← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98088

أصول الوصول إلى الله تعالى

محمد حسين يعقوب

Полный текст (319 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأصل السابع: وليسعك بيتك قال رسول الله ﷺ لمن سأل عن النجاة: " أمسك عليك لسانك , وليسعك بيتك , وابك على خطيئتك " [صححه الألباني]: قال عبدالله بن عباس رضى الله عنهما: " أخسر الناس صفقة من انشغل بالناس عن نفسه , وأخسر منه صفقة من انشغل بنفسه عن الله ". وقال بعض السلف: " علامة إعراض الله عن العبد انشغاله بما لا يعنيه " وقال بعض السلف أيضا " علامة الافلاس كثرة الحديث عن الناس ". وقال ابن الجوزى: " إذا رأيت نفسك تأنس بالخلق وتستوحش من الخلوة فاعلم أنك لا تصلح لله" وقال ابن قدامة: " إذا رأيت الناس يعجبون بك , فاعلم أنهم إنما يعجبون بستر الله عليك , فلا تذب عن الناس الذباب وحجرك مملوء بالعقارب ". مصيبة عصرنا الانشغال بالناس , ومن الانشغال بغير الله الانشغال

стр. 107

بوسائل الاعلام والجرائد والمجلات والتلفاز .. وللاسف الشديد بدأ بعض الاخوة يقتنى التلفاز , وهذه نكسة .. نكسة , قال العلماء: الفتنة ان تستحل ما كنت تراه حراما .. فالذى كان اعتقاده أن التلفزيون حرام وبدأ اليوم يدخله بيته فهو مفتون - كما ذكرنا. وتجده يقول: أنا أدخلته بيتى لمتابعة نشرة الاخبار لاعرف أحداث العالم , وأشاهد بعض القنوات المفيدة , .. اعلم يا أخى , أن الجلوس اليوم أمام نشرات الاخبار بغير ضوابط فتنة .. نعم: فتنة , لأنك قد تنشغل بالعالم عن نفسك. إخوتاه , إن ما تشاهدونه فى نشرات الاخبار من أحداث فلسطين - اللهم اكشف عنهم الكربة , اللهم انتقم من اليهود وعجل بزوالهم - وكل ما حصل , لا يساوى عشر معشار واحد على مئة ألف بالنسبة لما حدث فى أماكن أخرى , لكن الاماكن الاخرى أعموها عنكم وعتموا عليها , وهذه فتحوها لكم تشاهدونها .. لماذا؟ .. ما السر؟! .. إن النيران التى يؤججونها داخل النفوس لها علة , فتيقظ حتى لا تقع فى الشرك. إننا - إخوتاه - فى زمن تصغير الكبراء وتصغير المسائل الكبيرة , ولذلك فإن القضية التى تقلقكم دائما , قضية فلسطين .. هذه قضية كبيرة جدا صغروها فى فلسطين , ثم قاموا بتصغيرها أكثر فى القدس .. والقضية أكبر من ذلك , فلو أن اسرائيل أعطت الفلسطينيين دولة مستقلة ذات سيادة وحدود وكفت عن قتل المسلمين .. فهل عندها تنتهى القضية؟ لا .. عندهم انتهت ولكنها عندنا لم تنته ولن تنتهى .. القضية

стр. 108

قضية اليهود وليست فلسطين - اللهم انتقم من اليهود. هذا مثال للاعلام فى العالم , فما الفائدة من تضييع طاقات الشباب أمام هذه الشاشات؟! إن الذين يجلسون اليوم امام التلفاز ويودون أن ينقذوا فلسطين تراهم أكثر الناس ركودا , فترى الواحد منهم ينشغل بسماع الاخبار أكثر من الامساك بالمصحف .. يظل يتكلم فى الاخبار وتنقلها أكثر من ذكر والدعاء .. إذا فالتفرج والانشغال بهذه الترهات لا ينقذ المسلمين .. لابد أن تفهم الوضع .. نريد أن نوقف التفرج والانشغال بالناس , لأنه موقف الضعيف الذليل المتخاذل , ولننشغل بأنفسنا أولا قبل كل شىء , فبصلاح النفس تنصلح الامة ويكون النصر. ولذلك يقول العلماء عن هذه القضية: الفتنة دوارة , ويسمون ما يجرى الآن " دوامات الفتن " الدوامة هل رأيتها؟ .. الفتنة مثلها دوارة , فمن الممكن وفى دوران الفتنة أن تطالنا .. فوارد جدا أن تجد الاعداء غدا أمام بيتك , فيا ترى - ساعتها - هل ستثبت أم ستبيع دينك؟! وزوجتك ستثبت أم تبيعك؟! وأولادك هل سيثبتون على الدين أم أنهم سيتيهون ويتعلمنون ويتشردون؟!! .. تدبر ما أقول لك وقف مع نفسك وقفة رجل يريد لها النجاة .. انشغل بنفسك وأهل بيتك , قال الله - تعالى -: " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " (التحريم: ٦). نعم: إن انشغالك بنفسك هو الاصل , قال الله: " فقاتل فى سبيل الله لا تكلف الا نفسك " (النساء: ٨٤) , وقال - تعالى -: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الانعام: ١٦٤) .. فالأصل فى الاسلام: انج بنفسك أولا.

стр. 109

أيها الاخ الكريم , سؤال واضح ومحدد وصريح ويحتاج الى إجابة قاطعة: كيف حالك مع الله؟ .. اسألك فى التو واللحظة: الآن , هل الله راض عنك؟ أجب ولا تكن مغرورا .. لو مت اليوم فى لحظتك هذه , هل ستكون من النبى محمج ﷺ فى الجنة؟! .. هذه هى القضية التى أقصدها .. أن تجعل نفسك قضيتك , ورضا ربك عنك هو موضوعك. نعم يا شباب: كلنا مشغولون , ولكن ٩٩ % من الشغل بالاخرين , ٩٩ % من الشغل بأنفسنا ليس بالله .. حتى الجزء اليسير الذى ننشغل فيه بأنفسنا لنصلحها لا يكون لله - ولا حول ولا قوة الا بالله - , فاللهم ارزقنا الإخلاص واجعلنا من أهله , لذلك لا تغتر بعبادات تؤديها , وقربات تقوم بها , وطاعات تقدمها , وعبادات تغتر بصورها وهى فى الحقيقة من الفتنة. أيها الاخوة فى الله , أحبتى فى الله , تأملوا معى هذه القصة: خرج رجل من الصوفية الى الخلاء يعبد الله , فوجد فى الصحراء على الارض غرابا أعمى مكسور الجناح , فوقف يتأمل: سبحان الله! غراب أعمى مكسور الجناح وفى صحراء! من أين يأكل ويشرب وكيف يعيش؟! فبينما هو ينظر إذ جاء غراب آخر فوقف ففتح الغراب الأعمى فمه , فأطعمه الغراب الاخر فى فمه وسقاه حتى شبع تعجب الرجل وقال: سبحان الله! .. والله لقد أرانى الله آية .. أبعد هذا أسعى من أجل الرزق .. وأوى الى كهف فأقام فيه , فسمع به عالم فسأل عن مكانه , فقالوا: أوى إلى كهف يتعبد , فمضى اليه وقال له: ما الذى حملك على ما صنعت؟ فحكى له قصة الغراب , فقال له: سبحان الله! ولم رضيت أن تكون الأعمى؟!!.

стр. 110

سبحان الله العظيم , كم فى هذه القصة من فوائد! .. منها: تصديق حديث رسول الله ﷺ " نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع " [صححه الألبانى] فالله أرى الآية للرجل الأول , وأما الثانى فسمع بها فقط ولكنه انتفع بها أكثر من الأول , فكان أفضل من الأول , فلم لا تكون الأفضل؟! .. لماذا ترضى أن تكون الأعمى؟! , لم لا تكون أنت المبصر وتطعم العمي؟! , لم ترضى الدنية؟! لم تؤثر النوم والكسل؟! .. هذا هو الواقع الآن فى الأمة , فشبابها اليوم يفضلون العمى , يريدون أن يناموا وغيرهم يعملوا لهم ينتظرون من يحمل عنهم همومهم , ويحلوا لهم مشاكلهم. نعم - إخوتاه -: كثير منا يطالب دائما بحقوقه ولا يلتفت إلى واجباته .. فقبل أن تطالب بحقك أد ما عليك من واجب , ولاشك أن أول الواجبات علينا أنفسنا .. وللأسف الشديد تجلس مع بعض الإخوة فتجد أحدهم يقول: أنا خائف على الأخ فلان , لأنه ظل أياما لم يصل الفجر .. أقول له: خف أنت على نفسك. نعم: لا مانع من أن نخاف على إخواننا , ولكن لا ينبغى أن ننشغل بعيوبهم , قال رسول الله ﷺ : " يرى أحدكم القذاة فى عين أخيه , ولا يرى الجذع فى عين نفسه ". [موقوف على أبى هريرة] فإذا كنت يا هذا صادقا فى كلمتك

стр. 111

" أخاف على فلان " فاذهب اليه سرا , وابحث عنه لعله متورط فى مشكلة , لعل له عذرا , اذهب إليه وساعده على القيام للصلاة , وإلا فاكفه شرك , ولا تعن الشيطان عليه , وانشغل بنفسك فهذا أولى بك. الزم نفسك والزمها طاعة الله .. احمل هم نفسك , فهذا أصل من الاصول المهمة .. وليسعك بيتك .. انشغل بإصلاح قلبك , وأمر صلاتك , وذكرك لله , وحفظك للقرآن , وتعلمك للعلم , ودعوتك الى الله , وتربية أولادك وأهل بيتك على الكتاب والسنة .. وليسعك بيتك. * * *

стр. 112

الأصل الثامن: الصادق حبيب الله أريد أن أسألك سؤالا , وأجبنى بصراحة: بالله عليك , هل تريد أن تدخل الجنة أم تود أن يكون معك اليوم مليونا من الجنيهات؟!: لا تجب الان لأنك ستكذب , ربما تقول: الاثنين , نجمع بين الخيرين .. أعطنى المليون وأدخلنى الجنة أيضا , أقول: لا .. لا يكون , فالقضية إما دنيا وإما آخرة قال رسول الله ﷺ " إن الاخرة قد تولت مقبلة , وإن الدنيا قد تولت مدبرة , ولكل منهما بنون , فكونوا أبناء الاخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا ". من انشغل بدنياه أضر بآخرته ومن انشغل بآخرته أضر بدنياه ولابد. شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين فى الحديث قال " لازمت الحديث فأفلست , ولزم أخى فلان دكانه فأنجح وأفلح " قال " فلان " ظل يتاجر حتى أصبح صاحب ملايين , أما أنا فطلبت العلم وليس عندى الآن أى شىء ..

стр. 113

ولذلك قال الامام الشافعى " لا يصلح لطلب هذا العلم الا رجل ضربه الفقر. قالوا: ولا الغنى المكفّى؟ قال: لا .. يعنى: حتى من كان عنده مال يكفيه لا يصلح لطلب العلم .. ولأجل ذلك أقول بدون مبالغة: كلكم غير صالحين لطلب العلم , لأننا - يا شباب - أصحاب دنيا. فلنكن صادقين وواضحين وصرحاء .. فلو كنا نطلب الله لرضينا بالكفاف. بقى بن مخلد .. ذلكم العالم تلميذ الامام أحمد , لما اشتكى إليه الطلبة الفقر , قال: والله لقد جاء علىّ يوم بعت فيه سروالى لاشترى الكاغد - الورق - , وقال: ولقد كانت تمضى علىيام لا أذوق فيها طعاما , فانتقل بين المزابل آكل ورق الكرنب الذى يلقيه الناس .. نعم: هذا هو طالب العلم .. وهذه هى الاخرة .. وهؤلاء هم الصادقون. قال رسول الله ﷺ " طوبى لمن هدى الاسلام , ورزق كفافا , وقنعه الله بما آتاه" [صححه الألبانى] وقال ﷺ " اللهم اجعل طعام آل محمد قوتا " [البخارى] وكان ﷺ لا يدخر لغد. أخوتاه , ما المقصود بالصدق؟ .. لأن الناس اليوم قد صغروا قضية الصدق جدا , فعندما يأتى أحد ليتكلم فى الصدق تنصرف الاذهان الى قول الحق وصدق اللسان فقط , والصدق معنى لأكبر من ذلك بكثير ..

стр. 114

نعم: فنحن فى زمن تصغير الكبير .. تصغير الكبائر والقضايا الكبيرة وتكبير الاصاغر والمسائل الصغيرة .. والصدق أكبر مما تظنون. الصدق - إخوتاه - هو الاسلام , قال " والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " (الزمر: ٣٣) , وقال ربنا " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا " (البقرة: ١٧٧). فبعد أن ذكر الله أركان الايمان أركان الاسلام , قال: " أولئك الذين صدقوا " .. إذا فالصدق هو الدين كله .. والتقوى أيضا تشمل الدين كله , فكل طاعة تقوى. لكن أعز أنواع الصدق: صدق العزم , قال - تعالى - " طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم " (محمد: ٢١) .. هذه الاية مبهرة .. اقرأها ثانية .. هل فهمتها؟ .. أسألك: لديك رغبة فى دخول الجنة؟ .. لديك استعداد لقيام الليلة من أولها لاخرها , وتصبح صائما , وتتصدق بنصف ما تملك من مال؟ , تقول: نعم , ان شاء الله .. وهذا ما يقوله الله فى الاية .. " طاعة وقول معروف " .. فترى هذا الشخص يسمع الكلام فيتكلم كلاما جميلا , فإذا عزم الامر .... أتدرى ما معنى هذه النقاط؟! , أى إذا عزم الامر لم تجد أحدا , " فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ".

стр. 115

يقول ربك: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة " (النور: ٥٣). عندى كراسة اسمها " آيات فاضحة " .. أجمع فيها الايات التى تفضح البواطن وتظهر الحقائق وتجلو الخفايا السيئة والرديئة , ايات تحس حين تقرؤها أنها تتكلم عنك أنت وتوجه أصابع الاتهام إليك وهذه الاية منها , اية فاضحة فعلا , فوقت الكلام تجدهم , لكن وقت الجد والتنفيذ ما تجد أحدا على الاطلاق - اللهم استرنا ولا تفضحنا , اللهم عافنا ولا تبتلنا , اللهم تب علينا يا رب العالمين , اللهم إنا نسألك أن ترزقنا الصدق والاخلاص , اللهم ارزقنا صدق العزم معك يا الله .. آمين. إخوتاه , اصدقوا فى عزمكم مع الله , وكونوا على استعداد للوفاء بهذا العزم , فإن النفس قد تسخو بالعزم فى الحال , إذ لا مشقة فى الوعد والعزم , فإذا حقت الحقائق , وهاجت الشهوات , انحلت العزيمة ولم يتحقق الوفاء بالعزم. قال " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " (الاحزاب: ٢٣) عن أنس بن مالك رضى الله عنه: " عمى أنس بن النضر - سميت به - لم يشهد بدرا مع رسول الله ﷺ فكبر عليه - فقال: أول مشهد قد شهده

стр. 116

رسول الله ﷺ غبت عنه!! , أما والله , لئن أرانى الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع , قال: فهاب أن يقول غيرها , فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد من العام المقبل , فاستقبل سعد بن معاذ , فقال: يا أبا عمرو , إلى أين؟ - تنبيها على خطئه فى الانهزام والفرار - , ثم قال أنس: واها لريح الجنة!! أجدها دون أحد. فقاتل حتى قتل , فوجد فى جسده بضع وثمانون , من بين ضربة وطعنة ورمية. قالت عمتى الربيع بنت النضر: فما عرفت أخى الا ببنانه. ونزلت هذه الاية: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ... (الاحزاب: ٢٣) [متفق عليه] .. لله دره من صادق ربانى!! .. يجد حلاوة العمل قبل الشروع فيه , يجد ريح الجنة قبل أن يقاتل! .. وما ذاك الا لصدقه فى الوفاء بالعزم. أيها الاخوة الاحباب , من الشواهد القوية على الصدق فى قصة أصحاب الاخدود: أن الولد حينما تعلم من الراهب التوحيد وتعلم من الساحر الكفر , كان فى داخل قلبه إرادة صادقة فى معرفة الحق لديه ميول فطرية للراهب لكنه يريد ان يككون لديه يقين ان ما هو عليه هو الصواب .. قال: حين رأى دابة تقطع طريق الناس اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل الدابة ودع الناس يمشون .. فلما كان صادقا فى طلب الحق أراه الله آية .. وهذه نقطة مهمة جدا , أنه صدق فعرفه الله الحق فعرفه وسار عليه وثبت , فشق شيخه أمامه نصفين وشق صديقه أمامه نصفين ,

стр. 117

وصعد به الى الجبل وأدخل الى البحر وهو فى منتهى الثبات. وعلامة الصدق أنه دل الملك كيف يقتله!! قال الغلام للملك: لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به , خذ سهما من كنانتى وضعه فى كبد قوسك ثم قل: بسم الله رب الغلام , حينذاك تقتلنى .. إذا فالغلام هو الذى دل الملك كيف يقتله .. ولم ضحى بنفسه فى سبيل القتل؟! , حتى يسمع الناس كلمة: بسم الله .. حتى يعرف الناس أن لهم معبودا اسمه الله .. هذا هو الصدق. شاهد ثان فى الصدق من نفس القصة .. الراهب لما جاءه الغلام وقال له: كانت دابة تعترض طريق الناس فرميتها فقتلتها , قال له الراهب: أى بنى , أنت اليوم أفضل منى .. صدق .. فلم يخف تلك الافضلية. حتى الساحر كان صادقا مع نفسه .. تعلمون أن الساحر كذاب كبير , ولكنه كان صادقا مع نفسه , حيث قال للملك: إنى كبرت , فأبلغنى غلاما أعلمه السحر يكن لك من بعدى .. الساحر يقول: أنا سأموت .. لم يداهن نفسه - وإن كان يداهن الناس. إذا فالغلام صدق فعرف , والراهب صدق فلم يخف , والساحر صدق فلم يداهن نفسه. وإن كنت تعجب من قولنا: صدق الساحر مع نفسه , فالعجب أكثر لمن لم يصلوا حتى إلى تلك الدرجة " الصدق مع النفس " .. هؤلاء الذين يداهنون حتى على الواقع .. إن بعضنا - وللاسف الشديد - يكذب الكذبة فتكبر فيصدقها .. يلتزم بالكذب فتكبر الكذبة , وينسى أنه هو

стр. 118

الذى كذبها فى الاصل , فيعيش كذبة " شيخ " أو " ملتزم " .. تماما كالذى فى يده بعرة يتأفف منها , ولكن الناس ظنوها تمرة , فقالوا: تمرة .. تمرة لذيذة فى يده .. فأكلها!!! .. نعم: أكلها لمهانة نفسه. قال محمد بن كعب: إنما يكذب الكاذب من مهانة نفسه عليه. قال بعضهم: لا يشم رائحة الصدق داهن نفسه أو غيره. أيضا من القصص الطريفة , أنه كان هناك رجل أمى لا يعرف القراءة ولا الكتابة ومعه خطاب , فكان يمشى فى الشارع فأعطى الخطاب لرجل يقرؤه له , لكن هذا الرجل كان ضعيف النظر , فحاول أن يقرأ فلم يستطع , فأخرج نظارته وقرأه له وقعد يفهمه الموضوع .. فقال الامى فى نفسه متعجبا: النظارة فعلت كل هذا!! .. وقال للرجل: ما هذه النظارة العجيبة؟! قال له: هذه نظارة قراءة , فذهب واشترى نظارة قراءة ولبسها وأخذ ينظر بها ولا يستطيع القراءة!! .. ونسى أن القضية ليست فى النظارة .. القضية فى الدماغ التى وراء النظارة .. فهمت ما أقصد؟!. فبعض الناس يعتقد أنه طالما أطال لحيته , وقرأ كتابين , واستمع لبعض الشرائط , وحضر بعض الدروس قد أصبح " الامام " .. لا يا بنىّ , القضية فى القلب الذى وراء النظارة .. فى القلب الذى وراء المظهر .. نعم - إخوتاه -: لابد أن يوافق المظهر المخبر , والا كنا كذابين غشاشين مخادعين لأنفسنا قبل الناس. قال عبد الواحد بن زيد: كان الحسن البصرى إذا أمر بشىء كان من أعمل الناس به , وإذا نهى عن شىء كان من أترك الناس له , ولم أر أحدا قط أشبه سريرة بعلانية منه.

стр. 119

وكان أبو عبدالرحمن الزاهد يقول: إلهى , عاملت الناس فيما بينى وبينهم بالأمانة , وعاملتك فيما بينى وبينك بالخيانة , ويبكى. وقال أبو يعقوب النهرجورى: الصدق موافقة الحق فى السر والعلانية. إخوتاه , اصدقوا فى أعمالكم مع الله , " فمخالفة الظاهر للباطن عن قصد هى الرياء , وإن كانت عن غير قصد يفوت بها الصدق , فقد يمشى الرجل على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفا بذلك الوقار , فهذا غير صادق فى عمله , وإن لم يكن مرائيا ". سؤال: هل تحب أن ينصر الله الاسلام؟ .. أرأيت أن أمة محمد ﷺ كل أمة محمد ﷺ مثلك .. لو أن الامة كلها الصغار والكبار مثلك بالضبط .. بذنوبك وعيوبك وإيمانك وأعمالك .. تنصر الامة؟! .. الامة تنصر بالخلص .. اللهم اجعلنا من المخلصين. هل تصلح أنت للنصر؟! .. لايمكن , وإلا فلو قلت: نعم , فأنت مغرور جدا .. إذا أقول لك: إن قولك: إنك تحب أن ينصر الله الإسلام كذب .. أول نصر الدين أن تصلح نفسك .. من هنا البداية. ولذا , فحينما أقول لك: هل تصلح أن تكون مجددا للاسلام؟ , فلا تقل: الله المستعان وتنصرف .. لا .. فكلمة " الله المستعان " هذه تحتاج إلى شغل , تحتاج إلى علم وعبادة , تحتاج إلى صلة بالله , تحتاج إلى جهد ليل نهار .. فإن كنت صادقا مع الله فتعال إلى هنا واحفر لنفسك خندقا .. احفر بنفسك .. احفر واتعب , فامر الدين يحتاج إلى شغل وسهر وجهاد , فاصدق ولا تكن كذابا.

стр. 120

الامام النووى لما جاءه الموت قالوا له: لم لم تتزوج؟ , قال: لو تذكرت لفعلت .. نسيت .. والامام ابن تيميّة أيضا مات ولم يتزوج .. أيضا نسى .. سبحان الله العظيم! نسوا الزواج , تلكم القضية التى تكاد تطيش بعقول الشباب اليوم .. والملتزم منهم على الخصوص. نعم: فمن يوم أن يلتزم الشاب لا تجد شيئا فى رأسه يفكر فيه ليل نهار إلا الزواج , فصارالزواج شغله الشاغل وهمه الدائم , ولذلك أصبح الزواج عقبة .. فتراه ّا رأى منتقبة قال: أتزوج هذه .. لالا , بل هذه .. وهكذا .. ليس هؤلاء المؤمل لهم أن يكونوا رجالا .. فهل هؤلاء هم الذين سيحملون الدين؟! .. هل هؤلاء هم الذين سينصر الله بهم الدين؟!! , وأين الرجال؟!!! , بل أين أنصاف الرجال؟! , بل أين أين أشباه الرجال؟!! .. يا حسرة على الرجال!! إخوتاه , إن الله ينصر الدين برجال قضيتهم الدين .. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. رجال لا يعرفون إلا الله .. رجال يحبون الله ويحبهم .. رجال صادقون فعلا. إخوتاه , اصدقوا الله فى استقامتكم .. استقيموا بصدق ولا تلتفتوا إلى غير الله. قال الشاعر: أردناكم صرفا فلمّا مزجتم ... بعدتم بمقدار التفاتكم عنّّا وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا ... فأسكنتم الأغيار , ما أنتم منّا

стр. 121

قال جعفر الصادق: الصدق هو المجاهدة , وأن لا تختار على الله غيره , كما لم يختر عليك غيرك , قال - تعالى - " هو اجتباكم " (الحج: ٧٨). والصدق - إخوتاه - مفتاح الصّدّيقية , وأعلى مراتب الصدق: كما جاء فى الحديث: " وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا " [متفق عليه]. فالصدق مفتاح الصديقية , ومبدؤها وهى غايته , فلا ينال درجتها كاذب ألبتة , لا فى قوله , ولا فى عمله , ولا فى حاله .. قال الله - تعالى - عن أبى بكر رضى الله عنه: " والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " (الزمر: ٣٣). قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: والذى نفسى بيده , إن الله سمى أبا بكر فى السماء صديقا. فالذى جاء بالصدق: من هو شأنه الصدق فى قوله وعمله وحاله. فالصدق: فى هذه الثلاثة. فالصدق فى الاقوال: استواء اللسان على الاقوال , كاستواء السنبلة على ساقها. والصدق فى الاعمال: استواء الافعال على الامر والمتابعة , كاستواء الرأس على الجسد. والصدق فى الاحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الاخلاص , واستفراغ الوسع , وبذل الطاقة , فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق.

стр. 122

وبحسب كمال هذه الامور فيه وقيامها به , تكون صديقيته , ولذلك كان لأبى بكر الصديق رضى الله عنه ذروة سنام الصديقية , سمى: " الصديق " على الاطلاق , و" الصّدّيق " أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق. فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصّدّيقية , وهى كمال الانقياد للرسول ﷺ , مع كمال الإخلاص للمرسل. قال ابن القيم: " قال شيخنا: والصّديق أكمل من المحدّث , لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف , فإنه قد سلم قلبه وسره وظاهره وباطنه للرسول ﷺ , فاستغنى به عما منه. قال: وكان هذا المحدّث يعرض ما يحدّث به على ما جاء به الرسول ﷺ , فإن وافقه قبله , وإلا ردّه , فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث ". والفهم عن الله ورسوله ﷺ عنوان الصديقية , ومنشور الولاية النبوية , وفيه تفاوت مراتب العلماء , حتى عدّ ألف بواحد. أخى فى الله , حبيبى فى الله , الصادق جبيب الله , فهل تريد الله أم تريد الدنيا؟ .. هل تريد الجنة أم تريد شهواتك؟ .. تريد الرّفعة فى الدنيا أم تريد المنزلة العليا فى الجنة؟ .. هذه قضية تحتاج منك أن تكون صادقا فيها .. فاصدق الله , فقد قال رسول الله ﷺ : " اصدق الله يصدقك " [صححه الألبانى].

стр. 123

قال أبو سليمان: اجعل الصدق مطيتك , والحق سيفك , والله - تعالى - غاية طلبتك. وقال ذو النون المصرى: الصدق سيف الله فى أرضه ما وضع على شىء إلا قطعه. وقيل: من طلب الله بالصدق , أعطاه الله مرآة يبصر منها الحق والباطل. وقال محمد بن سعيد المروزى: إذا طلبت الله بالصدق , آتاك الله تعالى مرآة بيدك , تبصر كل شىء من عجائب الدنيا والآخرة. وقال أبو سليمان: "من كان الصدق وسيلته , كان الرضا من الله جائزته " .. فاصدق الله - أخىّ - فالصادق حبيب الله.

стр. 124

الأصل التاسع: دوما فى المعاملة السحب من الرصيد فى المعاملة مع الله ﷻ دائما السحب من الرصيد. قال الله - تعالى - " فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون " (سورة المائدة: ٤٩). وأنت سائر فى طريقك إلى الله تفاجأ بأنك قد تعثرت عليك طاعة لست قادرا على قيام الليل مثلا ونسأل ما السبب؟!. قال سفيان: اغتبت إنسانا فحرمت قيام الليل شهرا .. وقال بعضهم: أصبت ذنبا فأنا منذ أربع سنين إلى ورا .. أرع سنين فى النازل بسبب ذنب .. قال الله " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " (آل عمران: ١٥٥). وقال رسول الله ﷺ : "احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك .. تعرف الى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .. هذا هو معنى كلمة " السحب من الرصيد ".

стр. 125

فلابد أن يكون لك عند الله رصيد سابق من الخيرات يثمر خيرات جديدة يقبلك الله بكلتيهما ويكونان رصيدا لك فى المستقبل. وهكذا .. " والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم " (محمد: ١٧) , فكلما ازدادوا هدى آتاهم تقوى , وكلما ازدادوا تقوى زادهم هدى. إن التعامل مع ربنا الكريم عظيم , وكلما كان رصيدك عنده أعلى كان رزقك منه فى الخيرات أوفر. انظر الى الثلاثة الذين نزلت عليهم الصخرة فى الغار لما كانوا فى الاصل وأول الامر مخلصين ,بدليل أنهم توسلوا بأعمال كانوا فيها مخلصين , وفقهم الله للتوسل بها .. يعنى: كى يوفقك الله فلابد أن يكون لديك عمل , قال " وهو وليهم بما كانوا يعملون " (الانعام: ١٢٧). فالولاية تحتاج للعمل إذا فحينما تأتى لتبدأ فى التعامل مع الله فأنت تسحب من رصيدك السابق من أعمال عنده , فتستجلب بها الزيادة والجديد. والبداية - لاشك - تحتاج إلى معاناة , لذا يقول العلماء " من كانت له بداية محرقة , كانت له نهاية مشرقة " .. أن تكون الانطلاقة الاولى قوية ومؤثرة وصحيحة .. قال أحد السلف: عالجت قيام الليل عشرين سنة ثم تمتعت به عشرين سنة .. وقال آخر: حرست قلبى عشرين سنة فحرسنى عشرين سنة .. نعم: لابد دائما أن يكون السحب من الرصيد. كنت مرة فى سفر لبلد غربى فرأيت فى المسجد شابا قد امتلأ وجهه بنور الايمان , فتعجبت من أن أجد فى هذا الجو وجها يذكّر بالله , فقلت

стр. 126

له: من أنت وما الذى جاء بك إلى هنا؟ , قال لى: منذ شهر وأنا ماكث فى المسجد لا أخرج .. لماذا؟! .. قال: لأننى عندما سافرت إلى هذا البلد انبهرت , وطبعا كنت اعيش فى بلدى فى الكبت , فلما جئت إلى هنا وجدت الانفتاح , ولا أحد يقول لى: أين تذهب أو من أين أتيت؟ , فالحياة مفتوحة , فشرب للخمر وزنا وسرقة وكل شىء. يقول: حتى مرضت مرضا شديدا جدا .. كنت أظل أسعل حتى أسقط من على السرير وأنا فى الشقة وحدى .. وفى لحظة سعلت فوقعت فحاولت أن أقوم فلم أستطع .. فقلت: يا رب يا رب يا رب وبكيت .. ثم أفقت وقلت: يا رب!! لكن بأى وجه أنادى ربى؟!! .. فأنا لا أصلى ولا أصوم ولا أعرف ربنا .. أقول يا رب بماذا؟! .. قال: وساعة أن وقعت فى ذهنى هذه الكلمة , ارتعشت وخرجت أجرى بسرعة أبحث عن مسجد , فوجدت هذا المسجد فدخلت فيه ولم أخرج حتى الآن!! فالذى أعجبنى - يا شباب - من هذا الموقف هو كلمة هذا الشاب: أقول: يا رب , لكن يا رب بم؟! " .. ماذا لدىّ عند الله كى أدعوه؟! .. وهذا هو معنى: " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .. هذا هو معنى الكلمة التى أقولها لكم دائما: " إياك أن تبيعه فيبيعك ". وهو أيضا معنى حديث النبى ﷺ : " وأما الثالث فأعرض , فأعرض الله عنه " [أخرجه مسلم] ومعنى قول الله : " نسوا الله فنسيهم " (التوبة: ٦٧). فماذا قدمت وما رصيدك لكى تطلب؟! , وهل تريد من الله وأنت لست

стр. 127

على ما يريد؟!! .. قال ابن القيم - عليه رحمة الله -: " كن لله كما يريد , يكن لك فوق ما تريد " .. فلذلك دوما فى المعاملة السحب من الرصيد. عن الشعبى: أن قوما من المهاجرين خرجوا متطوعين فى سبيل الله , فنفق حمار رجل منهم , فأرادوه على أن ينطلق معهم فأبى , وانطلق أصحابه مرتحلين وتركوه , فقام فتوضأ وصلى , ثم رفع يديه فقال: اللهم إنى خرجت من الدفينة (مكان بين مكة والبصرة) مجاهدا فى سبيلك وابتغاء مرضاتك , وأشهد أنك تحيى الموتى وتبعث من فى القبور. اللهم فأحى لى حمارى. ثم قام إلى الحمار فضربه , فقام الحمار ينفض أذنيه , فأسرجه وألجمه ثم ركبه , فأجراه حتى لحق بأصحابه , فقالوا له: ما شأنك؟ , قال: شأنى أن الله بعث لى حمارى .. نعم: هذا هو الرصيد الذى سحب منه , ولذلك استجيب دعاؤه. وهذا معنى التوسل بالعمل الصالح , " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان ان آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا " (آل عمران: ١٩٣) .. انظر إلى فاء الترتيب فى قوله - تعالى -: " ربنا فاغفر " أى نتوسل لك بسرعة استجابتنا لمناديك أن تستجيب دعاءنا. وانظر إلى البراء بن مالك الذى لقى المشركين وقد أوجعوا فى المسلمين , فقالوا له: يا براء , إن رسول الله قال: " إنك لو أقسمت على الله أبرك " فاقسم على ربك , فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم , وألحقتنى بنبيك , فمنحوا أكتافهم , وقتل البراء شهيدا .. نعم: مجاب الدعوة .. يسال ربه النصر للمسلمين , ولنفسه الشهادة , فيجاب

стр. 128

وينالها .. سبحان الله العظيم يقسم على الله فيجيب فى التو واللحظة .. نعم - إخوتاه -: لأن له فى الاصل رصيدا يسحب منه. والواعظ البر عمر بن ذر , قال عنه كثير بن محمد: سمعت عمر بن ذر يقول: اللهم إنا أطعناك فى أحب الاشياء إليك أن تطاع فيه: الايمان بك والاقرار بك , ولم نعصك فى أبغض الاشياء أن تعصى فيه: الكفر والجحد بك. اللهم فاغفر لنا بينهما , وأنت قلت: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت " (النحل: ٣٨) , ونحن نقسم بالله جهد أيماننا لتبعثنّ من يموت , أفتراك تجمع بين أهل القسمين فى دار واحدة؟. نعم: قدم الطاعة والايمان وابتعد عما يغضب الرحمن , فحرى أن يستجاب له. وعامر بن عبد قيس الذى كان يسأل ربه أن ينزع شهوة النساء من قلبه , فكان لا يبالى أذكرا لقى أم أنثى .. استجاب الله دعاءه , لأن له عند الله رصيدا كبيرا من الصالحات .. فما رصيدك أنت لكى تطلب؟! حبيبى فى الله , أدلك على ما يزيد فى رصيدك من الحسنات؟ .. القرآن .. القرآن معين لا ينضب .. هو أفضل الذكر وأحسن الطاعات , فعض عليه يساعدك فى القيام بالصالحات. أخى فى الله , قدم صالحا تجد صالحا .. املأ رصيدك لتسحب منه عند الحاجة , فدوما فى المعاملة مع الله السحب من الرصيد. * * *

стр. 129

الأصل العاشر: القرآن قائد وسائق وحاد قال الله " ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا " (الفرقان: ٥١ - ٥٢) .. وجاهدهم بماذا؟ , بالقرآن .. كأن الله ﷻ يشير فى هذه الاية إلى أن هذا القرآن بديل من إرسال الرسل , فقد كفل الله به مهمة جميع الرسل , بأن يصنع القرآن رجالا كالرسل. يقول ربى - وأحق القول قول ربى - " وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه " (العنكبوت: ٥٠) فقال الله " أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم " (العنكبوت: ٥١) .. فهم يطلبون آية فعرفهم أعظم آية .. هى القرآن. وقال رسول الله ﷺ " ما من نبى قبلى الا وأوتى ما على مثله آمن البشر , وكان الذى أوتيته كتابا يتلى , وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". [متفق عليه] وفى سورة البقرة يقول الله " أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة

стр. 130

عام ثم بعثه " (البقرة: ٢٥٩) الرجل يقول: هل يعقل أن يحيى الله هذه .. كيف "! , فأراه الله الآية فى نفسه أماته الله وأحياه .. قال له: أرأيت؟ قال: ما رأيت شيئا .. قال له الله: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم .. لا .. " فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك " .. أراه الآية بعينيه " وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما (البقرة: ٢٥٩) .. الحمار قدّامه .. هيكل عظمى على الارض , بدأ العظم يقف ويتركب بعضه فى بعض , وبعد العظم الغضاريف وبعدها كسى اللحم ثم نفخ فى الحمار الروح ونهق .. نظرت بأم عينيك؟! .. " قال أعلم أن الله على كل شىء قدير " (البقرة: ٢٥٩). وبعد هذه القصة مباشرة: " وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى " (البقرة: ٢٦٠) .. نفس السؤال .. لكنّ الله لم يره الآية فى نفسه , بل قال " فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثم اجعل على كل جبل منهنّ جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا " (البقرة: ٢٦٠) .. فالأول أراه الله الآية فى نفسه , وسيدنا إبراهيم أراه الله الآية فى الطير .. فى الكون. ونفس السؤال وجّهه العاص بن وائل السهمى , وأبى بن خلف إلى النبى محمد ﷺ , قال الله " وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحى العظام وهى رميم " (يس: ٧٨) فأجاب الله عليه بقرآن: " قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذى جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أو ليس الذى خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم " (يس: ٧٩ - ٨١).

стр. 131

إذا فالأول أراه الله الآية فى نفسه .. فى حماره وطعامه , وسيدنا أبراهيم ﵇ أراه الله الآية فى الطير , أما فى أمة محمد ﷺ فالآية فى القرآن , هذه هى القضية .. قضية كلية .. أن ديننا كله مرده إلى القرآن والسنة .. القرآن هو الاصل والسنة متمّمة ومكملة ومفسرة .. ولذلك لابد أن تتذكروا دوما: " كل ما شغلك عن القرآن فهو شؤم عليك ". بعض الناس طيلة الوقت يستمع إلى الشرائط , ويحضر للمشايخ , ويقرأ فى كتب العلم وهو هاجر للقرآن .. كل هذا لن ينفعك .. القرآن هو الذى يصنعك .. القرآن يربيك .. القرآن ينفعك .. فعليك بالقرآن حفظا وتلاوة وتدبرا وتفسيرا ومذاكرة .. تفهم معنى كلمة مذاكرة؟! القرآن فيه علم العقيدة والفقه والسيرة والتفسير والتاريخ واللغة والبلاغة والرقائق .. كل شىء .. القرآن كلام الله .. كتاب مبارك يربيك على العلم والعمل والدعوة .. القرآن هو طريقك لأن تكون رجلا .. نعم: القرآن هو الذى يصنع الرجال , وسيظل يصنعهم إلى أن يرث الله الارض ومن عليها. نعم - إخوتاه -: القرآن مصنع الرجال .. القرآن يفرّخ الابطال .. فى حظيرة العبودية .. وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته .. فهل أنت من أهل الله؟ .. هل أنت من أهل القرآن؟! .. هل وهبت كل حياتك للقرآن؟ , وهل وضعته على قمة أولوياتك؟ .. هل فكرت مرة أن تذاكره كما تذاكر الكتاب المدرسى بجد واجتهاد؟!. أخى فى الله , إذا كنت بعيدا عن القرآن فاعلم أنك محروم كل

стр. 132

الحرمان , ولو ذقت لما ابتعدت .. تعال إلى الله واعكف على القرآن لتصنع , وإلا فما أبعد الدواء عن تلك الأدواء. قال - تعالى - " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا " (الرعد: ٣١) كان المشركون يطلبون من رسول الله ﷺ آيات حسية: تسيير الجبال أو تقطيع الأرض أو تكليم الموتى , فأنزل الله هذا القرآن ليس من شأنه ذلك بل أعظم من ذلك وهو صياغة النفوس , وصناعة القلوب , وإيجاد الإنسان الذى يرضاه الله له عبدا. لقد تربى الصحابة - رضوان الله عليهم - أفضل جيل عرفه التاريخ على يد أعظم مرب عرفته البشرية .. تربوا بالقرآن , فكان منهم ما تسمع وتقرأ .. إيمان وثبات تزول دونه الجبال .. وهاك مثالا واحدا منهم: عبّاد بن بشر .. صديق القرآن .. يقول الكتور عبدالرحمن رأفت باشا - رحمه الله تعالى -: " إن نشدته بين العبّاد وجدته التقى النقى قوّام الليل بأجزاء القرآن , وإن طلبته بين الأبطال ألفيته الكمى الحمى خوّاض المعارك لإعلاء كلمة الله , وإن بحثت عنه بين الولاة رأيته القوى المؤتمن على أموال المسلمين. وقد استمع عبّاد بن بشر إلى مصعب بن عمير حين أتى المدينة وهو يرتل القرآن بصوته الفضى الدافىء ونبرته الشّجية الآسرة , فشغف ابن بشر بكلام الله حبّا , وأفسح له فى سويداء قلبه مكانا رحبا , وجعله شغله

стр. 133

الشاغل , فكان يردده فى ليله ونهاره وحله وترحاله حتى عرف بين الصحابة بالإمام وصديق القرآن ". ومن الأئمة الذين رباهم القرآن , الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل , المعروف بابن النابلسى: قال عنه أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد - الفاطميون - وصلبوه على السّنّة , سمعت الدارقطنى يذكره ويبكى , ويقول , كان يقول وهو يسلخ: " كان ذلك فى الكتاب مسطورا " (الإسراء: ٥٨) " قال أبو الفرج ابن الفرج: أقام جوهر - القائد - لأبى تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسى فقال له: بلغنى أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم , وجب أن يرمى فى الروم سهما وفينا تسعة .. قال: ما قلت هذا , بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة , وأن يرمى العاشر فيكم أيضا , فإنكم غيرتم الملة وقتلتم الصالحين , وادعيتم نور الألوهية .. فشهره ثم ضربه ثم أمر يهوديا فسلخه. قال معمر بن أحمد بن زياد الصوفى: أخبرنى الثقة أن أبا بكر سلخ من مفرق رأسه , حتى بلغ الوجه , وكان يذكر الله ويصبر حتى بلغ الصدر , فرحمه السلاخ , فوكزه بالسكين موضع قلبه فقضى عليه , وأخبرنى الثقة: أنه كان إماما فى الحديث والفقه , صائم الدهر , كبير الصّولة عند العامة والخاصة , ولما سلخ كان يسمع من جسده قراءة القرآن ".

стр. 134

نعم: لما أطعم القرآن لحمه , وأسقاه دمه .. لما اختلط القرآن بلحمه ودمه فجرى فى عروقه ونبض به حسه , نطق جسده الطاهر بالقرآن .. اللهم اجعلنا من أهل القرآن , اللهم لا تحرمنا نعيم القرآن وطعم القرآن ولذة القرآن وحلاوة القرآن .. يا كريم يا رحمن .. يا كريم يا منّان. اللهم يا ربنا اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا , ونور أبصارنا , وجلاء أحزاننا وهمومنا وغمومنا , اللهم اجعله حجة لنا لا علينا , اللهم اجعله لنا فى الدنيا إماما , وفى القبر مؤنسا , ويوم القيامة شفيعا , وعلى الصراط نورا , ومن النار سترا وحجابا .. اللهم يا ربنا ربّنا بالقرآن وللقرآن وعلى القرآن .. اللهم لا تحرمنا نعمة القرآن .. آمين. نعم - والله: القران نعمة. وتأمل مذا يقول من ذاق نعمة القرآن .. إنه رجل ربّاه القرآن وسرى بألفاظه ومعانيه فى دمه: " الحياة فى ظلال القرآن نعمة , نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها , نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه , والحمد لله لقد منّ علىّ بالحياة فى ظلال القرآن فترة من الزمان , ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط فى حياتى .. عشت أتملّى فى ظلال القرآن ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود , لغاية الوجود كله وغاية الوجود الانسانى .. وعشت فى ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله وحركة هذا الكون الذى أبدعه الله .. وعشت فى ظلال القرآن أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود , أكبر فى حقيقته وأكبر فى تعدّد جوانبه , إنه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده , وإنه الدنيا والآخرة لا هذه

стр. 135

الدنيا وحدها .. عشت فى ظلال القرآن أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للانسان ومن بعد , إنه أنسان بنفخة من أمر الله .. وهو بهذه النفخة مستخلف فى الارض .. وفى ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان فى هذا الوجود للمصادفة العمياء ولا للفلتة العارضة , " إنا كل شىء خلقناه بقدر " (القمر: ٤٩). ومن ثم عشت - فى ظلال القرآن - هادىء النفس , مطمئن السريرة , قرير الضمير .. عشت أرى قضاء الله وقدره , أمره ومشيئته فى كل حادث , وفى كل أمر. عشت فى كنف الله وفى رعايته , عشت استشعر إيجابية صفاته - تعالى - وفاعليتها .. " أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء " (النمل: ٦٢) .. " وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير " (الانعام: ١٨) .. " والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون " (يوسف: ٢١) .. " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " (الانفال: ٢٤) .. " فعال لما يريد " (البروج: ١٦) " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " (الطلاق: ٢) .. " ما من دابّة إلا هو آخذ بناصيتها " (هود: ٥٦) .. " أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه " (الزمر: ٣٦) .. " ومن يهن الله فما له من مكرم " (الحج: ١٨) .. " ومن يضلل الله فما له من هاد " (الزمر: ٢٣). ذلك ما أحسّه وهو يقرأ القرآن ويعيش معه , فما النتيجة والحصيلة من هذه المعايشة الطويلة؟ .. يقول ﵀: " وانتهيت من فترة الحياة فى

стр. 136

ظلال القرآن إلى يقين جازم حاسم: أنه لا صلاح لهذه الارض , ولا راحة لهذه البشرية , ولا طمأنينة لهذا الانسان , ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع ألى الله , والرجوع إلى الله - كما يتجلى فى ظلال القرآن - له صورة واحدة وطريق واحد , واحد لا سواه , إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذى رسمه للبشرية فى كتابه الكريم , إنه تحكيم هذا الكتاب وحده فى حياتها , والتحاكم إليه وحده فى شئونها , وإلا فهو الفساد فى الارض , والشقاوة للناس والارتكاس فى الحمأة الجاهلية التى تعبد الهوى من دون الله " فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين " (القصص: ٥٠). إن الاحتكام ألى منهج الله فى كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار , وإنما هو الايمان أو فلا ايمان .. والامر إذا جد .. إنه أمر عقيدة من أساسها , ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها .. إن هذه البشرية وهى من صنع الله لا تفتح مغليق فطرتها الا بمفاتيح من صنع الله , ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذى يخرج من عنده - سبحانه - , وقد جعل فى منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل داء " وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين " (الإسراء: ٨٢) .. " إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم " (الإسراء: ٩). لقد تسلّم الإسلام القيادة بهذا القرآن وبالتصور الجديد الذى جاء به من القرآن , وبالشريعة المستمدة من هذا التصور .. فكان ذلك مولدا

стр. 137

جديدا للانسان , أعظم فى حقيقته من المولد الذى كانت به نشأته. لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم , كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاء .. نعم لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال والعظمة والارتفاع والبساطة واليسر والواقعية والايجابية والتوازن والتناسق .. بحيث لا يخطر للبشرية على بال , لولا أن الله أراده لها وحققه فى حياتها .. فى ظلال القرآن , ومنهج القرآن , وشريعة القرآن ". لذلك نصيحتى لكم دائما: ربّوا أولادكم على القرآن , دعوهم للقرآن يربيهم .. ربّوهم وتربوا معهم على مائدة القرآن .. فالقرآن القرآن .. القرآن أصل .. ومن سلك طريق القرآن فقد بلغ مراد الله منه. قال - تعالى - " واعتصموا بحبل الله جميعا " (آل عمران: ١٠٣) قال اعلماء: حبل الله: القرآن .. فاجعل القرآن معك وكن مع القرآن .. لا تنسه أبدا , فإنه القائد والحادى والسائق إلى الله. اللهم اجعلنا وأهلينا وذرياتنا من أهل القرآن أهلك وخاصتك. * * *

стр. 138

الأصل الحادى عشر: لا تلبس ثياب الفراغ أثناء العمل عندنا فى مصر تجد الميكانيكى طوال الاسبوع بملبس العمل المزيت تراه وهو لابس " العفريتة " الزرقاء , ويداه مزيتة ووجهه فيه الشحم , ويوم الاحد لا تعرفه! .. فتراه قد رجل شعره ووضع عليه الفزلين والكريمات , ولبس البدلة ووضع المنديل الاحمر والازرة الالماظ , وارتدى النظارة الشمسية , وخرج فى أحسن صورة , وهو يقول: وقت الشغل شغل , أما آخر الاسبوع فتنزه وفسح وترويح .. هذا الاسطى لو جاء الورشة بهذا اللبس ماذا يقول له صاحب الورشة؟ سيقول له: ارجع , فليس هذا شكل من يريد أن يشتغل!! .. هذا ما اقصده بقول: لا تلبس ثياب الفراغ أثناء العمل .. فبعضنا يريد أن يعيش الجنة فى الدنيا مثل هذا الرجل. إن بعضنا يريد أن يلتزم بالدين وفى نفس الوقت يريد شقة واسعة , ومحمولا وسيارة مكيفة , وعروسا عينها زرقاء وشعرها أصفر وطويلة وعريضة ومطيعة وطالبة علم , وعشرة أولاد صبيان , وبنتا تدلله , وخداما وخدامة .. لا .. الدنيا دار ابتلاء " لقد خلقنا الانسان فى كبد " (البلد: ٤). " الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " (الملك: ٢).

стр. 139

المؤمن فى هذه الدنيا فى شغل .. ومتى الفراغ؟ .. الفراغ فى الجنة .. فحينما تدخل الجنة افعل ما شئت .. الدنيا دار عمل , فلا تلبس ثياب الفراغ أثناء العمل , فلست فى فسحة من أمرك , ولذلك قال رسول الله ﷺ : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". [أخرجه مسلم] الدنيا سجن المؤمن , والسجن له ظروفه .. السجن له ملابسه وأكله وشربه , وله أحكامه ومواعيده , وله ضوابطه .. الدنيا سجن , فلا تحاول فى السجن أن تعيش الجنة. السجن له مواعيده .. مواعيد الفسح .. هناك مواعيد للصلاة لا يصح النوم فيها ولا الشغل أثنائها , هذا هو سجن الدنيا .. لابد أن تقطع هكذا .. لكن الذى يريد أن يعيشها على أنها الجنة , فيأكل على مزاجه ويشرب على مزاجه ويمشى على مزاجه وينام على مزاجه , ويفعل ما يريد وما يشتهى , سيضل الطريق لا محالة. لابد أن تعيش الدنيا كما يريد الله لا كما تريدها أنت .. فأنت الآن فى سجن التكاليف الشرعية .. وإن كنت مكتفا بهذه التكاليف النبيلة , فهناك أناس غيرك مكتفون أيضا بالعادات والتقاليد , لكن ليس لهم أجر ولك أنت أجر .. فلو كنت تمرض فالكفار يمرضون , ولو كنت تتعب فالمنافقون يتعبون .. إذا كنت تؤذى فى سبيل الله , فهناك من يؤذون من أجل مناهج باطلة بل وكفرية .. " إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " (النساء: ١٠٤) أنت ترجو بالذى

стр. 140

تعمله أجرا هم لا يرجونه .. وهذا هو عزاؤك .. ان الله - تعالى - سيعطيك .. فضع نفسك فى سجن التكاليف الشرعية ليكون الخروج على باب الجنة. ولذلك لم يقل الله للمؤمنين بعد غزوة أحد: كفاكم ما حدث واقعدوا فى بيوتكم .. لا .. بل قال " ولا تهنوا فى ابتغاء " .. خلفهم وإياكم أن تتركوهم .. نعم: شغل مستمر , وعمل متواصل , وجهد غير منقطع , ومع ذلك تجد بعض الناس يريد أن يتناول كل الشهوات , وأن يعيش دوما فى عافية .. يا أخى , إن النبى محمد ﷺ أوذى وطرد وشتم بل وتفل فى وجهه الشريف .. اضطهد أعز وأطهر مخلوق على ظهر الارض .. ﷺ .. شتموه ووضعوا التلااب على رأسه .. خنقوه بثوبه ورموا الحجر عليه .. وحفر له حفرة فى غزوة أحد ليقع فيها .. فوقع وجحشت ساقاه .. ودخلت حلقات المغفر فى وجنتيه .. شقوا رأسه وأدموا وجهه وضربوا كتفه .. ورموه بالسهام .. وفى الطائف رموه بالحجارة حتى جرح كل جسده - فداه أبى وأمى ونفسى ﷺ .. وقع من على الفرس فجحش جنبه الشريف .. مرض بالحمى حتى لم يطق حمّاه أحد .. عاش غريبا .. مطاردا من كفار يريدون قتله .. فداه أبى وأمى ونفسى رسول الله. من يوم نودى ﷺ بـ " يا أيها المدثر * قم فأنذر " (المدثر: ١ - ٢) , قام ولم يرقد أو يركد بعدها لحظة .. ذهب زمان النوم يا خديجة.

стр. 141

إخوتاه , إن المتفقه فى سيرة النبى محمد ﷺ لا يجد لحظة استراح فيها , فأيامه كلها جهاد وتعب ومشقة .. وإن العين لتذرف رأفة ورحمة به .. مشى كثيرا وجرى كثيرا .. جاع شهورا وكان يأكل الدّقّل ... (أردأ التمر) وربما لا يجده .. سهر السنين الطويلة .. ونام على الحصير .. ولم يلبس الديباج أو الحرير .. عاش هذه الدنيا فى كد ونصب , ليقيم الحق ويبلغ دعوة ربه , بأبى هو وأمى ونفسى رسول الله ﷺ .. أرسل بالمدثر فقام صابرا محتسبا , فلم يهدأ حتى جاءه نصر الله , ودخل الناس فى دين الله أفواجا. هكذا عاشها رسول الله ﷺ , وتريد أنت أن تعيشها نظيفة حلوة! .. تريد أن تعيشها ممتعا معافى! تريد أن تعيشها فى راحة وأمان! لا يا أخى .. هذه دنيا الأصل فيها المشاكل والأحزان , وإلا لما كان هناك اشتياق للآخرة .. الدنيا - يا أخى - للعمل والتعب والجد والاجتهاد , فلا تلبس ثياب الفراغ أثناء العمل. الدنيا شغل .. شغل للآخرة , فالزم الشغل حتى تمر هذه الدار بسلام .. فإذا أردت زوجة فلتكن ما تكون .. قصيرة أو نحيفة أو .. أو .. المهم أن تكون صاحبة دين و " بنت أصول " .. ولا تتنازل عن هذين الشرطين أبدا .. وارض بها مهما كانت صفاتها , واتخذها بلغة [أى ما تتبلغ به] إلى الجنة .. وفى الجنة سيصنعها الله لك من جديد " إنا أنشأناهنّ إنشاء * فجعلناهنّ أبكارا * عربا أترابا " (الواقعة: ٣٥ - ٣٧) , بل ويزيد لك سبعين حورية من الحور العين .. الزم الشغل ولا تحزن على شىء من الدنيا ولا تفكر

стр. 142

فيها , فإن جاءتك أو لمّحت إليك , فسخرها فى خدمة ما أنت فيه من عمل الآخرة , وإلا فاطرحها جانبا وامض فى طريقك إلى الله. إخوتاه , إن الذى يسير على هذا النهج هو رجل الآخرة الذى يريد الوصول , فلا يخلع ثياب العمل حتى يلقى الله , أما الذى يريد أن يلبس ثياب الفراغ أثناء العمل فينشغل قلبه بالزوجة والمال والاولاد فهو رجل الدنيا يعيش لها , ولذا لن يصل إلى الله مطلقا حتى يخلع ثياب الفراغ , ويلبس دائما ثياب العمل لآخرة. فوظف - أخى فى الله - كل أركان حياتك فى العمل للآخرة , وواصل الشغل ليل نهار .. فأنت فى مقام مستعبد , ولا يصح للأجير أن يلبس ثياب الراحة فى زمان الاستئجار , وكل زمان المتقى نهار صوم .. فواصل السير ولا تنقطع. * * *

стр. 143

الأصل الثانى عشر: فى الطريق مواقف للتمييز السائر إلى الله أو عموم من يعيش فى هذه الحياة لابد أن يتعرض لمواقف .. فهذه الحياة أمواج تترادف يركب الانسان فيها طبقا عن طبق .. هذه المواقف للتمحيص. قال - سبحانه -: " قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين * ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " (آل عمران: ١٣٧ - ١٤٢) تدلك هذه الايات على أن الله يقلب الايام على الناس ليتبين أحوالهم , وليعلم الله علم ظهور وإقامة حجة على العباد من يستحق الجنة ممن لا يستحقها .. فالسائرون إلى الله صفوة , ولكن " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبى من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم " (آل عمران: ١٧٩).

стр. 144

أيها الاخوة , التمييز بين النعمة والنقمة والفتنة , وبين المنة والحجة , وبين العطية والبلية , وبين المحنة والمنحة أمر مهم للسائر فى الطريق إلى الله. ففى طريق الوصول إلى الله لابد أن تكون صاحب تمييز بين النعمة والفتنة .. فقد يصيب رجلين شىء واحد , ويكون بالنسبة لأحدهما نعمة وللآخر فتنة .. قد يكون الشىء الواحد لرجل بلية وللآخر عطية. يقول ربك " أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " (البقرة: ١٩) صيب " ماء" يحيي الله به الارض , ولكن فى نفس الوقت فيه ظلمات ورعد وبرق. " يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق حذر الموت " (البقرة: ١٩). يقول العلماء: هذا هو المثل المائى الذى ضربه الله للقرآن , أنه صيب وهو للمؤمنين , قال - تعالى - " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " (الإسراء: ٨٢). فى قصة كعب بن مالك لما جاءه كتاب من ملك غسان يقول له: " بلغنا أنّ صاحبك قد قلاك , ولم يجعلك الله بدار مهانة , فالحق بنا نواسك , لم يقل - أى كعب -: جاء الغيث .. ولكنه التمييز .. قال: " وهذا من البلاء , فتيممت التنور فسجرته ". نعم: فقد يرزق العبد مالا ويظن أنه نعمة ويكون هذا المال بالنسبة له فتنة .. قد يرزق عملا وهذا العمل من وجهة نظر الناس جميعا كرم , وهو فى حقه بلاء .. قد يحفظ القرآن ويكون عليه حجة .. نعم: القرآن حجة لك أو عليك. قال العلماء: " إذا رأيت أن الله يعطى العبد على معاصيه , فاعلم أنه

стр. 145

استدراج " .. تعصى ويكرمك , وتعصى ويزيدك , وتعصى ويبارك لك .. إذا سينتقم منك .. لا تطمئن , فهو - سبحانه - يجرك لينتقم منك , قال - تعالى - " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم إن كيدى متين " (القلم: ٤٤ - ٤٥). يقول صاحب الظلال فى هاتين الآيتين: " وإن شأن المكذبين وأهل الارض أجمعين لأهون وأصغر من أن يدبر الله لهم هذه التدابير .. ولكنه - سبحانه - يحذرهم نفسه ليدركوا أنفسهم قبل فوات الاوان , وليعلموا أن الامان الظاهر الذى يدعه لهم هو الفخ الذى يقعون فيه وهم مغرورون , وأن إمهالهم على الظلم والبغى والاعراض والضلال هو استدراج لهم إلى أسوأ مصير , وأنه تدبير من الله ليحملوا أوزارهم كاملة , ويأتوا إلى الموقف مثقلين بالذنوب , مستحقين للخزى والرهق والتعذيب .. وليس أكبر من التحذير , وكشف الاستدراج والتدبير , عدلا ولا رحمة , والله - سبحانه - يقدم لأعدائه وأعداء دينه ورسوله عدله ورحمته فى هذا التحذير وذلك النذير , وهم بعد ذلك وما يختارون لأنفسهم , فقد كشف القناع ووضحت الأمور!. إنه - سبحانه - يمهل ولا يهمل , ويملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته , وهو هنا يكشف عن طريقته وعن سننه التى قدرها بمشيئته , ويقول لرسوله ﷺ " فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث " (القلم: ٤٤) , وخل بينى وبين المعتزين بالمال والبنين والجاه والسلطان , فسأملى لهم , وأجعل هذه النعمة فخهم! فيطمئن رسوله , ويحذر اعداءه .. ثم يدعهم لذلك التهديد الرعيب ".
следующие страницы →