← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كما لعنَهم". وذكر ابن أبي الدنيا (١) عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إنّي مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستّين ألفًا من شرارهم. قال: يا ربِّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنّهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم. وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي هِزّان (٢) قال: بعث الله ملَكين إلى قرية أنْ: دمِّراها بمن فيها. فوجدا فيها رجلًا قائمًا يصلي في مسجد (٣)، فقالا: يا رب إن فيها عبدَك فلانًا يصلّي. فقال الله : دمِّراها، ودمِّراه معها (٤)، فإنه ما تمعّر وجهه فيّ قط. وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال: حدثني سفيان بن سعيد، عن مسعر أنّ ملكًا أُمِرَ أن يخسِفَ قريةً، فقال: يا ربِّ إنَّ فيها فلانًا العابد. فأوحى الله إليه أنْ: به فابدأ، فإنه لم يتمعّر وجهه فيّ ساعةً قطّ (٥).

стр. 177

وذكر ابن أبي الدنيا (١) عن وهب بن منبه قال: لما أصاب داودُ الخطيئةَ قال: يا ربّ اغفر لي. قال: قد غفرتُ لك، وألزمتُ عارَها بني إسرائيل. قال: يا ربّ كيف، وأنت الحكم العدل لا تظلم أحدًا، أعمل أنا الخطيئة (٢)، ويلزَم عارُها غيري؟ فأوحى الله إليه: إنّك لمّا عملتَ الخطيئة (٣) لم يُعجِّلوا عليك بالإنكار. وذكر ابن أبي الدنيا (٤) عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو

стр. 178

ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أمّ المؤمنين حدّثينا عن الزلزلة، فقالت: إذا استباحوا الزنا (١)، وشربوا الخمر (٢)، وضربوا بالمعازف، غار الله في سمائه، فقال للأرض: "تزلزلي بهم". فإن تابوا ونزَعوا، وإلا هَدَمها عليهم. قال: يا أم المؤمنين، أعذابًا لهم؟ قالت: بل موعظةً ورحمةً للمؤمنين، ونكالًا وعذابًا وسخطًا (٣) على الكافرين. فقال أنس: ما سمعتُ حديثًا بعد رسول الله ﷺ أنا أشدّ فرحًا منّي بهذا الحديث. وذكر ابن أبي الدنيا (٤) حديثًا مرسلًا أنّ الأرض تزلزلت على عهد رسول الله ﷺ ، فوضع يده عليها، ثم قال (٥): "اسكني فإنّه لم يأنِ لكِ بعدُ". ثم التفت إلى أصحابه، فقال: "إنّ ربكم يستعتبكم فأعْتِبوه". ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب، فقال: أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه. والذي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا!

стр. 179

وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا (١) أن الأرض زُلزلت (٢) على عهد عمر، فضرب يده عليها، وقال (٣): مالكِ؟ مالكِ؟ أمَا إنّها لو كانت القيامة حدَّثت أخبارَها. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر إلا وهو ينطق". وذكر الإِمام أحمد (٤) عن صفية قالت: زلزلت (٥) المدينة على عهد عمر، فقال: يا أيها الناس ما هذا؟ ما أسرَعَ ما أحدثتم، لئن عادت لا أساكنكم فيها. وقال كعب: إنما تزلْزَل (٦) الأرض إذا عُمِل فيها بالمعاصي، فتُرْعَد فَرَقًا من الربّ ﷻ أن يطّلع عليها (٧). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: أمّا بعد، فإنّ هذا الرجف (٨) شيء يعاتب الله به العباد. وقد كتبتُ إلى الأمصار أن

стр. 180

يخرجوا (١) في يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، فمن كان عنده شيء فَلْيتصدّقْ به، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] وقولوا كما قال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال يونس: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧] (٢). وقال الإِمام أحمد (٣): حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 182

الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتّبعوا أذنابَ البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله = أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه حتّى يراجعوا دينَهم". ورواه أبو داود بإسناد حسن. وذكر ابن أبي الدنيا (١) من حديث ابن عمر قال: لقد رأيتُنا وما أحدٌ أحقَّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. ولقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، وتركوا الجهاد، وأخذوا أذنابَ البقر = أنزل الله عليهم من السماء بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتّى يراجعوا دينهم". وقال الحسن: إنّ الفتنة والله ما هي إلا عقوبة من الله على الناس (٢). ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بُخْتُ نَصَّر، فقال: بما كسبتْ أيدينا سلّطتَ علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا (٣). وقال بُخْتُ نَصَّر لدانيال: ما الذي سلّطني على قومك؟ قال: عِظَمُ خطيئتك، وظلمُ قومي أنفسَهم (٤).

стр. 183

وذكر ابن أبي الدنيا (١) من حديث عمّار بن ياسر وحذيفة عن النبي ﷺ : "إن الله إذا أراد بالعباد نِقمةً أمات الأطفالَ، وأعقم أرحام النساء، فتنزل النقمة، وليس فيهم مرحوم". وذَكَر (٢) عن مالك بن دينار، قال: قرأتُ في الحكمة: يقول الله : أنا الله مالكُ الملوك، قلوبُ الملوك بيدي، فمن (٣) أطاعني جعلتُهم عليه رحمةً (٤)، ومن عصاني جعلتُهم عليه نقمة. فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك (٥)، ولكن توبوا إليّ أعطِفْهم عليكم. ومن مراسيل الحسن: إذا أراد الله بقوم خيرًا جعل أمرهم إلى حُلَمائهم (٦)، وفيئَهم عند سُمَحائهم. وإذا أراد بقوم شرًّا جعل أمرهم إلى

стр. 184

سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم (١). وذكر الإِمام أحمد (٢) وغيره عن قتادة: قال موسى (٣): يا ربّ أنت في السماء، ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من رضاك؟ قال: إذا استعملتُ عليكم خياركم فهو من علامة (٤) رضاي عنكم؟ وإذا استعملتُ عليكم شراركم فهو علامةُ سخطي عليكم. وذكر ابن أبي الدنيا (٥) عن الفضيل بن عياض قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلّطتُ عليه من لا يعرفني. وذكر أيضًا (٦) من حديث ابن عمر يرفعه: "والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراءَ كَذَبةَ، ووزراء فجرةً، وأعوانًا خوَنةً، وعُرَفاء ظلمة، وقُرّاء فَسَقَةَ. سيماهم سيما الرهبان (٧)، وقلوبهم أنتن من

стр. 185

الجِيَف. أهواؤهم مختلفة، فيتيح الله لهم فتنةً غبراءَ مظلمةً، فيتَهاوكون (١) فيها. والذي نفس محمَّد (٢) بيده، لَيُنْقَضَنّ الإِسلام عروةً عروةً، حتى لا يقال: الله الله. لَتأمرُنَّ بالمعروف، ولَتنهوُنَّ عن المنكر، أو لَيسلّطَنّ اللهُ عليكم شِراركم فليَسومُنّكم (٣) سوء العذاب. ثم يدعو خيارُكم، فلا يستجاب لهم. لتأمرُنّ بالمعروف، ولتنهوُنّ عن المنكر، أو ليبعثنَّ الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقّر كبيركم". وفي معجم الطبراني وغيره (٤) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما طفَّفَ قوم كيلًا ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله القَطْر. وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت. وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتلُ -يقتل بعضهم بعضًا- إلا سلط الله عليهم عدوَّهم، ولا ظهر في قوم عملُ قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف. وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم تُرفع أعمالُهم، ولم يُسمَع

стр. 186

دعاؤهم". ورواه ابن أبي الدنيا (١) من حديث إبراهيم بن الأشعث، عن عبد الرحمن بن زيد (٢)، عن أبيه، عن سعيد، به. وفي المسند (٣) وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت: دخل عليّ

стр. 187

رسولُ الله ﷺ ، وقد حفزه النفَس، فعرفتُ في وجهه أن قد حفزه شيء، فما تكلّم حتى توضّأ، وخرج، فلصِقتُ (١) بالحجرة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إنّ الله يقول لكم: مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبَكم، وتستنصروني فلا أنصرَكم، وتسألوني فلا أعطيَكم". وقال العمري الزاهد (٢): إن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن ترى ما يُسخِط الله، فتتجاوزَه، ولا تأمرَ فيه، ولا تنهى عنه، خوفًا ممن لا يملك (٣) ضرًّا ولا نفعًا. وقال: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافةً من المخلوقين نُزِعَتْ منه الطاعة، ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخفَّ (٤) بحقّه (٥). وذكر الإِمام أحمد في مسنده (٦) من حديث قيس بن أبي حازم قال:

стр. 188

قال أبو بكر الصديق ﵁: أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير مواضعها (١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه -وفي لفظ: إذا رأوا المنكر، فلم يغيّروه- أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب من عنده". وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أُخفيت (٢) الخطيئة لم تضرَّ إلا صاحبَها، وإذا ظهرت (٣) فلم تُغيَّرْ ضرّت العامةَ" (٤).

стр. 189

وذكر الإِمام أحمد عن عمر بن الخطاب (١) ﵁: توشك القرى أن تخرب، وهي عامرة. قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فُجّارُها أبرارَها (٢)، وساد القبيلةَ منافقُها. وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي ﷺ قال: "سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن فيهم (٣) كما يستخفي المنافق فينا اليوم" (٤). وذكر ابن أبي الدنيا (٥) من حديث ابن عباس يرفعه قال: "يأتي زمان

стр. 190

يذوب فيه قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء". قيل: مِمّ (١) ذاك يا رسول الله؟ قال: "مما يرى من المنكر لا يستطيع تغييره (٢) ". وذكر الإِمام أحمد (٣) من حديث جرير أن النبي ﷺ قال: "ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه (٤)، إلا عمّهم الله بعقاب". وفي صحيح البخاري (٥) عن أسامة بن زيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يُجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: أيْ فلان، ما شأنك؟ ألستَ كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر

стр. 191

وآتيه". وذكر الإِمام أحمد (١) عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزلَه الرجالُ والنساءُ، فيعظهم، ويذكّرهم بأيام الله. فرأى بعض بنيه يومًا يغمِز النساء، فقال: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني. فسقط من سريره، فانقطع نُخاعه، وأسقطت امرأته، وقُتل بنوه. فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبِرْ فلانًا الحَبْرَ أني لا أخرج (٢) من صلبك (٣) صِدِّيقًا أبدًا. ما كان غضبُك لي إلا أن قلتَ: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني! وذكر الإِمام أحمد (٤) من حديث عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وأنّ رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيعُ القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود (٣)، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها. وفي صحيح البخاري (٦) عن أنس بن مالك قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدقّ في أعينكم من الشعر (٧)، إنْ كنّا لَنعُدّها على عهد رسول

стр. 192

ﷺ من الموبقات. وفي الصحيحين (١) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "عُذّبت امرأة في هِرّة حبَسَتْها (٢) حتى ماتت، فدخلت النار. لا هي أطعمتْها، ولا سقَتْها، ولا تركَتْها تأكل من خَشاش الأرض". وفي الحلية لأبي نعيم (٣) عن حذيفة أنه قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أُمروا بشيء تركوه، وإذا نُهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم، كما ينسلخ الرجل من قميصه. ومن ها هنا قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، كما أنّ القُبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد العشق، والمرض بريد الموت (٤). وفي الحلية أيضًا (٥) عن ابن عباس أنه قال: يا صاحب الذنب لا

стр. 193

تأمَنْ سوءَ عاقبته (١)، ولَما يتبع الذنبَ أعظمُ من الذنب إذا عملته (٢): قلّةُ حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال، وأنت على الذنب، أعظمُ من الذنب. وضحِكُكَ، وأنت لا تدري ما الله صانع بك، أعظمُ من الذنب (٣). وفرحُك بالذنب إذا ظفرت به (٤) أعظمُ من الذنب. وحزنُك على الذنب إذا فاتك أعظمُ من الذنب. وخوفُك من الريح إذا حرّكَتْ سِترَ بابك، وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك، أعظمُ من الذنب. ويحك! هل تدري ما كان ذنب أيوب، فابتلاه الله بالبلاء في جسده وذهاب ماله؟ استغاث به مسكين على ظالم يدرؤه عنه (٥)، فلم يُغثه (٦)، ولم يَنْهَ الظالم عن ظلمه، فابتلاه الله. وقال الإِمام أحمد (٧): حدثنا الوليد قال: سمعتُ الأوزاعي يقول: سمعتُ بلال بن سعد (٨) يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر

стр. 194

مَن عصيتَ (١)؟ وقال الفضيل بن عياض: بقدر ما يصغر الذنب عندك، يعظم عند الله. وبقدر ما يعظم عندك، يصغر عند الله (٢). وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس، وذلك أنّه عصاني، وإنّما أعُدّ من عصاني من الأموات (٣). وفي المسند وجامع الترمذي (٤) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ المؤمن إذا أذنب نكتَ في قلبه نكتةٌ سوداءُ، فإن (٥) تاب، ونزع، واستغفر، صُقِلَ قلبه. وإنْ زاد زادت حتى تعلو قلبَه، فذلك الرّانُ الذي ذكر الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٦). وقال حذيفة: إذا أذنب العبد نُكِتَ في قلبه نكتة سوداء حتى يصيرَ

стр. 195

قلبُه كالشاة الرَّبْداء (١). وقال الإِمام أحمد (٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٣)، عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله- ﷺ قال: "أمّا بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل لهذا الأمر، ما لم تعصُوا الله. فإذا عصيتموه بعث عليكم من يَلحاكم كما يُلحَى هذا القضيبُ" -لِقضيبٍ في يده- ثم لَحَى قضيبَه، فإذا هو أبيضُ يصلِدُ (٤). وذكر الإِمام أحمد (٥) عن وهب أنّ (٦) الربّ قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إنّي إذا أُطِعتُ رَضِيتُ، وإذا رضيتُ (٧) باركتُ، وليس لبركتي نهاية. وإذا عُصِيتُ غضِبتُ، وإذا غضبتُ لعنتُ، ولعنتي

стр. 196

تبلغ السابع من الولد. وذكر أيضًا (١) عن وكيع، حدثنا زكريا، عن عامر قال: كتبت عائشة إلى معاوية: أما بعد، فإنّ العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامدُه من الناس ذامًا. وذكر أبو نُعَيم (٢) عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي الدرداء قال: لِيحذَرْ امرؤ أن تلعنه قلوبُ المؤمنين، من حيث لا يشعر. ثم قال: أتدري ممّ هذا؟ قلتُ: لا. قال: إن العبد يخلو بمعاصي الله (٣)، فيُلقي الله بغضَه في (٤) قلوب المؤمنين، من حيث لا يشعر.

стр. 197

وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه (١) عن محمَّد بن سيرين: أنّه لمّا ركبه الدَّينُ اغتمّ لذلك، فقال: إنّي لأعرفُ هذا الغمَّ بذنب أصبتُه منذ أربعين سنة! وها هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنّهم لا يرون تأثيرَه في الحال، وقد يتأخّر تأثيره فيُنسَى (٢)، ويظنّ العبد أنه لا يغبِّر (٣) بعد ذلك، وأنّ الأمر كما قال القائل: إذا لم يغبِّرْ حائطٌ في وقوعه … فليس له بعد الوقوع غبارُ (٤) وسبحان الله! ماذا (٥) أهلكت هذه البليّة (٦) من الخلق! وكم أزالت من نعمة! وكم جلبت من نقمة! وما أكثر المغترّين بها من العلماء، فضلًا عن الجهال! ولم يعلم (٧) المغترّ أنّ الذنب ينقُض، ولو بعد حين، كما ينقُض السمّ، وكما ينقُض الجرح المندمل على الغِشّ والدَّغَل.

стр. 198

وقد ذكر الإِمام أحمد (١) عن أبي الدرداء: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعُدُّوا أنفسَكم في الموتى، واعلموا أنّ قليلًا يُغنيكم خير من كثير يُلهيكم (٢). واعلموا أنّ البِرَّ لا يبلى، وأنّ الإثم لا يُنسى. ونظر بعض العُبّاد إلى صبيّ، فتأمل محاسنَه، فأُتيَ في منامه، وقيل له: لَتجِدَنَّ غِبَّها بعد أربعين سنة (٣). هذا، مع أنّ للذنب نقدًا معجَّلًا لا يتأخر عنه. قال سليمان التَّيمي: إنّ الرجل لَيصيبُ الذنبَ في السرّ، فيصبح وعليه مذلّته (٤). وقال يحيى بن معاذ الرازي (٥): عجبتُ من ذي عقل يقول في

стр. 199

دعائه: اللهم لا تُشْمِتْ بي الأعداءَ، ثم هو يُشْمِتُ بنفسه كلَّ عدو له! قيل: وكيف ذلك؟ قال: يعصي الله فيُشْمِتُ به في القيامة كلَّ عدوّ (١). فصل وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرّة (٢) بالقلب والبدن والدنيا (٣) والآخرة ما لا يعلمه إلا الله (٤). فمنها: حرمان العلم، فإنّ العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور. ولمّا جلس الشافعيّ بين يدي مالك وقرأ عليه (٥) أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقّد ذكائه، وكمال فهمه؛ فقال: إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (٦). وقال الشافعي (٧): شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشدَني إلى ترك المعاصي وقال اعلَمْ بأنَّ العلمَ فضلٌ … وفضلُ الله لا يؤتاه عاصِ (٨)

стр. 200

ومنها: حرمان الرزق. وفي المسند: "إنّ العبد لَيُحْرَم الرزقَ بالذنب يصيبه". وقد تقدّم (١). وكما أنّ تقوى الله مَجلَبة للرزق، فتركُ التقوى مجلبة للفقر. فما استُجْلِبَ رزقُ الله بمثل ترك المعاصي. ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبيّن الله، لا يوازنها ولا يقارنها (٢) لذة أصلًا. ولو اجتمعت له لذّاتُ الدنيا بأسرها لم تفِ بتلك الوحشة. وهذا أمر لا يحسّ به إلا من في قلبه حياة. و"ما لجرحٍ بميّتٍ إيلامُ" (٣). فلو لم يترك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة، لكان العاقل حريًّا بتركها. وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشةً يجدها في نفسه فقال له (٤): إذا كنتَ قد أوحشتك الذنوبُ … فدَعْها إذا شئتَ واستأنسِ (٥)

стр. 201

وليس على القلب أمَرُّ من وحشة الذنب على الذنب، فالله المستعان (١). ومنها: الوحشة التي تحصل له بينه وبيّن الناس، ولا سيما أهل الخير منهم، فإنّه يجد وحشةً بينه وبينهم، وكلّما قويت تلك الوحشة بَعُدَ منهم ومن مجالستهم، وحُرِمَ بركة الانتفاع بهم، وقرُبَ من حزب الشيطان بقدر ما بعُد من حزب الرحمن. وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم، فتقع بينه وبيّن امرأته وولده وأقاربه، وبينه وبيّن نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه! وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خُلُق دابّتي وامرأتي (٢). ومنها: تعسير أموره عليه. فلا يتوجّه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسّرًا عليه. وهذا كما أنّ من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطّل التقوى جعل له من أمره عسرًا. ويالله العجب! كيف يجد العبد أبوابَ الخير والمصالح مسدودةً عنه، وطرُقَها معسَّرةً عليه، وهو لا يعلم من أين أُتِيَ؟ ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقةً، يحسّ بها كما يحس بظلمة

стр. 202

الليل البهيم إذا ادلهمَّ، فتصير ظلمةُ المعصية لقلبه كالظلمة الحسّية لبصره. فإنّ الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلّما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتّى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده. وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه (١) يراه كلّ أحد. قال عبد الله بن عباس (٢): إنّ للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق. وإنّ للسيئة سوادًا في الوجه، و ظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغِضةً في قلوب الخلق (٣).

стр. 203

ومنها: أنّ المعاصي توهن القلب والبدن. أما وهنها للقلب، فأمر ظاهر بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية. وأما وهنها للبدن، فإنّ المؤمن قوته من قلبه (١)، وكلّما قوي قلبه قوي بدنه. وأما الفاجر (٢)، فإنّه وإن كان قويَّ البدن، فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوجَ ما يكون إلى نفسه. وتأمَّلْ قوة أبدان فارس والروم، كيف خانتهم أحوجَ ما كانوا إليها (٣)؛ وقهرهم أهلُ الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم؟ ومنها: حرمان الطاعة. فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنّه (٤) يصدّ عن طاعة تكون بدَلَه، ويقطع طريق طاعة أخرى، فينقطع عليه (٥) طريقُ ثالثةٍ، ثم رابعةٍ، وهلمّ جرًّا. فينقطع عليه (٦) بالذنب طاعات كثيرة، كل واحدة منها (٧) خير له من الدنيا وما عليها. وهذا كرجل أكل أكلةً أوجَبَتْ له مرضة طويلةً منعته من عدة أكَلات أطيب منها، فالله المستعان (٨).

стр. 204

ومنها: أن المعاصي ت قصّر العمر (١)، وتمحق بركته، ولابدّ؛ فإنّ البرّ كما يزيد في العمر، فالفجور (٢) يقصّر العمر. وقد اختلف (٣) الناس في هذا الموضع. فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهابُ بركة عمره ومحقُها عليه. وهذا حقّ، وهو بعض تأثير المعاصي. وقالت طائفة: بل تنقصه (٤) حقيقة، كما ينقص الرزقُ. فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابًا تكثِّره وتزيده، وللبركة في العمر أسبابًا تكثِّره وتزيده (٥). قالوا: ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب. والأرزاق (٦) والآجال، والسعادة والشقاوة، والصحّة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الربّ ، فهو يقضي ما يشاء بأسباب جَعَلها موجِبةً لمسبَّباتها مقتضيةً لها. وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنّما هو بأنّ

стр. 205

حقيقة الحياة هي حياة القلب، ولهذا (١) جعل الله سبحانه الكافر ميتًا غير حيّ، كما قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، فالحياة في الحقيقة حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره. فالبرّ والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة، فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي، ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غبَّ إضاعتها يوم يقول: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ [الفجر: ٢٤]. فلا يخلو إمّا أن يكون له (٢) مع ذلك تطلّع إلى مصالحه الدنيوية والأخروية، أو لا. فإن لم يكن له تطلع إلى ذلك (٣)، فقد ضاع عليه عمره كلّه، وذهبت حياته باطلًا. وإن كان له تطلع إلى ذلك (٤) طالت عليه الطريق بسبب العوائق، وتعسّرت عليه أسباب الخير، بحسب اشتغاله بأضدادها، وذلك نقصان حقيقي من عمره. وسرّ المسألة أنّ عمر الإنسان مدة حياته، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه (٥)، والتنعم بحبه وذكره، وإيثار مرضاته.

стр. 206

فصل ومنها: أنّ المعاصي تزرع أمثالَها ويولّد (١) بعضها بعضًا حتى يعزّ (٢) على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إنّ من عقوبة السيئةِ السيئةَ بعدها، وإنّ من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها (٣). فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جانبها: اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلم جرًّا، فتضاعف الربح (٤)، وتزايدت الحسنات. وكذلك جانب (٥) السيئات أيضًا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة. فلو عطّل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحسّ من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء، حتىّ يعاودها، فتسكن نفسه، وتقرّ عينه. ولو عطّل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسُه، وضاق صدره، وأعيَتْ عليه مذاهبُه، حتى يعاودها. حتى إنّ كثيرًا من الفسّاق لَيواقع (٦) المعصية من غير لذة يجدها، ولا داعية إليها، إلا لما

стр. 207

يجد من الألم بمفارقتها؛ كما صرّح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانئ حيث يقول: وكأسٍ شربتُ على لذة … وأخرى تداويتُ منها بها (١) وقال آخر (٢): فكانت دوائى وهي دائي بعينه … كما يتداوى شارب الخمر بالخمر (٣) ولا يزال العبد يعاني الطاعة، ويألفها، ويحبّها، ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكةَ تؤزُّه إليها (٤) أزًّا، وتحرّضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها (٥). ولا يزال يألف المعاصي، ويحبّها، ويؤثرها (٦)، حتّى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزّه إليها أزًّا. فالأول قوّى جندَ الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه. وهذا

стр. 208

قوّى جندَ المعصية بالمدد، فكانوا (١) أعوانًا عليه. فصل ومنها -وهو من أخوفها على العبد- أنها تُضعِف القلبَ عن إرادته (٢)، فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله. فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذّابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مُصِرّ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنَتْه (٣). وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. فصل (٤) ومنها: أنه ينسلخ (٥) من القلب استقباحُها، فتصير (٦) له عادةً، فلا يَستقبح من نفسه رؤيةَ الناس له، ولا كلامَهم فيه. وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتّك وتمام اللذة، حتّى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدّث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملتُ كذا وكذا!

стр. 209

وهذا الضرب من الناس لا يُعافَون، وتسدّ عليهم طريق التوبة، وتغلق (١) عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي- ﷺ : "كل أمتي معافىً إلا المجاهرين. وإنّ من الإجهار أن يستر الله على العبد، ثم يُصبِح (٢) يفضَح نفسه، ويقول: يا فلان عملتُ يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيهتك نفسَه، وقد بات يستره ربه" (٣). ومنها: أنّ كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله . فاللوطية: ميراث عن قوم لوط. وأخذُ الحق بالزائد، ودفعُه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب. والعلو في الأرض والفساد: ميراث عن فرعون وقومه (٤). والتكبّر والتجبر: ميراث عن قوم هود. فالعاصي لابس ثيابَ بعض هذه الأمم، وهم أعداء الله. وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد (٥) لأبيه عن مالك بن دينار قال: أوحى الله إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل أنْ قل لقومك: لا تدخلوا مداخل أعدائي، ولا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي؛ فتكونوا أعدائي، كما هم

стр. 210

أعدائي (١). وفي مسند أحمد (٢) من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "بُعِثتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبَد اللهُ وحدَه لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظلّ رمحي، وجُعِلَ الذلّة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبّه بقوم فهو منهم".

стр. 211

فصل ومنها: أن المعصية سبب لهوانِ العبد على ربه، وسقوطِه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصَوه، ولو عزّوا عليه لَعَصَمهم (١). وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. وإنْ عظّمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفًا (٢) من شرّهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب (٣) الذنب، حتّى يهون عليه، ويصغر في قلبه. وذلك علامة الهلاك، فإنّ الذنب كلّما صغُر في عين العبد عظُم عند الله. وقد ذكر البخاري في صحيحه (٤) عن ابن مسعود (٥) قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنّه (٦) في أصل جبل يخاف أن يقع عليه. وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا، فطار.

стр. 212

فصل ومنها: أنّ غيره من الناس والدوابّ يعود عليه شؤم ذنوبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم (١). قال أبو هريرة: إنّ الحُبارى لَتموتُ في وَكْرها من ظلم الظالم (٢). وقال مجاهد (٣): إنّ البهائم تلعن عصاةَ بني آدم إذا اشتدت السَّنة، وأمسك (٤) المطر؛ وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم (٥).

стр. 213

وقال عكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنِعْنا القَطْرَ بذنوب بني آدم (١). فلا يكفيه عقابُ ذنبه، حتى يبوء بلعنة (٢) من لا ذنب له. فصل ومنها: أنّ المعصية تورث الذلَّ، ولابدّ؛ فإنّ العزّ كلّ العزّ (٣) في طاعة الله تعالى. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنّه لا يجدها إلا في طاعته. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعِزَّني بطاعتك، ولا تُذِلَّني بمعصيتك (٤). قال الحسن البصري: إنّهم، وإن طقطقتْ بهم البغالُ، وهَملَجَتْ بهم البراذينُ (٥)، إنّ ذلَّ المعصية لا يفارق قلوبَهم (٦). أبى اللهُ إلا أن

стр. 214

يُذِلَّ من عصاه (١). وقال عبد الله بن المبارك (٢): رأيتُ الذنوب تميت القلوبَ … وقد يورث الذلَّ إدمانُها وترك الذنوب حياة القلوب .... وخير لنفسك عصيانُها وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ … وأحبارُ سَوء ورُهبانُها (٣) فصل ومنها: أنّ المعاصي تفسد العقل. فإِنّ للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابدَّ؛ وإذا طفِئ نورُه ضعُفَ ونقَصَ. وقال بعض السلف: ما عصى اللهَ أحدٌ حتّى يغيبَ عقله (٤). وهذا ظاهر، فإنّه لو حضره عقله (٥) لَحجَزه عن المعصية، وهو في قبضة الربّ تعالى وتحت قهره، وهو (٦) مطّلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكتُه شهودٌ عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ

стр. 215

الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه (١)، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعافُ أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يُقدِم على الاستهانة بذلك كلّه والاستخفافِ به ذو عقل سليم؟ فصل ومنها: أنّ الذنوب إذا تكاثرت طُبعَ على قلب صاحبها، فكان من الغافلين؛ كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] قال: هو الذنب بعد الذنب (٢). وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب (٣). وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم (٤). وأصل هذا أنّ القلب يصدأ من المعصية، فإن (٥) زادت غلب
следующие страницы →