← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

منها الجزع وهَتْك الحدود جاز لها أن تَخْرُج، وإلا لا. بقي السَّفَر إلى المزارات والمقابر كيف هو؟ أقول: يجوزُ للمقابر المُلْحَقة بالإجماع. وتُستحب زيارةُ النبي ﷺ بالتواتر. وأمَّا ما سواها من المقابر فلا نَقْل لَهَا عندي من الأئمة، نعم نُقولُ من المشايخ، فلذا أَكُفُّ عن اللِّسَانَ. ٣٠ - باب حَدِّ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا ١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ تُوُفِّىَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَاّ بِزَوْجٍ. أطرافه ٣١٣، ١٢٧٨، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣ - تحفة ١٨١٠٣ ١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِى حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ قَالَتْ لَمَّا جَاءَ نَعْىُ أَبِى سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ - رضى الله عنها - بِصُفْرَةٍ فِى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ إِنِّى كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلَا أَنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». أطرافه ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥ - تحفة ١٥٨٧٤ ١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». أطرافه ١٢٨٠، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥ - تحفة ١٥٨٧٤ ١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّىَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِى بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». طرفه ٥٣٣٥ - تحفة ١٥٨٧٩ واعلم أن الإحداد بالموتِ متفقٌ عليه عند جميع الأئمة، أما في الطَّلاق فهو عند الحنفيةِ فقط، وهو مختار النَّخَعِي أيضًا. وهذا النَّخَعي من أساتذةِ إمَامِنَا رحمهما الله. ثُمَّ إنَّه يحِب لَحقِّ الزَّوْج، ويجوز لغيره أيضًا ثلاثة أيامٍ عند محمد ﵀ وعليه الاعتماد عندي، وإن كان في الكُتُب عدمُ الجواز. واعلم أن هناك فائدة ينبغي أن تحفظَها ولا تَنْسَها، وهي أن الفقيه الغَيْرَ المُحَدِّث إذا رأى في الفِقْه سكوتًا عن أَمرٍ ربما يَحْمِله على النَّفي فيصرِّح به، فيجيء المتأخِّرُ ويظن أنه منقولٌ عن أئمتنا فيتضرر به، فإنه يد يخالِفُ صريحَ القرآن. فيجب على الفقيه أن يشتغل بالحديث والقرآنِ

стр. 1087

أيضًا لتبقى مراعاتُهُما بمرأى عينيه. ومَنْ لا يشتغلُ بالحديث فإنه لا يحصلُ له علم بكثيرٍ من المسائل التي تتعرض لها الأحاديث ولم يتعرض لها فقهاؤنا، وذلك لعدم كونها من موضوع فَنِّهِم. وقد مرَّ معنا التنبيه في الأوائل أن التقليدَ لا يحكم إلا بعد النظر إلى الأحاديث. وكذا الأحاديث لا يستقِرُّ مرادُهَا عندنا إلا بعد النَّطر إلى أقوال السَّلَفِ، فمن أراد أن يحصلَ له عِلْمُ السَّلَف فليَجْمَع بين الأَمْرَين. ١٢٧٠ - قوله: (جَاء نَعْيُ أبي سُفْيَانَ) وهو والدُ أُمِّ حبيبة. قوله: (حينَ تُوفِي أَخُوها) قال الحافظ ﵀: إنَّ الذي مات بالحبشةِ مات على النصرانية فلا معنى للإِحداد عليه، والآخَرُ بقي بعدها حَيًّا، فعلى مَنْ كانت تحد. ثُم أجاب مِنْ عنده: أن الذي أرادَتْ عليه الإِحْدادِ هو الذي مات على النَّصْرَانية، ولا بأس به فإنَّه أَمْرٌ فِطْريّ. أقول: ولا تَعَرُّضَ إليه لعدم بناءِ مسألة عليها، نعم مَنْ أَراد أن يضعَ شَرْحًا على البخاري فعليه أن يدخلَ في تلك المباحث. ٣١ - باب زِيَارَةِ الْقُبُورِ ١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ «اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى». قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّى، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِى، وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِىُّ ﷺ . فَأَتَتْ بَابَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». أطرافه ١٢٥٢، ١٣٠٢، ٧١٥٤ - تحفة ٤ ٣٩ - ١٠٠/ ٢ ٣٢ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنُوبًا ﴿إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِى غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَاّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا». وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. ١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رضى الله عنهما - قَالَ أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِىِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِى قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا،

стр. 1088

فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِىُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ - كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا فَقَالَ «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِى قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». أطرافه ٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨ - تحفة ٩٨ ١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ - قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ - فَقَالَ «هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ «فَانْزِلْ». قَالَ فَنَزَلَ فِى قَبْرِهَا. طرفه ١٣٤٢ - تحفة ١٦٤٥ - ١٠١/ ٢ ١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - رضى الله عنه - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - وَإِنِّى لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا - أَوْ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا. ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ - رضى الله عنهما - لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». تحفة ٧٢٧٦ ١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَدْ كَانَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ - رضى الله عنه - مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ ادْعُهُ لِى. فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِى يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِى عَلَىَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». طرفاه ١٢٩٠، ١٢٩٢ - تحفة ١٠٥٠٥ ١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - رضى الله عنه - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقَالَتْ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ وَاللَّهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - شَيْئًا. طرفاه ١٢٨٩، ٣٩٧٨ - تحفة ١٦٢٢٧، ٥٨٠٣

стр. 1089

١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِى عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِى قَبْرِهَا». طرفاه ١٢٨٨، ٣٩٧٨ - تحفة ١٧٩٤٨ - ١٠٢/ ٢ ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - وَهْوَ الشَّيْبَانِىُّ - عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ - رضى الله عنه - جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ». طرفاه ١٢٨٧، ١٢٩٢ - تحفة ١٠٥٨٥، ٩٠٩٤ أ واعلم أنَّ في مسألة البابِ خلافًا بين عائشةَ وابنِ عمر ﵄. فقالت عائشةُ ﵂ إنالكيت لا يعذب ببكاء الأهل، فإنه من فعلهم فلا تزره نفس الميت وابن عمر ﵁ يثبته. وجات عائشة ﵂. عَمَّا رواه ابنُ عمرَ ﵁، بأنه سها فيه، فإنَّها كانت واقعة جزئيةً لا مرأة يهوديةٍ وكانت تُعذَّب، فجعلها ابنُ عمرَ ﵁ ضابطةً كليةً للمسلمين وغيرهم. قال العلماء: إن تخطئتَها ليس بذاك، فإنَّه رواه غيرُهُ أيضًا لا يمكن الوَهْم كم كُلِّهم. وقد ذكر العلماءُ للحديث سبعةَ وجوه سَرَدَها الحافظ ﵀ واختار منها البخاريُّ ﵀: أن العذابَ فيما كان النَّوْحُ من سُنَّتِه، وأَمَّا إذا لم يكن مِنْ سُنَّته فإنَّه لا يُعذَّبُ. وحاصِلُهُ: أنه قسم على الحالات، فجعل بَعْضَه حرامًا، وبعضَه جائزًا، والذي هو حرامٌ هو أن يَرْضَى به الميتُ فيكون رضاؤه بالبكاءِ سببًا لعذَابِهِ. ولفظ «البَعْض» في الحديث أيضًا يَدُلُّ على أن بَعْضَه جائزٌ كما سيجيء، واستدل عليه بآيةٍ وحديث. وحاصله: أنَّ الإنسانَ مأمورٌ بإصلاح نَفْسه ورعيته، فيُؤاخَذُ بتركِ إصلاح نَفْسِهِ ورعيتِهِ معًا. وأما إذا نهاهم عن البكاءِ ثُمَّ فعلوه بعد موته فله ضابطةٌ أُخْرَى، وهي كما ذكرت عائشةُ ﵂. وهذا الذي عُني بالتقسيم على الأحوالِ. وتفصيلُهُ أَنَّ الشَّرْعَ كما يُؤاخِذ المباشِرَ كذلك قد يؤاخذ المُسَبِّب أيضًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لا يُخَالِف أَخْذَ المسبِّب فإنَّ التسبيبَ أيضًا مِنْ فِعْلِهِ كالمباشَرَة، فلم يكن مِنْ وِزْرِ الآخَر بل وِزْر نَفْسِهِ والمرءُ يُؤاخَذُ به لا محالة إلا أنَّ المُؤاخَذَةَ في المباشِر مطلقٌ، وفي مؤاخذة المسبِّب تفصيلٌ، وهو الذي رُوعي في قوله ﷺ «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ» ... إلخ. ففيه المؤاخذةُ مِنْ المُسبِّب. فإذا عَلِمت أَنَّ الشَرْع وَرَد بِأَخْذِ المباشِر والمُسَبِّب كِلَيْهِمَا فالطَّرْد على واحدٍ منها وتَرْك الآخَر حَمَقٌ قَطْعَا. ولكن يجري في مِثْله التَّقْسِيْم على الحالات. ولذا قلت فيما مَرَّ: إِنَّ الشَّرْعَ نَصَب القواعِدَ، وقد يَصْدُق على جزىءَ واحدٍ قواعدُ شَتَّى وحينئذٍ يتعسَّر إدخالُهُ في واحدٍ منها وَتَرْك التجاذب، فيحتاجُ إلى النَّظر في أَنَّ هذا الجزئي بأيِّ القواعِد أَقْرَب فيلحق بها، ويقسم بينها. وهذا التقسيمُ الصحيحُ هو وظيفةُ المُجْتَهِد، وهو على نحو ما قال الدَّوَّاني: إنَّ أُلوفًا من

стр. 1090

الكلياتِ تَصْدُق في مَحَلَ فيصيرُ مجموعُهَا جزئيًا. والجواب الثاني: أن التعذيب عبارةٌ عن تعبيرِهِ بما أَثْنُوا عليه بعدَهُ، كقول الملائكة لأبي موسى الأشعري عند الترمذي: «أهكذا كنت؟» حين غُشِي عليه وناحَت عليه زَوْجَتُهُ. وأَرْجَحُ الأجوبةِ عندي ما ذكره ابنُ حَزْم ﵀: إنَّ أهلَ الجاهليةِ كانوا يَذْكُرونَ في النياحةِ أفعالَ الميت التي تكونُ مِنْ أَعْظَمِ الكبائرِ وموجِبات النار، نحو قولهم: إنَّك قاتَلْتَ فُلانًا فلم تَتْرُك منهم أحدًا، وأَغَرْتَ على فلانٍ إلى غير ذلك من الشنائع. وكانوا يذكرونها افتخارًا وَمَدْحَا للمَيِّت على ظَنِّهم الفاسدِ. وكانت تلك الأشياءُ كُلُّها من أفعالِ الميت، فكان العذابُ من أَجْل أفعالِهَا لا من أجل البكاء. ويوضِّحُهُ ما عند المُصَنِّف ﵀ في الصفحة الأخرى: إنَّ الميتَ يُعذَّب في قَبْره بما نِيح عليه، وما نِيح هو معاصِيه بِعَيْنَها التي اقترفها وليست مِنْ فِعْل غيره. وهذا أَعْجَب الشُّروح إليَّ. ١٢٨٤ - قوله: (فَلْتَصْبِر) وفي بعضِ الروايات: «فلتصبري» وفيه دليلٌ على أنَّ «اللام» قد تَدْخُل على الأَمْر الحاضِر أيضًا، كما قاله الكُوفيون خلافًا للبَصْريِّين. قوله: (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) وهو من باب إبرار المُقْسِم فلو كان من لفظها: أَنَّها تُقْسِم عليك أَنَّك لتأتِيَنَّهَا، لا يكونُ واحِدٌ منهما حالِفَا. وإنْ كان: أني أحلِفُ أَنَّك لتأتيني، ويصيرُ المتكلِّم به حالِفَا، ويُستحب إبراره للآخَر. وترجمته في الهندية تقسم عليه آي (واسطه ديتي هين) قال الحافظ رحمه الله تعالى: ثُمَّ بقي هذا الولد حيًّا إلى زمنٍ مع التصريح بدخولِهِ في النَّزْع. قلتُ: وينبغي أن يُعدَّ هذا من مُعجزاتِهِ ﷺ والعَجَب من السُّيوطي رحمه الله تعالى أنه تَمسَّك فيه بروايةٍ تكاد تكونُ موضوعةً، ولو أتى بهذه لكان أحسن، نعم ينبغي للطبيبِ أن يَبْحَث في أنه هل يمكنُ عَوْدُ الروحِ بعد الدخول في النَّزْع أم لا؟ فإن أُمكن فلا يخلو إما أن يَطَّرد ذلك أو لا. وعلى الثاني تكونُ معجزةً، وعلى الأول لا تكون معجزةً لدخوله تحتَ الضابطةِ الطبية. وأما إذا كان لا يمكنُ العَوْدُ أصلا فهو معجزةٌ مُطْلقًا. والذي يظهر من كُتب الطبِّ أن الطَّبْع إذا صار مغلوبًا في البحران يرجِعُ إلى القلبِ كليلا، فإذا رجع إليه قَوِي لكونِ القَلْب مَعْدَن الحياة فيكتسب منه قوةً وجعل يدافِعُ المرضَ حتى يدفَعَه. فهذا يدلُّ على أن العوْدَ بعد النَّزْع ممكنٌ وإن لم يكن مُطَّرِدًا فيكونُ معجزةً في هذه المادة. وقد قال لي بعضُ أقاربي: أني دخلت في النَّزْع مرةً، فرأيتُ أن شيئًا ينزع من قدمي، فإذا بلَغ إلى السُّرّةِ تَفَلَّت وبلغ إلى مَوْضِعه كالبرق، ولم أزل أُحُسُّ كذلك حتى بَقِيْتُ حيًّا. ١٢٨٥ - قوله: (لَمْ يُقَارِف) والمقارفة الإتيان بما لا ينبغي (ناشايان كام). قال الشارحون رحِمهم الله تعالى: إنَّ عثمانَ ﵁ كان قد جامع بَعْضَ جوارِيه في تلك الليلة وله العُذْر أيضًا، فإنَّ مَرَضَها لما طال وتمادَى ولم يكن يخطر بِبَالِهِ أنها تُتوفَّى في هذه الليلة اشتغل بِمِثْلِهِ، ولكنَّه لما كان مُشْعِرًا بِغَفْلَتِهِ في عدم إقامته بحقِّ التمريض أظهر عنه المَلالَ. ونقل الحافظ رحمه الله تعالى في تفسيره عن الطحاوي: لم يُقاول الليلةَ ثُمَّ رَدَّ عليه. قلتُ: ليس مَا ذَكَره الطحاوي روايتَه ولا بَدلا عن اللفظ، بل أراد الطحاويُّ رحمه الله

стр. 1091

تعالى بيانِ المراد. وحاصله: أن تلك الواقعةَ لما لم تَثْبُت بالروايةِ فلا حاجةَ إلى التزامها. ويمكن أن يكونَ اشتغل بالتحديث والمقاولةِ مع كونه لا ينبغي له في مِثْل هذا الأوان، فَكَرِهَهُ النبيُّ ﷺ نعم لو ثَبت في رواية أنه كان جَامع لكان لالتزامِه وَجْه. أمَّا إذا لم يَثْبُت فلا حاجةَ لنا إلى تقديرِهَا مِنْ أجل لَفْظ المَقَارَفة هكذا يعلم بالمراجعة إلى مُشْكِلة (١).

стр. 1092

مسألة يجوزُ للأجانب إنزالُ الميتِ في القبر عند الحاجة، وإن كان الأَوْلَى هو الزَّوْج والأَقارب. قوله: (قد كان عُمرُ رضيا للَّهُ عنه يقولُ بَعْضَ ذلك) وكأنَّ ابنَ عباس ﵁ لم يُسَلِّم عذابَ الميتِ بِبُكَاءِ الحيِّ. قوله: (صَدَرْتُ مَعَ عمرَ ﵁ وهذا آخِرُ حجة، ثم استُشْهِد بَعْدَهُ. قوله: (إنَّ اللَّهَ لَيزيدُ الكافِرَ عذابًا) ... إلخ. وهذا مضمونٌ آخَرُ غير ما مرَّ. وفيه: أنَّ العذابَ عليه من معاصيه، ولكنَّ اللَّهَ يزيدُهُ عذابًا من نياحَتِهم وقد آخَذَهُ القرآنُ أيضًا في واضعَ. ونَبَّه ابنُ المنير على أنَّ مِنْ سُنَّة اللَّهِ تعالى أن العبدَ إذا ازداد في الكفر يزادُ عليه بعضُ الكفر نكالا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] فاقترفوا الكُفْرَ هؤلاء من عِنْد أَنْفُسِهم فعُوقِبُوا بِكُفْرٍ آخَرَ من عنده تعالى. ٣٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِى سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ. وَالنَّقْعُ التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ الصَّوْتُ. ١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ

стр. 1093

كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تحفة ١١٥٢٠ ١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ عَنْ شُعْبَةَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَىِّ عَلَيْهِ». طرفاه ١٢٨٧، ١٢٩٠ - تحفة ١٠٥٣٦ «مِنْ» ههنا أيضًا تبعيضيةٌ عندي، وذلك لأنه لا بد كون بَعْض مراتبِ النياحة تحت الجواز وإن لم نَقْدِر على تحديدها، لما قد ثَبَت عن النبيِّ ﷺ الإغماضُ عن بَعْضِهَا كنياحةِ أُمِّ الأَخِ لجابر ﵁ حين استُشِهِد. وفي البخاري: أنَّ امرأةً بايعت النبيَّ ﷺ وترخَّصَت في النياحة مرةً قضاءً عَمَّا كان علهيا من نياحةٍ في الجاهليةِ. فأجاز لها النبيُّ ﷺ واضطَّرَبَ فيه الشارحون، والصواب ما ذكره القرطبيُّ رحمه الله تعالى أنه لا بُدَّ مِنْ إقامةِ المراتب، والتحديد يَتَعَسَّر في مسألة. ولذا صَرَّح السَّرَخْسِي رحمه الله تعالى: أنَّ المسألةَ فيه عندنا أن يُفوَّضَ إلى رأي المُبْتَلَى به. لا أريدُ به فَتْحَ بابِ النياحة، ولكن أريدُ فيه المستثنياتِ. ثم لا بدَّ مِنْ الفَرْق بين الإغماضِ الرضاء. فالذي أقول هو الإغماضُ في بعض الأحيان مع إظهار عدم الرضاء منها، وهو الذي أرادَهُ النبيُّ ﷺ في الباب الآتي فلم تبكي، أو لا تبكي، فما زالت الملائكةُ تُظِلُّه، ففيه عَدَمُ الرضاء مع الإِغْماض. ٣٤ - بابٌ ١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ جِىءَ بِأَبِى يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّىَ ثَوْبًا فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِى قَوْمِى، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِى قَوْمِى، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ». فَقَالُوا ابْنَةُ عَمْرٍو أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو. قَالَ «فَلِمَ تَبْكِى أَوْ لَا تَبْكِى فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ». أطرافه ١٢٤٤، ٢٨١٦، ٤٠٨٠ - تحفة ٣٠٣٢ وظنيِّ أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى يريدُ أن يشيرَ إلى المُسْتثنياتِ، إلا أنَّه لم يتكلَّم بها لكونها غيرَ مُنضبطةٍ، فدلَّ على أن تَرْك الترجمةِ قد يكونُ لهذا المعنى أيضًا. ٣٥ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ ١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِىُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». أطرافه ١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩ - تحفة ٩٥٥٩ - ١٠٣/ ٢

стр. 1094

ومعناه على المَشْهُور ليس على طريقتِنَا وسُنَّتِنَا. وكان سُفيانُ (١) الثوريُّ يمنع عن تأويلهِ ويقول: إنَّ مِثْلَ هذا الحديث ينبغي أن يترك على ظاهرِهِ ولا يُؤوَّل، فإنَّه يخف منه الوعيد. والمقصودُ زَجْرُ الناسِ عنه والتخفيفُ يُخُلُّ به. ٣٦ - باب رِثَى النَّبِىِّ ﷺ سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ ١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِى عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِى فَقُلْتُ إِنِّى قَدْ بَلَغَ بِى مِنَ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِى إِلَاّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مَالِى قَالَ «لَا». فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ «لَا» ثُمَّ قَالَ «الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَاّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فِى امْرَأَتِكَ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِى قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَاّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِى هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ». أطرافه ٥٦، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ تحفة ٣٨٩٠ ١٢٩٥ - قوله: (عَام حَجَّةِ الوَدَاع) ويقول بعضُهُم عامَ الفَتْح، فهو مِنْ اختلافِ الرواة. قوله: (يَتَكَفَّفُوْنَ) (اته يسارين). قوله: (إلا أُجِرْتَ بِهَا) وترشَّحَ منه أنه لَعله تَطُوْلُ حياتُهُ ولا يموتُ في هذا المَرَضِ. ولذا سأل عنه فقال: «يا رسولَ الله أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟» كأنه يسخبرُهُ عن حياته وموته، ولكنَّ النبيَّ ﷺ لم يجبه صراحةً. والمرادُ من التخليف على هذا التقدير بقاؤه حياتُهُ. ويمكنُ أن يكونَ مرادُهُ: أنَّك تذهبُ إلى المدينةِ وأصحابُكَ معك ذاهبون، أفأَتخلَّفُ عنهم فلا أَقْدِرُ على الذَّهَابِ معك؟ فالتخليفُ إذن بمعنى بقائه يمكةَ وعدم ذهابه معه. وكأنه يستخبرُه عن هجرتِهِ هل تَتِمُّ أو لا؟ فإنَّ الصحابةَ رضي الله تعالى عنهم كانوا يَعُدُّون الموتَ في غيرِ دَارِ هِجْرَتِهِم نَقْصَا. ويؤيده قوله ﷺ «إنك لن تُخَلَّف» ... إلخ يعني إنك إن بقيتَ ههنا ولم تَبْلُغ إلى المدينةِ فلا بأس، فإنَّك أن تعمل عملا صالحًا فَنَفْعُهَا نائلٌ إياكَ لا محالة، فهذا القَدْرُ من المنفعةِ حَاصِلٌ لك بمكةَ أيضًا. قوله: (لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ) (٢) أي تَطُول بك الحياةُ. أشار فيه إلى بقائِهِ وحياتِهِ وانتفاعِ

стр. 1095

المؤمنين وَتَضَرُّرِ الأعداء، فوقَع كما أَخْبر فكان فَاتْحًا. فإن قلت: إنَّ التخلُّفَ في الأول كان بمعنى التخلف عن الذَّهَاب معه دون الحياةِ. وههنا بمعنى الحياةِ، فهو فَكُّ في النِّظَام. قلتُ:: وهذا البحثُ يناسِبُ مرتبةَ القرآن، أمَّا الحديثُ فلا يُشددُ فيه بذلك. قوله: (اللهم أَمْضِ لأصحابي) ... إلخ. وفيه دليلٌ على أن الوفاةَ في غير دار الهجرة كانت تُعَد نَقْصَا ولو كان بِأَمْرٍ سماوي. قلتُ: ولكنَّ هذا النقصَ يكون تكوينيًا. أعني به أن شاكلةَ حَشْرِ أهل المدينة لَعلَهَا تغايرُ شاكلَةَ حَشْرِ أهل مكة، فالله تعالى يَدْري ما الفرق بين الْحَشْرَين. وبالجملةِ مَنْ مات بمكَةَ لا يُحْشَر كَحَشْر أهلِ المدينة، وهذا الذي عنيت بالنقصِ التكويني. قوله: (يَرْثي) أي يرق له. وفي اللغة فَرْق بين قولِهِ رَثَاهُ ورَثَى لَهُ. ٣٧ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ١٢٩٦ - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِى حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَنَا بَرِىءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. تحفة ٩١٢٥ و «من» ههنا تعبيضةٌ أيضًا. فلو احتاج عند المصيبةِ إلى الحَلْق جاز، والحلقُ عند المصيبةِ رائجٌ في كُفَّار أهل الهند إلى يومنا هذا. ٣٨ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ ١٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». أطرافه ١٢٩٤، ١٢٩٨، ٣٥١٩ - تحفة ٩٥٦٩ - ١٠٤/ ٢ ١٢٩٧ - قوله: (ودعا بِدَعْوَى الجَاهِلِيةِ) أي يقولُ بِقَوْلٍ عُرِفَ في أهل الجاهلية في مِثْل هذا الموضع. ٣٩ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الْوَيْلِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ١٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ

стр. 1096

الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». أطرافه ١٢٩٤، ١٢٩٧، ٣٥١٩ - تحفة ٩٥٦٩ ولا ريبَ في جوازِ الويل في بعض المواضع، فإنَّه قد وَقَع في التنزيل أيضًا. نعم يمنع عنه عند بَعْضَ الاحتفافات فاستقام التبعيضُ، واعتبرَ المصنِّفُ رحمه الله تعالى في مِثْلَ هذه التراجم أولا ما ينهى عامًّا. ثم بَيَّن ما كان منه ممنوعًا بمن التبعيضية. وهو الذي أجابه الجاربردى في الفَرْق بين قوله تعالى: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وقوله: فأتوا من مثله بسورة، فإن المطلوبَ فيه هو الإتيان بهذا القدر من أوَّل الأَمْر، لا تخصيص بعد تعميم. وهذه فروق يعتبرُهَا البليغُ ويشمئز منها البليدُ. ٤٠ - باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ ١٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ لَمَّا جَاءَ النَّبِىَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ - شَقِّ الْبَابِ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ انْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ «فَاحْثُ فِى أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ». فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ. طرفاه ١٣٠٥، ٤٢٦٣ - تحفة ١٧٩٣٢ ١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. أطرافه ١٠٠١، ١٠٠٢، ١٠٠٣، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١ - تحفة ٩٣١ يعني يجوزُ للمُصَابِ أن يجلِسَ في ناحيةِ البيتِ ولا يُعَدّ ذلك مِنْ الجاهلية. ١٢٩٩ - قوله: (لما جَاءَ النبيَّ ﷺ قَتْلُ ابنِ حارِثَةَ) .. إلخ أي لما جاء القاصِدُ بِنْعِيْهِ، فهذا محاورة. قوله: (فَاحْثُ في أَفُوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) لم يُرِد به الحقيقة، ولكنَّها كلمةٌ جرت في العُرْف عند الكراهةِ لشيءٍ. وقد مر معنا التنبيه على أنه يُستفاد من هذا الحديث إباحةُ بعضِ مراتبِ النِّياحة مع بقاء الكراهة، وهي التي أشار إليها بقوله: «فاحْثُ في أفواههن» ... إلخ. فذقه ولا تعجل ولله درِ عائشة ﵂ أنها قد فهمت حقيقة الكلام حيث قالت: فقلت: - أي في نفسي - أَرْغَم اللَّهُ أَنْفَك لم تفعل ما أَمرَك رسولُ اللَّهِ ﷺ ولم تترك رسولَ اللَّهِ ﷺ من العناءِ، أي لو كنتَ قعدت في بيتك ولم تُواجِه رسولَ الله ﷺ بما يكرُهُه كان أحسنَ لك، فلا أَنَّك تفعلُ ما يَطِيب بنفسه، ولا تمتنِعُ عما يكرهُه. فهذا كله يأتي في محل الكراهةِ مع إمكانِ الإِغماض عنها. وهذا الذي أرادَتْ مِنْ قولها: «ولم تترك رسول الله ﷺ ... إلخ. أي إذا كان بكاؤهُنَّ في حدِّ الإغماض، فلك أَنْ لا تُخبر به رسول الله ﷺ فتدعهن وبكاءهن. ولكنَّك لا تَقْدِر أن تفعلَ ما أُمِرت به، ولا تَرْجِعُ عن أخبَارِه أيضًا. ولو كان بكاؤهن حَرامًا ونياحةً ممنوعةً لما جاء مِثْل هذا التعبيرِ. فافهمه وفكِّر فيه

стр. 1097

ساعةً تجد المعنى ما قلنا إن شاء اللَّهُ تعالى. وقيل: إنَّ المرادَ منه حقيقتُهُ كما كان عمر ﵁ يفعله. وهو عند البخاري رَحِمه الله تعالى في باب البكاء عند المريض (١). ثم إنَّ مسألةَ العلماءِ في مَنْع الصلاة على غيرِ الأنبياء إنَّما هي عِنْد ذِكْر اسمِهم عُرْفًا وشعارًا. والأحاديثُ إنَّما جاءت في حاجاتٍ خاصَّة. وفي هذه الصِّيغة فيها نِكات خاصَّة: ففي الأموات أنهم مِنْ أهل الصلاة، أي أداء صلاةِ الجنازة عليهم، فإذا فاتت تُدُورِكت بالدعاء بِلَفْظِ الصلاة، مع أنه في أكثر الألفاظِ من لَفْظ الراوي في الحديث الفعلي، ومِنْ فِعْل الملائكة فلا يُقَاس عليه. وفي مُنْتَظِر الصلاةِ أنه في الصلاةِ حُكْمَا، والجزاء من جنس العمل. راجع «العمدة» (ج٢/ ٧٠١). وفي الزكاةِ أنها قرينةُ الصلاةِ فإذا أَتَى بها أُثِيب بالصلاة، وهي له زكاةٌ ورحمةٌ. وكذا في الصوم، مع أنَّ المُفْطِر للصَّائم في حُكْمه، وراجع المناسبة بينها وبين العيادة. وفي قصة امرأة جابر التي حكاها الحافظ كانت اقترحت بهذا اللفظ فدعا لها به. وهكذا في الصفِّ الأول صَلَّت عليهم الملائكةُ، فَصَلَّى عليهم النبيُّ ﷺ كما عند «ابن أبي شيبة» (ص ٢٥٣). وكذا في آيةٍ تلاها عُمرُ عند البخاري في الصَّبْر عند الصدمةِ الأُولى. وراجع ما في «النهاية» عن الخطَّابي في مادة الصلاة والتي ظهر من روايات «الدر المنثور» تحت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] أنَّ الصلاةَ في كُلِّها بمعنى «نمار»، ثُمَّ هي أقسامٌ، وعليه ما في «الكنز» وعليه ما في «الزرُّقاني على المواهب» من صلاةِ الجنازةِ عليه ﷺ عَنْ عَليّ. «والقول البديع» (ص ٨) وراجع ما في: «نُزُل الأبرار» (ص ١٢٣) عن الحافظ بن القيم. وقال في «عروس الأفراح» (ص١٣٩): وقال سيبويه في باب ما ينتصِبُ على المدح: إنَّ الحمدَ لا يُطْلَقُ تعظيمًا لغير اللَّهِ تعالى. وذكر في باب آخر: أنه يُقال: حمدتُهُ إذا جزيتُهُ على حَقِّه. وهذا الكلام هو التحقيق اهـ. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] اهـ. من سورة النور وكلام ابن القيم في «القول البديع» (ص٤٣) هذا وقد صار شِعارًا للأنبياء فَيُترك لِغَيْرِهم مُطلقًا. ويحتمل أن يكونَ لَفْظُ الصلاةِ لا يخلو عن معنى الثناء والشكر بمعنى «درود» إن لم يكن في كلِّها بمعنى نماز. وما ذكرناه من وَجْه الترك هو في «القول البديع» (ص ٤٢) عن البيهقي. ولما كان فيه معنى الثناء والتعظيم لا مطلقُ الدعاء اقتصر على مَوْرد النَّص ومَنْ يستحِقُّه به. وهو في «القول البديع» (٤١) عن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذه اللعنة والعياذُ بالله العليِّ العظيم وهذا أَوْجَهُ وراجغ سياق «مسلم» (ج٢/ ١٢٩). واعلم أنَّ الملائكةَ تساعِدُ بني آدم فيما يحتاجُ إليها من جوابٍ، أو تأمين على دُعائه، أو إذا احتاجوا إلى ثالثٍ، وهو في كتاب الأيمان (ص ١٠٦) وتُسلِّم على بني آدم إذا لَقِيتهم، فإن رَدُّوا عليك رَدَّت عليك وعليهم الملائكة. وراجع «الروض» (ج١/ ١٦٩). وعند الترمذي (ج١/

стр. 1098

٩٣): لَيُصلُّون على مُعَلِّم الناسِ الخيرَ. وذلك لأنَّ صلاتَهم هي كذلك. وفي «العلو» للذهبي (١٢٠) وهو في «الحصن» عند ابن ماجه لا الصحيح: «أكل طعامَكُم الأبرارُ، وأفطرَ عندكم الصائمون، وصلَّت عليكم الملائكةُ وذَكَرَكُمْ اللَّهُ فِيْمَنْ عنده». ولم أجد اللفظ الأخير في ذوق «ونزل الأبرار» إلا في لفظ «مسلم»: «لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يذكرون اللَّهَ إلاّ حَفَّتْهُمْ الملائكة». اهـ. ٤١ - باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِىُّ الْجَزَعُ الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ ﵇ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. ١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِى طَلْحَةَ - قَالَ - فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِى جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ كَيْفَ الْغُلَامُ قَالَتْ قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِى لَيْلَتِكُمَا». قَالَ سُفْيَانُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. طرفه ٥٤٧٠ - تحفة ١٧٣ - ١٠٥/ ٢ أي وبَثَّه إلى اللَّهِ كما في الآية. قوله: (الجَزَع: القَوْلُ السَّيِّيءُ) أراد به تحديدَ الجَزَع الممنوع، ولكنه أين يحصل، ولا ينفع فيه غيرُ الوجدانِ الصحيح. فإنه هو الفَارِقُ بين جَزَعٍ وَجَزَع. ١٣٠١ - قوله: (أخبر النبيُّ ﷺ بما كان منهما) أي سَخِطَ أبو طلحةَ على امرأتِهِ حيث لم تخبرْهُ بوفاةِ ابنه حتى جامعها في الليل. فقصَّ القِصَّة على النبيِّ ﷺ فدعا النبي ﷺ لهما بما صَبَرت ولم تَجْزَع. ٤٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - نِعْمَ الْعِدْلَانِ، وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى». أطرافه ١٢٥٢، ١٢٨٣، ٧١٥٤ - تحفة ٤٣٩ وقد مَرَّ في حديث: «الأعمالُ بالنياتِ» عن الشافعيّ رحمه الله تعالى أن المصائب

стр. 1099

مُكفِّراتٌ مطلقًا، صبر عليها أو لم يَصْبِر، لكونها تعذيبًا، ولا فرق فيه بين الصَّبر وعَدَمِهِ، نعم يُحْرَمُ من تضاعُفِ الأُجور. قوله: (أولئِكَ عليهم صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهم ورحمةٌ) وفيه دليلٌ على جوازِ لَفْظِ الصلاةِ على غير الأنبياء ﵈ أيضًا، ونُقِل عن الفقهاءِ الأربعةِ قَصْرُها على الأنبياءِ ﵈ إلا بوساطَتِهم. أقول: وهو الذي ينبغي عليه العملُ، وإلا فيتساهلُ الناسُ فيه فيستعملونَها في كلِّ مَوْضع. نعم لا بد للتَّفَصِّي في الآية من حيلة. وما قيل إنَّ الصلاةَ فيها بمعنى الرحمةِ فليس بشيءٍ، فإنَّ الكلامَ في لَفْظ الصلاةِ بأيِّ معنىً (١) كان. ٤٣ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ».

стр. 1100

١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ - هُوَ ابْنُ حَيَّانَ - عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِى سَيْفٍ الْقَيْنِ - وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - رضى الله عنه - وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ». ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ ﷺ «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَاّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». رَوَاهُ مُوسَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . تحفة ٤٦٢، ٤٠٥ ١٣٠٣ - قوله: (إنَّا بِفِرَاقِكَ يا إبراهيمُ لمحزُنونَ) اعلم أنَّ حَرْفَ النِّدَاء في لغةِ العربِ ليس للخِطَاب كما فهم، ولذا سَمَّى علماء المعاني قولهم: «أيها العصابة» اختصاصًا. وفَصَّل ابنُ الحاجب أيضًا بين حَرْف النَّدْب وحَرْف النِّدَاء إن جَعَلَهُمَا صاحبُ «المُفصَّل» واحدًا. وقد ثَبَت عن الصحابةِ ﵃ قولهم: «السلامُ عليك أيها النبيُّ» بلا نكير. ومن هذا الباب قولُ النبيِّ ﷺ «يا إبراهيم» لابنهِ الميِّت، فلا بأس به، ويقول حسان ﵁ في قصيدته: وجاهك يا رسولَ الله جاه فائدة: واعلم أن الوظيفة المعهودة "يا شيخ عبد القادر يا جيلاني شيئًا لله" إن حملناها على الجواز فلا رَيْب أنه لا أجر فيها أصلًا. فإنَ الأَجْر ينحصِرُ في ذِكْر الله تعالى والصلاةِ على النبيِّ ﷺ . أما ذِكْرُ سائر الأسماءِ فلا أجْرَ فيه وإنْ نَفَع شيئًا كالرُّقَى. قوله: (ظِئْر) يقال لِزَوْج المُرْضِعة أيضًا. والمشهور أن عُمرَه إذ ذاك كان ثمانيةَ عشرةَ شَهْرَا. وقيل: سنتين. فلو صحَّ لدلَّ على مذهب أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى في الرَّضاعةِ، فإنَّ مدتَها عنده سنتان وستةِ أشهر، فتكون المرضعة له لأَجْل تكميلِ مدةِ رِضاعَتِهِ. ٤٤ - باب الْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيضِ ١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنهم - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِى غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ «قَدْ قَضَى». قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَبَكَى النَّبِىُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِىِّ ﷺ بَكَوْا فَقَالَ «أَلَا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وَكَانَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا، وَيَرْمِى بِالْحِجَارَةِ وَيَحْثِى بِالتُّرَابِ. تحفة ٧٠٧٠ - ١٠٦/ ٢

стр. 1101

٤٥ - باب مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ وَالْبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ ١٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِى عَمْرَةُ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِىُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِى أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشَبٍ - فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «فَاحْثُ فِى أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ». فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ. طرفاه ١٢٩٩، ٤٢٦٣ - تحفة ١٧٩٣٢ ١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ أُمِّ سُلَيْمٍ وَأُمِّ الْعَلَاءِ وَابْنَةِ أَبِى سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوِ ابْنَةِ أَبِى سَبْرَةَ وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى. طرفاه ٤٨٩٢، ٧٢١٥ - تحفة ١٨٠٩٧ ١٣٠٦ - قوله: (فما وَفَتْ مِنَّا امرأةٌ) أي ما وَفَت حَقَّ الوفاء، وإلا فالتعميمُ لا يستقيمُ في حَقِّ الصحابياتِ ﵅. ٤٦ - باب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ ١٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ». قَالَ سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِىُّ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . زَادَ الْحُمَيْدِىُّ «حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ». طرفه ١٣٠٨ - تحفة ٥٠٤١ - ١٠٧/ ٢ كان النبيُّ ﷺ يقومُ لها في أول أَمْرِهِ، ثُمَّ تَرَك (١) واختلف الصحابةُ ﵃ في علّة قِيَامِهِ. فقيل: إنَّها كانت جنازَةَ يهودي، فَكَرِه أن تَعْلُو رأسَه. وقيل كان تعظِيمًا للملائكةِ. وقيل: تعظيمًا لأَمْر المَوْت كما يَظْهَر مِنْ لَفْظِهِ: «أليست نَفْسَا». وادَّعَى الطحاوي النَّسْخ بما عند أبي داود، وفيه: «أنَّ حَبْرًا من اليهودِ جاءه وقال: ونَحْن نقومُ لها أيضًا. فَتَرَك النبيُّ ﷺ القيامَ لَهَا». وأقل: إنَّه كانَ ثُمَّ تُرك، وأكفَّ اللِّسَانَ عن لَفْظِ النَّسْخ. وَتَرْكُهُ هو المَرْوِيّ عن محمدٍ ﵀

стр. 1102

تعالى. ثُمَّ إنَّ الظاهِرَ أن قيامَه كان حُرمةً للميت. والله تعالى أعلم. ٤٧ - باب مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ ١٣٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ». طرفه ١٣٠٧ - تحفة ٥٠٤١ ١٣٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ - رضى الله عنه - فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ فَقَالَ قُمْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ صَدَقَ. طرفه ١٣١٠ - تحفة ٤٢٨٨، ١٤٣٢٧ وقد عَلِمت أن الأَمْر بالقيام كان في زمنٍ، فلمَّا تُرِك القيامُ تُرك الأَمْر به أيضًا. ونُقِل عن بعضِ الصحابة ﵃ أنهم كانوا يَأَمُرُون فيما بعد أيضًا. ولعلَّه لم يَبْلُغْهُمْ خَبَرُ التَّرْكِ فَجَرُوا على أَمْرِهِم الأَوَّلِ. ١٣٠٩ - قوله: (لقد عَلِم هذا) ... الخ، وكان قد نَسِي ثُم تَذَكَّر. ثُم إنَّ القِيام للميتِ يدلُّ على أنَّ اتِّباعَ الجنازةِ لأَجْل التعظيمِ لا للاستشفاع. فإِنْ كان كذلك فالمشيّ خَلْفَها أَفْضلٌ، وإنْ كان للاستِشْفاع فأمامَها، لكونِه مَحلَّ الشافِع. ٤٨ - باب مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالْقِيَامِ ١٣١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ - يَعْنِى ابْنَ إِبْرَاهِيمَ - حَدَّثَنَا هِشَامٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ». طرفه ١٣٠٩ - تحفة ٤٤٢٠ ٤٩ - باب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِىٍّ ١٣١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِىُّ ﷺ وَقُمْنَا بِهِ. فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. قَالَ «إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا». تحفة ٢٣٨٦ ١٣١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى لَيْلَى قَالَ كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا. فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، أَىْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ

стр. 1103

فَقَالَا إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ. فَقَالَ «أَلَيْسَتْ نَفْسًا». تحفة ٤٦٦٢، ١١٠٩٢ - ١٠٨/ ٢ ١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قَالَ كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ وَسَهْلٍ - رضى الله عنهما - فَقَالَا كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجِنَازَةِ. تحفة ٤٦٦٢، ١١٠٩٢، ٩٣٧٣ ٥٠ - باب حَمْلِ الرِّجَالِ الْجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ ١٣١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ». طرفاه ١٣١٦، ١٣٨٠ - تحفة ٤٢٨٧ وما ذكرهُ صاحِبُ «الكنز» من الترتيب، فهو على ما قيل خطابُ الإِمام لأبي يوسف رحمهما الله تعالى. ثُم هذا الترتيب لمن أرادَ الحَمْل من المتبعين، لا لمن حَمَلوه أولا، بقي الأَرْبع الأُوَل لا حاجة إلى دورهم، نعم لو تناول كل في الحمل فعليهم الترتيب المذكور. ١٣١٤ - قوله: (فَإِن كانت صالحةً قالت: قَدِّمُوني) ... الخ، وهذا كلامه على السرير عند الغُسْل. ٥١ - باب السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَقَالَ أَنَسٌ - رضى الله عنه - أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ، وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ قَرِيبًا مِنْهَا. ١٣١٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا ﴿إِلَيْهِ﴾، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ». تحفة ١٣١٢٤ أي مِنْ غير تزعزع. ٥٢ - باب قَوْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي ١٣١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ «إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِى. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لأَهْلِهَا يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَىْءٍ إِلَاّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». طرفاه ١٣١٤، ١٣٨٠ - تحفة ٤٢٨٧

стр. 1104

واعلم أنَّ مسألة كلام المَيِّت وسماعِهَ واحدةٌ وأنكرها حنفيةُ العَصْر. وفي رسالةٍ فير مطبوعة. لعليِّ القاري: أنَّ أحدًا من أئمتنا لم يَذْهَب إلى إنكارِها، وإنما استنبطوها مِن مسألةٍ في باب الاييمان، وهي: حلف رجلٌ أن لا يكلِّم فلانًا فكلَّمه بَعْدَما دُفِن لا يَحنَث، قال القاري: ولا دليلَ فيها على ما قالوا، فإِنَّ مَبْنَى الأَيْمان على العُرْف وهم لا يُسمُّونه كلامًا، وأنكره الشيخ ابنُ الهمام رحمه الله تعالى أيضًا في «الفتح»، ثم أَوْرَد على نَفْسه: أنَّ السَّماع إذا لم يَثْبت فما معنى السَّلام على القبر؟ وأجاب عنه: أنهم يسمعون في هذا الوقت فقط، ولا دليلَ فيه على العُموم. ثُم عاد قائلا: أنه ثَبَت منهم سَماعُ قَرْع النِّعال أيضًا: فأجابَ عنه بِمثْله. أقول: والأحاديثُ في سماع الأمواتِ قد بلغت مَبْلغَ التواتر. وفي حديثٍ صحَّحه أبو عمرو: أن أحدًا إذا سَّلَّم على الميتِ فإِنه يَرُدُّ عليه، ويعرِفُه إن كان يَعْرِفُه في الدَّنيا - بالمعنى - وأخرجه ابن كثير أيضًا وتردَّد فيه. فالإِنكار في غير مَحَلِّه، ولا سيما إذا لم يُنقل عن أحدٍ من أئمتنا رحمهم الله تعالى، فلا بد من التزام السماع في الجملة، وأما الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى فجعلَ الأَصْل هو النَّفّي، وكلَّ مَوْضِع ثبت فيه السَّماعُ جَعَله مستثنًى ومقتصِرًا على المَوْرد. قلت: إذن ما الفائدة في عُنوان النَّفي؟ وما الفَرحق بين نفي السَّماع، ثُم الاستثناء في مواضِعَ كثيرةٍ، وادعاء التَّخصِيص، وبين إثبات السَّماع في الجملة مَعَ الإِقرار بأنا لا ندري ضوابِطَ أسماعِهم، فإِنَّ الأحياءَ إذا لم يَسْمعُوا في بَعْضِ الصُّوَرِ فمن ادَّعى الطَّرْد في الأموات، ولذا قلتُ بالسماع في الجملة، بقي القرآنُ فأَمْرُه صَعْبُ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨]، وقال: ﴿وما أَنْتَ بِمُسمِعٍ مَنْ في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، وهو بظاهِرِه يدلُّ على النَّفْي مُطلقًا، فقبل بالفرق بين السَّماع، والإِسماع، والمَنْفي هو الثاني دون الأَول، والمطلوبُ هو الأوَّل دونَ الثاني، وأجاب عنه السّيوطي: *سماعُ مَوْتى كلام الخُلْقِ قَاطبةً ... قد صَحَّ فيها لنا الآثارُ بالكُتُبِ *وآيةُ النفي معناها سَمَاعُ هدىً ... لا يَسْمَعُون ولا يُصْغون للأَدَبِ قلت: نَزَل الشيخُ رحمه الله تعالى فيها على الغَرض. وحاصل الآية على طَوْره: أنَّ هؤلاء الكفارَ كالمَوْتَى، فلا تَنْفع هدايتُك فيهم، لأن نَفْعها إنَّما كان في حياتِهم وقد مَضَى وَقْتُها، كذلك، هؤلاء وإنْ كانوا أحياء إلاّ أنَّ هدايتَك غيرُ نافعةً لهم، لكونِهم مِثْلَ الأمواتِ في عدم الانتفاع، فليس الغرضُ منه نفيَ السماع بل نفي الانتِفاع. قلت: عدمُ السَّماع والسَّمْع والاستِماعِ كُلّها بمعنى عَدَم، العمل، لأنَّ السَّمْع يكونُ للعمل، فإِذا لم يَعْمَل به فكأنَّه لم يَسْمَعْه، تَقولُ، قلتُ له مرارًا أن لا يتركَ الصلاةَ، لكنْه لا يَسْمَعُ كلامي، أي لا يعمل به، يُقال في الفارسية نشنود، يعني عمل نمى كند، فلو قال الشيخ رحمه الله تعالى: إنَّ مَن في القبور لا يعملُون لدُخعل الكلامُ في اللغة، ولم يبق تأويلا، بل الأحسنُ أن يُقال: مانتى نهين، فإِن قلت. إِنَّ الأمواتَ إذا ثَبَت لهم السَّماعُ، فعل لهم الانتفاعَ به أيضًا أو مجردُ سماعِ الصوتِ فقط.

стр. 1105

قلت: الصوت، مَنْ مات على الخيرِ فإِنَّه ينتفعُ به أيضًا. وأما مَنح مات على الشرِّ والعياذ بالله فأَنى أَنْ ينتفِعَ إذا لم يَنْتفِعَ إذا لم يَنْتَفِع به فِي الدنيا، وليس له إلا سماعُ الصَّوتِ، والوزجه الثاني: في التَّفَضِّي عن الآية أنَّ هذا السماعَ الذي نحن بصددِ إثباتِه مِن عالَم البَرْزَخ، أخبرنا به المُخْبر الصادقخ فآمَنَّا به، أما في عالِمنَا فهو معدومٌ ولا يَلْزمُ للقرآنِ أن يعبر بما يأتي على العالمين، فجاز أن يكونَ نَفْيُ السماع بحسب عالَمنا، فإِنَّ التشبيهاتِ تكونُ للتوضيح فقط، ولَمَّا كان مَنْ القبور كالعدَم في عالَمنا، ليس لهم سَماعٌ، ولا عِلْمٌ، ولا شيءٌ، جاز له أن ينفيَ عنهم السَّماعَ أيضًا، والقولُ: بأنَّ الأمواتَ إذا ثبت لهم السَّماعَ عند القرآنِ لم يستقم له التشبيهُ بالأموات جَهْلٌ وسَفَهُ، فَإِنَّ التشبيهِهَ إنماوَرَد بِحَسَب عِلْمنا وعالمنا وإنْ ثبت السماعُ عنده وإذ كانوا معدومين في عالمنا لطف التشبيه لا محالة، أما قولُه ﷺ : «نَم كَنَوْمَةِ العَرُوس»، فقد مرَّ الكلام عليه فلا نعيده. ٥٣ - باب مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الْجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ ١٣١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ أَبِى عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِىِّ، فَكُنْتُ فِى الصَّفِّ الثَّانِى أَوِ الثَّالِثِ. أطرافه ١٣٢٠، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩ - تحفة ٢٤٧١ - ١٠٩/ ٢ واستَحبَّ فقهاؤنا أن يكون الناسُ ثلاثَ صفوفٍ وإن قَلُّوا، فإِنْ كانوا سبعةْ يَصُفُّ الواحِدُ في الثالث وإن كُره ذلك في المكتوبةِ. ٥٤ - باب الصُّفُوفِ عَلَى الْجِنَازَةِ ١٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ نَعَى النَّبِىُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِىَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. أطرافه ١٢٤٥، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١ - تحفة ١٣٢٦٧ ١٣١٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْ شَهِدَ النَّبِىَّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما. أطرافه ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠ - تحفة ١٥٦٠١ ب، ٥٧٦٦ ١٣٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «قَدْ تُوُفِّىَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ». قَالَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى النَّبِىُّ ﷺ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ كُنْتُ فِى الصَّفِّ الثَّانِى. أطرافه ١٣١٧، ١٣٣٤، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩ - تحفة ٢٤٥٠، ٢٧٧٤، ٣٠٠٣

стр. 1106

٥٥ - باب صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ عَلَى الْجَنَائِزِ ١٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ «مَتَى دُفِنَ هَذَا». قَالُوا الْبَارِحَةَ. قَالَ «أَفَلَا آذَنْتُمُونِى». قَالُوا دَفَنَّاهُ فِى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ. فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. أطرافه ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠ - تحفة ٥٧٦٦ قالوا في المكتوبة: إنَّ الصبيَّ إن كان واحدًا يَقُومُ معهم ويجوزُ في الجنازةِ مُطْلقًا، لأنَّ الترتيبَ فيها غيرُ مُرَاعَى. ١٣٢١ - قوله: (أَفَلا آذَنْتُمُونِي، قالوا: دَفَنَّاه في ظُلْمةِ اللَّيل) ... الخ، قال أحمدُ رَحِمه الله تعالى: ثَبَت سنةُ أحاديثَ في الصلاةِ على القَبْر (١). ثم هل هي وقائعٌ متعددةٌ أم واقعة واحدة؟ فلينظر فيه، ومذهبُه الصلاةَ على القبرِ تجوزُ إلى شَهْرٍ لِمَنْ كان له يُصلِّي عليه من أَهْلها وإن كان صلَّى عليه مرةً، وهو مذهبُ الشافعي، وقال أبو حنيفَة ومالكٌ رحمهما الله تعالى: لا يُصَلَّى على القَبْر إنْ صلَّى عليه مرةً، وإلا يُصَلَّى عليه ما لم يَتَفَسَّخ. أما الصلاةُ على الغائبِ فلم تَثْبُت إلا واقعةٌ النَّجاشي. أما واقعة ابن معاوية الليثي فاختلفوا فيها، والظاهر أنه مُنْكر. فإذا لم تَثْبُت تلك الصلاةُ في عهد النبيِّ ﷺ مع أنَّ كثيرًا مِنْ المسلمينَ ماتوا في دراِ غربةٍ في عهدِه ﷺ نَاسَبَ أن تُخْتَمَ بِعَهْدِ النبيِّ ﷺ ولا سيما إذا لم يَجْرِ عليها توارثُ الأُمة أيضًا. بخلافِ الصلاةِ على القَبْر فإن بعضَهم عَمِلوا بها فيما بعد أيضًا. فلو شئت أدعيت الخُصوصية وتمسَّكْت بما عند مسلم (٢) (ص ٣٠٩). «أنَّ هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلْمَةً على أَهْلِهَا، وإنَّ اللَّهَ يُنوِّرُهَا لهم بِصَلاتِي عليهم» - بالمعنى. وهذه الخاصِّية لم تكن إلا لصلاتِهِ ﷺ فلا تَقاس عليها صلواتُ الآخَرِين مع أن النبي ﷺ كان نهاهم أن يدفنوه بدونه فإذا دفنوه ولم يؤذنوه صلى عليه ثانيًا. وهذا معقولٌ فإنَّه لم يكن أن يصلُّوا عليه مع كونِ النبي ﷺ فيهم ولا سيما إذا كان نهاهم أيضًا. وقد شَهِدَ التوارثُ إلى يومنا هذا أنه لا يُصلِّي على الجنازةِ إلا الإمامُ وفي «الوفاء» للسُّمْهُودي: أن الأئمة كانوا يُنَصَبون بأَمْر النبيِّ ﷺ وأَظُنُّ أنه ﷺ لم

стр. 1107

يكن يَخْرج عن المدينةِ إلا بعد ما يَنْصِبُ لهم إمامًا يصلِّي بهم وفي «الطبقات» لابن سعد: «أنه نَصَبَ ابنَ أُمِّ مكتوم أمامَ المدينةِ مرةً. فكان يؤذِّنُ ويؤمُّ بهم». ولا أرى أذانَه بالليلِ إلا في تلك الأيامِ. وقد مرَّ البحثُ في أذانه: أنه كان دائمًا أوفي زمنٍ معيَّنٍ؟ والظاهر هو الثاني. فإن بيتَه كان بعيدًا، وقد كان استَرْخَص النبيَّ ﷺ أيضًا في عدم حضورِ الجماعة. فقال له: هل تسمع التأذين؟ قال: نعم. فلمْ يُرَخِّص له. فَدلَّ على أَنَّ المؤذِّنَ كان غيرَه. وبالجملةِ قد يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ أنا لو سلَّمنا أنَّ أذانَه كان بالمجسد النبويِّ، وكان قَبْل الفَجْر فلعلَّه كان في زمنِ إمامَتِه بالمدينةِ. فإذا دريتَ أن نَصْبَ الأئمةِ كان داخلا في ولايةِ النبيِّ ﷺ عَلِمْت أنه لم يكن لأَحَدٍ أن يُصلِّي بها إلا بعد نَصْبه من جهةٍ، فإذا صلَّوا عليها فقد غَلِطُوا. ولذا أعادها النبيُّ ﷺ على قَبْرِهَا، لأنه كان وَليًّا. وفي عامة كُتُب الحنفيةِ: أنَّ الصلاة على القبر إنَّما تَصِحُ للوَلِيِّ فقط إذا لم يكن صلّى عليه وفي «المبسوط» جوازُ الإعادةِ مطلقًا لغير الولي أيضًا إذا أعادها الولي. قلتُ: وهذا أَيْسَرُ في الأحاديثِ. فظهر منه أنَّ إعادةَ صلاتِهِ ﷺ كانت من باب الولايةِ، لا مِنْ بابِ الصلاةِ على القبر ثُمَّ. أَمْعِن النظرَ في قوله: «ولا يَجْلِسِ الرَّجُلُ على تَكْرِمَتِهِ في بيته، ولا يَؤُمَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ إلا بإِذْنِه». يفيدك أنَّ هؤلاءِ الذين صلُّوا عليه بدونِ إذنهم من النبيِّ ﷺ قد جاؤا بأَمْرٍ عظيم. فإنَّ الجلوسَ على التَّكْرِمة في البيتِ والصلاة بدون الإذن في ولايته من باب واحدةٍ على أنهم لم يُوْقِظُوه ﷺ لِخِفَّةِ أمره في أذهانِهم. فقويَتْ داعيةُ الصلاةِ لذلك أيضًا (١). فإنَّه رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَر لو أَقْسَمَ على الله لأبرَّه. فإذا احتفت هذه الصلاةُ بِمثل هذهِ القرائن قَصَرْنَاهَا على مَوْردها، ولم نجعلها سخنةً قائمةً وشريعةً مستمِرَّةً (٢). أما الصلاةُ على الغائب ففيه على ما مرَّ أنه لم يكن بالحبشةِ أحدٌ يُصلِّي عليه (٣) فصلى عليه لذلك. مع ما عند ابنِ حِبان في «صحيحه» عن عِمران بن حُصَين أن الصحابةَ رضي اللَّهُ تعالى عنه كانوا لا يَظُنُّون إلا أَنَّ جنازَتَه بين يديه، فقد كانت جنازتُهُ كُشِفت له ﷺ وحينئذٍ لم تبق من باب الصلاةِ على الغائب، وبالجملةِ لا تُترك سنةٌ فاشيةٌ مستمرةٌ لأَجْل الوقائعِ الجزئيةِ

стр. 1108

التي لم تَنْكَشِف وجوهُها ولم تُدْرَ أسبابها. ٥٦ - باب سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ» وَقَالَ «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». وَقَالَ «صَلُّوا عَلَى النَّجَاشِىِّ». سَمَّاهَا صَلَاةً، لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا، وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّى إِلَاّ طَاهِرًا. وَلَا يُصَلِّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ. وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ عِنْدَ الْجَنَازَةِ يَطْلُبُ الْمَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الْجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَرْبَعًا. وَقَالَ أَنَسٌ - رضى الله عنه - التَّكْبِيرَةُ الْوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ. ١١٠/ ٢ ١٣٢٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ. فَقُلْنَا يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما. أطرافه ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠ - تحفة ١٥٦٠١ أ، ٥٧٦٦ وحاصل هذه الترجمةِ أنَّ صلاةَ الجنازةِ تشتركُ مع سائر الصلوات في الشرائط كما هو مذهب الجمهور. واستدل عليها بقطعاتٍ وَرَدَ فيها إطلاقُ الصلاةِ عليها. أما سجدةُ التلاوةِ فلم يَنْكشف الحالُ فيها لاضطراب النُّسَخ. وقد علمته مرارًا مع بيانِ وَجْه اختلاف السَّلف في هاتين وهو خَفاءُ لَفْظ الصلاة فيهما. ومَنْ فَرَّق بين صلاةِ الجنازة وسجدةِ التلاوة فلعلَّ وَجْهه أن لصلاةِ الجنازة تحريمًا وتحليلا فكانت صلاةً، بخلاف سجدةِ التلاوة فإِنَّها لا تحريمَ لها ولا تحليلَ إلا ما رُوي عن مالك رحمه الله تعالى أنه يُكبَّر لها. وبالجملة شاكلةُ السجدةِ صارت كالأَذكار وقد مرَّ أنه لا تُشترط لها الطهارةُ. قوله: (وإذا أَحْدَثَ يَوْمَ العيدِ أو عِنْدَ الجنازةِ يَطْلُبُ الماءَ ولا يَتَيَمَّمُ) خالف فيه الحنفيةُ، فإِنه يصِحُّ لها التيممُ عندنا، بالتفصيل المذكور في الكتب. قوله: (وإذا انتَهَى إلى الجنازة ... ) إلخ. هكذا عندنا. قوله: (قال ابن المسيَّب ... ) إلخ. يعني به أن لا قَصْر في صلاة الجنازة وهو المذهب عندنا. وقال أَنَس ﵁: التكبيرةُ الواحدةُ استفتاحُ الصلاة. وهذا نَظَرٌ في معنى التكبير. وحاصل هذه الترجمة أن صلاةَ الجنازةِ لما كان لها تحريمٌ وتحليلٌ، ومراعاةُ الأوقاتِ والصفوف والإِمام ورَفْع اليدين، والنهي عن التَّكَلم مع إطلاقِ لَفْظ الصلاةِ عليها مِن لسان صاحبِ النُّبوةِ، ووُرُودِ القرآن به، ظهر أنها يُشترط لها ما يشترطُ لسائر الصلوات من الطهارة وغيرِها. ثم إنَّ رَفْع اليدَيْن فيها إنْ كان مع كلِّ تكبيرٍ كما هو مَرْوي عن مشايخ بَلْخ، فهو مُستقىً

стр. 1109

من الصلاة المطلقة وإِلا فلا دليلَ عليه من لَفْظ الحديث. ٥٧ - باب فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ - رضى الله عنه - إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِى عَلَيْكَ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ مَا عَلِمْنَا عَلَى الْجَنَازَةِ إِذْنًا، وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ. ١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنهم - يَقُولُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ. فَقَالَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. طرفاه ٤٧، ١٣٢٥ - تحفة ١٤٦٣٩ ١٣٢٤ - فَصَدَّقَتْ - يَعْنِى عَائِشَةَ - أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - لَقَدْ فَرَّطْنَا فِى قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ. (فَرَّطْتُ) ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. تحفة ١٧٦٧٢ وقال زيدُ بن ثابت: إذا صليتَ فقد قَضَيت الَّذي عليك. يعني أن الاتِّباع إلى المَقْبرة ليس من الواجباتِ، فإِنْ فَعَل فله في ذلك أَجْر. قوله: (وقال حُمَيْد بنُ هِلال: ما عَلِمنا على الجنازةِ إِذْنًا) وهو ما في «الهداية»: أن الإِذْن لا يجبُ على الوَلي. قوله: (قيراط بخمس شعيرات) رابعة عشر من درهم. وقِيراطُ الشافعيةِ أقلُّ منه. وأمّا قيراطُ الآخِرَةِ فكالجبل. ٥٨ - باب مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ ١٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ . طرفاه ٤٧، ١٣٢٣ تحفة ١٤٣٢٦ وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّىَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ». قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ». تحفة ١٣٩ ٥٨ ٥٩ - باب صَلَاةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْجَنَائِزِ ١٣٢٦ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 1110

قَبْرًا، فَقَالُوا هَذَا دُفِنَ، أَوْ دُفِنَتِ الْبَارِحَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - فَصَفَّنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. أطرافه ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٣٦، ١٣٤٠ - تحفة ٥٧ ٦٦ - ١١١/ ٢ ٦٠ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى وَالْمَسْجِدِ ١٣٢٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّجَاشِىَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِى مَاتَ فِيهِ فَقَالَ «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ». أطرافه ١٢٤٥، ١٣١٨، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١ - تحفة ١٣٢١١، ١٥٢٢١ ١٣٢٨ - وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. أطرافه ١٢٤٥، ١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١ - تحفة ١٣٢١١ ١٣٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ. أطرافه ٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣ - تحفة ٨٤٥٨ ولا يُصلَّى على الجنازةِ في المسجد عندنا، وعند مالك رحمه الله تعالى. والأفضلُ عند الشافعي رحمه الله تعالى أن يصلَّى خارجَ المسجد، وجاز في المسجد أيضًا. ثم قال العلامة القاسم: إِنَّها مكروهةٌ تحريمًا. واختار الشيخ ابن الهُمَام رحمه اللَّهُ تعالى التنزيه. قلت: بل هي إساءةٌ على ما سماها صَدْرُ الإسلام أبو اليسر، وهو مَرْتَبةٌ بين التحريمِ والتنزيه، وكذلك لا يناسِبُ وَضْع الجنازة في المسجد، ويُعلم من صَنيع البخاري رحمه الله تعالى أنه متردِّدُ في ذلك. ولنا ما عند أبي داود: «مَنْ صَلَّى على جنازةٍ فلا شيءَ له»، وعند ابن ماجه مَنْ صلَّى على جنازةٍ في المسجدِ فليس له شيءٌ». قال النووي رحمه الله تعالى. وفي النُّسخة الصحيحة: «فلا شيء عليه». وصحَّح الزَّيْلَعي الأول. وقال: إنَّ في النُّسخ الصحيحة «فلا شيءَ له». قلت: ويؤيدُ لفْظَ ابن ماجه: «فليس له شيء» وهو لا يحتملُ التصحيفَ ليُقَال إنه تقريرٌ عليه. واعتمد على الزيلعي أزيد من النووي. وكذا صحَّحه الخطيب البغدادي، وهو صاحب النسخة وهو مذهب ابن أبي ذئب، وهو راوي الحديث كما ذكره النووي. إلا أنَّ في إسناده مَوْلى التَوْأَمةِ وفيه مقال (١). لأنه كان اختلط بآخِرِه إِلا أَنَّ العلماءَ صرَّحوا بأنَ سماع ابن أبي

стр. 1111

ذئب عنه قبل الاختلاط. وعلى هذا فالإِسنادُ حَسَن، ولو قلت: صحيحٌ، فأيضًا سائغ. وعند ابن أبي شيبة أيضًا: «فلا صلاةَ له». وقد استدلَّ محمد رحمه الله تعالى في «مُوطئه» أن مُصَلَّى الجنائز (١) في عهد النبيِّ ﷺ كان بِجَنْب المسجدِ. فهذا دليلٌ قويٌّ على أن صلاةَ الجنازةِ ينبغي أن تكون خارجَ المسجد، حتى أَنَّ النبيَّ ﷺ لما بلغه نَعْيُ النَّجاشيّ خَرَج إلى خارج المسجد ولم يصلِّ فيه. ولم يَثْبُت عن النبيِّ ﷺ أنه صلَّى في المسجدِ إِلا مرةً أو مرتين. وللشافعيةِ أنَّ النبيَّ ﷺ صلى على ابني بيضاءَ في المسجدِ. هكذا عند مسلم. وهو وَهْم فإِنَّ سَهْلا عاش بعد النبيِّ ﷺ وإنما هو سَهْلُ بن بيضاءِ. قال السَّرَخْسي في «المبسوط»: وفيه مِن تَطَرُّقِ الأَعذار ما لا يخفى نحو كونه معتكِفًا، أو لِعِلَّة المطر. بقِيت واقعةُ سعد بعد النبيِّ ﷺ فما تحصَّل لي فيها بعد التنقيح: أنَّ أمهاتِ المؤمنين إنما أَرَدْنَ الدعاءَ عليها فقط، فمرَّ بها مَنْ في المسجد وصلَّى عليه خارِجَ المسجد، فتسامح فيه بعضُ الرواةِ وعبَّروا عن دعائهنَّ في المسجد بما أَوْهم صلاتَه في المسجد، مع ثبوت الإِنكار من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم عليها. هكذا يُستفاد من «الطبقات» لابن سعد (٢). ثُم إنَّ البخاريَّ رحمه الله تعالى لم يخرِّج حديثَ ابني بيضاء، بل أخرج حديثَ النجاشي وهو حُجةٌ للحنفيةِ. وحينئذٍ وَسِع لي أن أقول: إنَّ البخاريَّ ذهب إلى مَذْهب الحنفيةِ. ولا تمسُّك في صلاتِهم على عمرَ وأبي بكر ﵄ في (٣) المسجد، فإِنَّهما قد دُفِنا في روضته الشريفة، ولم يكن الطريقُ إليها إِلا من المسجد، فلما رأوه أنه لا بد مِن إدخالهما في

стр. 1112

المسجد للدَّفن توسَّعوا في الصلاة عليهما أيضًا. فائدة: واعلم أنَّ الفرق بين الأحاديثِ القوليةِ والوقائع الجزئية: أنَّ تقديرَ المقدَّرات يُستبعدُ في النَّحو الأَوَّل. لأنَّ الكلام إذا تَمَّ في مراده فالتقدير زيادةٌ مستغنىً عنها، نعم يَسْهُل تأويلُها أعني به تغييرَ مرادِها بنحوِ اعتبارٍ دون الاحتمالات الخارجية. وأما النحو الثاني فإِنه لا عُسْر في حَمْلها على المحامل فلا يُستبعد فيه إِخراجُ الاحتمالات كما علمت آنفًا في الصلاةِ على سَعْد ﵁. وكما مرَّ أنَّه صلَّى خمسًا الحديثَ. فإِنَّه يحتمِلُ أن يكونَ جلَس على الرابعة، ويحتمل أن لا يكون جلس. فلمَّا استوى الاحتمالانِ فلو حملناه على الجلوس لم يَبْعُد، كيف وإِنَّه محتمِلٌ أيضًا، بخلاف الأحاديثِ القوليةِ، فإِن إبداءَ الاحتمالاتِ فيها قد يعودُ زيادةً على معناها. ١٣٢٩ - قوله: (جاؤا إلى النبيِّ ﷺ برجلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيا) وسيجيء الكلامُ في أنَّ رَجْمهما كان على شريعتِه، أو على شريعةِ موسى ﵇. وادَّعى الطحاوي رحمه الله تعالى أنه كان بِحُكْم التوراة. وربما كان النبيُّ ﷺ يَحْكُم بالتوراةِ فيما لم يَنْزل فيه شَرْعُه، فإِذا نزلت ترك العملَ بها. ولا يُسمَّى هذا نسخًا. ٦١ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ - رضى الله عنهم - ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا. فَأَجَابَهُ الآخَرُ بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا. ١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلَالٍ - هُوَ الْوَزَّانُ - عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا». قَالَتْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّى أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. أطرافه ٤٣٥، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥ - تحفة ١٧٣٤٦ ١٣٣٠ - قوله: (لَعَن اللَّهُ اليهودَ والنَّصارَى ... ) إلخ. وقد قدَّمنا شَرْحه فيما مَرّ مع بيانِ سَهْو بعض الشارحين سهوًا بينًا. وتمسك به اللعين القادياني دجَّالُ هذه الأمة على وفاةِ عيسى عليه الصلاة السلام. ولم يَدْر أنَّ الأنبياءَ الذين آمَن بهم اليهودُ قد آمَن بهم النَّصارى أيضًا، بل آمنَّا بهم أيضًا، إلا عيسى ﵊ حيث أنكره اليهودُ والنَّصارَى كلاهما. والباقون كلُّهم مشترِكون فلا دليلَ فيه على كُفْرِه لعنه اللَّهُ وملأَ حضرتَه نارًا. ثُم لو سلَّمنا ما يتفوَّه به هذا الشقيُّ لوَجَب أن يكونَ على قبرِه مَسْجِدٌ كما يقتضيه الحديثُ ولا يجدهُ ولو رجع إلى بطن أُمِّه، فهو حيُّ على رغمه كما قد أخبره الله سبحانه، وتواتر به رسولُه الكريم. ثُم هذا الآخَرُ الزَّنِيمُ له أقاويلُ في تحقيق قَبْرِه ﵊ يناقضُ

стр. 1113

بعضها بَعْضًا. فيزعُم تارةً أنه في كشمير المشهور بقبر «يوز آسف». ويدَّعِي أنه مُحَرَّفٌ من لَفْظ المسيح، ولا يستحيي. ونِعم ما قال رجلٌ من أهلِ كَشْمير: إنه لو كان قبرَ عيسى ﵇ لكان إلى بيتِ المَقْدسِ، مع أنه إلى بيتِ الله. وقد رَدَّ عليه العلماءُ وكتبوا الرسائلَ لردِّ مقالَتِه، فأَلقموه حجرًا فجزاهم اللَّهُ تعالَى خيرًا. ٦٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِى نِفَاسِهَا ١٣٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِى نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. طرفاه ٣٣٢، ١٣٣٢ - تحفة ٤٦٢٥ يعني أنها وإن كانت لا تصلِّي في حياتها، لكنها إذا ماتت فقد انتهت أحكامُ النِّفاس ويصلَّى عليها كما يصلَّى على غيرها. ١٣٣١ - قوله: (قَامَ عليها وَسَطَها) وعندنا يقومُ مِن الرجلِ والمرأة حِذاءَ الصَّدْر. وعند الشافعي يقومُ مِن الرجلِ حِذَاءَ الرأسِ، ومن المرأةِ حِذاءَ العَجيزة. وهو روايةٌ شاذةٌ عن إمامِنا أيضًا كما في «الهداية». وظنِّي أن مسألةَ الحنفيةِ قويةٌ، فإِنَّ قيامَ الإِمام مقام عقد اليدين، ولهم حدث أبي داود. ولا دليل في لفظ «الوسط» فإِنَّه قد قيل فيه أَنَّ المتحركَ منه ساكنٌ، والساكِنَ متحركٌ ولم يتعين واحدٌ منها. ٦٣ - باب أَيْنَ يَقُومُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ ١٣٣٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِى نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. طرفاه ٣٣٢، ١٣٣١ - تحفة ٤ ٦٢٥ - ١١٢/ ٢ ٦٤ - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ أَرْبَعًا وَقَالَ حُمَيْدٌ صَلَّى بِنَا أَنَسٌ - رضى الله عنه - فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ سَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ. ١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِىَّ فِى الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. أطرافه ١٢٤٥، ١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ٣٨٨٠، ٣٨٨١ - تحفة ١٣٢٣٢ ١٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِىِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ سَلِيمٍ أَصْحَمَةَ. وَتَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ. أطرافه ١٣١٧، ١٣٢٠، ٣٨٧٧، ٣٨٧٨، ٣٨٧٩ - تحفة ٢٢٦٢

стр. 1114

ورُوي عن أبي يوسف خَمْسُ تكبيراتٍ أيضًا. ولنا ما مرَّ آنِفًا. ١٣٣٣ - قوله: (خَرَجَ بهم إلى المصَلَّى) أشار الراوي إِلى أنه لم يُصَلِّ عليه في المسجد. ٦٥ - باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا. ١٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. تحفة ٥٧٦٤ وهي جائزة عندنا أيضًا (١) كما في «التجريد» للقدُوري، وصرح يحيى بن منقاري زاده أستاذ الشُّرُنْبلالي في رسالته: «الاتباع في مسألة الاستماع «بالاستحباب، إلا أنها تكونُ كالثناء عندنا (٢) لا كالقراءة. واستحبَّها أحمدُ ﵀. وقال الشافعية: أَنْ لا صلاةَ إِلا بفاتحةِ الكتاب. ولا ريبَ في أَنَّ أكثرَ عملهِ ﷺ كان على التَّرْك. وصرَّح ابنُ تيميةَ ﵀ أن جُمهورَ السَّلف كانوا يكتفون بالدعاء ولا يقرؤون الفاتحةَ، نعم، ثبت عن بعضهم. ثم هي عند الشافعية بعدَ التكبيرةِ الأُولى ففات عنهم الاستفتاح. فقلت لهم أن اقرؤوا بها أربعَ مرات لأن كلَّ تكبيرة في صلاةِ الجنازة تقوم مقامَ ركعةٍ. فأَوْلى لكم أن تقرؤا بها أربع مرّات، فإِنَّه لا صلاةَ لمن يقرأُ بها. ١٣٣٥ - قوله: (وقال: لتعْلَمُوا أنَّها سُنَّة (٣)).

стр. 1115

قلت: وهذا مِن دأب ابنِ عباس ﵁ أنه يُطلق على بعضِ مختاراتِه لَفْظَ السُّنَّة، كما فَعَله في الإِقعاء مع أنَّ ابن عمرَ صرَّح بنقِيضه وقال: «إن الأقعاءَ ليس بسُنَّة. على أن في «النسائي» «أنه قرأ بفاتحةِ الكتابِ وسورةٍ، وجَهَرَ بِها». وفي «المنتقى» لابن الجاردو وكله صحيح: أنه ضَمَّ سورةً أيضًا. فعلى الشافعيةِ أن يقولوا بالجَهْر وضمِّ السورةِ أيضًا إذ قالوا بِبَعْضِها. ثُمَّ في «تاريخ مكة» للأزرقي - وهو إِمَامُ الحديث متقدِّم على البخاري - عن ابن عباس ﵁: أَنَّه سُئل عَمَّا يفعل داخلَ البيت. قال: يكبِّر عند الأَركانِ كالتكبيراتِ على الجنائز». مع أنه ينفي الصلاةَ في داخل البيت، فعلم أنْ لا فاتحةَ عنده في الجنازة. وتلك مبالغاتٌ فقط تأخذُ الرَّجُلَ عند الأحوال. ٦٦ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ ١٣٣٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ. قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -. أطرافه ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٤٠ تحفة ١٥٦٠١ أ، ٥٧٦٦ ١٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ أَسْوَدَ - رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً - كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِىُّ ﷺ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ «مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ». قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «أَفَلَا آذَنْتُمُونِى». فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتَهُ. قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ. قَالَ «فَدُلُّونِى عَلَى قَبْرِهِ». فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. طرفاه ٤٥٨، ٤٦٠ - تحفة ١٤٦٥٠ - ١١٣/ ٢

стр. 1116

٦٧ - باب الْمَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ ١٣٣٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ وَقَالَ لِى خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتُوُلِّىَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ - قَالَ النَّبِىُّ ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - وَأَمَّا الْكَافِرُ - أَوِ الْمُنَافِقُ - فَيَقُولُ لَا أَدْرِى، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَاّ الثَّقَلَيْنِ». طرفه ١٣٧٤ - تحفة ١١٧٠ ١٣٣٨ - قوله: (هذا الرَّجُلِ) وفي «تنوير الحوالك» أنه إشارةٌ إلى المعهودِ في الذِّهن. قوله: (وأمَّا الكافِرُ أو المُنَافِقُ) وقد مرَّ في الأَيْمان أنَّ السؤال في القبر عند بَعْضِهم يكون من المسلمِ والمنافقِ دون الكافرِ، وفيه نَظَر كما مرَّ. قوله: (تَلَيْتَ) وهو في الأَصْل تَلَوْتَ، فصار تَلَيْت رعايةً لقرينة دَرَيْت، كما قيل في الغدايا والعشايا. وترجمته (ترني بيروي زكي). قوله: (إِلا الثَّقَلَين) والعذاب فيه مِن أشياء عالم آخَرَ، كسعة القَبْر وتضييقه. فإِنَّها كلَّها مِن عالَم الغيب على أنَّ أوزانَ الأشياءِ ومقاديرَها ليست بأَمرٍ متعيَّن، فإِنَّ الشيءَ الواحِد يُرى صغيرًا وكبيرًا باعتبار آلاتِ النَّظر. وكذا يختلفُ وزنُ الشيء الواحدِ عند وَزْنِه بخط الاستواء، ثم وَزْنِه عند القُطْبين. وقد ذكر «نيوتن» أن الشيءَ الواحدَيختلفُ ثِقَلا وخِفّةً بحسبِ تَجَاذُبِ الأَرض. فإِذَا وَزَنْتَ شيئًا على الأَرْض ثُمَّ وَزَنْته في الهواء تجدُه أَثْقَلَ فإِذَا عَلِمت أَنَّ الشيءَ الواحِدَ يمكنُ أن يكونَ صغيرًا وكبيرًا بحسب المَرْأَى، وكذلك اختلف وَزْنُه بحسب اختلافِ المواضع لم تبق للبَصَر حقيقة. فربَّ شيءٍ تَرَاه صغيرًا يمكنُ أن يكونَ كبيرًا في الواقع وبالعكس، فطاحت المقاديرُ رأسًا. بقي حالُ الأصوات، فقد تَسْمَعُ من بُعُد بعيدٍ، وقد لا تسمع مِمَّن هو في البيتِ. فأيُّ بُعْد في رؤيةِ الميتِ قبرَه القصيرَ مبسوطًا في ستين أو سبعين ذِرَاعًا مثلا، فقد شاهدنا اختلافَ المقاديرِ لشيءٍ واحدٍ في هذا العالم فما البعدُ فيه عند اختلافِ العالَمين. على أنه يمكنُ أن يكونَ في الأرضِ شيءُ يقبض ويبسط، كالجسم التعليمي عند الفلاسفة، فيصيرُ ممدودًا عند الثواب، ومقبوضًا عند العذاب. وأيضًا يمكنُ أن تترفعَ عنه الحُجُب إلى مسافةٍ متعينةٍ مع بقاء في نَفْسه، كما ترى في بعض الآلاتِ الجديدة: يُرى منها باطنُ الإِنسان من فَوْق جِلْده. ثُم لا حاجةَ في إثبات عذابِ القبر إلى ما قاله الصوفية: أن العذاب على البدنِ المثالي دون المادي. وحينئذٍ لا بعد أن لم نشاهدا أحدًا يعذب في قبره، فإِنَّ الأسهل أن يقال: إنه مِن عالَم الغيب وإقامةُ

стр. 1117

الدلائل العقليةِ عليه جَهْلٌ، وَمَنْ يُطِيقُ ذلك. وإنَّما يشتغلُ به مَنْ لا يَعْرِفُ الفَرْقَ بين الخَطَابة والبُرْهَانِ. ٦٨ - باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا ١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ أَىْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ». طرفه ٣٤٠٧ - تحفة ١٣٥١٩ ثبت منه جوازُ تمنِّي جوار الصالحين. قوله: «ففقأ عينه» وإنما فقأت عينه فقط لأَنه كان مَلَكَ الموتِ وإِلا لاندقَّتْ السمواتُ (١) السَّبْعُ مِن لَطْمَةِ غَضَبِه. وإِنَّما غَضِب عليه لأَن مِن سُنَّة مَلَكِ الموتِ بالأَنبياء أن يكلِّمهم بالتخيير، فلمَّا تَرَكها وأخبَرهُ بالوفاةِ أخذْتهُ الغَضْبةُ فلَطَمه. ١٣٣٩ - قوله: (بكُلِّ شَعْرةٍ ... ) إلخ. فاللَّهُ تعالى يدري ماذا صار عُمُرِه لو وَضَع يدَه على مَتْن الثَّوْر. واللَّعِين القادياني يتعجَّب من عُمُر المسيحِ ﵇، مع عِلْم اللَّعين أنَّ نوحًا ﵇ عاش ما عاش. وفي البخاري: أنَّ كلَّ نبيِّ يخيّرُ بين البقاءِ والفناء قبل وفاتِه، فلو أرادَ أن يعيشَ لعاش بما أراد. وقد يَسْخَرُ اللعينُ أنَّ عيسى ﵇ إذا لَمْ يَنزِل بَعْدُ، مع أنَّ الزمانَ قد انقلب ظهرًا لبطن، فماذا يفعلُ إِنْ ينزل بعده سَخِر اللَّهُ منه أَلا يدري أنه لو جاز إنكارُ المتواتراتِ بِمِثْل هُزْئه لصحَّ إنكارُ القيامةِ أيضًا. فإِنَّا قد انتظرنَاها ولم تأتِ بَعْدُ فلعلَّها لا تقومُ والعياذ باللَّه. وقد حُكي في القرآنِ مِثْلُه عن بعضِ الملاحدةِ فأَحْي سُنَّتَهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]. قوله: (عند الكَثِيب الأَحْمرِ) ولم يتحقق لي قبره بعد، إِلا أَني أسمع الآن أن السلطان عبد الحميد قد بَنَى على قبره قُبةً، فلا أدري من أين حصل له العِلْم بذلك. ولعله اعتمد فيه على خَبر اليهود.

стр. 1118

٦٩ - باب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - لَيْلًا. ١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ «مَنْ هَذَا». فَقَالُوا فُلَانٌ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ. أطرافه ٨٥٧، ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦ - تحفة ٥٧٦٦ - ١١٤/ ٢ وقد ورد فيه النهيُّ عند الطحاوي في «معاني الآثار» بأسناد ضعيفٍ. ولكنَّه لئلا تقلَّ الجماعةُ مع أن المطلوبَ تكثيرُها إذا لم تُقصد الشهوةُ والرياء ولذا بَوَّب البخاري بالدَّفْن بالليل ليشيرَ إليه. ٧٠ - باب بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَبْرِ ١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النَّبِىُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ - رضى الله عنهما - أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ». أطرافه ٤٢٧، ٤٣٤، ٣٨٧٣ - تحفة ١ ٧١٦٦ ٧١ - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ الْمَرْأَةِ ١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فَقَالَ «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ «فَانْزِلْ فِى قَبْرِهَا». فَنَزَلَ فِى قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ فُلَيْحٌ أُرَاهُ يَعْنِى الذَّنْبَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (لِيَقْتَرِفُوا) أَىْ لِيَكْتَسِبُوا. طرفه ١٢٨٥ - تحفة ١٦٤٥ وأقاربُ الميت أَوْلى. ويجوز للأَجنبي أَيضًا عند الضرورة، ويجوزُ للزَّوْج أيضًا. وما اشتُهر من أنَّ الزوجَ بعد الوفاةِ يصيرُ كالأجانب فليس بشيءٍ (١).

стр. 1119

٧٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ ١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ وَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِى دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. أطرافه ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢ ١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ «إِنِّى فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّى وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِى الآنَ، وَإِنِّى أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ - وَإِنِّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِى، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا». أطرافه ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠ - تحفة ٩٩٥٦ - ١١٥/ ٢ قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يُصلَّي على الشهيدِ. وفي عباراتِ بعضهم أنها حرامٌ. قلت: وما أشبه هذا التشديد بما في حواشي «مختصر خليل» أنَّ قضاءَ السُّنة حرام مع أن في كتبِ المالكيةُ: عامةً نَفْي القضاء فقط. وقال المالكيةُ: إن المسلمينَ إن نهضوا إليهم واستُشْهِدوا لا يصلَّى عليهم، وإن نهضَ الكفارُ إلينا يصلَّى عليهم. فكأنَّهم قَسَموا على الأَحوال، وفهموا أن في معنى شهداء أُحُدهم الذين هجم عليهم الكفّارُ، وبه يتمُّ أَثَرُ الظُّلْم. بخلاف ما إذا هجمنا عليهم فإِنَّه يخِفُّ به أَثَرُ الظُّلْم ولا يكون في معنى شهداء أُحُد، فإِنَّ الكفار فيه كانوا هجموا علينا. وقال أحمد رحمه الله تعالى: إِنَّها مستحَبةٌ، وإن ترَكَها جاز، وهي واجبةٌ عندنا على كلِّ حالٍ بقي المصنِّف رحمه الله تعالى فلم يُفْصِح بشيءٍ، وأحال الفَصْل إلى الناظرين. ١٣٤٣ - قوله: (يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَين مِن قَتْلَى أُحُد في ثوبٍ واحدٍ) ولا يجوز الجَمْعُ بين الاثنين إلا بالفَصْل بينهما بنحو إِذْخِر أو غيره. وعليه حَمَله عامّةُ الناس (١). وما ألطف شَرْحَ الحافظ ابنِ تيميةَ ﵀ إن معنى الجمع في ثوب شَقُّه لهما، ليُلَفَّ واحِدٌ في نِصْفِه، والآخَر

стр. 1120

في نِصْفِه الآخَر. وهذا معنى الجَمْع بين الاثنين في ثَوْبٍ، وهو واسِعٌ باعتبار العربية. قوله: (أَكْثَرُوا أَخذًا للقرآنِ؟) والنَّظَرُ دائرٌ في أَنَّ تقديمه للتعظيم فقط، أو لكونِه أَوْلى بالإِمامة كما في قوله: «يَؤم القومَ أقرؤهم»، وللنظر فيه مجالٌ وسيع. قوله: (ولَم يُصَلَّ عَلَيْهم) وهو دليلٌ للشافعيِّ رحمه الله تعالى أَو لأَحْمدَ رحمه الله تعالى. وقال المحدِّثون: إنَّ مذهبَ أحمدَ أقربُ إلى الحديث. فالحديث واردٌ علينا. ولنا في جوابه سبيلان. الأول ما سَلَكه الطَّحاوي رحمه الله تعالى، ثُم تَبِعه الزَّيْلَعي، ثم تَبِعه ابن الهُمام. والآخَرُ ما اختاره العَيْني رحمه الله تعالى. والأَرْجح عندي ما قاله الزيلعي رحمه الله تعالى. وحاصل ما ذهب إليه العَيْنيُّ رحمه اللَّهُ تعالى أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّ عليهم إذ ذاك، ثُم صلَّى عليهم قُبيلَ وفاتِه كما تَشْهَدُ به الرواية التالية. وفيها: فصلَّى على أَهْلِ أَحُد صلاتَه على الميتِ». وفَهِم الشيخُ العَينيُّ رحمه الله تعالى أنه بهذا الصنيعِ يفوزُ باستدلال من حديثِ البخاري، وأنت تَعْلم أنَّ علماءَ المذاهب كلَّهم يتفاخرون بموافقةِ حديث البخاري إيَّاهم لكونِه أصحَّ عندهم. وأَوَّله النوويُّ رحمه الله تعالى وقال: إنَّ المرادَ مِن الصلاة هو الدعاءُ. وردَّ عليه الشيخُ رحمه الله تعالى وقال: إنه ليس بتأويلٍ بل تحريفٌ. فإِنَّ المفعولَ المطلقَ للتشبيه، فقوله: «صلاته على الميت» صريحٌ في أنه صلَّى عليهم كما يُصَلَّى على الجنائز. أقول: والصوابُ كما قاله النوويُّ رحمه الله تعالى. فإِنَّي تَتَبَّعْتُ الرواياتِ فتبيَّن أَنَّ صلاتَه تلك كانت في السَّنة التي مات فيها وكانت في المَسْجد النبويِّ، وإليه يشيرُ لَفْظ البِخاريُّ؛ ثم انصرفَ إلى المِنْبر»، وأين كان المِنْبر في أُحُد. فَخُرُوجُه ﷺ في تلك الواقعةِ إنَّما هو في المَسْجِد لا إلى أُحُد. وإنما أراد بذلك أن يَدْعُو لهم قُبيلَ خروجِه من الدنيا أيضًا لمزيدِ فَضْلهم. وحينئذٍ ظهر ما عند أبي داود أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على قَتْلَى أُحُد بعد ثماني سنينَ، كالموَدِّع للأَحياء والأمواتِ. انتهى. فإِنَّه بعد تلك السَّنةِ لم يبق في الدنيا إلا قليلا، فأَرادَ أن يُوَدِّعَ الأمواتَ أيضًا كما ودَّعَ الأحياءَ فدعا لهم. وسها مَنْ زَعَم أن خُروجَه كان إلى أُحُد، فإِنَّه على ثلاثة أميالٍ من المدينةِ. ولكنَّ البخاريَّ لما بوَّب على هذا الحديثِ بالصلاةِ على الشهيد، صاغ للعينيِّ أن يَحْمِله على الصلاة المعهودة. ومُحَصَّلُ مختارِ الزيلعي: أن النفيَ محمولٌ على نَفْي الصلاة مُنفرِدًا، ولكنه كان يصلِّي على العشرةِ والعشرةِ وحمزةُ رضي اللَّهُ معهم (١). ويشهد له ما أخرجه الطحاويُّ عن أبي مالك

стр. 1121

الغِفَاري قال: كان قَتْلَى أُحُد يُؤتَى بِستعة وعاشرُهم حمزةُ ﵁. فيصلِّى عليهم رسولُ الله ﷺ ثُمَّ يُحملون. ثُم يُؤتَى بتسعةٍ فَيُصلِّي عليهم وحمزةُ مكانَه، حتى صلَّى عليهم رسولُ اللَّهِ ﷺ ولخَّص الذهبيُّ كتاب البيهقي - ولم يُطبع - ومرَّ فيه البيهقي على رواياتِ الطحاوي تلك، وظن أسانيدَه مستقيمةً ولم يَرَ فيها بأسًا. قلت: ولعلَّه تَرك حمزةَ ﵁ مكانَه في كلِّ مرةٍ لمزيدِ البركة، فإِنَّه يُبعث يومَ القيامةِ سيدَ الشهداءِ وإن كفت الصلاة مرةً أيضًا. ثُم عند أبي داود في باب الشهيد يُغَسَّل عن أنس: «أنَّ النبي ﷺ مرَّ بحمزةَ ﵁ وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أَحَدٍ من الشهداء غيرِه». ومرادُه أنه لم يُصلِّ مستقِلا إِلا على حمزةَ ﵁ كما علمت. فإِنَّه لما كان موجودًا في كلِّ مرةٍ، وكان الآخَرُون يحملونَ واحدًا بَعْد واحدٍ، فكأنَّه صلَّى عليه مستَقِلاّ ولم يُصَلِّ على غيره. كذلك وسأل ابنُ الماجِشُون مالِكًا ﵀ عن الصلاةِ على النبيِّ ﷺ فأجاب: أنَّه صلَّى عليه كما صلَّى على حمزة ﵁. وفي السِّير: أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى عليه عِدَّةَ صلواتٍ. فسأله ابنُ الماجِشون مِن أين تقول هذا؟ فسرَد مالك رحمه الله تعالى إسنادَه. وقد استوفينا دلائلُه فيما ألقيناه في درس الترمذي. أما وَجْه الخلافِ في الصلاةِ عليهم مع كونِ المسألةِ مما يَكْثُر بها البلوى: أنَّ الأَصْلَ في هذا البابِ هو غزوةُ أُحُد، وقد جُمِعَ فيها رجالٌ في صلاةٍ، فعدها بَعْضِهم صلاةً، ولم يعتبرْها بعضُهم لعدم كونها على الشاكلة المعروفةِ، فإِنَّها لم تكن عليهم فُرَادَى فُرَادَى، على أنَّ الشهداءَ يفقدون من المعركة كثيرًا كما يكون اليوم أيضًا، فلا يُصلَّى عليهم. فإِذا صُلِّي على البَعْضِ دون البَعْضِ سرى الخلافْ أَلا ترى أن مالكًا رحمه الله تعالى بنى تفصيلَه في الصلاة كلَّه على شهداءِ أُحُدٍ فندخل في ضمان الله تعالى كما دخلوا، ونستغني عن الصلاةِ كما استغنوا. وإنْ خرجنا إليهم انتفت تلك المظلوميةُ ولا نكون في معنى شهداء أُحُدٍ، وحينئذٍ يُصلَّى على قتلانا. ٧٣ - باب دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِى قَبْرٍ ١٣٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢ وإنما احتاجوا إليه لكثرة القَتْلى، وإِلا فالجَمْع لا يجوزُ.

стр. 1122

١٣٤٦ - قوله: (ولم يُغَسِّلْهُم) وترجمته (غسل نه دلوايا) واعلم أن التعديةَ في اللغة الفارسية تحصل بزيادة حَرْفٍ على الفعل اللازم، كقولهم: (خوردن وخورانيدن). فليُبْحث في الصَّرف أنَّ مِثْل هذه التعديةِ توجدُ في لغة العرب أيضًا أم لا؟ ولا أراها ثابتةً فيها ولكن ترجمت التفعيل ههنا على طريق التعدية في اللغة الفارسية، يقال: «غسله ««أوسكو غسل دايا وغسَّله» «أوسكو غسل دلوايا». والغَرَض مِن هذا التفتيشُ أنه لو ثَبت في الصَّرْف هذا النوعِ من التعدية لكان للمالكيةِ وَجْهٌ في تأويلهم حديثَ التأمين. فإِنَّهم يقولون: معنى قوله: «إذا أَمَّن الإِمام» «وجب أمام آمين كهلوائي». وقد مرَّ تفصِيلُه وليس فعْلٌ في لغةِ العرب عندي يدل على تسخير أحدٍ بهذا الفِعْلِ بِعَيْنه. ٧٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ ١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «ادْفِنُوهُمْ فِى دِمَائِهِمْ». - يَعْنِى يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢ ٧٥ - باب مَنْ يُقَدَّمُ فِى اللَّحْدِ وَسُمِّىَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ فِى نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. (مُلْتَحَدًا) مَعْدِلاً، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا. ١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ وَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢ ١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ «أَىُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِى وَعَمِّى فِى نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - تحفة ٣٠٠٥ ب وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِى الزُّهْرِىُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا - رضى الله عنه. تحفة ٢٣٨٢ ٧٦ - باب الإِذْخِرِ وَالْحَشِيشِ فِى الْقَبْرِ ١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِى، أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى

стр. 1123

خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَاّ لِمُعَرِّفٍ». فَقَالَ الْعَبَّاسُ - رضى الله عنه - إِلَاّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ «إِلَاّ الإِذْخِرَ». وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا». أطرافه ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣ - تحفة ٦٠٦١ - ١١٦/ ٢ وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. تحفة ١٥٩٠٨، ٥٧٤٨ وقد عرفت أن أحكام لقطة الحل والحرم عندنا سواء وإنما زيد الاستثناء لمزيد الاعتناء به. ٧٧ - باب هَلْ يُخْرَجُ الْمَيِّتُ مِنَ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ ؟ ١٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ أَبُو هَارُونَ وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِى قَمِيصَكَ الَّذِى يَلِى جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ. أطرافه ١٢٧٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥ - تحفة ٢٥٣١، ١٩٦٠٢ ١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِى أَبِى مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ مَا أُرَانِى إِلَاّ مَقْتُولاً فِى أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ ، وَإِنِّى لَا أَتْرُكُ بَعْدِى أَعَزَّ عَلَىَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَىَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِى قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِى أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ. طرفه ١٣٥٢ - تحفة ٢٤٠٩ ١٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ دُفِنَ مَعَ أَبِى رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِى حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِى قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. طرفه ١٣٥١ - تحفة ٢٤٢٢ - ١١٧/ ٢ وَكرِه الحنفيةُ إخراجَه إِلا لحاجةٍ شديدةٍ، حتى قالوا إنَّه لا يُخْرَجُ وإن سقط القَبْرُ. ١٣٥١ - قوله: (لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دعاني أبي) وكان جابرُ ﵁ حينئذٍ لم يَبْلغِ الحِنْثَ فلم يدخل في الحَرْب. قوله: (فإِذا هو كيومَ وَضَعْتُه) وراجع ما عند مالك في «موطئه» (١).

стр. 1124

قوله: (هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ) والصحيحُ «غير هُنَيَّةِ من أُذْنِه». ٧٨ - باب اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِى الْقَبْرِ ١٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِى اللَّحْدِ فَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. أطرافه ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ٤٠٧٩ - تحفة ٢٣٨٢ إن كان المرادُ من الغيرِ بني إسرائيل فالحديثُ يدلُّ على مزيدِ تأكيد اللحد، وإن كان المرادُ أَهْلَ مكةَ فَيَخِفُّ الأَمْرُ. ٧٩ - باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِىُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِىِّ الإِسْلَامُ ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالْوَلَدُ مَعَ الْمُسْلِمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - مَعَ أُمِّهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَالَ الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى. يعتبر عندنا بإسلام الصبيِّ المُميِّز ولا يُعتبرنا بارتداده، وعند الشافعيةِ رحمهم اللَّهُ تعالى لا يُعتبر بإِسلامه أيضًا. وكنتُ أَتحيرُّ أنَّهم ماذا يقولونَ في إسلام عليَ ﵁، فإِنَّه أسلم صبيًّا يدلُّ عليه قولُه: لقد سَبَقْتُكُم على الإِسلام طُرَّا ثم رأيت في "السنن الصُّغْرى" للبيهقي: وفيه أن الأحكام قبل الخَنْدَق كانت منوطةً بالتمييز وبعدَه نِيطَتْ بالبلوغ. وعليٌّ ﵁ في مَنْ دَخل في الإِسلام قَبْل الخندقِ، فظهر الجوابُ عنه. ثُم إنَّ المسألةَ فيمَنْ كان أبواه كافرَيْنِ. أَما إذا كان أبواه مُسلِمَيْن فلا اختلاف فيه. وشَنَّع بعضُهم على الحافظ ابن تيميةَ رحمه الله تعالى بأنه لا يعتبِرُ إسلامَ عليٍّ ﵁. قلت: لم أجِدْه في تصانِيفه. ثُم رأيتُ الشِّبلي نسبَ إلى الحافظِ ابن تيمِيةَ رحمه الله تعالى

стр. 1125

أنه قائلِ بإِسلام مَن صَدَّق النبيَّ والقرآنَ وإن بقي على اليهودية. ولم أجِدْه أيضًا في تصانيف ابن تيميةُ رحمه الله تعالى، ولعلَّه أيضًا افتراءٌ عليه. قوله: (وكانَ ابنُ عباسٍ ﵁ مع أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ) لأَنَّ أُمِّه أسلمت مِن قبل، حتى قيل: إنها أسلمت بعدَ خديجةَ ﵂، ولم يكنِ العباسُ أظهرَ إسلامَه بَعْدُ. فكان ابنُ عباس ﵄ مع أُمِّه وكانت خيرَ الأَبوينِ دِينًا. قوله: (الإِسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى) هذا باعتبار التشريع ظاهرٌ، وأما باعتبارِ التكوين ففيه تفصيلٌ. ١٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِى مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الْحُلُمَ فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ «تَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِىِّ ﷺ أَتَشْهَدُ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَضَهُ وَقَالَ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ. فَقَالَ لَهُ «مَاذَا تَرَى». قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِى صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «إِنِّى قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا». فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِى قَتْلِهِ». أطرافه ٣٠٥٥، ٦١٧٣، ٦٦١٨ تحفة ٦٩٩٠ ١٣٥٤ - قوله: (أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسولُ اللَّهِ) وغ» رَضُ المصنِّف رحمه الله تعالى أن ابنَ صَيَّاد لو شَهِدَ برسالَتِه، لحَكَم عليه بالإِيمان، مع كونه صبيًّا إذ ذاك. قوله: (فقال عُمرُو ﵁ دَعْنى يا رسولَ اللَّهِ أَضرِبْ عُنْقَه ... ) إلخ. وإنَّما لم يذره النبيُّ ﷺ فيقتله، لأنه كان حينئذٍ صبيًّا كما في الحديث. والوَجْه الثاني ما بيَّنه بنفْسِه الشريفة: وهو أنَّه: «إنْ يكن هو فلن تُسلَّط عليه «. وفيه سرٌ عظيم ينبغي الاطلاع عليه: فاعلم أنَّ التكوينَ قد يناقِضُ التشريعَ، لأن التكوِينَ ليس تحتَ التكليفِ. فلو انكشفَ التكوينُ على أَحَدٍ لا يتغيَّرُ به التشريعُ أصلا، فلو كُشِف لأَحَدٍ أنَّ فلانًا يُخْتم له على الكفر - والعياذ باللَّهِ لا يجوزُ له أن يُعامل معه معاملةَ الكفار في الحالة الراهنة. وهو الذي عَرَض لعليَ ﵁ حين سأله ابنُ الكواء: أنه يُفتح له أو لا؟ قال: لا. قال: فَلِمَ تُحارِب إذَن؟ قال: إِني مأمورٌ. يعني به أنَّ التكوينَ وإن كان جرى بالهزيمة أَلا أَنَّ التشريعَ على مكانه لا يتغيرُ به، كما لو لم يُكْشَف عليه. فلا ينبغي لأَحَدٍ أن يعملَ بالتكوينِ إِلا للنبيُّ خاصَّةً، فإِنَّه قد يأخذُ جِهةَ التكوينِ أيضًا كما أخذ في قَتْل الدجَّال. وهو الذي راعاه في قِصَّة رَجُلٍ اعترضَ على تقسيمِ رسولِ الله ﷺ فقال:
следующие страницы →