Полный текст (319 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
جرب وقل: سبحان الله! .. جرب , ولا تعص الله بنعم الله .. فلا تذهب الى البحر فى الصيف , بل اذهب فى الشتاء حيث لا أحد .. اذهب لعمل عمرة , وهذه دعوة الى مصيف جديد فى مكة المكرمة - اللهم ارزقنا الحج والعمرة , وتابع لنا بين الحج والعمرة , اللهم لا تحرمنا من الحج والعمرة.
يذهب العصاة الى الشواطىء فى الصيف , فاذهب أنت لى الكعبة , اذهب الى المدينة .. اجلس أمام الكعبة وتأمل الجلال والبهاء .. تأمل وأنت مسافر بالطائرة أو الباخرة أو بالحافلة برا .. تأمل خلق الله , استمتع بالبحر وانت مسافر , استمتع ببلاد الله وبساتينها الجميلة .. تامل لتزداد عظمة الله فى قلبك , لتذوق حلاوة الايمان , ولذة الايمان وطعم الايمان.
رابعا: مفتاح الدخول على الله إسلام القلب:
نريد أن ندخل على الله .. فمن منكم يريد أن يدخل؟ .. لازلنا واقفين منذ زمن نتفرج .. ودائما أقول: أنا دلال على بضاعة الله , ولكن الزبائن من نوعية أهل عصرنا يتفرجون ولا يشترون .. فمن يشترى الجنة؟ .. من منكم - يا شباب - يريد أن يدخل على ربه.
قال - تعالى - حاكيا عن الخليل إبراهيم ﵇: " إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت " (البقرة: ١٣١) .. أسلم , أسلمت .. هذه هى القضية .. قال - تعالى -: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " (البقرة: ١٢٤) .. هذه هى قضية الدخول على الله .. أنك تسمع للامر فتقول: أسلمت .. وتسمع للنهى فتقول: أسلمت .. تنفذ المطلوب .. أسلمت .. تمام
стр. 212
الاستسلام .. أن تكون مع الله بادىء الرأى , قال الملك: " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله " (الحجرات: ١).
أحد الناس كان مستجاب الدعوة , وكان عليه دين فقال له ابنه: هلا دعوت الله أن يقضى دينك , فرفع يديه الى السماء , وقال: اللهم اغفر لى وتب علىّ , فقال له ابنه: يا ابت , ادع الله بقضاء الدين , فقال: " يا بنى إذا غفر ذنبى قضى دينى " , اللهم اغفر ذنوبنا , واقض ديوننا .. هذه هى القضية: تعلق القلب بالله .. " إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت " .. فأسلموا - إخوتاه - فمفتاح الدخول على الله إسلام القلب لله.
كثير من الشباب الذين يرجعون عن كلامهم فيتركون طريق الوصول الى الله , إنما رجعوا وتركوا الطريق , لأن قلوبهم لم تسلم بعد .. قلبه لا يزال مشغولا بالبنات .. بالدنيا .. بالهموم .. المال .. بالزواج .. باللعب .. بالفسح .. بالتنزه .. باللبس .. لكن إذا أسلم القلب لله , أصبح أحب شىء إليه طاعة الله.
إن الشباب إذا التزم وكان لا يزال فى قلبه هوى - نعوذ بالله تعالى من الهوى - فلابد أن يقع فى المعاصى مرة أخرى.
قيل لابن الجوزى: ما بالنا إذا ملأنا الكذنب لا يبرد , وإذا أنقصناه يبرد , قال: " لتعلموا أن الهوى لا يدخل الا على ناقص " .. فلا تكن ناقصا , كن ممتلىء القلب بالايمان حتى لا يدخل عليك الهوى , زد فى إيمانك ليسلم قلبك لله .. فمفتاح الدخول على الله إسلام القلب لله وسلامته له .. اللهم ارزقنا قلوبا سليمة يا رب.
стр. 213
كثير منا قلبه مفتت .. مقطع .. مكسر .. فمع البنات والشقة والسيارة واللبس والمظاهر .. مع " تسريحته " والكلية والاصحاب والجيران .. دنيا .. بعضنا قلبه مشتت بين الشغل والشركة والديون والاموال والرصيد وتأمين المستقبل و .. و .. قال رسول الله ﷺ : " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله , وجعل فقره بين عينيه , ولم يأته من الدنيا الا ما كتب له " [صححه الألبانى].
نعم - إخوتاه - سلامة القلب لله .. وأنا لا أقول لك: لا تلبس حسنا .. لا .. بل البس وتعطر واركب سيارة واثنتين وثلاثة .. ليست هذه القضية .. القضية أن يكون قلبك مشغول بالله لا بالسيارات .. تزوج واحدة ومثنى وثلاث ورباع , لكن لا يكن قلبك مشغولا بالنساء .. احصل على شهادات وماجستير ودكتوراه , لكن لا يكن قلبك مشغولا بالمناصب .. اجعل قلبك مشغولا بالله .. اللهم لا تشغلنا الا بك.
انظر ماذا يقول ربك .. آية تشيب النواصى!! .. " إن الذين لا يرجون لقائنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون " (يونس: ٧ - ٨)
تدبر هذه الآية وأعد قراءتها مرات لتعرف حقيقة ما أنت فيه .. فإياك أن ترضى بالدنيا , وتركن إليها وتغفل عن الله.
كثير من الناس اليوم يقول: الحمد لله , ماذا ينقضى؟! أنا لا أريد
стр. 214
من الله شيئا .. يا مسكين , أنت محتاج الى الله فى كل شىء , فما أنت فيه دنيا , فافهم , ولذلك لا يرى بها الا الادنى منها , أما الموحد فلا يرضيه الا رؤية وجه الله - تعالى - فى الجنة .. اللهم اجعلنا من الموحدين , اللهم متعنا بالنظر الى وجهك الكريم , اللهم لا تحرمنا من النظر الى وجهك الكريم .. آمين.
نعم - أيها الاخوة - مفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته لله , والاخلاص له فى الحب والبغض والفعل والترك - اللهم ارزقنا الاخلاص فى القول والعمل .. هذا مفتاح كبير جدا .. الاخلاص لله فى الحب والبغض .. فأنت تحب الاخ الفلانى .. لماذا تحبه؟ .. هذه هى القضية .. فأحبب لله واكره لله , فبتحقيق هاتين الكلمتين يكون قلبك قد أسلم لله وسلم لله.
إذا فإسلام القلب لله وسلامته له من الغير يكون بالاخلاص له - سبحانه - فى الحب والكره .. فعندما أكره أكره لله وعندما أحب أحب لله , وكذلك الفعل والترك , فحينما أفعل أفعل لله , وحينما أترك أترك لله .. هذا هو مفتاح الدخول على الله , فاجن العسل ولا تكسرالخلية.
خامسا: مفتاح حياة القلوب ثلاثة:
أولها: ترك الذنوب , وثانيها: التدبرللقرآن , وثالثها: التضرع بالاسحار.
أولا - ترك الذنوب:
يقول ابن القيم فى " الفوائد " تحت عنوان " ترك الذنوب اولا ":
" العارف لا يأمر الناس بترك الدنيا , فإنهم لا يقدرون على تركها ,
стр. 215
ولكن يأمرهم بترك الذنوب مع إقامتهم على دنياهم , فترك الدنيا فضيلة , وترك الذنوب فريضة , فكيف يؤمر بالفضيلة من لم يقم الفريضة! , فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله اليهم بذكر الائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله , فإن القلوب مفطروة على محبيته , فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاصرار عليها والاستقلال منها , وقد قال يحيى بن معاذ: طلب العاقل للدنيا خير من ترك الجاهل لها ".
إن الذنوب تخنق القلوب .. المعاصى تقتل القلوب .. الذنوب تميت القلوب .. قال ابن القيم عن نتائج المعصية: " قلة التوفيق , وفساد الرأى , وخفاء الحق , وفساد القلب , وخمول الذكر , وإضاعة الوقت , ونفرة الخلق , والوحشة بين العبد وبين ربه , ومنع اجابة الدعاء , وقسوة القلب , ومحق البركة فى الرزق والعمر , وحرمان العلم , ولباس الذل , واهانة العدو, وضيق الصدر , والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت , وطول الهم والغم , وضنك المعيشة , وكسف البال .. تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله كما يتولد الزرع عن الماء والاحراق عن النار , وأضداد هذه تتولد عن الطاعة ".
إن الشاب الذى فتن - اللهم رده الى الالتزام ردا قريبا , اللهم ثبت قلوبنا على الايمان - قال: سأستمع الى بعض الاغانى ثم أدخل على " الانترنت " ,
стр. 216
ثم أستمع شريطا للشيخ فلان حبيبي .. وسأحضر للشيخ فلان الدرس القادم .. هو ذاهب للشيخ قابلته بنت فظل يتكلم معها حتى وصلت الحال الى حد الزنا على الهواء .. ففتن - اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن .. فتن لذنبه الاول .. فبذنب لم يتركه قتل قلبه .. وضيع نفسه.
يقول ابن القيم ﵀: " ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله ".
ويوضح ﵀ الطريق الى صفاء القلب فيقول:
" من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهواته , القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدرتعلقها بها , القلوب آنية الله فى أرضه , فأحبها اليه أرقها وأصلبها وأصفاها , شغلوا قلوبهم بالدنيا , ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت فى معانى كلامه وآياته المشهودة , ورجعت الى أصحابها بغرائب الحكم وأطراف الفوائد , إذا غزى القلب بالتذكر وسقى بالتفكر ونقى من الدغل , رأى العجائب وأهلم الحكمة , ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها , بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى , وأما من قتل قلبه فأحيا الهوى فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه "
نعم - إخوتاه -: ترك الذنوب حياة القلوب .. اترك الذنب فالذنب يقتل القلب .. يقتله .. أقول لأحدهم:
لماذا لا تقوم بالليل؟ , يقول: أنام مقتولا لا أستطيع حراكا , قلت له: من الذنوب.
стр. 217
قيل لأحد السلف: كيف أستعين على قيام اليل؟ , قال: " لا تعصه بالنهار يقمك بالليل " .. إذا رأيت قيام الليل ثقيلا عليك , فاعلم أنك محروم مكبل .. كبلتك خطاياك .. مكتف .. قيدتك ذنوبك , فاتركها وتب منها ليحيا قلبك.
ثانيا - التدبر للقرآن:
يا أخى فى الله يا طالب كلية الهندسة , ويا حبيبى فى الله يا طالب كلية الطب , ويا أخى فى الله يا طالب كلية التجارة .. يا من تحل أصعب المسائل , عقلك الجميل هذا ماذا فهمت به من القرآن؟!
أحد الاخوة قال لى: قرأت فى الجريدة لكاتب يقول: إن الله أمر الرجال بإدناء الثياب مثل النساء , فقال - تعالى -: " يدنين عليهن من جلابيبهن " (الاحزاب: ٥٩)!! .. قلت: أعاقل هذا؟!! ..
نون النسوة يا أخى!! .. أين العقل؟! .. ألا يوجد فهم؟! .. حتى عقولهم لا يعملونها!! ولذا , أريدك أن تفهم وتتدبر القرآن " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته " (ص: ٢٩) .. تدبر .. تدبر القرآن لقد قام رسول الله ﷺ بآية يرددها: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " (المائدة: ١١٨).
وقام تميم الدارى ليلة بهذه الآية: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون " (الجاثية: ٢١).
стр. 218
وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية: " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " (يس: ٥٩). أى تميزوا وانفردوا عن المؤمنين.
ومحمد بن المنكدر يسأله أبو حازم عن البكاء طيلة ليله , فيقول: آية من كتاب الله أبكتنى , " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " (الزمر: ٤٧).
وقال بعضهم: إنى لأفتتح السورة فيوقفنى بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر. وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها , ولا يكون قلبى فيها لا أعد لها ثوابا.
ويقول أبو سليمان الدارانى: إنى لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال , ولولا أنى أقطع الفكر فيها ما جاوزتها الى غيرها. قال - تعالى -: " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " (ق: ٣٧).
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - فى " الفوائد " تحت عنوان " قاعدة جليلة: شروط الانتفاع بالقرآن ": " إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عن تلاوته وسماعه , وألق سمعك , واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به - سبحانه - منه اليه , فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله , قال - تعالى -: " إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " (ق: ٣٧)
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض , ومحل قابل , وشرط لحصول الاثر وانتفاء المانع الذى يمنع منه , تضمنت الآية ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد. فقوله: " إن فى ذلك لذكرى "
стр. 219
إشارة إلى ما تقدم أول السورة من ها هنا. وهذا هو المؤثر , وقوله: " لمن كان له قلب " فهذا هو المحل القابل , والمراد به القلب الحى الذى يعقل عن الله , كما قال - تعالى -: " إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر من كان حيا " (يس: ٦٩ - ٧٠) , أى: حى القلب. وقوله: " أو ألقى السمع وهو شهيد " (ق: ٣٧) أى: وجه سمعه , وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له , وهذا شرط التأثر بالكلام.
وقوله: " وهو شهيد " , أى شاهد القلب حاضر غير غائب.
قال ابن قتيبة: " استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم , ليس بغافل ولا ساه. وهو إشارة الى المانع من حصول التأثير , وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له والنظر فيه وتأمله. فإذا حصل المؤثر وهو القرآن , والمحل القابل وهو القلب الحى ووجد الشرط وهو الاصغاء , وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الى شىء آخر , حصل الاثر وهو الانتفاع والتذكر ".
ويواص ابن القيم حديثه الممتع فيقول: " فصاحب القلب يجمع بين قلبه وبين معانى القرآن , فيجدها كأنها قد كتبت فيه , فهو يقرؤها عن ظهر قلب. ومن الناس من لا يكون تام الاستعداد , واعى القلب , كامل الحياة , فيحتاج الى شاهد يميز له بين الحق والباطل , ولم تبلغ حياة قلبه ونوره وذكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحى الواعى , فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام , وقلبه لتأمله والتفكر فيه , وتعقل معانيه , فيعلم حينئذ انه الحق ".
стр. 220
إخوتاه , افهموا القرآن وتدبروه .. افتحوا قلوبكم وأسماعكم وأبصاركم له لقد كان المدرس يقول لنا:
إذا ذاكرت الموضوع من الكتاب فأغلقه ثم اكتب فى ورقة خارجية ما فهمته .. فهل سألت نفسك مرة بعد أن فرغت من التلاوة: ماذا فهمت؟ , ما الذى انغرس فى قلبى من معانى القرآن؟ , بماذا خرجت اليوم من القرآن؟
إن أكثرنا اليوم - أيها الإخوة - يأتى إلى القرآن وهو مغلق القلب تماما .. لا يريد أن يفتح قلبه , فلا ينتفع بالقرآن , لأنه لا يريد أن يتعب نفسه فى التدبر , ومن كانت حاله هكذا فإنه يأتى القرآن فلا يخرج منه بشىء , بل وربما خرج من جلسته وقد أصابه الملل من القرآن , لأنه يأتيه فى أوقات لا يكون قلبه فيها متهيئا , وفى ظروف لا تكون نفسه فيها هادئة.
إخوتاه , إن أردتم الحياة لقلوبكم , فلابد أن تفهموا مجمل القرآن وموضوع القرآن , ومراد القرآن .. لابد أن تتأملوا كلام الله وما يحويه , لتخرجوا منه بمعرفة الله وحب الله , وتقوى قلوبكم فى السير إلى الله.
يقول ابن القيم تحت عنوان " فائدة: محتوى خطاب القرآن ":
" تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله , وله الحمد كله , أزمّة الامور كلها بيده ومصدرها منه ومردها إليه , مستويا على سرير ملكه ,
стр. 221
لا تخفى عليه خافية فى أقطار مملكته , عالما بما فى نفوس عبيده , مطلعا على أسرارهم وعلانيتهم , منفردا بتدبير المملكة , يسمع ويرى , ويعطى ويمنع ويثيب ويعاقب. ويكرم ويهين , ويخلق ويرزق ويميت , ويقدر ويقضى ويدبر. الامور نازلة من عنده , دقيقها وجليلها , وصاعدة إليه لا تتحرك فى الكون ذرة الا بإذنه , ولا تسقط ورقة الا بعلمه.
فتأمل كيف تجده يثنى على نفسه ويمجد نفسه , ويحمد نفسه , وينصح عباده , ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه , ويحذرهم مما فيه هلاكهم , ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته , ويتحبب إليهم بنعمه والآئه. فيذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها , ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه , وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه .. ويخبرهم بصنعه فى أوليائه وأعدائه وكيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
ويثنى على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم , ويذم أعداءه بسيىء أعمالهم وقبيح صفاتهم , ويضرب الامثال وينوع الادلة والبراهين , ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الاجوبة , ويصدق الصادق ويكذب الكاذب , ويقول الحق ويهدى السبيل.
ويدعو إلى دار السلام , ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها , ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها , ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه , وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين , ويذكر غناه عنهم وعن جميع الموجودات , وأنه الغنى بنفسه عن كل ما سواه , وكل
стр. 222
ما سواه فقير إليه بنفسه , وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها الا بفضله ورحمته , ولا ذرة من الشر فما فوقها الا بعدله وحكمته.
ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب , وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم , وغافر زلاتهم , ومقيم أعذارهم , ومصلح فسادهم , والدافع عنهم , والمحامى عنهم , والناصر لهم , والكفيل بمصالحهم , والمنجى لهم من كل كرب , والموفى لهم بوعده , وأنه وليهم الذى لا ولى لهم سواه , فهو مولاهم الحق ونصيرهم على عدوهم , فنعم المولى ونعم النصير.
فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما رحيما جوادا جميلا هذا شأنه , فكيف لا تحبه وتنافس فى القرب منه , وتنفق أنفاسها فى التودد إليه , ويكون أحب إليها من كل ما سواه , ورضاه آثر عندها من رضا كل ما سواه؟! , وكيف لا تلهج بذكره ويصير حبه والشوق إليه والانس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقد ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها؟! ".
ثالثا- التضرع بالأسحار:
أريدك أن تقوم سحرا , وتتوضأ والدنيا سكون والكل نائم. سبحان الله! , كم منكم من يود أن يقابل الشيخ فلانا ويجلس معه ويكلمه ويملأ عينيه منه .. ألا تود أن تقابل ربك , وتجلس معه وحدك قبل الفجر؟! , لتقول له: اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب .. بعد أن تملأ قلبك بـ " الله أكبر ".
стр. 223
والله - يا إخوتاه - إن للمناجاة فى جوف الليل لذة لا تضاهيها لذات الدنيا بأسرها .. أن تنادى ربك حينما تقف بين يديه فى ذل وخشوع وانكسار وهيبة لتقول دعاء الاستفتاح:
" وجهت وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما انا من المشركين .. " قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣).
صل وأسمع نفسك التلاوة .. فى غرفتك .. فى الشرفة .. فوق السطوح .. أو فى المسجد تحت البيت عندكم .. ستحس أنك تكلم الله .. تناديه .. تناجيه .. تشعر بأن هناك سرا بينك وبينه .. ستحس بوجود علاقة .. علاقة ود وحب وقرب .. ما أجمله من لقاء .. ما أعظمه من وقوف .. وأبهاه من حديث .. إنه لقاء مع الملك .. الرحمن .. حين تستشعر ذلك الموقف وأنك مع الله .. سيفيض عليك ساعتها بالرحمات .. فتضرع بالأسحار , فهذا الوقت غال لا تعوضه أموال الدنيا .. تضرع لتحمى قلبك , عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين , ومن قام بمئة آية كتب من القانتين , ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين " [صححه الألبانى] .. والمقنطرون: هم من كتب لهم قنطار من الاجر , والقنطار - كما جاء فى حديث فضالة بن عبيد وتميم الدارى عند الطبرانى -: " خير من الدنيا وما فيها ".
стр. 224
عبدالعزيز بن سلمان , كانت رابعة - رحمها الله - تسميه: " سيد العابدين " .. كان ﵀ يقول: ما للعابدين والنوم!! , لا نوم والله فى دار الدنيا إلا نوم غالب .. ويقول عنه ابنه محمد: كان أبى إذا قام من الليل ليتهجد , سمعت فى الدار جلبة شديدة , واستقاء للماء الكثير , قال: فنرى أن الجن كانوا يستيقظون للتهجد فيصلون معه.
وهذه عجردة العمية - رحمها الله .. قال عنها رجاء بن مسلم العبدى: كنا نكون عند عجردة العمية فى الدار , فكانت تحيى الليل صلاة , وربما قال: تقوم من أول الليل إلى السحر , فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالى , بتكبير الدلج إلى ظلم الاسحار , يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك , فبك إلهى لا بغيرك أسألك أن تجعلنى فى أول زمرة السابقين إليك , وأن ترفعنى إليك فى درجة المقربين , وأن تلحقنى بعبادك الصالحين , فأنت أكرم الكرماء , وأرحم الرحماء , وأعظم العظماء. ثم تخر ساجدة , فلا تزال تبكى وتدعو فى سجودها , حتى يطلع الفجر , فكان ذلك دأبها ثلاثين سنة.
وقيل لعفيرة العابدة: إنك لا تنامين الليل , فبكت وقالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه , وكيف ينام أو يقدر على النوم من لاينام عنه حافظاه ليلا ولا نهارا؟!
هؤلاء نساء!! , فأين أنتم يا رجال؟!! .. يا حسرة على الرجال!!.
стр. 225
وخلاصة ما سبق: اترك ذنوبك أولا , ثم أقبل على كتاب الله تلاوة وفهما وتدبرا .. فاتله بخشوع وتحزن لتصهر قلبك فينفى خبثه , ثم تضرع إلى ربك بالأسحار لتعيش النعيم وتذوق لذة المناجاة .. يحيا بذلك قلبك , فيصمد فى السير إلى الله .. فاملك هذا المفتاح ولا تفرط فيه , حتى لا تكسر الخلية فيضيع منك العسل.
وهكذا .. أخى السائر على طريق الوصول إلى الله .. ينبغى عليك أن تعتنى كل الاعتناء بمعرفة
" علم المفاتيح " , لتجنى العسل فلا تكسر الخلية.
* ... * ... *
стр. 226
الأصل العشرون: " ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكّرون ففروا إلى الله "
قال - تعالى -: ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكّرون * ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين "
(الذاريات: ٤٩ - ٥٠). قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: أى: جميع المخلوقات أزواج: سماء وأرض وليل ونهار وشمس وقمر وبر وبحر وضياء وظلام وإيمان وكفر وموت وشقاء وسعادة وجنة ونار حتى الحيوانات والنباتات , ولهذا قال - تعالى -: " لعلكم تذكرون " أى: لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له ... " ففروا إلى الله " أى: الجأوا إليه واعتمدوا فى أموركم عليه " إنى لكم منه نذير مبين " اهـ.
وقال صاحب الظلال - رحمه الله تعالى -: " وفى ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة , الهائلة المدى: فى أجواز السماء , وفى آماد الارض , وفى أعماق الخلائق , يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والارض والخلائق , متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها , موحدين الله الذى خلق هذا الكون وحده بلا شريك.
" ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إنى لكم منه نذير مبين " (الذريات: ٥٠ - ٥١) .. والتعبير بلفظ الفرار عجيب حقا.
وهو يوحى بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق , التى تشد النفس البشرية إلى هذه الارض , وتثقلها عن الانطلاق , وتحاصرها وتأسرها وتدعها فى
стр. 227
عقال. وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود. ومن ثم يجىء الهتاف قويا للانطلاق والتملص والفرار إلى الله من هذه الأثقال والقيود! , الفرار إلى الله وحده منزها عن كل شريك. وتذكير الناس بانقطاع الحجة وسقوط العذر: " إنى لكم منه نذير مبين " .. وتكرار هذا التنبيه فى آيتين متجاورتين , زيادة فى التنبيه والتحذير! ".
إخوتاه , ففروا إلى الله .. اقتربوا من طريق الله .. تعالوا خطوة واحدة إلى الله .. ضعوا أرجلكم على أول الطريق .. أعينونا على أنفسكم بالوقوف على رأس الطريق والله يأخذ بأيديكم.
أروا الله من أنفسكم خيرا , فلقد كتب الله ﷻ سنة من سننه فى خلقه: أن من تقرب إليه تقرب - سبحانه - إليه ومن ابتعد عنه ابتعد - سبحانه - عنه .. " نسوا الله فنسيهم " (التوبة: ٦٧)
" فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " (الصف: ٥) .. فمن تاب تاب الله عليه وأحبه , ومن بذل جهده واستفرغ وسعه فى طاعة الله , أعانه الله وسدده .. هذه قاعدة .. سنة مسلّمة .. فلا تنم عن الطاعات ثم تقول: لو كان الله يحبنى لهدانى .. لا .. بل تعال وهو يهديك.
وقد سمى ابن القيم ﵀ هذا الأصل لقاحا .. مثل حبوب اللقاح .. فقال - عليه رحمة الله -
" فى الفوائد ":
стр. 228
* الطلب لقاح الايمان , فإذا اجتمع الإيمان والطلب أثمرا العمل الصالح.
* وحسن الظن بالله لقاح الافتقار واضطرار إليه , فإذا اجتمعا أثمرا إجابة الدعاء.
* والخشية لقاح المحبة , فإذا اجتمعا أثمرا امتثال الأوامر واجتناب المناهى.
* والصبر لقاح اليقين , فإذا اجتمعا أورثا الإمامة فى الدين , قال تعالى: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " (السجدة: ٢٤).
* وصحة الاقتداء بالرسول لقاح الاخلاص , فإذا اجتمعا أثمرا قبول العمل والاعتداد به.
* والعمل لقاح العلم , فإذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة , وإن انفرد أحدهما عن الآخر لم يفد شيئا.
* والحلم لقاح العلم , فإذا اجتمعا حصلت سيادة الدنيا والآخرة , وحصا الانتفاع بعلم العالم , وإن انفرد أحدهما عن صاحبه فات النفع والانتفاع.
* والعزيمة لقاح البصيرة , فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة , وبلغت به همته من العلياء كل مكان. فتخلف الكمالات إما من عدم البصيرة , وإما من عدم العزيمة.
стр. 229
* وحسن القصد لقاح لصحة الذهن , فإذا فقدا فقد الخير كله , وإذا اجتمعا أثمرا أنواع الخيرات.
* وصحة الرأى لقاح الشجاعة , فإذا اجتمعا كان النصر والظفر , وإن فقدا فالخذلان والخيبة , وإن وجد الرأى بلا شجاعة فالجبن والعجز , وإن حصلت الشجاعة بلا رأى فالتهور والعطب.
* والصبر لقاح البصيرة , فإذا اجتمعا فالخير فى اجتماعهما. قال الحسن: إذا شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته , وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته , فإذا رأيت صابرا بصيرا فذاك.
* والنصيحة لقاح العقل , فكلما قويت النصيحة قوى العقل واستنار.
* والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر , إذا اجتمعا أنتجا الزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة.
* والتقوى لقاح التوكل , فإذا اجتمعا استقام القلب.
* ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الأمل , فإذا اجتمعا فالخير كله فى اجتماعهما والشر فى فرقتهما.
* ولقاح الهمة العالية النية الصحيحة , فإذا اجتمعا بلغ العبد غاية المراد " اهـ.
فالقضية إذا تحتاج إلى تلقيح .. أقصد قضية السير إلى الله والوصول إليه .. نعم: الوصول يحتاج إلى لقاحات .. وتعالوا الآن - إخوتى فى الله - لنشرع فى شرح أهم هذه اللقاحات:
стр. 230
الأول: لقاح الاستعداد للقاء الله قصر الأمل:
قال ابن القيم: " ولقاح أخذ أهبة الاستعداد للقاء قصر الامل , فإذا اجتمعا فالخير كله فى اجتماعهما والشر فى فرقتهما ".
وأسألك: لو خيرت , متى تحب أن تموت؟ .. سؤال ينبغى أن يفرض نفسه عليك .. متى تحب أن تموت؟ .. قال أحدهم: الآن , فقلت له: أمتأهب؟! .. أخاف عليك , لأن الله يقول: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " (الزمر: ٤٧) .. وقال آخر: أخاف أن أقابله فأجد أمورا لم أكن أتوقعها .. أشياء لم أضعها فى حسبانى .. لم أكن أنتظرها .. هناك قضايا ومشاكل تنتظرنى سيحاسبنى الله عليها لا أعرفها .. ولذلك فأنا خائف.
معاذ بن جبل لما جاءه الموت قال: " مرحبا بالموت مرحبا زائر مغب وحبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم " .. فمعاذ إذا متأهب ومستعد.
حذيفة بن اليمان لما جاءه الموت قال: " يا موت غط غطك , يا موت شد شدك أبى قلبى إلا حبك" ..
يحب الموت لأنه متجهز ومستعد , فهل أنت متجهز؟!! .. هل أنت مستعد لمقابلة الله الآن؟! ..
" وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " (الزمر: ٤٧) .. " وبدا لهم سيئات ما كسبوا " (الزمر: ٤٨) .. وجدوا المكسب سيئات!
فلقاح أخذ الاهبة أن تكون سائرا فى الطريق إلى الله بحذر وتيقظ , فتخشى أن يأتيك الموت بغتة .. فعش يومك الذى أنت فيه معتقدا
стр. 231
وجازما أنه آخر يوم لك على الدنيا .. عش الدنيا كما عاشها رسول الله ﷺ .. عش كما عاش ومت كما مات .. قال النبى ﷺ : " ما لى وللدنيا , ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها " [صححه الألبانى] ولذلك " كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " .. هذا شعاره ﷺ .
واعلم أن الامانى بحر المفاليس .. نعم: إن الذى يبيت ظانا أنه سيقوم غدا .. طويل الأمل وغير مستعد للقاء الله .. ولذلك إذا قصر أملك فى الدنيا فقد لقحت استعدادك للموت. فيحصل الصدق وتسير إلى الله بذلك .. بهذا تكون مستعدا.
الثانى: لقاح الهمة العالية النية الصحيحة:
اللهم ارزقنا علو الهمة .. أحد إخواننا كان يحفظ القرآن , ثم بدأ فى الصيف فى دورة علمية فالتزم فيها , وفجأة ترك الدورة قال: لقد وجدت أن الاهتمام بالدورة قد شغلنى عن القرآن .. ولماذا يا بنى لا يكون الاثنان معا؟! أين الهمة العالية؟! أنت فى الكلية تدرس ست مواد أو ثمانية فى الفصل الواحد وتذاكرها جميعا بل وتحصل على امتياز لماذا لاتكون همتنا عالية أيضا فى طلب علم الكتاب والسنة وفى العبادة والدعوة إلى الله؟!!
ثم إن الهمة العالية وحدها لا تكفى , بل كثيرا ما تجنى على أصحابها فتجرهم إلى الوراء .. فالذى لديه همة عالية بدون نية صالحة تجده مبتلى
стр. 232
بالعجب والغرور والرضا عن النفس , والكبر والازدراء للآخرين واحتقارهم .. إذا فلقاح الهمة وزوجها: النية الصالحة .. اللهم ارزقنا حسن النية.
والهمة نعمة , واستقلالك لنعم الله عليك يسقطك من عين الله .. لذلك إذا رزقك الله همة عالية فلقحها بنية صالحة , لتحفظ النعمة وتستقيم على الطريق.
يقول ابن القيم: " ولقاح الهمة العالية النية الصالحة , فإذا اجتمعا بلغ العبد غاية المراد " .. أحسن نيتك فى همتك تكن الهمة صالحة , فتصل إلى الجنة العالية.
الثالث: التقوى لقاح التوكل:
قال ابن القيم " والتقوى لقاح التوكل , فإذا اجتمعا استقام القلب "
التقوى: ترك ما تهوى لما تخشى .. فالذى يمشى فى الشارع فلا ينظر يمنة أو يسرة , بل آخر حدود عينه خطوة أو خطوتان .. هذه تقوى , لأنه سلك طريقا كلها أشواك , فإذا نظر فى أى اتجاه وجد بلوى ومصيبة , ولذلك فهو دائما يمشى على الشوك بالتقوى .. فإذا وجد اثنين يتكلمان فلا يحاول أن يعرف فيما يتكلمان .. فهذع تقوى.
قيل لأحدهم: هل سلكت طريقا ذا شوك؟ , قال: نعم , قيل: ماذا صنعت؟ , قال: شمرت واجتهدت , قيل له: فتلك التقوى: التشمير والاجتهاد .. أن تعيش هذه الحياة ماشيا على الشوك , فتكون شديد الحذر. ولقاح هذه التقوى وزوجها التوكل .. أن تتوكل على الله وأنت تسير
стр. 233
على الشوك , قال الله:
" ومن يتوكل على الله فهو حسبه " (الطلاق: ٣).
ويتحدث ابن القيم عن حقيقة التوكل فى إحدى درجاته العالية فيقول:
" اعتماد القلب على الله , واستناده إليه , وسكونه إليه. بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الاسباب , ولا سكون إليها , بل يخلع السكون إليها من قلبه , ويلبسه السكون إلى مسببها.
وعلامة هذا: أنه لا يبالى بإقبالها وإدبارها , ولا يضطرب قلبه ولا يخفق عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره , لأن اعتماده على الله , وسكونه إليه , واستناده إليه , قد حصنه من خوفها ورجائها , فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به , فرأى حصنا مفتوحا , فأدخله ربه إليه وأغلق عليه باب الحصن , فهو يشاهد عدوه خارج الحصن , فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه فى هذه الحال لا معنى له.
وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع فى اعتماده , وسكونه , وطمأنينته بثدى أمه لا يعرف غيره , وليس فى قلبه التفات إلى غيره , كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل , لا يعرف شيئا يأوى إليه إلا ثدى أمه , كذلك المتوكل لا يأوى إلا إلى ربه سبحانه ".
إذا فلقاح التقوى التوكل , فلابد للمتقى من صدق التوكل على الله وإلا فهى حذر مجرد دون نية صالحة , فيقع فى المحذور وهو أتقى ما يكون , فتجد هذا المغبون الذى فقد التوكل مع التقوى رغم تحريه
стр. 234
وشدة اتقائه يقع فى كبائر يعافها الفساق .. ألم تر إلى مصل قوام صوام يأكل أموال الناس بالباطل!! .. وأمثال ذلك كثير لاعتماده على التقوى وعدم توكله على الله , فلابد منهما معا. فبهما معا يكفيك الله ما أهمك من عقبات الطريق , فيوصلك ويبلغك إليه.
الرابع: التذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر:
قال ابن القيم: " والتذكر والتفكر كل منهما لقاح الآخر , إذا اجتمعا أنتجا ازهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة ". فالتفكر فى مخلوقات الله مع الذكر زوجان لا يفترقان .. تأمل وقل: سبحان الله!! .. فإذا ذكرت الله تفكرت , وإذا تفكرت ذكرت .. نعم: الذكر يصفى القلب , فيجعله لا يمر على شىء إلا تعقله وتأمل فيه .. وكذلك التفكر يقوى القلب فيجعله هائما دوما بذكر الله .. فاحرص - أخى - على هذين اللقاحين فى طريق السير إلى الله يزهداك فى الدنيا ويرغباك فى الآخرة ويساعداك كثيرا فى الوصول إلى الله - تعالى.
الخامس: الصبر لقاح البصيرة:
قال ابن القيم: " الصبر لقاح البصيرة , فإذا اجتمعا فالخير فى اجتماعهما. قال الحسن: إن شئت أن ترى بصيرا لا صبر له رأيته , وإذا شئت أن ترى صابرا لا بصيرة له رأيته , وإذا شئت أن ترى صابرا بصيرا فذاك " .. فذاك الرجل .. اللهم اجعلنا من رجالك.
صبر مع بصيرة .. أن ترى الحق فتعرفه , وترى الباطل فتعرفه .. أن تعرف الحق من الباطل وتصبر عليهما حتى تصل إلى الله .
стр. 235
السادس: العزيمة لقاح البصيرة:
يقول ابن القيم: " والعزيمة لقاح البصيرة , فإذا اجتمعا نال صاحبهما خير الدنيا والآخرة , وبلغت به همته العلياء كل مكان. فتخلف الكمالات إما من عدم البصيرة وإما من عدم العزيمة ".
البصيرة: أن يرى قلبك الحق فيعرفه , فإذا رأى الحق عزم عليه فعاش عليه , ثم تحدث لك عزيمة ثانية على ترك الباطل فتبتعد عنه.
السابع: حسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه:
يقول ابن القيم: " وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه , فإذا اجتمعا أثمرا إجابة الدعاء "
حسن الظن .. وتأمل هذا الحديث: " إن رجلا بعث فحوسب فثقلت موازين سيئاته , فقال الله: خذوه إلى النار , فصار يلتفت , فقال الله: ردوه , فقال الله: عبدى هل وجدت سيئة فى صحيفتك لم تعملها قال: لا يا رب قال: فما بالك تلتفت , قال: ما هذا ظنى فيك يا رب , فقال الله: خذوه إلى الجنة " .. اللهم ارزقنا الجنة .. لم يكن ظنى بك يا رب أنك ستدخلنى النار , بل كان ظنى أنك سترحمنى وتدخلنى الجنة .. كان هذا ظنى فيك يا رب.
قال الله فى الحديث القدسى: " أنا عند ظن عبدى بى فليظن عبدى ما شاء " [صححه الألبانى] .. فما ظنك بالله , العذاب أم الجنة؟ .. اللهم
стр. 236
استرنا يا رب .. وإذا كنت تظن به خيرا فهل عملت خيرا؟! .. وهل تصلح وهل تستحق لأن يدخلك الجنة؟! .. اصدق مع الله يرحمك وينجك.
حاول أن تكون مستحقا لأن يحبك الله , فاضبط نفسك على طاعته .. فحسن الظن مع سوء العمل لا ينفع صاحبه , فضلا عن أنه سوء أدب مع الله , قال الحسن: " إن قوما غرتهم الأمانى قالوا: نحسن الظن بالله وكذبوا , لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ".
فكيف تحسن ظنك بالله وأنت تحاربه , وتعاديه بالمعاصى؟! كيف وأنت موله ظهرك؟! كيف وأنت لا تذكره؟! كيف وأنت لا تقرأ كلامه ولا تنفذ أوامره وأحكامه؟! وكيف وأنت لا تطيعه؟! كيف تحسن الظن بالله وأنت تفعل كل ما نهاك عنه؟! إن الأمر - إخوتاه - ليس لعبا , قال - تعالى -: " وما هو بالهزل " (الطارق: ١٤).
فأحسن الظن بحق , فاعمل .. أحسن الظن , فحسن الظن لقاح الافتقار والاضطرار. قال الله: " أمّن يجيب المضطر إذا دعاه " (النمل: ٦٢) ..
يا رب , ليس لى إلا أنت .. افتقار واضطرار .. يا رب , لو وكلتنى إلى نفسى فسأضل , فلا تكلنى إلى نفسى طرفة عين أبدا ولا أقل من ذلك .. خذ بيدى يا رب .. لا تسلط علىّ أعدائك فأنا ضعيف ..
لا تسلمنى للعصاة والمذنبين فأنا مفتون وضعيف .. يا رب!
سيدنا يوسف افتقر إلى ربه فقال: " وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن " (يوسف: ٣٣) .. فقل: يا رب .. قل: " إنى مغلوب فانتصر " (القمر: ١٠) .. افتقر إلى الله فى كل شىء .. يا رب , لا أعرف أصلى فعلمنى ..
стр. 237
يا رب , القرآن ثقيل علىّ فسهله لى .. يا رب , لا أقوم الليل ولا أصلى الفجر فبأى وجه أقابلك , فخذ بيدى .. يا رب , المعاصى تملأ الارض , وكلما مشيت وقعت , فخذ بيدى .. يا رب .. يا رب .. هذا هو حال المؤمن , كمثل رجل فى البحر على خشبة يقول: يا رب .. يا رب , فاللهم سلمنا وارض عنا .. اضطرار وافتفار مع حسن ظن أنه لن يخيب رجاءك فيه , فيأخذ بذلك يدك ويبلغك المطلوب.
الثامن: الخشية لقاح المحبة:
قال ابن القيم: " والخشية لقاح المحبة , فإذا اجتمعا أثمرا امتثال الاوامر واجتناب المناهى ".
قال سهل: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطوة وعند كل حركة , وهم الذين وصفهم الله - تعالى - , إذ قال: " وقلوبهم وجلة " (المؤمنون: ٦٠).
لمّا احتضر سفيان الثورى جعل يبكى , فقيل له: يا أبا عبدالله , عليك بالرجاء , فإن عفو الله أعظم من ذنوبك , فقال: أو على ذنوبى أبكى؟! , لو علمت أنى أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا.
وقال ثابت البنانى: ما شرب داود ﵇ شرابا بعد المغفرة إلا ونصفه ممزوج بدموع عينيه.
وهذا الصحابى الجليل عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: " لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلىّ من أن أتصدق بألف دينار ".
стр. 238
وقالت ابنة الربيع بن خثيم: " كنت أقول لأبى: يا أبتاه , ألا تنام؟! فيقول: يا بنية , كيف ينام من يخاف البيات؟!
وقال الحسن ﵀: يحق لمن يعلم أن الموت مورده , وأن الساعة موعده , وأن القيامة بين يدى الله - تعالى - مشهده أن يطول حزنه.
" قال يوسف بن أسباط: كان سفيان الثورى إذا أخذ فى ذكر الآخرة يبول الدم ".
وعن زيد بن أبى الزرقاء قال: حمل ماء سفيان إلى طبيب فى علته فلما نظر قال: هذا ماء رجل قد أحرق الخوف جوفه.
إخوتاه , طوبى لقلوب ملأتها محبة الله فخافته.
حكيم بن حزام سيد شعاره الحب .. كان رضى الله عنه يطوف بالبيت ويقول: لا إله إلا الله , نعم الرب ونعم الاله , أحبه وأخشاه.
وقال هرم بن حيان: المؤمن إذا عرف ربه أحبه , وإذا أحبه أقبل إليه , وإذا وجد حلاوة الاقبال إليه لم ينظر إلى الدنيا بعين الشهوة , ولم ينظر إلى الآخرة بعين الفترة , وهى تحسره فى الدنيا وتروحه فى الآخرة.
стр. 239
قال خليد العصرى: يا إخوتاه: هل منكم من أحد لا يحب أن يلقى حبيبه؟! , ألا فأحبوا ربكم وسيروا إليه سيرا جميلا , لا مصعدا ومميلا.
ولله در القائل:
كانت لقلبى أهواء مفرقة ... فاسجمعت مذ رآك القلب أهوائى
فصار يحسدن من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائى
تركت للناس دنياهم ولهوهم ... شغلا بحبك يا دينى ودنيائى
وقال الشاعر:
أروح وقد ختمت على فؤادى ... بحبك أن يحل به سواكا
فلو أنى استطعت غضضت طرفى ... فلم أنظر به حتى أراكا
أحبك لا ببعضى بل بكلى ... وإن لم يبقى حبك لى حراكا
وفى الاحباب مختص بوجد ... وآخر يدعى معه اشتراكا
وكل يدعى حبا لربى ... وربى لا يقر لهم بذاكا
إذا اشتبكت دموع فى خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب وجدا ... وينطق بالهوى من قد تباكى
وقال مسمع بن عاصم: سمعت عابدا من أهل البحرين يقول فى جوف الليل: قرة عينى وسرور قلبى!! ما الذى أسقطنى من عينك يا مانح العصم .. ثم صرخ وبكى , ثم نادى: طوبى لقلوب ملأتها خشيتك ,
стр. 240
واستولت عليها محبتك , فمحبتك مانعة لها من كل لذة غير مناجاتك والاجتهاد فى خدمتك , وخشيتك قاطعة لها عن سبيل كل معصية جوفا لحلول سخطك. ثم بكى وقال: يا إخوتاه , ابكوا على فوت خير الآخرة , حيث لا رجعة ولا حيلة.
وعتبة الغلام القائل: تراك مولاى تعذب محبيك وأنت الحى الكريم:
" قال عنه سليم النحيف: رمقت عتبة ذات ليلة , فما زاد ليلته تلك على هذه الكلمات: إن تعذبنى فإنى لك محب , وإن ترحمنى فإنى لك محب. فلم يزل يرددها ويبكى حتى طلع الفجر.
وقال عنبسة الخواص: بات عندى عتبة الغلام ذات ليلة , فبكى من السحر بكاء شديدا , فلما أصبح قلت له: قد فزعت قلبى الليلة ببكائك , ففيم ذاك يا أخى؟ قال: يا عنبسة , إنى والله ذكرت يوم العرض على الله. ثم مال ليسقط فاحتضنته ... فناديته: عتبة عتبة , فأجابنى بصوت خفى: قطع ذكر يوم العرض على الله أوصال المحبين. قال: ويردده , ثم جعل يحشرج البكاء ويردده حشرجة الموت ويقول: تراك مولاى تعذب محبيك أنت الحى الكريم؟! قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكانى.
وقال عتبة ﵀: من سكن حبه قلبه لم يجد حرا ولا بردا. قال عبد الرحيم بن يحيى الدبيلى: يعنى من سكن حب الله قلبه , شغله حتى لا يعرف الحر من البرد , ولا الحلو من الحامض , ولا الحار من البارد.
وقال عتبة ﵀: من عرف الله أحبه , ومن أحب الله
стр. 241
أطاعه , ومن أطاع الله أكرمه , ومن أكرمه أسكنه فى جواره , ومن أسكنه فى جواره فطوباه وطوباه , وطوباه وطوباه. فلم يزل يقول: وطوباه حتى خر ساقطا مغشيا عليه.
والخلاصة: لقح الحب بالخشية .. تقو على طريق السير إلى الله.
التاسع: الصبر لقاح اليقين:
أنا عل يقين بأن الله سينصر أمة محمد ﷺ , فهل أنت على يقين؟ .. يأتى اليقين بالصبر , قال - تعالى - " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون " (السجدة: ٢٤) .. بالصبر واليقين تبلغ الامامة فى الدين.
الصبر على البلاء .. والصبر عن المعصية .. والصبر على الطاعة .. الصبر مع الله وبالله ولله .. الصبر لقاح اليقين .. فاصبروا - إخوتاه - صبرا جميلا.
علامات اليقين:
قال الفيروزآبادى: ثلاثة من أعلام اليقين:
١ - قلة مخالطة الناس فى العشرة.
٢ - ترك المدح لهم فى العطية.
٣ - التنزه عن ذمهم عند المنع.
стр. 242
ومن علاماته أيضا:
النظر إلى الله فى كل شىء , والرجوع إليه فى كل أمر , والاستعانة به فى كل حال.
العاشر: صحة الاقتداء بالرسول ﷺ لقاح الاخلاص:
صحة الاقتداء بالرسول ﷺ تورث الاخلاص , فإذا اجتمعا أثمرا قبول العمل ووجود أثره.
شروط قبول العمل شرطان: الاخلاص والمتابعة .. فإذا لم تكن مخلصا فأكثر من أعمال السنة يأتك الاخلاص. وإذا كنت لا تعمل .. إذا كنت بطيئا وضعيفا وخاملا , فأكثر من الاخلاص يضعك الله فى الخدمة فتكون من خدامه .. إذا فلابد من وجود أحد الشرطين لديك ليتوفر الاخر .. وآه ممن فقد الشرطين!! .. كيف يكون حاله؟! .. وماذا يصنع؟! .. ليس له إلا أن يقول: يا رب.
كنت أقول لأولادى الصغار مرة: لو أخلص الواحد منا أثمر ذلك متابعة النبى ﷺ , أم لو تابع النبى ﷺ أثمر الاخلاص؟ .. هذه هى قضية " البيضة أم الفرخة؟ " .. الاثنان معا .. يجلب أحدهما الآخر .. هذا هو اللقاح .. فلو كنت مخلصا فلابد أن تكون حالك متابعة النبى ﷺ , ولو كنت متبعا فلابد أن تكون حالك الاخلاص.
стр. 243
وثمرة الاخلاص والمتابعة قبول العمل ووجود ثمرة العمل .. أن تجد نتيجة العمل فلو كنت مخلصا متبعا وخرجت الى الشارع لا تنظر الى البنات مطلقا ذه نتيجة وثمرة العمل الصالح .. أنك لا تعصى .. لو كنت مخلصا أو متبعا لوجدت انك تستيقظ قبل الفجر تنتظر الصلاة فتجلس حاضر القلب .. ثمرة ونتيجة .. فتجد من نفسك اخباتا وخشية فى قلبك.
قال العلماء: " بين العمل وبين القلب مسافة وبين القلب وبين الرب مسافة وبين تلك المسافات قطاع طرق " .. فترى الرجل كثير الصلاة , كثير الصيام , كثير ذكر الله وقراءة القرآن ولم يصل الى قلبه من ذلك شىء .. نعم: قطاع طرق قطعوا الطريق عليه .. لكن لو عمل بإخلاص ومتابعة فلابد ان يصل الى القلب أثر العمل.
الحادى عشر: العمل لقاح العلم:
العلم والعمل وجهان لعملة واحدة وزوجان لا ينفصلان فى الاصل , ولذلك إذا اجتمعا كان الفلاح والسعادة .. فإذا تعلمت ولم تعمل كنت منافقا , وإذا عملت بدون علم كنت مبتدعا .. والذى يعلم ولا يعمل فيه شبه من المغضوب عليهم اليهود , والذى يعمل بدون علم فيه شبه من الضالين النصارى .. إذا فلابد أن يقترن العلم بالعمل .. قال الامام على رضى الله عنه: " العلم يهتف بالعمل ,فإن أجابه والا ارتحل " .. فاعمل بما علمت تزدد علما وتقى وخشية .. لقح العلم بالعمل.
стр. 244
قال الامام الشاطبى - رحمه الله تعالى - فى " الموافقات ":
" كل مسألة لا ينبنى عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعى , وأعنى بلعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا " .. ويبين ﵀ أن الدليل على ذلك استقراء الشريعة , فيذكر جملة من الايات والاحاديث الدالة على أن الشارع يعرض عما لا يفيد عملا مكلفا به.
ومن هذه الادلة باختصار: قوله - تعالى -: " يسألونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج " (البقرة: ١٨٩) , فوقع الجواب بما يتعلق به العمل , اعراضا عما قصده من السؤال عن الهلال: لما يبدو فى أول الشهر دقيقا كالخيط , ثم يمتلىء , ثم يصير بدرا ثم يعود الى حالته الاولى.
وقال - تعالى - بعد سؤالهم عن الساعة: " فيم أنت من ذكراها " (النازعات:٤٣) , أى إن هذا سؤال عما لا يعنى , إذ يكفى من علمها أنه لابد منها , ولذلك لما سئل ﷺ عن الساعة قال للسائل: " ما أعددت لها " , إعراضا عن صريح سؤاله , إلى ما يتعلق به مما فيه فائدة , ولم يجبه عما سأل.
وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل , ويحكى كراهيته عمن تقدم.
ويؤكد الامام الشاطبى ﵀ على أن كل علم طلب الشارع له , إنما
стр. 245
يكون حيث هو وسيلة الى التعبد به الى الله .. قال - تعالى -: " وإنه لذو علم لما علمناه " (يوسف: ٦٨) , قال قتادة: يعنى لذو عمل بما علمناه.
وروى عن أبى جعفر محمد بن على فى قول الله - تعالى -: " فكبكبوا فيها هم والغاون " (الشعراء: ٩٤) , قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه إلى غيره.
وعن أبى الدرداء: إنما أخاف أن يقال يوم القيامة: علمت أم جهلت؟ , فأقول: علمت , فلا تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة الا جاءتنى تسألنى فريضتها , فتسألنى الآمرة: هل ائتمرت؟ , والزاجرة: هل ازدجرت؟ , فأعوذ بالله من علم لا ينفع , ومن قلب لا يخشع , ومن نفس لا تشبع , ومن دعاء لا يسمع.
وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد قال: أدركت الناس وما يعجبهم القول إنما يعجبهم العمل.
ويواصل الشاطبى حديثه قائلا:
والادلة على هذا المعنى أكثر من أن تحصى. وكل ذلك يحقق أن العلم وسيلة من الوسائل ليس مقصودا لذاته من حيث النظر الشرعى وإنما هو وسيلة الى العمل. وكل ما ورد فى فضل العلم فإمنا هو ثابت للعلم من جهة ما يتوسل به اليه , وهو العمل.
وإنما يكون العلم باعثا عل العمل إذا صار للنفس وصفا وخلقا .. وهنا ينصح الشاطبى ﵀ المشتغلين بالعلم , والذين لم يصلوا بعد الى
стр. 246
مرتبة الذين صار العلم لنفوسهم وصفا وخلقا بعدم ترك العلم لعدم عملهم به بداية أو لسوء نيتهم فيه , عليهم بمواصلة الطلب , فإنه سيلجئهم حتما الى العمل.
يقول ﵀: " على أن المثابرةعلى طلب العلم والتفقه فيه , وعدم الاجتزاء باليسير منه , يجر إلى العمل به , ويلجىء إليه , وهو معنى قول الحسن: كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا الآخرة. وعن حبيب بن أبى ثابت: طلبنا هذا الامر وليس لنا فيه نية , ثم جاءت النية بعد. وعن أبى الوليد الطيالسى قال: سمعت ابن عيينة منذ اكثر من ستين سنة يقول: طلبنا هذا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون ".
وإذا كان لقاح العلم العمل به , وأن زكاة العلم العمل .. هذا فى حق كل الناس , فهم مكلفون بالعمل .. إذا كان ذلك فالعمل فى حق من هم مظنة الاقتداء بهم أحرى وأولى.
وفى نهاية هذا البحث الماتع يقول الشاطبى ﵀: " فالحاصل أن الافعال أقوى فى التأسى والبيان إذا جامعت الأقوال , من انفراد الاقوال , فاعتبارها فى نفسها لمن قام فى مقام الاقتداء أكيد لازم , بل يقال: إذا اعتبر هذا المعنى فى كل من هو مظنة الاقتداء ومنزلة التبيين , ففرض عليه تفقد جميع أقواله وأعماله. ولا فرق فى هذا بين ما هو واجب وما هو مندوب أو مباح أو مكروه أو ممنوع وهذا البيان الشافى المخرج عن الاطراف والانحرافات هو الراد إلى الصراط المستقيم " اهـ.
стр. 247
الثانى عشر: الحلم لقاح العمل: الحلم أن تكون حليما فى شرع الله , وحليما مع خلق الله.
الحلم فى شرع الله: أن تشفق على العصاة والمذنبين وتنظر إليهم بعين الرحمة والعطف .. تتحملهم وتحاول أن تأخذ بأيديهم لتنقذهم من الغرق , لتدفعهم إلى طريق الله .. تبذل نفسك لتنتشلهم من نيران المعاصى المحرقة .. ويساعدك تذكر حالك قبل , وأن الله منّ عليك ونجاك .. وقديما قالوا: لا يضحك فى وجه العاصى الا عالم .. نعم: كلما ازداد الإنسان علما ازداد حلما.
قال منصور بن محمد الكريزى:
سألزم نفسى الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلىّ الجرائم
فما الناس الا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
والحلم يبدل العداوة محبة , قال الله - تعالى -: " ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم * وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم " (فصلت: ٣٤ - ٣٥) .. وفى ذلك يقول معين بن أوس المزنى:
فأبرأت غل الصدر منه توسعا ... بحلمى كما يشفى بأودية كلم
وأطفأت نار الحرب بينى وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم
стр. 248
إخوتاه , الحلم طريق العمل .. فإذا كنت لا تعمل فكن حليما يأتك العمل .. كن حليما يحبك الله , قال رسول الله ﷺ لأشج عبدالقيس: " إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة " [أخرجه مسلم].
وقال رسول الله ﷺ : " إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله " [أخرجه البخارى].
قال رسول الله ﷺ : " إن الله رفيق يحب الرفق , ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على ما سواه " [أخرجه مسلم].
وقال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بمن يحرم على النار - أو بمن تحرم عليه النار؟ - تحرم على كل قريب هين لين سهل " [صححه الألبانى].
أخى فى الله , حبيبى فى الله , كن حليما مع خلق الله , واقتد بنبيك ﷺ وصحابته الأكرمين وسلفك الصالحين.
عن أنس رضى الله عنه قال: "كنت أمشى مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانى غليظ الحاشية , فأدركه أعرابى , فجذبه بردائه جذبة شديدة , فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته , ثم قال: يا محمد , مر لى , فالتفت إليه فضحك , ثم أمر له بعطاء" [متفق عليه].
стр. 249
وشتم رجل أبا ذر رضى الله عنه , فقال له: يا هذا لا تستغرق فى شتمنا , ودع للصلح موضعا .. فإنا لا نكافىء من عصى الله فينا بأكبر من أن نطيع الله فيه.
وكانت أم المؤمنين عائشة - رضى الله عنها - صائمة فأمرت جاريتها بريرة أن تصنع لها طعاما , لتفطر به , فتشاغلت عن ذلك حتى مضى النهار , وجاء المغرب , فلم تجد أم المؤمنين طعاما , فالتفتت إليها وقالت وهى تكتم غيظها: " لله در التقوى لم تدع لذى غيظ شفاء ".
" وقيل للأحنف بن قيس: من أين تعلمت الحلم؟ , فقال: من قيس بن عاصم , قيل: وما بلغ حلمه؟ قال: بينما هو جالس فى داره , إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء , فسقط من يدها , فوقع على ابن له صغير فمات , فدهشت الجارية , فقال لها: لا روع عليك , أنت حرة لوجه الله - تعالى ".
" وقيل: إن أويسا القرنى كان إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة , فكان يقول لهم: يا إخوتاه , إن كان ولابد فارمونى بالصغار , حتى لا تدموا ساقى , فتمنعونى عن الصلاة ".
" وكان ليحيى بن زياد الحارثى غلام سوء , فقيل له: لم تمسكه؟! , فقال: لأتعلم الحلم عليه ".
وكان لمعاوية رضى الله عنه قطعة أرض وبجوارها أخرى لعبدالله بن الزبير رضى الله عنهما كان يجلس فيها هو وأهله .. فكان عمال معاوية يدخلون عليه ..
стр. 250
فكتب إلى معاوية يقول: يا ابن آكلة الأكباد , امنع عمالك عنى , والا كان لى ولك شأن .. والسلام.
فلما وقف معاوية على الكتاب دفعه لولده يزيد وقال له: ما ترى؟ , قال: أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه. فقال له معاوية: غير هذا خير. ثم قلب الكتاب وكتب على ظهره: أما بعد: فقد وقفت على كتابك يا ابن حوارى رسول الله ﷺ , ويا ابن ذات النطاقين , وساءنى ما ساءك .. ووالله لو كانت الدنيا بأسرها بينى وبينك لأتيتك بها .. وقد نزلت عن أرضى لك , فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والاموال .. والسلام.
فلما قرأها ابن الزبير رضى الله عنه بكى .. وكتب إليه: قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه , ولا أعدمه الرأى الذى أحله من قريش هذا المحل .. والسلام.
فلما وقف معاوية عليه تهلل وجهه وأسفر , وقال لابنه: يا بنى , من عفا ساد , ومن حلم عظم , ومن تجاوز استمال إليه القلوب .. فإذا ابتليت بشىء من هذه الامور فداوه بمثل هذا الدواء.
نعم - إخوتاه -: وصل هؤلاء إلى الله - تعالى - بترويض أنفسهم على طاعته ولزوم أوامره واجتناب نواهيه وهذا أيضا من الحلم فى شرع الله .. قال ﷻ : " فاصفح الصفح الجميل " (الحجر: ٨٥) , وقال ﷻ : " وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم " (النور: ٢٢) , والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب , والصفح: ترك التأنيب
следующие страницы →