سُئل عن متعة النساء؟ فقال: (لا نعلمها إلا السفاح) (١).
٦ - وروى ابن ماجه في سننه: عن ابن عمر ﵁ قال: لمّا ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: (إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثاً، ثم حرمها، والله لا أعلم أحداً يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلا أن يأتيني بأربعة يعهدون أن رسول الله ﷺ أحلها بعد إذ حرمها) (٢). حسنه الألباني (٣).
٧ - وروى أبو القاسم الطبراني في معجمه الأوسط: عن سالم بن عبد الله، قال: أتى عبد الله بن عمر، فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة، فقال ابن عمر: سبحان الله ما أظن ابن عباس يفعل ذلك، وقالوا: بلى، إنه يأمر به، فقال: وهل كان ابن عباس إلا غلاماً صغيراً إذ كان رسول الله ﷺ ، ثم قال ابن عمر: (نهانا عنها رسول الله صالى الله عليه وسلم، وما كنا مسافحين) (٤). قال ابن حجر: اسناده قوي (٥).
٨ - وروى الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، عن ابن عمر أنه سئل عن المتعة فقال: حرام. فقيل: إن ابن عباس لا يرى بها بأساً؟ فقال: والله لقد علم ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وما كنا مسافحين. رواه الطبراني، وفيه منصور بن دينار، وهو ضعيف (٦).
٩ - وروى أبو بكر البيهقي عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنطول غربتنا فقلنا: ألا نختصي يا رسول الله؟ (فنهانا، ثم رخص أن نتزوج المرأة إلى أجل بالشيء ثم نهانا عنها يوم خيبر، وعن لحوم
стр. 37
الحمر الإنسية) (١). قال الشيخ ابن باز: وهذا طريق حسن (٢).
١٠ - وله روايه: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: المتعة منسوخة نسخا الطلاق والصداق والعدة والميراث (٣).
١١ - وروى أبو بكر عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه أن حسناً وعبد الله ابني محمد، أخبراه، عن أبيهما محمد بن علي، أنه سمع أباه علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: وبلغه أن يرخص في المتعة، فقال له علي: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ﷺ : (نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الإنسية) (٤). قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح (٥).
١٢ - وله روايه: عن علي أنه قال: (نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ المتعة الطلاق والصلاة والعدة والميراث) (٦).
١٣ - قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري): (ويؤيد حديث علي ﵁ ما أخرجه أبو عوانه وصححه من طريق سالم بن عبد الله أن رجلاً سأل ابن عمر عن المتعة فقال: حرام، فقال إن فلاناً يقول فيها، قال والله لقد علم أن رسول الله ﷺ حرمها يوم خيبر وما كنا مسافحين) (٧).
١٤ - وروى ابن حجر في كتابه المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية عن ابن عمر قال: (قال عمر ﵁ لو كنت تقدمت في متعة النساء لرجمت) (٨).
стр. 38
قال البوصيري: هذا إسناده صحيح (١).
١٥ - وروى أبو بكر عبد الرزاق الصنعاني عن معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: «إني لأرى تحريمها في القرآن)، قال: فقلت: أين؟ قال: فقرأ علي هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: الآيات ٥ - ٦] (٢).
١٦ - وله روايه: عن الثوري، عن داود، عن ابن المسيب قال: (نسخها الميراث) (٣).
١٧ - وروى أبو بكر البيهقي في سننه الكبرى: عن سعيد بن المسيب قال: (نسخ المتعة الميراث) (٤). قال الألباني: سنده جيد (٥).
١٨ - وله روايه: عن بسام الصيرفي قال: سألت جعفر بن محمد (الإمام الصادق) عن المتعة فَوَصفتها فقال لي: (ذلك الزنا) (٦)، قال الألباني: سنده جيد (٧).
стр. 39
المبحث الثالث
حكم المتعة عند فقهاء السنة
يرى فقهاء السنة أن نكاح المتعة أبيح للضرورة الملجئة أياماً من الدهر، في حال السفر الطويل، والغزو البعيد في صدر الإسلام وكان المسلمون حديثي عهد بالجاهلية، ثم حُرِّم تحريماً قاطعاً على التأبيد، بعد أن استقام عمود الدين، وقويت شوكة المؤمنين، واشتد عود إيمانهم والتزامهم، وصاروا في غير ما حاجة إلى التماس مثل هذه الرخص (١).
استدل فقهاء السنة على صحة مذهبهم بأدلة من القرآن والسنة النبوية الشريفة، وكما استدلوا أيضاً بالإجماع والمعقول الصحيح، وفيما يلي الأدلة التي استدلوا بها:
أدلة فقهاء السنة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة:
أولاً: القرآن الكريم: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
وجه الاستدلال:
بينت الآيات أنواع الأنكحة المباحة في الإسلام، وهي تنحصر في الزواج الصحيح الدائم، وملك اليمين، وحرمت ما دون ذلك، يقول إمام المفسرين ابن جرير الطبري «فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، ففاعلوا ذلك هم العادون، الذين عدوا ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم فهم الملمون» (٢).
وقد ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد موقفاً للقاضي يحيى بن أكثم قال كنا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال لنا يحيى بن أكثم: بَكِّرَا
стр. 40
غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه وهو يستاك ويقول - وهو مغتاظ- متعتان على عهد رسول الله ﷺ ، وعلى عهد أبي بكر، وأنا أنهي عنهما، ومن أنت يا .... (يريد عمر). (١) حتى تنهي عما فعله النبي ﷺ ، وأبو بكر؟ فأومأت إلى محمد بن مدكور أن أمسك، رجلٌ يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن؟ فأمسكنا وجاء يحيى فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيراً؟ قال: هو غمٌ يا أمير المؤمنين، لما حدّث في الإسلام، قال: وما حدَّث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: الزنا؟ قال: نعم المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: الآيات ١ - ٧] يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عنى الله ترث وتورث، ويلحق الولد، ولها شرائطها؟ قال: لا! قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين يروي عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنيفية عن أبيهما محمد بن علي عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله ﷺ بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد أن كان أمر بها. فالتفت إلينا المأمون، فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة. منهم مالك. فقال: استغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها (٢).
وأما السنة النبوية فقد استدل فقهاء السنة على تحريم المتعة بمجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية الشريفة، التي نسخت كل الأحاديث التي وردت في إباحة نكاح المتعة وهي المعول إليها، وفيها من الوضوح ما يكفي لإثبات الراجح.
стр. 41
ثالثاً: الاستدلال بالإجماع:
ذهب إلى تحريم نكاح المتعة من جمهور الصحابة، لنهي النبي ﷺ عنه وتحريمه على التأبيد، ثم انعقد الإجماع زمن أمير المؤمنين عمر ﵁، حينما نهى عنه بعد أن نمى إليه نبأ تمتع بعض الرجال في أيامه، فذكّرهم من على منبر رسول الله ﷺ بحكم التحريم، فأقره الصحابة على ذلك (١).
قال القاضي عياض واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت مباحاً إلى أجل لا ميراث فيها وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء (٢).
وقال القرطبي الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنَّه حَرُمَ ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه، وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ابن عباس بإباحتها فهي من المسألة المشهورة وهي ندرة المخالف، ولكن قال ابن عبد البر أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن على إباحتها ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها (٣).
وقال الجصاص: وقد دللنا على ثبوت الحظر بعد الإباحة من ظاهر الكتاب والسنة وإجماع السلف، قال أبو بكر: قد ذكرنا في المتعة وحكمها في التحريم ما فيه بلاغ لمن نصح نفسه ولا خلاف فيها بين الصدر الأول على ما بيَّنَا وقد اتفق فقهاء الأمصار مع ذلك على تحريمها ولا يختلفون فيه، واختلف الفقهاء فيمن تزوج امرأة أياماً معلومة، فقال أبوحنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي إذا تزوج امرأة عشرة أيام فهو باطل ولا نكاح بينهما (٤).
وقال الشوكاني: ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ،
стр. 42
وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها (١).
رابعاً: أدلة فقهاء السنة من المعقول:
يقول الحق ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]
فإذا كان المقصود من الزواج الصحيح الدائم، تحقيق أكبر قدر من الأمن والاستقرار اللذين عبر عنهما الحق ﵎ في قوله (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) [الروم: ٢١] إلى غير ذلك من المقاصد النبيلة السامية للحفاظ على استمرارية النوع البشري على أسس وقواعد سليمة من أجل ذلك رتب الشرع الحنيف على النكاح الصحيح الدائم، مجموعة من اللوازم، من صحة الطلاق، والإرث، والعدة، ووجوب النفقة، وهي كلها في نكاح المتعة منتفية. وهي لا يحمل شيئا من خواص النكاح إلا التسمية المقيدة التي عرضت له من ناحية صورة العقد.
على أن المعنى الذي شرع من أجله النكاح لا يتحقق في نكاح المتعة، وقد طلب الشارع من عقد النكاح أن يكون عقداً للألفة والمحبة والشركة في الحياة وأي ألفة وشركة تجيئ من عقد لا يقصد منه إلا قضاء الشهوة على سبيل التوقيت؟!
لقد أراد الشارع الحكيم من عقد النكاح أن يكون عقداً لتحقيق تلك المقاصد التي أشرنا إليها، فأي أمٍ وأي سكن نفسي يأتي مع امرأة تؤجر جسدها لكل أحد وأي شركة تترتب عن مثل هذا العقد الذي أقيم بنيانه على شفا جرف هار.
وأي شركة وأي سكن نفسي وأي مودة تلك التي تترتب عن مثل هذا النكاح الذي ليس من ورائه مقصد إلا قضاء الوطر والشهوة، على شرط مرة واحدة أو ساعة أو ساعتين أو أشباه ذلك، وإذا فرغ حوَّل وجهه!!!.
أي شركة التي تترتب على نكاح المتعة، والمرأة تؤجر جسدها لقاء دريهمات وقد لا تحصل عليها إذا ما أخلت بشروط العقد، أليست متأجرة؟ وهل ثمة فرق بين هذا العقد وبين الزنا الذي يحدث بين الزناة بالتراضي على أساس العرض والإيجاب والقبول، وإن
стр. 43
أخلت الفاجرة بشيء مما اتفقا عليه، فلم تلبي له رغباته حبس عنها بعض أجرها، لذلك مما سنّه أئمة الشيعة - بزعم الروايات الغير ثابتة- أن يحتاط الرجل على دراهمه حتى لا يتعرض للغش، أو الخديعة، كأن تخلفه في بعض ما اشترط عليها، أو يكتشف أنها متزوجة فأباحوا له أن يحبس عنها أجرها، احتياطاً فيقتطع منه بقدر ما أخلفته من وقت.
والزنى كيف يكون إذا لم يكن هذا النوع من النكاح زنا؟ أليس الزنا يقع بالتراضي بين الزانيين على قضاء الوطر؟ وله عقد نكاح المتعة إلا على هذا؟! وهل تقل المفاسد التي تترتب على الزنا عن المفاسد التي تترتب على نكاح المتعة؟!
وإذا أبيح نكاح المتعة ألا يكون ذلك مطية يركبها الناس ليتقوا بها باب الزوجية الصحيحة وما ينشأ عنها من التزامات؟ وإذا أبيح فكيف يعرف الناس أبناءهم؟! وإذا لم يعرفوهم فمن الذي ينفق على هذا الجيش الجرار الذي ينتجه نكاح المتعة؟! إن بيوت المال وخزائن الدولة، لتنوء بالإنفاق على هؤلاء، وهي إن فتحت أبوابها لهؤلاء فقد تعطلت مرافق الحياة الأخرى التي من أجلها تحبس الأموال في بيوت المال ولا يمكن أن نقول بأن الأولاد يلتحقون بالعاقدين إذ أن المفروض أن المرأة يجوز أن تقعد كل ساعة.
وإذا كانت المرأة المتمتع بها مصدقة في نفسها، ولا يجب على الرجل أن يسألها إذا كانت ذات بعل أم لا؟ وإذا اكتشف -فيما بعد- أنها متزوجة، فمما سنه علماء الشيعة، لذلك المخدوع، أن يعزف النظر عما أعطاها من الأجر، لقاء ما استحل من فرجها، وحبس عنها ما بقي عنده.
وإزاء هذه الفوضى الجنسية أين تصبح أنساب الناس؟! مع أن خلط الماءين في الرحم لا يجوز في شريعة من الشرائع إذ لا يلبث حينئذ نسب العلوق إلى أحد منهم، والحال أن فقط الأنساب مما به الامتياز بين الإنسان والحيوان، وإذا تأمل العاقل في أصل المتعة يجد فيها مفاسد مكنونة كلها تعارض الشرع (١).
стр. 44
قلت: وكيف يمكن أن يقام حد الزنا مع وجود نكاح المتعة، فكل من وجد على امرأة يمكن أن يدعي أنه مستمتع بها لينجو من حد الزنا.
стр. 45
الفصل الثاني
حكم نكاح المتعة عند الشيعة
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول
ذكر الآثار التي استدلوا بها لإباحة نكاح المتعة
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: مناقشة الأدلة دراية ورواية
المطلب الثاني: شبهات تثار حول إباحة نكاح المتعة والجواب عنها
المبحث الثاني
أحاديث تحرم المتعة من مصادر الشيعة
المبحث الثالث
نصوص علماء الشيعة الذين حرموا نكاح المتعة
стр. 46
المبحث الأول
ذكر الآثار التي استدلوا بها لإباحة نكاح المتعة
١ - روى الشيخ الكليني (١) في كتابه الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، وعلي ابن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حمدي، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر ﵇ عن المتعة فقال: نزلت في القرآن ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: آية ٢٩] (٢).
٢ - وروى أيضاً الشيخ الكليني: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذنمة، عن زرارة قال: جاء عبد الله بن عمر الليثي إلى أبي جعفر ﵇ فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلها الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ فهي حلال إلى يوم القيامة فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر ونهى عنها؟! فقال: وإن كان فعل، قال: إني أعيذك بالله من ذلك أن تحل شيئا حرمه عمر، قال: فقال له: فأنت على قولك صاحبك وأنا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله فهلم ألاعنك أن القول ما قال رسول الله ﷺ وأن الباطل ما قال صاحبك، قال: فأقبل عبد الله بن عمير فقال: يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن، قال: فأعرض عنه أبو جعفر ﵇ حين ذكر نساءه وبنات عمه (٣).
٣ - وروى أيضاً: عن ابن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عمير، عن علي بن الحسن بن رباط، عن حريز، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله ﵇ عن المتعة فقال: أي المتعتين تسأل؟
стр. 47
قال: سألتك عن متعة الحج فأنبئني عن متعة النساء أحق هو؟ فقال: سبحان الله أما قرأت كتاب الله ؟ ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: آية ٢٩] فقال أبو حنيفة: والله فكأنها آية لم أقرأها قط (١).
٤ - وروى أيضاً الكليني في الكافي: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان ابن يحيى، عن ابن مسكان عن عبد الله بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: كان علي ﵇ يقول: لولا ما سبقني به بني الخطاب ما زنى إلا شقي (٢).
٥ - روى الشيخ الطوسي (٣) في كتابه الاستبصار: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن علي السبائي قال قلت: لأبي الحسن ﵇ جعلت فداك إني كنت أتزوج المتعة فكرهتها وتشاءمت بها فأعطيت الله عهداً بين الركن والمقام وجعلت علي في ذلك نذراً وصياماً ألا أتزوجها، ثم إن ذلك شق علي وندمت على يميني ولكن بيدي من القوة ما أتزوج في العلانية، قال فقال لي: عاهدت الله أن لا تطيعه والله لئن لم تطعه لتعصينه (٤).
٦ - وروى أيضاً: عن محمد بن يحيى عن عبد الله بن محمد بن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن أبي مريم عن أبي عبد الله ﵇ قال: المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله (٥).
стр. 48
٧ - ذكر الملا فتح الله الكاشاني (١) في كتابه تفسير كبير منهج الصادقين في الزام المخالفين: قال النبي ﷺ : من تمتع مرة أمِنَ من سخط الجبار ومن تمتع مرتين حشر مع الأبرار ومن تمتع ثلاث مرات زاحمني في الجنان، وأيضا قال من تمتع مرة درجته كدرجة الحسين ومن تمتع مرتين درجته كدرجة الحسن، ومن تمتع ثلاث مرات درجته كدرجة علي ومن تمتع أربع مرات درجته كدرجتي (٢).
٨ - وروى الحر العاملي (٣) في كتابه وسائل الشيعة (آل البيت): عن ابن عيسى، عن محمد بن علي الهمداني، عن رجل سماه عن أبي عبد الله ﵇ قال: ما في رجل تمتع ثم اغتسل إلا خلق الله من كل قطرة تقطر منه سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة ويلعنون متجنبها إلى أن تقوم الساعة (٤).
٩ - وروى الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة (آل البيت): عن علي ابن إبراهيم عن (نضيره) عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن مالك ابن عبد الله بن أسلم، عن أبيه، عن رجل، عن أبي عبد الله ﵇ في قول الله ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] قال: والمتعة من ذلك (٥).
١٠ - وروى أيضا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن بعض أصحابنا عن محمد بن أسلم، عن أبي جعفر ﵇ في حديث قال: (إن الله رأف بكم فجعل المتعة عوضا لكم عن الأشربة) (٦).
стр. 49
١١ - وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله ﵇ قال: سألته عن المتعة؟ فقال: إني لأكره للرجل المسلم أن يخرج من الدنيا وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقضها (١).
١٢ - وروى أيضا الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة (آل البيت) وعن ابن عيسى، عن محمد بن علي الهمداني، عن رجل سماه عن أبي عبد الله ﵇ قال: ما من رجل تمتع ثم اغتسل إلا خلق الله من كل قطرة تقطر منه سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة ويلعنون متجنبها إلى أن تقوم الساعة (٢).
١٣ - وروى الفيض الكاشاني (٣) في كتابه الوافي: عن محمد، عن أحمد، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن زراره، قال: قلت له: هل يجوز أن يتمتع الرجل من المرأة ساعة أو ساعتين؟ فقال: (الساعة والساعتان لا يوقف على درهما ولكن العرد (٤) والعردين واليوم واليومين والليلة وأشباه ذلك) (٥).
١٤ - وروى السيد البروجرودي (٦) في كتابه جامع أحاديث الشيعة: عن أبي جعفر ﵇ أن النبي ﷺ لما أسري به إلى السماء قال لحقني جبرئيل ﵇ فقال يا محمد إن الله ﵎ يقول: «إني قد غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء» (٧).
стр. 50
١٥ - وروى أيضاً: عن صالح بن عقبة عن أبيه عن أبي جعفر ﵇ قال: قلت له للمتمتع ثواب قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وبلاغا على من أنكرها لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بها حسنة ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة فإذا دنا منها غفر الله تعالى له بذلك ذنبا فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر، قال: نعم بعدد الشعر (١).
١٦ - وروى السيد الخوانساري (٢) في كتابه جامع المدارك: عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله ﵇ كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال ﵇ تقول: أتزوج متعة على كتاب الله وسنة نبيه لا وراثة ولا موروثة كذا وكذا يوماً وإن شئت كذا وكذا سنة بكذا وكذا درهما وتسمى من الأجر ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم فقد رضيت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها (٣).
١٧ - وروى الشيخ هادي النجفي (٤) في كتابه موسوعة أحاديث أهل البيت: عن الصدوق رفقه إل العارف ﵇ أنه قال: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا (٥).
стр. 51
المطلب الأول
مناقشة أدلة الشيعة التي استدلوا بها على جواز نكاح المتعة
من حيث الدراية والرواية
أولاً: المناقشة من حيث الدراية:
[إن استدلالهم بقوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٩] كما جاء من حديث أبي جعفر الذي رواه الشيخ الكليني في كتابه الكافي فإن الآية تفيد معنى الاستمتاع اللغوي وهو الالتذاذ والانتفاع، فالمعنى (فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح) أي بعقده والذي اقتضى هذا الإضمار في أمور:
١ - إن المذكور في أول الآيات وآخرها هو النكاح، فهو ينتقل بنا من حكم في النكاح إلى حكم آخر فيه، فالآيات منصبة في بيان حكم النكاح الصحيح، وليس للمتعة فيها ذكر.
٢ - إن هناك فرقاً بين قولك (نكح فلان أمس المتعة، واستمتع فلان بالنكاح) إذ الأول ينصرف إلى النكاح المؤقت، بخلاف الثاني فإنه لا يفيد سوى معنى الانتفاع والالتذاذ في النكاح المعهود، ونظم الآية من الثاني فدل على الالتذاذ.
٣ - حيث كان اللفظ مراداً به الالتذاذ وجب إضمار شيء بعده، لئلا يقتضي ظاهر الآية؛ أن كل من تلذذ بالمرأة وأتاها أجرها جاز له ذلك، وهذا غير جائز إجماعاً، إذاً فلابد من إضمار لفظ (عقد)، الذي يبيح الالتذاذ والوطء، وأضفنا العقد إلى النكاح المعروف، للاتفاق على صحة هذا الإضمار] (١).
وأيضاً يقال: إن الله تعالى لم يعبِّر في هذه الآية الكريمة بلفظ المصدر (الاستمتاع) ولا بلفظ اسمه (المتعة) فهو لم يقل مثلاً فما نكحتم بالمتعة، وإلا لما وجد خلاف، ولكن
стр. 52
عبر بلفظ الفعل فقال: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) والفرق بينهما واضح والفعل يدور معناه على الالتذاذ والنفع، كما في كتب اللغة، وقد صرح أئمة اللغة بأن الفعل (استمتع) في هذا الموضع لا معنى له إلا ما ذكرنا، وقد ورد لفظ (استمتع) في غير هذا الموضع، ولم يرد به المتعة اتفاقاً وذلك في قوله جل وعز ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] يعني تعجلتم الانتفاع بها، وقال ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] (بمعنى انتفعتم بحظكم ونصيبكم) (١).
وقال ابن الجوزي: وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة، لأنه تعالى قال فيها ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ فدل ذلك على النكاح الصحيح (٢).
والتمتع لا يوجب الإحصان عند المجيزين، إذ هم لا يوجبون الرجم على من زنى بعد تمتع، فلا يقوم الرجم إلا على من نكح تأبيداً، والله سبحانه إنما أحل الابتغاء بالأموال ما يوجب الإحصان (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما متعة النساء المتنازع فيها فليس في الآية نصٌ صريح بحلِّها، فإنه تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٤ - ٢٥] فقوله: (فما استمتعتم به منهن) يتناول كل من دُخِلَ بها من النساء، فإنه أمر بأن يُعطَى جميع الصداق، بخلاف المطلقة قبل الدخول التي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه، وهذا قوله تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] فجعل الإفضاء مع العقد موجباً لاستقرار الصَّداق، يبين ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد معنىً، بل إعطاء
стр. 53
الصداق كاملاً في المؤبد أولى، فلابد أن تدُلَّ الآية على المؤبد، إما بطريق التخصيص، وإما بطريق العموم، يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء، فعُلم أن ما ذكر كان في نكاح الحرائر مطلقاً، فإن قيل قراءة طائفة من السلف: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) قيل:
أولاً: ليست هذه القراءة متواترة وغايتها أن تكون كأخبار الآحاد بل هي من القراءات الشاذة، ونحن لا ننكر أن المتعة أحلت في أول الإسلام، لكن الكلام في دلالة القرآن على ذلك.
ثانياً: أن يقال: هذا الحرف إن كان نزل، فلا ريب، أنه ليس ثابتاً من القراءة المشهورة، فيكون منسوخاً، ويكون نزوله لمَّا كان المتعة مباحة، فلمَّا حُرَّمت نُسِخَ إلى أجل مسمى واجبٌ إذا كان مسمى، وإنما يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمى حلالاً، وهذا كان في أول الإسلام، فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى حلال، فإنه لم يقل: وأُحِلَ لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى، بل قال (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) فهذا يتناول ما وقع من الاستمتاع سواء كان حلالاً أو كما في وطء شبهة (١).
ثانياً: المناقشة من حيث الرواية:
إن من المعلوم أن الحديث الصحيح عند فقهاء السنة هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً (٢). أما الحديث الصحيح عند الشيعة الإمامية (٣) هو ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل
стр. 54
العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات (١). فهم لا يشترطون أن يتصل سند الإمام إلى النبي ﷺ ، لأن قول الإمام المعصوم هو في ذاته حجة وهو منه، فلا يسأل عن أين أخذ هذا.
ونلاحظ أن دعوى هؤلاء الشيوخ بأن أئمتهم الشيعة الإمامية لا يقولون إلا من سنة رسول الله ﷺ ، وأن العمدة عندهم هو كلام رسول الله ﷺ والصحيفة التي طولها سبعون ذراعاً توارثوها الأئمة عن علي ﵁، تتناقض تماماً مع دعوى شيوخهم الآخرين - كشيخهم المظفر وغيره - بأن الأئمة عندهم ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون كلامهم حجة من حجة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ
стр. 55
الأحكام الواقعة، ولا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، وذلك من طريق الإلهام، كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي من المعصوم قبله، وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع (١).
ويقول شيخه الحر العاملي صاحب كتاب (وسائل الشيعة): بأن السبب في ذكر السند واتجاههم للعناية به هو مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبية اللسانية، ورفع تعيير العامة - يعني أهل السنة - الشيعة بأن أحاديثهم غير مصنفة، بل منقولة من أصول قدمائهم (٢).
وقال أيضاً بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق، لأن الصحيح عندهم: (ما رواه العدل، الإمامي، الضابط، في جميع الطبقات)، ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة إلا نادرا، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعاً (٣).
ويقول السيد أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون العلوي الحسني (من أئمة الزيدية): إن كثيرا من أسانيد الاثنى عشرية مبنية على أساس لا مسمى لها من الرجال، قال: وقد عرفت من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه، وحكى عن بعضهم أنه كان يجمع روايات برزجمهر، وينسبها للأئمة بأسانيد يضعفها، فقيل له في ذلك، فقال: الحق الحكمة بأهلها (٤).
قلت: وهذا يفيدنا بأن أسانيد مصادر وكتب الشيعة الإمامية على وجه الخصوص (لأنهم هم الذين يجيزون نكاح المتعة خلافاً لما عليه الشيعة الزيدية (٥) أو الشيعة
стр. 56
الإسماعيلية (١) فإنهم يحرمون نكاح المتعة هذا فيما وقفت عليه) أن رواياتهم كانت بلا زمام ولا خطام حتى شنع الناس عليهم بذلك فاتجهوا حينئذ لذكر الإسناد، فكان الأسانيد التي نراها في رواياتهم هي صنعت فيما بعد وركبت على نصوص وأخذت من أصول عقائدهم، ثم وصفت هذه الأسانيد لتوقي نقد أهل السنة وقوله - أي الحر العاملي - بأن أسانيد الشيعة غير مصنفة لا يستبعد أن يقوم من يتولى صناعة تلك الأسانيد بوضع أسماء ورجال لا مسمى لهم، ومما يؤكد هذا الكلام وأكون على يقين أن ليس للشيعة الإمامية حديثا واحداً صحيحاً مسنداً إلا عن طريق أسانيد أهل السنة والجماعة، بدليل أنه لا يوجد عندهم كتاب واحد خصص لبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
وقد اعترف أحد علمائهم وهو أبو الحسن المفيد بن الحسن الشعراني - توفى مؤخراً - بأن هناك كتباً كثيرة عندهم هي موضوعة، حيث قال وهو يتحدث عن كتاب (سليم بن قيس)؛ والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح (٢).
والخلاصة: أن نقول كل الأحاديث والروايات الشيعية التي تبيح نكاح المتعة لا يصح منها شيء لا دراية ولا رواية كما سيمرّ معنا أن هناك أحاديث وروايات حرمت نكاح المتعة من كتب الشيعة بل هي وافقت ما هو صحيح من أحاديث الكتب الستة، وأيضاً سنذكر نصوص علماء الشيعة الذين حرموا نكاح المتعة في المبحث القادم.
стр. 57
المطلب الثاني
شبهات تثار حول إباحة نكاح المتعة والجواب عنها
١ - شبهة فتوى ابن عباس ﵄ -:
يحتج الشيعة في استباحتهم للمتعة بفتوى ابن عباس ﵄، والجواب عنها:
أن الحجة إنما تكون في قول الله وقول رسوله ﷺ ، وليس لأحد بعد قول الله وقول رسوله قول، يقول الله ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] وقال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) - يعني السنة- (١) فالذي أنزل إلينا من ربنا الوحيان (القرآن والسنة) ومن ادعى غير ذلك فعليه بالدليل، ولا دليل! ولا ندعي العصمة في ابن عباس أو أحد غيره، فالعصمة لا تكون إلا لنبي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]
وقد أنكر بعض الصحابة ﵃ عليه منهم:
علي ﵁، أخرج مسلم في صحيحه عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ﵁ أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: (مهلاً يا ابن عباس) (٢) قال له علي: إنك امرؤ تائه - فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية) [رواه الشيخان: البخاري ومسلم].
وابن عمر: فعن سالم بن عبد الله قال: أوتي عبد الله بن عمر فقيل له ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال ابن عمر: سبحان الله! ما أظن أن ابن عباس يفعل هذا، قالوا: بلى إنه يأمر به، قال: وهل كان ابن عباس إلا غلاماً صغيراً؟، إذ كان رسول الله ﷺ ، ثم قال ابن عمر: (نهانا عنها رسول الله صلى الله عليه
стр. 58
وسلم وما كنا مسافحين) (١).
ثم إن ابن عباس ﵄ لا يرى إباحة المتعة على إطلاقها كما يشيع الشيعة ذلك، يقول الشيخ الأهدل: والمشهور عن ابن عباس ترخيصه فيها للمضطر لا مطلقا، ومع هذا فلم يسلَّم له، فانتقده علي وابن عمر وابن الزبير وابن أبي عمرة وغيرهم ورجع عن هذا القول (٢).
والدليل على أن ابن عباس إنما يرخص فيها للمضطر فقط هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أبي جمرة أنه قال: سمعت ابن عباس يسئل عن متعة النساء، فرخص، فقال له مولى له: إنما ذلك في حال الشديد وفي النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم (٣).
وللبيهقي من طريق الإسماعيلي: (إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل، فقال ابن عباس: صدق) [السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٢٠٤)] والذي يؤيد أن المتعة كانت في حال الشديد والنساء قليل ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) (٤).
قال الإمام الحازمي ﵀: (وأما ما يحكى عن ابن عباس، فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه لطول العزبة وقلة اليسار والجده، ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به) (٥).
وقد حكى جمع من العلماء رجوع ابن عباس عن فتواه هذه قبل موته منهم: الإمام
стр. 59
النووي (١)، (٢).
٢ - شبهة حديث عمران بن حصين ﵁ -:
يحتج الشيعة بحديث الصحابي الجليل عمران بن حصين ﵁ الذي التبس على الكثيرين قال ﵁: (نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنه حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء).
أقول هذا الحديث ليس في شأن متعة النكاح، إنما هو في متعة الحج (٣)
قال الحافظ بن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري قوله: باب من تمتع بالعمرة إلى الحج ذكر فيه حديث عمران بن حصين نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج (٤).
ثم أن عمران بن حصين نفسه راوي هذا الحديث قد صرح في رواية أخرى عند الإمام مسلم، أنها متعة الحج.
قال عمران بن حصين ﵁: نزلت آية المتعة في كتاب الله وأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله ﷺ حتى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء) (٥). ورواية
стр. 60
أخرى أيضاً تسند هذه الرواية، وهي عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به: (إن رسول الله ﷺ جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه) (١).
وروى أيضاً حديث عمران بن حصين وفيه تصريح بمتعة الحج (٢).
وقد جاء تفسير هذه المتعة على لسان الصادق المصدوق ﷺ فعن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنهده الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة) (٣)، (٤).
стр. 61
المبحث الثاني
أحاديث تحرم نكاح المتعة من كتب ومصادر الشيعة
١ - روى الشيخ الكليني في كتابه الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن موسى ﵇ عن المتعة فقال: وما أنت وذالك فقد أغناك الله عنها (١).
٢ - وروى الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة (آل البيت): عن أحمد بن محمد ابن عيسى في (نوادره): عن ابن أبي عمير، عن هشان بن الحكم، عن أبي عبد الله ﵇ في المتعة قال: ما يفعلها عندنا إلا الفواجر (٢).
٣ - وروى الفيض الكاشاني في كتابه الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن ابن سنان، عن المغفل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول في المتعة: دعوها، أما يستحي أحدكم أن يرى في موضع العورة، فيحمل على ذلك صالحي إخوانه، وأصحابه (٣).
٤ - روى الإمام زيد (٤) في مسنده، عن أبيه عن جده عن علي (ع م) قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين ليس بالدرهم ولا بالدرهمين ولا اليوم ولا اليومين يسبه السفاح، ولا شرط في نكاح (٥).
٥ - روى السيد البروجردي في كتابه جامع أحاديث الشيعة: عن ابن أبي عمير عن هشان بن الحكم عن أبي عبد الله ﵇ (في المتعة) قال ما تفعلها إلا
стр. 62
الفواجر (١).
٦ - روى القاضي النعمان المغربي (٢) في كتابه دعائم الإسلام: عن جعفر بن محمد (ع) أن رجلاً سأله عن نكاح المتعة، قال: صفه لي، قال يلقى الرجل المرأة، فيقول أتزوجك بهذا الدرهم والدرهمين، رفقة أو يوماً أو يومين. قال: هذا زنا. ما يفعل هذا إلا فاجر (٣).
٧ - روى الفيض الكاشاني في كتابه الوافي: عن سهل، عن ابن أسباط ومحمد بن الحسين جميعا، عن الحكم بن مسكين، عن عمار: قال أبو عبد الله ﵇ لي ولسليمان بن خالد (قد حرمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما بالمدينة لأنكما تكثران الدخول علي فأخاف أن تؤ اخذا، فيقال هؤلاء أصحاب جعفر) (٤).
٨ - روى السيد حسن القبانجي (٥) في كتابه مسند الإمام علي (ع) عن محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن يحيى، عن أبي جعفر، عن أبي الجوزاء عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي ﵇ قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة (٦).
٩ - وروى السيد البروجردي في كتابه جامع أحاديث الشيعة: رواية زيد، قوله ﵇ حرم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم خيبر لحوم الحمر الإهلية ونكاح المتعة (٧).
стр. 63
١٠ - وروى زيد بن علي في مسنده: عن أبيه عن جده عن علي (ع) قال: نهى رسول الله (ص) عن نكاح المتعة عام خيبر (١).
١١ - وروى السيد جعفر مرتضى العاملي (٢) في كتابه زواج المتعة: وفي حديث آخر عن علي ﵇ أن النهي عنها كان في تبوك، وأنه قال لابن عباس: إنك امرؤ تائه، وقال: لا أجد أحداً يعمل بها إلا جلدته (٣).
١٢ - وروى السيد البروجردي في كتابه جامع أحاديث الشيعة: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن عمر عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن موسى ﵇ عن المتعة فقال: وما أنت وذاك فقد أغناك الله عنها.
١٣ - روى الحر العاملي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة (٤).
١٤ - وروى السياغي الصنعاني (٥) من طرق الشيعة الزيدية في مسند الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده علي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة عام خيبر) (٦).
١٥ - وروى أيضاً بإسناده عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن علي ﵁: (حرم رسول الله ﷺ المتعة من النساء يوم خيبر وقال لا أجد أحداً يعمل بها إلا جلدته). قال السياغي: (لعل قوله: لا أحد أحدا يعمل بها إلا جلدته من قول علي ﵁ (٧).
стр. 64
١٦ - وروى الكليني عن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسين (الإمام الكاظم) عن المتعة فقال: وما أنت وذلك فقد أغناك الله عنها (١).
١٧ - وروى أيضا الكليني عن عمار قال: قال أبو عبد الله (الإمام الصادق) ﵇ لي ولسليمان بن خالد: فقد حرمت عليكما المتعة (٢).
١٨ - وروى أيضاً عن أبي عبد الله (الإمام الصادق) قال عن المتعة: دعوها أما يستحي أحدكم أن يرى في موضع العورة فيحمل ذلك على صالحي إخوانه فأصحابه (٣).
١٩ - وروى الحر العاملي عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (الإمام الصادق) عن المتعة فقال: لا تدنس نفسك بها (٤).
٢٠ - وروى المجلسي (٥) في كتابه (بحار الأنوار) أن جعفر بن محمد (الإمام الصادق) سُئل عن المتعة فقال: ما يفعله عندنا إلا الفواجر (٦).
٢١ - ومن طرق الشيعة الإسماعيلية جاء الحديث أيضاً: فقد روى القاضي المغربي صاحب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد أن رجلاً سأله عن نكاح المتعة، قال: صفه لي قال: يلقى الرجل المرأة فيقول أتزوجك بهذا الدرهم والدرهمين، وقعة أو يوماً أو يومين، قال الصادق: هذا زنى وما يفعل هذا إلا الفاجر (٧).
٢٢ - وروى ايضاً القاضي المغربي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه حرم نكاح المتعة، فعن علي ﵁ أنه قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين وليس
стр. 65
بالدرهم والدرهمين واليوم واليومين، ذلك السفاح ولا شرط في النكاح (١).
٢٣ - وجاء هذا الحديث أيضاً من طرق الشيعة الزيدية في مسند الإمام زيد عن أبيه عن جده عن علي ﵇ قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين، ليس بالدرهم ولا بالدرهمين، ولا اليوم ولا اليومين شبه السِّفاح، ولا شرط في نكاح - يعني شرط التوقيت (٢)
стр. 66
المبحث الثالث
نصوص علماء الشيعة الذين حرموا نكاح المتعة
هنا ولابد من التنبيه أن هناك من نصوصهم - من كتبهم أنفسهم - ما يؤكِّد بصراحة أن نكاح المتعة حرام، قد حرمه رسول الله ﷺ ، وحرمه علي بن أبي طالب، والحسن والحسين، وعلي زين العابدين، وزيد بن علي ﵃، بل حتى جعفر الصادق!! فقد ذكر شيخهم الطوسي في كتابه «الاستبصار» (٣)، و «تهذيب الأحكام» (٤)، وكذلك شيخهم الحرُّ العاملي في «وسائل الشيعة» (٥)، عن طريق زيد بن علي زين العابدين، عن آبائه عن علي ﵈، قال: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة (٦).
ولكن شيخ الطائفة عندهم وهو الطوسي؛ لم يجد مسلكًا للتخلُّص من حجية هذا النص
стр. 67
سوى حمله على التقية (١)، فيقول: «فإن هذه الرواية وردت مورد التقية وعلى ما يذهب إليه مخالفو الشيعة، والعلم حاصل لكل من سمع الأخبار أن من دين أئمتنا (كذا!) إباحة المتعة فلا يحتاج إلى الإطناب فيه» (٢). ويقول في موضع آخر: «فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على التقية؛ لأنها موافقة لمذاهب العامة … »!! اهـ (٣). ولأجل هذا الغلو وضعوا رواية ونسبوها إلى الصادق: «ليس منا من لم يؤمن بكرتنا (٤)، ولم يستحل متعتنا» (٥). ولأجل ذلك قال شيخهم الحر العاملي بأن إباحة المتعة من ضروريات مذهب الإمامية (٦)!!
هذا وقد جاء التحريم أيضًا عن أبي عبد الله ﵇، فقد جاء في «وسائل الشيعة» (٧) عن أبي عبد الله ﵇ في المتعة قال: «ما يفعلها عندنا إلا الفواجر» (٨)!! بل كما رأينا سابقًا أن أحد أئمتهم حين سأله أحد رواتهم: «يسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن (يعني المتعة)؟ فأعرض عنه ﵇ حين ذكر نساءه وبنات عمه». فكيف نوفِّق بين هذا وبين قول الصادق - كما يزعمون -: «ليس منا من لم يستحل متعتنا»، وأنها من ضروريات المذهب! وإن متعتهم من
стр. 68
ضمن أفضل الأعمال إلى الله كما سبق ذكره (١)!!
ونجد أيضًا أن الفقهاء الإمامية الذين يفتون بجواز المتعة واستحباب العمل بها؛ لا يرضون شيئًا كهذا بالنسبة لبناتهم وأخواتهم وقريباتهم! بل يرون فيها أمرًا مهينًا مشينًا يتنافى وكرامة العائلة وشرف الأسرة، وقد تسيل الدماء في بعض المناطق الشيعية إذا سأل المرء شيئًا كهذا من فقيه هو سيد قومه (٢).
ويقول شيخهم محمد جواد مغنية - الذي كان في حياته رئيس المحكمة الجعفرية ببيروت: «إن المتعة ليست بشائعة في بلادهم، وإنما الزواج الشائع بينهم هو الزواج الدائم المعروف المألوف عند جميع الطوائف والأمم، ولا أثر لها في محاكمهم الشرعية»، «ولم تستعمل المتعة شيعة سوريا ولبنان ولا العراق، والمنقول أن بعض المسنات في بلاد إيران يستعملن المتعة» (٣).
وهناك نصوص أخرى عندهم في أمر المتعة تمثل الالتحام والوئام مع فئات الأمة، فهذا أبو عبد الله جعفر الصادق الذي ينسبون له القول بجواز المتعة؛ نجده يوبخ أصحابه بارتكابهم هذه المتعة فيقول: «دعوها، أما يستحيي أحدكم أن يرى في موضع العورة، فيحمل ذلك على صالحي إخوانه وأصحابه» (٤). وعدَّ اقتراف المتعة بأنها تدنس النفس؛ فعن عبدالله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن المتعة فقال: «لا تدنس بها نفسك» (٥)، وقررت نصوصهم أن المتعة مصدر ذل للمرأة، فقالت: «لا تتمتع بالمؤمنة فتزلها» (٦)، وتحذر نصوصهم من آثار المتعة على الأسرة، فنجد إمامهم
стр. 69
الثامن علي الرضا يتذمَّر من أتباعه بإلحاحهم عليه بالإذن في نكاح المتعة، وكان سبب عدم إذنه لهم خشيته من نساء الشيعة أن يكفرن ويلعن من أباح المتعة لانشغال رجالهن بالمتعة عنهن؛ فقد كتب أبو الحسن ﵇ إلى بعض مواليه: «لا تلحوا على المتعة، إنما عليكم إقامة السنة فلا تشتغلوا بها عن فرشكم وحرائركم، فيكفرن ويتبرَّين ويدعين على الآمر بذلك ويلعنونا» (١). ونجد إماهم المعصوم زجر السائل عن المتعة وهو متزوج زواجًا دائمًا؛ فعن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن ﵇ عن المتعة؛ فقال: «ما أنت وذاك قد أغناك الله عنها» (٢)، وهذا الإمام الصادق لم يكتفِ بالزجر والتوبيخ لأصحابه في ارتكابهم لهذه المتعة كما رأينا سابقًا، بل إنه صرَّح بتحريمها؛ عن عمَّار قال: قال أبو عبد الله ﵇ لي ولسليمان بن خالد: «قد حرمت عليكما المتعة» (٣)!!
ولقد أقرَّ الصادق أن المتعة زنًا؛ قيل لأبي عبد الله ﵇: لِمَ جعل في الزنا أربعة من الشهود وفي القتل شاهدان؟ قال: إن الله أحلَّ لكم المتعة، وعلم أنها ستنكر عليكم، فجعل الأربعة الشهود احتياطًا لكم، ولولا ذلك لأتى عليكم، وقلما تجتمع أربعة على شهادة بأمر واحد (٤).
فهذا إقرار صريح من الصادق بأن المتعة زنًا، ولو لم يكن كذلك؛ فلماذا لو اجتمع أربعة شهود وشهدوا بأن فلانًا تمتع يقام عليه حدُّ الزنا، وما دام ذلك حلالًا فلا ضير لو اجتمع ألف شاهد وشاهَدَ على ذلك وهو حلال (٥).
بل تذكر الشيعة الإمامية أن أبا جعفر الثاني أعرض عن السائل الذي ناقشه في المتعة حينما ذكر نساءه وبنات عمه، وإذا كانت المتعة حلالًا بل من ضمن أفضل الأعمال؛ فلماذا لا يرتضيها الإمام التاسع عندهم محمد بن علي بن موسى لأهله؟! أيحلها لأتباعه ولا يجوزها لأهل بيته؟! وهل يوجد دليل - وهم مقرون به - أبلغ من هذا على
стр. 70
كرهة أهل البيت للمتعة (١)؟!
وقد عد الصادق النساء اللواتي يفعلن ذلك بأنهن فواجر (٢).
فكل هذه الروايات - وهي من روايات الشيعة الإمامية -؛ تبيِّن لنا بوضوح أن أهل البيت - رضوان الله عليهم - لا يرتضون هذا النكاح الفاسد، وإنما ينهون عنه ولا يجوزونه، وأما مخالفة شيوخ الإمامية في هذه المسألة فلا قيمة لها؛ لأنهم قد تعوَّدوا على هذه المخالفة، والذي يستقرئ التاريخ يجد أن هؤلاء الشيعة عبر عصورها لم تخلص الولاء لآل البيت كما تدعيه، بل إنهم وبال عليهم (٣)(٤).
стр. 71
الفصل الثالث
المفاسد والآثار المترتبة على إباحة نكاح المتعة
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الاجتماعية
المبحث الثاني: الآثار النفسية
المبحث الثالث: الآثار الصحية
стр. 72
الفصل الثالث
المفاسد والآثار المترتبة على إباحة نكاح المتعة
إن مما لا شك فيه، أن كل من خالف شريعة الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، فقد أهلك نفسه وخسر الدنيا والآخرة، لأن شريعة الله تعالى جاءت لتحقيق المصالح أو إكثارها ودفع المفاسد أو تقليلها، فما ظهر الفساد في الأرض إلا بسبب مخالفة شريعتنا، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وقال ﷺ : «ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهن، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١).
стр. 73
المبحث الأول
الآثار الاجتماعية
ومن الضرورات التي جاءت الشريعة الإسلامية بصيانتها والمحافظة عليها حفظ النسل، فشرع الله الزواج وحث عليه، فقال سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وبالمقابل فقد نهى عن الزنا فقال جل وعز: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
وإن حفظ الأنساب مما به الامتياز بين الإنسان والحيوان، وإن تأمل العاقل في آثار المتعة يجد فيها مفاسد كثيرة كلها تعارض الشرع، منها تضييع الأولاد، فإن أولاد الرجل إذا كانوا منتشرين في كل بلدة فلا يمكنه أن يقوم بتربيتهم فينشأون في غير تربية كأولاد الزنا. ومنها احتمال وطء موطوءة الأب للإبن بالمتعة أو النكاح أو بالعكس بل وطء البنت وبنت البنت وبنت الأبن والأخت وبنت الأخت وغيرهن من المحارم في بعض الصور خصوصاً في مدة طويلة، وهو أفسد المحظورات، لأن العلم بحبل المرأة المتمتعة في مدة شهر واحد أو أزيد لا يكون فاصلاً لا سيما إن وقعت المتعة في سفر ويكون السفر أيضاً طويلاً ويتفق في كل منزل الشغل بالمتعة الجديدة ويتعلق الولد في كل منها، وتولد جارية من بعد تلك العلاقات ويرجع ذلك الرجل إلى ذلك الطريق بعد خمسة عشر عاماً مثلاً أو يمر أخوته أو بنوه في تلك المنازل فيفعلون بتلك البنات متعة أو ينكحوهن.
وقد كتبت مجلة (الشراع) اللبنانية الشيعية (١):
أن رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية أشار إلى وجود ربع مليون لقيط في إيران بسبب زواج المتعة.
وذكرت أيضاً الدكتورة شهلا حائري في كتابها المتعة الزواج المؤقت عند الشيعة حالة
стр. 74
إيران ١٩٧٨ - ١٩٨٢، وكتابها عبارة عن دراسة أكاديمية موثقة بقلم حفيدة آية الله حائري، تقول: إن مدينة مشهد حيث شاعت ممارسة زواج المتعة بأنها المدينة الأكثر انحلالاً على الصعيد الأخلاقي في آسيا (١).
حتى وصل الأمر إلى رجال الدين الشيعة، فقد ذكرت الدكتورة شهلا حائري موقفاً عن أحد رجال الدين الشيعة وكانت وظيفته واعظاً دينياً «أخوند» [باللغة الفارسية]، التقت معه مصادفة في مزار الإمام الرضا في مشهد صيف ١٩٧٨، وكان اسمه (الملا هاشم).
تقول: لم يشعر الملا هاشم بأي إحراج يمنعه من إخباري أنه منذ انتقاله على مدينة مشهد، يعقد سراً زيجات متعة بكثرة وانتظام، حتى قال: (في قريتي في الشمال، لا أحد يمارس زواج المتعة لأنه يجلب العار» ولكنه ما إن وصل إلى مدينة مشهد، حتى بدا بممارسة زواج المتعة. بدا لي أنه يتفاخر بكثرة زيجاته المؤقتة، إذ يعقد زواج متعة مرة أو مرتين شهرياً، ومن دون علم زوجته. لكن عندما سألته عمّا إذا كان مستعداً للسماح لابنته البالغة ستة عشر عاماً من العمر، بعقد زواج متعة، أجابني بحزم «أبداً».
ومن المفاسد والآثار المترتبة على إباحة نكاح المتعة، أنه جاء في بعض الروايات من مصادر كتب الشيعة: إنه لا حاجة إلى سؤال المرأة التي يتمتع بها إذا كانت متزوجة أم فاجرة، وإنما يتحقق نكاح المتعة بإصداقها المهر من غير حاجة إلى سؤالها إن كانت متزوجة أم لا!!!
روى الكليني في كتابه الكافي: عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن علي، عن محمد بن أسلم، عن إبراهيم بن الفضل، عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إني أكون في بعض الطرقات فأرى المرأة الحسناء ولا آمن أن تكون ذات بعل أو من العواهر؟ قال: ليس هذا عليك إنما عليك أن تصدقها في نفسها (٢).
стр. 75
وروى الطوسي ايضاً في كتابه تهذيب الأحكام: عن محمد بن أحمد بن يحيى عن علي بن السندي عن عثمان بن عيسى عن إسحاق بن عمار عن فضل مولى محمد بن راشد عن ابي عبد الله ﵇ قال: قلت إني تزوجت امرأة متعة فوقع في نفسي أن لها زوجاً ففتشت عن ذلك فوجدت لها زوجاً قال: ولمَ فتشت؟! (١)
ومن المفاسد أنه باب فيه تعطيل النكاح الصحيح، إذ أن الإنسان عندما يصبح سهلاً عليه أن يقضي شهوته من امرأة مقابل أجر معين يحدو به حادي التحرر الشهواني، إلى التهرب من المسئوليات والالتزامات التي يحتمها عليه النكاح الصحيح، فيكون ذلك مدعاةٌ للرغبة عنه، وأداة لقطع العلاقات الأسرية التي بنيت عليها المجتمعات الإنسانية، وأنها طريق لقطع النسل واختلاف الأنساب، وذلك لأن المرأة التي أعدت تأجير نفسها على الرجال مهنة لها يحول الحمل بينها وبين هذه المهنة إلى استعمال كل وسيلة تؤدي إلى منع الحمل عنها وبذلك ينقطع النسل الذي هو المقصد الأعظم من النكاح.
وقد ذكر الشيخ محمد ثابت المصري في كتابه (جولة في ربوع الشرق الأدنى) يحدثنا عن زيارته وما شاهد فيها من آثار المتعة قال: (ولقد استرعى نظري في النجف كثير من الأطفال، الذين يلبسون في آذانهم حلقات خاصة، هي علامة أنهم من ذرية زواج المتعة المنتشر بين الشيعة جميعا، وبخاصة في بلاد فارس، ففي موسم الحج، إذا ما حل زائر فندقاً، لاقاه وسيط يعرض عليه أمر المتعة مقابل أجر معين، فإن قبل أحضر له الرجل جمعاً من الفتيات، لينتقي منهن، وعندئذ يقصد معها إلى عالم لقراءة صيغة عقد الزواج وتحديد مدته، وهي تختلف بين ساعات وشهور وسنوات، وللفتاة أن تتزوج مرات في الليلة الواحدة، والعادة أن يدفع الزوج نحو خمسة عشر قرشاً للساعة، وخمسة وسبعين قرشاً لليوم، ونحو أربع جنيهات للشهر، ولا عيب على الجميع في ذلك العمل لأنه مشروع، ولا يلحق الذرية أي عار مطلقا، وعند انتهاء مدة الزواج يفترق الزوجان، ولا تنتظر المرأة أن تعتد، بل تتزوج بعد ذلك بيوم واحد (٢).