← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98093

الداء والدواء = الجواب الكافي - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (640 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نفسه وإرادته (١)، فاستعملها (٢) فيما ينفعه، وكفّها عما يضرّه. وفي ذلك تفاوتت (٣) معارفُ الناس وهممُهم ومنازلُهم. فأعرفُهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشَدُهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفَههم من عكسَ الأمَر. والمعاصي تخون العبد أحوجَ ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظّ الأشرف العالي الدائم على الحظّ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوبُ عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين. فإذا (٤) وقع في مكروه، واحتاج إلى التخلّص منه، خانه قلبُه ونفسُه وجوارحُه، وكان بمنزلة رجل معه سيفٌ قد غشِيَه الجرَبُ (٥)، ولزم قِرابَه (٦) بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدوّ يريد قتلَه، فوضع يده على قائم سيفه، واجتهد ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدوّ، وظفر به.

стр. 282

كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويجرَب، ويصير مُثخَنًا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو به (١) لم يجد معه (٢) شيئًا. والعبد إنّما يحارب ويصاول (٣) ويُقدِم بقلبه، والجوارح تَبَعٌ للقلب، فإذا لم يكن عند ملِكها قوة يدفع بها، فما الظنّ بها! وكذلك النفس، فإنّها تتخنّث بالشهوات والمعاصي، وتضعف، أعني النفس المطمئنة، وإن كانت الأمّارة تقوى وتتأسّد. وكلّما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى الحكم والتصرّف للأمّارة. وربما ماتت نفسه المطمئنّة موتًا لا يرجى معه حياة، فهذا ميّت في الدنيا، ميّت في البرزخ، غير حيّ في الآخرة حياةً ينتفع بها، بل حياتُه حياةٌ يدرك بها الألم فقط. والمقصود أنّ العبد إذا وقع في شدّة أو كربة أو بلية خانه قلبُه ولسانُه وجوارحُه عمّا هو أنفع شيء له (٤)، فلا ينجذب قلبه للتوكّل على الله، والإنابة إليه، والجمعيّة عليه، والتضرّع والتذلّل والانكسار بين يديه. ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فينحبسَ القلب على اللسان بحيث يؤثّر (٥) الذكر، ولا ينحبسُ القلب واللسان (٦) على المذكور، بل إن ذكَرَ أو دعا ذكَرَ بقلب لاهٍ ساهٍ غافل. ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقَدْ له، ولم تطاوعه.

стр. 283

وهذا كلّه أثر الذنوب والمعاصي، كمن له جند (١) يدفعون عنه الأعداء، فأهمل جنده، وضيّعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعَهم في الدفع عنه بغير قوة! هذا، وثَمَّ أمرٌ أخوَفُ من ذلك وأدهى منه وأمرّ، وهو أن (٢) يخونه قلبُه ولسانُه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد (٣) الناسُ كثيرًا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتّى قيل لبعضهم: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! آه! لا أستطيع أن أقولها! وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال: شاه، رخُّ (٤)، غلبتك. ثم قضى. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رُبَّ قائلةٍ يومًا وقد تعبَتْ … كيفَ الطريقُ إلى حمّام مِنجابِ (٥) ثم قضى (٦).

стр. 284

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاننا (١) تنتنا، حتى قَضى (٢). وقيل لآخر ذلك فقال: وما ينفعني ما تقول، ولم أدَعْ معصية إلا ركبتُها، ثم قضى، ولم يقلها. وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عنّي، وما أعرف (٣) أنّي صلّيتُ لله صلاةً، ولم يقلها (٤). وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما يقول، وقضى (٥). وقيل لآخر ذلك، فقال: كلّما أردتُ أن أقولها فلساني (٦) يُمسِك عنها. وأخبرني من حضر بعض الشحّاذين (٧) عند موته، فجعل يقول: لله فلس (٨)، لله فلس، حتّى قضى.

стр. 285

وأخبرني بعض التجّار عن قرابة له أنه احتضر، وهو عنده، فجعلوا يلقّنونه: لا إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذه مشترى جيّد، هذه كذا، حتى قضى. وسبحان الله (١)! كم شاهد الناس من هذا عبرًا! والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضَرين أعظم وأعظم. وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكّن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله (٢)، وقد أغفل قلبه عن الله (٣)، وعطّل لسانَه عن ذكره، وجوارحَه عن طاعته، فكيف الظنّ به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع (٤)، وجَمْع الشيطانِ له كلَّ قوته وهمّته، وحَشْدِه (٥) عليه بجميع ما يقدر عليه، لينال منه فرصته، فإنّ ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانُه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال (٦)؟ فمَن تُرى يَسلَمُ على ذلك؟ فهناك ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٧].

стр. 286

فكيف يوفَّق لحسن الخاتمة من أغفل اللهُ سبحانه قلبَه عن ذكره، واتّبَعَ هواه، وكان أمره فُرُطًا؟ فبعيدٌ من قلبٍ بعيدٍ من الله تعالى، غافلٍ عنه، متعبّدٍ (١) لهواه، أسيرٍ لشهواته (٢)؛ ولسانٍ (٣) يابسٍ من ذكره، وجوارحَ (٤) معطّلةٍ من طاعته مشتغلةٍ بمعصيته = أن توفَّقَ (٥) للخاتمة بالحسنى. ولقد قطع خوفُ الخاتمة ظهورَ المتقين، وكأنّ المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعًا بالأمان! (٦) ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾ [القلم: ٣٩]. يا آمنًا معْ قبيحِ الفعل منه أهَلْ … أتاك توقيعُ أمنٍ أنت تَملكُه (٧) جمعتَ شيئَينِ أمنًا واتّباعَ هوىً … هذا وإحداهما في المرء تُهلِكُه (٨) والمحسنون على دَرْبِ المخاوفِ قد … ساروا وذلك دربٌ لستَ تَسلكُه فرّطتَ في الزرع وقتَ البَذْر مِن سَفَهٍ … فكيف عند حصاد الناس تُدركُه هذا وأعجبُ شيء منك زهدُك في … دار البقاء بعيشٍ سوف تَتركُه (٩)

стр. 287

مَنِ السفيهُ إذًا بالله أنت أم الْـ … مَغبونُ في البيع غَبْنًا سوف يُدركه (١) فصل ومن عقوباتها: أنّها تعمي القلب، فإن لم تُعْمِه أضعفَتْ بصيرتَه، ولابدَّ. وقد تقدم بيانُ أنها تضعفه، ولابدّ. فإذا عمي القلب وضعف فاته من معرفة الهدى، وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره، بحسب ضعف بصيرته وقوته. فإنّ الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق من الباطل، وإيثاره عليه. وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين. وهما اللذان (٢) أثنى الله سبحانه على أنبيائه بهما (٣) في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. فالأيدي: القوى في تنفيذ الحقّ، والأبصار: البصائر في الدين. فوصفهم بكمال إدراك الحق، وكمال تنفيذه (٤). وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام: فهؤلاء أشرف أقسام الخلق وأكرمهم على الله. القسم الثاني: عكس هؤلاء، لا بصيرة في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق. وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتُهم قذى العيون، وحمّى

стр. 288

الأرواح، وسقم القلوب، يضيّقون الديار، ويُغلون الأسعار، ولا يستفاد بصحبتهم إلا العار والشنار! القسم الثالث: من له بصيرة بالحقّ ومعرفة به، لكنّه ضعيفٌ لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه. وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمنُ القويُّ خير وأحبّ إلى الله منه (١). القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميّز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كلَّ سوداء تمرةً، وكلَّ بيضاء شحمةً، يحسب الورَمَ شحمًا، والدواءَ النافعَ سُمَّا. وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضعًا (٢) لها سوى القسم الأول. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤] (٣). فأخبر سبحانه أنّ بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين. وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر -الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين- على أنّ من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فلم يكتف منهم بمعرفة الحقّ والصبر عليه، حتّى يوصي بعضهم

стр. 289

بعضًا به، ويرشده إليه، ويحضّه عليه. وإذا كان من عدا هؤلاء خاسرًا، فمعلوم أنّ المعاصي والذنوب تُعمي بصيرةَ القلب فلا يدرك الحقّ كما ينبغي، وتُضعِفُ قوتَه وعزيمتَه فلا يصبر عليه. بل قد تتوارد (١) على القلب حتى ينعكس إدراكه، كما ينعكس سيرُه، فيدرك الباطلَ حقًّا، والحقَّ باطلًا، والمعروفَ منكرًا، والمنكرَ معروفًا. فينتكس في سيره، ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى (٢) مستقرّ النفوس المُبْطِلَة التي رضيَتْ بالحياة الدنيا، واطمأنَّتْ بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه. ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه العقوبة وحدها لكانت كافيةً داعيةً إلى تركها والبعد منها، والله المستعان. وهذا كما أنّ الطاعة تُنوِّر القلب، وتجلوه (٣) وتصقُله، وتقوّيه وتثبته، حتّى يصير كالمرآة المجلوّة في جلائها (٤) وصفائها ويمتلئ (٥) نورًا؛ فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مُسْتَرِقي السَّمْع (٦) من الشهب الثواقب. فالشيطان يفرَق من هذا القلب أشدَّ من فرَقِ الذئب من الأسد، حتى إنّ صاحبه لَيصرَعُ الشيطان، فيخِرّ صريعًا، فيجتمع عليه الشياطين، فيقول بعضهم لبعض: ما شأنه؟ فيقال: أصابه إنسيّ، وبه

стр. 290

نظرة من الإنس! فيا نظرة من قلبِ حُرٍّ منوَّرٍ … يكاد لها الشيطانُ بالنور يحرَقُ أفيستوي هذا القلبُ، وقلبٌ مظلمة (١) أرجاؤه، مختلفةٌ أهواؤه، قد اتخذه الشيطانُ وطنَه، وأعدَّه مسكنَه. إذا تصبّح بطلعته حيّاه، وقال: فديتُ مَن لا يفلح في دنياه ولا في أخراه (٢)! قرينُك في الدنيا وفي الحشر بعدها … فأنت قرينٌ لي بكلّ مكانِ فإنْ كنتَ في دار الشقاء فإنّني … وأنت جميعًا في شقًا وهوان قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩]. فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره -وهو كتابه الذي أنزله (٣) على رسوله- فأعرض عنه، وعميَ عنه، وعشَتْ بصيرتُه عن فهمه وتدبّره ومعرفةِ مراد الله منه = قيّض الله له شيطانًا عقوبةً له بإعراضه عن كتابه. فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير.

стр. 291

رضيعَي لِبانٍ ثديَ أم تقاسما … بأسحمَ داجٍ عوضُ لا نتفرَّقُ (١) ثم أخبر سبحانه أن الشيطان يصدّ قرينه ووليّه عن سبيله الموصل إليه وإلى جنّته، ويحسب هذا الضالُّ المصدودُ أنّه على طريق هدىً، حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعدَ المشرقين، فبئس القرين كنتَ لي في الدنيا! أضللتَني عن الهدى بعد إذ جاءني، وصددتَني عن الحقّ، وأغويتَني حتّى هلكتُ، وبئس القرين أنت لي (٢) اليوم! ولمّا كان المصابُ إذا شاركه غيرُه في مصيبته حصل بالتأسّي نوعُ تخفيفٍ وتسليةٍ = أخبر سبحانه أنّ هذا غير موجود وغير حاصل في حقّ المشتركين في العذاب، وأنّ القرين لا يجد راحةً ولا أدنى فرح (٣) بعذاب قرينه معه، وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمَّتْ صارت مَسْلاةً كما قالت الخنساء في أخيها صخر: فلولا كثرةُ الباكين حولي … على إخوانهم لقتلتُ نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن … أعزّي النفسَ عنه بالتأسّي (٤) فمنع الله سبحانه هذا القدرَ من الراحة عن أهل النار فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩].

стр. 292

فصل ومن عقوباتها: أنّها مددٌ من الإنسان يُمِدّ به عدوَّه عليه، وجيشٌ يقوّيه به (١) على حربه. وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسانَ بعدوّ لا يفارقه طرفةَ عين. ينام، ولا ينام عنه (٢). ويغفل، ولا يغفل عنه. يراه هو وقبيلُه من حيث لا يراه. يبذل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمرًا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله، ويستعين عليه ببني أبيه (٣) من شياطين الجنّ وغيرهم من شياطين الإنس. قد نصب (٤) له الحبائل، وبغاه الغوائل، ومدّ حوله الأشراك، ونصب له الفِخاخ والشِّباك، وقال لأعوانه: دونكم عدوَّكم وعدوَّ أبيكم، لا يفوتنّكم، ولا يكنْ حظُّه الجنةَ وحظُّكم النارَ، ونصيبُه الرحمة ونصيبُكم اللعنة! وقد علمتم أنّ ما جرى (٥) عليّ وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله فبسببه ومن أجله. فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا (٦) في هذه البلية، إذ قد فاتنا شركةُ صالحيهم في الجنّة. وقد أعلَمَنا سبحانه بذلك كلّه من عدوّنا، وأمَرَنا أن نأخذ له أهبته، ونعدّ له عدّته. ولمّا علم سبحانه أنّ آدم وبنيه قد بُلُوا بهذا العدوّ، وأنّه قد سُلِّط

стр. 293

عليهم، أمدَّهم بعساكر وجند (١) يلقَونه بها، وأمدّ عدوَّهم أيضًا بجند وعساكر (٢) يلقاهم بها، وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالإضافة إلى الآخرة كنفَس واحدٍ من أنفاسها، واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة، يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون ويُقْتلون، وأخبر أنّ ذلك وعد مؤكّد عليه في أشرف كتبه، وهي التوراة والإنجيل والقرآن. ثم أخبر أنّه (٣) لا أوفى بعهده منه سبحانه، ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من أراد أن يعرف قدرَها فلينظر إلى المشتري مَنْ هو؟ وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة، وإلى مَن جرى على يديه هذا العقد. فأيّ فوز أعظم من هذا؟ وأيّ تجارة أربح منه؟ (٤) ثم أكّد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. ولم يسلّط سبحانه هذا العدوّ على عبده المؤمن الذي هو أحبُّ أنواع

стр. 294

المخلوقات إليه إلا لأنّ الجهاد (١) أحبُّ شيء إليه، وأهله أرفع الخلق عنده درجاتٍ، وأقربهم إليه وسيلةً. فعقد سبحانه لواء هذا الحرب (٢) لخلاصة مخلوقاته، وهو القلب الذي هو محلُّ معرفتِه، ومحبّتِه، وعبوديتِه، والإخلاصِ له، والتوكلِ عليه، والإنابةِ إليه. فولّاه أمرَ هذا الحرب، وأيّده بجند من الملائكة لا يفارقونه، معقِّبات (٣) من بين يديه ومن خلفه، يُعقِبُ بعضُهم بعضًا، كلّما ذهب بَدَلٌ جاء بَدَلٌ آخر، يثبّتونه، ويأمرونه بالخير، ويحضّونه عليه، ويعِدُونه بكرامة الله، ويصبّرونه، ويقولون: إنما هو صبر ساعة، وقد استرحتَ راحة الأبد. ثم أمدّه سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل إليه كتابه، فازداد قوةً إلى قوته، ومددًا إلى مدده (٤)، وعدّةً إلى عدّته. وأمدّه (٥) مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبّرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحةً له، وبالإيمان مثبّتًا له ومؤيدًا وناصرًا (٦)، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر. حتّى كأنه يعاين (٧) ما وعد الله به (٨) أولياءَه وحزبَه

стр. 295

على جهاد أعدائه. فالعقل يدبّر أمرَ جيشه، والمعرفة تضع (١) له أمورَ الحرب وأسبابها في مواضعها (٢) اللائقة بها، والإيمان يثبّته ويقوّيه ويصبّره، واليقين يُقْدِم به ويحمل به الحملات الصادقة. ثم أمدّ سبحانه القائمَ بهذا الحرب (٣) بالقوى الظاهرة والباطنة، فجعل العينَ طليعتَه، والأذنَ صاحبَ خبره، واللسانَ ترجمانَه، واليدين والرجلين أعوانَه، وأقام ملائكتَه وحمَلَةَ عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقِيَه السّيئاتِ ويدخله الجنّات. وتولّى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه، وقال: هؤلاء حزبي، وحزب الله هم المفلحون (٤). وهؤلاء جندي ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧٣] وعلّم عبادَه كيفية هذا الحرب والجهاد، فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. ولا يتم أمر هذا الجهاد (٥) إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتمّ له (٦) الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مواقفته (٧) ومنازلته، فإذا صابر عدوَّه

стр. 296

احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة، وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلّا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل. فهذه الثغور منها يدخل (١) العدو، فيجوس خلالَ الديار، ويُفسِد ما قدر (٢) عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور. ولا يُخْلي مكانها، فيصادفَ العدوُّ الثغرَ خاليًا، فيدخل منه. فهؤلاء أصحابُ رسول الله- ﷺ خيرُ الخلق بعد النبيين والمرسلين، وأعظمهم حمايةً وحراسةً من الشيطان، وقد أخلَوا المكان الذي أمِروا بلزومه يوم أُحد، فدخل منه العدوّ، فكان ما كان. وجماع هذه الثلاثة (٣) وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله، فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى، ولا تقوم التقوى إلا على ساق الصبر. فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطفاف العسكرين، وكيف تُدال مرةً، ويُدال (٤) عليك أخرى؟ أقبل ملِكُ الكفر بجنوده وعساكره، فوجد القلبَ في حصنه جالسًا على كرسي مملكته (٥)، أمرُه نافذٌ في أعوانه، وجندُه قد حفّوا به،

стр. 297

يقاتلون عنه، ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه. فسأل عن أخصّ الجند به وأقربهم منه منزلةً، فقيل له: هي النفس، فقال لأعوانه: ادخلوا عليها من مرادها وانظروا مواقع محبتها وما هو محبوبها، فَعِدُوها به، ومَنُّوها إيّاه، وانقشوا صورةَ المحبوب فيها في يقظتها ومنامها، فإذا اطمأنّتْ إليه وسكنتْ عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها، ثم جُرُّوها بها إليكم. فإذا خامرتْ على القلب، وصارت معكم عليه، ملكتم ثغرَ العين والأذن واللسان والفم واليد والرجل، فرابطوا على هذه الثغور كلّ المرابطة. فمتى (١) دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخَن بالجراحات. ولا تُخلوا هذه الثغور، ولا تمكّنوا سريّة تدخل منها إلى القلب، فتُخرجَكم منها. وإن غُلِبتم فاجتهدوا في إضعاف السريّة ووَهَنِها حتى لا تصل إلى القلب، وإنْ وصلتْ إليه ضعيفةً لا تغني عنه شيئًا. فإذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا ثغرَ العين أن يكون نظرُه اعتبارًا، بل اجعلوا نظره تفرُّجًا واستحسانًا وتلهِّيًا. فإنْ استَرقَ نظرةَ عبرةٍ فأفسِدوها عليه بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة (٢)، فإنّه أقرب إليه، وأعلَق بنفسه، وأخفّ عليه. ودونكم ثغَر العين، فإنّ (٣) منه تنالون بغيَتكم، فإنّي ما أفسدتُ بني آدم بشيء مثل النظر، فإنّي أبذر به في القلب بَذْرَ الشهوة، ثم أسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعِدُه وأمنّيه حتى

стр. 298

أقوّي عزيمته، وأقوده بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة. فلا تهملوا أمر هذا الثغر، وأفسِدوه بحسب استطاعتكم، وهوّنوا عليه أمرَه، وقولوا له: ما مقدار نظرةٍ تدعوك إلى تسبيح الخالق، والتأمّل لبديع صنعته وحسن هذه الصورة التي إنّما خُلِقَتْ ليستدلّ بها الناظرُ عليه؟ وما خلق الله لك العينين سدىً، وما خلق (١) هذه الصورةَ لِيحجُبها عن النظر! وإن ظفرتم به قليلَ العلم فاسدَ العقل، فقالوا: هذه الصورة مظهر (٢) من مظاهر الحقّ ومجلىً من مجاليه، فادعوه إلى القول بالاتّحاد، فإنْ لم يقبل فالقول بالحلول العام أو الخاص (٣). ولا تقنعوا منه بدون ذلك، فإنّه يصير به من إخوان النصارى، فمُروه حينئذ بالعفّة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا، واصطادوا عليه الجهال. فهذا من أقرب خلفائي (٤) وأكبر جندي، بل أنا من جنده وأعوانه! فصل (٥) ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه (٦) ما يُفسِد عليكم الأمرَ، فاجتهدوا

стр. 299

أن لا تُدخِلوا (١) منه إلا الباطلَ (٢)، فإنّه خفيف على النفس تستحليه وتستملحه، وتخيّروا (٣) له أعذب الألفاظ وأسحرَها للألباب، وامزجوه بما تهوى النفوس مزجًا. وألقُوا الكلمة، فإنْ رأيتم منه إصغاءً إليها فزُجّوه بأخواتها. وكلّما صادفتم منه استحسان شيء فالْهَجُوا له (٤) بذكره. وإيّاكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله (٥) ﷺ أو كلام النصحاء! فإن غُلِبتم على ذلك، ودخل من ذلك شيء (٦)، فحُولوا بينه وبيّن فهمه وتدبّره، والتفكر فيه (٧)، والعظة به، إمّا بإدخال ضدّه عليه، وإمّا بتهويل ذلك وتعظيمه، وأنّ هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه، فلا سبيل لها إليه، وهو حمل ثقيل عليها لا تستقِلّ به، ونحو ذلك؛ وإمّا بإرخاصه على النفوس وأنّ الاشتغال ينبغي أن يكون أهمَّ (٨) بما هو أعلى (٩) عند الناس، وأعزّ عليهم، وأغرب عندهم، وزبونه القابلون (١٠) له أكثر. وأما الحق (١١) فهو مهجور،

стр. 300

وقابله (١) معرِّضٌ نفسَه للعداوة، والرائج بين الناس أولى بالإيثار، ونحو ذلك. فيُدخِلون الباطلَ عليه (٢) في كلّ قالب يقبله ويخِفّ عليه، ويُخرجون له الحقَّ في كل قالب يكرهه ويثقل عليه. وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الإنس، كيف يُخرِجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول، وتتبّع عثرات الناس، والتعرض من البلاء لما لا يطيق (٣)، وإلقاء الفتن بين الناس، ونحو ذلك. ويُخرِجون اتّباعَ السنّة، ووصفَ الربّ تعالى بما وصف به نفسَه، ووصفه به رسولُه، في قالب التشبيه والتجسيم والتكييف. ويسمون علوَّ الله على خلقه، واستواءَه على عرشه، ومباينتَه لمخلوقاته "تحيّزًا"، ويسمّون نزولَه إلى سماء الدنيا (٤) وقوله: "من يسألني فأعطيه" (٥) تحرُّكًا وانتقالًا، ويسمّون ما وصف به نفسَه من اليد والوجه أعضاءً وجوارح، ويسمّون ما يقوم به من أفعاله "حوادث"، وما يقوم به من صفاته (٦) "أعراضًا". ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسَه بنفي هذه الأمورًا ويُوهمون الأغمار وضعفاءَ البصائر أنّ إثبات الصفات

стр. 301

التي نطق بها كتابُ الله وسنةُ رسوله يستلزم هذه الأمورًا ويُخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم. وأكثرُ الناس ضعفاءُ العقول يقبلون الشيِء بلفظٍ، ويردّونه بعينه بلفظ آخر (١)! قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. فسمّاه "زخرفًا" وهو باطل (٢)؛ لأنّ صاحبه يزخرفه ويزيّنه ما استطاع، ويُلقيه إلى سمع المغرور، فيغترُّ به. والمقصود أنّ الشيطان قد لزم ثغرَ الأذن (٣)، يُدخِل فيها ما يضرّ العبدَ ولا ينفعه، ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه، وإن دخل بغير اختياره أفسده عليه (٤). فصل (٥) ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنّه الثغر الأعظم، وهو قُبالة الملك (٦)، فأجْرُوا عليه من الكلام ما يضرّه ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، أو التكلّم بالعلم النافع.

стр. 302

ويكون لكم في هذا الثغر أمران (١) عظيمان لا تبالُون بأيّهما ظفرتم: أحديث: التكلم بالباطل، فإنّ المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم وأعوانكم. والثاني (٢): السكوت عن الحقّ، فإنّ الساكت عن الحقّ أخ لكم أخرس، كما أنّ الأولَ أخ لكم ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع إخوانكم لكم. أما سمعتم قول الناصح: المتكلِّمُ بالباطل شيطان ناطق، والساكتُ عن الحقّ شيطان أخرس (٣). فالرباطَ الرباطَ على هذا الثغر أن يتكلّم بحق، أو يمسك عن باطل (٤). وزيّنوا له التكلّمَ بالباطل بكلّ طريق. وخوّفوه من التكلم بالحق بكل طريق. واعلموا يا بَنيَّ أنّ ثغر اللسان هو الذي أُهلِكُ منه بني آدم، وأكُبُّهم منه (٥) على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذتُه من هذا الثغر! وأوصيكم (٦) بوصيّة، فاحفظوها: لِينطِقْ أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها

стр. 303

وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها. وكونوا أعوانًا على الإنس بكل طريق، وادخلوا عليهم من كل باب، واقعدوا لهم كلّ مرصد (١). أما سمعتم قسمي الذي أقسمتُ به لربّهم حيث قلتُ: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]. أوما (٢) ترَوني قد قعدتُ لابن آدم بطرقه كلّها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدتُ له بطريق غيره (٣) حتى أصيب (٤) منه حاجتي أو بعضَها. وقد حذّرهم ذلك رسولهم (٥)، فقال لهم: "إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه (٦) كلّها، فقعد له بطريق الإِسلام، فقال: أتُسلِمُ وتذَر دينك ودين آبائك؟ فخالفه، وأسلم. فقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ فخالفه، وهاجر. فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، فتُقتَلُ، فيُقسَم المال (٧)، وتُنكح الزوجةُ! " (٨).

стр. 304

فهكذا (١) فاقعُدوا لهم بكلّ طرق الخير (٢). فإذا أراد أحدهم أن يتصدّق فاقعدوا له على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتُخرج المال، فتبقى مثل هذا السائل، وتصير بمنزلته أنت وهو سواء؟ أوَ ما سمعتم ما ألقيتُ على لسان رجل سأله آخَرُ (٣) أن يتصدّق عليه، وقال: هي أموالنا، إنْ أعطيناكموها صرنا مثلكم. واقعدوا له (٤) بطريق الحجّ، فقالوا: طريقه مخوفة مشقة، يتعرض سالكها لتلف النفس والمال. وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوبتها وآفاتها. ثم اقعدوا على طرق المعاصي، فحسِّنوها في أعيُن بني آدم (٥)، وزيِّنوها في قلوبهم، واجعلوا أكبر (٦) أعوانكم على ذلك النساء، فمن

стр. 305

أبوابهن فادخلوا عليهم، فنعم العون (١) هنّ لكم! ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها أن تبطش بما يضرّكم أو تمشي فيه. واعلموا أنّ أكبر عَونكم (٢) على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الأمّارة. فأعينوها واستعينوا بها، وأمِدّوها (٣) واستمدّوا منها. وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة، فاجتهدوا في كسْرها وإبطالِ قواها (٤)، ولا سبيل إلى ذلك إلا بقطع موادّها عنها. فإذا (٥) انقطعت موادّها، وقويت موادّ النفس الأمّارة، وأطاعت (٦) لكم أعوانُها، فاستنزِلُوا القلبَ من حصنه، واعزلوه عن مملكته، وولُوا مكانه النفس. فإنّها لا تأمر إلا بما تهوَونه وتحبّونه ولا تجيئكم (٧) بما تكرهونه البتة، مع أنّها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها، بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرَتْ إلى فعله. فإن أحسستم من القلب منازعةً إلى مملكته، وأردتم الأمنَ من ذلك (٨)، فاعقدوا بينه وبيّن النفس عقدَ النكاح، فزيّنوها، وجمّلوها،

стр. 306

وأرُوها إياه في أحسنِ صورةِ عروسٍ توجد، وقولوا له: ذُقْ طعمَ هذا الوصال والتمتعّ بهذه العروس، كما ذقتَ طعمَ الحرب، وباشرتَ مرارة الطعن والضرب. ثم وازِنْ بين لذة هذه المسالمة (١) ومرارة تلك المحاربة، فدع الحربَ تضع أوزارها، فليست بيومٍ وينقضي، وإنّما هو حرب متّصل بالموت، وقواك تضعف عن حِراب دائم (٢). واستعينوا يا بنيّ بجندين عظيمين لن تُغلَبوا معهما: أحدهما: جند الغفلة، فأغفِلوا قلوبَ بني آدم عن اللهِ والدارِ الآخرة بكلّ طريق، فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإنّ القلب إذا غفل عن الله تمكّنتم منه ومن أعوانه (٣). والثاني: جند الشهوات فزيّنوها في قلوبهم، وحسِّنوها في أعينهم. وصولوا عليهم بهذين العسكرين، فليس لكم في بني آدم أبلغُ منهما. واستعينوا على الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة، واقرنوا بين الغافلَين، ثم استعينوا بهما على الذاكر، ولا يغلب واحدٌ خمسةً، فإنّ مع الغافلَين شيطانَين، صاروا أربعةً، وشيطان الذاكر معهم. وإذا رأيتم جماعةً مجتمعين على ما يضرّكم من ذكر الله أو مذاكرة (٤) أمره ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم، فاستعينوا عليهم ببني

стр. 307

جنسهم من الإنس البطّالين، فقرّبوهم منهم، وشوّشوا عليهم بهم. وبالجملة فأعِدّوا للأمور أقرانَها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا عونًا له (١) على تحصيلها. وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم، ويصابروكم، ويرابطوا عليكم الثغورَ؛ فاصبروا أنتم، وصابروا، ورابطوا عليهم الثغورَ، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا تصطادون (٢) بني آدم في أعظم من هذين الموطنين! واعلموا أنّ منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب، وسلطان غضبه ضعيف مقهور، فخذوا عليه طريق الشهوة، ودَعُوا طريق الغضب. ومنهم من يكون سلطان (٣) الغضب عليه أغلب، فلا تُخْلوا طريقَ الشهوة عليه، ولا تعطّلوا ثغرَها (٤)، فإنّ من لم يملك نفسه عند الغضب فإنه بالحرى أن لا يملكها (٥) عند الشهوة. فزوِّجوا بين غضبه وشهوته، وامزجوا أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب، وإلى الغضب من طريق الشهوة. واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين. وإنما أخرجتُ أبوَيهم من الجنّة بالشهوة، وإنما ألقيتُ العداوة بين

стр. 308

أولادهم بالغضب. فيه قطعتُ أرحامَهم، وسفكتُ دماءَهم، وبه قتل أحدُ ابنَي آدم أخاه. واعلموا أنّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن آدم، والشهوةَ نارٌ تثور من قلبه، وإنما تُطفأ النارُ بالماء والصلاة والذكر والتكبير (١)، فإياكم أن تمكِّنوا ابنَ آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة، فإنّ ذلك يطفئ عنهم نارَ الغضب والشهوة. وقد أمرهم نبيُّهم بذلك، فقال: "إنّ الغضبَ جمرةٌ في قلب ابن آدم. أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحسَّ بذلك فليتوضأ" (٢). وقال لهم: "إنّما تُطفَأ النارُ بالماء" (٣).

стр. 309

وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة، فحُولُوا بينهم وبيّن ذلك، وأنْسُوهم إياه، واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب. وأبلغ أسلحتِكم فيهم وأنكاها: الغفلةُ، واتّباع الهوى. وأعظمُ أسلحتِهم فيكم وأمنعُ حصونهم: ذكرُ الله، ومخالفة الهوى. فإذا رأيتم الرجل مخالفًا لهواه، فاهربوا من ظله (١)، ولا تدنُوا منه. والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاحٌ ومددٌ يُمِدُّ بها العبدُ أعداءه، ويعينهم بها على نفسه، فيقاتلونه بسلاحه، ويكون معهم على نفسه. وهذا غاية الجهل، و ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍ … ما يبلغ الجاهلُ من نفسه (٢) ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده (٣) في هوان نفسه، وهو يزعم

стр. 310

أنّه لها مكرم. ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها وأشرفها، وهو يزعم أنه يسعى في حظّها. ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدسِيَتها، وهو يزعم أنّه (١) يُعلِيها ويرفعها ويكبّرها! وكان بعض السلف يقول في خطبته: ألا رُبّ مهينٍ لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم، ومُذِلٍّ لنفسه وهو يزعم أنه لها مُعِزّ، ومصغّرٍ لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبّر، ومضيّعٍ لنفسه وهو يزعم أنه (٢) مراع لحقّها. وكفى بالمرء جهلًا أن يكون مع عدوه على نفسه، يبلغ منها بفعلًه (٣) ما لا يبلغه عدوُّه (٤). والله المستعان. فصل ومن عقوباتها: أنها تنسي العبد نفسَه، فإذا نسي نفسَه أهملها وأفسدها وأهلكها. فإن قيل: كيف ينسى العبد نفسَه (٥)؟ وإذا نسيَ نفسه، فأيَّ شيء يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسَه؟ قيل: نعم، ينسى نفسَه أعظمَ نسيان. قال تعالى (٦): ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٩].

стр. 311

فلما نسوا ربَّهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فعاقب سبحانه من نسِيَه عقوبتين: إحداهما: أنه سبحانه نسيه. والثانية: أنّه أنساه نفسَه. ونسيانُه سبحانه للعبد: إهمالُه، وتركُه، وتخلّيه عنه (١)، وإضاعتُه؛ فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم! وأما إنساؤه نفسَه فهو: إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وما تكمل به، يُنسيه ذلك (٢) جميعَه، فلا يُخطِره بباله، ولا يجعله على ذكره، ولا يصرف إليه همّتَه فيرغبَ فيه، فإنه لا يمرّ بباله حتى يقصدَه ويُؤثِره. وأيضًا فيُنسيه عيوبَ نفسه ونقصَها وآفاتِها، فلا يخطر بباله إزالتها وإصلاحها (٣). وأيضًا يُنسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامَها، فلا يخطر بقلبه مداواتُها، ولا السعيُ في إزالة عللها وأمراضهَا التي تؤول به إلى الفساد والهلاك. فهو مريض مثخَن بالمرض، ومرضه مُترامٍ به إلى التلف، ولا يشعر بمرضه، ولا يخطر بباله مداواته. وهذا من أعظم العقوبة العامة (٤) والخاصة. فأيُّ عقوبةٍ أعظمُ من عقوبة مَن أهمل نفسَه، وضيّعها، ونسي

стр. 312

مصالحها، وداءَها ودواءَها، وأسبابَ سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم؟ ومن تأمّل هذا الموضع تبيّن له أنّ أكثر هذا الخلق قد نسُوا أنفسَهم حقيقةً، وضيّعوها، وأضاعوا حظّها من الله، وباعوها رخيصةً بثمن بخس بيعَ الغبن. وإنما يظهر لهم هذا (١) عند الموت، ويظهر كلّ الظهور يومَ التغابن، يومَ يظهر للعبد أنه غُبنَ في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار، والتجارة التي اتجر فيها (٢) لمعاده، فإنّ كل أحد يتجر (٣) في هذه الدنيا لآخرته (٤). فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب اشتروا الحياة الدنيا وحظَّهم فيها ولذّاتِهم بالآخرة وحظِّهم فيها، فأذهبوا طيّباتِهم في حياتهم الدنيا، واستمتعوا بها، ورضوا بها، واطمأنّوا إليها. وكان سعيُهم لتحصيلها، فباعوا، واشتروا، واتجروا. وباعوا آجلًا بعاجل، ونسيئةً بنقد، وغائبًا بناجزٍ؛ وقالوا: هذا هو الحزم. ويقول أحدهم: خذْ ما تراه ودع شيئًا سمعتَ به (٥) وكيف أبيع حاضرًا نقدًا مُشاهَدًا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار

стр. 313

أخرى غير هذه (١)؟ وينضمّ إلى ذلك ضعفُ الإيمان، وقوةُ داعي الشهوة، ومحبّةُ العاجلة، والتشبه ببني الجنس. فأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في أهلها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦]. وقال فيهم: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]. فإذا كان يومُ التغابن ظهر لهم الغبنُ في هذه التجارة، فتتقطع (٢) عليها النفوس حسرات. وأمّا الرابحون، فإنّهم باعوا فانيًا بباقٍ، وخسيسًا بنفيسٍ، وحقيرًا بعظيم، وقالوا: ما مقدار هذه الدنيا مِن أولها إلى آخرها حتّى نبيع حظنا (٣) من الله والدار الآخرة بها؟ فكيف بما ينال العبدُ منها (٤) في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغَفْوةِ حُلْمٍ، لا نسبة له إلى دار البقاء البتة؟ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦].

стр. 314

وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقال تعالى: (﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه: ١٠٢ - ١٠٤]. فهذا حقيقة هذه الدنيا عند موافاة القيامة (١). فلما علموا قلّةَ لبثهم فيها، وأنّ لهم دارًا غيرَ هذه الدار، هي دار الحيَوان ودار البقاء = رأوا من أعظم الغبن بيعَ دار البقاء بدار الفناء، فاتّجروا تجارة الأكياس، ولم يغترّوا بتجارة السفهاء من الناس، فظهر لهم يومَ التغابن ربحُ تجارتهم ومقدارُ ما اشتروه. وكلُّ أحد (٢) في هذه الدنيا (٣) بائعٌ مشترٍ متّجرٌ، وكل الناس يغدو، فبائعٌ نفسَه فموبِقُها، أو مبتاعُها فمُعتِقُها (٤). ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ

стр. 315

وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]. فهذا أول نقده من ثمن هذه التجارة، فتاجرُوا أيها المفلسون (١)! ويا من لا يقدر على هذا الثمن، ها هنا ثمن آخَر، فإن كنت من أهل هذه التجارة فأعطِ هذا الثمن: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١]. والمقصود أنّ الذنوب تُنسي العبدَ حظَّه من هذه (٢) التجارة الرابحة، وتشغله بالتجارة الخاسرة، وكفى بذلك عقوبةً. والله المستعان. فصل ومن عقوباتها: أنها تُزيل النِّعَمَ الحاضرةَ، وتقطع (٣) النعم الواصلة، فتُزيل الحاصلَ، وتمنع الواصلَ (٤). فإنّ نعم الله ما حُفِظ موجودُها بمثل طاعته، ولا استُجْلِبَ مفقودُها بمثل طاعته، فإنّ ما عنده لا يُنال إلا

стр. 316

بطاعته. وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببًا وآفةً: سببًا يجلبه، وآفة تبطله. فجعل أسبابَ نعمِه الجالبةَ لها طاعتَه، وآفاتِها المانعةَ منها (١) معصيتَه. فإذا أراد حفظَ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذَلَه حتى عصاه بها. ومن العجب علمُ العبدِ بذلك مشاهدةً في نفسه وغيره، وسماعًا لما غاب عنه مِن أخبار مَن أزيلت نِعمُ الله عنهم بمعاصيه، وهو مقيم على معصية الله، كأنّه مستثنىً من هذه الجملة، أو مخصوص من هذا العموم، وكأنّ هذا أمر جارٍ على الناس لا عليه (٢)، وواصلٌ إلى الخلق لا إليه! فأيّ جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟ فالحكم لله العلي الكبير. فصل ومن عقوباتها: أنها تباعد عن العبد وليَّه، وأنفعَ الخلقِ له، وأنصحَهم له، ومَن سعادتُه في قربه منه، وهو الملَك الموكَّلُ به. وتُدني منه عدوَّه، وأغشَّ الخلق له وأعظمَهم ضررًا له، وهو الشيطان. فإنّ العبد إذا عصى الله تباعد منه الملَك بقدر تلك المعصية، حتّى إنّه يتباعد عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.

стр. 317

وفي بعض الآثار: "إذا كذب العبدُ تباعد منه الملَك ميلًا مِن نتَنِ ريحه" (١). فإذا كان هذا تباعُدَ المَلكِ منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدارُ بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟ وقال بعض السلف: إذا ركب الذكَرُ الذكَرَ عجّت الأرضُ إلى الله، وهربت الملائكةُ إلى ربّها، وشكتْ إليه عظيمَ ما رأتْ (٢). وقال بعض السلف: إذا أصبح العبدُ ابتدره الملَك والشيطانُ، فإن (٣) ذكر الله وكبّره وحمِده وهلّله طرد الملكُ الشيطانَ وتولّاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه (٤)، وتولّاه الشيطان (٥). ولا يزال الملَك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة

стр. 318

له. فتتولّاه الملائكة في حياته، وعند موته، وعند بعثه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]. وإذا تولّاه الملَكُ تولّاه أنصحُ الخلق (١) وأنفعُهم وأبرّهم، فثبّته، وعلّمه، وقوّى جَنانَه، وأيّده. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. ويقول له الملك عند الموت: لا تخف، ولا تحزن، وأبشِر بالذي يسرّك (٢). ويُثبِّتهُ بالقول الثابت أحوجَ ما يكون إليه في الحياة الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند المساءلة. فليس أحد أنفعَ للعبد من صحبة الملَك له، وهو وليّه في يقظته ومنامه، وحياته، وعند موته، وفي قبره، ومؤنسُه (٣) في وحشته، وصاحبُه في خلوته، ومحدّثُه في سرّه. يحارب عنه عدوَّه، ويدافعه عنه، ويعينه عليه، ويعِدُه بالخير، ويبشّره به، ويحثّه على التصديق بالحقّ، كما جاء في الأثر (٤) الذي يروى مرفوعًا وموقوفًا: "إنّ لِلملَكِ بقلب ابن آدم لَمَّةً، وللشيطان لَمّةً. فلمّةُ الملَك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد، ولَمَّةُ الشيطان إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق" (٥).

стр. 319

وإذا اشتدّ قربُ الملك من العبد تكلّم على لسانه، وألقى على لسانه القولَ السديدَ. وإذا بعُدَ منه، وقرُبَ منه الشيطان، تكلّم على لسانه، وألقى عليه (١) قول الزور والفحش، حتى ترى (٢) الرجلَ يتكلّم على لسانه الملَكُ، والرجلَ يتكلم على لسانه الشيطانُ. وفي الحديث: "إنّ السكينة تنطق على لسان عمر" (٣).

стр. 320

وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الملَكُ (١). ويسمع ضدَّها، فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطانُ. فالملَكُ يُلقي في القلب الحقَّ، ويُلقيه على اللسان. والشيطانُ يُلقي الباطل في القلب، ويُجريه على اللسان. فمن عقوبة المعاصي أنّها تُبعِد من العبد وليَّه الذي سعادتُه في قربِه ومجاورته وموالاتِه، وتُدني منه عدوَّه الذي هلاكُه وشقاوتُه (٢) وفساده في قربِه وموالاتِه، حتّى إنّ الملَكَ لَينافحُ عن العبد ويرُدّ عنه إذا سفِه عليه السفيهُ وسبّه، كما اختصم بين يدي النبي ﷺ رجلان، فجعل أحدهما يسبّ الآخَر وهو ساكت، فتكلّم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله لمّا رددتُ عليه بعضَ قوله قمتَ. فقال: "كان الملك ينافح عنك، فلمّا رددتَ عليه جاء الشيطانُ، فلم أكن لأجلِسَ" (٣).
следующие страницы →