- ﷺ في، إحدى الروايتين (مُروا أبا بكر فليصلي بالناس). (١٣١)
ومن مجيئه فيما آخره واو قول الشاعر: (١٣٢)
٢٧ - هجوت زبّان ثم جئت معتذرًا ... من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع
الوجه الرابع- أن يكون من باب الإشباع، فتكون الألف متولدة عن إشباع حركة الراء بعد سقوط الألف الأصلية جزمًا.
وهى لغة معروفة، أعني إشباع الحركات الثلاث وتوليد الأحرف الثلاثة بعدها. (١٣٣)
فمن ذلك قراءة أبي جعفر ﴿سواءٌ عليهم آستغفرت لهم﴾ (١٣٤) بمد الهمزة، والأصل "استغفرت" بهمزة وصل. ثم دخلت همزة الاستفهام فصار: "أاستغفرت، بالقطع والفتح والقصر (١٣٥) مثل ﴿أصطفى البناتِ على البنين﴾ (١٣٦) وسقطت همزة الوصل سقوطًا لا تقدير معه، كما يفعل بها بعد واو العطف وفائه، وأشبعت فتحة همزة الاستفهام فتولدت بعدها ألف، كما قالوا: بينا زيد قائم جاء عمرو، يريدون: (١٣٧) بين أوقات قيام زيد جاء عمرو، فأشبعت فتحة النون وتولدت الألف. وحكى الفراء عن بعض العرب (أكلت [٤ظ] لحما شاة). (١٣٨) يريد: لحم شاة، فأشبع فتحة الميم وتولدت الألف.
ومن إشباع الفتحة قول الفرزدق (١٣٩):
стр. 72
٢٨ - فظلا يخيطان (١٤٠) الورَاق عليهم ... بأيديهما من أكل شر طعام ومثلة: (١٤١)
٢٩ - فأنت من الغوال حين تُرمَى ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح ومثلة: (١٤٢)
٣٠ - أقول إذ خرت على الكلكال (١٤٣) ... يا ناقتا ما جلت من مجال ومثل ذلك في الياء رواية أحمد بن صالح عن ورش ﴿مالكي يوم الدين﴾. (١٤٤) ومنه قول الشاعر: (١٤٥)
٣١ - تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم (١٤٦) تنقاد الصياريف
ومثل ذلك في الواو قراءة الحسن ﵁ ﴿سأَوريكم دارَ الفاسقين﴾ (١٤٧) بإشباع ضمة الهمزة ومثله رواية أحمد بن صالح عن ورش (١٤٨) ﴿إياك نعبدو وإياك نستعين﴾ (١٤٩) بإشباع ضمة الدال. ومنه قول الشاعر: (١٥٠)
ومنها قول سهل بن سعد (فأعطاه إياه) يعني القائل (ما كنت لأُوثر بنصيبى منك أحدًا) (١٥٥)
وقول هِرَقْل (كيف كان قتالكم إياه) (١٥٦).
وقول المرأة (يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي لأكسوكها) (١٥٧).
وقول رجل من القوم (يا رسول الله، اكسنيها) (١٥٨).
وقول القوم للرجل (ما أحسنت، سألتها إياه) (١٥٩).
قلت: في الحديث الأول والثاني استعمال ثاني الضميرين منفصلًا مع إمكان استعماله متصلًا.
والأصل أن لا يستعمل المنفصل إلا عند تعذر المتصل، كتعذره لإضمار العامل، (١٦٠) نحو ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١٦١) وعند التقديم، نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١٦٢) وعند العطف، نحو ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١٦٣) وعند وقوعه بعد "إلا" وبعد واو المصاحبة، نحو قوله تعالى ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا
стр. 75
إياه) (١٦٤)، وكقول الشاعر (١٦٥):
٣٤ - فآليت لا أنفك أحذو قصيدة ... تكون وإياها بها مثلًا بعدي
وإنما كان استعمال المتصل أصلًا لأنه أخصر وأبين:
أما كونه أخصر فظاهر (١٦٦).
وأما كونه أبين فلأن المتصل لا يعرض معه لبس أصلًا. والمنفصل قد يعرض به في بعض الكلام لبس. وذلك أنه لو قال قائل: إياك أخاف لاحتمل إن يريد إعلام المخاطب بأنه يخافه، ويحتمل أن يريد (١٦٧)، تحذيره من شيء وإعلامه بأنه خائف من ْذلك الشيء. فالكلام على القصد الأول جملة واحدة، وعلى القصد الثاني جملتان.
فلو قال (١٦٨) موضع "إياك أخاف" أخافك، لأمن اللبس.
وإذا علمت هذه القاعدة لزم أن يُعتذر عن جعل منفصل في موضع لا يتعذر فيه [٥ و] المتصل.
فإن كان مع مباشرة العامل خص بضرورة الشعر ونسب إلى الضعف كقول الراجز، (١٦٩):
٣٥ - إني لأرجو محرزًا أن ينفعا ... إياىِ لما صرت شيخًا قلِعا
وكذا المفصول بتاء التأنيث، كقول الفرزدق (١٧٠):
стр. 76
٣٦ - إني حلفتُ ولم أحلف على فندٍ ... فناءَ بيتٍ من الساعين معمورٍ
بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير
وكذا المفصول بضميررفع- إذا لم يكن الفعل من باب "كان" - يجب إتصاله بالضمير الذي اسند إليه الفعل، نحوا ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١٧١) و ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١٧٢).
ولا يجوز انفصاله إلا فى ضرورة، كقول الشاعر (١٧٣):
٣٧ - أما عطاؤك يا ابن الأكرمين فقد ... جعلت إياه بالتعميم مبذولا
فإن كان الفعل من باب "كان" واتصل به ضمير رفع جاز في الضمير الذي الاتصال، نحو: صديقي كنتَه والانفصال نحو: صديقي كنت إياه.
والاتصال عندي أجود؛ لأنه الأصل وقد أمكن، ولشبه (١٧٤) كنت " فعلته".
فمقتضى هذا الشبه أن يمتنع "كنت إياه" كما يمتنع " فعلت إياه " فاذا لم يمتنع أقل من أن يكون مرجوحًا وجعله أكثر النحوين راجحا، وخالفوا القياس والسماع - أما مخالفة القياس فقد ذكرت.
وأما مخالفة السماع فمن قبل (١٧٥) أن الاتصال ثابت يْا أفصح الكتب المنثور (١٧٦)، كقول النبي ﷺ لعمر ﵁ (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن
стр. 77
يكنه (١٧٧) فلا خير لك في قتله). وكقول بعض العرب (عليه رجلًا ليسني) (١٧٨). وفي أفصح الكلام المنظوم كقول الشاعر (١٧٩):
٣٨ - لجاري (١٨٠)، من كانه عزة (١٨١) ... يخال ابن عم بها أو أجل
ومثله (١٨٢):
٣٩ - فإن لا يكنها أوتكنه فانه ... أخوها غذته أمه بلبانها
ومثله (١٨٣):
٤٠ - كم ليث اعتن (١٨٤) لي ذا أشبل غرثت ... فكأنني أعظم الليثين إقداما
ولم يثبت الانفصال إلا في شعر قليل، كقول الشاعر (١٨٥).
стр. 78
٤١ - عهدت خليلي نفعُه متتابع ... فإن كنتَ إياه فإياه كن حقًا (١٨٦)
والذي ينبغي أن يعلم في هذه المسألة أنه إذا تعلق بعامل واحد ضميران متواليان، واتفقا في الغيبة وفي التذكير أو التأنيث وفي الافراد أو التثنية أو الجمع. ولم يكن الأول مرفرعًا، وجب كون الثاني بلفظ الانفصال، نحو: فأعطاه إياه، ولو قال فأعطاهوه (١٨٧) بالاتصال لم يجز، لما في ذلك من استثقال توالي المثلين مع إيهام كون الثاني توكيدا (١٨٨) للأول.
وكذا لو اتفقا (١٨٩) في الافراد والتأنيث [٥ ظ] نحو: أعطاها إياها، أو في (١٩٠) التثنية والجمع بصيغة واحدة، نحو: أعطاهما إياهما، وأعطاهم إياهم، وأعطاهن , إياهن.
والاتصال في هذا وأمثاله ممتنع.
فلو اختلفا جاز الاتصال والانفصال، كقول بعض العرب: (هم أحسن
الناس وجوهًا وأنضرهموها) (١٩١) رواه الكسائي. وكقول الشاعر (١٩٢):
٤٢ - لوجهكَ في الإحسان بسط وبهجة ... أنا لهماه قفو أكرم والدِ (١٩٣)
стр. 79
ومن الانفصال قوله ﷺ (ما من الناس من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (١٩٤) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم) (١٩٥).
فإن اختلفا وتقاربت الهاءان، نحو: أعطاهوها وأعطاهاه (١٩٦) ازداد إلانفصال حسنًا وجودة؛ لأن فيه تخلصًا (١٩٧) من قرب الهاء من الهاء، إذ ليس بينهما فصل إلا بالواو في نحو: أعطاهوها، وبالألف في نحو: أعطاهاه، بخلاف "أنضرهموها"، و "أنا لهماه" وشبهه.
ولترجيح الانفصال في نحو "أعطاهاه" جيء به دونَ الاتصال في قول القوم للرجل "ما أحسنت، سلتها إياه" ولم يقولوا: سألتهاه، ولو قيل لجاز.
فإن اختلف الضميران بالرتبة وقدم أقربهما رتبة جاز اتصال الثاني وانفصاله، نحو: أعطيتكه، وأعطيتك إياه.
والاتصال أجود، لموافقة (١٩٨) الأصل، ولان القرآن العزيز نزل به دون الانفصال، كقوله تعالى ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ (١٩٩).
وعليه جاء قول المرأة لرسول الله ﷺ "لأكسوكها". وقول الرجل له ﷺ "اكسنيها" [وقول الخضر ﵇ (يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه)] (٢٠٠).
وسيبويه يَرى الاتصال في هذه الأمثله ونحوها واجبا، والانفصال ممتنع (٢٠١).
والصحيح ترجيح الاتصال وجواز الانفصال. ومن شواهد تجويزه قول النبي ﷺ
(فإن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم) (٢٠٢).
ومما يراه سيبويه أيضًا أن ثاني الضميرين المنصوبين بـ "ظن" أو إحدى أخواتها
стр. 80
يجوز اتصاله وانفصاله مع ترجيح الانفصال (٢٠٣).
والصحيح عندي ترجيح الاتصال لموافقة الأصل، ولتشابه "ظننتكه" و "أعطيتكه".
فلو قدم الأبعد في الرتبة امتنع الاتصال ووجب الانفصال، نحو: أعطيته إياك، وحسبته إياك.
وأجاز المبرد إلاتصال في هذا النوع، كقولك: أعطيتهوك. وحكى سيبويه تجويز ذلك عن بعض المتقدمين، ورده بأن العرب لم تستعمله (٢٠٤).
وقد روى أن عثمان ﵁ قال (أن الباطل أراهمني شيطانًا) (٢٠٥)، ففيه حجة للمبرد على سيبويه رحمهما الله تعالى.
وأما قول المترجم عن هرقل "كيف كان قتالكم إياه" ففيه انفصال ثاني الضميرين، ولو جعله متصلًا لجاز، كقول الشاعر (٢٠٦):
[٦ و] ٤٣ - فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... ومنعكها بشيء يستطاع
стр. 81
ومنها قول النبي ﷺ (انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسلِى) (٢٠٧).
قلت: تضمني هذا الحديث ضمير غيبة مضافا إليه "سبيل" وضميري حضور، أحدهما في موضع جر بالباء، والآخر في موضع جر بإضافة "رسل".
وكان اللائق في الظاهر أن يكون بدل الياءين هاءان، فيقال: انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إِيمان به وتصديق برسله. فلو قيل هكذا لكان مستغنيا عن تقدير وتأويل.
لكن مجيئه بالياء يحوج إلى التأويل (٢٠٨)؛ لأن فيه خروجًا من (٢٠٩) غيبة إلى حضور، على تقدير اسم فاعل من "القول" منصوب على الحال، محكى به النافي والمنفي وما يتعلق به. كانه قال: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلاً: لا يخرجه إلا إِيمان بي وتصديق (٢١٠) برسلي.
والاستغناء بالمقول النائب (٢١١) عن القول المحذوف، حالًا وغير حال كثير.
فمن حذفه وهو حال قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (٢١٢). أي: قائلين ربنا تقبل منا. ومثله ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ (٢١٣) أي: قائلين سلام عليكم. ومثله
стр. 82
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (٢١٤) أي قائلين.
ومن حذفه وهو غيرحال قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢١٥) أي: فيقال لهم: أكفرتم. ومثله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢١٦) أي: يقولون: ما نعبدهم.
ويجوزأن تكون الهاء من "سبيله" عائدة على "من" ولـ "سبيله" نعت محذوف، كانه قيل: انتدب الله لمن خرج في سبيله المرضية، التي نبه عليها بقوله ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (٢١٧) وبقوله تعالى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (٢١٨).
فإن النعت يحذف كثيرا إذا كان مفهومًا من قوة الكلام، كقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٢١٩). أي: إلى معادٍ أي معادٍ أو: إلى معادٍ تحبه. وكقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٢٢٠)، أي: قومك المعاندونْ.
ثم اضمر بعد "سبيله" قول حكي به ما بعد ذلك، لا موضع له من الاعراب.
стр. 83
ومنها قول عائشة ﵂ في باب المحصب (انما كان منزل ينزله النبى (٢٢١) ﷺ ) (٢٢٢)، تعني المحصب (٢٢٣) [قلت: في رفع "منزل " ثلاثة أوجه:
أحدها- أن تجعل "ما" بمعنى (الذي) واسم "كان" ضمير يعود على "المحصب"] (٢٢٤) فإن هذا الكلام مسبوق بكلام ذكر فيه (المحصب). فقالت أم المؤمنين ﵂: إن الذي كانهُ المحصَب منزل ينزله رسول الله ﷺ ، ثم حذف خبر (كان) لأنه ضمير متصل كما يحذف المفعول به إذا كان ضميرا متصلًا ويستغني بنيته. كقولك: زيد ضرب عمرو. تريد: ضربه عمرو.
ومن حذف الضمير (٢٢٥) المتصل خبرًا ل (كان) قول الشاعر (٢٢٦):
٤٤ - فأطعمنا من لحمها وسديفها ... شواءً, وخيرالخير ما كان عاجله.
أراد: وخير الخيرالذي كأنَه عاجلُه. ومثله- قول الآخر (٢٢٧)،:
٤٥ - أخ مخلص وافٍ صبورٌ محافظ ... على الود والعهد الذي كان مالك
стр. 84
[٦ ظ] أراد: الذي كانَه مالك، و "الذي" وصلته مبتدأ، وقد أخبر عنه (٢٢٨) بخمسة أخبار متقدمة (٢٢٩).
ومثل هذا البيت في الاكتفاء بنية الخبر عن لفظه قوله (٢٣٠):
٤٦ - شهدت دلائل جمة لم أحصها ... أن المفضل لن يزالَ عتيق
أراد: لن يزاله (٢٣١)
وأجاز أبو علي الفارسي أن يكون من هذا القبيل قول الشاعر (٢٣٢):
٤٧ - عدو عينيك وشانيهما ... أصبح مشغولٌ بمشغول
على أن يكون التقدير: أصبحه مشغول بمشغول. وأجاز أيضاً أن تكون "أصبح" زائدة.
ومما يتعين كونه من هذا النوع قول النبي ﷺ (أليس ذو الحجة) (٢٣٣) بعد قوله (أى شهر هذا)، والأصل: أليسَه ذو الحجة.
ويمكن أن يكون مثله قول أبى بكر ﵁ (بأبي، شبيهٌ بالنبى، ليس شبيه بعليٍ (٢٣٤).
الوجه الثاني- أن تكون "ما" كافة (٢٣٥)، ويكون "منزل" اسم "كان" وخبرها
стр. 85
ضمير عائد على"المحصب", فحذف الضمير، واكتفي بنيته على نحو ما تقرر في الوجه الأول.
لكن في الوجه الأول تعريف الاسم والخبر، وفي هذا الوجه تعريف الخبر وتنكير الاسم، إلا أنه نكرة مخصصة بصفتها، فسهل ذلك كما سهل في قول الشاعر (٢٣٦):
٤٨ - قفي قبل التفرق يا ضباعا (٢٣٧) ... ولايك موقف منك الوداعا
ف "منك" صفة لـ " وقف" قربته من المعرفة، وسهلت كون الخبر " آلوداع" (٢٣٨).
على (٢٣٩) أنه لوكان اسم "كان" نكرة محضة. وخبرها معرفة محضة (٢٤٠) لم يمتنع, لشبههما بالفاعل والمفعول. ومن شواهد ذلك قول حسان ﵁ (٢٤١):
٤٩ - كأن سيئة من بيت رأس ... يكون مزاجَها عسلَ وماءَ
فجعل "مزاجَها" خبرًا، وهو معرفة محضة، و"عسل" اسماة وهو نكرة محضه، ولم تحوجه ضرورة, لتمكنه من أن يقول: يكونُ مزاجُها عسلَ (٢٤٢) وماء، فيجعل اسم "كان" ضمير "سبيئة" و "مزاجُها عسل" مبتدأ وخبر في موضع نصب بـ "كان".
الثالث- أن يكون "منزل" منصوبًا في اللفظ، إلا أنه كتب بلا ألف على لغة
стр. 86
ربيعة (٢٤٣)، فانهم يقفون على المنصوب المنون بالسكون وحذف التنوين بلا بدل كما يفعل أكثر (٢٤٤) العرب في الوقف على المرفوع والمجرور.
وانما كتب المنون المنصوب بالألفط لأن تنوينه (٢٤٥) يبدل في الوقف ألفًا، فروعي جات الوقف كما روعي في (٢٤٦) "أنا"فكتب بألف (٢٤٧) لثبوتها وقفًا، ولم يبالوا [بحذفها وصلًا، وكما روعي في ":مُسلمة" ونحوه (٢٤٨)، فكتب بالهاء لثبوتها وقفًا، ولم يبالوا] (٢٤٩) بثبوتها في الوصل تاء. وكما (٢٥٠) روعي في "به" و"له" ونحوهما، فكتبا بلا ياء ولاواو كلما يوقف عليهما. ولوروعي فيهما جانب الوصل لكتبا بياء وواو (٢٥١).
فمن لم يقف على المنون المنصوب بألف استغنى عنها في الخط؛ لأنها على لغته ساقطة وصلًا ووقفًا (٢٥٢).
стр. 87
ومنها أن بعض الصحابه ﵃ سئل: كم اعتمر النبي ﷺ ؟ فقال أربع. كذا في بعض النسخ برفع "أربع". وفي بعضها بالنصب (٢٥٣).
قلت: الأكثر في جواب الاستفهام بأسمائه مطابقة اللفظ والمعنى. وقد يكتفى بالمعنى في الكلام الفصيح.
فمن مطابقة اللفظ والمعنى قوله تعالى ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى﴾ و (٢٥٤). و ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ (٢٥٥).و ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٥٦). وكذا ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢٥٧) بعد "مَن" الثانية والثالثة، وهى قراءة أبي عمرو (٢٥٨).
[ومن مطابقة المعنى وحده قوله تعالي ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بعد "من" الثانية- والثالثه في قراءة غير أبي عمرو (٢٥٩)]، وقوله تعالى ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ (٢٦٠) وقوله ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ (٢٦١)
стр. 88
ومن هذا النوع قول القائل (بلى وِجاذًا) حين قيل له: (أما في (٢٦٢) مكان كذا وَجْذ) (٢٦٣). ولو قصد تكميل المطابقة لرفع وقال: بل وجاذ.
ومن الاكتفاء بالمعنى قوله ﵇ (أربعين يومًا) حين قيل له: (ما لُبثه في الأرض) (٢٦٤) فأضمر "يلبث" ونصب به "أربعين" ولو قصد تكميل المطابقة لقيل (٢٦٥): "أربعون يوما" بالرفع؛ لأن الاسم المستفهم به في موضع رفع.
فعل ما قررته: النصب والرفع في "أربع" بعد السؤال عن الاعتمار جائزان (٢٦٦)، إلا أن النصب أقيس وأكثر نظائر.
ويجوز أن يكون كتب على لغة ربيعة، وهو في اللفظ منصوب كما تقدم في ثالث من أوجه "إنما كان منزل" (٢٦٧)]، ويجوز أن يكون المكتوب بلا ألف (٢٦٨) منصوبا غير منون، على نية الاضافة، كانه قال: أربع عُمر، فحذف المضاف إليه وترك المضاف على ما كان عليه من حذف التنوين، ليُستدل بذلك على قصد الإضافة.
وله نظائر (٢٦٩):
منها قراءة ابن محيصن ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٢٧٠) بضم الفاء دون تنوين، على تقدير: لا خوفُ شى (٢٧١).
ومنها ما روَى بعض الثقات من قول بعض العرب ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾) بضم الميم دون تنوين.
стр. 89
ومنها على أصح. المذهبين قولُ الشاعر (٢٧٢):
٥٠ - أقولُ لما جاءني فخره ... سبحانَ مِن علقمة الفاخر
أراد: سبحان الله، فحذف (٢٧٣) وترك المضاف على ما كان عليه.
ومنها قول الشاعرّ (٢٧٤):
٥١ - أكالئها حتي أعرسَ بعد ما ... يكونُ سُحَيراً أو بُعَيدَ فأهجعا (٢٧٥)،
أراد: أو بعيد سحير، فحذف وترك المضاف على ما كان عليه قبل الحذف (٢٧٦). ومثله قول الآخر (٢٧٧):
٥٢ - وإنَّ زمانًا فرق الدهر بيننا ... وبينكمُ فيه لحق مَشوم
أراد: لحقه مشوم، فحذف المضاف إليه وترك (٢٧٨) المضاف على ما كان عليه.
стр. 90
ومثله قولُ. الآخر (٢٧٩):
٥٣ - سقى الأرضين الغيث (٢٨٠) سهل وحزنها ... فنيطت غرى الامال بالزرع والضرع
أراد: سهلها وحزنها، فحذف الثاني وترك الأول مهيئاً بهيئة الإضافة، لتعلم ولا تجهل.
стр. 91
[٧ظ] ومنها قول عبد الله بن أبي قتادة ﵄ (أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم) (٢٨١).
وقول أبي هريرة ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول (كل أمتي معافى
إلا المجاهرون) (٢٨٢).
قلت: حق المستثنى ب "إلا" من كلام تام موجب أن ينصب، مفردًا (٢٨٣) كان أو مكملَا معنا. بما بعده.
فالمفرد نحو قوله تعالى ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٨٤).
والمكمل معناه بما بعده نحو قوله تعالى ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٢٨٥).
ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين (٢٨٦) في هذا النوع إلا النصب. وقد أغفلوا وروده مرفوعاَ بالابتداء ثابت الخبر ومحذوفه. فمن الثابت الخبر قول ابن أبي قتادة "أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم". ف "إلا" بمعنى "لكن" و "أبو قتادة" مبتدأ.
و"لم بحرم "خبره.
ونظيره من كتاب الله تعالى قراءة ابن كثير وأبى عمرو: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ " (٢٨٧) ف "امرأتك" مبتدأ، والجملة بعده خبره (٢٨٨)
стр. 92
ولا يصح أن تجعل "امرأتك" بدلًا من "أحد" لأنها لم تسر معه، فيتضمنها ضمير ألمخاطبين. ودل على أنها لم تسر معه قراءة النصب، فإنها أخَرجتها من أهله (٢٨٩) الذين أمر أن يسري بهم. وإذا لم تكن في الذين سُري بهم لم يصح أن تبدل من فاعل "يلتفت" لأنه بعض ما دل عليه الضمير المجرور ب "من".
وتكلف بعض النحويين الإجابة عن هذا بأن قال: لم يُسرَ بها ولكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت.
وعلى تقدير صحة هذا فلا يوجب ذلك دخولها في المخاطبين بقوله "ولا يلتفت منكم أحد".
وهذا والحمد لله بين، والاعتراف بصحته متعين.
ومن المبتدأ الثابت الخبر بعد"إلا" ما في (٢٩٠) "جامع المسانيد" (٢٩١) من قول النبي ﷺ (ما للشياطين من سلاح (٢٩٢) أبلغ في الصالحين من النساء، إلا المتزوجون، أولئك
المطهرون المبرؤون من الخنا (٢٩٣).
وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ﴾ (٢٩٤). ومن أمثلة سيبويه في هذا النوع (لأفعلن كذا إلا حله (٢٩٥) أن أفعل كذا (٢٩٦) ومن الابتداء بعد (إلا) المحذوف (٢٩٧) الخبر [قول النبي ﷺ ولا تدري نفس
стр. 93
بأي أرض تموت إلا الله) (٢٩٨) أي: (٢٩٩) لكن الله. يعلم باي (٣٠٠) أرض تموت كل نفس.
ومن ذلك] (٣٠١) قول النبي ﷺ "كل امتي معافى إلا المجاهرون). أي: المجاهرون (٣٠٢) بالمعاصي لا يُعافون.
وبمثل هذا تأول الفراء قراءة بعضهم ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٣٠٣) أي: إلا قليل منهم لم يشربوا (٣٠٤).
ومثله قول الشاعر (٣٠٥):
٥٤ - لدم ضائع تغيب عنه ... أقربوه إلا الصبا والدبور
أي: لكن الصبا والدبورُ لي يتغيبا عنه، ومثله قول الآخر (٣٠٦):
٥٥ - عرفت الديار كرقم الوحيْ (٣٠٧) ... يزبرها الكاتب الحميريْ
стр. 94
على "أطرقا" باليات الخيا ... مِ إلا الثمام وإلا العصى (٣٠٨)
أي: إلا الثمامُ والعصي لم تَبلَ (٣٠٩).
وللكوفيين في هذا الذي يفتقر إلى تقدير مذهب آخر, وهو إن يجعلوا "إلا" حرف عطف، وما بعدها معطوف على ما قبلها (٣١٠).
стр. 95
ومنها وقوع المبتدأ نكرة محضة بعد "إذا" المفاجأة وبعد واو الحال , كقول بعض الصحابة ﵃ (إذا رجل يصلي) (٣١١).
[٨و] وكقول عائشة ﵂ (ودخل رسول الله ﷺ وبرمةٌ على
النار) (٣١٢).
ومثله: (فدخل وحبل ممدود) (٣١٣).
قلت: لا يمتنع الابتداء بالنكرة على الإطلاق، بل إذا لم يحصُل بالابتداء (٣١٤) بها فائدة، نحو: رجل (٣١٥) تكلم، وغلام احتلم، وامرأة حاضت. فمثل (٣١٦) هذا من الابتداء (٣١٧) بالنكرة قرينة تتحصل (٣١٨) بها الخلوه من الفائدة، إذ لا تخلو الدنيا من رجل يتكلم، ومن غلام يحتلم، ومن (٣١٩) أمرأة تحيض.
فلو اقترن بالنكرة قرينة تتحصل (٣٢٠) بها الفائدة جاز الابتداء بها.
فمن القرائن التي تتحصل بها الفائدة الاعتمادُ على " إذا" المفاجأة كقولك: انطلقت فإذا سبع في الطريق، أتيت زيدًا فإذا رجل يخاصمه. ومنه قول الصاحب
стр. 96
رضي الله عنه "إذا رجل يصلي". ومنه قول الشاعر (٣٢١):
٥٦ - حسبتك فى الوغَى مِردَى (٣٢٢) حروب ... إذا خَور لديك فقلت سحقًا
وكذا الاعتماد على واو الحال، كقولك: انطلقت وسبع في الطريق، وأتيت فلانًا ورجل يخاصمه. ومنه قوله ﵎ ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٣٢٣).
ومنه "ودخل رسول الله ﷺ وبرمة على النار" و "دخل وحبل ممدود". ومنه قول الشاعر (٣٢٤):
ْ٥٧ - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدأ ... محياك أخفى ضوؤه كل شارق
وكذا الاعتماد على "لولا" كقول الشاعر (٣٢٥):
٥٨ - لولا اصطبارٌ لأودَى كل ذي مِقةٍ ... حين استقلتْ مطاياهن للظعن
وكذا كون النكرة معطوفة أو معطوفًا عليها.
فالمعطوفة (٣٢٦) كقول الشاعر (٣٢٧):
стр. 97
٥٩ - مني اصطبار (٣٢٨) وشكوى من معذبتي ... فهل باعجب من هذا امرُؤ سمعا
والمعطوف (٣٢٩) عليها كقوله تعالى ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ (٣٣٠) على أن يكون
التقدير: طاعة وقول معروف أمثل من غيرهما.
وإنما ذكرت من القرائن ما يناسب "إذا" والواو في كون النحوين لا يذكرونه، ولم أقصد استقصاءها، إذ لا حاجة (٣٣١) إلى ذلك في هذا المختصر.
стр. 98
ومنها قول أبي برزة (٣٣٢) ﵁ (غزوت مع رسول الله ﷺ ... سبع غزوات أو ثماني) (٣٣٣).
قلت: الأجود أن يقال: سبع غزوات أو ثمانيًا، بالتنوين؛ لأن لفظ "ثمان" وإن كان كلفظ "جوارٍ" في أن ثالث حروفه ألف بعدها حرفان ثانيهما ياء، فهو يخالفه في أن "جواري" جمع، و "ثمانيا" ليس بجمع.
واللفظ بهما في الرفع والجر سواء، ولكن تنوين "ثمان" تنوين صرف كتنوين "يمان" (٣٣٤) وتنوين "جوار" تنوين عرض، كتنوين "أُعَيْم" (٣٣٥).
وإنما يفترق لفط "ثمان" ولفظ "جوارٍ" في النصب، فإنك تقول: رأيت جواري ثمانيًا، فتترك تنوين "جوار" لأنه غير منصرف- وقد استغنى عن تنوين العوض بتكمل لفظه- وتنون "ثمانياً" لأنه منصرف، لانتفاء الجمعية.
ومع هذا ففي قوله "أو ثماني"، بلا تنوين ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو أجودها، أن يكون إ اد: أو ثماني غزوات، ثم حذف المضاف إليه وأبقَى المضاف على ما كان (٣٣٦) عليه قبل الحذف، وحسن الحذفُ دلالة ما تقدم (٣٣٧) من مثل المحذوف، مثله قول الشاعر (٣٣٨):
٦٠ - خمسُ ذودٍ أوست عُوضتُ منها ... مئة غيرَ أبكرٍ وإفالَ، (٣٣٩)
стр. 99
وهذا من الاستدلال بالمتقدم على المتأخر، وهو في غير الاضافة كثير (٣٤٠) كقوله تعالى ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٣٤١).
والأصل: والحافظات فروجهنَ، والذاكرات الله كثيرًا.
الوجه الثاني- أن تكون الاضافة غير مقصودة، وترك تنوين "ثمان" لمشابهته "جواريَ" لفظًا ومعنى.
أما اللفظ (٣٤٢) فظاهر.
وأما المعنى فلأن "ثمانيا" وإن لم يكن له [٨و]، واحد من لفظه، فإن مدلوله جمع (٣٤٣).
وقد اعتبر مجرد الشبه اللفظي في "سراويل" فأجري مجرى "سرابيل" فلا يستبعد اجراء "ثمانٍ" مجرى "جوارٍ". ومن اجرائه مجراه قول الشاعر:
٦١ - يحدو ثمانيَ مولعًا بلَقاحها ...... (٣٤٤)
الوجه الثالث- أن يكون في اللفظ" ثمانيا" بالنصب والتنوين، إلا (٣٤٥) أنه كتب على اللغة الربعية (٣٤٦)، فانهم يقفون على المنون المنصوب بالسكون، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى ألف؛ لأن من أثبتها في الكتابة لم يراع إلا جانب الوقف، فإذا كان يحذفها في الوقف كما يحذفها في الوصل لزمه أن يحذفها خَطًا.
وقد تقدم الكلام على هذا بأكمل بيان (٣٤٧).
стр. 100
ومن المكتوب على لغة زبيعة (إن الله حرم عليكم عقوق الامهات، ووأدَ البنات، ومنعَ وهاتِ) (٣٤٨). أي: ومنعا وهاتِ، فحذف الألف لما ذكرت لك.
وحذفها هنا بسبب آخر لا يختص بلغة، وهو أن تنويق "منعًا" ابدل واوًا وادغم في الواو، فصار اللفظ بعين تليها واو مشددة، كاللفظ "يُعَول" وشبهه، فجعلت (٣٤٩) صورته في الخط مطابقهْ للفظه، كما فعل بكلم كثيرة في المصحف.
ويمكن أن يكون الأصل. ومنع حق وهاتِ، فحذف المضاف إليه وبقيت هيئة الاضافة.
стр. 101
ومنها قول عبد الله بن بسْر (إن كنا فرغنا في هذه الساعة) (٣٥٠).
وقول رسول الله ﷺ (وأيم الله لقد كان خليقًا للامارة، وإن كان من أحب الناس إليّ) (٣٥١).
وقول معاوية (إن كان من أصدق هؤلاء) (٣٥٢). يعني كعب الأحبار.
وقول نافع (كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير (٣٥٣) حتى إن كان يُعطي عن بني) (٣٥٤).
قلت: تضمنت هذه الأحاديث استعمالًا "إن" المخففة المتروكة العمل عاريًا ما بعدها من اللام الفارقة لعدم الحاجة إليها.
وذلك لأنه إذا خففت "إن" (٣٥٥) صار لفظها كلفظ "إن" النافية، فيخاف التباس الاثبات بالنفي عند ترك العمل، فالزموا تالي ما بعد المخففة اللام المؤكدّة مميزة لها (٣٥٦).
ولا يحتاج إلى ذلك إلا في موضع صالح للنفي والاثبات، نحو: إن علمتك لفاضلًا، فاللام هنا لازمة، إذ لو حذفت- مع كون العمل متروكًا وصلاحية الموضع للنفي- لم يتيقن (٣٥٧) الاثبات، فلو لم يصلح الموضع للنفي جاز ثبوت اللام وحذفها.
فمن الحذف "إن كنا فرغنا في هذه الساعة" و (إن كان من أحب الناس الى) و "إن كان من أصدق هؤلاء" و "إن كان يعطىِ عن بين".
ومنه قول عائشة ﵂ (إنْ كان رسول الله ﷺ يحب التيمن) وقول عامر بن ربيعة (إنْ كان رسول الله ﷺ يبعثنا ومالنا طعام إلا السلْف من التمر).
стр. 102
حديث عائشة من "جامع المسانيد" (٣٥٨) وحديث عامر من "غريب الحديث" (٣٥٩).
ومنه قراءة أبي (٣٦٠) رجاء ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣٦١). أي: وإن كل لِلذي هو متاع الحياة الدنيا، فحذف من الصلة المبتدأ وأبقَى الخبر.
ومنه قول الطرماح بن حكيم (٣٦٢):
٦٢ - أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن
ومثله قول الآخر (٣٦٣):
٦٣ - إنْ كنت قاضي نحبي يوم بينكم ... لو لم تمنوا بوعد (٣٦٤) بعد توديع
[٩و]، ومثله (٣٦٥):
٦٤ - أخي إنْ علمتُ الجود للحمد منميًا (٣٦٦) ... وللود مثبتًا وللمال مفنيا
стр. 103
ومثله (٣٦٧):
٦٥ - إنْ وجدت الكريم يمنع أحيا ... نًا وما إن بذا يُعد بخيلا
وقد اغفل النحويون التنبيه على جواز حذف اللام عند الإستغناء (٣٦٨) عنها بكون الموضع غير صالح للنفي، وجعلوها عند ترك العمل لازمة على الإطلاق, ليجرى الباب على سنن واحدٍ. وحاملهم (٣٦٩) على ذلك عدم الاطلاع على شواهد السماع، فبينت إغفالهمً، وثبث الاحتجاج عليهم لا لهم.
وازيد على ذلك إن اللام الفارقة إذا كان بعد مُا ولي "إنْ" نفيُ واللبس مأمون فحذفها واجب، كقول الشاعر (٣٧٠):
٦٦ - انِ الحقُ لا يخفَى على ذي بصيرة ... وإن هو لم يعدم خلاف معاند
ومثله (٣٧١):
٦٧ - أما انْ علمتُ الله ليس بغافل ... فهان اصطباري أن بليت بظالم
стр. 104
ومنها قول رسول الله ﷺ (إنما مثلكم واليهودِ والنصارى كرجل (٣٧٢) استعمل عمالًا) (٣٧٣)
قلت: تضمن هذا الحديث العطف على ضمير الجر بغير إعادة الجار. وهو ممنوع عند البصريين (٣٧٤) إلا يونسَ وقطربًا والأخفش (٣٧٥).
والجواز أصح من المنع، لضعف احتجاج المانعين (٣٧٦) وصحةِ استعماله نثراً ونظما (٣٧٧).
أما ضعف احتجاجهم فبين، وذلك أن لهم حجتين:
إحداهما- (٣٧٨) أن ضمير الجر شبيه بالتنوين ومعاقب له، فلم يجز العطف عليه كمالا يعطف على التنوين.
الثانية- أن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يصح حلول كل واحد منهما محل الآخر، وضمير الجر لا يصح حلوله محل ما يعطف عليه، فمنع العطف عليه إلا باعادة حرف الجر، نحو قوله تعالى ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا﴾ (٣٧٩).
والحجتان ضعيفتان (٣٨٠)
أما الأولى، فيدل على ضعفها أن شبه الضمير (٣٨١) بالتنوين ضعيف، فلا
стр. 105
يترتب عليه ايجاب ولا منع، ولو منع من العطف عليه (٣٨٢) لمنع من توكيده ومن الإبدال منه؛ لأن التنوين لا يؤكد ولا يبدل منه، وضمير الجر يؤكد ويبدل منه بإجماع، فللعطف عليه (٣٨٣) أُسوة بهما.
وأما الثانية فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كل واحد من المعطوف والمعطوف عليه محل الآخر شرطًا في صحة العطف لم يجز: (رب رجل وأخيه). ولا:
٦٨ - أي فتى هيجاءَ أنت وجارِها ... . . . . . . . . . . . (٣٨٤)
ولا (كم ناقة لك وفصيلها) (٣٨٥) ولا (الواهبُ الآمة وولدها) ولا (زيدَ وأخوه منطلقان).
وأمثالُ ذلك من المعطوفات الممتنع تقدمها وتأخر ما عُطفت عليه كثيرة (٣٨٦).
فكما لم يمتنع فيها العطف، لا تمنع في "مررت بك وزيدٍ" ونحوه. ولا في (إنما مثلكم واليهود والنصارى".
ومن مؤيدات الجواز قوله تعالى ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣٨٧)، فجر"المسجد" بالعطف على الهاء المجرورة بالباء لا بالعطف على "سبيل"؟ لاستلزامه العطف على الموصول وهو "الصد" قبل تمام صلته؛ لأن "عن سبيل" صلة له، إذ هو متعلق به، و "كفر" معطوف على "الصد" [فإن جُعل المسجد معطوفًا على "سبيل" كان من تمام الصلة للصد] (٣٨٨)، و "كفر" معطوف عليه، فيلزم ما ذكرته من العطف على الموصول قبل تمام الصلة، وهو ممنوع بإجماع، فإنْ
стр. 106
عطف على الهاء خلص من ذلك، فحكم برجحانه لتبين (٣٨٩) برهانه ومن مؤيدات الجواز قراءة حمزة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (٣٩٠)
بالخفض. وهي أيضًا قراءة ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والنخعي والأعمش ويحيى بن وثاب [٩ظ]، وأبي رزين (٣٩١).
ومن مؤيداته قول بعض العرب (ما فيها غيره وفرسِه) (٣٩٢).
وأجاز الفراء أن يكون ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٣٩٣) معطوفًا على ﴿لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ وأنشد سيبويه (٣٩٤):
٦٩ - فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
وأنشد أيضا (٣٩٥):
٧٠ - آبك أية بىَ أو مصدر ... من حمر الجلة نهد حَشْور (٣٩٦)
стр. 107
وأنشد غيره (٣٩٧):
٧٢ - إذا أوقدوا نارًا لحرب عدوهم ... فقد خاب من يصلَى بها وسعيرِها (٣٩٨)
ومثله (٣٩٩):
٧٢ - بنا أبدًا لا غيرِنا تُدرَك المنَى ... وتكشَف غماءُ الخطوب الفوادحِ
ومثله (٤٠٠):
٧٣ - لو كان لي وزهيرِ ثالثَ وردت ... من الحمام عدانا شر مورود
ومثله (٤٠١):
٧٤ - به اعتضدن أومثله تك (٤٠٢) ظافرًا ... فما زال معتزًا به من يظاهره
وجعل الزمخشري في "الكشاف" أشد" (٤٠٣) معطوفًا على الكاف والميم من ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ﴾ ولم يجز عطفه على "الذكر" (٤٠٤).
والذي ذهب إليه هو الصحيح؛ لأنه لو عطف على "الذكر" لكان "أشد" صفة
стр. 108
لـ "ذكر" وامتنع نصب "الذكر" بعده؛ لأنك لا تقول: ذكرك (٤٠٥) أشد ذكرًا، وإنما تقول: ذكرك أشدُّ ذكرْ. وتقول: أنت أشد ذكرًا (٤٠٦)، ولا تقول: أنت أشد ذكر.
لأن الذي يلي أفعل التفضيل من النكرات إنْ جُر فهو كل لأفعل، وأفعل بعض له. وإن نصب فهو فاعل في المعنى للفعل الذي صيغ منه أفعل، ولذلك تقول: أنت أكبر رجل، وأكثر مالًا. فـ "أكبر"بعض ما جُر به، و" أكثر" بمنزلة فعل، وما انتصب به بمنزلة (٤٠٧) فاعل، كأنك قلت: كثر مالك، أو: فاق مالك غيره كثرة، فقد تبين بالدلائل التي أورد تها صحة العطف على ضمير الجر، دون إعادة العامل, واعتضدت رواية جر" اليهود والنصارى" في الحديث المذكور.
ولو رُوي بالرفع لجاز على تقدير: ومثلُ اليهود، (٤٠٨) ثم يحذف المضاف ويُعطى المضاف إليه إعرابه.
стр. 109
ومنها قول [رسول الله ﷺ عن] (٤٠٩) أبي هريرة ﵁ (فلما قدم جاءه بالألف دينار) (٤١٠).
قلت: في وقوع "دينار" بعد "الألف " ثلاثة أوجه:
أحدها، وهو أجودها، أن يكون أراد: بالألف ألف دينار، على إبدال"ألف" المضاف من المعرف بالألف واللام، ثم حذف المضاف، وهو البدل, لدلالة المبدل منه عليه، وأبقَى المضاف إليه على ما كان عليه من الجزء كما حذف المعطوف المضاف وترك المضاف إليه على ما كان عليه قبل الحذف في نحو (ما كل سوداء تمرة ولا بيضاءَ شحمةَ) (٤١١).
وفي باب الاستعانة باليد في الصلاة (ثم قام فقرأ العشر آيات) (٤١٢) يحمل أيضاً على أن المراد: فقرأ العشر عشرآيات، على البدل، ثم حذف البدل وبقي ما كان مضافًا إليه مجرورا.
ومن حذف البدل المضاف لدلالة المبدل منه عليه ما جاء (٤١٣) في "جامع المسانيد" (٤١٤) من قول النبي ﷺ (خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم المحجلُ ثلاث).
أي: المحجلُ (٤١٥) محجلُ ثلاث. وهذا أجود من أن يكون على تقدير: المحجل في ثلاث.
стр. 110
ومن حذف البدل المضاف لدلالة المبدل منه عليه قول الراجز: (٤١٦)
٧٥ - الأكل المالَ اليتيمِ بطرا ... يأكل نارًا وسصيلى سقرا
أراد: الأكل المالَ مالَ اليتيم. ومثله قول الشاعر (٤١٧):
٧٦ - المالُ ذي كرم ينمي (٤١٨) محامدَه ... ما دام يبذله فيْ السر والعلن
[١٠و] أراد: المالُ مال ذي كرم.
وقد يحذف المضاف باقيًا عمله وإن لم يكن بدلًا، كقوله ﵇: (فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين صلاة) (٤١٩) [أي: فضل سبعين صلاة. وهو من "جامع المسانيد" (٤٢٠).ويجوز إن يكون الاصل: بسبعين صلاة] (٤٢١) فحذفت الباء وبقي عملها
الوجه الثاني- أن يكون الأصل: جاءه بالألف الدينار، والمراد بالألف الدنانير، فاوقع المفرد موقع الجمع (٤٢٢) كقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ (٤٢٣) ثم حذفت اللام من الخط صيرورتها (٤٢٤) بالادغام دالًا، فكتب على اللفظ كما كتب ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ (٤٢٥) في "الأنعام" على صورة "ولدار الأخرة".