← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98123

شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

ابن مالك

Полный текст (280 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عطف على الهاء خلص من ذلك، فحكم برجحانه لتبين (٣٨٩) برهانه ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٣٩٠) بالخفض. وهي أيضًا قراءة ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والنخعي والأعمش ويحيى بن وثاب [٩ظ]، وأبي رزين (٣٩١). ومن مؤيداته قول بعض العرب (ما فيها غيره وفرسِه) (٣٩٢). وأجاز الفراء أن يكون ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣٩٣) معطوفًا على ﴿لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ وأنشد سيبويه (٣٩٤): ٦٩ - فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب وأنشد أيضا (٣٩٥): ٧٠ - آبك أية بىَ أو مصدر ... من حمر الجلة نهد حَشْور (٣٩٦)

стр. 107

وأنشد غيره (٣٩٧): ٧٢ - إذا أوقدوا نارًا لحرب عدوهم ... فقد خاب من يصلَى بها وسعيرِها (٣٩٨) ومثله (٣٩٩): ٧٢ - بنا أبدًا لا غيرِنا تُدرَك المنَى ... وتكشَف غماءُ الخطوب الفوادحِ ومثله (٤٠٠): ٧٣ - لو كان لي وزهيرِ ثالثَ وردت ... من الحمام عدانا شر مورود ومثله (٤٠١): ٧٤ - به اعتضدن أومثله تك (٤٠٢) ظافرًا ... فما زال معتزًا به من يظاهره وجعل الزمخشري في "الكشاف" أشد" (٤٠٣) معطوفًا على الكاف والميم من ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ﴾ ولم يجز عطفه على "الذكر" (٤٠٤). والذي ذهب إليه هو الصحيح؛ لأنه لو عطف على "الذكر" لكان "أشد" صفة

стр. 108

لـ "ذكر" وامتنع نصب "الذكر" بعده؛ لأنك لا تقول: ذكرك (٤٠٥) أشد ذكرًا، وإنما تقول: ذكرك أشدُّ ذكرْ. وتقول: أنت أشد ذكرًا (٤٠٦)، ولا تقول: أنت أشد ذكر. لأن الذي يلي أفعل التفضيل من النكرات إنْ جُر فهو كل لأفعل، وأفعل بعض له. وإن نصب فهو فاعل في المعنى للفعل الذي صيغ منه أفعل، ولذلك تقول: أنت أكبر رجل، وأكثر مالًا. فـ "أكبر"بعض ما جُر به، و" أكثر" بمنزلة فعل، وما انتصب به بمنزلة (٤٠٧) فاعل، كأنك قلت: كثر مالك، أو: فاق مالك غيره كثرة، فقد تبين بالدلائل التي أورد تها صحة العطف على ضمير الجر، دون إعادة العامل, واعتضدت رواية جر" اليهود والنصارى" في الحديث المذكور. ولو رُوي بالرفع لجاز على تقدير: ومثلُ اليهود، (٤٠٨) ثم يحذف المضاف ويُعطى المضاف إليه إعرابه.

стр. 109

ومنها قول [رسول الله ﷺ عن] (٤٠٩) أبي هريرة ﵁ (فلما قدم جاءه بالألف دينار) (٤١٠). قلت: في وقوع "دينار" بعد "الألف " ثلاثة أوجه: أحدها، وهو أجودها، أن يكون أراد: بالألف ألف دينار، على إبدال"ألف" المضاف من المعرف بالألف واللام، ثم حذف المضاف، وهو البدل, لدلالة المبدل منه عليه، وأبقَى المضاف إليه على ما كان عليه من الجزء كما حذف المعطوف المضاف وترك المضاف إليه على ما كان عليه قبل الحذف في نحو (ما كل سوداء تمرة ولا بيضاءَ شحمةَ) (٤١١). وفي باب الاستعانة باليد في الصلاة (ثم قام فقرأ العشر آيات) (٤١٢) يحمل أيضاً على أن المراد: فقرأ العشر عشرآيات، على البدل، ثم حذف البدل وبقي ما كان مضافًا إليه مجرورا. ومن حذف البدل المضاف لدلالة المبدل منه عليه ما جاء (٤١٣) في "جامع المسانيد" (٤١٤) من قول النبي ﷺ (خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجلُ ثلاث). أي: المحجلُ (٤١٥) محجلُ ثلاث. وهذا أجود من أن يكون على تقدير: المحجل في ثلاث.

стр. 110

ومن حذف البدل المضاف لدلالة المبدل منه عليه قول الراجز: (٤١٦) ٧٥ - الأكل المالَ اليتيمِ بطرا ... يأكل نارًا وسصيلى سقرا أراد: الأكل المالَ مالَ اليتيم. ومثله قول الشاعر (٤١٧): ٧٦ - المالُ ذي كرم ينمي (٤١٨) محامدَه ... ما دام يبذله فيْ السر والعلن [١٠و] أراد: المالُ مال ذي كرم. وقد يحذف المضاف باقيًا عمله وإن لم يكن بدلًا، كقوله ﵇: (فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين صلاة) (٤١٩) [أي: فضل سبعين صلاة. وهو من "جامع المسانيد" (٤٢٠).ويجوز إن يكون الاصل: بسبعين صلاة] (٤٢١) فحذفت الباء وبقي عملها الوجه الثاني- أن يكون الأصل: جاءه بالألف الدينار، والمراد بالألف الدنانير، فاوقع المفرد موقع الجمع (٤٢٢) كقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ (٤٢٣) ثم حذفت اللام من الخط صيرورتها (٤٢٤) بالادغام دالًا، فكتب على اللفظ كما كتب ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (٤٢٥) في "الأنعام" على صورة "ولدار الأخرة".

стр. 111

الوجه الثالث- أن يكون "الألف" مضافا الى "دينار" والألف واللام زائدتان (٤٢٦) فلذلك لم يمنعا من الإضافة، ذكر جواز هذا الوجه أبو على الفارسي، وحمل عليه قول الشاعر (٤٢٧): ٧٧ - تُولي الضجيعَ إذا تنبه مَوهنًا ... كالأقحُوان من الرشاش المستقي قال أبو على: أراد من رشاش المستقي، فزاد الألف والسلام. ولم تمنعا من (٤٢٨) إلاضافة. ولقوله "فقرأ العشر آيات" من هذا الوجه الثالث نصيب، أعني كون الألف واللام زائدتين غير مانعتين (٤٢٩) من الاضافة.

стр. 112

ومنها قول أم عطية ﵂ (أمرنا أن نخرج الحيضَ يوم العيدين) (٤٣٠) قلت: في هذا الحديث توحيد "اليوم" المضاف إلى "العيدين". وهو في المعنى مثنى. ولو روي بلفظ التثنيةِ على الأصل، وبلفظ الجمع لأ من اللبس لجاز. ففيه (٤٣١) وفي أمثاله ثلاثة أوجه: فمن الوارد بافراد ما في حديث الوضوء من قول الراوى (ومسح أذنيه ظاهرَهما وباطنهما) (٤٣٢). ومنه ما حكى الفراء من قول بعض العرب (أكلت رأس شاتين) (٤٣٣). ومنه قول الشاعر (٤٣٤): ٧٨ - حمامةَ بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها ومن الوارد بلفظ التثنية قول الشاعر (٤٣٥): ٧٩ - فتخالسا نفْسَيهما بنَوافذٍ ... كنوافذِ العُبُط التي لا تُرقعُ (٤٣٦)

стр. 113

ومن الوارد بلفظ الجمع قوله تعالى ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (٤٣٧) و ﴿ِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٤٣٨) وقول النبي ﷺ (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه) (٤٣٩). وقد اجتمعت التثنية والجمع (٤٤٠) في قول الراجز (٤٤١): ٨٠ - ومَهْمهينِ قَذفَين (٤٤٢) مرْتين ... ظهراهما مثل ظهور التُرْسَين (٤٤٣) ويلحق بهذا توحيد خبر المثنى المعبر عنه بواحد كالتعبير عن الأذنين والعينين بحاسةٍ، فاجراء هذا (٤٤٤) النوع مجرى الواحد جائز، كقوله ﷺ (من أفرى الفِرى أن يرى (٤٤٥) عينيه مالم تر) (٤٤٦). ولو راعى اللفظ القال: ما لم تريا. ومثل الحديث قول الشاعر (٤٤٧): ٨١ - وكأن في العينين حب قرنفل ... أوسنبلا كحلت به فانهلت

стр. 114

ومنها قول عمر ﵁ (إذا وسّع الله عليكم فأوسعوا ... صلى رجل في إزارٍ ورداء، في إزارٍ وقميص، في إزارٍ وقَباء) (٤٤٨). قلت: تضمن هذا الحديث فائدتين: إحداهما- ورود الفعل (٤٤٩) الماضى بمعنى الأمر, وهو "صلى رجل". والمعنى: ليصل رجل. ومثله من كلام العرب (اتقَى الله امرؤ وفعل خيرًا يُثَبْ عليه) (٤٥٠). بمعنى (٤٥١): ليتق ... وليفعل. ولكونه بمعنى الأمر جيء بعده بجواب مجزوم كما يجاء بعد الأمر الصريح. وأكثر مجيء الماضي بمعنى الطلب في الدعاء، نحو (٤٥٢) نصر الله من والاك، وخذل من عاداك. والفائدة الثانية- حذف حرف [١٠ظ]، العطف، فإن الأصل: صلى رجل في إزار ورداء، أو في ازار وقميص، أو في إزار وقَباء. ف حذف حرف العطف مرتين لصحة المعنى بحذفه. ونظير هذا الحديث في تضمن الفائدتين قول النبي ﷺ (تصدق امرؤ من ديناره، من درهمه ... من صاع بره، من صاع تمره) (٤٥٣).

стр. 115

ومنها قول رسول الله ﷺ (يا زبير اسق (٤٥٤) ثم أرسل الماء) فقال الأنصاري: (أنه ابن عمتك) (٤٥٥) قلت:. يجوز في "أنه" الكسر والفتح؛ لأنها واقعة بعد كلام تام معلل بمضمون ما صدّر بها. وإذا كسرت قدر قبلها الفاء. وإذا فتحت قدر قبلها اللام. وبعضهم يقدر بعد الكلام المصدَر بالمكسورة مثل ما قبلها مقرونًا بالفاء، كقولك فى "اضربه إنه مسيء" اضربه إنه (٤٥٦) مسيء فاضربه. ومن شواهد الكسر ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤٥٧) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٤٥٨) ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٤٥٩) ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٤٦٠) و ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٤٦١) و ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ (٤٦٢). والفتح في هذه المواضع جائز في العربية (٤٦٣). لكن (٤٦٤) القراءة سنةِ متبوعة.

стр. 116

وقد ثبت الوجهان في ﴿نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٤٦٥). فقرأ بالفتح نافع والكسائي، وكسر الباقون (٤٦٦). فحاصل ما تقرر أن الوجهين جائزان في " أنه ابن عمتك". والكسر أجود. والله أعلم.

стр. 117

ومنها قول النبي ﷺ (يا عائشة، لولا قومُك حديثو عهد بكفر لنقضت (٤٦٧) الكعبة فجعلت لها بابين) (٤٦٨) ويروى ( ... حديث عهدُهم بكفر (٤٦٩). قلت: تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد "لولا" أعنى قوله "لولا قومُك حديثو عهد بكفر". وهو مما خفي على النحويين إلا الرماني و [ابن] (٤٧٠) الشجرى. وقد يُسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه، فأقول وبالله أستعين (٤٧١). إن المبتدأ المذكور بعد "لولا" على ثلاثة أضرب: مخبر عنه بكون غيرمقيد. ومخبرعنه بكون مقيد لا يدرك معناه عند حذفه (٤٧٢). ومخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذفه. فالأول، نحو: لولا زيد لزارنا عمرو. فمثل هذا يلزم حذف خبره؛ لأن المعنى: لولا زيد على كل حال من أحواله لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها. فلزم الحذف لذلك. ولما في الجملة من ألاستطالة المحوجة الي (٤٧٣) الاختصار. الثاني -وهو المخبر عنه بكون مقيد، ولا يدرك معناه إلا بذكره، نحو: لولا زيد غائب لم أزرك، فخبر هذا النوع واجب الثبوت؛ لأن معناه يجهل عند حذفه. ومنه قول النبي ﷺ "لولا قومك حديثو عهد بكفر" أو (حديث عهدهم بكفر".

стр. 118

فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظُن أن المراد (٤٧٤): لولا قومك على كل حال من أحوالهم لنقضت الكعبة وهو خلاف المقصود؛ لأن من أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل. وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة وبنائها على الوجه المذكور. ومن هذا النوع قول عبد الرحمن بن الحارث لأبي هريرة (إني ذاكر لك أمرًا، ولولا مروان أقسم على فيه لم أذكره لك) (٤٧٥). ومن هذا النوع قول الشاعر (٤٧٦): ٨٢ - لولا زهير جفاني كنت منتصرًا ... ولم أكن جانحًا للسلم إذ جنحوا ومثله (٤٧٧): ٨٣ - لولا ابن أوس ناى ما ضيم صاحبه ... يومًا ولا نابه وهن ولا حذر الثالث -وهو المخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذفه، كقولك: لولا أخو زيد ينصره لغلب، ولولا صاحب عمرو يعينه لعجز، ولولا حسن الهاجرة يشفع (٤٧٨) لها لهجرت (٤٧٩). فهذه الأمثمة وأمثالها يجوز فيها [١١و]، إثبات الخبر وحذفه؛ لأن فيها شبها بـ "لولا زيد لزارنا عمرو"، وشبها (٤٨٠)، بـ " لولا زيد غائب لم أزرك" فجاز فيها ما وجب فيهما من الحذف والثبوت.

стр. 119

ومن هذا النوع قول أبي العلاء المعرَي في وصف سيف: ٨٤ - فلولا الغمدُ يُمسكه لسالا (٤٨١) وقد خطاه بعض النحوين (٤٨٢) وهو بالخطأ أولى.

стр. 120

ومنها قول النبي (٤٨٣) (عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت [جوعا] فدخلت فيها النار) (٤٨٤). قلت: تضمن هذا الحديث استعمال "في" دالة على التعليل، وهو مما (٤٨٥) خفي على أكثر النحويين مع وروده في القرآن العزيز والحديث والشعر القديم. فمن الوارد في القرآن العظيم قوله تعالى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. (٤٨٦) وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤٨٧). ومن الوارد في الحديث"عذبت امرأة في هرة" و (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) (٤٨٨). ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل (٤٨٩): ٨٥ - فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بُثينَ لقوني ومنه قول أبي خراش (٤٩٠):

стр. 121

٨٦ - لَوَى رأسَه عني ومالَ بوده ... أغانيج خَود كان فينا يزورُها ومثله قول الآخر (٤٩١). ٨٧ - أفي قَمَلي من كليبٍ هَجوتُه ... أبوجهضَم تَغلي في مَراجِلُه (٤٩٢)

стр. 122

ومنها قول رسول الله ﷺ (ما أحب أنه يحول لي ذهبا) (٤٩٣). قلت: تضمن هذا الحديث استعمال (حول) بمعنى "صير"، وعاملة عملها. وهو استعمال صحيح خفى على أكثر النحويين. والموضع الذي يليق (٤٩٤) أن يذكر فيه باب "ظن" وأخواتها. لأنها تقتضي مفعولين هما في الأصل مبتدأ وخبر. وقد جاءت في هذا الحديث مبنية لما لم يسم فاعله، فرفعت أول المفعولين، وهو ضمير عائد إلى"أحد" ونصبت (٤٩٥) ثانيهما، وهو "الذهب" فصارت ببنائها لما لم يسم فاعله جارية مجري "صار" في رفع ما كان مبتدأ ونصب ما كان خبرًا، وهكذا حكم "ظن" وأخواتها. وكذا حكم ما صيغ منها على صيغة مطاوعةٍ، كارتد وتحول، فانه بزيادة التاء تجدد له حذف ما كان فاعلًا، وجعل أول المفعولين فاعلًا، وجعل ثانيهما خبرًا منصوبًا، كما تجدد مثل ذلك فيٍ "حول" إذا بني لما لم (٤٩٦) يسم فاعله، كقولك في (٤٩٧) "حول الله طائفة من اليهود قردة": تحولت (٤٩٨) طائفة من اليهود قردة (٤٩٩)، و: حولت طائفة من اليهود قردة (٥٠٠). ف "حَول" جارٍ مجرى"صير" في نصب مفعولين هما في الأصل مبتدأ وخبر. و " تحول"و"حُول" جاريان مجرى" صار" في رفع المبتدأ ونصب الخبر.

стр. 123

وقد خفي هذا المعنى على من أنكر على الحريري قوله فيْ الخمر (٥٠١): ٨٨ - وما شيء إذا فسدا ... تحول غيه رشدا زكى العرقِ آخرُه ... ولكنْ بئس ما ولدا

стр. 124

ومنها قول رسول الله ﷺ (لو كان لي مثل أحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء) (٥٠٢). قلت: تضمن هذا الحديث ثلاثة أشياء: ١ - أحدها (٥٠٣)، وهو أسهلها، وقوع التمييز بعد "مثل" [١١ ظ] ومنه ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٥٠٤)، و (على التمرةِ مثلها زبدًا) (٥٠٥) ومنه قول الشاعر (٥٠٦): ٨٩ - ولو مثلُ ترب الأرض درًا وعسجدًا ... بذلت لوجه الله كان قليلًا ٢ - والثاني: وقوع جواب "لو" مضارعًا منفيا بـ "ما " وحق جوابها أن يكون ماضيًا مثبتًا، نحو: لو قام لقمت، أومنفياب "لم" (٥٠٧) نحو: لو قام لم أقم. واما الفعل الذي يليها فيكون مضارعًا مثبتًا، ومنفياب "لم" وماضيا مثبتًا، نحو: لو تقوم (٥٠٨) لقمت، و: لو لم تقم لقمت،، و: لو قمتَ لقمت. فلنا في وقوع المضارع في هذا الحديث جوابان: أحدهما- أن يكون وضع المضارع موضع الماضي الواقع جوابًا، كلما وضع في موضعه وهو شرط، كقوله تعالى ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (٥٠٩)، والأصل: لو أطاعكم. فكما وقع "يطيع " موقع "اطاع" وهو شرط، وقع"يسرني" موقع "سرنى" وهو جواب.

стр. 125

الثاني- أن يكون الأصل: ما كان يسرني (٥١٠)، فحذف "كان" وهو جواب "لو"، وفيه ضمير هو الاسم، و"يسرني" خبر. وحذف "كان " مع اسمها وبقاءُ خبرها كثير في نثر الكلام ونظمه (٥١١). فمن النثر قول النبي ﷺ (المرءُ مجزى بعمله، إنْ خيرًا فخيرَ وإن شرًا فشر (٥١٢). أي: (ن كان عمله خيرا فجزاؤه خيرَ، وإن كان عمله شرًا فجزاؤه شر. ومن النظم قول الشاعر (٥١٣): ٩٠ - حَدبتْ علي بطون ضنة كلها ... إن ظالمًا فيهم وإن مظلوما أي: إن كنت ظالمًا فيهم، وإن كنت مظلومًا. وأشبه شيء بحذف "كان" قبل "يسرني" حذفُ "جعل" قبل "يجادلنا" في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٥١٤) أي: جعل يجادلنا في قوم لوط (٥١٥) لأن "لما" مساوية لـ " لو" في استحقاق جواب بلفظ الماضي، فلما وقع المضارع في موضع الماضي دعت الحاجة إلى أحد أمرين: إما تأول المضارع بماض، وإما تقدير ماض قبل المضارع، وهو أولى الوجهين. والله تعالى أعلم. ٣ - الثالث: وقوع "لا" بين " أن " و "يمر" والوجه فيه أن تكون "لا" زائدة، كما هي في قوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٥١٦) أي: ما منعك أن تسجد، لأنه امتنع

стр. 126

من ثبوت السجود لا من انتفائه. وكذا "ما يسرني أن لا يمرّ"معناه (٥١٧): ما يسرني أن يمر، و "لا" زائدة.

стр. 127

ومنها قول ابن عمر ﵄ (رأيت رسول الله ﷺ ركب راحلته، ثم يُهل حين تستوي به راحلته) (٥١٨). ويروَى: حتى تستوي (٥١٩) به راحلته. قلت: هذا الموضع صالح لـ "حين" ولـ "حتى". أما صلاحيته ل "حين" فظاهرة. ْوأما صلاحيته ل " حتى" فعلى أن يكون قصد حكايته الحال، فاتى ب "حتى" مرفوعًا بعدها الفعل، كقراءة نافع: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ (٥٢٠) وكقول العرب (مرض فلان حتى لا يرجونه)، على تقدير: مرض فاذا هولا يرجَى. وكذا تقدير الحديث: ثم يهل فإذا هي (٥٢١) مستوية به راحلته، والمعنى أن أهلاله مقارن لاستواء راحلته به (٥٢٢)، كما أن انتفاء رجاء المريض مقارن للحال التي انتهى إليها. ولو نصب "تستوي" لم يجز؛ لأنه يستلزم أن يكون التقدير: ثم يهل إلى أن تستوي به راحلته. وهو خلاف المقصود [١٢و] إلا (٥٢٣) إن يريد: يهل بلا قطع حتى تستوي به راحلته، فيقطع قطع استراحة مردفا (٥٢٤) باهلال مستأنف فذلك جائز.

стр. 128

ومنها قول رسول الله ﷺ في في باب المواقيت (هن لهن ولمن أتى عليهن .. من غير أهلهن) (٥٢٥). قلت: الضمير الأول والضمير الثالث والضمير الرابع عائدة على المواقيت، فلا إشكال فيهن؛ لأن كل ضمير عائد على جمع مالًا يعقل (٥٢٦)، فالتعبير عنه في الرفع والاتصال بنحو: فعلتْ وفعلن، وفي الرفع والانفصال، بنحو: هى وهن، وفي النصب والجر بنحو: عرفتها وعرفتهن. إلا أن "فعلن" و "هن" و "عرفتهن" (٥٢٧) أولى بالعدد القليل، و "فعلتْ" و "هي" و"عرفتها" أولى بالعدد الكثير. فلذلك يقال: الاجذاع إنكسرنَ، وهن منكسرات (٥٢٨) وعرفتهن. لأن "الأجذاع" جمع قلة. بريقال: الجذوع انكسرت، وهي منكسرة، وعرفتها؛ لأن الجذوع جمع كثرة. هذا على الأفصح. والعكس جائز. وبالأفصح جاء قوله (٥٢٩) "هن (٥٣٠) ... ولمن أتى عليهن من غير أهلهنَّ". ولوجاء بغير الأفصح لكان: هى (٥٣١) ... ولمن أتى عليها عن غير أهلها. وبالأفصح أيضاً (٥٣٢) جاء القرآن، أعني قوله تعالى ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ

стр. 129

الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٥٣٣). فقيل: "منها" في ضمير "اثني عشر" و "فيهن" في ضمير"أربعة". وأما الضمير في (٥٣٤) قوله "لهن" فكان حقه أن يكون هاءً وميمًا، فيقال: "هن لهم" لأن المراد أهل المواقيت. فاللائق بهم ضمير الجمع المذكر، ولكنه انث باعتبار الفرق والزمر والجماعات. وسبب العدول عن الظاهر تحصيل التشاكل للمتجاورين، كما قيل في بعض الأدعية المأثورة (اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، وربٍ الشياطين وما أضللن) (٥٣٥). واللائق بضمير الشياطين أن يكون واوًا، فجعل نونًا قصدًا للمشاكلة، والخروج عن الأصل لقصد المشاكلة كثير، ومنه "لا دريت ولا تليت" (٥٣٦)، و (أخذه ما قدُم وما حدُث) (٥٣٧) والأصل: تلوت، وحدَث. ونظائر ذلك كثيرة.

стр. 130

ومنها قول رسول الله (فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا) (٥٣٨). قلت: (٥٣٩) نصب "نارًا" على التمييز، وأسند "يتوقد" إلى ضمير عائد على "الثقب". كما يقال: مررت بامرأة تتضوع من اردانها طيبا. وعلامة صحة انتصاب التمييز بفعل أن يصلح اسناد الفعل إليه مضافًا الي المجعول فاعلًا، كقولك في "تتضوع من أردانما طيبا": يتضوع طييها من أردانها، وكقولك (٥٤٠) في "طاب زيد نفسًا" طابت نفس زيد. وهذا الاعتبار صحيح في "يتوقد تحته نارًا" بأن يقال: تتوقد ناره تحته، فصح نصب "نار" (٥٤١) على التمييز. ويجوز أن يكون فاعل "يتوقد" موصولًا ب "تحته " فحذف وبقيت صلته دالة عليه لوضوح المعنى، والتقدير: يتوقد الذي تحته نارًا، أو: يتوقد ما تحته نارًا. و"نارًا" أيضا تمييز. ونظير هذا التقدير قول الأخفش في ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ (٥٤٢) إن أصله: وإذا رأيت ما ثم (٥٤٣). وحذف الموصول لدلالة صلته (٥٤٤) عليه مما انفرد به الكوفيون (٥٤٥)، ووافقهم الأخفش. وهم في ذلك مصيبون.

стр. 131

ومن دلائل إصابتهم قوله تعالى ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (٥٤٦) والأصل: بالذي أنزل الينا وبالذي (٥٤٧) أنزل اليكم؛ لأن الذي أنزل الينا ليس هو الذي أنزل إلى من قبلنا ,ولذلك أعيدت "ما" بعد "ما" في قوله تعالى [١٢ظ]، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٥٤٨). ومن حذف الموصول مستغنى عنه بصلته قول حسان ﵁ (٥٤٩): ٩١ - أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء يريد: أمن يهجو رسول الله منكم أيها المشركون ومن يمدحه منا وينصره سواء. ومثل قول حسان قول الأخرْ (٥٥٠): ٩٢ - ما الذي دأبه احتياط وحزم ... وهواه أطاع يستويان يريد: ما الذي دأبه احتياط وحزم، والذي هواه أطاع يستويان. وأحسن ما يستدل بهٍ على هذا الحكم قوله ﷺ : (مثل المهجر كالذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشًا، ثم دجاجة، ثم بيضة) (٥٥١). فإن فيه حذف الموصول وأكثر (٥٥٢) الصلة ثلاث مرات؛ لأن التقدير: ثم كالذي يهدي كبشا، ثم كالذي يهدى دجاجهْ، ثم كالذي يهدى بيضة. وإذا حذف الموصول وأكثرالصلة، فإن يحذف (٥٥٣) الموصول وتبقى الصلة بكمالها أحق بالجواز وأولى.

стр. 132

ومنها قول رسول الله ﷺ (فجعل كلما جاء ليخرجَ رَمَى فى فيه بحجر (٥٥٤) وقول الصاحب ﵁" فجعل الرجل اذا لم يستطع، (٥٥٥) أن يخرج أرسل رسولا) (٥٥٦). وقول أنس ﵁ (فما جعل يشير بيده (٥٥٧) إلى ناحية من السماء إلا تفرجت) (٥٥٨). وفي [حديث] (٥٥٩) آخر (وكان أبو بكر لا يكاد يلتفت في الصلاة، فالتفت، فإذا هو بالنبي ﷺ وراءه) (٥٦٠). وفي حديث جبير بن مطعم (فعَلقت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة).ويروى: فطفقت (٥٦١). قلت: تضمن هذا الكلام وقوع خبر "جعل" الانشائيةِ جملة فعليه مصدرة ب "كلما". وحقه أن يكون فعلا مضارعًا كغيرها من أفعال باب المقاربة، فيقال: جعلت

стр. 133

أفعل كذ, ولا يقال: جعلت كلما شئت فعلت، ولا نحو (٥٦٢) ذلك. قال الشاعر (٥٦٣): ٩٣ - وقد جعلتُ إذا ما قمت يثقلني ... ثوبى، فأنهض نهض الشارب الثمل فما جاء هكذا فهو موافق للاستعمال المطرد، وما جاء بخلافه فهو منبه على أصل متروك. وذلك إن أفعال الانشاء وسائر أفعال باب المقاربة مثل "كان"في الدخول على مبتدأ وخبر، فالأصل إن يكون خبرها مثل خبر "كان"في وقوعه مفردًا [وجملة اسمية وجملة فعلية وظرفًا. فترك الأصل والتزم كون الخبر فعلًا مضارعًا. ثم نبه شذوذا على الأصل المتروك بوقوعه مفردًا] (٥٦٤) في: ٩٤ - عسيت صائمًا (٥٦٥) ٩٥ - . ما كدت آيبا ... (٥٦٦)

стр. 134

وبوقوعه جملة اسمية في قوله (٥٦٧): ٩٦ - وقدجعلتْ قلوص بني (٥٦٨) سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب وبوقوعه جملة من فعل ماض مقدم عليه "كلما" في" فجعل (٥٦٩) كلما جاء ليخرج" وبوقوعه جملة فعلية مصدرة ب" إذا" (٥٧٠) في"فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا" (٥٧١). وفي" فما جعل يشير" غرابة؛ لأن أفعال الشروع إن صحبها نفي كان مع خبرها، نحو: جعلت لا ألهو. وقد ندر في هذا (٥٧٢) الحديث دخول" ما" على "جعل ". وسهل ذلك أن معنى "ما جعك يفعل" و" جعل لا يفعل" [١٣ و] واحد. ويدخل ناف (٥٧٣) على "كاد" (٥٧٤) لنفي خبرها ونفي مقاربته، نحو: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٥٧٥) ومنه قول ذي الرمة (٥٧٦):

стр. 135

٩٧ - إذا غير النأي المحبين لم يكلد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح ويدخل لنفي سهولة (٥٧٧) ايقاع الفعل، نحو ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٥٧٨)، ومنه "وكان أبو بكر لا يكاد يلتفت في الصلاة فالتفت". وفي "فعلقت الأعراب يسألونه" شاهد على موافقة "علق" لـ "طفق " (٥٧٩) معنى وحكمًا، كقوله (٥٨٠): ٩٨ - أراك علقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير

стр. 136

ومنها قول رسول الله ﷺ (ومن (٥٨١) كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها) (٥٨٢). وقول أبي ذر ﵁ (ولا والله لا أسالهم دُنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله (٥٨٣)). قلت: "دُنيا" في الأصل مؤنث (٥٨٤) أدنى، وأدنى: أفعل تفضيل، وأفعل التفضيل إذا نكر لزم الإفراد والتذكير، وامتنع تأنيثه وتثنيته وجمعه. ففي استعمال "دنيا" بتأنيث، مع كونه منكرًا، إشكال. فكان حقه أن لا يستعمل، كما لا يستعمل "قصوى" ولا"كبرى". إلا أن "دنيا" خلعت عنها (٥٨٥) الوصفية (٥٨٦) غالبًا، واجريت مجرى ما لم يكن قط وصفًا مما وزنه فُعلى، ك "رُجعى" و"بهمى". ومن وروده منكرًا مؤنثًا قول الفرزدق (٥٨٧): ٩٩ - لا تعجبنك دنيا أنت تاركها ... كم نالها من أناس ثم قد ذهبوا ومما عومل معاملة "دنيا" في الجمع بن التنكير والتأنيث، والأصل أن لا يكون قول الشاعر (٥٨٨):

стр. 137

١٠٠ - وإن دعوتِ إلى جلى ومكرمة ... يومًا سراة كرام الناس فادعينا فإن "الجلى" في الأصل مؤنث "الأجل" ثم خلعت عنه الوصفية، وجعل اسمًا للحادثة العظيمة، فجرى مجرى الأسماء التي لا وصفية (٥٨٩) لها في الأصل.

стр. 138

ومنها قول رسول الله ﷺ على رواية الأصيلي: "ولكنْ خوة الإسلام" (٥٩٠). قلت: الأصل" ولكن أخوة الإسلام" (٥٩١)، فنقلت حركة الهمزة إلى النون، وحذفت الهمزة على القاعدة المشهورة، فصار "ولكن خوة الإسلام"فعرض بعد ذلك استثقال ضمة بين كسرة وضمة، فسكن النون تخفيفا، فصار "ولكنْ خوة الإسلام". وسكون النون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي. ونبهت بقولي "على القاعدة المشهورة" على أن من العرب من يبدل الهمزة بعد النقل بمجانس حركتها. فيقول لي "هؤلاء نشو صدق، و: رأيت نشا صدق، و: مررت بنش صدق": [هؤلاء نشوصدق، و: رأيت نَشَا صدق، و: مررت بنشِي صدق] (٥٩٢). ومنه قول الشاعر (٥٩٣): ١٥١ - إذا اجتمعوا (٥٩٤) على وأشقذوني ... فصرت كأنني فرأً متَارُ (٥٩٥) أي: متأر. وهو المنظور إليه نظرًا متتابعا. وشبيه بـ "ولكن خوةُ الإسلام" في تخفيفه مرتين (٥٩٦) وحذف همزته لفظًا وخطاٌ

стр. 139

قوله تعالى ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ (٥٩٧) فإن أصله: لكن أنا، فنقلت حركة الهمزة وحذفت، فصار (٥٩٨) لكننا، فاستثقل (٥٩٩) توالي النونين [١٣ظ]، متحركين (٦٠٠)، فسكن أولهما وادغم في الثاني. ومثله قول الشاعر (٦٠١): ١٠٢ - وترمينني بالطرف (٦٠٢) أي أنت مذنب ... وتقلينني، لكن إياك لا أقلي أراد: لكنْ أنا إياك لا أقلي، ثم عمل به ما ذكرته. والحاصل أن للناطق بـ "ولكن خوة (٦٠٣) الإسلام" ثلاثة أوجه: سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة. وضم النون وحذف الهمزة. وسكون النون وحذف الهمزة. فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع.

стр. 140

ومنها قول النبي ﷺ "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليها، إن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) (٦٠٤). قلت: موضع الإشكال في هذا الحديث (٦٠٥) قوله "فخير تقدمونها إليها" فأنث الضمير العائد على "الخير" وهو مذكر. فكان ينبغي أن يقول: فخير تقدمونها (٦٠٦) إليه. لكن المذكر يجوز تأنيثه إذا أوِّل بمؤنث، كتأويل "الخير" الذي تقدم إليه النفس الصالحة بالرحمة أو بالحسنى أو باليسرى، كقوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ (٦٠٧)، وكقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٦٠٨). ومن إعطاء المذكر حكم المؤنث باعتبار التأويل قول النبى ﷺ في إحدى الروايتين (فإن في إحدى جناحيه دواءً والأخرى داء) (٦٠٩). والجناح مذكر، ولكنه من الطائر بمنزلة اليد، فجاز تأنيثه مؤولًا بها. ومن تأنيث المذكر لتأويله بمؤنث قول تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٦١٠)، فأنث عدد الأمثال وهي مذكرة لتأويلها بحسنات.

стр. 141

ومثله قراءة أبي العالية ﴿لا تنفع نفسًا إيمانها﴾ (٦١١) بالتاء، والفعل مسند إلى "الإيمان" لكنه في المعنى طاعة وانابة، فكان ذلك سببا اقتضى تأنيث فعله. ولا يجوز أن يكون تأنيث فعل الإيمان لكون الإيمان سرى إليه تأنيث من المضاف إليه، كما سرى بن "الرياح" إلى إلى "مر" (٦١٢) في قول الشاعر (٦١٣): ١٠٣ - مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أغاليها مر الرياح النواسم لأن سريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف مشروط بصحة الاستغناء به عنه، كاستغنائك بالرياح عن الـ "مر" في قولك: "تسفهت أعاليها الرياحُ، وذلك لا يتأتي في "لا تنفع نفسا إيمانها" لأنك لو حذفت "الإيمان" وأسندت "تنفع" إلى المضاف إليه لزم إسناد (٦١٤) الفعل إلى ضمير مفعوله، وذلك لا يجوز باجماع؛ لأنه بمنزلة قولك "زيدًا ظلم" تريدْ: ظلم زيد نفسه فتجعل فاعل "ظلم" ضميرًا لا مفسر له إلا مفعول فعله، فتصير العمدة مفتقرة إلى الفضلة افتقارأ لازمًا، وذلك فاسد. وما أفضى إلى الفاسد فاسد. وقد خفي هذا المعنى على ابن جني، فاجاز في "المحتسب" أن تكون قراءة أبي العالية من جنسى (تسفهت أعاليها مَرُ الرياح) (٦١٥) وهو خطأ بين، والتنبيه عليه متعين. وقد يصح قول ابن جني بأن يجعل لسريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف سبب آخر، وهو كون المضاف شبيها بما يستغنى عنه، فالايمان، وإن لم يُستغن (٦١٦) عنه في "لا تنفع نفسا إيمانها" قد يستغنى عنه في "سرتنى إيمان الجارية ". فيسرى إليه التأنيث بوجود الشبه، كما يسرى إليه لصحهّ (٦١٧) [١٤و] الاستغناء عنه.

стр. 142

ويؤيد ذلك قول ابن عباس ﵄ (اجتمع عند البيت قُرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحمُ بطونهم، قليلة فقهُ قلوبهم) (٦١٨) فسرى تأنيث البطون والقلوب إلى الشحم، والفقه، مع أنهما لا يستغنى عنهما بما أضيفا اليهما, لكنهما شبيهان بما يُستغنَى (٦١٩) عنه، نحو: أعجبتني (٦٢٠) شحم بطون الغنم، ونفعت الرجال فقة قلوبهم. وقد يكون تأنيث "كثيرة" و"قليلة" ولتأول (٦٢١) "الشحم" بالشحوم، و"الفقه" بالفهوم. ومن اعطاء المذكر حكم المؤنث بمجرد (٦٢٢) التأويل ما روى أبو عمرو (٦٢٣) من قول رجل من اليمن (فلان لغوب جاءته كتابى فاحتقرها). قال: (٦٢٤) فقلت (٦٢٥): أتقول: جاءته كتابي؟! قال: نعم، أليس بصحيفة (٦٢٦).

стр. 143

ومنها أن الحسن أو الحسين أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها فى فيه، فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه وقال: (أما علمت) (٦٢٧) وفي بعض النسخ (ما علمت) (٦٢٨). قلت: لا إشكال في هذا الحديث إلا في رواية من روى: "ما علمت". فإن "أما" هذه مركبة من همزة الاستفهام، و"ما" النافية. وأفاد تركيبهما التقرير (٦٢٩) والتثبيت، فكأن قائل "أما فعلت" قائل: قد فعلت. وأكثر ما يستعمل في هذا المعنى "ألم" كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٦٣٠)، فيه معنى: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه ﴿وَضَعْنَا﴾ و ﴿رَفَعْنَا﴾. ومن روى "ما علمتَ" فاصله: أما علمت, وحذفت همزة إلاستفهام؛ لأن ألمعنى لا يستقيم إلا بتقديرها. وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها، كقوله تعالى ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ (٦٣١). قال أبو الفتح وغيره (أراد: أو تلك نعمة) (٦٣٢). ومن ذلك قراءة ابن (٦٣٣) محيصن ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٦٣٤) بهمزة واحدة.

стр. 144

ومثله قراءة أبي جعفر ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ (٦٣٥) بهمزة وصل. ومن حذف الهمزة لظهور المعنى قول الكميت (٦٣٦): ١٠٤ - طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني. وذو الشيب يلعب أراد: أو ذو الشيب يلعب؟ ومثله قول الأخر (٦٣٧): ١٠٥ - فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتوني وقالوا (٦٣٨) من ربيعة أم مضر أراد: أمن ربيعة أم مضر. ومن حذف الهمزة قبل "ما"، النافية عند قصد التقرير ما أنشد (٦٣٩) البطليوسي من قول الشاعر (٦٤٠): ١٠٦ - ما ترى الدهرَ قد أباد مَعدًا ... وأباد القرون من قوم عادِ ومن حذف الهمزة في الكلام الفصيح قوله ﷺ (يا أبا ذر، عيرته بأمه؟) (٦٤١). أراد: أعيرته.

стр. 145

ومنه قول النبي ﷺ (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا (٦٤٢) دخل الجنة. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى) (٦٤٣) أراد رسول الله ﷺ : أوَ إن سرق وزنى. ومنه حديث ابن عباس أن رجلًا قال (إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فأقضيه) (٦٤٤). وفي بعض النسخ [١٤ظ] أفاقضيه.
следующие страницы →