Полный текст (319 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
إخوتاه , إن المتفقه فى سيرة النبى محمد ﷺ لا يجد لحظة استراح فيها , فأيامه كلها جهاد وتعب ومشقة .. وإن العين لتذرف رأفة ورحمة به .. مشى كثيرا وجرى كثيرا .. جاع شهورا وكان يأكل الدّقّل ... (أردأ التمر) وربما لا يجده .. سهر السنين الطويلة .. ونام على الحصير .. ولم يلبس الديباج أو الحرير .. عاش هذه الدنيا فى كد ونصب , ليقيم الحق ويبلغ دعوة ربه , بأبى هو وأمى ونفسى رسول الله ﷺ .. أرسل بالمدثر فقام صابرا محتسبا , فلم يهدأ حتى جاءه نصر الله , ودخل الناس فى دين الله أفواجا.
هكذا عاشها رسول الله ﷺ , وتريد أنت أن تعيشها نظيفة حلوة! .. تريد أن تعيشها ممتعا معافى! تريد أن تعيشها فى راحة وأمان! لا يا أخى .. هذه دنيا الأصل فيها المشاكل والأحزان , وإلا لما كان هناك اشتياق للآخرة .. الدنيا - يا أخى - للعمل والتعب والجد والاجتهاد , فلا تلبس ثياب الفراغ أثناء العمل.
الدنيا شغل .. شغل للآخرة , فالزم الشغل حتى تمر هذه الدار بسلام .. فإذا أردت زوجة فلتكن ما تكون .. قصيرة أو نحيفة أو .. أو .. المهم أن تكون صاحبة دين و " بنت أصول " .. ولا تتنازل عن هذين الشرطين أبدا .. وارض بها مهما كانت صفاتها , واتخذها بلغة [أى ما تتبلغ به] إلى الجنة .. وفى الجنة سيصنعها الله لك من جديد " إنا أنشأناهنّ إنشاء * فجعلناهنّ أبكارا * عربا أترابا " (الواقعة: ٣٥ - ٣٧) , بل ويزيد لك سبعين حورية من الحور العين .. الزم الشغل ولا تحزن على شىء من الدنيا ولا تفكر
стр. 142
فيها , فإن جاءتك أو لمّحت إليك , فسخرها فى خدمة ما أنت فيه من عمل الآخرة , وإلا فاطرحها جانبا وامض فى طريقك إلى الله.
إخوتاه , إن الذى يسير على هذا النهج هو رجل الآخرة الذى يريد الوصول , فلا يخلع ثياب العمل حتى يلقى الله , أما الذى يريد أن يلبس ثياب الفراغ أثناء العمل فينشغل قلبه بالزوجة والمال والاولاد فهو رجل الدنيا يعيش لها , ولذا لن يصل إلى الله مطلقا حتى يخلع ثياب الفراغ , ويلبس دائما ثياب العمل لآخرة.
فوظف - أخى فى الله - كل أركان حياتك فى العمل للآخرة , وواصل الشغل ليل نهار .. فأنت فى مقام مستعبد , ولا يصح للأجير أن يلبس ثياب الراحة فى زمان الاستئجار , وكل زمان المتقى نهار صوم .. فواصل السير ولا تنقطع.
* * *
стр. 143
الأصل الثانى عشر: فى الطريق مواقف للتمييز
السائر إلى الله أو عموم من يعيش فى هذه الحياة لابد أن يتعرض لمواقف .. فهذه الحياة أمواج تترادف يركب الانسان فيها طبقا عن طبق .. هذه المواقف للتمحيص. قال - سبحانه -:
" قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين * ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " (آل عمران: ١٣٧ - ١٤٢)
تدلك هذه الايات على أن الله يقلب الايام على الناس ليتبين أحوالهم , وليعلم الله علم ظهور وإقامة حجة على العباد من يستحق الجنة ممن لا يستحقها .. فالسائرون إلى الله صفوة , ولكن " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكنّ الله يجتبى من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم " (آل عمران: ١٧٩).
стр. 144
أيها الاخوة , التمييز بين النعمة والنقمة والفتنة , وبين المنة والحجة , وبين العطية والبلية , وبين المحنة والمنحة أمر مهم للسائر فى الطريق إلى الله.
ففى طريق الوصول إلى الله لابد أن تكون صاحب تمييز بين النعمة والفتنة .. فقد يصيب رجلين شىء واحد , ويكون بالنسبة لأحدهما نعمة وللآخر فتنة .. قد يكون الشىء الواحد لرجل بلية وللآخر عطية.
يقول ربك " أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " (البقرة: ١٩) صيب " ماء" يحيي الله به الارض , ولكن فى نفس الوقت فيه ظلمات ورعد وبرق. " يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق حذر الموت " (البقرة: ١٩).
يقول العلماء: هذا هو المثل المائى الذى ضربه الله للقرآن , أنه صيب وهو للمؤمنين , قال - تعالى - " وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا " (الإسراء: ٨٢).
فى قصة كعب بن مالك لما جاءه كتاب من ملك غسان يقول له: " بلغنا أنّ صاحبك قد قلاك , ولم يجعلك الله بدار مهانة , فالحق بنا نواسك , لم يقل - أى كعب -: جاء الغيث .. ولكنه التمييز .. قال: " وهذا من البلاء , فتيممت التنور فسجرته ".
نعم: فقد يرزق العبد مالا ويظن أنه نعمة ويكون هذا المال بالنسبة له فتنة .. قد يرزق عملا وهذا العمل من وجهة نظر الناس جميعا كرم , وهو فى حقه بلاء .. قد يحفظ القرآن ويكون عليه حجة .. نعم: القرآن حجة لك أو عليك.
قال العلماء: " إذا رأيت أن الله يعطى العبد على معاصيه , فاعلم أنه
стр. 145
استدراج " .. تعصى ويكرمك , وتعصى ويزيدك , وتعصى ويبارك لك .. إذا سينتقم منك .. لا تطمئن , فهو - سبحانه - يجرك لينتقم منك , قال - تعالى - " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم إن كيدى متين " (القلم: ٤٤ - ٤٥).
يقول صاحب الظلال فى هاتين الآيتين: " وإن شأن المكذبين وأهل الارض أجمعين لأهون وأصغر من أن يدبر الله لهم هذه التدابير .. ولكنه - سبحانه - يحذرهم نفسه ليدركوا أنفسهم قبل فوات الاوان , وليعلموا أن الامان الظاهر الذى يدعه لهم هو الفخ الذى يقعون فيه وهم مغرورون , وأن إمهالهم على الظلم والبغى والاعراض والضلال هو استدراج لهم إلى أسوأ مصير , وأنه تدبير من الله ليحملوا أوزارهم كاملة , ويأتوا إلى الموقف مثقلين بالذنوب , مستحقين للخزى والرهق والتعذيب .. وليس أكبر من التحذير , وكشف الاستدراج والتدبير , عدلا ولا رحمة , والله - سبحانه - يقدم لأعدائه وأعداء دينه ورسوله عدله ورحمته فى هذا التحذير وذلك النذير , وهم بعد ذلك وما يختارون لأنفسهم , فقد كشف القناع ووضحت الأمور!.
إنه - سبحانه - يمهل ولا يهمل , ويملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته , وهو هنا يكشف عن طريقته وعن سننه التى قدرها بمشيئته , ويقول لرسوله ﷺ " فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث " (القلم: ٤٤) , وخل بينى وبين المعتزين بالمال والبنين والجاه والسلطان , فسأملى لهم , وأجعل هذه النعمة فخهم! فيطمئن رسوله , ويحذر اعداءه .. ثم يدعهم لذلك التهديد الرعيب ".
стр. 146
فلا تفرح - أخى فى الله - بالكرم بعد المعصية , وكن مميزا بين العطية والبلية وبين النعمة والنقمة , ولذا قال " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " (الحديد: ٢٣) , تقول زوجة سعيد بن عامر الجمحى: استيقظت يوما على صوته وهو يقول: أعوذ بالله منك , أعوذ بالله منك , أعوذ بالله منك , فقمت فوجدت بين يديه سرة مال وهو يدفعها بيده كأنها عقرب , قلت: مالك , قال: " دخلت علىّ الدنيا لتفسد علىّ دينى ".
نعم - إخوتاه -: لابد أن يكون لديك بصيرة وتمييز بين ما ينفعك وما يضرك فى آخرتك , فإذا أعطاك الله نعمة واستعملتها فى طاعته كانت نعمة , وإذا استعملتها فى المعصية كانت محنة وفتنة .. أعطاك الله مالا: هل هذا المال زادك قربا أم أبعدك؟! .. أعطاك زوجة أعانتك على طاعته , فهذه نعمة , ولو شغلتك عن الله كانت فتنة.
فانظر كل لحظة فى حياتك لترى النعم التى وهبها الله لك: هل تقربك منه أم تبعدك عنه؟ .. هل هى نعم أم نقم؟ .. هل توقفك بين يدى الله أم تشغلك عنه؟ .. تزيدك إيمانا أم تقسى قلبك؟ .. تزيدك شكرا أم طمعا؟!.
قف مع نعم الله لتعلم أين قدمك .. لتعلم أين أنت .. فى طريق الوصول أم تائه فى طرق أخرى؟ .. فرق بين النعمة والنقمة .. وبين المحنة والمنحة .. وبين البلية والعطية .. وبين الحجة والمنة .. ميز لتعرف أين الفتنة لتجتنبها فتصل إلى الله بسلام.
* ... * ... *
стр. 147
الأصل الثالث عشر: الاعتصام بالله عقيدة وعمل ودعاء
قال - تعالى - " قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا " (الأحزاب: ١٧) , إذا فالإنسان يحتاج مولى ونصيرا , وليس لك من دون الله ولى ولا نصير , فلذلك إذا أردت الولىّ والنصير فاعتصم بالله , قال - تعالى -" ومن يعتصم بالله فقد هدى " (آل عمران: ١٠١) .. ولكن كيف نعتصم بالله؟.
امرأة العزيز قالت: " ولقد راودته عن نفسه فاستعصم " (يوسف:٣٢) .. كيف استعصم؟ ..
أولا: عقيدة: قال: " معاذ الله " .. أعوذ بالله , ألتجىء إلى الله وأحتمى به وحده .. ولم يقل لها: هل أصابك الجنون؟! .. ولم يقل أيضا: ألا تعرفين من أنا؟! , أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ .. ، أنا ابن هؤلاء الأنبياء .. لم يقل لها: اذهبى لحالك يا بنية هداك الله .. لم يقل ذلك , وإنما قال: معاذ الله , عقيدة أن الذى ينجّينى هو الله.
أيضا لما فشلت امرأة العزيز وسمعت النسوة يتكلمن , قالت فى نفسها: آتى بهن إليه أم آتى به إليهن؟ .. الأمران .. أتت بهن وأقعدتهن وأخرجته عليهن .. خرج ولم يكن أمامه كيد امرأة بل كيد نساء , فقال فى التو: " رب السجن أحب إلىّ مما يدعوننى إليه " (يوسف: ٣٣) .. يا رب ,
стр. 148
السجن أحب إلىّ من حرير امرأة العزيز .. سبحان الله! .. تشم رائحة الصدق من الكلام.
بالله عليك - أخىّ - هل تجد فى نفسك هذه النقطة؟ .. إننا - وللأسف - نضحك من انفسنا .. نهرج ونلعب فى دين الله .. هل فعلا السجن أحب إليك من دعوة الفاتنات أو الغانيات الفاجرات؟ .. قال يوسف: يا رب , عذاب السجن أحسن عندى من قصور العزيز .. العذاب من أجلك يا رب أحب إلىّ من أن أنام وأنا لك عاص .. هذا هو الاعتصام , فكن على عقيدة صادقة بالله لتعتصم بها وقت الشدائد , يقول ربى فى يوسف ﵇: " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين " (يوسف: ٢٢).
" فقد أوتى صحة الحكم على الامور , وأوتى علما بمصائر الأحداث أو بتأويل الرؤيا , أو بما هو أعم , من العلم بالحياة وأحوالها , فاللفظ عام ويشمل الكثير , وكان ذلك جزاء إحسانه فى الاعتقاد وإحسانه فى السلوك: ... " وكذلك نجزى المحسنين " .. وعندئذ تجيئه المحنة الثانية فى حياته , وهى أشد وأعمق من المحنة الأولى , تجيئه وقد أوتى صحة الحكم وأوتى العلم - رحمة من الله - ليواجهها وينجو منها جزاء إحسانه الذى سجله الله فى قرآنه.
والآن نشهد ذلك المشهد العاصف الخطير المثير كما يرسمه التعبير:
" وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون " (يوسف: ٢٣) ..
стр. 149
وإذن فقد كانت المراودة فى هذه المرة مكشوفة , وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الاخير .. وحركة تغليق الابواب لا تكون أول دعوة من المرأة , إنما تكون هى الدعوة الاخيرة , وقد لا تكون أبدا إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا , والفتى يعيش معها وقوته وفتوته تتكامل , وأنوثتها هى كذلك تكمل وتنضج , فلابد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة , قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة , " قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون " ..
" معاذ الله " ..
أعيذ نفسى بالله أن أفعل , " إنه ربى أحسن مثواى " ..
وأكرمنى بأن نجانى من الجبّ وجعل فى هذه الدار مثواى الطيب الآمن.
" إنه لا يفلح الظالمون " .. الذين يتجاوزون حدود الله , فيرتكبون ما تدعيننى اللحظة إليه " .. عقيدة .. عقيدة فى الله اعتصم بها يوسف فنجاه الله من الفتنة.
стр. 150
ويقول شيخ الإسلام وعلم الأعلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - فى المفاسد العاجلة والآجلة لعشق الصور:
" والله إنما حكى هذا المرض طائفتين من الناس , وهم قوم لوط والنساء , فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف , وما راودته وكادته به , وأخبر عن الحال التى صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه , مع أن الذى ابتلى به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه , فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعى وزوال المانع , وكان الداعى ها هنا فى غاية القوة , وذلك لوجوه:
أحدها: ما ركّب الله - سبحانه - فى طبع الرجل من ميله إلى المرأة , كما يميل العطشان إلى الماء , والجائع إلى الطعام , حتى إن كثيرا من الناس يصبر على الطعام والشراب ولا يصبر على النساء , وهذا لا يذم إذا صادف حلالا.
الثانى: أن يوسف ﵇ كان شابا , وشهوة الشباب وحدته أقوى.
الثالث: أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر حدة الشهوة.
الرابع: أنه كان فى بلاد غربة لا يتأتى للغريب فيها قضاء الوطر , ما يتأتى لغيره فى وطنه وأهله ومعارفه.
الخامس: ان المرأة كانت ذات منصب وجمال , بحيث إن كل واحد من هذين الامرين يدعو موافقتهما.
السادس: إنها غير آبية ولا ممتنعة , فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته فى
стр. 151
المرأة إباؤها وامتناعها , لما يجد فى نفسه من ذل النفس والخضوع والسؤال لها.
السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد , فكفته مؤونة الطلب وذل الرغبة إليها , بل كانت هى الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب إليه.
الثامن: أنه فى دارها وتحت سلطانها وقهرها , بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له , فاجتمع داعى الرغبة والرهبة.
التاسع: أنه لا يخشى أن تنم عليه هى ولا احد من جهتها , فهاهى الطالبة والراغبة , وقد غلقت الابواب وغيبت الرقباء.
العاشر: أنه كان مملوكا لها فى الدار , بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها , ولا ينكر عليه , وكان الامن سابقا على الطلب ,وهو أقوى الدواعى.
الحادى عشر: أنها استعانت عيه بأئمة المكر والاحتيال , فأرته إياهن وشكت حالها إليهن , لتستعين بهن عليه , فاستعان هو بالله عليهن , فقال: " وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " (يوسف: ٣٣).
الثانى عشر: أنها توعدته بالسجن والصغار , وهذا نوع إكراه , إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به , فيجتمع داعى الشهوة , وداع حب السلامة من ضيق السجن والصغار.
الثالث عشر: أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما , ويبعد كلا منهما عن صاحبه.
стр. 152
ومع هذه الدواعى كلها فقد آثر مرضاة الله وخوفه , وحمله حبه لله على أن يختار السجن على الزنا , فقال:
" رب السجن أحب إلىّ مما يدعوننى إليه " (يوسف: ٣٣) , وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه , وأن ربه - تعالى - إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه , وكان من الجاهلين , وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه.
ثم إن الاعتصام لن يكون إلا إذا كان هناك عمل ودعاء .. فمثلا: الاخ الذى أقول له تب , فيقول: ادع لى يا " عم الشيخ " , أقول له: يا بنى , " تب " هذه تحتاج إلى عمل وشغل , وأن تدعو أنت لنفسك أولا , ثم ادعو أنا لك بعد ذلك .. يوسف ﵇ كان محسنا .. محسنا فى الاعتقاد ومحسنا فى السلوك , وفوق ذلك دعا بالعصمة , فكانت النجاة .. نجا لأنه فى الاصل أحسن العمل.
نعم: كان يوسف محسنا مع ربه وأيضا مع الناس , وقد سمى الله قصته " أحسن القصص " (يوسف: ٣)
ووصفه السجناء بالاحسان فقالوا: " نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين " (يوسف: ٣٦) ..
وبالاحسان مكنه الله - تعالى - فى الارض , " وكذلك مكنا ليوسف فى الارض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين " (يوسف: ٥٦) .. وقال له إخوته وهم لا يعرفونه: " فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين " (يوسف: ٧٨) .. ثم أثنى على ربه بإحسانه إليه: " وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن " (يوسف: ١٠٠).
стр. 153
قال - تعالى - " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين " (يوسف: ٢٤) , وهؤلاء ليس للشيطان عليهم سلطان ألبتة .. ومع كل ذلك فزع يوسف إلى الله وقال: " معاذ الله إنه ربى أحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون " (يوسف: ٢٣). ولابد أن نعلم أن طهارة يوسف ﵇ كانت أساس الاعتصام .. إذا فالاعتصام بالله لابد أن يكون على عقيدة راسخة بالله وعمل دائم له , وسلوك قويم معه - سبحانه - ومع الناس.
نعم - إخوتاه -: الاعتصام عمل .. الاعتصام دعاء .. الاعتصام عقيدة.
فاربط قلبك بالله وحده , واصدق معه , واعمل ما فى وسعك , وادع بإخلاص , يعصمك الله فتهتدى إلى طريق الوصول إليه.
قال ربك " ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم " (آل عمران: ١٠١).
قال ابن كثير ﵀: "أى ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة فى الهداية , والعدة فى مباعدة الغواية , والوسيلة إلى الرشاد , وطريق السداد وحصول المراد ".
فاعتصم بالله يا طالب الوصول
* ... * ... *
стр. 154
الأصل الرابع عشر: من استطال الطريق ضعف مشيه
الطريق إلى الله طويلة جدا , بعيدةجدا , ولذا تحتاج إلى همة وعمل دائم وعدم التفات لكى تقطعها وتصل بسلام , وإلا فلو ظللت تقول: الطريق طويلة وبعيدة وأنت مكانك , فلن تصل .. فاستعن بالله واترك الشكوى .. اعمل واجتهد واتعب حتى الموت , قال - تعالى -: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " (الحجر: ٩٩) , اى الموت.
وقال - تعالى -: " فإذا فرغت فانصب " (الشرح: ٧). قال ابن كثير: " وقال زيد بن أسلم والضحاك: فإذا فرغت أى من الجهاد , فانصب أى: فى العبادة: " وإلى ربك فارغب " (الشرح: ٨). قال الثورى: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله ".
" فإذا فرغت من شغلك مع الناس ومع الارض , ومع شواغل الحياة .. إذا فرغت من هذا كله , فتوجه بقلبك كله إذا إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكد وتجهد .. العبادة والتجرد والتطلع والتوجه .. " وإلى ربك فارغب " .. إلى ربك وحده خاليا من كل شىء حتى من أمر الناس الذين تشتغل بدعوتهم إنه لابد من الزاد للطريق. وهنا الزاد. ولابد
стр. 155
من العدة للجهاد. وهنا العدة وهنا ستجد يسرا مع كل عسر وفرجا مع كل ضيق هذا هو الطريق! ".
هذا هو الطريق إلى الله , فجد ولا تنم , فرسول الله ﷺ لما قالت له خديجة: ألا تنام يا رسول الله؟! , قال: " مضى عهد النوم يا خديجة " .. وقال ﷺ لعائشة لما تعجبت من عبادته وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه: " أفلا أكون عبدا شكورا " [متفق عليه].
أخى فى الله , اثبت فى الطريق على الطاعة ولا تيأس من طول الطريق , فما عليك إلا أن تجد السير وتسرع الخطا ولا تلتفت وستصل بإذن الله .. صبر نفسك واصطبر , واعلم أن الصبر على الطاعة هو الصبر الاعلى , وأكمل الناس صبرا على الطاعة أولوا العزم من الرسل , وذلا أمر رسوله ﷺ أن يصبر صبرهم , فقال - تعالى -:" فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " (الاحقاف: ٣٥) , ومعلوم أن الامر للقدوة أمر لأتباعه .. ونهاه أن يتشبه بصاحب الحوت , حيث لم يصبر صبر أولى العزم , فقال - تعالى -: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم " (القلم: ٤٨).
ولقد جعل الله الوصول إليه والفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون , فقال - تعالى -:
" إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون " (المؤمنون: ١١١).
стр. 156
وفى الصحيح عن رسولنا ﷺ " وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ". وأخبر ﷺ أن الصبر ضياء.
وقال على بن أبى طالب: الصبر مطية لا تكبو.
وقال سليمان بن القاسم: كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر , قال - تعالى -: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (الزمر: ١٠) , قال: كالماء المنهمر.
أخى فى الله , اصبر فى السير إلى الله ولا تستطل الطريق , فلقد صبر نوح فأوقف أنفاسه على الدعوة إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما .. لم يستطل الطريق , بل ظل مع الله فى أطول صبر عرفه تاريخ البشرية .. وأكرم صبر.
قال ابن كثير فى قصص الانبياء: " وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الايمان به - أى بنوح - ومحاربته ومخالفته , وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه , وصاه فيما بينه وبينه ألا يؤمن بنوح .. أبدا ما عاش ودائما ما بقى " اهـ.
قال - تعالى -: " قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائى إلا فرارا * وإنى كلما دعوتهم تغفر لهم جعلوا أصابعهم فى آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا * ثم إنى دعوتهم جهارا * ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم
стр. 157
مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا " (نوح: ٥ - ١٣).
قال أبو القاسم الغرناطى فى التسهيل لعلوم التنزيل: "ذكر أولا أنه دعاهم بالليل والنهار , ثم ذكر أنه دعاهم جهارا , ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار , وهذه غاية الجد فى النصيحة وتبليغ الرسالة " اهـ.
وقال القاسمى فى محاسن التأويل: " بذل نوح غاية الجهد دائما بلا فتور ولا توان , وضاقت عليه الحيل فى تلك المدد الطوال " اهـ.
ويقول أخى فضيلة الشيخ سيد بن حسين العفانى - حفظه الله تعالى -:
" كفاح نبيل طويل: سلك نوح إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم شتى الاساليب ومتنوع الوسائل فى دأب طويل , وفى صبر جميل , وجهد نبيل , ألف سنة إلا خمسين عاما .. ثم عاد إلى ربه ليقدم حسابه , ويبث شكواه , فى هذا البيان المفصل وفى هذه اللهجة المؤثرة.
وصورة نوح فى دعوته ,وهو لا يمل ولا يفتر , ولا ييأس أيام الاعراض والاصرار , صورة لاصرار الداعية على الدعوة , وتحين كل فرصة ليبلغهم إياها , واصرارهم هم على الضلال.
ولم ينس نوح ﵊ الدعوة حتى حين حضرته الوفاة , فقد وصى ابنيه بـ " لا إله إلا الله " ونهاهما عن الشرك , وأمرهما بسبحان الله وبحمده.
وإن الانسان ليأخذه الدهش والعجب , كما تغمره الروعة والخشوع , وهو يستعرض هذا الجهد الموصول من الرسل - عليهم صلوات الله
стр. 158
وسلامه - لهداية البشرية الضالة المعاندة , ويتدبر إرادة الله المستقرة على إرسال هؤلاء الرسل , واحدا بعد واحد لهذه البشرية المعرضة العنيدة.
وقد يعن للانسان ان يسأل: ترى هل تساوى الحصيلة هذا الجهد الطويل , وتلك التضحيات النبيلة , من لدن نوح ﵇ إلى محمد ﷺ , ثم ما كان بينهما وما تلاهما من جهود المؤمنين بدعوة الله وتضحياتهم الضخام , ترى: هل تساوى هذا الجده الذى وصفه نوح ﵇ , وقد استغرق عمرا طويلا بالغ الطول , لم يكتف قومه فيه بالاعراض , بل اتبعوه بالسخرية والاتهام , وهو يتلقاها بالصبر والحسنى , والادب الجميل والبيان المنير؟!!.
ثم تلك الجهود الموصولة منذ ذلك التاريخ , وتلك التضحيات النبيلة التى لم تنقطع على مدار التاريخ من رسل يستهزأ بهم , أو يحرقون بالنار , أو ينشرون بالمنشار , أو يهجرون الاهل والديار .. حتى تجىء الرسالة الاخيرة , فيجهد فيها محمد ﷺ ذلك الجهد المشهود المعروف , ثم تتوالى الجهود المضنية والتضحيات المذهلة من القائمين على دعوته فى كل أرض وفى كل جيل؟؟ ..
ترى تساوى الحصيلة كل هذه الجهود , وكل هذا الجهاد الشاق المرير؟!
ثم ترى هذه البشرية كلها تساوى تلك العناية الكريمة من الله , المتجلية فى استقرار إرادته - سبحانه - على إرسال الرسل تترى , بعد العناد والاعراض والاصرار والاستكبار من هذا الخلق الهزيل الصغير المسمى بالانسان؟!. والجواب بعد التدبر: أن نعم: وبلا جدال!!
إن استقرار حقيقة الايمان بالله فى الارض بساوى كل هذا الجهد ,
стр. 159
وكل هذا الصبر , وكل هذه المشقة , وكل هذه التضحيات النبيلة المطردة من الرسل وأتباعهم الصادقين فى كل جيل!
الدعوة إلى الله لابد أن تمضى فى طريقها كما أراد الله , لأن الحصيلة تستحق الجهود المضنية والتضحيات النبيلة , ولو صغرت فانحصرت فى قلب واحد , يقرب من الله ويحبه ويشتاق إليه. قال ﷺ : " عرضت علىّ الامم , فرأيت النبى ومعه الرهط , والنبى ومعه الرجل والرجلان , والنبى وليس معه أحد " [متفق عليه] اهـ.
حبيبى فى الله , لا تستطل الطريق إلى الله , فمن استطال الطريق ضعف مشيه , فواصل العمل .. واصل , فالله معك .. واعلم أن الشرط فى السير أن تجهد وتتعب .. فواصل العمل وى تنقطع .. وتذكر دائما نوحا ﵇ .. أخى فى الله , اعمل بلا انقطاع , وعند الله المستراح.
إخوتاه , زنوا حلو المشتهى بمر العقاب يبن لكم التفاوت .. لما عرف القوم قدر الحياة , أماتوا فيها الهوى فعاشوا , جمعوا بأكف الجد من الزمن ما نثره زمن البطالة .. هان عليهم طول الطريق لعلمهم أين المقصد , وحلت له مرارات البلى حبا لعواقب السلامة , فيا بشراهم يوم يقال: " هذا يومكم "
* * ... *
стр. 160
الأصل الخامس عشر: السر الدفين لعدم القبول وجود حظ للنفس فى العمل
هل تصلى لله أم لتستجم؟! .. تصوم من أجل أن تريح بطنك , أم أن يرضى الله عنك؟! .. تكرم الناس ليعاملوك معاملة حسنة أم تكرمهم لله لأنك تحبه؟! .. أعفيت لحيتك توقيرا ام لأنها سنة النبى ﷺ ؟! .. تدفع ما عليك ليقول عنك الناس: محترم أم لترضى ربك؟! .. تحج وتعتمر رياء وفسحة وتغيير جو أم لتستغفر ربك هناك؟! ..
قال الحسن ﵀: رحم الله عبدا وقف عند همه , فإن كان لله: مضى , وإن كان لغيره: تأخر .. اغتربت عن بلدك , وهاجرت إلى الله لماذا؟ .. لتتعلم العلم وتعبد الله وتدعو إليه لماذا؟ .. لماذا تتعلم العلم؟! .. لماذا تتصدق؟! .. لو كان فى هذه الاعمال شىء ولو بسيط من حظ النفس , لا يقبلها الله أبدا.
قال الله - تعالى - فى الحديث القدسى: " من عمل عملا وأشرك فيه غيرى تركته وشركه " [أخرجه مسلم] .. فالله غنى .. عزيز .. يغار .. لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه .. اللهم ارزقنا الاخلاص واجعلنا من أهله.
стр. 161
لذلك فإن الذين يأتون يوم القيامة وأعمالهم لم تقبل سيفاجئون بأن أعمالهم كانت لله ,ولكنها لم تكن خالصة .. كان فيها شىء من حظ النفس .. يا لله!! .. فصحح نيتك , فالطريق إلى الله لا يصلح فيها الا حسن النية .. أخلص قبل أن يأتيك يوم القيامة.
وآه من يوم القيامة! اللهم ارحم يوم القيامة ضعفنا اللهم ارحم ذل وقوفنا بين يديك يا أرحم الراحمين يوم القيامة وما أدراك ما يوم القيامة! إياك أن تنسى ذلك اليوم قال ربنا " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (الرحمن: ٤٦) .. تذكر هذا المقام يوم وقوفك بين يديه وأعمالك كلها معروضة عليه .. يوم يقول لك: عبدى , عشت سبعين سنة ولم تصل إلا سنتين لماذا؟ , فتقسم: وعزتك وجلالك يا رب صليت من يوم أن ذهبت إلى المدرسة وأنا فى أولى ابتدائى , ماذا حصل؟!!! .. تجد خمسين سنة من عمرك لم تقبل وعشر سنين فقط قبلت!! .. ... " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " (الزمر: ٤٧) .. السبب: وجود حظ النفس .. صمت كثيرا , ولم يقبل إلا النذر القليل .. نعم: لوجود حظ النفس فى العمل.
أقول لكم كثيرا: لو كان لها " دور ثان " , لو كان فيها " ملحق " , أو لو كان لها " إعادة " , لقلنا: يا رب , أخطأنا فارجعنا نصلح ما كان منا .. لكن هى مرة واحدة إذا ذهبت فيها إلى جهنم كانت المصيبة .. قال الحسن:" ابن آدم عن نفسك فكايس فإنك إن دخلت النار لم تنجبر بعدها أبدا " .. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة , اللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك.
стр. 162
نعم - إخوتاه -: السر الدفين لعدم القبول هو وجود حظ النفس فى العمل: أن تتزوج بالبنت الفلانية لأنها تعجبك وتحبها ولا تتزوج ليعفك الله ويسترك .. تكرم الناس ليكرموك ليس لأجل أن يكرمك الله .. تصلى لتستريح ليس لأنه أمرك بالصلاة .. تؤدى الحقوق كما ينبغى ليقولوا عنك: أمين , ليس لأن الله ألزمك بذلك ..
فوجود حظ للنفس فى العمل معناه: أن تشتغل لحسابك .. تعمل لنفسك وليس لله .. وجود حظ للنفس .. إيا أن تنسى هذه الكلمة .. أن تصير " شغالا " لحسابك .. لمزاجك .. لهواك .. لنفسك .. لا لله .. اللهم استرنا ولا تفضحنا.
هذه هى المشكلة الكبيرة .. أن معظمنا أكثر عمله لنفسه لا لله .. هذه هى الحقيقة ولا تغضب , لذلك قف وقفة جادة وحقق الاخلاص .. جرد النية لله , فلا تدرى متى تموت .. أخلص يقبل عملك , وإلا فسيطرح فى وجهك , وتخسر الوصول إلى الله.
قال أبو أيوب مولى ضيغم بن مالك: قال لى أبو مالك يوما: يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك , فإنى رأيت هموم المؤمنين فى الدنيا لا تنقضى , وأيم الله , لئن لم تأت الدار الآخرة المؤمن بالسرور , لقد اجتمع عليه الامران: هم الدنيا , وشقاء الآخرة. قال: قلت: بأبى أنت وأمى , وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور , وهو ينصب لله فى دار الدنيا ويدأب؟! , قال: يا أبا أيوب , فكيف بالقبول؟! وكيف بالسلامة؟! , ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح نفسه , وقد أصلح قرباته , قد أصلح
стр. 163
همته , قد أصلح عمله , يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه ".
إخوتاه , حاسبوا أنفسكم وانظروا فيها .. عامر بن قيس كان يقول لنفسه: قومى يا مأوى كل سوء , فوعزة ربى لأزحفنّ بك زحف البعير , وإن استطعت أن لا يمس الارض زهمك (شحم الجسم) لأفعلن. ثم يتلوى كما يتلوى الحب على المقلى , ثم يقوم فينادى: اللهم إن النار قد منعتنى من النوم , فاغفر لى.
وتعبد رجل ببيت شعر سمعه:
لنفسى أبكى لست أبكى لغيرها ... لنفسى فى نفسى عن الناس شاغل
إخوتاه , إن فتنة النفس والشهوة , وجاذبية الارض والدعة والاطمئنان , وصعوبة الاستقامة على صراط الايمان , والاستواء على مرتضاه , مع المعوقات والمثبطات فى أعماق النفس - هى الفتنة الكبرى.
لكن ما الحل - إخوتاه - لننفى عن أعمالنا حظ النفس ليقبلنا الله؟
النفس تصهرها المجاهدة فتنفى عنها الخبث , وتستجيش كامن قواها المذخورة فستيقظ. ويكفى قول الله : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " (العنكبوت: ٦٩).
قال أبو يزيد البسطامى: عالجت كل شىء , فما عالجت أصعب من معالجة نفسى , ما شىء أهون علىّ منها.
стр. 164
وقال: دعوت نفسى إلى الله , فأبت علىّ واستصعبت , فتركتها ومضيت إلى الله.
وقيل لبعض أهل الرياضة: كيف غلبت نفسك؟ , فقال: قمت صف حربها بسلاح الجد , فخرج مرحب الهوى الهوى يدافع , فعلاه العزم بصارم الحزم , فلم تمض ساعة حتى هلكت خيبر.
وقيل لآخر: كيف قدرت على هواك؟ , فقال: خدعته حتى أسرته , واستلبت عوده فكسرته , وقيدته بقيد العزلة , وحفرت له مطمور الخمول فى بيت التواضع , وضربته بسياط الجوع فلان .. يا فلان: ألك فى مجاهدة النفس نية , أم النية نية؟ .. أتعبتنى أنت أنت .. إلى متى تجول فى طلب هجول؟! , ما عز يوسف إلا بترك ما ذل به ماعز.
إخوتاه , لا يقبل الله عملا فيه حظ للنفس , فخلوا أنفسكم وتعالوا إلى الله .. واستعينوا بالله عليها بالمجاهدة والاحسان فى المعاملة , قال ربى - وأحق القول قول ربى -: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " (العنكبوت: ٦٩).
* * *
стр. 165
الأصل السادس عشر: الأمر كله بيد الله , فسلّم تسلم
قال - تعالى - عن إبراهيم: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه "
(البقرة: ١٣١ - ١٣٢).
قال ابن كثير ﵀: " وقوله - تعالى -: " إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين " أى: أمره الله - تعالى - بالإخلاص له والاستسلام والانقياد , فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا.
وقوله " ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب " أى: وصى بهذه الملة وهى الاسلام لله , أو يعود الضمير على الكلمة , وهى قوله: " أسلمت لرب العالمين " لحرصهم عليها ومحبتهم لها حاغظوا عليها إلى حين الوفاة , ووصوا أبناءهم بها من بعدهم " اهـ.
فسلم لربك يا طالب الوصول , فالأمر كله له , قال الملك: " إذ تعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم فى أخراكم فأثابكم غمّا بغمّ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون * ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شىء قل إن الامر كله لله يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ولبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور " (آل عمران: ١٥٣ - ١٥٤).
стр. 166
" وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " .. نعم: فكم من ناس فى هذه الدنيا لا هم لهم إلا أنفسهم .. سلموا أمرهم لأنفسهم لا لله .. وقديما قالوا: من عاش لنفسه عاش صغيرا ومات حقيرا .. فسلم نفسك لله وحده يأمرها وينهاهابما هو أنفع وأصلح لها , فهو سبحانه عليم حكيم .. ضع يديك ورجليك فى قيود الشريعة الفضية لتتحرر من ذل العبودية لغير الله .. سلم تسلم فالامر كله لله.
كم رأينا رجلا أهم شىء لديه أن يأكل ويشرب ويلبس وينام .. أهم شىء مزاجه , أما العيال فمالى وللعيال! , فأنا الذى آتى بالعيال .. والزوجة؟ .. وما لى بالزوجة , فلتذهب لأهلها يطعموها .. وعن الآخرة يقول: حينما يأتى الحساب ستفرج!!
طبعا أنت ستتعجب هذا الرجل , فكلامه لا يقوله إلا جاهل أو عاص , ولكن لا تعجب , فهذا الكلام موجود بداخل الكثير منّا - معاشر الملتزمين - وإن كان لا يقوله بلسانه .. نعم: كثير منّا يود أن يعيش لنفسه - ونفسه - فقط - .. ودعونا نتصارح حتى نعالج تلك المشاكل , وإلا فسيظل السوس ينخر فى العظم .. عظم الامة.
إن سبب مصائبنا اليوم أنفسنا .. ترانا " منكوسين موكوسين " لماذا؟ .. من أنفسنا .. شلة يهود .. شرذمة يهود يضربوننا على أم رؤوسنا لماذا؟ .. لماذا استضعفونا واستهانوا بنا؟ .. لهواننا على أنفسنا .. مع أننا أكثر من هؤلاء الناس جميعا , وعندنا كل الامكانيات التى تؤهلنا لسيادة العالم ولكن لا نسود .. لأن " السوس " فى قلوبنا.
стр. 167
إن أول نصر الدين أن تصلح نفسك .. فمن هنا المنطلق , ومن هنا البداية .. وإصلاح النفس يكون بتسليمها لله بكل حب ورضا يأمرها وينهاها.
البداية من نفسك .. وهذا الكلام قلته من عشرين سنة .. وعشر .. وخمس .. والأمس .. واليوم .. وسأظل أقوله حتى أموت , لأنه قانون إلهى .. " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (الرعد: ١١) .. " ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ... (الأنفال: ٥٣).
وإن الذى يتحدث عن التغيير فى كل شىء إلا من عند نفسه لن يغير شيئا على الإطلاق. فالبداية إذا من أين؟ .. من عند أنفسنا .. وهذا ليس من عندى , ولكنه كلام الله كما مر.
إذا فلابد من التحديق .. تدرى معنى التحديق؟ .. التحديق فى ذوات أنفسنا .. أى شىء فى أنفسنا يجب أن يتغير؟ .. فغير نفسك وسلم نفسك لا لنفسك ولكن لله.
يقول الله - تعالى - " وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شىء " (آل عمران: ١٥٤) .. يقول هؤلاء المنافقون: من الذى أتى بنا إلى هنا .. ما لنا ولهذا الأمر؟! .. كالذين يقولون: ما لنا وفلسطين؟! , ويقولون: هم الذين باعوا أرضهم .. إن القضية يا هؤلاء!! ليست فلسطين .. هذه قضية الإسلام واليهود .. القضية قضية إسلام وكفر.
стр. 168
وإن الذى يهتم ويحزن لأحوال المسلمين ينبغى أن يفكر فى نفسه فيصلحها لتنصلح أمته الجريحة .. وليسلم لله وليقل بلسان الحال والمقال: سمعا وطاعة يا ب .. " وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "
(البقرة: ٢٨٥) .. فلا يحلق لحيته مثلا ويقول: احلقها وأرح دماغك .. لا .. فأين السمع والطاعة إذا؟!. أين التسليم الذى نتحدث عنه؟!! .. أنت لم ترح نفسك بل عصيت ربك الذى بيده الأمر والنهى.
لماذا سجن الإمام أحمد بن حنبل؟ .. من أجل العقيدة .. يقولون له: القرآن مخلوق , قال لهم: القرآن كلام الله غير مخلوق .. سجنوه وضربوه .. الذى ضربه قال: ضربت أحمد سبعة عشر سوطا لو ضربها جبل لانهد .. نعم: سجن .. وفى شعب أبى طالب كم ضرب أناس! .. النبى ﷺ نفسه سجن وضرب .. فالتأديب بالسجن والضرب الآن ليس جديدا .. " ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك " (فصلت: ٤٣) ..
أبو سيدنا إبراهيم قال له: " لئن لم تنته لأرجمنك " (مريم: ٤٦) ..
فرعون قال لموسى ﵇: " لأجعلنك من المسجونين " (الشعراء: ٢٩) ..
فهذه سنة كونية .. سنة دائمة لا تتغير .. وابتلاء أحمد بن حنبل كان من أجل كلمة ما أسهل أن يتنازل عنها الناس اليوم , بل والملتزمون.
قال أبو سعيد الواسطى: دخلت على أحمد السجن قبل الضرب فقلت: يا أبا عبدالله , عليك عيال ولك صبيان وأنت معذور , كأنى أسهل عليه الإجابة .. كأنه يقول له بلغة عصرنا: وراءك عيال وتحتاج إلى تربيتهم , قل لهم الكلمة التى يريدونها .. " القرآن مخلوق " .. واخرج
стр. 169
من هنا .. ألست من داخل قلبك تعتقد أن القرآن كلام الله؟! , إذا لا حرج عليك طالما أن قلبك مطمئن بالايمان!! فقال الامام أحمد: " يا أبا سعيد , إن كان هذا عقلك فقد استرحت!! " .. وما أكثر أصحاب العقول المستريحة فى زماننا .. أراح دماغه .. وغير عابىء بأى أمر .. وتارك نفسه مع الماشى , وحينما يموت لا يجد إلا النار.
لذلك - إخوتاه - حينما يقول الله: " هل لنا من الأمر من شىء " , نقول له: إن الامر كله لله.
الامر أمر الله .. فإذا أرادك أن تحمل فاحمل ما أمرك به .. هذه مسئوليتك .. وهذه هى الامانة التى قال الله عنها: " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " (الأحزاب: ٧٢) .. احمل مسئولية هذا الدين , فالدين أمانة .. الدين نسبك وصهرك .. الدين مسئولية كل مسلم .. الدين مسئوليتك الشخصية , وسوف تسأل عنه .. ووالله ثم والله لتسألن عن دين الله .. ماذا عملت به , وماذا قدمت له؟
قال أبو بكر الصديق لما منعوا الزكاة: أينقص الدين وأنا حى؟!! كلا والله .. فهل ينقص وأنت حى .. هل ينقص الدين فى بيتك وفى منطقتك وفى أرضك وفى كل العالم؟! .. نعم ينقص , لأنك لم تحمله.
والمنافقون هم الذين لا يريدون أن يحملوا الدين: " يقولون هل لنا من الأمر من شىء قل إن الأمر كله لله " .. يقولون لأنفسهم: ما الذى أتى بكم إلى هنا؟! .. " يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان
стр. 170
لنا من الأمر شىء ما قتلنا ها هنا " (آل عمران: ١٥٤) .. لو كان الموضوع بأيدينا! .. ما الذى جاء بنا إلى هنا؟! .. ما لنا وللقتال .. لماذا نقاتل؟! .. لا .. فليس الأمر بأيديكم , " قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " (ّل عمران: ١٥٤) .. لو لم يأتكم رسول ولو لم تخرجوا لقتلتم هنا أيضا .. طالما أنه - سبحانه - كتب عليكم أن تقتلوا هنا فسوف تقتلون هنا ولا محالة .. هذا قدر.
ولذلك فإن من يحلق لحيته حتى لا يؤذى تجده يحلقها فيؤذى .. مكتوبة مكتوبة .. فالقضية ليست قضية أسباب .. القضية من مسبب الاسباب .. انتبه .. لذلك حينما يأتى ويقول: احلق لحيتى , نقول له: يا أخى , البلاء يدفع بطاعة الله ورسوله لا بمعصية الله ورسوله .. فهل تعصى ربك لتدفع عنك البلاء؟! .. اللهم ارفع عن المسلمين البلاء.
أطع ربك .. نفذ أوامره , فالامر كله له لا لمن تخاف منهم .. سلم تسلم , فالذى أمرك الله .. الله العزيز .. الله الجبار .. الله اللطيف " الله لطيف بعباده " (الشورى: ١٩) .. الله الرحيم .. الله الحفيظ .. فكن معه , فأنت فى حماه , ولن يضيعك أبدا , فهو الله.
كلمة جليلة جدا لأبى إسماعيل الهروى يبين فيها هذا الاصل: يقول: " أن تعلم أن الامر صادر من عين من لا يخاف عواقب الامر " .. فالذى أمرك من؟ .. الله .. هل يخاف؟ .. أعوذ بالله وحاشا لله .. قال ربى: " فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها " (الشمس: ١٤ - ١٥).
стр. 171
فكن معه وسيحميك ويحرسك ويحفظك ويسددك وينجيك , وإن ابتلاك فسيرضيك.
قال ابن القيم ﵀: " اصدق الله , فإذا صدقت عشت بين عطفه ولطفه , فعطفه يقيك ما تحذره , ولطفه يرضيك بما يقدره " اهـ.
ستعيش وتحيا بين العطف واللطف .. فيعطف عليك .. فكل ماتخاف منه لن يحدث , لأنه - سبحانه - هو الملك - فلا يجرى فى الكون شىء إلا بقدره وإذنه ومشيئته , فسيحميك بعطفه .. وإذا قدر عليك شيئا تكرهه فسيرضيك بلطفه. إذا فكل لله كما يريد , يحميك ويرضك .. فسلم له تسلم.
فلان كان يقود السيارة وفى لحظة القدر لم ير أمامه , فكانت الحادثة .. وفيها حصل العطف واللطف .. فالعطف: أن السيارة تكسرت لكنه خرج هو وأولاده سالمين .. هذا عطف ..
أما اللطف: فإنه نزل من السيارة ساجدا يقول: الحمد لله .. يقولون له: السيارة انتهت , يقول: يا أخى , الحمد لله , الحمد لله .. فهذا لطف .. وعلى العكس: من يحلق لحيته: فيعصى فيؤذى فيتلفظ بما يسخط الله .. فلا هو نفذ الامر فعاش بعطف الله , ولا هو سكت فعاش سعيدا وفاز بلطف الله.
وهكذا .. إذا عشت لله فنفذت أوامره , وسلمت له زمام نفسك فأطعته فى كل مايأمرك به , سلمت , وسيرك بين عطفه ولطفه - اللهم احفظنا بعطفك ولطفك يا رب .. فسلم تسلم لتصل فالامر كله لله.
* * *
стр. 172
الأصل السابع عشر: دليل عدم رضاه عنك عدم رضاك عنه
رجل تضايقه زوجته بعض الشىء , ولكنه رجل صالح وراض وصابر ويقول: بذنوبى .. هذا الرجل الراضى يفاجأ بأن الله يرضيه , فيأتيه برجل يجلس بجواره ويقول له: يا أخى , لا أدرى ماذا أفعل مع زوجتى!! .. كلما أكلمها كلمة توبخنى وتهيننى .. فيقول صاحبنا: اللهم لك الحمد , إذا فأنا فى نعمة.
ورجل آخر كلما تضايقه زوجته يقول: يا رب , ماذا عملت فى دنياى حتى تبتلينى بهذه البلوى؟! , فيقعد الله له رجلا بجواره يقول له: يا أخى , سبحان الله! لماذا تعذب نفسك؟! طلقها واسترح من مشاكلها!! ولو رضى لأرضاه الله.
قال سفيان: قال الحسن: من رضى بما قسم الله له وسعه , وبارك الله له فيه , ومن لم يرض لم يسعه , ولم يبارك له فيه.
وقال أبو عثمان الحيرى: منذ أربعين سنة ما أقامنى الله فى حال فكرهته , وما نقلنى إلى غيره فسخطته.
لقد حدث لأحد الإخوة موقف عجيب .. كان نائما بالليل فعطش فقام يشرب ورجع فوجد زوجته قد استيقظت وتقول له: أين كنت؟
стр. 173
فقال: كنت أشرب فبكت وقالت له: لم لم توقظنى؟ لم لم تأمرنى؟ ما فائدتى إذن؟!!
فالذى وضع هذا الرجل لهذا , ووضع هذه لهذا من؟ .. الله .. فحينما ترضى يرضيك , وحينما تسخط يزيدك سخطا , قال رسول الله ﷺ : " إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم , فمن رضى فله الرضا , ومن سخط فعليه السخط " [صححه الألبانى] .. هذه هى القضية: أنك إذا كنت راضيا دائما , أرضاك الله وبعث إليك ما يرضيك ومن يرضيك.
والقصة التى مرت من خير الشواهد .. قصة حدير .. لما مشوا ووجد كل واحد منهم فى يده الهدية لم يقل: وأنا؟ ولم يرجع ليقول: أنا لم آخذ هديتى يا رسول الله .. ولو طلب لأعطاه الرسول ﷺ .. لكنّ الرجل كان راضيا , فيكفيه أن الله ذكره .. ولما ذكر الرسول ﷺ به , أرسل إليه هديته بسرعة .. فحاز الهدية وذكر الله .. لرضاه.
سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه معروف أنه كان مستجاب الدعوة , وكان قد كف بصره فى آخر عمره , قال له ابنه: يا أبت أراك تدعو للناس! هلا دعوت لنفسك أن يرد الله عليك بصرك , قال: يا بنى , قضاء الله أحب إلىّ من بصرى.
إخوتاه , هل أنتم راضون عن الله؟ , هل فعلا قضاء الله وقدره أحب إليكم مما أنتم فيه من بلاء وفتنة وغربة؟ .. إذا أردتم أن تتأكدوا , فالرضا عن الله يصح بثلاثة شروط ذكرها ابن القيم فى المدارج:
стр. 174
الأول: استواء النعمة والبلية عند العبد , لأنه يشاهد حسن اختيار الله له.
الثانى: سقوط الخصومة عن الخلق , إلا فيما كان حقا لله ورسوله ﷺ .
فالراضى لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله , وهذه كانت حال رسول الله ﷺ , فإنه لم يكن يخاصم أحدا , ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله , كما أنه لا يغضب لنفسه , فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شىء حتى ينتقم لله. فالمخاصمة لحظ النفس تطفىء نور الرضا وتذهب بهجته , وتبدل بالمرارة حلاوته , وتكدر صفوه.
والشرط الثالث: الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح , قال - تعالى - " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا " (البقرة: ٢٧٣). قال ابن عباس: إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء , وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء.
ثم يبين ﵀ أن منع الله - تعالى - لعبده عطاء , وابتلاءه إياه عافية فيقول:
" فإنه - سبحانه - لا يقضى لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرا له , ساءه ذلك القضاء أو سره. فقضاؤه لعبده المؤمن عطاء , وإن كان فى صورة المنع. ونعمة , وإن كانت فى صورة محنة.
وبلاؤه عافية , وإن كان فى صورة بلية. ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذّ به فى العاجل , وكان ملائما لطبعه. ولو رزق من
стр. 175
المعرفة حظا وافرا لعد المنع نعمة , والبلاء رحمة , وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية , وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى , وكان فى حال القلة أعظم شكرا من حال الكثرة.
فالراضى: هو الذى يعد نعم الله عليه فيما يكرهه , أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه , كما قال بعض السلف: ارض عن الله فى جميع ما يفعله بك , فإنه ما منعك إلا ليعطيك , ولا ابتلاك إلا ليعافيك , ولا أمرضك إلا ليشفيك , ولا أماتك إلا ليحييك. فإياك أن تفارق الرضى عنه طرفة عين , فتسقط من عينه ".
إخوتاه , قال الثورى يوما عند رابعة: اللهم ارض عنا. فقالت: أما تستحى أن تسأله الرضا عنك وأنت غير راض عنه؟ , فقال: أستغفر الله. ثم قال لها جعفر بن سليمان: متى يكون العبد راضيا عن الله؟ قالت: إذا كان سروره بالمصيبة مثل سروره بالنعمة.
ودخل رجل على أبى العالية فى مرضه الذى مات فيه , فقال: إن أحبه إلىّ , أحبه إلى الله .
وقيل ليحيى بن معاذ: متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه , فيقول: إن أعطيتنى قبلت , وإن منعتنى رضيت , وإن تركتنى عبدت , وإن دعوتنى أجبت.
وعن حفص بن حميد قال: كنت عند عبدالله بن المبارك بالكوفة
стр. 176
حين ماتت امرأته , فسألته: ما الرضا؟ قال: الرضا: لا يتمنى خلاف حاله.
ونظر رجل إلى قرحة فى رجل محمد بن واسع فقال: إنى لأرحمك من هذه القرحة , فقال: إنى لأشكرها منذ خرجت إذ لم تخرج فى عينى.
بشير الطبرى كان عنده مزرعة فيها أربعمئة جاموسة .. ثروة تقدر بمليون جنيه اليوم .. فهجم الروم يوما عليها , فساقوا الجواميس كلها , وكان عنده مئة عبد يحرسونها , فأرسل هؤلاء العبيد إلى بشير أن قد أخذت الجواميس , فركب مع ولد له إليهم .. فلما وصل إلى المزرعة لقيه العبيد يبكون .. يا سيدنا , يا مولانا: أخذت الجواميس , فقال: وأنتم أيضا: اذهبوا فأنتم أحرار لوجه الله .. فقال له ابنه: أفقرتنا يا أبتاه , فقال: اسكت يا بنى , إن الله أراد أن يبتلي رضائى به , فأحببت أن أزيده .. رحمك الله يا بشير .. إن الله يمتحننى أأرضى بقضائه أم لا , قلت له: لا , أنا راض جدا , وهذه الزيادة أيضا من أجلك يا رب .. اذهبوا فأنتم أحرار لوجه الله!!
العبد ذو ضجر والرب ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم
والخير أجمع فى ما اختار خالقنا ... وفى اختيار سواه اللوم والشوم
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
" وثمرة الرضا: الفرح والسرور بالرب ﵎ ورأيت شيخ الاسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - فى المنام , وكأنى ذكرت له
стр. 177
شيئا من أعمال القلب , وأخذت فى تعظيمه ومنفعته - لا أذكره الان - فقال: أما أنا فطريقتى: الفرح بالله , والسرور به. أو نحو هذا من العبارة ".
إلهى .. سسنا كيف شئت , فسوف نرضى .. إلهى:
إذا ارتحل الكرام إليك يوما ... ليلتمسوك حالا بعد حال
فإن رحالنا حطّت لترضى ... بحلمك عن حلول وارتحال
أنخنا فى فنائك يا إلهى ... إليك معرضين بلا اعتدال
فسسنا كيف شئت ولا تكلنا ... إلى تدبيرنا يا ذا المعالى
يقول ابن الجوزى - عليه رحمة الله وبركاته - فى " صيد الخاطر " تحت عنوان " فصل: تذكر أحوال الرسول ﷺ ":
" من أراد أن يعلم حقيقة الرضى عن الله فى أفعاله , وأن يدرى من أين ينشأ الرضى , فليتفكر فى أحوال الرسول ﷺ .
فإنه لمّا تكاملت معرفته بالخالق - سبحانه - رأى أن الخالق مالك , وللمالك التصرف فى مملوكه , ورأه حكيما لا يصنع شيئا عبثا , فسلم تسليم مملوك لحكيم , فكانت العجائب تجرى عليه ولا يوجد منه تغير , ولا من الطبع تأفف.
ولا يقول بلسان الحال: لو كان كذا , بل يثبت للأقدار ثبوت الجبل لعواصف الرياح.
стр. 178
هذا سيد الرسل ﷺ بعث إلى الخلق وحده , والكفر قد ملأ الآفاق فجعل يفر من مكان إلى مكان , واستتر فى دار الخيزران , وهم يضربونه إذا خرج , ويدمون عقبه , وشق السلى على ظهره , وهو ساكت ساكن.
ويخرج كل موسم فيقول: من يؤوينى , من ينصرنى؟
ثم خرج من مكة فلم يقدر على العود إلا فى جوار كافر , ولم يوجد من الطبع تأفف.
إذ لو كان غيره لقال: يا رب , أنت مالك الخلق , وقادر على النصر , فلم أذل؟
كما قال عمر رضى الله عنه يوم صلح الحديبية: ألسنا على الحق؟ فلم نعطى الدنية فى ديننا؟!!
ولما قال هذا , قال له الرسول ﷺ : " إنى عبدالله , ولن يضيعنى " , فجمعت الكلمتان الأصلين اللذين ذكرناهما.
فقوله: إنى عبدالله , إقرار بالملك وكأنه قال: أنا مملوك يفعل بى ما يشاء.
وقوله: لن يضيعنى , بيان حكمته , وأنه لا يفعل شيئا عبثا.
ثم يبتلى بالجوع فيشد الحجر , ولله خزائن السموات والارض.
стр. 179
وتقتل أصحابه , ويشج وجهه , وتكسر رباعيته ويمثل بعمّه وهو ساكت.
ثم يرزق ابنا ويسلب منه , فيتعلل بالحسن والحسين فيخبر بما سيجرى عليهما.
ويسكن بالطبع إلى عائشة رضى الله عنها , فينغص عيشه بقدفها.
ويبالغ فى إظهار المعجزات , فيقام فى وجهه مسيلمة والعنسى وابن صياد.
ويقيم ناموس الامانة والصدق , فيقال: كذاب ساحر.
ثم يعلقه المرض كما يوعك رجلان , وهو ساكن ساكت.
فإن أخبر بحاله فليعلم الصبر.
ثم يشدد عليه الموت , فيسلب روحه الشريفة وهو مضطجع فى كساء ملبد وإزار غليظ , وليس عندهم زيت يوقد به المصباح ليلتئذ.
هذا شىء ما قدر على الصبر عليه كما ينبغى نبى قبله , ولو ابتليت به الملائكة ما صبرت.
هذا آدم ﵇: يباح له الجنة سوى شجرة , فلا يقع ذباب حرصه ألا على العقر. ونبينا ﷺ يقول فى لمباح: " مالى وللدنيا "!
وهذا نوح ﵇: يضج مما لاقى , فيصيح من كمد وجده " لا تذر على الارض من الكافرين ديارا "
(نوح: ٢٦) , ونبينا ﷺ يقول: " اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون ".
стр. 180
هذا الكليم موسى ﷺ : , يستغيث عند عبادة قومه العجل على القدر قائلا:
" إن هى إلا فتنتك " (الأعراف: ١٥٥) , ويوجه أليه ملك الموت فيقلع عينه.
وعيسى ﷺ يقول: " إن صرفت الموت عن أحد فاصرفه عنّى " , ونبينا ﷺ يخير بين البقاء والموت , فيختار الرحيل إلى الرفيق الأعلى.
هذا سليمان ﷺ يقول: هب لى ملكا , ونبينا ﷺ يقول: " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ".
هذا - والله - فعل رجل عرف الوجود والموجد فماتت أغراضه وسكنت اعتراضاته فصار هواه فيما يجرى ".
فإذا رضيت يا عبدالله , فاعلم أن الله راض عنك .. فدليل عدم رضاه عنك عدم رضاك عنه .. فارض عن الله تصل إليه .. وتذكر دائما أحوال الرسول ﷺ .
* * *
следующие страницы →