة من الشفع وهو الزوج.
وفي الشرع: انتقال حصة شريك إلى شريك، كانت انتقلت إلى أجنبى بمثل العوض المسمى.
ما تكون فيه الشفعة:
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق فلا شفعة" (٢).
فمن كان له شريك في أرض أو حائط أو دار ونحو ذلك، فلا يبيع حتى يعرض على شريكه، فإن باع قبل العرض عليه فهو أولى بالمبيع:
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له نخل أو أرض فلا يبيعها حتى يعرضها على شريكه" (٣).
وعن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : "الشريك أحق بسّقَبِه (*) ما كان" (٤).
стр. 370
الشفعة بالجوار إذا كان بينهما حق مشترك:
وإذا كان بين الجارين حق مشترك من طريق أو ماء ثبتت الشفعة لكّل منهما، فلا يبيع أحدهما حتى يستأذن جاره، وإن باع من غير إذنه كان أولى بالمبيع:
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الجار أحق بشفعة جاره، يُنتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا" (١).
وعن أبي رافع أن النبي ﷺ قال: "الجار أحق بسقبه" (٢).
الوكالة
تعريفها:
الوكالة -بفتح الواو، وقد تكسر- التفويض والحفظ، تقول: وكّلت فلانًا إذا استحفظته، ووكلت الأمر إليه، إذا فوضته إليه.
وهي في الشرع: إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقًا أو مقيدا.
مشروعيتها:
وهي مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (٣).
وعن أبي رافع قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة حلالًا، وبنى بها حلالًا
стр. 371
وكنت الرسول بينهما (١)، ووكل في استيفاء الديون (٢) وإقامة الحدود (٣)، وغير ذلك.
وأجمع المسلمون على جوازها، بل على استحبابها؛ لأنها نوع من التعاون على البر والتقوى، إذ ليس كل إنسان قادرا على مباشرة أموره بنفسه، فيحتاج إلى توكيل غيره ليقوم بها نيابة عنه.
ما تجوز فيه الوكالة:
وكل ما جاز للإنسان التصرف فيه بنفسه جاز له أن يوكل فيه أو يتوكل.
الوكيل أمين:
والوكيل أمين فيما يقبضه وفيما يصرفه، ولا يضمن إلا بالتعدى:
لقوله ﷺ : "لا ضمان على مؤتمن" (٤).
* * *
стр. 372
كتاب الأيمان والنذور
стр. 373
الأيمان:
تعريفها:
الأيمان -بفتح الهمزة- جمع يمين. وأصل اليمين في اللغة: اليد. وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه.
وهي في الشرع: توكيد الشيء بذكر اسمٍ أو صفةٍ لله.
بم تنعقد اليمين:
ولا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته:
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب هو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت (١).
عن أنس بن مالك، قال النبي ﷺ : "لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد، حتى يضع ربّ العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويُزوى بعضها إلى بعض" (٢).
الحلف بغير الله شرك:
عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (٣).
стр. 374
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف منكم فقال في حلفه: باللات. فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك. فليتصدق" (١).
شبهة وجوابها:
يعتذر البعض عن حلفهم بغير الله أنهم يخافون الكذب، مع قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ .. ﴾ (٢).
وجواب هذه الشبهة: ما رواه مسعر بن كدام عن وبرة بن عبد الرحمن قال:
قال عبد الله: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلىّ من أن أحلف بغيره صادقًا" (٣).
أما الآية فمعناها كما ذكر ابن كثير ﵀ عن ابن عباس قال:
لا تجعلنّ عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير.
قال ابن كثير: وكذا قال مسروق والشعبى وإبراهيم النخعى ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهرى والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراسانى والسدّى ﵏. أهـ (٤).
من حلف بملّة غير الإِسلام:
عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 375
"من حلف بملّة سوى الإِسلام كاذبًا متعمّدًا، فهو كما قال" (١).
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :
"من قال: إنى برئ من الإِسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يَعُد إليه الإِسلامُ سالمًا" (٢).
من حُلِف له بالله فليرض:
عن ابن عمر قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم. من حَلَفَ بالله فليصدق. ومن حُلِفَ له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله" (٣).
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال: أسرقت؟ قال: لا. والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت بصرى" (٤).
أقسام اليمين:
تنقسم الأيمان أقسامًا ثلاثة:
١ - اليمين اللغو.
٢ - اليمين الغموس.
٣ - اليمين المنعقدة.
стр. 376
اليمين اللغو وحكمها:
لغو اليمين: هو الحلف من غير قصد اليمين، كقول الرجل: والله لتأكلنّ، أو لتشربنّ ونحو ذلك، لا يريد به يمينا.
ولا ينعقد هذا اليمين، ولا يؤاخذ به الحالف.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٢).
وعن عائشة ﵂: "لا يؤاخذكم الله باللغو" قالت: أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله" (٣).
اليمين الغموس وحكمها:
هى اليمين الكاذبة التي تُهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الفسق والخيانة.
وسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وهى من أكبر الكبائر، ولا كفارة فيها, لأن الله يقول ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٢)، وهذه يمين غير منعقدة لأن المنعقد ما يمكن حلّه، ولا يتأتى في اليمين الغموس البرُّ أصلًا.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤).
قال الطبرى ﵀:
стр. 377
معنى الآية: لا تجعلوا أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم توفون بالعهد لمن عاهدتموه، دخلًا أي خديعة وغدرا، ليطمئنوا إليكم وأنتم تضمرون لهم الغدر" أهـ (١).
وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" (٢).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق، أو نهب مؤمن، أو الفرار من الزحف، أو يمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق" (٣).
اليمين المنعقدة وحكمها:
اليمين المنعقدة هى اليمين التي يقصدها الحالف ويصمّم عليها، توكيدًا لفعل شيء أو تركه.
فإن برّ بيمينه فلا شىء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة، لقوله تعالى:
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤). وقوله ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٥).
مبنى الأيمان على النية:
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما
الأعمال بالنية" (٦) فمن حلف على شيء، وورّى بغيره، فالعبرة بنيته لا بلفظه:
عن سُويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر،
стр. 378
فأخذه عدوُّ له. فتحرّج الناس أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي فخلّى سبيله. فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي. فقال: "صدقت المسلم أخو المسلم" (١). وإنما تعتبر نية الحالف إذا لم يُستحلف، فإذا استُحلف فاليمين على نية المستحلِف.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما اليمين على نية المستحلِف" (٢).
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (٣).
لا حنث مع النسيان أو الخطأ:
من حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا أو خطأ فإنه لا يحنث:
لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وفي الحديث أن الله قال: "نعم" (٤).
الاستثناء في اليمين:
ومن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه:
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: قال سليمان بن داود نبى الله: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كلهم تأتى بغلام يقاتل في سبيل الله. فقال له صاحبه، أو الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسى، فلم تأت واحدة من نسائه، إلا واحدة
стр. 379
جاءت بشق غلام". فقال رسول الله ﷺ "ولو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دَرَكًا له في حاجته" (١).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف واستثنى، إن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حانث" (٢).
من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه" (٣).
النهى عن الإصرار على اليمين:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤).
قال ابن عباس: لا تجعلنّ عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفّر عن يمينك واصنع الخير (٥).
وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "والله لأن يلج (*) أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطى كفارته التي فرض الله" (٦).
стр. 380
كفارة اليمين:
من حنث في يمينه فكفارته إحدى هذه الخصال:
١ - إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم.
٢ - أو كسوتهم.
٣ - أو تحرير رقبة.
فمن عجز عن هذه الخصال فكفارته صيام ثلاثة أيام، ولا يجوز التكفير بالصوم مع القدرة على إحدى الخصال الثلاث السابقة.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (١).
الحلف بالحرام:
ومن قال: طعامى علىّ حرام، أو دخول دار فلان علىّ حرام، ونحو ذلك، لم يحرم، وعليه إن فعل كفارة يمين:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢).
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلت مغافير؟ إنى أجد منك ريح مغافير. قال: لا, ولكنى كنت أشرب عسلا عند زينب ابنة جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبرى بذلك أحدًا" (٣).
وعن ابن عباس قال: في الحرام يكَفّر "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (٤).
стр. 381
النذور
تعريفها:
النذور: جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف.
وعرّفه الراغب بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر.
مشروعيتها:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢).
وقد مدح الله الموفين بالنذر فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٣).
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:
"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه" (٤).
النهى عن النذر المعلّق:
عن عبد الله بن عمر قال: "نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: إنه لا يردُّ شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل" (٥).
وعن سعيد بن الحارث أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: أولم ينهوا عن النذر؟ إن النبي ﷺ قال: "إن النذر لا يقدّم شيئًا ولا يؤخّر، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل" (٦).
стр. 382
متى يصح ومتى لا يصح:
يصح النذر وينعقد إذا كان قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه، ويجب الوفاء به، لحديث عائشة السابق "من نذر أن يطيع الله فليطعه".
ولا يصح النذر في المعصية، ولكن تجب به كفارة اليمين:
عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" (١).
وأما النذر المباح مثل أن ينذر أن يحج ماشيًا أو يقوم في الشمس، فلا ينعقد، ولا يجب به شيء:
عن أبي هريرة قال: "رأى رسول الله ﷺ شيخًا يمشي بين ابنيه يتوكأ عليهما فقال: ما شأن هذا؟ قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر فقال ﷺ : اركب أيها الشيخ، فإن الله غنى عنك وعن نذرك" (٢).
وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مرّ برجل بمكة وهو قائم في الشمس، فقال: ما هذا؟ قالوا: نذر أن يصوم ولا يستظل إلى الليل، ولا يتكلم، ولا يزال قائما. قال: "ليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صومه" (٣).
من نذر ثم عجز عن الوفاء:
من نذر طاعة ثم عجز عن الوفاء بما نذر فعليه كفارة يمين:
عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ قال: "كفارة النذر كفارة اليمين" (٤).
من نذر ثم مات:
ومن نذر نذرًا ثم مات قبل أن يقضيه قضاه عنه وليّه:
عن ابن عباس أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه تُوفيت قبل أن تقضيه. قال رسول الله ﷺ : "فاقضه عنها" (٥).
стр. 383
كتاب الأطعمة
стр. 384
الأطعمة: جمع طعام، وهي ما يأكله الإنسان ويتغذى به من الأقوات وغيرها.
والأصل فيها الحل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢).
ولا يحرم من الأطعمة إلا ما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله، وتحريمُ ما لم يحرّمه الله افتراء على الله:
قال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)
ما يحرم من الأطعمة:
قال تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥)
стр. 385
فالله تعالى قد فصّل لنا ما يحرم علينا تفصيلًا كافيا، وبينه بيانًا وافيا:
قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (١)
وقال تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤).
ما يلحق بالميتة:
ويلحق بالميتة في التحريم ما قطع من البهيمة وهي حّية: لحديث أبى واقد الليثى قال: قال رسول الله ﷺ "ما قطع من البهيمه وهى حيه ميتة" (٥).
ما يستثنى من الميتة والدم:
عن ابن عمر ﵄:قال رسول الله ﷺ "احلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (٦).
стр. 386
تحريم الحمر الأهلية:
عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ جاءه جاء فقال أُكلت الحمر. ثم جاءه جاءٍ فقال: أكلت الحمر. ثم جاءه جاء فقال: أُفنيت الحمر. فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس. فاكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم" (١).
تحريم أكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير:
عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كلِّ ذى ناب من السباع، وعن كلِّ ذى مخلب من الطير" (٢).
تحريم الجلاّلة:
الجلالة: هى التي أكثر علفها النجاسة.
ويحرم اكلها وشرب لبنها، وركوبها.
عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الجلالة وألبانها" (٣).
وعنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل: أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها" (٤).
متى تحلّ الجلاّلة ؟
وإذا حُبست ثلاثا: وعُلفت الطاهر، جاز ذبحها واكلها:
стр. 387
عن ابن عمر: "أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثًا" (١).
إباحة كل ما حُرم عند إلاضطرار:
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀ (١٤/ ١٢):
أي: فمن احتاج إلى تناول شىّ من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى، لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه، ويغفر له. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" (٤).
ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها. وقد يكون مندوبا، وقد يكون مباحا؛ بحسب الأحوال.
واختلفوا: هل يتناول منها قدر ما يسدٌ به الرمق، أَوْله أن يشبع، أو يشبع - ويتزود؟ على أقوال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام.
قال: وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له. أهـ.
стр. 388
الذكاة الشرعية:
تعريفها:
الذكاة في الأصل: معناها التطيب. ومنه: رائحة ذكيّة، أي طيّبة.
وسمى بها الذبح لأن الإباحة الشرعية جعلته طيّبا.
والمقصود بها هنا: ذبح الحيوان أو نحره، فإن الحيوان الذي يحل أكله لا يجوز أكل شيء منه إلا بالتذكية، ما عدا السمك والجراد.
من تحل ذبيحته:
تحل ذكاة كل مسلم وكتابى، ذكرًا كان أو أنثى:
قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُم﴾ وقال البخارى: قال ابن عباس: طعامعهم ذبائحهم (١).
وعن كعب بن مالك: "أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها" (٢).
آلة الذبح:
وتجوز الذكاة بكل ما يجرح إلا بالسنّ والظفر.
عن عباية بن رفاعة عن جده أنه قال: يا رسول الله، ليس لنا مُدى، فقال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس الظفر والسن، أما الظفر فمدى الحبشة، وأما السنن فعظم" (٣).
стр. 389
عن شداد بن أوس قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان علي كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبح، وليحدّ أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته" (١).
صفة الذبح:
الحيوان قسمان: مقدور على ذكاته،. وغير مقداور.
فما قدر على ذكاته فذكاته في حلقه ولبته.
وما لم يقدر على ذكاته فذكاته عقره حيث قدر عليه.
عن ابن عباس قال: الذكاة في الحلق واللّبه.
وقال ابن عمر وابن عباس وأنس: إذا قطع الرأس فلا بأس.
وعن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدا، وليست معنا مدى. فقال: "اعجل- أو أرِن- ما أنهر الدم وذُكر اسم الله فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثك: أما السنّ فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة". وأصبنا نهب إبل وغنم، فندّ منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا" (٢).
ذكاة الجنين:
إذا خرج الجنين من بطن أمه وفيه حياة مستقرة وجب أن يذكى.
وإن خرج ميتا فذكاة أمه ذكاة له.
стр. 390
عن أبي سعيد قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين فقال:
"كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه" (١).
التسمية على الذبيحة:
التسمية على الذبيحة شرط في حلّها، فمن تركها عامدًا لم تحل ذبيحته.
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٣).
وعن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله
فكل" (٤).
استقبال القبلة:
ويستحب أن يوجه الذبيحة نحو القبلة ويقول كما قال النبي ﷺ في الحديث الآتى: عن جابر بن عبد الله قال: "ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجئين فلما وجههما قال: إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر، ثم ذبح" (٥).