← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98123

شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

ابن مالك

Полный текст (280 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومثله قراءة أبي العالية ﴿لا تنفع نفسًا إيمانها﴾ (٦١١) بالتاء، والفعل مسند إلى "الإيمان" لكنه في المعنى طاعة وانابة، فكان ذلك سببا اقتضى تأنيث فعله. ولا يجوز أن يكون تأنيث فعل الإيمان لكون الإيمان سرى إليه تأنيث من المضاف إليه، كما سرى بن "الرياح" إلى إلى "مر" (٦١٢) في قول الشاعر (٦١٣): ١٠٣ - مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أغاليها مر الرياح النواسم لأن سريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف مشروط بصحة الاستغناء به عنه، كاستغنائك بالرياح عن الـ "مر" في قولك: "تسفهت أعاليها الرياحُ، وذلك لا يتأتي في "لا تنفع نفسا إيمانها" لأنك لو حذفت "الإيمان" وأسندت "تنفع" إلى المضاف إليه لزم إسناد (٦١٤) الفعل إلى ضمير مفعوله، وذلك لا يجوز باجماع؛ لأنه بمنزلة قولك "زيدًا ظلم" تريدْ: ظلم زيد نفسه فتجعل فاعل "ظلم" ضميرًا لا مفسر له إلا مفعول فعله، فتصير العمدة مفتقرة إلى الفضلة افتقارأ لازمًا، وذلك فاسد. وما أفضى إلى الفاسد فاسد. وقد خفي هذا المعنى على ابن جني، فاجاز في "المحتسب" أن تكون قراءة أبي العالية من جنسى (تسفهت أعاليها مَرُ الرياح) (٦١٥) وهو خطأ بين، والتنبيه عليه متعين. وقد يصح قول ابن جني بأن يجعل لسريان التأنيث من المضاف إليه إلى المضاف سبب آخر، وهو كون المضاف شبيها بما يستغنى عنه، فالايمان، وإن لم يُستغن (٦١٦) عنه في "لا تنفع نفسا إيمانها" قد يستغنى عنه في "سرتنى إيمان الجارية ". فيسرى إليه التأنيث بوجود الشبه، كما يسرى إليه لصحهّ (٦١٧) [١٤و] الاستغناء عنه.

стр. 142

ويؤيد ذلك قول ابن عباس ﵄ (اجتمع عند البيت قُرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحمُ بطونهم، قليلة فقهُ قلوبهم) (٦١٨) فسرى تأنيث البطون والقلوب إلى الشحم، والفقه، مع أنهما لا يستغنى عنهما بما أضيفا اليهما, لكنهما شبيهان بما يُستغنَى (٦١٩) عنه، نحو: أعجبتني (٦٢٠) شحم بطون الغنم، ونفعت الرجال فقة قلوبهم. وقد يكون تأنيث "كثيرة" و"قليلة" ولتأول (٦٢١) "الشحم" بالشحوم، و"الفقه" بالفهوم. ومن اعطاء المذكر حكم المؤنث بمجرد (٦٢٢) التأويل ما روى أبو عمرو (٦٢٣) من قول رجل من اليمن (فلان لغوب جاءته كتابى فاحتقرها). قال: (٦٢٤) فقلت (٦٢٥): أتقول: جاءته كتابي؟! قال: نعم، أليس بصحيفة (٦٢٦).

стр. 143

ومنها أن الحسن أو الحسين أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها فى فيه، فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه وقال: (أما علمت) (٦٢٧) وفي بعض النسخ (ما علمت) (٦٢٨). قلت: لا إشكال في هذا الحديث إلا في رواية من روى: "ما علمت". فإن "أما" هذه مركبة من همزة الاستفهام، و"ما" النافية. وأفاد تركيبهما التقرير (٦٢٩) والتثبيت، فكأن قائل "أما فعلت" قائل: قد فعلت. وأكثر ما يستعمل في هذا المعنى "ألم" كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٦٣٠)، فيه معنى: شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه ﴿وَضَعْنَا﴾ و ﴿رَفَعْنَا﴾. ومن روى "ما علمتَ" فاصله: أما علمت, وحذفت همزة إلاستفهام؛ لأن ألمعنى لا يستقيم إلا بتقديرها. وقد كثر حذف الهمزة إذا كان معنى ما حذفت منه لا يستقيم إلا بتقديرها، كقوله تعالى ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ (٦٣١). قال أبو الفتح وغيره (أراد: أو تلك نعمة) (٦٣٢). ومن ذلك قراءة ابن (٦٣٣) محيصن ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٦٣٤) بهمزة واحدة.

стр. 144

ومثله قراءة أبي جعفر ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ (٦٣٥) بهمزة وصل. ومن حذف الهمزة لظهور المعنى قول الكميت (٦٣٦): ١٠٤ - طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني. وذو الشيب يلعب أراد: أو ذو الشيب يلعب؟ ومثله قول الأخر (٦٣٧): ١٠٥ - فأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر ... أتوني وقالوا (٦٣٨) من ربيعة أم مضر أراد: أمن ربيعة أم مضر. ومن حذف الهمزة قبل "ما"، النافية عند قصد التقرير ما أنشد (٦٣٩) البطليوسي من قول الشاعر (٦٤٠): ١٠٦ - ما ترى الدهرَ قد أباد مَعدًا ... وأباد القرون من قوم عادِ ومن حذف الهمزة في الكلام الفصيح قوله ﷺ (يا أبا ذر، عيرته بأمه؟) (٦٤١). أراد: أعيرته.

стр. 145

ومنه قول النبي ﷺ (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا (٦٤٢) دخل الجنة. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى) (٦٤٣) أراد رسول الله ﷺ : أوَ إن سرق وزنى. ومنه حديث ابن عباس أن رجلًا قال (إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فأقضيه) (٦٤٤). وفي بعض النسخ [١٤ظ] أفاقضيه.

стр. 146

ومنها قول رسول الله ﷺ "لوأن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، ما تقول: ذلك يبقى من درنه؟ (٦٤٥). وقول حُمران: (ثم أدخل يمينه في الإناء ... ثلاث (٦٤٦) مرار) (٦٤٧) يعنى عثمان ﵁. وقول عائشة ﵂ (ثم يصب على رأسه ثلاث غرف) (٦٤٨). قلت: حكم العدد من ثلاثة إلى عشرة في التذكير، ومن ثلاث إلى عشر في التأنيث أن يضاف إلى أحد جموع القلة الستة. وهى أفعُل، وأفعال، وفِعلة، وأفعلة، والجمع بالألف والتاء، وجمع المذكر السالم (٦٤٩). فإن لم يجمع المعدود بأحد هذه الستة جيء بدله بالجمع المستعمل كقولك (٦٥٠): ثلاثة سباع، وثلاثة لبوث. ومنه قول أم عطية ﵂ (جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون) (٦٥١). فإن كان للمعدد جمع قلة، وأضيف إلى جمع كثرة (٦٥٢) لم يُقس عليه، كقوله تعالى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٦٥٣) فاضيف "ثلاثة" إلى "قروء" وهو جمع كثرة

стр. 147

مع ثبوت" أقرأء" وهو جمع قلة. ولكن لا عدول عن الاتباع عند صحة السماع , ومن هذا القبيل قول حمران "ثم أدخل يمينه في الإناء ... ثلاث مرار". فإن "مرارًا" (٦٥٤) جمع كثرة، وقد أُضيف إليه "ثلاث" مع إمكان الجمع بالألف والتاء، وهو من جموع القلة، ف" ثلاث مرار" نظير "ثلاثة قروء". وأما قول النبي ﷺ "يغتسل فيه كل يوم خمس مرات" فوارد على مقتضَى القياس؛ لأن الجمع بالألف والتاء جمع قلة. وأما قول عائشة ﵂ "ثم يصب على رأسه ثلاث غُرف" فالقياس عند البصريين أن يقال: ثلاث غرفات؛ لأن الجمع بالألف والتاء جمع قلة، والجمع على"فُعَل" عندهم جمع كثرة. والكوفيون) (٦٥٥) يخالفونهم، فيرون أن "فُعَلًا" و" فِعَلًا" من جموع القلة. ويعضد قولَهم قول عائشة ﵂ "ثلاث غُرَف". وقول الله تعالى ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ (٦٥٦). ويعضد قولهم في" فِعَل" قوله تعالى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (٦٥٧). فاضافة "ثلاث" إلى "غرف" و "عشر" إلى "سور" و "ثماني" إلى "حجج" (٦٥٨) مع إمكان الجمع بالألف والتاء دليل على إن "فعَلا" و "فِعَلا". جمعا قلة، للاستغناء بهما عن الجمع بالألف والتاء. والحاصل أن "ثلاث غرَف" إن وجه على مذهب البصريين ألحق ب "ثلاثة قروء". وإن وجه (٦٥٩) على مذهب الكوفيين فهو وارد على مقتضى القياس. ****** واما قوله ﷺ "ما تقول: ذلك يُبقي من درنه؟ " ففيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن علىٍ اللغة المشهورة. والشرط فيه أن يكون فعلا مضارعًا مسندًا الى المخاطب، متصلًا باستفهام، نحو (٦٦٠):

стр. 148

١٠٧ - متى تقول: القُلَصَ الرواسما ... يحملن ام قاسم وقاسما وِمنه الحديث المذكور؛ لأنه قد تقدم فيه "ما" الاستفهامية ووليها فعل القول مضارعًا مسندًا الي المخاطب، فاستحق أن يعمل عمل فعل الظن. ف"ذلك" في موضع نصب مفعول أول، و"يبقي" في موضع نصب مفعول ثانِ، و "ما" (٦٦١) الاستفهامية في موضع نصب ب" يبقي"وقدم لأن الاستفهام له صدر الكلام. والتقدير [١٥و]: أى شى تظن ذلك الاغتسال مبقيًا من درنه. وأشرت بقولي "على اللغة المشهورة" إلى لغة سلَيم" فانهم يجرون أفعال القول كلها مجرى" ظن" (٦٦٢) بلا شرط، فيجوز على لغتهم أن يقال: قلت: زيدًا منطلقًا، ونحو ذلك (٦٦٣). ومن إجراء فعل القول مجرى فعل الظن على اللغة المشهووة قول النبي ﷺ (آلبر تقولون. بهن) (٦٦٤) أي: البر تظنون بهن. وفي رواية عائشة رضى الله عنها: (آلبر تُرون بهن) (٦٦٥). ومعنى "ترون" (٦٦٦) أيضا "تظنون". ف " البر": مفعول أول و" بهن": مفعول ثانٍ. وهما في الأصل مبتدأ وخبر.

стр. 149

ومنها قول أبي جحيفة (٦٦٧) ﵁ (خرج [علينا] (٦٦٨)، رسول الله ﷺ بالهاجرة فأتي بؤضوء فتوضأ، فصل بنا الظهر والعصر، وبين يديه عنَزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها). قلت: المشكل من هذا الحديث قوله (٦٦٩) "والمرأة والحمار يمرون". فأعاد ضمير الذكور العقلاء على مؤنث ومذكر غير عاقل. والوجه فيه أنه أراد: والمرأة والحمار وراكبه. فخذف "الراكب" لدلالة "الحمار" عليه، مع نسبة مرور مستقيم إليه، ثم غلب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وعقلهما، (٦٧٠) على بهيمية، (٦٧١) الحمار فقال: يمرون. ومثل " يمرون " المخبر به عن مذكور ومعطوف محذوف وقوع "طليحان " في قول بعض العرب (راكب البعير طليحان) (٦٧٢) يريد: راكب البعير والبعيرُ طليحان.

стр. 150

ومنها قول النبي ﷺ (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن أربعةٍ فخامس أو سادس) (٦٧٣). قلت: هذا الحديث قد تضمن حذف فعلين وعاملي جر باقٍ (٦٧٤) عملاهما بعد "إنْ" (٦٧٥) وبعد الفاء. وهو مثل ما حكى يونس من قول العرب (مررت بصالح، إن لا صالح فطالح) (٦٧٦)، على تقدير: إن لا أمر بصالح فقد مررت بطالح. فحذف بعد "إن" "أمر" والباء وأبقي عملها (٦٧٧)، وحذف بعد الفاء "مررت" والباء وأبقى عملها (٦٧٨). وهكذا الحديث المذكور، حذف فيه بعد "إن " والفاء فعلان وحرفا جر باق عملاهما، والتقدير: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن قام بأربعة فليذهب بخامس أو سادس. ومن بقاء (٦٧٩) الجر بالحرف المحذوف قوله ﵊ (صلاهَ الرجل

стр. 151

في الجماعة تُضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمس وعشرين ضعفًا) (٦٨٠) أي: بخمس، وقوله: (أقرَبهما منك بابا) في جواب من قال (فألى أيهما أُهدي؟) (٦٨١) وقوله ﷺ (٦٨٢) (فضل الصلاةَ بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين صلاة) (٦٨٣) أراد: إلى أقربهما، و: بسبعين صلاة. ذكرهما صاحب "جامع المسانيد" (٦٨٤).

стр. 152

ومنها قول النبي ﷺ (فغدًا اليهودُ وبعد غد النصارى) (٦٨٥). قلت: في هذا الحديث وقوع ظرف الزمان خبر مبتدأ هو (٦٨٦) من أسماء الجثث. والأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهب، وبعدٍ غدٍ الرحيل. فلو قيل: غدًا زيد، وبعد غدٍ عمر [١٥ظ] لم يجز. فلوكان معه قرينة تدل على اسم معنى محذوف جاز، كقولك: قدوم زيد اليوم وعمروُ غدًا. أي: وقدوم عمرو، فحذف المضاف وأقيم المضاف الية مقامه لوضوح المعنى. فكذلك يقدر قبل "اليهود والنصارى" مضافان من أسماء المعاني، ليكون ظرفا الزمان خبرين عنهما. فالمراد (٦٨٧) - والله أعلم- فغدًا تعييد اليهود وبعد غد تعييد النصارى (٦٨٨). ومثل ذلك قول الراجز (٦٨٩): ١٠٨ - أكل عام نَعَم تحوُونهُ ... يلقحهُ قومً وتنتجونَه أراد: أكل عام إحراز نعم.

стр. 153

ومنها قول عائشة ﵂ (شبهتمونا بالحمر والكلاب) (٦٩٠). قلت: المشهور تعدية "شبه" إلى مشبه ومشبه به دون باء، كقول امرئ القيس (٦٩١): ١٠٩ - فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائقَ دَومِ أو سفينا مُقَيَّرا (٦٩٢) ويجوز أن يعدّى إلى الثاني بالباء، فيقال: شبهت كذا بكذا، ومنه قول الشاعر (٦٩٣): ١١٠ - ولها مبسم يشبه بالا ... غريضِ بعدَ الهُدُو عذبُ المذاق ومنه قول أم المؤمنين ﵁! "شبهتمونا بالحمر والكلاب" (٦٩٤). وقد كان بعض المعجبين بارائهم يخطئ سيبويه وغيره من أئمة العربية في قولهم "شبه كذا بكذا" (٦٩٥)، ويزعم أن هذا الاستعمال لحن، وأنه لا يوجد في كلام من يوثق (٦٩٦) بعربيته، والواجب ترك الباء. وليس الذي زعم صحيحاَ، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان، وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء.

стр. 154

ومنها قول بعض الصحابة ﵁ (٦٩٧) (وفرقنا (٦٩٨) أثنا (٦٩٩) عشر رجلا) (٧٠٠). قلت: مقتضي الظاهر أن يقول: (وفرقنا اثني عشر رجلًا) لأن "اثنى عشر" حال من النون والألف، ولكنه جاء (٧٠١) بالألف على لغة بني الحارث بن كعب، فانهم يلزمون المثنى وما جرى مجراه الألف في الأحوال كلها ,لأنه عندهم بمنزلة المقصور (٧٠٢). ومن لغتهم أيضًا قصر" الأب"و "الأخ"، كقول ابن مسعود ﵁ لأبي جهل (أنت أبا جهل) (٧٠٣). وعلى لغتهم قرأ غير أبي عمرو ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٧٠٤). ومن شواهد هذه اللغة قول أم رومان (بينما أنا مع عائشة جالستان) (٧٠٥) ف "جالستان" حال، وكان حقه، لوجاء على اللغة المشهوة، أن يكون بالياء، لكنه جاء على اللغة الحارثية. ومما جاء عليها قوله ﵊ (إياكم وهاتان الكعبتان

стр. 155

الموسومتان) (٧٠٦)، وقوله ﵇ (إنى وإياك وهذان وهذا في مكان واحد يوم القيامة) (٧٠٧). أخرجهما أبو الفرج في "جامع المسانيد" (٧٠٨). ومنها قول الراجز (٧٠٩): ١١١ - طاروا عَلاهُن فشل علاها ... واشدد بمثنَى حقبٍ حقْواها (٧١٠)

стр. 156

ومنها قول عمر ﵁ (ما كدت أن أُصلي العصر [١٦و] حتى كادت الشمس تغرب) (٧١١). وقول أنس (فما كدنا أن نصل إلى منازلنا) (٧١٢). وقول بعض الصحابة (والبرمة بينّ الأثافي، قد كادت إن تنضج) (٧١٣). وقول جبير بن مطعم (كاد قلبي أن يطير) (٧١٤). قلت: تضمنت هذة الأحاديث وقوع خبر "كاد" مقرونًا بـ "أن" وهو مما خفى على (٧١٥) أكثر النحويين ,أعنى وقوعه فى كلام لا ضرورة فيه والصحيح جواز وقوعة إلا أن وقوله غير مقرون ب"أن" أكثر وأشهر من وقوعه مقرونًا ب "أن" ولذلك لم يقع فى القران إلا غير مقرون (٧١٦) ب "أن", نحو ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧١٧) و ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٧١٨) ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٧١٩) ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ (٧٢٠) ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٧٢١) ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ (٧٢٢) ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ

стр. 157

بِالْأَبْصَارِ﴾ (٧٢٣). ولا يمنع عدم وقوعه في القرآنْ مقرونًا ب "أن" من استعماله قياسًا لولم يرد به (٧٢٤) سماع لأن السبب المانع من اقتران الخبرب "أن" في بماب المقاربة هو دلالهْ الفعل على الشروع، ك" طفق" و" جعل". فإن" أن" تقتضي الاستقبال، وفعل الشروع يقتضي الحال، فتنافيا. وما لا يدل على الشروع ك "عسَى" و"أوشك" و"كرب" و "كاد" فمقتضاه مستقبل، فاقتران خبره ب" أن" مؤكد لمقتضاه، فإنها تقتضي الاستقبال. وذلك مطلوب، فمانعه مغلوب. فإذا انضم إلى هذا التعليل استعمال فصيح ونقل صحيح، كما في الأحاديث المذكورة، تأكد الدليل، ولم يوجد لمخالفته سبيل. وقد اجتمع الوجهان في قول عمر ﵁ "ما كدت أن أصلِي العصر حتى كادت الشمس تغرب"، وفي قول النبي ﷺ فيما رويته بالسند المتصل (كاد الحسد يغلب القدر، وكاد الفقر أن يكون كفرًا) (٧٢٥). ومن الشواهد الشعرية في هذه المسألة قول الشاعر (٧٢٦): ١١٢ - أبيتم قبول السلم منا فكدتم ... لدى الحرب أن تغنوا السيوف عن السل وهذا الاستعمال مع كونه في شعر ليس بضرورة، لتمكن مستعمله من أن يقول: أبيتم قبول السلم منا فكدتم ... لدى الحرب تغنون السيوف عن السل

стр. 158

وأنشد سيبويه (٧٢٧) ١١٣ - فلم أرَ مثلَها خباسة واحِدٍ ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعلَه وقال: أراد: بعدما كدت أن أفعله، فحذف "أن" وأبقى عملها (٧٢٨). وفي هذا إشعار باطراد اقتران خبر "كاد" ب "أن" لأن العامل لا يحذف ويبقى عمله إلا إذا اطرد ثبوته.

стр. 159

ومنها قول النبي ﷺ (أُوحي أليّ أنكم تُفتنون في قبوركم مثلَ أو قريبًا من فتنة الدجال). ويروى "أو قريبَ" بلا تنوين (٧٢٩). قلت: الرواية المشهورة "مثلَ أو قريبًا". وأصله: مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان "مثل" مضافًا إليه، وترك هو على الهيئة التي كان عليها قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعد المحذوف عليه، وصلح للدلالة من أجل مماثلته له (٧٣٠) لفظًا ومعنى. والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين، كقول الشاعر (٧٣١): ١١٤ - أمامَ وخلف المرء من لطف ربه ... كوالى تزوي عنه ما هو يحذر (٧٣٢) [١٦ظ]، ومن وروده بإضافة واحدة كالوارد في الحديث قول الراجز (٧٣٣): ١١٥ - مَهْ عاذلي فهائمًا لن أبرحا ... بمثل أو أحسنَ من شمس الضحَى أراد: بمثل شمس الضحى أو أحسن من شمس الضحى. والوجه في رواية من روى "أو (٧٣٤) قريب" بلا تنوين أن يكون أراد: تفتنون مثل فتنة الدجال أو قريب الشبه من فتنة الدجال، فحذف الضاف إليه "قريب" وبقي هو على الهيئة (٧٣٥) التي كان عليها قبل الحذف (٧٣٦).

стр. 160

وهذا الحذف فى المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليل، وقد تقدمت له نظائر جلية ذكرتها عند كلامى على جواب الصاحب الذي قيل له: "كم اعتمر النبي ﷺ (٧٣٧) وكالكلام على "مثل أو قريبًا" بعد "تفتنون في قبوركم" الكلام على (مثل (٧٣٨) أو قريبًا) بعد (حتى يكون بينه وبين الجدار) في حديث دخول ابن عمر الكعبة (٧٣٩). إلا أن قبل "بينه وبين الجدار" موصولًا حذف وبقيت صلته. وقد يرفع "مثل" و"قريب" (٧٤٠) فيستغني عن تقدير الموصول.

стр. 161

ومنها قول النبي ﷺ (يا ربّ كاسية في الدنيا عاريهٍ يوم القيامة) (٧٤١). قلت: أكثر النحويين يرون أن معنى "رب" التقليل، وأن معنى ما يصر بها المضَي. والصحيح أنَ معناها في الغالب التكثير. نص على ذلك سيبويه. ودلت شواهد النثر والنظم عليه. فأما نصَ سيبويه فقوله في باب "كم" (واعلم أنَ "كم" في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه "ربَ" لأن المعنى واحد، إلَا أن "كم" اسم، و"رب" غير اسم) (٧٤٢) فجعل معنى "ربَ" ومعنى "كم"الخبريهَ واحدًا. ولا خلاف في أن معنى "كم" التكثير، ولا معارض لهذا الكلام في كتابه، فصح أن مذهبه كون "ربَ" للتكثير لا للتقليل. وأما الشواهد على صحة ذلك فمنها نثر ومنها نظم. فمن النثر قول النبي ﷺ " يا ربَ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة، فليس المراد أن ذلك قيل، بل المرِاد أنَ الصنف المتصف بهذا (٧٤٣) من النساء كثير. ولذلك لو جعلت "كم" موضع "رب" لحسن. ونظائره كثيرة. ومن شواهد هذا من النظم (٧٤٤) ﷺ قول حسان ﵁ (٧٤٥): ١١٦ - رب حلم أضاعه عدم الـ ... مال وجهل غطى عليه النعيم وقول ضابئ البرجمي (٧٤٦):

стр. 162

١١٧ - ورب أُمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب وقول عدى بن زيد (٧٤٧): ١١٨ - رب مأمول وراج أملا ... قد ثناه الدهرُ عن ذاك الأمل واحترزت (٧٤٨) بقولي "في الغالب " من استعمالها فيما لا تكثير (٧٤٩) فيه، كقول الشاعر (٧٥٠): ١١٩ - ألارب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يَلْدَه أبوان يعني عيسى وآدم ﵉. والصحيح أيضًا أن ما (٧٥١) يصدر ب "رب" لا يلزم كونه ماضي المعنى، بل يجوز مضيه وحضوره واستقباله. وقد اجتمع الحضور والاستقبال في "يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة). وقد اجتمع المضى والاستقبال [١٧و] فيما حكى الكسائي من قول بعض العرب بعد الفطر لاستكمال رمضان (رب (٧٥٢) صائمه لن يصومه ورب قائمه لن يقومه) (٧٥٣).

стр. 163

وقد انفرد إلاستقبال في قول أم معاوية رحمهما الله (٧٥٤): ١٢٠ - يا رب قائلة غداً ... يا ويح أم معاويه وفي قول جحدر: (٧٥٥): ١٢١ - فان أهلك فرب فتى سيبكي ... على مهذبٍ رخص البنان وفي قول الراجز (٧٥٦): ١٢٢ - يارُب يوم لي لا أُظَللُه ... أرمض من تحت وأضحَى من عَلُه (٧٥٧) ومع ذلك فالمضي أكثر من الحضور والاستقبال، ومن شواهده قول امرئ القيس (٧٥٨): ١٢٣ - ألا رَب يوم صالح لك منهما ... ولا سيما يوم بدارة جُلجلِ

стр. 164

ومنها قول النبي ﷺ (نعم المنيحة اللقحةُ الصفي منيحةً) (٧٥٩). وقول امرأة عبد الله بن عمروتعنيه (نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كلنفًا منذ أتيناه) (٧٦٠). وقول الملك (ونعم المجيء جاء) (٧٦١) قلت: تضمن الحديث الأول والثاني (٧٦٢) وقوع التمييز بعد فاعل "نعم" ظاهرًا. وهو مما منعه سيبويه، فانه لا يجيز أن يقع التمييز بعد فاعل "نعم" و"بئس" إلا إذا أضمر الفاعل (٧٦٣) كقوله تعالى ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٧٦٤)، وكقول بعض الطائيين (٧٦٥): ١٢٤ - لنعم امرءًا أوس ذا أزمة عرت ... ويمم للمعروف ذوكان عوًدا وأجاز المبرد وقوعه بعد الفاعل الظاهر (٧٦٦) وهو الصحيح. ومن منع وقوعه بعد الفاعل الظاهر يقول: إن التمييز فائدة المجيء به رفع الابهام، ولا ابهام إلا بعد إلاضمار. فتعين تركه مع الاظهار. وهذا الكلام تلفيق عار من التحقيق، فإن التمييز بعد الفاعل الظاهر، وإن لم

стр. 165

يرفع ابهامًا، فإن التوكيد به حاصل، فيسوغُ (٧٦٧) استعماله (٧٦٨)، كما ساغ استعمال الحال مؤكدة، نحو ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (٧٦٩) و ﴿َيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٧٧٠)، مع أن الأصل فيها أن يبين بها كيفية مجهولة. فكذا التمييز، أصله أن يرفع به ابهام، نحو: له عشرون درهمًا. ثم جاء به بعد ارتفاع الابهام قصدا للتوكيد، نحو: عنده (٧٧١) من الدراهم (٧٧٢) عشرون درهمًا. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٧٧٣). ومنه قول أبي طالب (٧٧٤) ١٢٥ - ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا فلو لم ينقل التوكيد بالتمِييز بعد إظهار فاعل "نعم" و"بئس" لساغ استعماله قياسًا على التوكيد به مع غيرها. فكيف؟ وقد صح نقله، وقرر فرعه وأصله. ومن شواهده (٧٧٥) الموافقة للحديثين المذكورين قول جرير يمدح عمر بن عبد العزيز ﵁ (٧٧٦): ١٢٦ - تزود مثل زادِ أبيك فينا ... فنعم الزادُ زادُ أبيك زادا فما كعب بنُ مامة وابن سُعدى ... بأجود منك يا عمرُ الجوادا

стр. 166

ومن شواهد ذلك أيضا قول جرير يهجو الأخطل (٧٧٧): ١٢٧ - والتًغلبيونَ بئس الفحلُ فحلُهم ... فحلا وأُمهم زلاء منطيق ومن شواهد ذلك أيضا قول الآخر (٧٧٨): ١٢٨ - نعم الفتاة فتاة هندُ لو بذلت ... رد (٧٧٩) التحية نطقًا أو بايماء وفي قول الملك ﷺ "نعم المجيء جاء" شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو بالصفة عن الموصوف [١٧ظ]، في باب" نعم". لأنها تحتاجُ إلى فاعل هو "المجيء" وإلى مخصوص (٧٨٠) بمعناه (٧٨١) وهو مبتدأ مخبر عنه ب "نعم " وفاعلها، وهو في هذا الكلام وشبهه موصول أوموصوف ب "جاء". والتقدير: "ونعم المجيء الذي جاء، أو"نعم المجيء مجىء جاء". وكونه موصولًا أجود؛ لأنه غير عنه، وكون المخبر عنه معرفة أولى من كونه نكرة.

стр. 167

ومنها قول بعض الصحابة ﵃ (كان الناس (٧٨٢) يصلون مع النبي ﷺ وهم عاقدي أزْرهم) (٧٨٣). وقول (٧٨٤) صاحبة المزادتين (عهدى بالماء أمس، هذه الساعةَ، ونفرُنا خُلُوفاً) (٧٨٥). قلت: اعلموا وفقكلم الله أن "عاقدي أزْرهم" و"خُلُوفا" منصويان على الحال، وهما حالان سدتا مسد الخبرين المسندين إلى "هم" و"نفرنا". وتقدير الحديث الأول: وهم مؤتزرون عاقدى أُزرهم. وتقدير الحديث (٧٨٦) الثاني: ونفرنا متروكون خُلُوفًا. ونظير هذين الحديثين ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (٧٨٧) بالنصب. وهي قراءة تُعزى إلى علي بن أبي طالب ﵁. وتقديرها: ونحن معه عصبة، أو: ونحن نحفظه عصبة. وهذا النوع من سد (٧٨٨) الحال مسد الخبر، مع (٧٨٩) صلاحيتها (٧٩٠) لأن تجعل خبرًا، شاذ لا يكاد يستعمل، ومنه قول الزباء (٧٩١):

стр. 168

١٢٩ - ما للجمال سيرُها (٧٩٢) وئيدا ... أجندلًا يحملن أم حديدا فالوجه الجيد فيما كان من هذا القبيل الرفع بمقتضى الخبرية، والاستغناء عن تقدير خبر. وإنما يحسن سدً الحال سد الخبر إذا لم يصلح جعل الحال خبرًا، نحو: ضربي زيدًا قائمًا , وأكثر شربي السويقَ ملتُوتًا. فلو جعل "قائم" خبرًا لي "ضربي" و"ملتوت" خبرًا ل "أكثر شربى" لم يصح، فلذلك نصبا على الحال. وأما الأمثلة التي تقدمت فجعل ما نصب فيها على الحال خبرًا صحيح، لا ريب في صحته، فلذلك كان النصب ضعيفًا. ***** وقول صاحبة المزادتين "عهدي بالماءِ أمس هذه الساعة" أصله: أمس (٧٩٣) في مثل هذه الساعةِ؟. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ومن حذف المضاف وأقامة المضاف إليه مقامه: (فقلنا لمسروق: سله، أكان عمر يعلم من البابُ) (٧٩٤). أي: يعلم مَن مثَلُ الباب.

стр. 169

ومنها قول النبي ﷺ (اجتنبوا المويقات: الشرك بالله والسحر) (٧٩٥). وقول على ﵁ (كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: كنت، وأبو بكر وعمرُ، وفعلت-وأبو بكر وعمرُ، وانطلقت وأبو بكر وعمر) (٧٩٦). وقول عمر ﵁ (كنت وجار لي من الأنصار) (٧٩٧). وقول رسول الله ﷺ (اسكن أحدُ، فما عليك إلا نبي أو صديق (٧٩٨) أو شهيد) (٧٩٩). وقول ابن عباس ﵄: (كُلْ ما شئت واشرب ما شئت ما اخطأك ثنتان: سرف أو مخيلة) (٨٠٠). قلت: تضمن الحديث (٨٠١) الأول حذف المعطوف للعلم به؟ فإن التقدير: اجتنبوا المويقات: الشرك بالله والسحر وأخواتهما. وجاز الحذف لأن المويقات سبع بينت في حديث آخرة (٨٠٢) واقتصر في هذا الحديث على ثنتين تنبيها (٨٠٣) على أنهما أحق بالاجتناب.

стр. 170

ويجوز رفع "الشرك" و "السحر" على تقدير: منهن الشرك بالله والسحر. ومن حذف المعطوف لتبين (٨٠٤) معناه قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٨٠٥) أي: فافطر (٨٠٦) فعدة من أيام أُخر [١٨و]. ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٨٠٧) أي: ومن قتله منكم متعمدًا أوغير متعمد. ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ (٨٠٨) أي: تقيكم الحر والبرد. ومنه قول الشاعرْ (٨٠٩): ١٣٠ - كأن الحَصَى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذفُ أعْسَرا، ْ (٨١٠) أي: إذا نجلته (٨١١) رجلها ولدها. ***** وتضمن الحديث الثاني والثالث صحة العطف (٨١٢) على ضمير الرفع المتصل غير مفصول بتوكيد أو غيره. وهو مما لا يجيزه النحويون في النثر إلا على ضعف، ويزعصون أن بابهُ الشعر. والصحيح جوازه نثرًا ونظمًا (٨١٣). فمن النثر ما تقدم من قول علي وعمررضي الله عنهما. ومنه قوله تعالى ﴿لَوْ

стр. 171

شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٨١٤). فإن واو العطف فيه متصلة بضمير. (٨١٥) المتكلمين. ووجود "لا" بعدها لا اعتداد به؛ لأنها بعد العاطف، ولأنها زائدة, إذ المعنى تام بدونها. ***** وتضمن الرابع والخامس استعمال "أو" بمعنى الواو، فإن معنى (٨١٦) " فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد،" فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد. وكذا قول ابن عباس ﵄: "ما أخطاك ثنتان: سرف أو مخيلة" معناه: ما أخطاك ثنتان: سرف ونحيلة. ونظائرهما عند أمن اللبس كثيرة. فمنها قول امرئ القيس (٨١٧): ١٣١ - فظل طهاة اللحمِ من بين منضج ... صَفيفَ شِواءِ أوقَديرٍ معجّلِ (٨١٨) ومنها قول الآخر (٨١٩): ١٣٢ - فقالوا لنا: ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح اشرعت أو سلاسل ومنها قول الآخر (٨٢٠):

стр. 172

١٣٣ - قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مُهره أوسافع (٨٢١) وكما استعملت "أو" بمعنى الوار استعملت (٨٢٢) الواو بمعنى "أو". وعلى ذلك حمل على بن الحسبن رضىٍ الله عنهما قوله تعالى ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٨٢٣).

стр. 173

ومنها قول رسول الله ﷺ (ما العملُ في أيام أفضلَ منها في هذه الأيام) (٨٢٤) قالوا: "ولا الجهاد في سبيل الله؟ " قال: "ولا الجهاد (٨٢٥) إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء). قلت: في هذا الحديث (٨٢٦) اشكال من جهتين: إحداهما- عود ضمير مؤنث في "منها" إلى "العمل" وهو مذكر (٨٢٧). والثانية- استثناء "رجل" من "الجهاد" وابداله منه، مع تباين جنسيهما. فأما الأول فوجهه (٨٢٨) أن الألف واللام في "العمل"لاستغراق الجنس، فصار بهما فيه عموم مصحح لتأوله بجمع، كغيره من أسماء الأجناس (٨٢٩) المقرونة بالألف واللام الجنسية. ولذلك (٨٣٠) يستثنى منه، نحو ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٨٣١) ويوصف بما يوصف به الجمع، كقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٨٣٢). وكقول بعض العرب (أهلك الناس الدرهمُ البيض والدينار الحمر) (٨٣٣). فكما جاز أن يوصف بما يوصف به الجمع لما حدث فيه من العموم كذلك يجوز أن يعاد إليه ضمير كضمير الجمع، فيقال: الدينار بها هلك كثير من الناس؛ لأنه في تأويل الدنانير. و (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام؛ لأنه في تأويل الأعمال.

стр. 174

ويجوز أن يكون أنث ضمير "العمل" لتاويله ب" حسنة" كما أول "الكتاب" بصحيفة من قال: (أتتة كتابى) (٨٣٤) ***** وأما الثاني [١٨ظ]، فالوجه فيه أنه على تقدير: ولا الجهادُ إلا جهاد رجل، ثم حذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه. ***** والأصل في "ولا الجهاد" أولا الجهاد؟ لأن قائل ذلك مسِتفهم لا مخبر، فظهور المعنى سوغ حذف اِلهمزة كلما سوغه في قول النبي ﷺ (وإن زنى إن سرق) (٨٣٥) فإن أصله فيه: أو إن زنى وإن سرق؟ (٨٣٦).

стр. 175

ومنهاقول النبي ﷺ لليهود (فهل أنتم صادقوني). كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ (٨٣٧). قلت: مقتضى الدليل أن تصحب نون الوقاية الأسماء المعربة المضافة إلى ياء المتكلم لتقيها خفاء الإعراب، فلما منعوها ذلك كان كأصل متروك، فنبهوا عليه في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل: كقول الشاعر: (٨٣٨) ١٣٤ - وليس بمعييني، وفي الناس ممتع ... صديق إذا أعيا على صديق وكقول الآخر (٨٣٩): ١٣٥ - وليس الموافيني ليرفدَ خائبًا ... فإن له أضعاف ما كان أملا ومنه قول النبي ﷺ لليهود (٨٤٠) "فهل أنتم صادقوني". ولما كان لأفعل التفضيل. شبه بفعل التعجب اتصلت به النون المذكورة أيضًا في قول النبي ﷺ (غير الدجال أخوفني عليكم) (٨٤١) والأصل فيه: أخوف مخوفاقي

стр. 176

عليكم، فحذف المضاف الى الياء، وأقيمت هي مقامه، فاتصل "أخوف" بها مقرونة بالنون، كما اتصل (معيي) (٨٤٢) و "الموافي" بها في البيتين المذكورين. (٨٤٢) ب: معنى. د: بمعنى. تحريف.

стр. 177

ومنها قول ابن عمر في إحدى (٨٤٣) الروايتين (لما فَتَح هذين المصرين أتَوا عمر (٨٤٤). فيه تنازعُ "فتح" و" أتوا". وهو على إعمال الثاني وإسناد الأول إلى ضمير "عمر" وفيه حجة على الفراء، فإنه لا يجيز "أكرمنى وأكرمت زيدًا" لا على حذف الفاعل ولا على إضماره (٨٤٥). ويجيزه الكسائي على الحذف لا على الاضمار (٨٤٦)، فيجب على مذهبه أن يكون فاعل "فتح" محذوفًا لدلالة المذكور آخرًا عليه. ويجب على مذهب البصرين في مثل هذا الاضمارُ، ويمتع الحذف (٨٤٧). وظهر الفرق بين (٨٤٨) الحذف والاضمار بالتثنية والجمع فيقال على الاضمار: ضرباني وضربت الزيدَينِ، وضربوني وضربت الزيدِينَ، ويقال على الحذف: ضربني، في الأفراد وغيره.

стр. 178

ومنها قول أبي شريح الخزاعي (٨٤٩) (سمعتْ أُذناي وأبصرت عيناي النبي ﷺ حين تكلم) (٨٥٠). قلت: في هذا الحديث تنازعُ الفعلين مفعولا واحد!، وأيثار الثاني بالعمل، أعني "أبصرت". لأنه لو كان العمل ل "سمعتْ" لكان التقدير: سمعت أذناي النبي ﷺ . وكان يلزم على مراعاة الفصاحة أن يقال: "وأبصرته". فإذا أُخر المنصوب وهو مقدم في النية بقيت الهاء متصلة ب "أبصرتْ" ولم يجز حذفها. لأن حذفها يوهم غير المقصود. فإن سُمعَ الحذفُ، مع العلم بأن العمل للأول، حكم بقبحه (٨٥١) وعُد من الضرورات. ومن تنازع الفعلين وجعل العمل للثاني قوله تعالى [١٩و]: " ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ (٨٥٢).ً وفي الحديث المذكور شاهد على أنه قد يتنازع منصوبًا واحدا فعلا فاعلين متباينين، فيستفاد من "سمعت اذناي وأبصرت عيناي النبي ﷺ " جواز: أطعم زيد وسقى محمَّد جعفرا. وأكثر النحويين لا يعرفون هذا النوع من التنازع. ونظيره قول الشاعر (٨٥٣): ١٣٦ - أصبت سعادُ وأضنت زينب عمرا ... ولم ينل منهما عينا ولا أثرا

стр. 179

وفي الحديث المذكور أيضًا اكتفاء "سمع" بالمفعول الأول مقدرًا، مع أنه اسم مالًا يدرك بالسمع. والأصل خلاف ذلك. وحسن الحذفَ دلالة "حين تكلم" على المحذوف، كما حسنه في قوله تعالى ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ (٨٥٤) دلالة ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾ على المحذوف. فلنا أن نجعل التقدير: هل يسمعون دعاءكم فحذف المضاف، وهو من مدركات السمع، واُقيم المضاف إليه مقامه، ولنا إن نجعل التقدير: هل يسمعونكم داعين. واستغني عن "داعي" لقيام "إذ تدعون" مقامه. وكذا الحديث، لنا إن نقدر: سمعت أذناي كلامَ النبي ﷺ . ولنا أن نقدر: سمعت آذناي النبي متكلمًا.

стр. 180

ومنها قول بعض الصحابة ﵃: (جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين) (٨٥٥). قلت: في هذا الحديث شاهد على أن "عد" قد توافق "ظن" في المعنى والعمل. ف "ما" من قوله "ما تعدون أهل بدر" استفهامية في موضع نصب مفعول ثانٍ، و "أهل بدر" مفعول أول. وقدم المفعول الثاني لأنه مستفهم به. والاستفهام له صدر الكلام. وإجراء "عد"، مجرى "ظن" معنى وعملًا مما أغافله أكثر النحويين. وهو كثير في كلام العرب. ومن شواهده قول الشاعر (٨٥٦): ١٣٧ - فلا تعدد المولى شريكَك في الغنَى ... ولكنما المولى شريكُك في العُدم ومثله (٨٥٧): ١٣٨ - لا تعدُدِ المرءَ خِلًا قبلَ تجربة ... فرب ذي مَلَق في قلبه إحَن ومثله (٨٥٨): ١٣٩ - لا أعدَّ الاقتارَ عُدمًا ولكن ... فقدُ من قد فقدته الاعدامُ
следующие страницы →