← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والعجز والكسل قرينان، فإنّ تخلّفَ العبد عن أسباب الخير والفلاح إن كان لعدم قدرته فهو العجز، وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. والجبن والبخل قرينان، فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل. وضلَع الدين وقهر الرجال قرينان، فإنّ استعلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلَع الدين، وإن كان بباطل فهو قهر الرجال (١). والمقصود أنّ الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لجهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء (٢)؛ ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم الله وتحوُّل عافيته، وفجاءة نقمته، وجميع سَخَطه (٣). فصل ومن عقوبات الذنوب أنها تُزيل النِّعم وتُحِلّ النِّقَم. فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب؛ كما قال علي بن أبي طالب ﵁: ما نزل بلاءً إلا بذنب، ولا رُفِعَ بلاءً إلا بتوبة (٤).

стр. 247

وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. وقال تعالى (١): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]. فأخبر تعالى (٢) أنه لا يغيّر نعَمه التي أنعم (٣) بها على أحد حتى يكون هو الذي يغيّر ما بنفسه، فيغيّر طاعةَ الله بمعصيته، وشكرَه بكفره، وأسبابَ رضاه بأسباب سخطه. فإذا غَيَّرَ غُيِّرَ (٤) عليه جزاءً وفاقًا، وما ربّك بظلّام للعبيد. فإنْ غيّر المعصيةَ بالطاعة غيّر الله عليه العقوبةَ بالعافية، والذلَّ بالعز. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١]. وفي بعض (٥) الآثار الإلهية عن الربّ ﵎ أنّه قال: وعزّتي وجلالي، لا يكون عبد من عَبِيدي (٦) على ما أحِبّ، ثم ينتقل عنه

стр. 248

إلى ما أكره (١)، إلا انتقلتُ له مما يحبّ إلى ما يكره (٢). ولا يكون عبد من عَبيدي على ما أكره، ثم ينتقل عنه إلى ما أحِبّ، إلا انتقلتُ له مما يكره إلى ما يحبّ (٣). وقد أحسن (٤) القائل: إذا كنتَ في نعمةٍ فَارْعَها … فإنّ المعاصي تُزيل النِّعَمْ (٥) وحُطْها بطاعةِ ربِّ العبادِ … فربُّ العبادِ سريعُ النِّقَمْ وإيّاك والظلمَ مهما استطعتَ … فظلمُ العبادِ شديدُ الوَخَمْ وسافِرْ بقلبك بينَ الورى … لِتُبصِرَ آثارَ من قد ظَلَمْ فتلك مساكنُهم بعدَهم … شهود عليهم ولا تُتَهَمْ وما كان شيء عليهم أضَرَّ … من الظلم، وهو الذي قد قَصَمْ فكم تركوا مِنْ جِنان ومِنْ … قُصور وأخرى عليهم أطَمّ (٦) صلُوا بالجحيم وفات النعيمُ … وكان الذي نالَهم كالحلُمْ (٧)

стр. 249

فصل ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلّا خائفًا مرعوبًا. فإنّ الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب. فمن أطاع الله انقلبت المخاوفُ في حقّه أمانًا، ومن عصاه انقلبت مآمِنُه (١) مخاوفَ. فلا تجد العاصي إلا وقلبُه كأنّه بين جناحَي طائرٍ، إنْ حرّكت الريحُ الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وقعَ قدَمٍ خاف أن يكون نذيرًا بالعطب. يحسب كل صيحةٍ عليه، وكل مكروه قاصدًا (٢) إليه. فمن خاف الله آمنه من كلّ شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كلّ شيء. بذا قضى اللهُ بين الناس مذ خُلِقوا … أنّ المخاوفَ والإجرامَ في قَرَنِ فصل (٣) ومن عقوباتها: أنها تُوقعُ الوحشةَ العظيمةَ في القلب، فيجد المذنب نفسَه مستوحشًا، قد وقعت الوحشة بينه وبيّن ربه، وبينه وبيّن الخلق، وبينه وبيّن نفسه. وكلّما كثرت الذنوب اشتدّت الوحشة. وأمرُّ

стр. 250

العيشِ عيشُ المستوحشين الخائفين، وأطيبُ العيش عيشُ المستأنسين. فلو نظر (١) العاقل، ووازن بين لذة المعصية وما تُوقِعُه (٢) من الخوف والوحشة، لَعلِمَ سوءَ حاله وعظيم غَبْنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف. فإن كنتَ قد أوحشتك الذنوبُ … فدَعْها إذا شئتَ واستأْنسِ (٣) وسرّ المسألة أنّ الطاعة تُوجب القربَ من الربّ، وكلّما (٤) اشتدّ القرب قوي الإنس؛ والمعصية توجب البعدَ من الربّ، وكلّما ازداد البعد قويت الوحشة. ولهذا يجد العبد وحشةً بينه وبيّن عدوّه للبعد الذي بينهما، وإن كان ملابسًا له قريبًا منه، ويجد أنسًا وقربًا (٥) بينه وبيّن من يحبّ، وإن كان بعيدًا عنه. والوحشة سببها الحجاب، وكلّما غلظ الحجاب زادت الوحشة (٦). فالغفلة توجب الوحشة، وأشدُّ منها وحشةُ المعصية، وأشدُّ منها وحشةُ الشرك والكفر. ولا تجد أحدًا يلابس شيئًا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابَسَه منه، فتعلو الوحشةُ وجهَه وقلبَه، فيستوحِشُ (٧)، ويُستوحَشُ منه.

стр. 251

فصل ومن عقوباتها: أنها تصرِفُ القلبَ عن صحّته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولًا، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه. فإنّ تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وأدواؤها (١)، ولا دواء لها إلا تركها. وقد أجمع السائرون إلى الله أنّ القلوب لا تعطَى مُناها حتّى تصل إلى مولاها (٢)، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها. ولا يصحّ لها (٣) ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها (٤) مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرضُ قتَلَ أو كاد. وكما أنّ من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنّة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيمَ أهلها نعيمٌ البتة، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة. وهذا أمر لا يصدّق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. ولا تحسبْ أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك، أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار

стр. 252

القرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم. وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأيّ عذاب أشدّ من الخوف، والهمّ، والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلّقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكلِّ وادٍ منه شعبة؟ وكلّ شيء (١) تعلّق به وأحبّه من دون الله فإنّه يسومه سوءَ العذاب. فكلّ من أحبّ شيئًا (٢) غيرَ الله عُذِّبَ به (٣) ثلاث مرّات في هذه الدار: فهو يعذَّب به قبل حصوله حتى يحصل. فإذا حصل عُذِّبَ به حالَ حصوله بالخوف من سلبه وفواته، والتنغيص والتنكيد عليه، وأنواع المعارضات. فإذا سُلِبَه اشتدّ عذابُه عليه (٤). فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار. وأما في البرزخ، فعذابٌ يقارنه ألمُ الفراق الذي لا يرجو (٥) عودَه، وألمُ فَواتِ ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضدّه، وألمُ الحجاب عن الله، وألمُ الحسرة التي تقطع الأكباد. فالهم والغم والحسرة والحَزن تعمل في نفوسهم نظيرَ ما تعمل الهوامّ والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمرّ حتى يردّها الله إلى أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمرّ.

стр. 253

فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طربًا وفرحًا، وأنسًا بربّه، واشتياقًا إليه، وارتياحًا بحبّه، وطمأنينةً بذكره، حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه! (١) ويقول الآخر: إن كان أهل الجنّة في مثل هذه الحال (٢)، إنّهم لفي عيش طيب (٣)! ويقول الآخر: مساكين أهلُ الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها، وما ذاقوا أطيب ما فيها! (٤) ويقول الآخر (٥): لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه.

стр. 254

لجالَدونا عليه بالسيوف. ويقول الآخر: إنّ في الدنيا جَنّة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة (١). فيا من باع حظّه الغالي بأبخس الثمن، وغُبِنَ كل الغَبْن في هذا العقد، وهو يرى أنه قد غبن، إذا لم يكن لك خبرةٌ بقيمة السِّلَع فَسَلِ، المقوِّمين! فيا عجبًا من بضاعةٍ معك، الله مشتريها، وثمنُها جنّةُ المأوى، والسفيرُ الذي جرى على يده (٢) عقدُ التبايع وضمِنَ الثمنَ عن المشتري هو الرسول، وقد بعتَها بغاية الهوان! إذا كان هذا فعلَ عبدٍ بنفسه … فمَنْ ذاله من بعد ذلك يكرِمُ (٣) ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. فصل ومن عقوباتها: أنّها تُعمي بصيرَة القلب (٤)، وتطمس نوره، وتسدّ طرق العلم (٥)، وتحجب موادّ الهداية.

стр. 255

وقد قال مالك للشافعي (١) لمّا اجتمع به ورأى تلك المخايل (٢): إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية (٣). ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحلّ، وظلام المعصية يقوى، حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم. فكم من مَهْلكٍ يسقط فيه، وهو لا يبصره (٤)، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب. فيا عزّةَ السلامة، ويا سرعةَ العطب! ثم تقوى تلك الظلمات، وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجهَ منها سوادٌ (٥) بحسب قوتها وتزايدها. فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمةً، كما قال النبي ﷺ : "إنّ هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمةً وإنّ الله منوّرها بصلاتي عليهم" (٦). فإذا كان يومُ المعاد وحشرِ الأجساد علت الوجوهَ علوًّا ظاهرًا يراه كلُّ أحد، حتّى يصير الوجه أسود مثل الحُمَمة. فيا لها عقوبةً (٧) لا توازن لذاتِ الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها! فكيف بقسط العبد المنغَّص المنكَّد المتعَب في زمن إنّما هو ساعة من حُلْم! فالله المستعان.

стр. 256

فصل ومن عقوباتها: أنّها تصغّر النفس، وتقمَعها، وتدسّيها (١)، وتحقّرها، حتى تصير أصغر شيء وأحقره (٢)، كما أنّ الطاعة تنمّيها وتزكّيها وتكبّرها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. والمعنى قد أفلح من كبّرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها. وقده خسر من أخفاها وحقّرها وصغرها بمعصية الله. وأصل التدسية الإخفاء. ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩]. فالعاصي (٣) يدسّ نفسه في المعصية، ويخفي مكانها، ويتوارى (٤) من الخلق من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق. فالطاعة والبرّ تكبّر النفس، وتعزّها، وتعليها، حتى تفسير أشرف شيء، وأكبره، وأزكاه، وأعلاه؛ ومع ذلك فهي أذلّ شيء وأحقره وأصغره لله تعالى. وبهذا الذلّ حصل لها هذا العزّ والشرف (٥) والنموّ، فما صغّر النفوسَ مثلُ معصية الله، وما كبّرها وشرّفها ورفعها مثلُ طاعة الله.

стр. 257

فصل ومن عقوباتها: أنّ العاصي دائمًا في أسْر شيطانه، وسجن شهواته، وقيود هواه؛ فهو أسير مسجون مقيد. ولا أسيرَ أسوأ حالًا من أسير أسَرَه أعدى عدوّ له، ولا سجنَ أضيقُ من سجن الهوى، ولا قيدَ أصعبُ من قيد الشهوة. فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ وكيف يخطو خطوة واحدة؟ وإذا تقيّد القلب طرقته الآفاتُ من كل جانب بحسب قيوده. ومثل القلب مثل الطائر، وكلّما علا بعد عن الآفات، وكلّما نزل احتوَشَتْه الآفات (١). وفي الحديث: "الشيطان ذئب الإنسان" (٢).

стр. 258

وكما أنّ الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعةُ العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله (١)، فذئبُه مفترِسُه، ولابدّ. وإنما يكون عليه حافظ من الله (٢) بالتقوى، فهي وقاية وجُنّة حصينة بينه وبيّن ذئبه، كما هي وقاية بينه وبيّن عقوبة الدنيا والآخرة. وكلّما كانت الشاة أقرب من الراعي كانت أسلم من الذئب، وكلّما بعدت عن الراعي كانت أقرب إلى الهلاك. فأحمى ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي، وإنما يأخذ الذئب القاصي (٣) من الغنم، وهي أبعدهن من الراعي (٤). وأصل هذا كلّه أنّ القلب كلّما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه (٥) أسرع، وكلّما قرُب من الله بعدت عنه الآفات. والبعد من الله مراتب بعضها أشدّ من بعض. فالغفلة تبعد العبد (٦)

стр. 259

عن الله، وبعدُ المعصية أعظم (١) من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله. فصل ومن عقوباتها: سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه. فإنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وأقربهم منه منزلةً أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده. فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده. وإذا لم يبق له جاء عند الخلق وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش خاملَ الذكر، ساقط القدر، زريَّ الحال (٢)، لا حرمة له، فلا فرح (٣) له ولا سرور. فإنّ خمول الذكر وسقوط القدر والجاه (٤) معه كلُّ غمّ وهمّ (٥) وحزن، ولا سرور معه (٦) ولا فرح. وأين هذا الألم من لذة المعصية، لولا سكر الشهوة؟ ومن أعظم نعم الله على العبد أن يرفع له بين العالمين ذكرَه ويعلي قدرَه. ولهذا خصّ أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ [ص: ٤٥ - ٤٦]. أي خصصناهم

стр. 260

بخصيصة، وهو الذكر الجميل الذي يُذكَرون به في هذه الدار (١)، وهو لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل حيث قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]. وقال سبحانه عنه وعن بنيه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٥٠]. وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤]. فأتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم. وكلّ من خالفهم فاته من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم. فصل ومن عقوباتها: أنّها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذمّ والصَّغار. فتسلبه اسم المؤمن، والبَرّ، والمحسن، والمتقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والوَرِع، والمصلح، والعابد، والخائف، والأوّاب، والطيّب، والمرضي (٢)، ونحوها.

стр. 261

وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، والمسخوط، والزاني، والسارق، والقاتل، والكاذب، والخائن، واللوطي، والغادر، وقاطع الرحم (١)، وأمثالها. فهذه أسماء الفسوق و ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] التي توجب (٢) غضب الديّان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان. وتلك أسماء توجب رضي الرحمن، ودخول الجِنان، وتوجب شرف المسمَّى بها على سائر نوع الإنسان. فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجَباتها لكان في العقل ناهٍ عنها. ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء وموجَباتها لكان في العقل آمِرٌ بها. ولكن لا مانع لما أعطى الله (٣)، ولا معطي لما منع، ولا مقرّب لمن باعد، ولا مبعّد لمن قرّب ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨] فصل ومن عقوباتها: أنها تؤثّر بالخاصّية في نقصان العقل. فلا تجد عاقلَين أحدهما مطيع لله، والآخر عاص، إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصحّ، ورأيه أسدّ، والصواب قرينه. ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي العقول والألباب،

стр. 262

كقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾ [الطلاق: ١٠]، وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ونظائر ذلك (١) كثيرة. وكيف يكون عاقلًا وافرَ العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره، وهو يعلم أنّه يراه ويشاهده، فيعصيه، وهو بعينه غيرُ متوارٍ عنه، ويستعين بنعمه على مساخطه، ويستدعي كلَّ وقت غضبَه عليه، ولعنتَه له، وإبعادَه من قربه، وطردَه عن بابه، وإعراضَه عنه، وخِذلانَه له، والتخليةَ بينه وبيّن نفسه وعدوّه، وسقوطَه من عينه، وحرمانه روحَ رضاه وحبّه، وقرةَ العين بقربه، والفوزَ بجواره، والنظرَ إلى وجهه في زمرة أوليائه، إلى أضعاف أضعاف ذلك من كرامة (٢) أهل الطاعة، وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية؟ فأيّ عقل لمن آثر لذةَ ساعةٍ أو يوم أو دهرٍ، ثم تنقضي كأنّها حُلْم لم يكن، على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم، بل هو سعادة الدنيا والآخرة؟ ولولا العقل الذي تقوم به عليه الحجّة لكان بمنزلة المجانين، بل قد يكون (٣) المجانين أحسن حالًا منه وأسلم عاقبةً. فهذا من هذا الوجه. وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيشي، فلولا الاشتراك في هذا النقصان لَظهَر لمطيعنا نقصانُ عقلِ عاصينا، ولكن الجائحة عامّة، والجنون فنون!

стр. 263

ويا عجبًا لو صحّت العقول لعلمتْ أنّ طريق (١) تحصيل اللذة والفرحة والسرور وطيب العيش إنما هو في رضي مَن النّعيمُ كلُّه في رضاه، والألمُ والعذابُ كلُّه في سخطه وغضبه. ففي رضاه قرّة العيون، وسرور النفوس وحياة القلوب، ولذة الأرواح، وطيب الحياة، ولذة العيش، وأطيب النعيم، مما لو وُزِن منه مثقالُ ذرّة بنعيم الدنيا لم يف به، بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرضَ بالدنيا وما فيها عوضا منه. ومع هذا (٢) فهو يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظمَ من تنعّم المترَفين فيها، ولا يشوب تنعّمَه بذلك الحظّ اليسير ما يشوب تنعّمَ المترفين من الهموم والغموم والأحزان والمعارضات، بل قد حصل على النعيمين، وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما. وما يحصل له في خلال ذلك (٣) من الآلام، فالأمر كما قال الله سبحانه: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ [النساء: ١٠٤]. فلا إله إلا الله، ما أنقَصَ عقلَ من باع الدرَّ بالبعر، والمسكَ بالرجيع، ومرافقةَ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم، ولَعَنهم، وأعدّ لهم جهنَّم وساءت مصيرًا! فصل ومن أعظم عقوباتها: أنها توجب القطيعة بين العبد وبيّن ربه ﵎، وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير،

стр. 264

واتصلت به أسباب الشرّ. فأيّ فلاح وأيّ رجاء وأيّ عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه (١) وبيّن وليّه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين، ولابدّ له منه (٢)، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبيّن أعدى عدوّ له، فتولّاه عدوّه، وتخلّى عنه وليّه؟ فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب! قال بعض السلف: رأيتُ العبد مُلقًى بين الله سبحانه وبيّن الشيطان، فإن أعرض الله عنه (٣) تولّاه الشيطان، وإن تولّاه الله لم يقدر عليه الشيطان (٤). وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].

стр. 265

يقول سبحانه لعباده: أنا أكرمتُ (١) أباكم، ورفعت قدره، وفضّلته على غيره، فأمرتُ ملائكتي كلّهم أن يسجدوا له تكريمًا (٢) وتشريفًا، فأطاعوني، وأبى عدوّي وعدوّه، فعصى أمري، وخرج عن طاعتي. فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه (٣) وذريته أولياء من دوني، فتطيعونه في معصيتي، وتوالونه في خلاف مرضاتي، وهم (٤) أعدى عدو لكم؟ فواليتم عدوّي، وقد أمرتكم بمعاداته. ومن والى أعداء الملِك كان هو وأعداؤه عنده سواء، فإنّ المحبة والطاعة لا تتمّ إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه. وأمّا أن توالي أعداءَ الملِك ثم تدّعي أنّك موالٍ له، فهذا محال. هذا لو لم يكن (٥) عدوُّ الملك عدوًّا لكم، فكيف إذا كان عدوًّا لكم (٦) على الحقيقة، والعداوةُ التي بينكم وبينه أعظمُ من العداوة التي بين الشاة والذئب؟ فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوَّه وعدوَّ وليّه ومولاه الذي لا مولى له سواه؟ ونبّه سبحانه على قبح هذه الموالاة بقوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، كما نبّه على قبحها بقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. فتبيّن أنّ عداوته لربّه وعداوته لنا، كلٌّ منهما سببٌ يدعو إلى معاداته، فما هذه الموالاة؟ وما هذا الاستبدال؟ بئس للظالمين بدلا!

стр. 266

ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوعٌ من العتاب لطيفٌ عجيبٌ، وهو أنّي عاديتُ إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي، فكانت (١) معاداتُه لأجلكم، ثم كان عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه عقد المصالحة! فصل ومن عقوباتها: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة. وبالجملة، تمحق بركة الدين والدنيا. فلا تجد أقلَّ بركةً في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله. وما مُحِقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال تعالي: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ (٢) [الجن: ١٦] وإنّ العبد لَيُحرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه (٣). وفي الحديث: "إنّ روح القدس نفث في رُوعي أنّه (٤) لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتّقوا الله وأجمِلوا في الطلب، فإنّه لا يُنال ما عند الله إلا بطاعته (٥) " (٦). و"إنّ الله جعل الرَّوْحَ والفرحَ في الرضا

стр. 267

واليقين، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط" (١). وقد تقدم الأثر (٢) الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد: "أنا الله، إذا رضيتُ باركتُ، وليس لبركتي منتهى. وإذا غضبتُ لعنتُ، ولعنتي

стр. 268

تدرك (١) السابع من الولد". وليست سعةُ الرزق والعمل (٢) بكثرته، ولا طولُ العمر بكثرة الشهور والأعوم، ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه. وقد تقدّم (٣) أنّ عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله، واشتغل بغيره. بل حياة البهائم خير من حياته، فإنّ حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبته، وعبادته (٤) وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والإنس بقربه. ومن فقد هذه الحياة فقَدْ (٥) فَقَد الخيرَ كله، ولو تعوّض عنها بما تعوّض. فما في الدنيا (٦) بل ليست الدنيا بأجمعها عوضًا عن هذه الحياة! فمن كلّ شيء يفوت العبدَ عِوَضٌ، وإذا فاته الله لم يعوِّض عنه شيء البتة. وكيف يعوِّض الفقيرُ بالذات عن الغني بالذات، والعاجزُ بالذات عن القادر بالذات، والميّتُ عن الحي الذي لا يموت، والمخلوق عن الخالق، ومن لا وجود له ولا شيء له من ذاته البتة عمّن غناه وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته؟ وكيف يعوِّض من لا يملك مثقال ذرة عمّن له مُلْكُ السموات والأرض؟

стр. 269

وإنّما كانت معصيةُ الله سببًا لمحق بركة (١) الرزق والأجل؛ لأنّ الشيطان موكَّل بها وبأصحابها، فسلطانُه عليهم، وحوالتُه على هذا الديوان، وأهلُه أصحابُه (٢)؛ وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه (٣)، فبركته ممحوقة. ولهذا شُرع ذكرُ اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسمِ الله من البركة. وذكرُ اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها. وكلّ شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإنّ الربّ هو الذي تبارك (٤) وحده، والبركة كلّها منه، وكلّ ما نُسِب إليه مبارك. فكلامه (٥) مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك (٦)، وكنانته من أرضه -وهي الشام (٧) - أرض البركة، وصفها بالبركة في ستّ آيات من كتابه (٨). فلا

стр. 270

متبارك (١) إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ما نسب إليه، أعني: إلى محبته وألوهيته ورضاه، وإلا فالكون كلّه منسوب إلى ربوبيته وخلقه. وكلّ ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه، وكلّ ما كان قريبًا منه (٢) من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه. وضد البركة اللعنة. فأرضٌ لعنها الله، أو شخصٌ لعنه (٣) أو عملٌ لعنه = أبعدُ شيء من الخير والبركة. وكلُّ ما اتصل بذلك، وارتبط به، وكان منه بسبيل، فلا بركة فيه البتة. وقد لعن عدوَّه إبليسَ، وجعله أبعدَ خلقه منه، فكلُّ ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه واتصاله به. فمن ها هنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق (٤) والعلم والعمل. فكلُّ وقتٍ (٥) عصيتَ الله فيه، أو مالٍ عُصِيَ اللهُ به، أو بدنٍ، أو جاهٍ، أو علمٍ، أو عملٍ، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمرُه وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع اللهَ به. ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها، ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها؛ كما أنّ منهم من يملك القناطير

стр. 271

المقنطرة من الذهب والفضة، ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها. وهكذا الجاه والعلم. وفي الترمذي (١) عنه ﷺ : "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكرُ الله وما والاه، وعالم أو متعلّم". وفي أثر آخر: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لله" (٢). فهذا هو الذي فيه البركة خاصة. والله المستعان (٣).

стр. 272

فصل ومن عقوباتها: أنها تجعل صاحبَها من السِّفْلة بعد أن كان مُهَيًّأ لأن يكون من العِلْية. فإنّ الله خلق خلقَه قسمين: عِلية وسِفلة، وجعل علّيين مستقرّ العلية، وأسفل سافلين مستقرّ السفلة. وجعل أهل طاعته الأعلَين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلِين في الدنيا والآخرة (١)، كما جعل أهل طاعته أكرمَ خلقه عليه، وأهلَ معصيته أهونَ خلقه عليه (٢)، وجعل العزّة لهؤلاء (٣)، والذلّة والصغار لهؤلاء. كما في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر (٤) عن النبي- ﷺ -أنه قال: "جُعل الذلّة والصَّغار على من خالف أمري". فكلّما (٥) عمل العبد معصيةً نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين. وكلّما عمل طاعة (٦) ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلَين. وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه، والنزول من وجه، وأيّهما كان أغلب عليه كان من أهله. فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس.

стр. 273

ولكن يعرض ها هنا للنفوس غلط عظيم، وهو أنّ العبد قد ينزل نزولًا بعيدًا أبعدَ مما (١) بين المشرق والمغرب ومما (٢) بين السماء والأرض، فلا يفي صعودُه ألفَ درجة بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ العبد لَيتكلّم بالكلمة الواحدة، لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في النار أبعدَ مما بين المشرق والمغرب" (٣). فأيُّ صعود يوازي (٤) هذه النزلة؟. والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا متى (٥) استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع منها بحسب يقظته. ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة (٦) على الطاعة. فهذا متى رجع إلى الطاعة (٧) فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع عنها. فإنه قد يعود أعلى همةً مما كان (٨)، وقد يكون أضعف همةً، وقد تعود همته كما كانت.

стр. 274

ومنهم من يكون نزوله إلى معصية: إما صغيرة أو كبيرة (١)، فهذا يحتاج في عوده إلى درجته إلى توبة نصوح وإنابة صادقة. واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة (٢) إلى درجته التي كان فيها، بناءً على أنّ التوبة تمحو أثر الذنب، وتجعل وجوده كعدمه، فكأنّه لم يكن؛ أو لا يعود بناءً على أنّ التوبة تأثيرها في (٣) إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنّه لا يصل إليها (٤)؟ قالوا (٥): وتقرير ذلك أنّه كان مستعدًّا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذي عصى فيه لصعود آخر، وارتفاعُه (٦) بجملة أعماله السالفة بمنزلة كسب الرجل كلّ يوم بجملة ماله الذي يملكه، وكلّما تضاعف المال تضاعف الربح. فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعماله، فإذا (٧) استأنف العمل استأنف صعودًا من نزول، وكان قبل ذلك صاعدًا من صعود (٨)، وبينهما بون عظيم. قالوا: ومَثَلُ ذلك رجلان مرتقيان في سلّمين لا نهاية لهما، وهما سواء، فنزل أحدهما إلى أسفل ولو درجةً واحدة، ثم استأنف الصعود،

стр. 275

فإنّ الذي لم ينزل يعلو عليه، ولا بدّ. وحكم شيخ الإِسلام ابن تيمية بين الطائفتين حكمًا مقبولًا فقال: التحقيق أنّ من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته (١)، ومنهم من لا يصل إلى درجته (٢). قلت: وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصيةُ للعبد من الذلّ والخضوع والإنابة، والحذر والخوف من الله، والبكاء من خشيته؛ فقد تقوى هذه الأمور حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته، ويصير بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة. فهذا قد تكون الخطيئة في حقّه رحمةً، فإنّها نفتْ عنه داءَ العجب، وخلّصتْه من ثقته (٣) بنفسه وأعماله، ووضعتْ خدَّ ضراعته وذلّه وانكساره على عتبة باب سيّده ومولاه، وعرّفتْه قدرَه، وأشهدَتْه فقرَه وضرورتَه إلى حفظ سيّده له، وإلى عفوه عنه ومغفرته له، وأخرجَتْ من قلبه صولة الطاعة، وكسرتْ أنفَه من (٤) أن يشمخ بها، أو يتكبّر بها، أو يرى نفسه بها خيرًا من غيره؛ وأوقفته بين يدي ربه موقفَ الخطّائين المذنبين ناكسَ الرأس بين يدي ربّه، مستَحْييًا منه، خائفًا وجلًا، محتقرًا لطاعته، مستعظمًا لمعصيته، قد عرف (٥) نفسَه بالنقص وَالذمّ، وربَّه منفردًا بالكمال والحمد والوفاء، كما قيل:

стр. 276

استأثرَ اللهُ بالوفاء وبالـ … ـحمد وولّى الملامةَ الرّجُلا (١) فأيّ نعمةٍ وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها، ولم يرها أهلًا لها. وأي نقمة أو بليّة وصلت إليه رأى نفسه أهلًا لما هو أكبر (٢) منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جُرمه ولا شطرِه ولا أدنى جزء منه. فإنّ ما يستحقّه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات، فضلًا عن هذا العبد الضعيف العاجز. فإنّ الذنب وإن صغر، فإنّ مقابلةَ العظيم الذي لا شيء أعظم منه، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، الكريم الذي لا أجلَّ منه ولا أجملَ، المنعِمِ بجميع أصناف النعم دقيقِها وجليلِها = من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها. فإنّ مقابلةَ العظماء والأجلّاء وسادات الناس بمثل ذلك (٣) يستقبحه كلُّ أحد مؤمن وكافر. وأرذلُ الناس وأسقطُهم مروءةً مَن قابلَهم بالرذائل، فكيف بعظيم السموات والأرض، وملِك السموات والأرض، وإلهِ أهل السموات والأرض (٤)؟ ولولا أنّ رحمتَه غلبت غضبَه، ومغفرتَه سبقت عقوبتَه، وألّا (٥)

стр. 277

لتدكدكت الأرض بمن قابَلَه بما لا تليق مقابلتُه به. ولولا حلمه ومغفرته (١) لزالت (٢) السموات والأرض من معاصي العباد. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١]. فتأمّلْ ختمَ هذه الآية باسمين من أسمائه، وهما: الحليم الغفور (٣)، كيف تجد تحت ذلك أنّه لولا حلمُه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرّت السموات والأرض. وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر عباده أنه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠]. وقد أخرج الله سبحانه الأبوين (٤) من الجنّة بذنب واحد ارتكباه، وخالفا فيه نهيه (٥). ولعَن إبليسَ، وطرده، وأخرجه من ملكوت السماء (٦) بذنب (٧) ارتكبه، وخالف فيه (٨) أمرَه. ونحن -معاشرَ الحمقى- كما قيل:

стр. 278

نصِلُ الذنوبَ إلى الذنوب ونرتجي … دَرَكَ الجِنانِ لدى النعيمِ الخالدِ (١) ولقد علمنا أخرَجَ الأبوَينِ من … ملكوتها الأعلى بذنب واحد (٢) والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجةً. وقد تُضعِف الخطيئةُ همّتَه، وتُوهن عزمَه، وتُمرض قلبَه، فلا يقوى دواء التوبة على إعادته إلى الصحة الأولى، فلا يعود إلى درجته. وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت، ويعود إلى مثل عمله، فيعود إلى درجته. هذا كلّه (٣) إذا كان نزوله إلى معصية. فإن (٤) كان نزوله إلى أمر

стр. 279

يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق، فذاك نزول لا يُرجى لصاحبه صعودٌ إلا بتجديد إسلامه من رأسٍ (١). فصل ومن عقوباتها: أنّها تُجرّئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات. فيجترئ عليه الشياطين بالأذى (٢)، والإغواء، والوسوسة، والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما مصلحتُه في ذكره، ومضرّتُه في نسيانه؛ فتجترئ (٣) عليه الشياطين حتّى تؤزه إلى معصية الله أزًا. ويجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره. ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده (٤) وجيرانه، حتّى الحيوان البهيم! قال بعض السلف: إنّي لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابّتي (٥). وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله (٦). وكذلك تجترئ عليه نفسُه، فتتأسد عليه، وتستصعب عليه (٧)، فلو أرادها لخير لم تطاوعه، ولم تنقَدْ له. وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.

стр. 280

وذلك لأنّ (١) الطاعة حصنُ الربّ ﵎ الذي من دخله كان من الآمنين، فإذا فارق الحصين اجترأ عليه قُطّاعُ الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراءُ هذه الآفات والنفوس عليه. وليس له (٢) شيء يردّ عنه، فإنّ ذكر الله، وطاعتَه، والصدقةَ، وإرشادَ الجاهل، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر= وقايةٌ تردّ عن العبد، بمنزلة القوة التي تردّ المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب واردُ المرض، فكان (٣) الهلاك. فلابدّ للعبد من شيء يردّ عنه، فإنّ موجب السيئات والحسنات يتدافع (٤)، ويكون الحكم للغالب كما تقدّم. وكلّما قوي جانبُ الحسنات كان الردّ أقوى، فإنّ الله يدافع (٥) عن الذين آمنوا، والإيمان قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفعُ. والله المستعان. فصل ومن عقوباتها: أنّها تخون العبدَ أحوجَ ما يكون إلى نفسه. فإن كلّ أحد محتاج (٦) إلى معرفة (٧) ما ينفعه وما يضرّه في معاشه ومعاده، وأعلمُ الناس أعرَفهم (٨) بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكْيَسُهم من قوي على

стр. 281

نفسه وإرادته (١)، فاستعملها (٢) فيما ينفعه، وكفّها عما يضرّه. وفي ذلك تفاوتت (٣) معارفُ الناس وهممُهم ومنازلُهم. فأعرفُهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشَدُهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفَههم من عكسَ الأمَر. والمعاصي تخون العبد أحوجَ ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظّ الأشرف العالي الدائم على الحظّ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوبُ عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين. فإذا (٤) وقع في مكروه، واحتاج إلى التخلّص منه، خانه قلبُه ونفسُه وجوارحُه، وكان بمنزلة رجل معه سيفٌ قد غشِيَه الجرَبُ (٥)، ولزم قِرابَه (٦) بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدوّ يريد قتلَه، فوضع يده على قائم سيفه، واجتهد ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدوّ، وظفر به.

стр. 282

كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويجرَب، ويصير مُثخَنًا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو به (١) لم يجد معه (٢) شيئًا. والعبد إنّما يحارب ويصاول (٣) ويُقدِم بقلبه، والجوارح تَبَعٌ للقلب، فإذا لم يكن عند ملِكها قوة يدفع بها، فما الظنّ بها! وكذلك النفس، فإنّها تتخنّث بالشهوات والمعاصي، وتضعف، أعني النفس المطمئنة، وإن كانت الأمّارة تقوى وتتأسّد. وكلّما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى الحكم والتصرّف للأمّارة. وربما ماتت نفسه المطمئنّة موتًا لا يرجى معه حياة، فهذا ميّت في الدنيا، ميّت في البرزخ، غير حيّ في الآخرة حياةً ينتفع بها، بل حياتُه حياةٌ يدرك بها الألم فقط. والمقصود أنّ العبد إذا وقع في شدّة أو كربة أو بلية خانه قلبُه ولسانُه وجوارحُه عمّا هو أنفع شيء له (٤)، فلا ينجذب قلبه للتوكّل على الله، والإنابة إليه، والجمعيّة عليه، والتضرّع والتذلّل والانكسار بين يديه. ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فينحبسَ القلب على اللسان بحيث يؤثّر (٥) الذكر، ولا ينحبسُ القلب واللسان (٦) على المذكور، بل إن ذكَرَ أو دعا ذكَرَ بقلب لاهٍ ساهٍ غافل. ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقَدْ له، ولم تطاوعه.

стр. 283

وهذا كلّه أثر الذنوب والمعاصي، كمن له جند (١) يدفعون عنه الأعداء، فأهمل جنده، وضيّعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعَهم في الدفع عنه بغير قوة! هذا، وثَمَّ أمرٌ أخوَفُ من ذلك وأدهى منه وأمرّ، وهو أن (٢) يخونه قلبُه ولسانُه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد (٣) الناسُ كثيرًا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتّى قيل لبعضهم: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! آه! لا أستطيع أن أقولها! وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال: شاه، رخُّ (٤)، غلبتك. ثم قضى. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رُبَّ قائلةٍ يومًا وقد تعبَتْ … كيفَ الطريقُ إلى حمّام مِنجابِ (٥) ثم قضى (٦).

стр. 284

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاننا (١) تنتنا، حتى قَضى (٢). وقيل لآخر ذلك فقال: وما ينفعني ما تقول، ولم أدَعْ معصية إلا ركبتُها، ثم قضى، ولم يقلها. وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عنّي، وما أعرف (٣) أنّي صلّيتُ لله صلاةً، ولم يقلها (٤). وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما يقول، وقضى (٥). وقيل لآخر ذلك، فقال: كلّما أردتُ أن أقولها فلساني (٦) يُمسِك عنها. وأخبرني من حضر بعض الشحّاذين (٧) عند موته، فجعل يقول: لله فلس (٨)، لله فلس، حتّى قضى.

стр. 285

وأخبرني بعض التجّار عن قرابة له أنه احتضر، وهو عنده، فجعلوا يلقّنونه: لا إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذه مشترى جيّد، هذه كذا، حتى قضى. وسبحان الله (١)! كم شاهد الناس من هذا عبرًا! والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضَرين أعظم وأعظم. وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكّن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله (٢)، وقد أغفل قلبه عن الله (٣)، وعطّل لسانَه عن ذكره، وجوارحَه عن طاعته، فكيف الظنّ به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع (٤)، وجَمْع الشيطانِ له كلَّ قوته وهمّته، وحَشْدِه (٥) عليه بجميع ما يقدر عليه، لينال منه فرصته، فإنّ ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانُه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال (٦)؟ فمَن تُرى يَسلَمُ على ذلك؟ فهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].
следующие страницы →