← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

طُرِح في النار". وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (١): "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقّه خُسِفَ به يوم القيامة إلى سبع أرَضين" (٢). وفي الصحيحين (٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ناركم هذه التي يُوقِد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من نار جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية. قال: "فإنها قد فُضّلت عليها بتسعة وستين جزءًا كلّهن مثل حرها". وفي المسند (٤) عن معاذ قال: أوصاني رسول الله ﷺ ، فقال: "لا تشرك بالله شيئًا، وإن قُتِلتَ وحُرِّقتَ. ولا تَعُقَّنَّ والدَيك، وإن أمراك أن تخرُج من أهلك ومالك. ولا تتركَنَّ صلاةً مكتوبةً متعمّدًا، فإنّ من ترك

стр. 142

صلاة مكتوبة متعمّدًا فقد برئت منه ذمةُ الله. ولا تشرَبنّ (١) خمرًا، فإنه رأس كل فاحشة. وإيّاك والمعصية، فإنّ المعصية تُحِلُّ سخَطَ الله". والأحاديث في هذا الباب أضعافُ أضعافِ ما ذكرنا، فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها، ويرسل نفسه في المعاصي، ويتعلّق بحبل الرَّجاء وحسن الظن. قال أبو الوفاء بن عقيل: احذَرْه ولا تغترَّ (٢)، فإنّه قطع اليد في ثلاثة دراهم (٣)، وجلد الحدّ في مثل رأس الإبرة من الخمر (٤)، وقد دخلت امرأة النارَ في هرّة (٥)، واشتعلت (٦) الشملة نارًا على من غلّها وقد

стр. 143

قتِل شهيدًا (١). وقال الإِمام أحمد (٢): حدثنا أبو معاوية (٣)، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه قال: "دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب له شيئًا. فقالوا لأحدهما: قَرِّب، فقال (٤): ليس عندي شيء. قالوا له (٥): قرِّبْ ولو ذبابًا. فقرَّب ذبابًا، فخلَّوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قَرِّب، فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئًا دون الله ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة". وهذه الكلمة الواحدة يتكلَّم بها العبد يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب (٦).

стр. 144

وربما اتّكل بعض المغترّين على ما يرى من نعَم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغيَّر به (١)، ويظنّ أنّ ذلك (٢) من محبة الله له، وأنّه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك، وهذا من الغرور. قال الإِمام أحمد (٣): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رِشدين بن سعد (٤)، عن حرملة بن عمران (٥) التجيبي، عن عُقْبة بن مسلم، عن عُقْبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحِبّ، فإنما هو استدراج". ثم تلا قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].

стр. 145

وقال بعض السلف: إذا رأيت الله يتابع نعمَه عليك (١)، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج (٢) يستدرجك به (٣). وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. وقد ردّ سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] أي: ليس كلُّ من نعّمتُه ووسّعتُ عليه رزقَه أكون قد أكرمتُه، ولا كلُّ من ابتليتُه وضيّقت عليه رزقه أكون قد أهنتُه. بل أبتلي هذا بالنعمة، وأكرم هذا بالابتلاء. وفي جامع الترمذي (٤) عنه ﷺ : "إنّ الله يعطي الدنيا مَن يُحِبّ ومن

стр. 146

لا يُحِبّ، ولا يعطي الإيمان إلا من يُحِب". وقال بعض السلف: رُبَّ مستدرج بنعم الله (١) عليه، وهو لا يعلم ورُبَّ مغرور بسَتْر الله عليه، وهو لا يعلم (٢). ورُبَّ مفتون بثناء الناس عليه (٣)، وهو لا يعلم. فصل وأعظم الخلق غرورًا من اغترّ بالدنيا وعاجلها، فآثرها (٤) على الآخرة، ورضي بها من الآخرة (٥)، حتّى يقولُ بعض هؤلاء: الدنيا نقد، والآخرة نسيئة، والنقد أنفع من النسيئة! ويقول بعضهم: ذَرّة منقودة، ولا دُرّة موعودة! ويقول آخر منهم: لذاتُ الدنيا متيقَّنة، ولذات الآخرة مشكوك

стр. 147

فيها، ولا أدع اليقين للشك (١)! وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله. والبهائم العُجْم أعقل من هؤلاء، فإنّ البهيمة إذا خافت مضرةَ شيء لم تُقْدِم عليه، ولو ضُرِبَتْ، وهؤلاء يُقدِم أحدُهم على عطَبه، وهو بين مصدّق ومكذّب. فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله (٢) ولقائه والجزاء، فهو من أعظم الناس (٣) حسرةً؛ لأنه أقدم على علم. وإن لم يؤمن بالله ورسوله (٤)، فأبْعِدْ له! وقول هذا القائل: "النقد خير من النسيئة"، فجوابه (٥) أنّه إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير. وإن تفاوتا وكانت النسيئة أكثر (٦) وأفضل، فهي خير. فكيف والدنيا كلّها (٧) من أولها إلى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة! كما في مسند الإِمام أحمد والترمذي (٨) من حديث المستورِد بن شدّاد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخِلُ أحدُكم إصبَعَه في اليمّ، فلينظُرْ بم ترجع" (٩)؟.

стр. 148

فإيثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل. وإذا (١) كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها إلى الآخرة، فما مقدار عمر الإنسان بالنسبة إلى الآخرة؟ فأيُّما أولى بالعاقل: إيثارُ العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمانُ الخير الدائم في الآخرة، أم تركُ شيء حقير صغير (٢) منقطع عن قرب ليأخذ ما لا قيمة له (٣)، ولا خطرَ له (٤)، ولا نهاية لعدده، ولا غاية لأمده. وأما قول الآخر: "لا أترك متيقنًا لمشكوك (٥) فيه"، فيقال له: إما أن تكون على شكّ من وعد الله ووعيده وصدق رسله، أو تكون على يقين من ذلك. فإن كنت على يقين، فما تركتَ إلا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب، لأمر متيقَّن لا شك فيه ولا انقطاع له. وإن كنتَ على شك، فراجعْ آيات الربّ تعالى الدالّة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته، وصدق رُسُله فيما أخبروا به عنه (٦).

стр. 149

وتجرَّدْ، وقُمْ لله ناظرًا أو مناظرًا، حتى يتبين لك أنّ ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لا شك فيه، وأنّ خالق هذا العالم وربّ السموات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزّه عن خلاف ما أخبرت به رسله عنه. ومن نسبه إلى غير ذلك فقد شتمه، وكذّبه، وأنكر ربوبيته وملكه. إذ من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليمة أن يكون الملِك الحقّ عاجزًا أو جاهلًا، لا يعلم شيئًا، ولا يسمع (١)، ولا يبصر، ولا يتكلّم، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعزّ من يشاء ولا يذل (٢) من يشاء، ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها، ولا يعتني بأحوال رعيته، بل يتركهم سدًى، ويخلّيهم همَلًا. وهذا يقدح في مُلك آحاد ملوك البشر ولا يليق به، فكيف يجوز نسبة الملِك الحق المبين إليه؟ وإذا تأمل الإنسان حاله من مبدأ كونه (٣) نطفة إلى حين كماله واستوائه (٤)، تبيّن له أنّ (٥) من عني به هذه العناية (٦)، ونَقَله إلى هذه الأحوال، وصرّفه في هذه الأطوار، لا يليق به أن يهمله ويتركه سدًى، لا يأمره ولا ينهاه، ولا يعرّفه حقوقَه عليه، ولا يثيبه ولا يعاقبه. ولو تأمل العبد حقّ التأمل لكان كلّ ما يبصره وما لا يبصره دليلًا له

стр. 150

على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه. وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب "أيمان القرآن" (١) عند قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. وذكرنا (٢) طرفا من ذلك عند قوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، وأنّ الإنسان دليل لنفسه (٣) على وجود خالقه، وتوحيده، وصدق رسله، وإثبات صفات كماله (٤). فقد بان أنّ المضيِّع مغرور على التقديرين: تقدير تصديقه ويقينه، وتقدير تكذيبه وشكّه (٥). فإن قلت: كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار، ويتخلف العمل (٦)؟ وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غدًا إلى بين يدي بعض الملوك (٧) ليعاقبه أشدَّ عقوبة، أو يكرمه أتمَّ كرامة، ويبيت (٨) ساهيًا غافلًا، لا يتذكر (٩)

стр. 151

موقفه (١) بين يدي الملك، ولا يستعدّ له، ولا يأخذ له أهبته (٢)؟ قيل: هذا -لَعمرُ الله- سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق. واجتماعُ هذين الأمرين من أعجب الأشياء. وهذا التخلّف له عدة أسباب: أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين. ومن ظنّ أن العلم لا يتفاوت، فقوله من أفسد الأقوال وأبطلها. وقد سأل إبراهيم الخليل ربَّه أن يُريه إحياءَ الموتى عيانًا، بعد علمه بقدرة الربّ على ذلك، ليزداد طمأنينةً، ويصير المعلوم غيبًا (٣) شهادةً. وقد روى أحمد في مسنده (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس الخبر كالمعاينة" (٥).

стр. 152

فإذا اجتمع إلى ضعف العلم عدمُ استحضاره وغَيبتُه عن القلب في كثير من أوقاته أو أكثرها، لاشتغاله بما يضادّه، وانضمّ إلى ذلك تقاضي الطبع، وغلَباتُ الهوى، واستيلاءُ الشهوة، وتسويلُ النفس، وغرورُ الشيطان، واستبطاءُ الوعد، وطولُ الأمل، ورقدةُ الغفلة، وحبُّ العاجلة، ورُخَصُ التأويل، وإلفُ العوائد = فهناك لا يمسك الإيمانَ إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا. ولهذا السبب (١) يتفاوت الناس في الإيمان حتى ينتهي إلى أدنى أدنى (٢) مثقال ذرة في القلب (٣). وجمَاعُ هذه الأسباب يرجع (٤) إلى ضعف البصيرة والصبر (٥). ولهذا مَدح الله سبحانه أهل الصبر (٦) واليقين، وجعلهم أئمة الدين، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].

стр. 153

فصل فقد تبين (١) الفرق بين حسن الظن والغرور، وأنّ حسن الظن إن حمل على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح. وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي، فهو غرور. وحسن الظن هو الرجاء. فمن كان رجاؤه حاديًا (٢) له على الطاعة، زاجرًا له عن المعصية، فهو رجاء صحيح. ومن كانت بطالته رجاءً، ورجاؤه بطالةً وتفريطًا، فهو المغرور. ولو أن رجلًا له أرض يؤمّل أن يعود عليه من مُغَلِّها ما ينفعه فأهملها، ولم يبذُرها، ولم يحرثها، وأحسن ظنه بأنه يأتي من مغلّها ما يأتي مَن حَرَث (٣)، وبَذَر، وسقَى، وتعاهَد الأرضَ، لعدَّه الناس من أسفه السفهاء. وكذلك لو حسّن ظنَّه وقوّى رجاءَه (٤) بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلمَ أهل زمانه (٥) من غير طلبِ للعلم (٦) وحرص تامّ عليه، وأمثال ذلك.

стр. 154

فكذلك (١) من حسّن ظنه وقوّى رجاءه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى (٢) بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وبالله التوفيق. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. فتأمَّلْ كيف جعل رجاءَهم إتيانَهم بهذه الطاعات! وقال المغترون (٣): إنّ المفرِّطين المضيِّعين لحقوق الله (٤)، المعطِّلين لأوامره، الباغين على عباده، المتجرّئين على محارمه = أولئك يرجون رحمة الله! وسرّ المسألة أنّ الرَّجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه، وقدَره، وثوابه وكرامته؛ فيأتي العبد بها، ثم يحسن (٥) ظنّه بربه، ويرجوه أن لا يكِلَه إليها، وأن يجعلها موصلةً إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها، ويبطل أثرها. فصل ومما ينبغي أن يعلم أنّ من رجا شيئًا استلزم رجاؤه أمورًا: أحدها: محبة ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته.

стр. 155

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. وأما رجاءٌ لا يقارنه (١) شيء من ذلك، فهو من باب الأماني! والرجاء شيء، والأماني شيء آخر. ف كلُّ راجٍ خائفٌ، والسائر على الطريق إذا خاف أسرَعَ السيرَ مخافةَ الفوات. وفي جامع الترمذي (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله

стр. 156

ﷺ : "مَن خاف أدلَجَ، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله الجنّة". وهو سبحانه كما جعل الرَّجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال (١). فعُلِمَ أنّ الرَّجاء والخوف النافع هو ما اقترن (٢) به العمل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].

стр. 157

وقد روى الترمذي في جامعه (١) عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقلت (٢): أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ فقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلّون (٣) ويتصدّقون، ويخافون أن لا يُتقبَل منهم. أولئك يسارعون في الخيرات". وقد روي من حديث أبي هريرة أيضًا (٤).

стр. 158

والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن. ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف. ونحن جمعنا بين التقصير -بل التفريط- والأمن! فهذا الصدّيق يقول: "وددتُ أنّي شعرة في جنب عبد مؤمن". ذكره أحمد عنه (١). وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد! (٢) وكان يبكي كثيرًا، ويقول: ابكوا، فإنْ لم تبكُوا فتباكَوا (٣). وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله (٤).

стр. 159

وأتي بطائر، فقلّبه، ثم قال: ما صِيدَ مِن صَيدٍ ولا قُطعت من شجرة إلا بما ضيّعَتْ من التسبيح (١). ولما احتضر قال لعائشة: يا بنية، إنّي أصبتُ من مال المسلمين هذه العباءة، وهذا الحِلاب (٢)، وهذا العبد، فأسرعي به إلى ابن الخطاب (٣). وقال: والله لودِدتُ أنّي كنتُ (٤) هذه الشجرة، تؤكل وتُعضد! (٥) وقال قتادة: بلغني أنّ أبا بكر قال: ودِدتُ أنّي خَضِرةٌ تأكلني الدوابّ (٦). وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور (٧) حتّى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [الطور: ٧]، فبكى (٨)، واشتدّ بكاؤه، حتى مرض وعادُوه (٩).

стр. 160

وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضَعْ خدّي على الأرض عساه أن يرحمني. ثم قال: ويل أمي (١) إن لم يغفر لي (٢)، ثلاثًا، ثم قضَى (٣). وكان يمرّ بالآية في وِرده بالليل، فتخنقه (٤)، فيبقى في البيت أيامًا (٥) يُعاد، يحسبونه مريضًا (٦). وكان في وجهه ﵁ خطّان أسودان من البكاء (٧). وقال له ابن عباس: مصّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال: وددتُ أنّي أنجو، لا أجرَ ولا وِزرَ (٨). وهذا عثمان بن عفان ﵁ كان إذا وقف على القبر يبكي

стр. 161

حتى يبلّ لحيتَه (١). وقال: لو أنني بين الجنّة والنار، لا أدري إلى أيّهما (٢) يؤمر بي، لاخترتُ أن أكون رمادًا، قبل أن أعلم إلى أيّهما أصير (٣). وهذا علي بن أبي طالب ﵁ وبكاؤه وخوفه. وكان يشتد خوفه من اثنتين (٤): طول الأمل، واتباع الهوى. قال: فأما طول الأمل فيُنْسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق. ألا وإن الدنيا قد ولّت مدبرةً، والآخرةُ مقبلةٌ، ولكل واحدة منهما (٥) بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حسابَ، وغدًا حساب ولا عملَ (٦).

стр. 162

وهذا أبو الدرداء كان يقول: إنّ أشدّ ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء قد علمتَ، فكيف عملتَ فيما علمتَ؟ (١) وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتًا (٢) تستظِلّون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد، تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم. ولَوددتُ أنّي شجرة تُعضَد ثم تؤكل (٣). وكان عبد الله بن عباس أسفلَ عينَيه مثلُ الشَراك البالي من الدموع (٤). وكان أبو ذرّ يقول: ياليتني كنتُ شجرةً تعضَد، ووددتُ أنّي لم أُخْلَق (٥). وعُرضت عليه النفقة فقال: عندنا عَنْزٌ (٦) نحلبُها، وأحمِرَة ننقل عليها، ومحرَّرٌ يخدمنا، وفضل عباءة. وإنّي أخاف الحسابَ

стр. 163

فيها (١). وقرأ تميم الداري ليلةَ سورة الجاثية، فلمّا أتى على هذه الآية ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١] جعل يردّدها ويبكي حتى أصبح (٢). وقال أبو عبيدة بن الجراح: وددت أني كبش، فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحَسَوا مرَقي (٣). وهذا باب يطول تتبعه. قال البخاري في صحيحه (٤): "باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وقال إبراهيم التَّيمي: ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيتُ أن أكون مكذَّبًا (٥). وقال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي- ﷺ كلُهم يخاف النفاقَ على نفسه، ما منهم أحد (٦) يقول

стр. 164

إنه على إيمان جبريل وميكائيل (١). ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمِنَه إلا منافق" (٢). وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: أنشُدك الله، هل سمّاني لك رسول الله ﷺ ؟ يعني في المنافقين فيقول: لا، ولا أزكّي بعدك أحدًا (٣). فسمعتُ شيخنا ﵀ (٤) يقول: ليس مراده أنّي لا أبرّئ غيرك من النفاق، بل المراد: لا أفتح عليّ هذا الباب، فكلّ من سألني: هل سمّاني لك رسول الله- ﷺ ؟ فأزكيه. قلت: وقريب من هذا قول النبي ﷺ للذي سأله أن يدعو له أن يكون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنّة بغير حساب: "سبقك بها عكاشة" (٥). ولم يُرِد أنّ عكاشة وحده أحقُّ بذلك ممن عداه من

стр. 165

الصحابة. ولكن لو دعا له (١) لقام (٢) آخر وآخر، وانفتح الباب، وربّما قام من لم يستحق أن يكون منهم. فكان الإمساك أولى، والله أعلم. فصل فلنرجع إلى ما كنّا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمرّ أفسد دنيا العبد وآخرته. فممّا ينبغي أن يعلم أنّ الذنوب تضرّ ولابدّ، وأنّ ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شرّ وداء (٣) إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنّة دار اللذة والنعيم (٤) والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرَدَه ولعَنَه، ومسَخَ ظاهره وباطنه (٥)، فجُعِلَتْ صورتُه (٦) أقبح صورة وأشنعها؛ وباطنُه أقبح من صورته وأشنع؟ وبُدّل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظّى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاة الولي الحميد أعظمَ

стр. 166

عداوةٍ ومشاقّةٍ، وبزجَل التسبيح والتقديس والتهليل زَجَلَ الكفر والشرك (١) والكذب والزور والفحشِ، وبلباس الإيمان لباسَ الكفر والفسوق والعصيان. فهان على الله غايةَ الهوان، وسقط من عينه غايةَ السقوط، وحلّ عليه غضبُ الرب تعالى فأهواه، ومقَتَه أكبر المقت فأرداه (٢). فصار قوّادًا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة، بعد تلك العبادة والسيادة (٣). فعياذًا بك اللهم من مخالفة (٤) أمرك وارتكاب نهيك. وما الذي غرّق أهل الأرض كلّهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلّط الريح العقيم (٥) على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض، كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمّرت ما مرّت (٦) عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم (٧) ودوابّهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة. وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحةَ حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟

стр. 167

وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيحَ كلابهم، ثم قَلَبها عليهم (١)، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعًا. ثم أتبعهم حجارةً من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمّةٍ غيرهم. ولإخوانهم أمثالُها، وما هي من الظالمين ببعيد! وما الذي أرسل على قوم شعيب سحابَ العذاب كالظُّلل، فلمّا صار فوق رؤوسهم أمطر (٢) عليهم نارًا تلظّى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحُهم إلى جهنّم. فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله (٣)؟ وما الذي أهلك القرون من (٤) بعد نوح بأنواع العقوبات (٥)، ودمّرها تدميرًا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولى بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرّية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال. ثم بعثهم عليهم مرة ثانية، فأهلكوا ما قدروا عليه،

стр. 168

وتبّروا ما علوا تتبيرًا؟ وما الذي سلّط عليهم أنواعَ العقوبات مرة بالقتل (١) والسبي (٢) وخراب البلاد (٣)، ومرّةً بجور الملوك، ومرّةً بمسخهم قردة وخنازير؟ وآخر ذلك أقسم الرب ﵎: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]. قال الإِمام أحمد (٤): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرس (٥) فُرِّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض (٦)، ورأيت (٧) أبا الدرداء جالسًا وحده (٨) يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يومِ أعزّ الله فيه الإِسلامَ وأهلَه؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهونَ الخلقَ على الله إذا أضاعوا أمره! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمرَ الله، فصاروا إلى ما ترى!

стр. 169

وقال علي بن الجعد (١): أنبأنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعتُ أبا البَخْتَري يقول: أخبَرَني من سمع النبي ﷺ يقول: "لن يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعذِروا من أنفسهم". وفي مسند أحمد (٢) من حديث أم سلمة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ

стр. 170

يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذابٍ من عنده". فقلت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟ قال: "بلى". قالت: فكيف يُصنَع بأولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان". وفي مراسيل الحسن عن النبي ﷺ : "لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وفي كنَفه، ما لم يُمالِئْ قرّاؤها أمراءَها، وما لم يُزَكِّ صلحاؤها فجّارَها، وما لم يُهِنْ خيارَها شِرارُها. فإذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم، ثم سلّط عليهم جبابرتهم، فساموهم سوء العذاب، ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر" (١). وفي المسند (٢) من حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الرجل لَيُحْرَم الرزقَ بالذنب يصيبه". وفيه أيضًا (٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن تتداعى

стр. 171

عليكم الأمم من كل أفق، كما تَداعَى الأكَلةُ على قَصْعتها". قلنا: يا رسول الله أمِنْ قلّةٍ بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. تُنزَع المهابةُ من قلوب عدوّكم، ويُجعل في قلوبكم الوَهْنُ". قالوا (١): وما الوهن؟ قال: "حبّ الحياة، وكراهة الموت". وفي المسند (٢) من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لمّا عُرِجَ بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمِشون وجوههم وصدورهم. فقلتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. وفي جامع الترمذي (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول

стр. 172

الله ﷺ : "يخرج في آخر الزمان قوم يختِلون الدنيا بالدين (١)، ويلبسون للناس (٢) مُسُوكَ الضأن (٣) من اللين، ألسنتهم أحلى من السكّر (٤)، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله : أبي يغترّون؟ وعليّ يجترئون؟ فبي حلفتُ، لأبعثنّ على أولئك منهم (٥) فتنةً تدَعُ الحليمَ فيهم (٦) حيرانًا (٧) ". وذكر ابن أبي الدنيا (٨) من حديث جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جدّه

стр. 173

قال: قال عليّ: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإِسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. مساجدهم يومئذ عامرة، وهي خراب من الهدى. علماؤهم شرُّ (١) من تحت أديم السماء. منهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود. وذكر (٢) من حديث سِماك بن حرب (٣)، عن عبد الرحمن بن

стр. 174

عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: إذا ظهر الزنى والربا (١) في قرية أذنَ الله بهلاكها. وفي مراسيل الحسن: "إذا أظهر الناس العلم، وضيّعوا العمل، وتحابّوا بالألسن، وتباغضوا (٢) بالقلوب، وتقاطعوا بالأرحام = لعنهم الله عند ذلك، فأصمّهم، وأعمى أبصارهم (٣). وفي سنن ابن ماجه (٤) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: كنتُ عاشرَ عشرةِ وهي من المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين، خمسُ خصال وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلاّ ابْتُلُوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قومٌ المكيالَ (٥) والميزانَ إلا ابتلُوا بالسنين وشدة المؤنة وجور

стр. 175

السلطان. وما منع قوم زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، فلولا البهائم لم يُمطَروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلّط الله عليهم (١) عدوَّهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمّتُهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسَهم بينهم". وفي المسند والسنن (٢) من حديث عمرو بن مُرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٣) بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرًا (٤)، فإذا كان الغدُ جالَسَه وواكَلَه وشارَبه، كأنه لم يره على خطيئةٍ بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم (٥) ضرَبَ بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصوا، وكانوا يعتدون. والذي نفس محمَّد بيده، لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذُنّ على يد السفيه، ولتأطُرُنّه على الحق أطرًا، أو ليضربَنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننَّكم

стр. 176

كما لعنَهم". وذكر ابن أبي الدنيا (١) عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إنّي مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستّين ألفًا من شرارهم. قال: يا ربِّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنّهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هِزّان (٢) قال: بعث الله ملَكين إلى قرية أنْ: دمِّراها بمن فيها. فوجدا فيها رجلًا قائمًا يصلي في مسجد (٣)، فقالا: يا رب إن فيها عبدَك فلانًا يصلّي. فقال الله : دمِّراها، ودمِّراه معها (٤)، فإنه ما تمعّر وجهه فيّ قط. وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد، عن مسعر أنّ ملكًا أُمِرَ أن يخسِفَ قريةً، فقال: يا ربِّ إنَّ فيها فلانًا العابد. فأوحى الله إليه أنْ: به فابدأ، فإنه لم يتمعّر وجهه فيّ ساعةً قطّ (٥).

стр. 177

وذكر ابن أبي الدنيا (١) عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داودُ الخطيئةَ قال: يا ربّ اغفر لي. قال: قد غفرتُ لك، وألزمتُ عارَها بني إسرائيل. قال: يا ربّ كيف، وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا، أعمل أنا الخطيئة (٢)، ويلزَم عارُها غيري؟ فأوحى الله إليه: إنّك لمّا عملتَ الخطيئة (٣) لم يُعجِّلوا عليك بالإنكار. وذكر ابن أبي الدنيا (٤) عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو

стр. 178

ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أمّ المؤمنين حدّثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا (١)، وشربوا الخمر (٢)، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه، فقال للأرض: "تزلزلي بهم". فإن تابوا ونزَعوا، وإلا هَدَمها عليهم. قال: يا أم المؤمنين، أعذابًا لهم؟ قالت: بل موعظةً ورحمةً للمؤمنين، ونكالًا وعذابًا وسخطًا (٣) على الكافرين. فقال أنس: ما سمعتُ حديثًا بعد رسول الله ﷺ أنا أشدّ فرحًا منّي بهذا الحديث. وذكر ابن أبي الدنيا (٤) حديثًا مرسلًا أنّ الأرض تزلزلت على عهد رسول الله ﷺ ، فوضع يده عليها، ثم قال (٥): "اسكني فإنّه لم يأنِ لكِ بعدُ". ثم التفت إلى أصحابه، فقال: "إنّ ربكم يستعتبكم فأعْتِبوه". ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه. والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا!

стр. 179

وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا (١) أن الأرض زُلزلت (٢) على عهد عمر، فضرب يده عليها، وقال (٣): مالكِ؟ مالكِ؟ أمَا إنّها لو كانت القيامة حدَّثت أخبارَها. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق". وذكر الإِمام أحمد (٤) عن صفية قالت: زلزلت (٥) المدينة على عهد عمر، فقال: يا أيها الناس ما هذا؟ ما أسرَعَ ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها. وقال كعب: إنما تزلْزَل (٦) الأرض إذا عُمِل فيها بالمعاصي، فتُرْعَد فَرَقًا من الربّ ﷻ أن يطّلع عليها (٧). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أمّا بعد، فإنّ هذا الرجف (٨) شيء يعاتب الله به العباد. وقد كتبتُ إلى الأمصار أن

стр. 180

يخرجوا (١) في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فَلْيتصدّقْ به، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] وقولوا كما قال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] (٢). وقال الإِمام أحمد (٣): حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن
следующие страницы →