← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98088

أصول الوصول إلى الله تعالى

محمد حسين يعقوب

Полный текст (319 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هذا المصدر الواحد , يستمد منه وحده , ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته , ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره , ويخدم سيدا واحدا يعرف ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه .. وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد , فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى اله واحد في السماء .. ويعقب - سبحانه - على هذا المثل الناطق الحى , بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والامن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار. وهم مع هذا ينحرفون , وأكثرهم لا يعلمون ". فهل أنت لواحد؟ أم انك لشركاء متشاكسين؟!. نعم: ان أكثر الناس اليوم منحرفون عن التوحيد ,ويعيشون في شتات , فتجد قلوبهم معلقة بالمال والزوجة والولد والبشر , فيعيشون مهمومين محزونين مشتتين مضيعين .. ولا يمكن أن يتعلق القلب بالله وحده الا بأن يكون في قلبك هم واحد: هو طلب رضا الله والاستعانة به , فهمّك وهمتك وتفكيرك دائر في تحصيل رضا الله , ساعتها تكون عبدا لله وحده .. تكون واحدا لواحد بحق , ومنها تنطلق على طريق الوصول إلى الله - تعالى. على طريق واحد: اذا كنت واحدا لواحد فلكى تصل لابد من أن يكون لك طريق واحد إلى الله - تعالى - فهما توحيدان: توحيد القصد وتوحيد المعبود.

стр. 72

هو طريق واحد لا يتعدد ولا يتغير , كما قال ربنا - جل وعلا -: " وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " (الانعام: ١٥٣) فوحد سبيله لأنه في نفسه واحد لا تعدد فيه , وجمع السبل المخالفة لأنها كثيرة ومتعددة. فكن على طريق واحد تصل وهو الطريق إلى الله وأصله: الكتاب والسنة وقال رسول الله ﷺ : " انه من يعش بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ , واياكم ومحدثات الأمور , فان كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار " [صححه الألباني] وقال ﷺ : " تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا كتاب الله وسنتى " [أحمد والترمذى وقال حسن غريب] فاسلك الطريق الواحد وإذا سلكته فلا تغير ولا تبدل لئلا تطرد .. لا تتلون ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله .. اللهم نجنا من مضلات الفتن. لما جاء حذيفة بن اليمان الموت جلس عبدالله بن مسعود عند رأسه وقال له: أوصنى , فقال له: ألم يأتك اليقين؟ قال: بلى وعزة ربى , فقال حذيفة: واياك والتلون , فان دين الله واحد. ومن التلون: استحلال الحرام , قال العلماء: الفتنة أن تستحل ما كنت تراه حراما.

стр. 73

يمشى الشاب في الطريق إلى الله سنين واعتقاده: حرمة التلفاز , ثم تفاجأ بالتلون .. نعم: لقد دخل التلفاز بيوت كثير من الملتزمين .. أدخله لأنه مفتون .. قد تلون , فصار الطريق عنده عدة طرق , فبعد أن كان يعتقد أن صلاة الجماعة في المسجد فرض عين , صار يقول: هناك مذاهب أخرى فيمكن أن أصلى في البيت .. تلون وفتور .. بعد أن كان يعتقد أن طلب العلم لازم له , وبعد أن كان يعتقد أن الدعوة إلى الله أمانة في عنقه , تخلى وانشغل بدنياه , فتشعبت به الطرق. أيها المفتون: ستموت , وستحاسب على ارائك القديمة لم غيرتها .. لم بدلت .. لم تلونت .. لم التفتّ؟ .. كان راضيا بالقليل فاذا به يستشرف لحياة المترفين والاغنياء .. لم يا عبدالله؟ لم غيرت طريقك؟ انها سكة واحدة ومنهج واحد هو الصحيح " فماذا بعد الحق الا الضلال " (يونس: ٣٢) .. أخى , الحق واحد لا يتعدد , فعلى منهجك فاثبت " قل انما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما الهكم اله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين " (فصلت: ٦). كن على طريق واحد , واعلم أن الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة منهج معصوم , ليس لأننى أقول ذلك , بل لأن الله - تعالى - أمر بذلك , قال - تعالى -: " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضى الله عنهم " (التوبة: ١٠٠) , وقال " فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق " (البقرة: ١٣٧). سئل أبو على .. الحسن بن على بن الجوزجانى: كيف الطريق

стр. 74

إلى الله؟ , فقال: الطرق إلى الله كثيرة , وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه: اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية , لأن الله يقول: " وان تطيعوه تهتدوا " (النور: ٥٤) فقيل له: كيف الطريق إلى السنة , فقال: مجانبة البدعة , واتباع ما اجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام , والتباعد عن مجالس الكلام واهله ولزوم طريقة الاقتداء , وبذلك أمر النبى ﷺ بقوله : " ثم أوحينا إليك ان اتبع ملة إبراهيم " (النحل: ١٢٣). وقال أبو الحسن الوراق: لا يصل العبد إلى الله الا بالله وبموافقة حبيبه ﷺ في شرائعه , ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء , يضل من حيث يحسب انه مهتد. وقال أبو بكر الطمستانى: الطريق واضح , والكتاب والسنة بين أظهرنا , وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم , فمن صحب منا الكتاب والسنة وتغرب عن نفسه والخلق وهاجر بقلبه إلى الله , فهو الصادق المصيب. وعن طريق البدع يقول الحسن: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا , صياما وصلاة , الا ازداد من الله بعدا. وعن أبى إدريس الخولانى أنه قال: لأن أرى في المسجد نارا لا استطيع اطفائها أحب إلى من ان ارى فيه بدعة لا استطيع تغييرها. فتمسك - أخى - بما كان عليه سلفك الصالح , وابتعد عن البدع واهلها وكن على طريق واحد " طريق السنة " ولا تلتفت.

стр. 75

قال بندار بن الحسين: صحبة أهل البدع تورث الاعراض عن الحق. وقال حمدون القصار: من نظر في سير السلف , عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال. قال الشاطبى: " وهذه - والله أعلم - اشارة إلى المثابرة على الاقتداء بهم , فانهم اهل السنة ". اخوتاه: الطريق إلى الله واحدة لا تتغير ابدا فلسنا نجدد في منهجنا أو نغيره أو نبدله أو نعدله: هو منهج واضح , والثبات عليه هو سر الوصول إلى الله , فان غيرت أو بدلت أو جددت أو التفت ضعت. قال ابن القيم: " لو أن عبدا اقبل على الله الف سنة , ثم التفت عن الله لحظة واحدة , لكان ما خسر في هذا اعظم مما حصله في الالف سنة " اهـ. فسر - أخى - ولا تلتفت .. انطلق على طريق واحد .. انطلق وكن واحدا لواحد على طريق واحد تصل باذن الله. * * *

стр. 76

الأصل الثالث: ما لا يكون بالله لا يكون وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم تدبر هذه القاعدة , فالزم " اياك نعبد واياك نستعين " .. وهاك بيانها: ما لايكون بالله لا يكون: العبد ضعيف .. خلق في الأصل محتاجا فقيرا , قال الله: " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد " (فاطر: ١٥) , وقال - تعالى -: " وخلق الإنسان ضعيفا " (النساء: ٢٨) بأصل خلقتك ضعف , انظر قول الله عو وجل " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا " (النساء: ٨٣) , وقال - تعالى -: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء " (النور: ٢١). وقال - سبحانه - " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " (الاسراء: ١٨ - ٢١).

стр. 77

" كلا نمد " .. من الممد؟ الله , ومن المستعان؟ الله .. الله هو الممد المعطى المستعان .. الله هو الموفق المسدد .. الله هو الذي يصطفى ويختار .. فالسير في الطريق إلى الله مبنى على الاصطفاء والاختيار , فاذا اختارك واصطفاك هيأك. قال الله - تعالى - في حق يونس ﵇ " فاجتباه ربه فجعله من الصالحين " (القلم: ٥٠) اجتباه فجعله .. فأنت ضعيف لا طاقة لك .. أنت ضعيف لا قوة لك ولا قدرة لك ولا حول لك الا ان تكون بالله , فما لا يكون بالله لن يكون , فالذى أتى بك إلى المسجد , الله , والذى أنطق فأسمع , الله .. الله هو الذي اجتباك وجعلك من الملتزمين. أخى في الله , حبيبى في الله على طريق الحق للوصول إلى الله , الزم: اياك نعبد واياك نستعين " تبرأ من حولك وقوتك والجأ إلى حوله وقوته واستعن به , استعن به وتوجه إليه واطلب منه .. استعن به وحده يكن لك .. كما قال العلماء: كن لله كما يريد , يكن لك فوق ما تريد. قال رسول الله ﷺ : " احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك , اذا سألت فاسأل الله , وإذا استعنت فاستعن بالله , واعلم ان الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشىء لم ينفعوك الا بشىء قد كتبه الله لك , وان اجتمعوا على أن يضروك بشىء لم يضروك الا بشىء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ". [صححه الألباني]

стр. 78

" احفظ الله يحفظك " والاعجب منها: " احفظ الله تجده تجاهك " احفظ الله تجده معك , في اتجاهك في الاتجاه الذي تريده تجده - سبحانه - تجاهك. ان كثيرا منا حين يسير في الطريق إلى الله فيصيبه الفتور أو يفتن فيتراجع , يظل طيلة الوقت يسأل عن السبيل إلى الرجوع ويعلّم أسباب الرجوع ويأخذ بالأسباب وينسى الله , فلا تؤتى الاسباب ثمرتها تقول له: افعل كذا , يقول: فعلت ولم أجد فائدة , افعل كذا .. فعلت ولا فائدة .. افعل , فعلت وفعلت .. وفعلت .. نعم: فعل ولم يستعن بالله فلم توجد ثمرة , ولا يوجد ولن توجد الا بالله. وتأمل معى هذا الحديث العظيم ليثبت يقينك في هذه القاعدة: ما لا يكون بالله لا يكون , وأضف اليها القاعدة الأولى والأصل الأول: عليك البداية وعليه التمام: يقول الله - تعالى - في الحديث القدسى: " يا عبادى كلكم ضال الا من هديته فاستهدونى أهدكم يا عبادى كلكم جائع الا من أطعمته , فاستطعمونى أطعمكم , يا عبادى كلكم عار الا من كسوته , فاستكسونى أكسكم , يا عبادى انكم تخطئون بالليل والنهار , وانا اغفر الذنوب جميعا , فاسغفرونى أغفر لكم .. ". [مسلم] هكذا: " كلكم " الا من سأل الله فأعطاه .. فلن تؤتى شيئا الا

стр. 79

وعند الله خزائنه " وما ننزله الا بقدر معلوم " (الحجر: ٢١) فاستعن بالله تعن واستهده تهد .. وهكذا: ما لا يكون بالله لا يكون. فكن لله يكن لك. والا فالضياع والتيه ثم الهلكة عياذا بالله - تعالى - .. " ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم " (آل عمران: ١٠١). وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم: اخوتى في الله , ما كان لغير الله اضمحل .. يضمحل .. يتلاشى كالرسوم على رمال الشاطىء تمحوها أمواج البحر .. نعم: ما كان لله دام واتصل , وما كان لغير الله انقطع وانفصل. شجرة الصفصاف تقطع في ثلاثة أشهر ما تقطعه شجرة الصنوبر في ثلاثين سنة , ثم تقول لها: ما قطعتيه في ثلاثين سنة قطعته في ثلاثة أشهر ويقال لي شجرة ويقال لك شجرة , فتقول لها الصنوبرة: اصبرى حتى تهب رياح الخريف فان ثبتّ لها تم فخرك. وعندما ثبتت دودة القز تنسج , قامت العنكبوت تنسج وقالت لها: لك نسج ولى نسج , فقالت دودة القز: أما نسجك فمصايد الذباب , وأما نسجى فأردية الملوك , وحال اللمس يبين الفرق. نعم: هكذا - اخىّ - اذا هبت رياح الابتلاء فثبت لها تم فخرك , فليست القضية بصورة العمل فقد تتساوى الاشجار في المناظر ويسمى الكل نسجا , ولكن البهرج لا يدوم , قال الله " كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " (الرعد: ١٧).

стр. 80

فهؤلاء الذين يدخلون الطريق إلى الله لشهوة أو لهوى أو لحظ نفس لا ينفعون ولا ينتفعون , ولا يستطيع أحدهم أن يتم عملا ولو كان بسيطا , وحين يبدأ في مشروع خير كطلب علم أو عبادة أو دعوة إلى الله تجده ينقطع ولا يداوم عليه , ونسأل: ما السر؟!!. ان السر الدفين - اخوتاه - لعدم القبول هو وجود حظ للنفس في العمل , فالذى يأتى إلى صلاة الجمعة - ليس لله - والذى يقوم الليل أو يصوم النهار , يحفظ القرآن أو يتعلم العلم , أو يؤم الناس أو يخطب الجمعة , أو يعطى درسا , أو .. أو .. وفى العمل شائبة من حظ النفس , فعمله باطل باطل .. أحبطه حين عمله لحظ نفسه ". نعم: سل نفسك: عملك لمن؟ واصدق ولا تتهرب فالأمر جد خطير .. ألا تخاف من هذه الكلمة التي تقض المضاجع:" عملت ليقال وقد قيل , فلا أجر لك عندى ثم يسحب على وجهه إلى جهنم" اعلم - أخىّ - أنك اذا صليت ثم خرجت فلم تنهك صلاتك عن الفحشاء والمنكر - اعلم أنك ما صليت لله , فلو صليت له لأعطاك الثمرة , وإذا حفظت القرآن فلم تزجرك نواهيه ولم تلزمك أوامره فاعلم أنك لم تحفظه لله , فالله شكور .. يشكر على القليل .. اذا عملت له عملا لابد أن يثيبك ويشكرك عليه , ويعطيك منه , فاذا لم تعط فاتّهم عملك .. اتهم عملك فان المعبود كريم.

стр. 81

فالإخلاص الإخلاص - اخوتاه - الإخلاص والا الضياع .. الإخلاص والا الشرود عن طريق الله الإخلاص حتى لا تضلوا السبيل .. الإخلاص نور الطريق. كان الفضيل بن عياض يقول: اذا كان يسأل الصادقين عن صدقهم , مثل إسماعيل وعيسى - عليهما الصلاة السلام - فكيف بالكذابين من أمثالنا؟! وكان ﵀ اذا قرأ: " ونبلو أخباركم " يقول: اللهم انك ان بلوت أخبارنا فضحتنا وهتكت استارنا , عافيتك هى أوسع لنا , وأنت أرحم الراحمين. قال أبو عثمان المغربى: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. وقال سهل بن عبدالله التسترى: نظر الاكياس في تفسير سورة الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سره وعلانيته لله تعالى , لا يمازجه شىء لا نفس ولا هوى ولا دنيا. وقيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن , ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق. يقول أخى الشيخ سيد العفانى - حفظه الله تعالى -:" فاعقل درجتك ولا تزه عند الخلق وجوهرك جوهر الفضائح وسيماك سيما الأبرار , وعد نفسك مع أنفس الكذابين , وروحك مع أرواح الهلكى

стр. 82

وبدنك مع أبدان المذنبين , وأقبل على تعلم الإخلاص , فوالله ان علمه خير العلم , وفقهه الفقه كل الفقه. يا اخوتاه , الإخلاص مسك القلب , وماء حياته ومدار فلاحه كله عليه , نعم: بضاعة الاخرة لا يرتفع فيها الا مخلص صادق. ولا نجاة ولا فقه الا مع سير السلف الصالحين , فقد كان الشيوخ في قديم الزمان أصحاب قدم. والطلاب أصحاب ألم , فذهب القدم والألم , اليوم غصة ولا قصة , وان التربية بالقدوة خير وسائل التربية , والحكايات عن سلفنا جند من جنود الله - تعالى - يثبت الله بها قلوب أوليائه ". قال الامام أبو حنيفة: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلى من كثير من الفقه , لأنها آداب القوم واخلاقهم , قال الله - تعالى - " لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالباب " (يوسف: ١١١) , وقال - تعالى - لنبيه " اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " (الانعام: ٩٠). وانطلاقا من هذا الكلام الطيب , فان الحديث عن الإخلاص والمخلصين , وهاك طرفا منه: الصلاة: قال أبو تميم بن مالك: كان منصور بن المعتمر اذا صلى الغداة , أظهر النشاط لأصحابه , فيحدثهم ويكثر اليهم , ولعله انما بات قائما على أطرافه كل ذلك يخفى عليهم العمل.

стр. 83

قال أبو إسحاق كعب الاحبار صاحب الكتب والاسفار: من تعبد لله ليلة حيث لا يراه أحد يعرفه خرج من ذنوبه كما يخرج من ليلته. صدقة السر: وهذا زين العابدين على بن الحسين: يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل , فيتصدق به ويقول: ان صدقة السر تطفئ غضب الرب . ولما مات وجدوه يقوت مئة أهل بيت بالمدينة , ولما جاءوا يغسلونه وجدوا بظهره أثار سواد فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة. الصوم: وإذا ذكر الصوم وإخفاؤه فاذكر داود بن أبى هند .. صام أربعين سنة لا يعلم به أهله ولا أحد وكان خزازا يحمل معه غذاءه من عندهم فيتصدق به في الطريق ويرجع عشيا فيفطر معهم فيظن أهل السوق أنه قد أكل في البيت ويظن أهله أنه قد أكل في السوق. قال إبراهيم بن أدهم: لا تسأل أخاك عن صيامه فإن كان قال: أنا صائم فرحت نفسه وإن قال: أنا غير صائم حزنت نفسه وكلاهما من علامات الرياء , وفى ذلك فضيحة للمسئول واطلاع على عوراته من السائل. الذكر وقراءة القرآن: قال ابن الجوزى: كان إبراهيم النخعى اذا قرأ في المصحف فدخل داخل غطاه.

стр. 84

وكان الامام أحمد يقول: أشتهى مالا يكون .. أشتهى مكانا لا يكون فيه أحد من الناس. البكاء: قال الثورى: البكاء عشرة أجزاء تسعة لغير الله وواحد لله فاذا جاء الذي لله في السنه مرة فهو كثير. قال ابن الجوزى: كان ابن سيرين يتحدث بالنهار ويضحك فاذا جاء الليل فكأنه قتل أهل القرية. حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا من مبلغ الملبسينا عما بانتزاحهم ... حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا أن الزمان الذي قد كان يضحكنا ... أنسا بقربهم قد عاد يبكينا ليسق عهدكم عهد السرور فما ... كنتم لارواحنا الا رياحينا قال محمد بن واسع: إن كان الرجل ليبكى عشرين سنه وامرأته معه في لحافة لا تعلم به. وقال سفيان بن عيينة: أصابتنى ذات يوم رقة فبكيت فقلت في نفسى: لو كان بعض أصحابنا لرق معى ثم غفوت فأتانى أت في منامى فرفسنى وقال: يا سفيان خذ أجرك ممن أحببت أن يراك!! العلم: قال الشافعى: وودت ان الخلق تعلموا هذا (يعنى علمه) على أن لا ينسب إلىَّ حرف منه .

стр. 85

وقال عون بن عمارة: سمعت هشام الدستوائى يقول: والله ما أستطيع أن أقول: إنى ذهب يوما قط أطلب الحديث اريد به وجه الله . قال الذهبى: والله ولا أنا .. فاللهم أعف عنا! أصحاب السرائر والخوف من الشهرة: قال ابن المبارك عن إبراهيم بن ادهم: صاحب سرائر وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا من الخير ولا أكل مع قوم إلا كان آخر من يرفع يده. يقول امام الوعاظ ابن الجوزى: اشتهر ابن ادهم ببلد فقيل: هو في البستان الفلانى فدخل الناس يطوفون ويقولون: أين إبراهيم بن ادهم؟ فجعل يطوف معهم ويقول: اين إبراهيم بن ادهم؟! وانظر إلى العلاء بن زياد العدوى الذي قال فيه الحسن البصرى: إلى هذا والله انتهى استقلال الحزن .. قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة فقال له: ويحك!! أما وجد الشيطان أحد يسخر به غيرى وغيرك. قال الامام أحمد: كان سفيان الثورى اذا قيل له رئيت في المنام يقول: أنا أعرف بنفسى من أصحاب المنامات. وإبراهيم النخعى الامام الفقيه: كان لا يجلس إلى الساريه في المسجد توقيا للشهره , كان يقول: تكلمت ولووجدت بدا ما تكلمت فإن زمانا أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء.

стр. 86

وكان يقول: خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن البلاء تفردى بالسؤدد وكان محمد بن يوسف الاصبهانى: (عروس الزهاد) لا يشترى زاده من خباز واحد قال: لعلهم يعرفونى فيحابونى فاكون ممن اعيش بدينى. وسفيان الثورى: الذي قال عنه الامام احمد: أتدرى من الامام؟ الامام سفيان الثورى لا يتقدمه أحد في قلبى .. كان ﵀ لا يترك أحدا يجلس إليه إلا نحو ثلاثة أنفس فغفل يوما فرأى الحلقة قد كبرت فقام فزعا وقال: أخذنا والله ولم نشعر والله لو أدرك أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه مثلى وهو جالس في هذا المجلس لاقامه , وقال له: مثلك لا يصلح لذلك. وكان ﵀ اذا جلس لاملاء حديث يجلس مرعوبا خائفا وكانت السحابة تمر عليه فيكست حتى تمر ويقول: أخاف أن يكون فيها حجارة ترجمنا بها. وكان يقول: كل شىء أظهرته من عملى فلا أعده شيئا لعجز أمثالنا عن الإخلاص إذا رأه الناس .. رحمك الله يا سفيان ولله درك يا أمام كما علمتنا أن نكون لله. مر الحسن البصرى على طاووس وهو يملى الحديث في الحرم في حلقة كبيرة فقرب منه وقال له في اذنه: إن كانت نفسك تعجبك فقم من هذا المجلس فقام طاووس فورا.

стр. 87

قال بشر: لا ينبغى لامثالنا أن يظهر من أعماله الصالحة ذرة فكيف بأعماله التي دخلها الرياء؟! فالاولى بأمثالنا الكتمان!. وكان مالك بن دينار يقول: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف. وقال الفضيل: من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلى. أخواتاه أطلنا الكلام مع المخلصين لاهميته فبدون الإخلاص لا يكون للاعمال أى قيمة ولن تصل إلى الله على الإطلاق ما دمت مرائيا .. فأبدأ من الآن وكن بكلك لله .. أخلص وإلا فلا تتعن .. أخلص وإلا فالخسار والدمار وخراب الديار. أخواتاه ما لا يكون بالله لا يكون , وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم .. فاستعينوا بالله وأخلصوا لله والزموا " اياك نعبد واياك نستعين " تصلوا إلى الله - تعالى - بأمان واطمئنان. * ... * ... *

стр. 88

الأصل الرابع: الشكر أساس المزيد: إن من أخطر أصول الوصول إلى الله - تعالى - شكر نعمة الله على أن هيأك ويسر لك وحبب إليك أن تسلك سبيلا إليه .. وان اختيار هذا الطريق رغبة ورهبة وطلبا لرضا الله وخوفا من عذابه .. نعمة. وان معرفة الطريق إلى والشغف بالسير فيها والحرص على التقدم .. نعمة .. والاعمال الصالحة من تلاوة وذكر وصيام وقيام وتبتل وتهجد واحسان وبر وغيرها , هى حوامل الوصول في هذا الطريق. وهى نعمة .. وهذه النعم ان لم تدم وتزد وتبارك كان النكوص والارتداد والسلب والحرمان .. ولا سبيل قط إلى حراسة النعم وحمايتها وزيادتها الا بالشكر. جاء وفد اليمن إلى رسول الله ﷺ وكان فيهم رجل يسمى حديرا , فلما أرادوا الانصراف - وكان من سنة رسول الله ﷺ أن يعطى كل ضيف جائزته - أعطى لكل فرد هدية , وكان حدير مشغولا بذكر الله بعيدا عن عين رسول الله ﷺ , فاستحيى حدير أن يطلب جائزته ,فانطلقوا وانطلق معهم حدير , وبعد ان انصرفوا إذ بجبريل ينزل على رسول الله ﷺ ويقول: ربك يقرئك السلام ويذكرك بحدير - يذكرك أنك نسيت حديرا - فطلب رسول الله ﷺ فارسا وأعطاه هدية وقال: " الحق

стр. 89

القوم فاسأل عن حدير وأعطه هجيته وأقرئه منى السلام " فلما أدركهم قال: أين حدير؟ قالوا له: هذا فقال له: رسول الله يقرئك السلام ويقول لك: " انه نسيك فذكره بك الله " فقال حدير: " اللهم كما لم تنس حديرا , فاجعل حديرا لا ينساك " فكان أكثر الناس ذكرا لله. " اللهم كما لم تنس حديرا فاجعل حديرا لا ينساك " .. هذا هو موطن الشاهد وهو شكر النعمة على مقتضاها وهو طلب الزيادة من خير الاخرة. أيها الاخوة , ابتلى أحد الاخوة بمرض السكر فقال لي: استفدت من هذا المرض فائدة: ما عرفت نعمة الله في أن أنام ثلاث ساعات متواصلة الا بعد المرض , فكل ساعة أقوم لأدخل الحمام!! .. فهل نمت أنت ثلاث ساعات متواصلة؟! هل شكرت هذه النعمة؟ .. اذا ابتليت - نسأل الله لنا ولك العافية - ستعرف هذه النعمة وتقدرها. هذا الرجل المكسور يقول: أود أن اتقلب على جنبىّ!! فهل تتقلب على جنبيك وأنت نائم؟! هل شكرت هذه النعمة؟ هل فكرت مرة أن تذهب إلى المستشفيات لترى المقعدين الذين لا يملكون حراكا؟ لترى في قسم الحرائق ما فعلته النيران في الوجوه الجميلة؟ ولترى في قسم العيون من فقدوا نور أعينهم؟!. كان بكر بن عبدالله المزنى ﵀ يقول: يا ابن آدم اذا أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. هل رأيت أصحاب المحاليل المعلقة؟!! وهل رأيت من عاشوا حياتهم في المستشفيات ثم ماتوا؟! كل هذه النعم التي فقدها الاخرون وملكتها أنت هل شكرت الله عليها؟!!.

стр. 90

وأنت أيها المريض المبتلى هل شكرت النعم التي أنت غارق فيها؟! هل نظرت إلى من هم أشد منك بلاء؟! .. وان كنت أنت أشد المرضى ألما فهل شكرت الله على ان ابتلاك في جسدك وحفظ لك قلبك فملأه بالايمان؟! هل شكرت هذه النعمة: نعمة الايمان والتوحيد التي هى أعظم النعم. عن مجاهد في قوله " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " (لقمان: ٢٠) قال: لااله الا الله. وعن سفيان بن عيينة قال: ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرفهم: أن لا اله الا الله. قال: وان " لا اله الا الله " لهم في الاخرة كالماء في الدنيا. لقد كان من هدى رسول الله ﷺ تذكر فاقد النعمة ليعظم عنده شكرها , فكان رسول الله ﷺ اذا أوى إلى فراشه يقول: " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا وكم ممن لا كافى له ولا مأوى " [مسلم] فداك أبى وأمى ونفسى يا رسول الله ﷺ . قال سلام بن أبى مطيع: دخلت على مريض أعوده , فإذا هو يئن فقلت له: اذكر المطروحين في الطريق , اذكر الذين لا مأوى لهم , ولا لهم من يخدمهم. قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فلم أسمعه يئن. قال: وجعل يقول: اذكر المطروحين في الطريق , اذكر من لا مأوى له ولا له من يخدمه.

стр. 91

اخوتاه , شكر النعم أصل , قال الملك: " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد " (إبراهيم: ٧) قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: " من أنعم عليه بنعمة فلم يشكرها عذب بتلك النعمة ذاتها ولابد " اهـ. عرفت - أخى الملتزم - ما سبب الفتور؟ لأنك لم تشكر نعمة الالتزام , فلو شكرت هذه النعمة لزادك الله التزاما , قال - تعالى - " والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم " محمد: ١٧) لكن لما لم تشكر نعمة الالتزام فترت , وتراجع التزامك. قال الحسن: ان الله ليمتع بالنعمة ما شاء , فإذا لم تشكر قلبها عليهم عذابا. نعم: كل من أعطى أولادا فلم يشكر نعمة الأولاد يعذب بهم , ومن أنعم الله عليه بزوجة فلم يشكر نعمة الزوجة عذب بها , ومن أعطى مالا فلم يشكره عذب به ولابد .. وهكذا: كل نعمة لا تشكرها تعذب بها .. وسر الشكر استخدام النعمة في طاعة المنعم. شكر حدير النعمة وسأل الله ألا ينسيه ذكره , ولو أننى أنا الذي جاءونى بالهدية لشغلنى فرحى بالهدية عن ذكر الله .. واقع مر .. كثير من المسلمين مشغول بالنعمة عن المنعم , مشغول بالبلية عن المبتلى , مشغول عن الله بغير الله , ناس له , غافل عنه. اخوتاه , سليمان بن داود هذا النبى الصالح ابن النبى الصالح

стр. 92

- ﵉ ما شغله الملك - الذي ما آتاه الله أحدا من العالمين قبله ولا بعده - عن الشكر والتحدث بنعم الله عليه. قال - تعالى - " وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء ان هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التي أنعمت علىّ وعلى والدىّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلنى برحمتك في عبادك الصالحين " ... (النمل: ١٦ - ١٩). ولما حمل إليه عرش بلقيس قال " هذا من فضل ربى ليبلونى ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم " (النمل: ٤٠). عن الحسن قال: قال نبى الله داود: " إلهى لو أن لكل شعرة منى لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر ما وفيت حق نعمة واحدة ". قال ابن القيم:" حبس السلطان رجلا فأرسل إليه صاحبه: اشكر الله فضرب , فأرسل إليه: اشكر الله. فجىء بمحبوس مجوسى مبطون فقيد وجعل حلقة من قيده في رجله وحلقة في الرجل المذكور , فكان المجوسى يقوم بالليل مرات , فيحتاج الرجل أن يقف على راسه حتى يفرغ فكتب إليه صاحبه: اشكر الله. فقال له: إلى متى تقول: اشكر الله وأى بلاء فوق هذا؟ فقال: لو وضع الزنار الذي في وسطه في

стр. 93

وسطك كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك , ماذا كنت تصنع؟ فاشكر الله ". ودخل رجل على سهل بن عبدالله فقال: اللص دخل دارى وأخذ متاعى فقال: اشكر الله , فلو دخل اللص قلبك - وهو الشيطان - وأفسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع؟ ". سئل بعض الصالحين: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت وبنا من نعم الله ما لا يحصى مع كثير ما يعصى , فلا ندرى على ما نشكر: على جميل ما نشر , أو على قبيح ما ستر؟ وقال آخر: أصبحت بين نعمتين لا أدرى أيتهما أعظم: ذنوب سترها الله علىّ , فلا يقدر أن يعيرنى بها أحد , ومحبة قذفها الله في قلوب الخلق لا يبلغها عملى. نعم - اخوتى في الله -: من أصول السير إلى الله: كلما أنعم الله عليك بنعمة فاشكرها .. اذا حفظت آية فاشكرها , اذا ذكرته لحظة فاشكرها , اذا أعفيت لحيتك اشكرها , اذا صليت جماعة اشكرها , اذا تعلمت مسألة اشكرها , اذا قمت ليلة اشكرها , اشكر الله على نعمته , لأنك ان لم تشكره تعذب .. تلك سنة ربانية , فلذلك انشغل بشكر النعمة. ولكن كيف يكون شكر النعمة؟ الشكر يقوم على خمسة أركان: ١ - الاقرار بالنعمة ... ٢ - الثناء على الله بالنعمة

стр. 94

٣ - الخضوع لله بالنعمة ... ٤ - حب المنعم ٥ - استعمال النعمة في شكر المنعم عن عنبسة بن الأزهر قال: كان محارب بن دثار - قاضى الكوفة - قريب الجوار منى فربما سمعته في بعض الليل يقول: " أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد , وأنا الضعيف الذي قويته فلك الحمد , وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد , وأنا الغريب الذي وصيته فلك الحمد , وأنا الصعلوك الذي مولته فلك الحمد , وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد , وأنا الساغب (الجائع) الذي أشبعته فلك الحمد , وأنا العارى الذي كسوته فلك الحمد , وأنا المسافرالذى صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد وأنا الراحل الذي حملته فلك الحمد وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد وأنا الداعى الذي أجبته فلك الحمد فلك الحمد ربنا حمدا كثيرا على حمدى لك " اهـ. لله ما أحلى هذا الكلام!! .. نعم - والله -: كان كلامهم دواء للخطائين. يا رب " تم نورك فهديت , فلك الحمد , عظم حلمك فغفرت , فلك الحمد , وبسطت يدك فأعطيت , فلك الحمد , ربنا وجهك أكرم الوجوه , وجاهك أعظم الجاه , وعطيتك أفضل العطية وأهنأها , تطاع ربنا فتشكر , وتعصى فتغفر , وتجيب المضطر , وتكشف الضر , وتشفى السقيم ,

стр. 95

وتغفر الذنب , وتقبل التوبة , ولا يجزى بآلائك أحد , ولا يبلغ مدحتك قول قائل " .. فلك الحمد. اخوتاه , الشكر أساس المزيد. أحبتى في الله , يا من عزمتم السير إلى الله , اشكروا الله .. اشكروا الله .. اشكروا الله يزدكم .. عن على رضى الله عنه أنه قال لرجل من أهل همدان " إن النعمة موصولة بالشكر , والشكر متعلق بالمزيد , وهما مقرونان في قرن , فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد " اهـ. فإذا رأيت إيمانك - أخى في الله - لا يزيد فارجع إلى الشكر .. اشكر تزدد إيمانا , فإن الشكر أساس المزيد. * * *

стр. 96

الأصل الخامس: املك عصا التحويلة بعض الناس يركب القطار ويظن أن السائق هو الذي يقوده , وينسى أن هناك عاملا بسيطا بيده عصا صغيرة يحول بها مجرى القطار كله رغم أنف السائق .. فعصا تحويلة قلبك في يد من؟! أيها الاخوة: الصراط مدحضة مزلة , تزل عنه الاقدام , فمع طول السفر قد تتحول الاقدام عن الطريق دون شعور , ولذا ينبغى أن تملك عصا التحويلة فلا تسلمها لأحد يتحكمك بها غير الله الذي يهديك الصراط المستقيم , صراط الوصول إليه - سبحانه -. فكم منا من سلم العصا لزوجته فحولته من طالب علم إلى طالب دنيا , وكم منا من سلمها لأولاده فحولوا همه من طالب جنة إلى طالب مال .. عصا تحويلة قلبك في يد من؟ أسلمتها لمن؟ لصاحب .. لزميل .. لشيخ .. لمدير؟!! أخى في الله , سل نفسك من المتحكم فيك , ومن الذي يسير قلبك , هل الله وحده؟ أم أشياء أخر؟ قف مع نفسك وقفة لتسلم قلبك لله يقودك كيف شاء. أخى في الله , استسلم لله .. سلم قلبك لله , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 97

" ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان , فدوروا مع القرآن حيث دار ". [أخرجه الحاكم بلفظ: دوروا مع كتاب الله حيث دار - وبهذا اللفظ ضعفه الألباني] نعم: إننا نحتاج أن نملك عصا التحويلة لندور مع القرآن , لندور مع الشرع , لندور مع الدين , مع الامر والنهى , فلا نثبت على الباطل. أخى , عصا التحويلة خطر , فأى لعب بها قد يتسبب في أن يحيد القطار عن طريق الوصول , وربما اصطدم فانقلب , فتحكم - أخى - في كل ذرة من قلبك , ووجهها إلى الله وحده , حرك قطار نفسك في طريق واحد .. طريق الوصول إلى الله .. أخى , سرت إلى الله سنين ثم تحولت , فما الذي حولك؟! من الذي حولك؟! لم تغيرت فغيرت اتجاهك؟! لم انزلقت رجلك فخرجت عن طريق السير إلى الله؟! إننا بحاجة - إخوناه - لأن نملك عصا التحويلة , لكى نعيد السير إلى الطريق مرة أخرى , حتى وإن حدنا أو تهنا أو خضنا أو ضللنا أو أخطأنا أو أذنبنا .. لابد من العود .. ارجع والله كريم يقبل توبة العبد إذا تاب , قال الملك ﷻ " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " (النساء: ١١٠) .. فعد إلى الله واتجه إلى الله , وقف على طريق السير إلى الله. فبعصا التحويلة غير اتجاهك , وحول قلبك إلى الصراط المستقيم .. عدل طريقك , وانظم سيرك , ووجه قلبك تجد الله غفورا رحيما .. املك عصا التحويلة تسلك طريق الوصول إلى الله. * * ... *

стр. 98

الأصل السادس: يومك يومك أيها الاخوة , الله ﷻ حين خلق العبد ما خلقه الا ليعبده , قال - تعالى - " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون " (الذاريات: ٥٦) ثم أجرى الله اللطيف الرحيم تكاليفه على العبد فكلفه ما يطيق. قال الملك: " ولو شاء الله لأعنتكم " (البقرة: ٢٢٠) يعنى: ولو شاء الله لأوقعكم في العنت والمشقة والتعب , ولكن الله يقول: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (البقرة: ١٨٥) ويقول : " يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا " (النساء: ٢٨). فمن رحمة الله ولطفه بالعبد في التكاليف أنه كلفك كل يوم على قدر يومك , لكى لا يعنتك , ولذا فإن من ظلم العبد لنفسه أن يحمل هم غد .. من رحمته - سبحانه - أن جعل التكاليف يوما بيوم .. فلو صليت العشاء لا يطالبك الله بشىء أو فرض حتى أذان الفجر , فكل وقت له واجب , والله لا يطالبك الا بواجب الوقت .. لا يطالبك - سبحانه - بواجب الغد .. أما اليوم فنعم. إنك لو مت الآن قبل صلاة العشاء لن يسألك الله عن العشاء .. لو مت قبل أن يمر العام ويحول الحول , لن تسأل عن زكاة هذه السنة .. لو

стр. 99

عشت عمرك ولم يبلغ مالك النصاب لا يسألك الله عن الزكاة .. وهذا كله من رحمة الله .. فمن ظلم العبد لنفسه حمل هم غد. تجد الرجل اليوم جالسا يفكر: آخر الشهر من أين سنأتى بالنقود .. يا أخى أين أنت وأين آخر الشهر؟! .. تجده يتكلم ويقول: الأولاد عندما يكبرون أين سيعيشون؟ .. يا أخى عندما يكبرون فلهم رب يتكفل بهم أحن عليهم منك .. وهكذا يحمل الهمّ فينشغل به. تجد الأب في زماننا - للاسف الشديد - مشغولا بشراء قطعة أرض ليبنى بيتا للاولاد .. مشغولا بسعادتهم الدنيوية وراحتهم البدنية , فينسى في خضم المشاكل والظروف أن يعرفهم طريق الله. سبحان الله العظيم!! .. عمر بن عبد العزيز كان له أحد عشر ولدا ذكرا , غير الاناث , فلما جاءه الموت قال له كاتبه رجاء بن حيوة: لو أوصيت بهم أحدا .. أوص عليهم أحدا ينفق عليهم .. قال له ذلك , لأن عمر بن عبد العزيز لم يترك وهو يموت الا عشرة دراهم .. أحد عشر ولدا ورثهم أحد عشر درهما. قال له عمر بن عبد العزيز: والله لست أوصى بهم أحدا الا الله , ان يكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين , ثم جمعهم فقال: إنى أموت ولم أترك لكم شيئا , غير أنكم ما مررتم بأحد من المسلمين إلا وهو يعلم أن لكم عليه حقا. وهذه الكلمة الأخيرة كلمة جميلة .. أنك حين تترك أولادك ويكون لك ذكرى طيبة عند الناس , تجدهم كلما مر عليهم الأولاد يقولون: اللهم ارحم أباكم , لقد كان رجلا صالحا .. وهذه تكفى.

стр. 100

نعم , هذا هو الوالد الحقيقى الذي عرف الطريق إلى الله فعرفه لأبنائه , لا ذالكم الأب الذي ضيع أيامه وانشغل بالدنيا .. وتعجب حين تعلم أن هذا الأب كلما انشغل بالأولاد ليرضيهم لا يرضون فتزداد المشاكل والهموم , ولو أنه شغل نفسه وعياله بالله لحلت المشاكل. إننا اليوم ونحن ننظر في واقع المسلمين , لا نجد أحدا يعيش يومه فالكل ينظر للمستقبل وناس أنه يمكن ألا يكمل يومه .. قال ابن عمر: " إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ". لقد تعجبت لبعض الافكار والاخلاقيات التي وصلت إلى القرى!! وكيف لا أدهش ونحن دائما نعد هؤلاء الفلاحين أصولنا .. هؤلاء أولاد الأصول .. هؤلاء هم الناس الذين يفهمون في الأصول , ألا لعنة الله على الظالمين الذين لوثوا صفاء الريف الروحى. أفسد التلفاز أخلاقياتهم , فتجد الرجل يرسل ابنته لتتعلم وقد تسافر وحدها وترجع بالليل فتقول له: لماذا تعلم البنت؟ فهى في النهاية ستتزوج وتجلس في البيت , يقول لك: حتى يكون في يديها " سلاح " وتقول له: وإذا طلقت بسبب السلاح أو لم تتزوج فما الحل؟! وهل كان مع أمها سلاح؟ هل كان معها " بكالوريا "؟! وأمك أنت ماذا كان معها؟! ماذا كان سلاحهم؟!! ان السلاح هو رضا الله. نعم: فهؤلاء الناس ينظرون إلى المستقبل ولا يعيشون واقعهم ,

стр. 101

لا يعيشون يومهم .. وانظر حولك لترى الناس كيف يعيشون , وكيف تعلقت قلوبهم بالغد. ولهذا , فلكى تصل إلى رضا الله عش يوما بيوم , فاجعل كل يوم هدفا تصل به إلى أعلى درجة في الجنة .. ابدأ يوما جديدا من صلاة الفجر , وضع في حسبانك أنه آخر يوم في عمرك , ولذا تسأل نفسك ماذا سأفعل؟ .. أول شىء: أتوب - اللهم تب علينا يا رب. إخوتاه , هل فيكم أحد يود أن يتوب اليوم؟ إذا قال: نعم تبت , قلت: من ماذا؟ قال: من كل شىء , قلت: لست صادقا .. إن الذي يقول: تبت من كل شىء يريد أن يخادع الله .. أخىّ , قل لي , حدد لي من أى ذنب تبت؟ من النظر للنساء , من الكذب , من السجائر , أم من النوم عن صلاة الفجر , أم من النفاق .. تبت من ماذا؟ من أكل الحرام , أم من حلق اللحية .. من أى شىء تبت؟! سأعطيك فرصة أخرى الآن - وسمها اختبارا إن شئت -: استحضر في ذهنك الآن ذنبا , ذنبا ثقيلا وتب منه الآن .. اذا هيا نتوب .. الآن الآن .. اللهم تب علينا يا رب .. اللهم تقبل توبتنا , واغسل حوبتنا , وأجب دعوتنا. نعم - أيها الاخوة - تبدأ اليوم فتقول: اليوم سأتوب من النظر إلى النساء .. وعد يا رب .. وعهد بينى وبينك , اليوم لن أنظر وليكن ما يكون , اليوم تحد .. اليوم سأحفظ ربعا , اليوم سأقرأ ثلاثة أجزاء , اليوم سأصوم , اليوم سأتصدق بخمسة جنيهات , .. وهكذا كل يوم تسأل

стр. 102

نفسك: ماذا سأعمل اليوم؟ فيكون لك خطة عمل واضحة , فتنجز كل يوم شيئا جديدا , فيصبح لحياتك معنى. يقول ابن القيم: " العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه , ومدة سفره هى عمره الذي كتب له. فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه - تعالى - ثم قد جعلت الأيام والليالى مراحل لسفره , فكل يوم وليلة من المراحل فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيّس الفطن هو الذي يجعل كل مرحلة نصب عينيه , فيهتم بقطعها سالما غانما , فإذا قطعها جعل الأخرى نصب عينيه ولا يطول عليه الامد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضره بالتسويف والوعد والتأخير والمطل , بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته , فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوعت له نفسه الانقياد إلى التزود , فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك , فلا يزال هذا دأبه حتى يطوى مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته , فإذا طلع صبح الاخرة وانقشع ظلام الدنيا , فحينئذ يحمد سراه وينجلى عنه كراه , فما أحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه ". إذا نريد أن نجعل كل يوم وحدة مستقلة نعيشها ونخطط لها في حينها , أما " غدا " فلا علاقة لنا به , فحينما يأتى سنفكر له في حينه , وأما " أمس " فقد انقضى وانتهى فلا علاقة لنا به أيضا , نحن الآن في " اليوم "

стр. 103

ماذا سنصنع به , هل سنضيعه بالتفكير في " أمس " و " غد " , أم أننا سنجعل حياتنا وحدة مستقلة نعيشها يوما بيوم لنريح ونستريح؟. أخى في الله , فاتتك صلاة بالأمس , فاعزم اليوم على الا تضيع فرضا في جماعة .. بالأمس لم يكن في القراءة خشوع ولا فهم ولا تركيز , وكانت دماغك مشغولة , فتوكل اليوم على الله , وارم حمولك عليه لتصل إليه , وعش يومك الذي أنت فيه. ابن يومك وارفع بناءه بأداء ما يرضى الله , ويقرب إليه , بحيث أنك لو مت في هذا اليوم دخلت الجنة - اللهم ارزقنا الجنة يا رب. ويقول ابن القيم أيضا: " السنة شجرة , والشهور فروعها , والايام أغصانها , والساعات أوراقها , والانفاس ثمرها , فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة , ومن كانت في معصية فثمرته حنظل , وإنما يكون الجداد يوم المعاد , فعند ذلك يتبين حلو الثمار من مرها " اهـ. البنات اللواتى كنّ يتزين في " الكوافير " في دمياط وانهدم عليهن البيت متنّ .. أربع عرائس والبنات اللاتى معهن متنّ جميعا .. ولو كانت تلك البنت العروس تظن أنها ستموت لما دخلت , ولما ذهبت , ولعملت بطاعة الله في آخر يوم تفارق فيه الحياة استعدادا للقاء الله .. وهكذا يومك , لابد أن تملأه بطاعة الله معتقدا أنه اليوم الأخير لك على الدنيا , والا فسيأتيك الموت كما اتى العرائس , فتموت ولم تصل إلى الله. أخى في الله , حبيبى في الله , أوصيك بوصية الامام الموفق ابن قدامة ﵀ إذ يقول: " فاغتنم - يرحمك الله - حياتك النفيسة , واحتفظ بأوقاتك العزيزة , واعلم أن مدة حياتك محدودة , وأنفاسك معدودة ,

стр. 104

فكل نفس ينقص به جزء منك. والعمر كله قصير , والباقى منه هو اليسير , وكل جزء منه جوهرة نفيسة لا عدل لها ولا خلف منها , فإن بهذه الحياة اليسيرة خلود الأبد في النعيم أو العذاب الأليم , وإذا عادلت هذه الحياة بخلود الأبد , علمت أن كل نفس يعادل أكثر من ألف ألف عام في نعيم , وما كان هكذا فلا قيمة له , فلا تضيع جواهر عمرك النفيسة بغير طاعة أو قربة تتقرب بها , فإنك لوكان معك جوهرة من جواهر الدنيا لساءك ذهابها , فكيف تفرط في ساعاتك , وكيف لا تحزن على عمرك الذاهب بغير عوض؟! " اهـ. وعن عمر بن ذر أنه كان يقول: " اعملوا لانفسكم - رحمكم الله - فهذا الليل وسواده , فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار , والمحروم من حرم خيرهما , إنما جعل سبيلا للمؤمنين إلى طاعة ربهم , ووبالا للاخرين للغفلة عن أنفسهم , فأحيوا لله أنفسكم بذكره , فإنما تحيا القلوب بذكر الله . كم من قائم لله - جل وعلا - في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته , وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومته عندما يرى من كرامة الله للعابدين غدا , فاغتنموا ممر الساعات والليالى والايام - رحمكم الله - , وراقبوا الله - جل وعلا - في كل لحظة , وداوموا شكره " اهـ. فلذلك أطالبك - أخى في الله - لكى تصل إلى رضوان الله ﷻ بأمر مهم: هو ان تحصل لك عزلة شعورية تماما عن المستقبل وما يجرى فيه , لأنك لا تعلم الغيب , قال ربنا ﷻ : " وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا " (لقمان: ٣٤) , ولا تخف من المستقبل فالله معك يعينك , وهو - سبحانه - لا يضيع عباده الصالحين " إن ولىّ الله الذي نزل الكتاب

стр. 105

وهو يتولى الصالحين" (الاعراف: ١٩٦) , فدع عنك هم غد لغد , فرزق غد عند ربك , ولربما جاء " غد " فلم يجدك .. الهم ارزقنا حسن الخاتمة. فالزم يومك الذي أنت فيه , وابذل قصارى جهدك في أن تجعل من هذا اليوم مطية للوصول إلى الله - تعالى - , فقد يكون آخر يوم لك في هذه الحياة .. فيومك يومك يا طالب الوصول. يقول ابن القيم ﵀: " هلمّ إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء , بل من أقرب الطرق وأسهلها , وذلك أنك في وقت من بين وقتين وهو في الحقيقة عمرك , وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل , فالذى مضة تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار , وذلك شىء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق , وإنما هو عمل القلب , وتمتنع فيما فيما يستقبل من الذنوب , وامتناعك ترك وراحة , ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته , وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك , فما مضى تصلحه بالتوبة , وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية , وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب , ولكن الشأن في عمرك , وهو وقتك الذي بين الوقتين , فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك , وإن حفظته مع إصلاح الوقتين الذي قبله وبعده بما ذكرت , نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم ". هذه خلاصة الكلام أيها السائر: يومك يومك. * * *

стр. 106

الأصل السابع: وليسعك بيتك قال رسول الله ﷺ لمن سأل عن النجاة: " أمسك عليك لسانك , وليسعك بيتك , وابك على خطيئتك " [صححه الألباني]: قال عبدالله بن عباس رضى الله عنهما: " أخسر الناس صفقة من انشغل بالناس عن نفسه , وأخسر منه صفقة من انشغل بنفسه عن الله ". وقال بعض السلف: " علامة إعراض الله عن العبد انشغاله بما لا يعنيه " وقال بعض السلف أيضا " علامة الافلاس كثرة الحديث عن الناس ". وقال ابن الجوزى: " إذا رأيت نفسك تأنس بالخلق وتستوحش من الخلوة فاعلم أنك لا تصلح لله" وقال ابن قدامة: " إذا رأيت الناس يعجبون بك , فاعلم أنهم إنما يعجبون بستر الله عليك , فلا تذب عن الناس الذباب وحجرك مملوء بالعقارب ". مصيبة عصرنا الانشغال بالناس , ومن الانشغال بغير الله الانشغال

стр. 107

بوسائل الاعلام والجرائد والمجلات والتلفاز .. وللاسف الشديد بدأ بعض الاخوة يقتنى التلفاز , وهذه نكسة .. نكسة , قال العلماء: الفتنة ان تستحل ما كنت تراه حراما .. فالذى كان اعتقاده أن التلفزيون حرام وبدأ اليوم يدخله بيته فهو مفتون - كما ذكرنا. وتجده يقول: أنا أدخلته بيتى لمتابعة نشرة الاخبار لاعرف أحداث العالم , وأشاهد بعض القنوات المفيدة , .. اعلم يا أخى , أن الجلوس اليوم أمام نشرات الاخبار بغير ضوابط فتنة .. نعم: فتنة , لأنك قد تنشغل بالعالم عن نفسك. إخوتاه , إن ما تشاهدونه فى نشرات الاخبار من أحداث فلسطين - اللهم اكشف عنهم الكربة , اللهم انتقم من اليهود وعجل بزوالهم - وكل ما حصل , لا يساوى عشر معشار واحد على مئة ألف بالنسبة لما حدث فى أماكن أخرى , لكن الاماكن الاخرى أعموها عنكم وعتموا عليها , وهذه فتحوها لكم تشاهدونها .. لماذا؟ .. ما السر؟! .. إن النيران التى يؤججونها داخل النفوس لها علة , فتيقظ حتى لا تقع فى الشرك. إننا - إخوتاه - فى زمن تصغير الكبراء وتصغير المسائل الكبيرة , ولذلك فإن القضية التى تقلقكم دائما , قضية فلسطين .. هذه قضية كبيرة جدا صغروها فى فلسطين , ثم قاموا بتصغيرها أكثر فى القدس .. والقضية أكبر من ذلك , فلو أن اسرائيل أعطت الفلسطينيين دولة مستقلة ذات سيادة وحدود وكفت عن قتل المسلمين .. فهل عندها تنتهى القضية؟ لا .. عندهم انتهت ولكنها عندنا لم تنته ولن تنتهى .. القضية

стр. 108

قضية اليهود وليست فلسطين - اللهم انتقم من اليهود. هذا مثال للاعلام فى العالم , فما الفائدة من تضييع طاقات الشباب أمام هذه الشاشات؟! إن الذين يجلسون اليوم امام التلفاز ويودون أن ينقذوا فلسطين تراهم أكثر الناس ركودا , فترى الواحد منهم ينشغل بسماع الاخبار أكثر من الامساك بالمصحف .. يظل يتكلم فى الاخبار وتنقلها أكثر من ذكر والدعاء .. إذا فالتفرج والانشغال بهذه الترهات لا ينقذ المسلمين .. لابد أن تفهم الوضع .. نريد أن نوقف التفرج والانشغال بالناس , لأنه موقف الضعيف الذليل المتخاذل , ولننشغل بأنفسنا أولا قبل كل شىء , فبصلاح النفس تنصلح الامة ويكون النصر. ولذلك يقول العلماء عن هذه القضية: الفتنة دوارة , ويسمون ما يجرى الآن " دوامات الفتن " الدوامة هل رأيتها؟ .. الفتنة مثلها دوارة , فمن الممكن وفى دوران الفتنة أن تطالنا .. فوارد جدا أن تجد الاعداء غدا أمام بيتك , فيا ترى - ساعتها - هل ستثبت أم ستبيع دينك؟! وزوجتك ستثبت أم تبيعك؟! وأولادك هل سيثبتون على الدين أم أنهم سيتيهون ويتعلمنون ويتشردون؟!! .. تدبر ما أقول لك وقف مع نفسك وقفة رجل يريد لها النجاة .. انشغل بنفسك وأهل بيتك , قال الله - تعالى -: " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " (التحريم: ٦). نعم: إن انشغالك بنفسك هو الاصل , قال الله: " فقاتل فى سبيل الله لا تكلف الا نفسك " (النساء: ٨٤) , وقال - تعالى -: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الانعام: ١٦٤) .. فالأصل فى الاسلام: انج بنفسك أولا.

стр. 109

أيها الاخ الكريم , سؤال واضح ومحدد وصريح ويحتاج الى إجابة قاطعة: كيف حالك مع الله؟ .. اسألك فى التو واللحظة: الآن , هل الله راض عنك؟ أجب ولا تكن مغرورا .. لو مت اليوم فى لحظتك هذه , هل ستكون من النبى محمج ﷺ فى الجنة؟! .. هذه هى القضية التى أقصدها .. أن تجعل نفسك قضيتك , ورضا ربك عنك هو موضوعك. نعم يا شباب: كلنا مشغولون , ولكن ٩٩ % من الشغل بالاخرين , ٩٩ % من الشغل بأنفسنا ليس بالله .. حتى الجزء اليسير الذى ننشغل فيه بأنفسنا لنصلحها لا يكون لله - ولا حول ولا قوة الا بالله - , فاللهم ارزقنا الإخلاص واجعلنا من أهله , لذلك لا تغتر بعبادات تؤديها , وقربات تقوم بها , وطاعات تقدمها , وعبادات تغتر بصورها وهى فى الحقيقة من الفتنة. أيها الاخوة فى الله , أحبتى فى الله , تأملوا معى هذه القصة: خرج رجل من الصوفية الى الخلاء يعبد الله , فوجد فى الصحراء على الارض غرابا أعمى مكسور الجناح , فوقف يتأمل: سبحان الله! غراب أعمى مكسور الجناح وفى صحراء! من أين يأكل ويشرب وكيف يعيش؟! فبينما هو ينظر إذ جاء غراب آخر فوقف ففتح الغراب الأعمى فمه , فأطعمه الغراب الاخر فى فمه وسقاه حتى شبع تعجب الرجل وقال: سبحان الله! .. والله لقد أرانى الله آية .. أبعد هذا أسعى من أجل الرزق .. وأوى الى كهف فأقام فيه , فسمع به عالم فسأل عن مكانه , فقالوا: أوى إلى كهف يتعبد , فمضى اليه وقال له: ما الذى حملك على ما صنعت؟ فحكى له قصة الغراب , فقال له: سبحان الله! ولم رضيت أن تكون الأعمى؟!!.

стр. 110

سبحان الله العظيم , كم فى هذه القصة من فوائد! .. منها: تصديق حديث رسول الله ﷺ " نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع " [صححه الألبانى] فالله أرى الآية للرجل الأول , وأما الثانى فسمع بها فقط ولكنه انتفع بها أكثر من الأول , فكان أفضل من الأول , فلم لا تكون الأفضل؟! .. لماذا ترضى أن تكون الأعمى؟! , لم لا تكون أنت المبصر وتطعم العمي؟! , لم ترضى الدنية؟! لم تؤثر النوم والكسل؟! .. هذا هو الواقع الآن فى الأمة , فشبابها اليوم يفضلون العمى , يريدون أن يناموا وغيرهم يعملوا لهم ينتظرون من يحمل عنهم همومهم , ويحلوا لهم مشاكلهم. نعم - إخوتاه -: كثير منا يطالب دائما بحقوقه ولا يلتفت إلى واجباته .. فقبل أن تطالب بحقك أد ما عليك من واجب , ولاشك أن أول الواجبات علينا أنفسنا .. وللأسف الشديد تجلس مع بعض الإخوة فتجد أحدهم يقول: أنا خائف على الأخ فلان , لأنه ظل أياما لم يصل الفجر .. أقول له: خف أنت على نفسك. نعم: لا مانع من أن نخاف على إخواننا , ولكن لا ينبغى أن ننشغل بعيوبهم , قال رسول الله ﷺ : " يرى أحدكم القذاة فى عين أخيه , ولا يرى الجذع فى عين نفسه ". [موقوف على أبى هريرة] فإذا كنت يا هذا صادقا فى كلمتك
следующие страницы →