← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فصل ومنها: أن المعصية سبب لهوانِ العبد على ربه، وسقوطِه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصَوه، ولو عزّوا عليه لَعَصَمهم (١). وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. وإنْ عظّمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم أو خوفًا (٢) من شرّهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه. ومنها: أن العبد لا يزال يرتكب (٣) الذنب، حتّى يهون عليه، ويصغر في قلبه. وذلك علامة الهلاك، فإنّ الذنب كلّما صغُر في عين العبد عظُم عند الله. وقد ذكر البخاري في صحيحه (٤) عن ابن مسعود (٥) قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنّه (٦) في أصل جبل يخاف أن يقع عليه. وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا، فطار.

стр. 212

فصل ومنها: أنّ غيره من الناس والدوابّ يعود عليه شؤم ذنوبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم (١). قال أبو هريرة: إنّ الحُبارى لَتموتُ في وَكْرها من ظلم الظالم (٢). وقال مجاهد (٣): إنّ البهائم تلعن عصاةَ بني آدم إذا اشتدت السَّنة، وأمسك (٤) المطر؛ وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم (٥).

стр. 213

وقال عكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتى الخنافس والعقارب يقولون: مُنِعْنا القَطْرَ بذنوب بني آدم (١). فلا يكفيه عقابُ ذنبه، حتى يبوء بلعنة (٢) من لا ذنب له. فصل ومنها: أنّ المعصية تورث الذلَّ، ولابدّ؛ فإنّ العزّ كلّ العزّ (٣) في طاعة الله تعالى. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنّه لا يجدها إلا في طاعته. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعِزَّني بطاعتك، ولا تُذِلَّني بمعصيتك (٤). قال الحسن البصري: إنّهم، وإن طقطقتْ بهم البغالُ، وهَملَجَتْ بهم البراذينُ (٥)، إنّ ذلَّ المعصية لا يفارق قلوبَهم (٦). أبى اللهُ إلا أن

стр. 214

يُذِلَّ من عصاه (١). وقال عبد الله بن المبارك (٢): رأيتُ الذنوب تميت القلوبَ … وقد يورث الذلَّ إدمانُها وترك الذنوب حياة القلوب .... وخير لنفسك عصيانُها وهل أفسد الدينَ إلا الملوكُ … وأحبارُ سَوء ورُهبانُها (٣) فصل ومنها: أنّ المعاصي تفسد العقل. فإِنّ للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل، ولابدَّ؛ وإذا طفِئ نورُه ضعُفَ ونقَصَ. وقال بعض السلف: ما عصى اللهَ أحدٌ حتّى يغيبَ عقله (٤). وهذا ظاهر، فإنّه لو حضره عقله (٥) لَحجَزه عن المعصية، وهو في قبضة الربّ تعالى وتحت قهره، وهو (٦) مطّلع عليه، وفي داره وعلى بساطه، وملائكتُه شهودٌ عليه ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهاه، وواعظ

стр. 215

الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه (١)، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعافُ أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يُقدِم على الاستهانة بذلك كلّه والاستخفافِ به ذو عقل سليم؟ فصل ومنها: أنّ الذنوب إذا تكاثرت طُبعَ على قلب صاحبها، فكان من الغافلين؛ كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] قال: هو الذنب بعد الذنب (٢). وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب (٣). وقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم (٤). وأصل هذا أنّ القلب يصدأ من المعصية، فإن (٥) زادت غلب

стр. 216

الصدأ (١) حتى يصير رانًا (٢)، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلًا وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلاف. فإن حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار (٣) أعلاه أسفله، فحينئذ يتولّاه عدوّه، ويسوقه حيث أراد (٤). فصل (٥) ومنها: أنّ الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله ﷺ . فإنّه لعن على معاصٍ، وغيرُها أكبرُ منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة. فلعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصولة (٦)، والنامصة والمتنمّصة، والواشرة والمستوشرة. ولعن آكل الربا، وموكِله، وكاتبه، وشاهديه. ولعن المحلِّلَ والمحلَّلَ له. ولعن السارق. ولعن شارب الخمر، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولةَ إليه.

стр. 217

ولعن من غير منارَ الأرض، وهي أعلامها وحدودها. ولعن من لعن والديه. ولعن من اتخذ شيئًا فيه الروح (١) غرضًا يرميه بالسهام. ولعن المخنّثين من الرجال، والمترجّلات من النساء. ولعن من ذبح لغير الله. ولعن من أحدث حدَثًا أو آوى مُحدِثًا. ولعن المصوّرين. ولعن من عمِلَ عملَ قوم لوط. ولعن من سبّ أباه (٢) ومن سبّ أمّه. ولعن من كمَّهَ (٣) أعمى عن الطريق. ولعن من أتى بهيمة. ولعن من وسم دابة في وجهها. ولعن من ضارَّ بمسلم أو مكر به. ولعن زوّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج.

стр. 218

ولعن من أفسد امرأة على زوجها، أو مملوكًا على سيّده. ولعن من أتى امرأةً في دبرها. وأخبر أن من باتت مهاجرةً لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح. ولعن من انتسب إلى غير أبيه. وأخبر أنّ من أشار إلى أخيه بحديدة فإنّ الملائكة تلعنه. ولعن من سبّ أصحابه. وقد لعن اللهُ من أفسد في الأرض، وقطَع رحِمَه (١)، وآذاه وآذى رسولَه ﷺ (٢). ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى (٣). ولعن الذين يرمُون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة (٤). ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المؤمن (٥).

стр. 219

ولعن رسولُ الله ﷺ الرجلَ يلبس لِبسةَ المرأة (١)، والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجل. ولعن الراشي، والمرتشي، والرائش، وهو الواسطة في الرشوة. ولعن علي أشياء أخر غير هذه (٢). فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضا فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته، لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه. فصل (٣) ومنها: حرمان دعوة رسول الله- ﷺ ودعوة الملائكة. فإنّ الله سبحانه أمر نبيّه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤) [غافر: ٧ - ٩].

стр. 220

فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين، المتبعين لكتابه وسنة رسوله، الذين لا سبيل لهم (١) غيرهما (٢). فلا يطمع غير هؤلاء (٣) بإجابة هذه الدعوة إذ لم يتصف بصفات المدعو له بها. والله المستعان (٤). فصل ومن عقوبات المعاصي: ما رواه البخاري في صحيحه (٥) من حديث سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ ممّا يُكْثِرُ أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ فيقصّ عليه من شاء الله أن يقُصَّ. وإنّه قال لنا ذات غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان، وإنّهما ابتعثاني، وإنّهما قالا لي: انطلِقْ، وإنّي انطلقتُ معهما. وإنّا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه بصخرة، وإذا هو يَهوي بالصخرة لرأسه، فيثلَغُ (٦) رأسَه، فيتدَهْدَهُ (٧) الحجرُ ها هنا، فيتبع الحجرَ، فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصحّ رأسه كما كان. ثم يعود عليه، فيفعل به مثلَ ما فعل المرّةَ الأولى" (٨). قال: "قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ. فانطلقنا، فأتَينا على رجلٍ مستلقٍ لِقفاه، وإذا آخَرُ قائمٌ عليه

стр. 221

بكَلُّوبٍ (١) من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ شِقَّيْ وجهِه، فيُشَرْشِرُ شِدْقَه (٢) إلى قفاه، ومِنخرَه إلى قفاه، وعينَه إلى قفاه. ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول. فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصحّ ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه، فيفعل مثل ما فعل (٣) في المرة الأولى". قال: "قلتُ سبحان الله! ما هذان (٤)؟ فقالا لي: انطلِقْ انطلِقْ. فانطلقنا، فأتينا على مثل التنّور، وإذا (٥) فيه لغَط وأصوات". قال: "فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عُراة، وإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهبُ ضَوْضَوْا (٦) ". فقال: "قلتُ ما هؤلاء (٧)؟ قال: "قالا لي: انطلِقْ انطلق". قال: "فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، فإذا (٨) في النهر رجلٌ سابحٌ يسبح، وإذا على شط النهر رجلٌ قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك (٩) الذي قد جمع عنده الحجارةَ (١٠)، فيفغر له فاه، فيُلقِمه حجرًا، فينطلق، فيسبح، ثم

стр. 222

يرجع إليه. كلّما رجع إليه فغَر له فاه، فألقمه حجرًا (١) قلتُ لهما (٢): ما هذان؟ قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ. فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المَرْآةِ (٣)، كأكره (٤) ما أنت راءٍ رجلًا مَرْأىً، وإذا هو عنده نارٌ يحُشها (٥) ويسعى حولها". قال: "قلتُ لهما: ما هذا؟ قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ. فانطلقنا، فأتينا على روضة مُعْتمّة (٦) فيها من كلّ نَور الربيع، وإذا بين ظهرانَي الروضة (٧) رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثرِ ولدان رأيتُهم (٨) قطُّ". قال: "قلتُ: ما هذا؟ وما هؤلاء (٩)؟ "قال: "قالا لي: انطلِقْ انطلِقْ. فانطلقنا، فأتينا إلى دوحة عظيمة لم أر دوحةً قطّ (١٠) أعظمَ منها ولا أحسنَ (١١)! " قال: "قالا لي: ارقَ فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنيّة بلَبِنِ ذهب ولبِنِ فضّة". قال: "فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففُتِح لنا،

стр. 223

فدخلناها، فتلقّانا رجالٌ شطرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر منهم كأقبح ما أنت راءٍ". قال: "قالا لهم: اذهبوا، فقَعُوا في ذلك النهر". قال: "وإذا نهر معترض يجري كأنّ ماءَه المحضُ (١) في البياض. فذهبوا، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، وقد ذهب ذلك السوء عنهم". قال: "قالا لي: هذه جنّة عدن، وهذاك منزلك". قال: "فسمَا بصَري صُعُدًا، فإذا قصرٌ (٢) مثل الرَّبابة البيضاء" (٣). قال: "قالا لي: هذاك (٤) منزلك". قال: "قلت لهما: بارك الله فيكما، فذراني فأدخُلَه. قالا: أمّا الآن فلا، وأنت داخله". قال: "قلت لهما: فإنّي رأيتُ منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ " قال: "قالا (٥): أمَا إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيتَ عليه يثلَغ رأسُه بالحجر، فإنّه الرجل يأخذ القرآنَ، فيرفُضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل الذي أتيتَ عليه يُشَرْشَرُ شدقُه إلى قفاه، ومنخرُه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكَذْبةَ تبلغُ الآفاق. وأما الرجال والنساء العُراة الذين هم في مثل بناء التنّور، فإنّهم الزناة والزواني.

стр. 224

وأما الرجل الذي أتيتَ (١) عليه يسبَح في النهر، ويُلقَم الحجارةَ، فإنه آكل الربا. وأما الرجلُ الكريهُ المَرآةِ الذي عند النار يحُشّها ويسعى حولها، فإنّه مالكٌ خازنُ جهنم (٢). وأما الرجل الطويل الذي (٣) في الروضة، فإنّه إبراهيم. وأما الولدان الذين حوله، فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة"- وفي رواية البرقاني: "وُلِدَ على الفطرة"- فقال بعض المسلمين؛ يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأولاد المشركين. وأما القوم الذين كانوا شطرٌ منهم حسنٌ، وشطرٌ منهم قبيحٌ، فإنّهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا، تجاوز الله عنهم" (٤). فصل ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تُحدِث في الأرض أنواعًا (٥) من الفساد في المياه، والهواء، والزروع (٦)، والثمار، والمساكن. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].

стр. 225

قال مجاهد (١): إذا ولّى الظالم سعى بالظلم والفساد، فيحبس اللهُ بذلك القَطْرَ، فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحبّ الفساد. ثم قرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية، ثم قال: أما والله ما هو بحرَكم هذا، ولكن كلُّ قرية على ماءِ جارٍ فهو بحر. وقال عكرمة: ظهر الفساد في البرّ والبحر، أما إنّي لا أقول: بحركم هذا، ولكن كلّ قرية على ماء (٢). وقال قتادة: أما البرّ فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف (٣). قلت: وقد (٤) سمّى الله تعالى الماء العذب (٥) بحرًا، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ (٦) [الفرقان: ٥٣]. وليس في العالم بحر حلو واقف، وإنّما هي (٧) الأنهار الجارية، والبحر

стр. 226

المالح هو الساكن، فسمَّى (١) القرى. التي على المياه الجارية باسم تلك المياه. وقال ابن زيد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] قال: الذنوب (٢). قلت: أراد أنّ الذنوب (٣) سبب الفساد الذي ظهر. وإن أراد أنّ الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها، فيكون قوله (٤) ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ لام العاقبة والتعليل. وعلى الأول، فالمراد بالفساد النقصُ والشرُّ والآلامُ التي يُحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، فكلّما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم عقوبةً، كما قال بعض السلف: كلّما أحدثتم ذنبًا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبةً (٥). والظاهر -والله أعلم- أنّ "الفسادَ" المرادُ به الذنوبُ وموجباتها (٦). ويدل عليه قوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾. فهذا حالنا، وإنّما أذاقنا الشيءَ اليسيرَ من أعمالنا، فلو (٧) أذاقنا كلَّ أعمالنا لما

стр. 227

ترك (١) على ظهرها من دابة. ومن تأثير معاصي الله في الأرض: ما يحِل بها من الخسف، والزلازل، ومَحْقِ بركتِها (٢). وقد مر رسول الله ﷺ على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم، ومن شرب مياههم (٣)، ومن الاستقاء من آبارهم (٤)، حتى أمر أن يُعلَف (٥) العجينُ الذي عُجنَ بمائهم (٦) للنواضح (٧)، لتأثير شؤم المعصية في الماء. وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما تُرمَى (٨) به من الآفات. وقد ذكر الإِمام أحمد في مسنده (٩) في ضمن حديث قال: وُجِدَت في خزائن بني أمية حنطةٌ، الحبةُ بقدر نواة التمر (١٠). وهي في

стр. 228

صُرّة مكتوبٍ عليها: هذا كان ينبت في زمن العدل (١). وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه بما أحدث العباد من الذنوب. وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها (٢) لم يكونوا يعرفونها، وإنّما (٣) حدثت من قرب. وأما تأثير الذنوب (٤) في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه (٥) عنه ﷺ أنه قال: "خلق الله آدم، وطولُه في السماء ستّون (٦) ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقصُ حتّى الآن". ولمّا يطهِّر (٧) الله سبحانه الأرضَ من الظلَمة والفجرة والخوَنة (٨)،

стр. 229

ويُخرجُ عبدًا من عباده من أهل بيت نبيه (١) ﷺ ، فيملأ الأرض قسطًا (٢) كما ملئت جورًا (٣)، ويقتل المسيحُ اليهودَ والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث الله به رسولَه (٤) - تُخرِجُ الأرضُ (٥) بركتَها، وتعود كما كانت، حتّى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمّانة، ويستظلون بقِحْفِها (٦)، ويكون العنقود من العنب وِقْرَ بعير (٧)، وإنّ اللِّقحة (٨) الواحدة لَتكفي الفئام (٩) من الناس (١٠). وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت (١١) فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. ولا ريب أنّ العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عُذَبتْ بها الأمم. فهذه الآثار في الأرض (١٢) من آثار تلك العقوبات،

стр. 230

كما أنّ هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم. فتناسبت حكمة الله (١) وحكمه الكوني أولًا وآخرًا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف. وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء. وتأمّلْ مقارنةَ الشيطان ومحلَّه ودارَه، فإنّه لما قارن (٢) العبدَ واستولى عليه، نُزِعَت البركةُ من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه. ولمّا أثرت طاعتُه في الأرض ما أثّرت نُزِعَت البركةُ من كلّ محلّ ظهرت فيه طاعته. وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الرَّوح والرّحمة والبركة. فصل ومن عقوبات الذنوب: أنّها تطفئ من القلب نارَ المغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن. فالغيرة حرارته وناره التي تُخرج ما فيه من الخَبَث والصفات المذمومة، كما يُخرج الكِيرُ خَبَث الذهب والفضة والحديد. وأشرف الناس وأعلاهم همّةً أشدُّهم (٣) غيرة على نفسه، وخاصته، وعموم الناس. ولهذا كان النبي ﷺ أغيرَ الخلق على الأمة، والله سبحانه أشدّ غيرةً منه، كما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغيَرُ منه، والله أغيَرُ منّي" (٤).

стр. 231

وفي الصحيح أيضًا عنه أنّه قال في خطبة الكسوف: "يا أمَّةَ محمَّد، ما أحدٌ أغيرَ من الله أن يزنيَ عبدُه، أو تزنيَ أمَتُه" (١). وفي الصحيح أيضا عنه أنّه (٢) قال: "لا أحدَ أغيرُ من الله، من أجل ذلك حرّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن. ولا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين. ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك أثنى على نفسه" (٣). فجمع في هذا الحديث بين الغيرةِ التي أصلُها كراهةُ القبائح وبغضُها (٤)، ومحبةِ العذرِ الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان. وأنّه سبحانه مع شدّة غيرته يحِبّ أن يعتذر إليه عبدُه، ويقبل عذرَ من اعتذر إليه، وأنّه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يَغار من ارتكابه حتى يُعذِرَ إليهم. ولأجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه إعذارًا وإنذارًا. وهذا غاية المجد والإحسان، ونهاية الكمال، فإنّ كثيرًا ممن تشتدّ غيرته من المخلوقين تحمله شدّةُ المغيرة على سرعة الإيقاع (٥) والعقوبة

стр. 232

من غير إعذار منه، ومن غير قَبولٍ لِعذر من اعتذر إليه؛ بل يكون له في نفس الأمر عذرٌ، ولا تَدَعُه شدةُ المغيرة أنَ يقبل عذرَه. وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلّةُ المغيرة حتى يتوسّع في طرق المعاذير، ويرى (١) عذرًا ما ليس بعذر، حتى يعذِر كثير منهم بالقدَر. وكلٌّ منهما غيرُ ممدوح على الإطلاق. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ من الغيرة ما يحبّها الله، ومنها ما يبغضه الله. فالتي يبغضها (٢) الغيرةُ في غير ريبة" (٣). وذكر الحديث (٤). وإنّما الممدوح اقتران المغيرة

стр. 233

بالعذر، فيغار في محل المغيرة، ويعذِر في موضع العذر. ومن كان هكذا فهو الممدوح حقًا. ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلَّها كان أحقَّ بالمدح من كلّ أحد، ولا يبلغ أحد أن يمدحَه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسَه وأثنى على نفسه. فالغيور قد وافق ربّه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق (١) الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه (٢)، وأدخلَتْه على ربّه، وأدْنَتْه منه، وقرّبتْه من رحمته، وصيّرتْه محبوبًا له. فإنه سبحانه رحيم يحبّ الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحبّ العلماء، قوي يحبّ المؤمن القوي، وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف، (٣) حييّ يحبّ أهل الحياء (٤)، جميل يحبّ الجمال، وِتْر يحبّ الوتر (٥).

стр. 234

ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلّا أنها توجب لصاحبها ضدَّ هذه الصفات، وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبةً. فإنّ الخطرة تنقلب وسوسة، والوسوسة تفسير إرادةً، والإرادة تقوى فتصير عزيمة، ثم تفسير فعلًا، ثم تفسير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر عليه (١) الخروج من صفاته القائمة به (٢). والمقصود وفي أنه كلّما اشتدّت ملابسته الذنوب (٣) أخرجت من القلب الغيرةَ على نفسه وأهله وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جدًّا حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح، لا من نفسه ولا من غيره. وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك. وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح، بل يحسِّن الفواحش والظلم لغيره، ويزينه له، ويدعوه إليه، ويحثّه عليه، ويسعى له في تحصيله. ولهذا كان الديّوث أخبث خلق الله، والجنة حرام عليه (٤). وكذلك محلّل الظلم والبغي لغيره، ومزيّنه له. فانظر ما الذي حملت عليه قلة المغيرة! وهذا يدلّك على أنّ أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له. فالغيرة تُحمي القلبَ، فتحمَى له الجوارحُ، فتدفع السوء والفواحش.

стр. 235

وعدمُ الغيرة يميت (١) القلبَ، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة. ومَثلُ الغيرة في القلب كمثلِ (٢) القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداءُ المحل قابلًا، ولم يجد دافعًا، فتمكّن، فكان الهلاك. ومَثلُها مثل صياصي الجاموس (٣) التي يدفع (٤) بها عن نفسه وولده، فإذا كُسِرَت طمع فيه عدوّه. فصل ومن عقوباتها: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابُه ذهابُ الخير أجمعه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "الحياء خير كله" (٥). وقال: "إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستَحْي (٦) فاصنَعْ ما شئتَ! " (٧). وفيه تفسيران: أحدهما: أنه على التهديد والوعيد، والمعنى: من لم يستح فإنّه

стр. 236

يصنع ما شاء (١) من القبائح، إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يزَعُه (٢) من القبائح، فإنّه يواقعها. وهذا تفسير أبي عبيد (٣). والثاني: أنّ الفعلَ إذا لم تستح (٤) منه من الله فافعله، وإنما الذي (٥) ينبغي تركه ما يستحى منه من الله (٦). وهذا تفسير الإِمام أحمد في رواية ابن هانئ (٧). فعلى الأول يكون تهديدًا، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وعلى الثاني يكون إذنًا وإباحةً. فإن قيل: فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟ قلت: لا، ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه، لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة، ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر. والمقصود أنّ الذنوب تُضْعِف الحياء من العبد حتى ربّما انسلخ منه بالكلية، حتى إنّه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله (٨) وقبيح (٩) ما يفعله، والحامل له

стр. 237

على ذلك انسلاخه من الحياء. وإذا وصل العبد إلى هذه الحال (١) لم يبق في صلاحه (٢) مطمع، كما قيل (٣): وإذا رأى إبليسُ طلعةَ وجهه … حَيَّا، وقال: فديتُ مَن لا يفلحُ (٤) والحياء مشتقّ من الحياة، والغيث يسمَّى (٥) "حيًا" بالقصر لأنّ به حياةَ الأرض والنبات والدوابّ، وكذلك (٦) بالحياء حياةُ الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه ميِّتٌ في الدنيا شقيٌّ في الآخرة. وبيّن الذنوب وبيّن قلّة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكلّ منهما يستدعي الآخر، ويطلبه حثيثًا. ومن استحيا من الله عند معصيته استحيا الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستحْيِ من معصيته لم يستحيِ من عقوبته (٧). فصل ومن عقوبات الذنوب: أنّها تُضْعِف في القلب تعظيمَ الربّ ﷻ ، وتُضْعِف وقارَه في قلب العبد، ولابدّ، شاء أم أبى. ولو تمكّن وقارُ الله وعظمتُه في قلب العبد لما تجرّأ على معاصيه.

стр. 238

وربما اغترّ المغترّ وقال: إنما يحملني على المعاصى حسنُ الرَّجاء وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي. وهذا من مغالطة النفس، فإنّ عظمةَ الله وجلالَه في قلب العبد وتعظيمَ حرماته تحول بينه وبيّن الذنوب. فالمتجرّئون (١) على معاصيه ما قدروه (٢) حقّ قدره، وكيف يقدره حقَّ قدره أو يعظِّمه ويكبّره ويرجو وقاره ويُجلّه من يهون عليه أمرُه ونهيُه؟ هذا من أمحل المحال (٣)، وأبين الباطل! وكفى بالعاصي عقوبةً أن يضمحلَّ من قلبه تعظيمُ الله ﷻ ، وتعظيمُ حرماته، ويهونَ عليه حقّه. ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله مهابتَه من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفّون به، كما هان عليه أمره، واستخفّ به. فعلى قدر محبة العبد لله (٤) يحبّه الناس. وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس (٥)، وعلى قدر تعظيمه لله (٦) وحرماتِه يعظّم الناس (٧) حرماته. وكيف ينتهك عبدٌ حرماتِ الله، ويطمع أن لا ينتهك الناسُ حرماته؟ أم كيف يهون عليه حقُّ الله، ولا يهوّنه الله على الناس؟ أم كيف يستخفّ

стр. 239

بمعاصي الله، ولا يستخِفّ به الخلق؟ وقد أشار سبحانه إلى هذا (١) في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابَها بما كسبوا، وغطّى على قلوبهم، وطبع (٢) عليها بذنوبهم، وأنّه نسيهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيّعهم كما ضيّعوا أمره. ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، فإنهم (٣) لما هان عليهم السجود له، واستخفّوا به، ولم يفعلوه، أهانهم، فلم يكن لهم من مُكرِمٍ بعد أن أهانهم. ومن ذا يكرِم من أهانه الله، أو يهين من أكرمه الله (٤)؟ فصل ومن عقوباتها: أنّها تستدعي نسيانَ الله لعبده، وتركَه، وتخليتَه بينه وبيّن نفسه وشيطانه. وهناك الهلاك الذي لا يرجى (٥) معه نجاة. قال قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩]. فأمر (٦) بتقواه، ونهى أن يتشبّه عباده المؤمنون بمن نسيَه بترك

стр. 240

تقواه، وأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحَها، وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها (١) وسرورها ونعيمها، فأنساه ذلك كلَّه جزاءً لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره. فترى العاصي مهمِلًا لمصالح نفسه، مضيِّعًا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتّبع هواه، وكان أمره فرطًا. قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرّط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى ما يكون من لذّة إنما هي سحابة صيف (٢) أو خيال طيف! أحلامُ نومٍ أو كظلّ زائل … إنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ (٣) وأعظمُ العقوبات نسيانُ العبد لنفسه، وإهمالُه لها، وإضاعتُه (٤) حظَّها ونصيبَها من الله، وبيعُها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن. فضيَّعَ من لا غنى له عنه، ولا عوض له منه، واستبدل به مَن عنه كلُّ الغنى، ومنه كلُّ العِوَض. من كلّ شيء إذا ضيّعتَه عوضٌ … وما من الله إنْ ضيّعتَه عوضُ (٥)

стр. 241

فالله سبحانه يعوّض عن كلّ ما سواه (١)، ولا يعوّض منه شيء. ويغني عن كل شيء، ولا يغني عنه شيء. ويمنع من كل شيء (٢)، ولا يمنع منه شيء. ويجير من كل شيء، ولا يجير منه شيء (٣). فكيف يستغني العبد عن طاعةِ مَن هذا شأنُه طرفةَ عين؟ وكيف ينسى ذكره ويضيّع أمرَه حتى يُنسيَه نفسَه، فيخسرَها، ويظلمَها أعظمَ الظلم؟ فما ظلم العبدُ ربَّه، ولكن ظلم (٤) نفسَه. وما ظلمه ربه، ولكن هو الذي ظلم نفسَه! فصل ومن عقوباتها: أنّها تُخرِجُ العبدَ من دائرة الإحسان، وتمنعه ثوابَ المحسنين. فإنّ الإحسان إذا باشر القلبَ منَعَه من المعاصي (٥)، فإن من عَبَدَ الله كأنّه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبيّن إرادة المعصية، فضلًا عن مواقعتها. فإذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبةُ رُفَقِه (٦) الخاصة، وعيشُهم الهنيء، ونعيمُهم التام.

стр. 242

فإن أراد الله به خيرًا أقرّه في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان، كما قال النبي- ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبةً ذاتَ شرفٍ يرفع إليه فيها الناسُ (١) أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن. فإيّاكم إيّاكم، والتوبةُ معروضهٌ بعد" (٢) = خرَج (٣) من دائرة الإيمان، وفاته رفقةُ المؤمنين وحسنُ دفاع الله عنهم (٤)، فإنّ الله يدفع عن الذين آمنوا، وفاته (٥) كلُّ خير رتّبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة، كلُّ خصلة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها: فمنها: الأجر العظيم: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]. ومنها: الدفع عنهم شرورَ الدنيا والآخرة (٦). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٧) [الحج: ٣٨].

стр. 243

ومنها: استغفار حملة العرش لهم (١). ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. ومنها: موالاة الله لهم، ولا يذلّ من (٢) والاه الله. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ومنها: أمر ملائكتَه بتثبيتهم (٣). ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. ومنها: أنّ لهم الدرجات (٤) عند ربهم، والمغفرة، والرزق الكريم (٥). ومنها: العزة. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. ومنها: معية الله لأهل الإيمان. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]. ومنها: الرفعة في الدنيا والآخرة. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. ومنها: إعطاؤهم كِفْلَين من رحمته، وإعطاؤهم نورًا يمشون به، ومغفرةُ ذنوبهم (٦).

стр. 244

ومنها: الودّ الذي يجعله سبحانه لهم (١)، وهو أنّه يحبّهم ويحبّبُهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين. ومنها: أمانهم من الخوف يومَ يشتدّ الخوف. ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ (٢) [الأنعام: ٤٨]. ومنها: أنهم المنعَم عليهم الذين أمرنا أن نسأله أن يهديَنا إلى صراطهم في كلّ يوم وليلة سبعَ عشرةَ مرّةً. ومنها: أنّ القرآن إنّما هو هدىً لهم وشفاء. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ [فصلت: ٤٤]. والمقصود أنّ الإيمان سبب جالب لكل خير، وكلُّ خير في الدنيا والآخرة فسببُه الإيمان (٣)، وكلُّ شرّ في الدنيا والآخرة فسببُه عدمُ الإيمان. فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه؟ ولكن لا يُخرج من دائرة عموم المسلمين، فإنْ استمرّ على الذنوب وأصرّ عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، فيخرجه عن الإِسلام بالكلية. ومن هنا اشتدّ خوفُ السلف، كما قال بعضهم: أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر (٤)!

стр. 245

فصل ومن عقوباتها: أنها تُضْعِفُ سيرَ القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فلا تدَعه يخطو إلى الله خطوةً. هذا إن لم تردّه عن وجهته إلى ورائه! فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب. والقلب إنّما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيّره. فإن زالت بالكلّية انقطع عن الله انقطاعًا يبعُد تداركُه، والله المستعان. فالذنب إما أن يميت القلب، أو يُمرضَه مرضًا مخوفًا، أو يضعف (١) قوته، ولا بدّ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها (٢) النبي ﷺ . وهي: الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلَع الدَّين وغلبة الرجال (٣). وكل اثنين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقّعه أحدثَ الهمَّ، وإن كان من أمر ماضٍ قد وقع أحدثَ الحزَنَ.

стр. 246

والعجز والكسل قرينان، فإنّ تخلّفَ العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل. وضلَع الدين وقهر الرجال قرينان، فإنّ استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلَع الدين، وإن كان بباطل فهو قهر الرجال (١). والمقصود أنّ الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء (٢)؛ ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحوُّل عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سَخَطه (٣). فصل ومن عقوبات الذنوب أنها تُزيل النِّعم وتُحِلّ النِّقَم. فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب؛ كما قال علي بن أبي طالب ﵁: ما نزل بلاءً إلا بذنب، ولا رُفِعَ بلاءً إلا بتوبة (٤).

стр. 247

وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى (١): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]. فأخبر تعالى (٢) أنه لا يغيّر نعَمه التي أنعم (٣) بها على أحد حتى يكون هو الذي يغيّر ما بنفسه، فيغيّر طاعةَ الله بمعصيته، وشكرَه بكفره، وأسبابَ رضاه بأسباب سخطه. فإذا غَيَّرَ غُيِّرَ (٤) عليه جزاءً وفاقًا، وما ربّك بظلّام للعبيد. فإنْ غيّر المعصيةَ بالطاعة غيّر الله عليه العقوبةَ بالعافية، والذلَّ بالعز. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١]. وفي بعض (٥) الآثار الإلهية عن الربّ ﵎ أنّه قال: وعزّتي وجلالي، لا يكون عبد من عَبِيدي (٦) على ما أحِبّ، ثم ينتقل عنه

стр. 248

إلى ما أكره (١)، إلا انتقلتُ له مما يحبّ إلى ما يكره (٢). ولا يكون عبد من عَبيدي على ما أكره، ثم ينتقل عنه إلى ما أحِبّ، إلا انتقلتُ له مما يكره إلى ما يحبّ (٣). وقد أحسن (٤) القائل: إذا كنتَ في نعمةٍ فَارْعَها … فإنّ المعاصي تُزيل النِّعَمْ (٥) وحُطْها بطاعةِ ربِّ العبادِ … فربُّ العبادِ سريعُ النِّقَمْ وإيّاك والظلمَ مهما استطعتَ … فظلمُ العبادِ شديدُ الوَخَمْ وسافِرْ بقلبك بينَ الورى … لِتُبصِرَ آثارَ من قد ظَلَمْ فتلك مساكنُهم بعدَهم … شهود عليهم ولا تُتَهَمْ وما كان شيء عليهم أضَرَّ … من الظلم، وهو الذي قد قَصَمْ فكم تركوا مِنْ جِنان ومِنْ … قُصور وأخرى عليهم أطَمّ (٦) صلُوا بالجحيم وفات النعيمُ … وكان الذي نالَهم كالحلُمْ (٧)

стр. 249

فصل ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلّا خائفًا مرعوبًا. فإنّ الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوفُ في حقّه أمانًا، ومن عصاه انقلبت مآمِنُه (١) مخاوفَ. فلا تجد العاصي إلا وقلبُه كأنّه بين جناحَي طائرٍ، إنْ حرّكت الريحُ الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقعَ قدَمٍ خاف أن يكون نذيرًا بالعطب. يحسب كل صيحةٍ عليه، وكل مكروه قاصدًا (٢) إليه. فمن خاف الله آمنه من كلّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كلّ شيء. بذا قضى اللهُ بين الناس مذ خُلِقوا … أنّ المخاوفَ والإجرامَ في قَرَنِ فصل (٣) ومن عقوباتها: أنها تُوقعُ الوحشةَ العظيمةَ في القلب، فيجد المذنب نفسَه مستوحشًا، قد وقعت الوحشة بينه وبيّن ربه، وبينه وبيّن الخلق، وبينه وبيّن نفسه. وكلّما كثرت الذنوب اشتدّت الوحشة. وأمرُّ

стр. 250

العيشِ عيشُ المستوحشين الخائفين، وأطيبُ العيش عيشُ المستأنسين. فلو نظر (١) العاقل، ووازن بين لذة المعصية وما تُوقِعُه (٢) من الخوف والوحشة، لَعلِمَ سوءَ حاله وعظيم غَبْنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف. فإن كنتَ قد أوحشتك الذنوبُ … فدَعْها إذا شئتَ واستأْنسِ (٣) وسرّ المسألة أنّ الطاعة تُوجب القربَ من الربّ، وكلّما (٤) اشتدّ القرب قوي الإنس؛ والمعصية توجب البعدَ من الربّ، وكلّما ازداد البعد قويت الوحشة. ولهذا يجد العبد وحشةً بينه وبيّن عدوّه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسًا له قريبًا منه، ويجد أنسًا وقربًا (٥) بينه وبيّن من يحبّ، وإن كان بعيدًا عنه. والوحشة سببها الحجاب، وكلّما غلظ الحجاب زادت الوحشة (٦). فالغفلة توجب الوحشة، وأشدُّ منها وحشةُ المعصية، وأشدُّ منها وحشةُ الشرك والكفر. ولا تجد أحدًا يلابس شيئًا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابَسَه منه، فتعلو الوحشةُ وجهَه وقلبَه، فيستوحِشُ (٧)، ويُستوحَشُ منه.
следующие страницы →