فإذا شهد أربعة رجال من المسلمين الأحرار العدول بأنهم رأوا ذكر فلان في فرج فلانة كالمرود في المكحلة، والرشاء في البئر، حُدّ الرجل والمرأة.
فإذا شهد ثلاثة وتَخلّف الرابع حُدّ الثلاثة حدّ القذف، للآية الكريمة، ولما جاء عن قسامة بن زهير قال: "لما كان من شأن أبى بكرة والمغيرة الذي كان -وذكر الحديث- قال: فدعا الشهود، فشهد أبو بكرة، وشبل بن معبد، وأبو عبد الله نافع، فقال عمر ﵁ حين شهد هؤلاء الثلاثة: شق على عمر شأنه، فلما قدم زياد قال: إن تشهد إن شاء الله إلا بحق، قال زياد: أما الزنا فلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرا قبيحا. قال عمر: الله أكبر، حدّوهم، فجلدوهم. قال: فقال أبو بكرة بعد ما ضربه: أشهد أنه زان. فهمّ عمر ﵁ أن يعيد عليه الجلد، فنهاه عليّ ﵁ وقال: إن جلدته فارجم صاحبك. فتركه ولم يجلده" (١).
حكم من أتى ذات محرم:
ومن زنا بذات محرم فحدّه القتل، محصنًا كان أو غير محصن:
وإذا تزوجها قُتل وأخذ ماله:
عن البراء قال: "لقيت عمي ومعه الراية. فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه بعده، أن أضرب عنقه وآخذ ماله" (٢).
حكم من أتى بهيمة:
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "من وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوا
البهيمة" (٣).
стр. 422
حد اللواط:
وإذا أولج رجل في دبر رجل آخر فحدّهما القتل، محصنين كانا أو غير محصنين:
عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال:
"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١).
حدّ القذف
تعريفه:
القذف: هو الرمى بالزنا، بأن يقول: يا زانٍ، أو غير ذلك من الألفاظ التي يفهم منها رميه غيره بالزنا.
حكمه:
وهو من الكبائر المحرمة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
"اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (٣).
ومن قذف مسلما حُدّ بجلده ثمانين جلدة، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا
стр. 423
تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).
اللعان
إذا قذف الرجل زوجته فكذّبته فعليه الحدّ إلا أن يقيم البيّنة أو يلاعن:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).
وعن ابن عِباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ شريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البينة أو حدّ في ظهرك". فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ قول: "البينة وإلا حدّ في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبّرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع. ثم قالت: لا أفضح قومى سائر اليوم. فمضت. فقال النبي ﷺ : "أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين (*)، سابغ الإليتين، خَدَلّج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (٣).
стр. 424
الأحكام المترتبة على اللعان:
إذا تلاعن الزوجان ثبت بتلاعنهما هذه الأحكام:
١ - التفريق بينهما: لحديث ابن عمر قال:
"لاعن النبي ﷺ بين رجل وامرأة من الأنصار وفرّق بينهما" (١).
َ٢ - التحريم المؤبد: لقول سهل بن سعد:
"مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا" (٢).
٣ - استحقاق الملاعَنَة الصداق: لحديث أيوب عن سعيد بن جبير قال:
"قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته؟ فقال: فرّق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال: "الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا.
وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا. فقال: "الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ " فأبيا، ففرق بينهما.
قال أيوب: فقال لي عمرو بن دينار: إن في الحديث شيئًا لا أراك تحدثه، قال: قال الرجل: مالى؟ قال: قيل: "لا مال لك، إن كنت صادقا فقد دخلت بها، وإن كنت كاذبا فهو أبعد منك" (٣).
٤ - التحاق الولد بالملاعنة: لحديث ابن عمر:
"أن النبي ﷺ لاعن بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة" (٤).
٥ - ثبوت التوارث بين الملاعنة وولدها: لقول ابن شهاب في حديث سهل بن سعد:
стр. 425
"فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملا، وكان ابنها يُدعى لأمه". قال: "ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فرض الله له" (١).
حدّ السكر:
تحريم الخمر:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢).
وعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٣).
وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال:
"الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تقبل صلاته أربعين يوما، فإن مات وهى في بطنه مات ميتة جاهلية" (٤).
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
"الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه، وخالته، وعمته" (٥).
стр. 426
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"مُدمن الخمر كعابد وثن" (١).
وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر" (٢).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لُعِنَتِ الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها" (٣).
ما هى الخمر ؟
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" (٤).
وعن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البِتع، وهو نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه- فقال رسول الله ﷺ : "كل شراب أسكر فهو حرام" (٥).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قام عمر على المنبر فقال: "أما بعد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل" (٦).
وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من الحنطة خمرا،
стр. 427
ومن الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرًا" (١).
لا فرق بين قليل الخمر وكثيره:
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام" (٢).
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام" (٣).
حدّ شارب الخمر:
وإذا شرب المكلف مختارًا الخمر وهو يعلم أنها خمر جُلِد أربعين، فإن رأى الحاكم الزيادة فله ذلك إلى ثمانين لما روى الحصين بن المنذر "أن عليا جلد الوليد ابن عقبة في الخمر أربعين، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى" (٤).
وإذا تكرر شرب الرجل وحدّ في كل مرة، ثم شرب فرأى الإِمام قتله فله ذلك:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سكر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، ثم قال الذي الرابعة: "فإن عاد فاضربوا عنقه" (٥).
стр. 428
بم يثبت الحد ؟
ويثبت الحد بأحد أمرين (١):
١ - الإقرار.
٢ - شهادة عدلين.
لا يجوز الدعاء على شارب الخمر:
عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا كان على عهد النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يُضحك رسولَ الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتى به يوما، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" (٢).
وعن أبي هريرة قال: أُتى النبي ﷺ بسكران، فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ماله أخزاه الله! فقال رسول الله ﷺ : "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" (٣).
حَدُّ السَّرقة
ومن الضروريات التي جاء الإِسلام بحفظها المال، وقد أمر الإِسلام بكسبه من الحلال (والأصل في الأشياء الإباحة)، ونهى عن كسبه من الحرام، وبيّن وجوه الكسب الحرام، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤).
ومن الكسب الحرام السّرقة:
وهي أخذ مال الغير على وجه الخفية والاستتار (٥).
стр. 429
وهي من الكبائر، وحَدُّها ثابت بالكتاب والسنة وإجماعِ الأمة.
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كسبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ قطع سارقًا في حجّن قيمته ثلاثة دراهم" (٢).
وقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن قطع يد السارق يجب إذا شهد عليه بالسرقه شاهدان عدلان، مسلمان حرّان (٣).
فإذا سرق البالغ العاقل مختارًا فقد وجب عليه الحدُّ بإقراره أو بشهادة عدلين.
ويشترط يبلغ المسروق نصابًا، وأن يكون محروزا.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُقطع يد السارق إلا في رُبعٌ دينار فصاعدًا" (٤).
وقال ابن المنذر: وأجمعوا أن القطع إنما يجب على من سرق ما يجب فيه قطعٌ من الحرز (٥).
والحرز ما يُعان في مثله المال ويُحفظ، كالدار المعلقة، والخزانة، والمحل المغلق، ونحو ذلك.
وقال صاحب "الروضة الندية" (٢٧٧/ ٢):
"والحرز ما يعدُه الناس حرزًا لمثل ذلك المال، فالمتبن حرزٌ للتبن، والاصطبل
стр. 430
للدواب، والمراح للغنم، والجرين للثمار".
عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن التمر المعلْق فقال: "منأصاب بغيه من ذى حاجة غيْر مَتّخذِ خُبْنةً فلا شىء عليه، ومن خرج بشىء منه فعليه غرامةُ مثَليْة والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يُؤويه الجرين فبلغ ثمن المجْن فعليه القطع" (١).
وللمسروق منه أن يعفو عن السارق قبل رفعه إلى السلطان:
عن صفوان بن أمية قال: كنت نائمًا في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأُخذ الرجلُ فأُتى به النبي ﷺ فأُمر به ليُقَطَع. قال: قال: فهلاّ كان هذا قبل أن تأتينى به" (٢).
فائدة: قال صاحب "الروضة النديّة" (٢٧٩/ ٢).
"اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى، واختلفوا فيما إذا سرق ثالثًا بعد قطع يده ورجله فذهب كثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى [قال شيخنا ﵀ في "التعليقات الرضية" ٢٩٨/ ٣ وقد صح هذا عن أبي بكر وعمر عند البيهقي (٨/ ٢٨٤)] , ثم إذا سرق أيضًا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق أيضًا يعزّر ويحبس" أ. هـ
حَدُّ الحرابة (قطع الطريق)
تعريفها (٣):
الحرابة هى خروج طائفة مسلمة في دار الإِسلام، لإحداث الفوضى، وسفك الدماء وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، متحدّيِةَ بذلك الدين والأخلاق والنظام والقانون.
стр. 431
حكمها:
والحرابة من أعظم الجرائم، ولذا كانت عقوبتها من أقسى العقوبات.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (١).
وعن أنس ﵁ قال: "قدم على النبي ﷺ نفر من عُكل فأسلموا، فاجتووا المدينة، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحّوا فارتدوا فقتلوا رعاتها، واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم (*)، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا" (٢).
توبة المحاربين قبل القدرة عليهم:
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٣).
* * *
стр. 432
كتاب الجنايات (*)
стр. 433
تعريفها:
" هى جمع جناية، مصدر من جنى الذنب يجنيه جناية: أي جرّه إليه، وجمعت وإن كانت مصدرًا لاختلاف أنواعها، فإنها قد تكون في النفس وفي الأطراف، وتكون عمدًا وخطأ" (١).
"وهي- في الشرع-: التعدى على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا" (٢).
تعظيم حرمات المسلمين:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٥).
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولِّى يوم
стр. 434
الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (١). وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" (٢).
وعن أبي سعيد الخدرى وأبى هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار" (٣).
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "أوّل ما يقضى بين الناس في الدماء" (٤).
وعنه ﵁ قال: قال ﷺ : "يجيء الرجل آخذ بيد الرجل، فيقول: ياربّ! هذا قتلنى، فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي. ويجئ الرجل آخذ بيد الرجل، فيقول: إن هذا قتلنى، فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان! فيقول: إنها ليست لفلان، فيبوء بإثمه" (٥).
تحريم قتل الإنسان نفسه:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردّى فيه خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا. ومن تحسّى سمًا فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جنهم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا" (٦).
стр. 435
وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزع فأخذ سكينا فحزّ بها يده، فما رقأ الدم (*) حتى مات، قال الله تعالى: "بادرنى عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنة" (١).
وعن جابر: أن الطفيل بن عمرو الدوسىّ أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! هل لك في حصن حصين ومنعة؟ (قال: حصن كان لدوس في الجاهلية) فأبى ذلك النبي ﷺ للذى ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتَوَوا المدينة، فمرض، فجزع، فأخذ مشاقصِ (* *) له، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات. فراَه الطفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطّيًا يديه. فقال له: ما صنع بك ربّك؟ فقال: غفر لي بهجرتى إلى نبيه ﷺ . فقال: مالى أراك مغطّيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصّها الطفيل على رسول الله: فقال رسول الله ﷺ "اللهم وليديه فاغفر" (٢).
ما يبيح القتل:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣).
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام، وحسابهم على الله" (٤).
стр. 436
وقد فسّر ﷺ هذا الحق الذي يحيى القتل بقوله:
"لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس، والثيب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة" (١).
أنواع القتل:
والقتل ثلاثة أنواع: عمد، وشبه عمد، وخطأ.
فالعمد: هو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما يغلب على الظن أنه يقتل به.
وشبه العمد: هو أن يقصد ضربه بما لا يقتل عادة فيموت.
والخطأ: هو أن يفعل المكلف ما يباح له فعله، كرمى صيد أو نحوه، فيقتل إنسانا.
الآثار المترتبة على القتل:
ففى القسمين الاخيرين: الكفارة على القاتل، والدية على عاقلته.
لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢).
وأما القتل العمد: فولىّ المقتول فيه بالخيار بين القود والعفو على الدية لقوله
стр. 437
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١)
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين إما
أن يُودى وإما أن يقاد" (٢).
وليست هذه الدية هى الواجبة بالقتل، بل بدل عن القصاص، ولذا فإن لهم أن يصالحوا على غير الدية، ولو بالزيادة عليها لقوله ﷺ :
"من قَتَلَ مؤمنا متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية وهي: ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعون خَلِفَةً، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل" (٣).
والعفو مجانًا أفضل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤). ولقول النبي ﷺ : "وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا" (٥).
شروط وجوب القصاص:
لا يجب القصاص إلا إذا توفرت الشروط الآتية:
ا- تكليف القاتل، فلا قصاص على صغير ومجنون ونائم، لقوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ" (٦).
стр. 438
٢ - عصمة المقتول، بأن لا يكون مهدر الدم لسبب من الأسباب المذكورة في حديث:
"لا يحل دم امرئ مسلم ... إلا بإحدى ثلاث .. " الحديث (١).
٣ - أن لا يكون المقتول ولدًا للقاتل: لقوله ﷺ : "لا يُقتل والد بولده" (٢).
٤ - أن لا يكون المقتول كافرًا والقاتل مسلمًا: لقوله ﷺ : "لا يُقتل مسلم بكافر" (٣).
٥ - أن لا يكون المقتول عبدًا والقاتل حرًا: لقول الحسن: "لا يُقتل حرُّ بعبد" (٤).
الجماعة تُقتل بالواحد:
إذا اجتمع جماعة علي قتل واحد فإنهم يُقتلون به جميعا , لما رواه مالك عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا: خمسة أو سبعة برجل واحد
стр. 439
قتلوه قتل غيلة (١)، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا" (٢).
ثبوت القصاص:
يثبت القصاص بأحد أمرين:
الأول: الاعتراف: عن أنس: "أن يهوديًا رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمى اليهودى فأومأت برأسها، فجئ باليهودى فاعترف، فأمر به النبي ﷺ فرُضّ رأسه بالحجارة" (٣).
الثاني: شهادة رجلين عدلين:
عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ "قالوا: يا رسول الله، لم يكن ثَمَّ أحد من المسلمين، وإنما هم يهود، وقد يجترؤن على أعظم من هذا قال: "فاختاروا منهم خمسين فاستحلِفوهم، فأبوا، فوداه النبي ﷺ من عنده" (٤).
شروط استيفاء القصاص:
يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط:
ا- تكليف المستحق: فإن كان مستحقه صبيا أو مجنونا حبس الجانى إلى تكليفه.
٢ - اتفاق المستحقين على استيفائه، فإن عما بعضهم سقط القصاص.
стр. 440
عن زيد بن وهب: "أن عمر ﵁ رفع إليه رجل قتل رجلا، فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول -وهي امرأة القاتل- قد عفوت عن حصتى من روى. فقال عمر: عتق الرجل من القتل" (١).
وعنه قال: "وجد رجل عند امرأته رجلا، فقتلها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فوجد عليها بعض إخوتها، فتصدق عليه بنصيبه، فأمر عمر ﵁ لسائرهم بالدية" (٢).
٣ - أن لا يتعدى الجانى إلى غيره، فإذا كان القصاص قد وجب على امرأة حامل لم تقتل حتى تضع حملها وتسقيه اللبأ (٣).
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: "أن امرأة من غامد سألت النبي ﷺ فقالت: إنى قد فجرت. فقال: ارجعي. فرجعت، فلما كان الغد أتته فقالت: لعلك أن تردنى كما رددت ماعز بن مالك؟ فوالله إنى لحبلى، فقال لها ارجعي، فرجعت فلما كان الغد أتته، فقال لها: ارجعي حتى تلدى، فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبى فقالت: هذا قد ولدته، فقال: ارجعي فارضعيه حتى تفطميه، فجاءت به وقد فطمته، وفي يده شيء يأكله، فأمر بالصبى فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرجمت. وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر، فوقعت قطرة من دمها على وجنته، فسبّها، فقال له ﷺ : مهلا يا خالد، فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. وأمر بها فصلّى عليها فدفنت" (٤).
стр. 441
بم يكون القصاص ؟
الأصل في القصاص أن يُقتل القاتل بالطريقة التي قتل بها؛ لأن ذلك مقتضى المماثلة والمساواة، ولقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢) ولأن الرسول ﷺ رضخ رأس اليهودى بحجر كما رضح هو رأس المرأة بحجر (٣).
القصاص من حق الحاكم:
قال القرطبي: "لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولوا الأمر، فرضٌ عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه طالب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود" (٤).
وعلة ذلك ما ذكره الصاوى -حاشيته على الجلالين- قال:
"فحيث ثبت أن القتل عمدًا عدوانًا، وجب على الحاكم الشرعى أن يمكن ولى المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولى من القتل، أو العفو، أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم؛ لأن فيه فسادًا وتخريبًا. فإذا قتله قبل إذن الحاكم عُزِّر" (٥).
القصاص فيما دون النفس:
كما يثبت القصاص في النفس، فإنه يثبت كذلك فيما دونها لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٦) وهذا الحكم وإن كان كتب على من قبلنا فهو شرع لنا، لتقرير النبي ﷺ له.
فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: أن الرُّبيِّع بنت
стр. 442
النضر بن أنس كسرت ثنية جارية، ففرضوا عليهم الأرش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله تكسر ثنية الربيع! والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال النبي ﷺ : "يا أنس كتاب الله القصاص". فرضى القوم وعفوا. فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه" (١).
شروط القصاص فيما دون النفس:
يشترط في القصاص فيما دون النفس الشروط الآتية:
١ - تكليف الجانى.
٢ - تعمد الجناية. لأن الخطأ لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل، فما دونها أولى.
٣ - أن يكون دم المجنى عليه مكافئا لدم الجانى. فلا يقتص من مسلم جرح ذميا, ولا من حرّ جرح عبدا ,ولا يقتص من والد جرح ولدًا.
القصاص في الأطراف:
يشترط في القصاص في الأطراف ثلاثة شروط:
١ - إمكان الاستيفاء بلا حيفِ: بأن يكون القطع من مفصل كالمرفق والكوع، أو ينتهى إلى حدّ كمارن الأنف، وهو ما لان منه دون قصبته.
فلا قصاص في جائفة، ولا في قطع بعض الساعد، ولا في عظم دون السنّ.
٢ - المماثلة في الاسم والموضع: فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، ولا عكس، لعدم المساواة في الاسم، ولا يؤخذ أصلى بزائد، لعدم المساواة في الموضع والمنفعة.
стр. 443
٣ - استواء طرف الجانى والمجنى عليه في الصحة والكمال، فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل، ولا يد صحيحة بيد ناقصة الأصابع، ويجوز العكس.
القصاص من جراح العمد:
وأما جراح العمد، فلا يجب فيها القصاص إلا إذا كان ذلك ممكنا، بحيث يكون مساويا لجراح المجنى عليه من غير زيادة ولا نقص. فإذا كانت المماثلة والمساواة لا يتحققان إلا بمجاوزة القدر، أو بمخاطرة، أو إضرار، فإنه لا يجب القصاص، وتجب الدية .
الدية
تعريفها:
الدية هى المال الذي يجب بسبب الجناية، وتؤدى إلى المجنى عليه أو وليه.
وهي تنتظم ما فيه القصاص، وما لا قصاص فيه.
وتسمى الدية بـ "العقل". وأصل ذلك: أن القاتل كان إذا قتل قتيلا جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدّها بعقالها ليسلمها إليهم.
يقال: عقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته.
وأصل ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون
стр. 444
حقة، وعشرة بني لبون ذكر" (١).
وعنه قال: "كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين. قال: فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ﵀، فقام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب: ألف دينار، وعلى أهل الورِق: اثنى عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل النساء ألفى شاة، وعلى أهل الحلل (٢) مائتى حلة.
قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية" (٣).
القتل الذي تجب فيه:
من المتفق عليه بين العلماء أنها تجب في القتل الخطأ وفي شبه العمد، وفي العمد الذي وقع ممن فقد شرطا من شروط التكليف، مثل الصغير والمجنون، وفي العمد الذي تكون فيه حرمة المقتول ناقصة عن حرمة القاتل، مثل الحر إذا قتل عبدًا. كما تجب على النائم الذي انقلب في نومه على آخر فقتله. وعلى من سقط على غيره فقتله.
стр. 445
أنواع الدية:
الدية تكون مغلظة ومخففة، فالمخففة تجب في قتل الخطأ، والمغلظة تجب في شبه العمد. وأما دية قتل العمد إذا عما ولىّ الدم فهي ما اصطلحوا عليه، لما سبق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "من قتل متعمدا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل".
والدية المغلظة: مائة من الإبل في بطون أربعين منها أولادها. لقوله ﷺ : "ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها" (١). وتكون في مال الجانى وحده.
أما دية الخطأ وشبه العمد فعلى عاقلة القاتل، وهم عصبته، أي: قرابته المذكور البالغون -من قبل الأب- الموسرون العقلاء.
ويدخل فيهم: الأعمى، والزّمن، والهرم، إن كانوا أغنياء، ولا يدخل فيهم: أنثى، ولا فقير، ولا صغير، ولا مجنون، ولا مخالف لدين الجانى؛ لأن مبنى هذا الأمر على النصرة، وهؤلاء ليسوا من أهلها.
وأصل وجوب الدية على العاقلة: حديث أبى هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي ﷺ أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" (٢).
стр. 446
دية الأعضاء:
يوجد في الإنسان من الأعضاء ما منه عضو واحد: كالأنف، واللسان، والذكر، ويوجد فيه ما منه عضوان: كالعينين، والأذنين، واليدين.
ويوجد ما هو اكثر من ذلك.
فإذا أتلف إنسان من إنسان آخر هذا العضو الواحد أو هذين العضوين وجبت الدية كاملة. وإذا أتلف أحد العضوين وجب نصف الدية.
فتجب الدية كاملة في الأنف، والعينين، وفي العين الواحدة نصفها، وفي جفني إحدى العينين نصفها، وفي جفن واحدة منها ربعها. وفي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة، وفي كل أصبع عشر من الإبل. وفي الأسنان كمال الدية، وفي كل سنّ خمس من الإبل.
عن أبى بكر بن عبيد الله بن عمر عن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "في الأنف الدية إذا استُوعب جدعُه مائة من الإبل، وفي اليد خمسون، وفى الرجل خمسون، وفي العين خمسون، وفي الآمة ثلث النفس، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الموضحة خمس، وفي السنّ خمس، وفي كل أصبع مما هنالك عشر" (١).
وعن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات: وفيه: "أن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جَدعُه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السنّ خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل (٢).
стр. 447
دية منافع الأعضاء:
إذا ضرب إنسان إنسانا فذهب عقله أو حاسة من حواسه، كسمعه أو بصره، أو شمه أو ذوقه، أو كلامه بجميع حروفه، ففى كلٍّ من ذلك الدية كاملة.
عن عوف قال: سمعت شيخًا قبل فتنة ابن الأشعث، فنعت نعته فقالوا: ذلك أبو المهلب عم أبى قلابة، قال: "رُمى رجل بحجر في رأسه، فذهب سمعه ولسانه وعقله وذكره، فلما يقرب النساء، فقضى فيه عمر ﵁ بأربع ديات" (١).
وإذا فقئت عين الأعور الصحيحة ففيها الدية كاملة، قضى بذلك عمر وابنه عبد الله وعلىّ بن أبي طالب.
عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز قال: "سألت عبد الله بن عمر عن الأعور تفقأ عينه".
فقال: عبد الله بن صفوان: قضى فيه عمر ﵁ بالدية. فقلت: إنما أسال ابن عمر، فقال: أوليس يحدثك عن عمر" (٢).
وعن قتادة عن خلاس عن علي ﵁: أنه كان يقول في الأعور إذا فقئت عينه: "إن شاء أخذ الدية كاملة، وإن شاء أخذ نصف الدية، وفقأ بالأخرى إحدى عيني الفاقئ" (٣).
دية الشجاج:
الشجاج: هى الإصابات التي تقع بالرأس والوجه.
وهي عشرة أنواع:
١ - الخارصة: وهي التي تقشر الجلد ولا تدميه.
٢ - الدامية: وهي التي تدميه.
стр. 448
٣ - الباضعة: وهي التي تشق اللحم شقا كبيرا.
٤ - المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم.
٥ - السمّحاق: وهي التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة.
فهذه خمس شجاج ليس فيها قصاص (١). ولا أرش مقدر، وتجب فيها حكومة (٢).
٦ - الموضحة: وهي التي تبلغ إلى العظم. وفيها خمس من الإبل.
٧ - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم أي تكسره. وفيها عشر من الإبل.
٨ - المنقلة: وهي التي ينقل منها العظم من موضع إلى موضع. وفيها خمس عشرة من الإبل.
٩ - المأمومة أو الآمة: وهي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة. وفيها ثلث الدية.
١٠ - الدامغة: وهي التي تبلغ الدماغ. وفيها أيضًا ثلث الدية.
دية الجائفة:
الجائفة: هى كل ما يصل إلى الجوف: كبطن، وظهر، وصدر، وحلق، ومثانة.
وفيها ثلث الدية، لما في كتاب عمرو بن حزم "وفي الجائفة ثلث الدية".
دية المرأة:
دية المرأة إذا قُتلت خطأ نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته:
стр. 449
عن شريح قال: "أتانى عروة البارقي من عند عمر أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السنّ والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل" (١).
دية أهل الكتاب:
دية أهل الكتاب إذا قتلوا خطأ نصف دية المسلم، فدية الذكر منهم نصف دية المسلم، ودية المرأة من نسائهم نصف دية المرأة المسلمة.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رسول الله ﷺ قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى" (٢).
دية الجنين:
إذا مات الجنين بسبب الجناية على أمه عمدًا أو خطأ ولم تمت أمه، وجب فيه غرة، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتا، أم مات في بطنها، وسواء كان ذكرًا أم أنثى. فإذا ماتت المرأة أيضًا فلها ديتها.
عن أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه" (٣).
فإما إذا خرج حيًا ثم مات ففيه الدية كاملة. فإن كان ذكرا وجبت مائة بعير. وإن كان أنثى فخمسون، لأنا تيقنا موته بالجناية، فأشبه غير الجنين.
стр. 450
كتاب القضاء
стр. 451
مشروعيته:
القضاء مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة:
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١).
وقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢).
وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (٣). وأجمع المسلمون على مشروعية القضاء.
حكمه:
وهو فرض كفاية، ويجب على الإِمام أن يعين في البلاد -حسب حاجتها- من يحكم بينهم، لأن النبي ﷺ حكم بين الناس، وبعث عليا إلى اليمن للقضاء، وحكم الخلفاء الراشدون، وولوا القضاء في الأمصار (٤).
فضله:
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة، فهو يقضى بها ويعلمها" (٥).
خطره:
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من جُعل قاضيا بين الناس فقد ذُبح بغير سكين" (٦).
стр. 452
وعن أبي بريدة عن رسول الله ﷺ قال: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جَارَ في الحكم فهو في النار" (١).
النهى عن طلب القضاء:
عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي النبي ﷺ : يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها" (٢).
متى يستوجب الرجل القضاء ؟
قال الحافظ ﵀ في الفتح (١٣/ ١٤٦):
قال أبو على الكرابيسي صاحب الشافعي في "كتاب آداب القضاء له":
لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا أن أحق الناس أن يقضى بين المسلمين:
من بأن فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئا لكتاب الله، عالمًا بأكثر أحكامه، عالمًا بسنن رسول الله حافظًا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالمًا بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين، يعرف الصحيح من السقيم، يتبع في النوازل الكتاب، فإن لم يجد فالسنن، فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة، ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به، ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم، والمشاورة لهم، مع فضل وورع، ويكون حافظًا للسانه وبطنه وفرجه، فهما بكلام الخصوم. ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى. ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم اهـ.
لا يلى القضاءَ النساءُ:
стр. 453
عن أبي بكرة قال: لقد نفعنى الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي ﷺ أن فارسا ملّكوا ابنة كسرى قال: "لن يُفلح قوم ولُّوا أمرهم امرأة" (١).
آداب القاضى:
يجب على القاضى أن يعدل بين الخصمين في لحظه، ولفظه، ومجلسه، والدخول عليه (٢):
عن أبي المليح الهذلي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا ادى إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، واس بين الناس في وجهك، ومجلسك، وعدلك، ولا يطمع شريف في حيفك" (٣).
ويحرم عليه أخذ الرشوة والهدية:
عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ "لعنة الله على الراشي والمرتشي" (٤).
وعن أبي حميد الساعدى أن رسول الله ﷺ قال: "هدايا العمال غلول" (٥).
ويحرم عليه الحكم وهو غضبان:
عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة قال:
كتب أبو بكرة إلى ابنه -وكان بسجستان- بأن لا تقضى بين اثنين وأنت غضبان، فإنى سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو
стр. 454
غضبان" (١).
قضاء الحاكم لا يغيّر من الحق شيئا:
من قُضى له بحق أخيه فلا يأخذه، فإن قضاء الحاكم لا يُحل حراما ولا يُحرّم حلالا:
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق، فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" (٢).
الدعاوى والبينات:
الدعاوى: جمع دعوى، وهي في اللغة: الطلب، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ (٣) أي تطلبون.
وفي الشرع: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شئ في يد غيره أو في ذمته.
والمدَّعي: هو الذي يطالبُ بالحقِّ، وإذا سَكَتَ عن المطالبة تُرِكَ.
والمدّعَى عليه: هو المطالبُ بالحق، وإذا سكتَ لم يُتْركّ (٤).
والبينات: جمع بيّنة، وهي العلامة، كالشاهد ونحوه.
والأصل في هذا حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "لو يُعطى الناس بدعواهم، ادّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين
стр. 455
على المدْعى عليه" (١).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على المدّعى، واليمين على المدّعى عليه" (٢).
إثم من ادّعى ما ليس له:
عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
"من ادّعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار" (٣)
إثم من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالًا:
عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين، وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقى الله وهو عليه غضبان" (٤).
وعن أبي أمامة الحارثى أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يقتطع رجل حق امرئ مسلم بيمينه، إلا حرمّ الله عليه الجنة، وأوجب له النار". فقال رجل من القوم: يا رسول الله، وإن كان شيئًا يسيرا؟ قال: "وإن كان سواكا من أرأك" (٥).
طرق إثبات الدعوى:
стр. 456
وطرق إثبات الدعوى هى: الإقرار ، و الشهادة ، واليمين (١).
الإقرار:
الإقرار: هو الاعتراف بالحق، والحكم به واجب، إذا كان المقرّ مكلفا مختارًا (٢).
"وقد رجم النبي ﷺ ماعزا والغامدية والجهنية بإقرارهم.
وقال ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها (٣).
الشهادة
تحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية، لقوله تعالى ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٤).
وأداؤها فرض عين، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٥).
ويجب علي الشاهد قول الحق ولو على نفسه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٦).
ويحرم أن يشهد بغير علم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
стр. 457
يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وشهادة الزور من أكبر الكبائر، لحديث أبى بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس وقال: "ألا وقول الزور، وشهادة الزور". فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت" (٢).
من تُقبل شهادته:
ولا تقبل الشهادة إلا من المسلم البالغ، العاقل، العدل.
فلا تقبل شهادة الكافر ولو على مثله، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤) "والكافر ليس بعدل، ولا مرضى، ولا هو منا" (٥).
ولا تقبل شهادة الصبى، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٤). والصبى ليس من رجالنا.
ولا تقبل شهادة المعتوه والمجنون ونحوهما، لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى غيرهم أولى.
ولا تقبل شهادة الفاسق، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).
ولقوله ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية ولا ذى
стр. 458
غمر على أخيه" (١).
نصاب الشهادة:
الحقوق ضربان: حق الله تعالى، وحق الآدمى (٢).
فأما حقوق الآدميين فثلاثة أضرب:
١ - ضرب لا يقبل فيه إلا شاهدان ذكران: وهو ما لا يقصد منه المال، ويطلع عليه الرجال كالزواج والطلاق:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل" (٤). ففى الآية والحديث ورد ذكر الشهود بلفظ التذكير.
٢ - وضرب يقبل فيه شاهدان، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين المدّعِى: وهو ما كان القصد منه المال: كالبيع والإجارة والرهن ونحو ذلك:
قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٥).
وعن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد" (٦).
٣ - وضرب يقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، وهو مالًا يطلع عليه الرجال غالبا: كالرضاع والولادة وعيوب النساء الداخلية.
وأما حقوق الله تعالى فلا تقبل فيها النساء، لقول الزهرى "لا يُجلد في شيء
стр. 459
من الحدود إلا بشهادة رجلين". وهي على ثلاثة أضرب:
١ - ضرب لا يقبل فيه أقل من أربعة وهو الزنا:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ... ﴾ (١).
٢ - وضرب يقبل فيه اثنان وهو ما سوى الزنا من الحدود، لقول الزهرى السابق.
٣ - وضرب يقبل فيه واحد وهو هلال رمضان (٢).
اليمين:
إذا عجز المدّعى عن تقديم البينة، وأنكر المدّعى عليه، فليس للمدّعى إلا يمين المدّعى عليه لقوله ﷺ : "البينة على المدّعِى، واليمين على المدّعَى عليه" (٣).
وعن الأشعث بن قيس الكندى قال: "كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "شاهداك أو يمينه". قلت: إنه إذن يحلف ولا يبالى، فقال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين يستحق بها مالا، وهو فيها فاجر، لقى الله وهو عليه غضبان". فأنزل الله تصديق ذلك، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا- إِلى- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤).
* * *