عن جابر قال: «أَعْتَقَ رجلٌ من بني عُذْرَة عبدًا له عن دُبُرٍ» اهـ. وظاهرهُ أنه كان مُدَبَّرًا مطلقًا. فالجواب: أن بَيْعَهُ لم يكن على أن بيعَ المُدَبَّر جائزٌ في الشرع، بل لأن الرجل لم يكن له مالٌ غيره، فلما دبَّره عزَّره النبيُّ ﷺ بذلك، كما في النَّسائي: «فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: أَلَكَ مالٌ غَيْرُهُ؟ قال: لا، فقال رسولُ الله ﷺ من يَشْتَرِيه». اهـ.
قال السِّنْدِي في «حاشيتهِ» فيه: إن السفيهَ يُحْجَرُ، ويُرَدُّ عليه تصرُّفه. ولعلَّ البخاريَّ أيضًا ذهب إليه، فترجم: باب من رَدَّ أمر السفيه والضعيف العقل ... إلخ، ثم أخرج تحته حديث الباب. فعُلِمَ أنه جعله من باب الحَجْر، وإلغاء تصرُّف التدبير. لكن تراجمَه تَتَهَافَتُ على هذا التقدير، فلا يُدْرَى أنه حكم بالمجموع، أو أن هذا جائزٌ، وذلك أيضًا جائزٌ. لأن ولايةَ الشارع فوق ولاية سائر الولاة، فتصرُّفاتُه أيضًا تكون فوق تصرُّفاتهم، فيجوز له ما لا يجوز لغيره، فأمثالَ تلك التصرُّفات تختصُّ به ﷺ .
ونظيرُه ما أخرجه أبو داود في باب من قتل عبده ... إلخ، قال: «جاء رجلٌ مُسْتَصْرِخٌ بالنبيِّ ﷺ فقال: جاريةٌ له يا رسول الله، فقال: وَيْحَكَ مَالَكَ؟ فقال: شرٌ، أَبْصَرَ لسيده جاريةً له، فغار، فَجَبَّ مذاكيره، فقال رسول الله ﷺ عليّ بالرَّجُلِ، فَطُلِبَ، فلم يُقْدَرْ عليه، فقال رسول الله ﷺ فأنت حرٌّ، فقال: يا رسول الله على من نُصْرَتي؟ فقال: على كُلِّ مُسْلمٍ، أو قال: على كلِّ مُؤْمِنٍ». اهـ.
فإِعتاقُ عبد الغير ليس بأدون من إبطال تدبيره، فإذا جَازَ له أن يَعْتِقَ عبدًا لغيره، جَازَ له أن يَبِيعَ مُدَبَّرًا لغيره أيضًا، ولا يكون ذلك لأحدٍ بعده، لقوة ولايته وعموم تصرُّفاته على الإِطلاق. أَلا ترى أن أحدًا لو فَعَلَهُ اليومَ بعبده، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يَعْتِقَ عبده؟ ولكن المسألةَ فيه: أن الجروحَ قِصَاصٌ، فإِذن هو من باب التَّعْزِيرِ، وحَجْر التصرُّف. وأجاب العيني: أن النبيَّ ﷺ لم يَبِعْهُ، ولكنه استأجره، البيعُ بمعنى الإِجارة في لغة المدينة. ويَشْهَدُ له ما عند الدَّارَقُطْنيِّ (١)، عن
стр. 1507
الإِمام محمد الباقر مرسلا في قصة أخرى: «كان النبيُّ ﷺ استأجر فيها» (١)، ولي من عند نفسي جوابٌ آخر، ذكرته في موضعه.
٦٠ - باب النَّجْشِ وَمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ
وَقَالَ ابْنُ أَبِى أَوْفَى النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ. وَهْوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْخَدِيعَةُ فِى النَّارِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ».
٢١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ النَّجْشِ. طرفه ٦٩٦٣ - تحفة ٨٣٤٨
والنَّجْشُ في اللغة: إغراءُ الكلب. وهذا البيعُ لا يَجُوزُ عند المصنِّف أصلا، لورود النهي عنه. قلتُ: النهيُ لا يَسْتَلْزِمُ البُطْلان دائمًا. فإنا نرى من عهد الصحابة إلى زمن الأئمة: أن النهيَ إذا وَرَدَ في محلًّ، يَحْمِلُه بعضُهم على الكراهة، وبعضُهم على البُطْلان، فلا كُلِّية فيه، ففي محلًّ كذا، وفي محلًّ كذا. والإِمامُ البخاريُّ يَحْمِلُهُ على البُطْلان في أكثر المواضع، وقلَّ موضعٌ يكون النهيُ وَرَدَ فيه، ثم حمله المصنِّفُ على الجواز، بل يَعْتَرِضُ على الحنفية بحملهم النهي على الصحة. ثم إن الشيخَ ابن الهُمَام قال في «فتح القدير»: إن النهيَ في العبادات لا يُوجِبُ البُطْلان، ونَاقِضُهُ في «التحرير»، فقال: إنه يُوجِبُهُ. وكان لا بُدَّ للشارح أن يُنَبِّه عليه: أن ما في «التحرير» يُخَالِفُ ما اختاره في في «فتح القدير». وكيفما كان تعبيرُه في «فتح القدير» أَوْلَى مما قاله صاحب «الهداية»: أن النهيَ عن الأفعال الشرعيَّة يُقَرِّر المشروعية، فإنه بعيدٌ جدًا، والأقربُ ما قاله الشيخُ ابن الهُمَام.
قوله: (وهو خِدَاعٌ بَاطِلٌ) ... إلخ، وأراد المصنِّفُ من نقل تلك الجزئيات: أن هذا البيع لا يَجُوز. قلنا: سلَّمنا عدم الحلِّ أيضًا، ولكن الكلامَ في نفاذه لو اقْتَحَمَهُ أحدٌ.
قوله: (الخَدِيعَة في النَّار) ... إلخ. وعُلِمَ أنه قد تحقَّق عندي تجسُّد المعاني، وقوَّاه الشيخُ الأكبر في «الفتوحات»، والدَّوَّاني في «رسالته الزوراء» بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]، أي إنها محيطةٌ في الحالة الراهنة، ولكنها مستورةٌ، يَنْكِشُفُ عنها الغطاء
стр. 1508
في الحشر. فتلك المعاني الكُفْرِيَّة تَنْقَلِبُ نارًا، وتتجسَّد جهنم، بل هي هي في الحالة الراهنة، إلا أن الأبصارَ ضَعُفَتْ عن إدراكها.
قوله: (من عَمِلَ عملا ليس عَلَيْهِ أمرُنا، فهو رَدٌّ). اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ على البُطْلان، وحَمَلَهُ الناسُ على المعصية. فمعنى قوله: «فهو رَدٌّ» عند البخاري: أي باطلٌ، وعند آخرين: فهو غيرُ مقبولٍ، ومعصيةٌ. وجملةُ المقال: إن التقسيمَ عنده: ثُنَائي، فالشيءُ عنده، إمَّا صحيحٌ، أو باطلٌ. وعندنا ثُلاثي، والثالث ما هو صحيحٌ من وجهٍ، وباطلٌ من وجهٍ. وهذا نظيرُ الاختلاف في المُمْكِن أنه شيءٌ أو لا؟ فقيل: إنه ليس بشيءٍ، لأن الشيءَ إمَّا واجبٌ، أو مُمْتَنِعٌ. وقيل: بل التقسيمُ ثلاثي، فالممكن أيضًا شيءٌ.
والبِدْعَةُ عندي: كلُّ شيءٍ حَدَثَ بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخير لشبهةٍ لا لعنادٍ، وكانت مُلْتَبِسَةً بالشريعة. فإذا أَحْدَثَها الخلفاء، أو خيرُ القرون، فليست ببدعةٍ. وكذا إذا حَدَثَتْ لعنادٍ أو لم تَلْتَبِسْ بالشريعة، فليست ببدعةٍ أيضًا، وإن كانت مردودةً عند الشرع.
٦١ - باب بَيْعِ الْغَرَرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ
٢١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِى فِى بَطْنِهَا. طرفاه ٢٢٥٦، ٣٨٤٣ - تحفة ٨٣٧٠
الغرر مُتَعَدِّي، والغرور لازمي.
قوله: (حَبَل الحَبَلَة). قيل: إنه كان مَبِيعًا في الجاهلية، وقيل: بل كان أجلا.
٦٢ - باب بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ
قَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِىُّ ﷺ .
٢١٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ - رضى الله عنه - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهْىَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَنَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ. أطرافه ٣٦٧، ١٩٩١، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤ - تحفة ٤٠٨٧
٢١٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ نُهِىَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ أَنْ يَحْتَبِىَ الرَّجُلُ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ. أطرافه ٣٦٨، ٥٨٤، ٥٨٨، ١٩٩٣، ٢١٤٦، ٥٨١٩، ٥٨٢١ - تحفة ١٤٤٤٦ - ٩٢/ ٣
قيل: إن المُلامَسَة نفسها كانت بيعًا، وقيل: إنها كانت قاطعةً للخِيَار.
زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ». أطرافه ٢١٤٠، ٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١ - تحفة ١٢٢٢٧
قيل: أصل المُصَرَّاة مَصْرُورَة، كما أن أصل ﴿دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] دسَّسها، فصارت - دسَّاها (١). والمصنِّفُ أيضًا توجَّه إلى بيان الاشتقاق. كما هو دَأْبُهُ.
واعلم أن التَّصْرِيَةَ عيبٌ عند الشافعيِّ، وأحمد، فجاز للمشتري أن يَرُدَّ به على البائع، إلا أنه يَرُدُّ معه صاعًا من تمرٍ، لحديث أبي هريرة. وقال أبو يوسف: يَرُدُّه، ويَرُدُّ معه قيمةَ اللبن، كائنةً ما كانت.
وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا يَرُدُّه، لأن الحَلْب عَيْبٌ في الحيوان، والمبيعُ إذا كان مَعِيبًا، ثم حدث فيه عَيْبٌ آخر عند المشتري، امتنع رَدُّه، فليس له إلا الرُّجُوعَ بالنقصان. والحديثُ وَارِدٌ علينا، وأجاب عنه (٢) بعضُ الحنفية: إن الحديثَ إذا رَوَاه راوٍ غير فقيهٍ، وعَارَضَهِ
стр. 1511
القياسُ، يُتْرَكُ العملُ به، ويُعْمَلُ بالقياس. فلمَّا كان حديثُ أبي هُرَيْرَة مُخَالِفًا للقياس، ورواه من هو غير فقيهٍ، عَدَلْنا إلى القياس، وعَمِلْنا به.
стр. 1512
قلتُ: وهذا الجواب باطلٌ لا يُلْتَفَتُ إليه، ولم يَزَلْ مَطْعَنًا للخصوم منذ زمنٍ قديم. ولمثل هذا اشْتَهَرَ أن الحنفيةَ يُقَدِّمُون الرأيَ على الحديث. وحَاشَاهُم أن يَقُولُوا بمثله، فإن هذه المسألة لم يَصِحَّ نقلها عن أبي حنيفة، ولا عن أحدٍ من أصحابه. نعم نُسِبَتْ إلى عيسى ابن أَبَان - المعاصر للشافعي - وهي أيضًا محلُّ تردُّدٍ عندي. كيف وقد قال المُزَني: إن أبا حنيفة أَتْبَعُ للأثر من محمد، وأبي يوسف. فلعلَّ تكون بين يديه جزئياتٌ، ومسائلُ تَدُلُّ على هذا المعنى.
وبالجملة هذا الجواب أَوْلَى أن لا يُذْكَرَ في الكُتُبِ، وإن ذكره بعضُهم، ومن يَجْتَرِيءُ على أبي هُرَيْرَة فيقول: إنه كان غيرُ فقيهٍ؟ ولو سلَّمنا، فقد يَرْويه أفقههم، أعني ابن مسعود أيضًا، فيعود المَحْذُورُ. وأجاب عنه الطحاويُّ بالمعارضة بحديث: «الخَرَاج بالضَّمَان» (١).
стр. 1513
والجواب عندي: أن الحديثَ محمولٌ على الدِّيَانة دون القضاء، لِمَا في «فتح القدير»، في باب الإِقالة: أن الغَرَرَ، إمَّا قوليٌّ، أو فعليٌّ، فإن كان الغَرَرُ قوليًّا، فالإِقالةُ واجبةٌ بحكم القاضي. وإن كان الثاني تَجِبُ عليه الإِقالةُ دِيَانةً، ولا يَدْخُلُ في القضاء. كيف وأن الخِدَعَاتِ أشياءٌ مستورةٌ، ليس إلى علمها سبيلٌ، فلا يُمْكِنُ أن تَدْخُلَ تحت القضاء. فالتَّصْرِيةُ أيضًا خَدِيعةٌ، ويَجِبُ فيها على البائع أن يُقِيلَ المشتري ديانةً، وإن لم يَجِبْ قضاءً.
وحينئذٍ فالحديثُ مُتَأَت على مسائلنا أيضًا، ولم أَرَ أحدًا منهم كَتَبَ أنه مُوَافِقٌ لنا. وادَّعَيْتُ من عند نفسي: أن الحديث لا يُخَالِفَ مسائلنا أصلا، لأن التَّصْرِيَة غَرَرٌ فِعْليٌّ، وفيه الرَّدُّ ديانةً على نصِّ «فتح القدير». وهكذا أقول فيما إذا اشترى سلعةً، فلم يُؤَدِّ ثمنها حتى أَفْلَسَ: إنه يكون فيه أسوة للغُرَمَاءِ عندنا قضاءً، ويَجِبُ عليه أن يَرُدَّ المبيعَ إلى البائع خِفْيَةً ديانةً، فإنه أحقُّ به، لكنه حكم الدِّيَانة دون القضاء. وأوَّله الطحاويُّ في هذا الحديث أيضًا، وحَمَلَهُ على العَوَارِي.
ونظيرُه ما في الفِقْهِ: أن فرسًا لأحدٍ لو هَرَبَ إلى دار الحرب، ثم حيِزَ في الغنيمة، فإن أخذه مالكه قبل التقسيم يأخذه مجَّانًا، وإلا فيأخذه بالقيمة. فَدَلَّ على بقاء حقِّه بعد التقسيم أيضًا في الجملة، وإن لم يَبْقَ مِلْكُه، فانكشف أن حقَّ المِلْكِ قد يبقى بعد زوال المِلْكِ أيضًا. وهكذا فيما إذا أَفْلَسَ المشتري، ينقطع مِلْكُ البائع عن المبيع، ويبقى حقُّ المِلْكِ، ولذا يَجِبُ عليه دِيَانةً أن يَرُدَّه عليه خِفْيَةً. أمَّا في القضاء، فهو أسوةٌ للغُرَمَاء، لانقطاع المِلْكِ.
ثم اعلم أن الزيادةَ في المبيع إمَّا متَّصِلَةٌ، كصَبْغِ الثوب، أو مُنْفَصِلَةٌ. والمُنْفَصِلَةُ إمَّا مُتَوَلِّدَةٌ، أو غير مُتَوَلِّدَةٍ، وكلٌّ منها قبل القَبْضِ أو بعده. ومِصْدَاقُ الحديث: «الخراج بالضمان» الزيادةُ الغيرُ المُتَوَلِّدة. وهي فيما نحن فيه: مُتَوَلِّدَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، ولا رَدَّ فيها عندنا في عامة كُتُبِنَا. وفي «الوجيز»، و «التهذيب»، و «الحاوي»: إنه يَرُدُّه عند التراضي. قلتُ: فما في عامة الكُتُبِ حكم القضاء، وفي تلك حكم الدِّيَانَةِ، وقد نَظَمْتُهُ في بيتين:
*بِزِيَادَةِ المُنْفَصِل المُتَوَلِّد ... أو عَكْسِهِ، مُتَعَيِّبٌ لم يَرْدُد،
*ثم في «التهذيب»، و «الوجيز» و «الحـ ... ـاوي» الجواز بالتراضي يُحْمَل
وراجع التفصيلَ من «البحر». ومن ههنا أقول: إني لا أرضى بجواب الطحاويِّ، لأنه عارضٌ بحديثٍ عامَ، يمكن أن يُخَرَّج له وجوهٌ، ومحاملٌ. وحديثُ المُصَرَّاة حديثٌ خاصٌّ، فلا يُعَارِضُهُ. وإنما الطريق أن يُؤْتَى بمعارضٍ من هذا الباب الخاصِّ.
стр. 1514
ثم اعلم أن النهيَ عن التَّصَرِّي، والنهيَ عن تلقِّي الجَلَب وقع في حديثٍ واحدٍ، مع أن الفقهاءَ ذَهَبُوا إلى صحة البيع في صورة التلقِّي إذا لم يَضُرَّ أهل البلد. وههنا حرَّر ابن دقيق العيد: أن تخصيصَ العامِّ جائزٌ بالرأي ابتداءً إذا كان الوجهُ جَلِيًّا. وقال مولانا شيخُ الهند: إنه محمولٌ على الاستحباب (١).
ونقل في «شرح الإِحياء» (٢) حكايةً عن الشافعية: أنه جرى ذكر حديث المُصَرَّاة بين حنفيًّ، وشافعيًّ، فقال الحنفيُّ: إن أبا هُرَيْرَة لم يكن فقيهًا، فلم يَفْرُغ من مقالته، حتى وَثَبَتْ عليه حيةٌ، ففرَّ منها، فقال له رجلٌ منهم: تُبْ إلى الله، فتاب، فَتَرَكَتْهُ. قلتُ: ولا أصلَ لها عندي، وإنما تَفُوحُ منها رائحةُ التعصُّب.
٢١٤٨ - قوله: (بالخِيَار ثلاثًا)، ويُسْتَفَادُ منه: أن خِيَارَ الشرط في ذهن الشارع هو بثلاثة أيام فقط، كما قُلْنَا.
٦٦ - باب بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّانِي
وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا.
٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». أطرافه ٢١٥٣، ٢٢٣٣، ٢٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩ - تحفة ١٤٣١١
стр. 1515
وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا. قال الحنفيةُ: إن الزنا عيبٌ في الجارية دون العبد، للمعنى المقصود بهما، فَيَخُلُّ فيها دون الغلام، وإن كان شرًا في الآخر.
٢١٥٢ - قوله: (فَلْيَجْلِدْهَا)، أي يَبْلُغُ بها إلى الحاكم لِيَجْلِدَهَا، فإن الحدودَ إلى الحُكَّامِ.
قوله: (فَلْيَبِعْهَا)، لا يُقَال: إنه خِلافُ قوله ﷺ «يُحِبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه» لأنا نقول: إنه من باب: دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بعضَهم من بعضٍ، والمضرَّةُ غير لازمةٍ، لجواز تركها الفاحشة عند البائع الآخر، وجواز بيعه على تقدير عدم تركها.
٢١٥٣ و ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ «إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ لَا أَدْرِى بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ. حديث ٢١٥٣ أطرافه ٢١٥٢، ٢٢٣٣، ٢٢٣٤، ٢٥٥٥، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩ - تحفة ١٤١٠٧ حديث ٢١٥٤ أطرافه ٢٢٣٢، ٢٥٥٦، ٦٨٣٨ - تحفة ٣٧٥٦
٢١٥٣ - ٢١٥٤ - قوله: (ولم تُحْصِنْ)، أي لم تَتَزَوَّج، وراجع لحقيقة الإِحصان «المبسوط»، فإنه لم يُؤَدِّ أحدٌ حقَّه غيره. وليس له ترجمة في لسان الهند، غير أنه من ألفاظ التوقير، كما يُقَال في الهندية: (بيوى ميان).
فإن قلتَ: إنه لا فرق في الإِماء بين المتزوِّجة وغيرها، فما وجهُ التقييد به؟ قلتُ: إنما ذكره تَبَعًا للقرآن، فأصلُ البحث في القرآن. وترجمة الشاه عبد القادر (قيد مدين آثين). وهذا وإن كان أقرب من حقيقته اللُّغوية لكونه من الحِصْن، لكنه لا يُوَافى بما هو المراد منه عند الفقهاء. وقد ذكروا له تَفْسِيرَيْن: أحدهما في باب حدِّ القذف، والآخر في باب حدِّ الزنا. وإحصانُ الزاني فوق إحصان حدِّ القذف، وليراجع التفصيل من الفِقْهِ، ولكن المراد منه ههنا هو التزوُّج.
٦٧ - باب الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ
٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اشْتَرِى وَأَعْتِقِى، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ الْعَشِىِّ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ». أطرافه ٤٥٦، ١٤٩٣، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - تحفة ١٦٤٦٦
٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِى عَبَّادٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا، إِلَاّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قُلْتُ لِنَافِعٍ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا فَقَالَ مَا يُدْرِينِى أطرافه ٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩ - تحفة ٨٥١٦ - ٩٤/ ٣
стр. 1516
رُوِيَ عن مالك: أن المرأةَ لا تَمْلِكُ أن تتصرَّفَ في نفسها أيضًا إلا بإِذن زوجها، فيمكن أن يكون إشارةً إليه.
٢١٥٥ - قوله: (اشترِي وأَعْتقِي)، وفي بعض الألفاظ: «واشْترِطِي»، ففيه إشكالٌ. والجوابُ: أن معناه (١) دعيهم لَيَشْتَرِطُوا، كما هو في البخاري. وهذا أيضًا من معنى الأمر، وإن
стр. 1517
لم يَذْكُرْه أربابُ اللغة. وكان مهمًا، فإن الأمرَ قد يكون لإِبقاء الفِعْلِ أيضًا لا لإِنشائه، كما في قصة قراءة أسَيْد بن حُضَيْر - سورة الكهف: اقرأ يا ابن حُضَيْر، أي استمرَّ على قراءتها. وترجمته (رهتاره)، وأشار إليه ابن القيِّم في «بدائع الفوائد».
٢١٥٦ - قوله: (حُرًّا كان زَوْجُها أَوْ عَبْدًا)، والرواياتُ فيه مُضْطَرِبةٌ، فإن ثَبَتَ أنه كان حرًّا حين عُتِقَتْ بَرِيرَة، يكون حُجَّةً لنا في خِيَار العِتْقِ. وإن لم يَثْبُت، فلا يَضُرُّنا أيضًا، كما أنه لا تبقى حُجَّةٌ. وعلَّله صاحب «الهداية»: أن العِتْقَ مُسْتَلْزِمٌ لزيادة ثبوت المِلْكِ عليها، لأنها تَصِيرُ
стр. 1518
الآن مُغَلَّظةً بالثلاث، بخلافها قبله، فإن تَغْلِيظَها كان بالاثنين. واعْتَرَضَ عليه ابن حَزْم أنه كلامٌ خَالٍ عن التحصيل، لأنه إذا صارت بطلاقه مغلَّظةً، فلا فرقَ في أنها بالاثنين، أو الثلاث.
وعلَّله الطَّحَاويُّ بوجهٍ آخرَ، فقال: فنظرنا في ذلك فرأينا الأَمَةَ في حال رِقِّها، لمولاها أن يَعْقِدَ النكاحَ عليها للحرِّ، والعبد. ورأيناها بعد ما تُعْتَقُ ليس له أن يَسْتَأْنِفَ عليها عقدَ النكاح لحرًّ، ولا لعبدٍ. فاستوى حكمُ ما إلى المَوْلَى في العبيد والأحرار، وما ليس إليه في العبيد، والأحرار في ذلك. فلمَّا كان ذلك كذلك، ورأيناها إذا أُعْتِقَتْ بعد عقده مولاها نكاح العبد عليها، يكون لها الخيار في حل النكاح عليها. كان كذلك في الحر، إذا اعتقت يكونُ لها حلُّ نكاحه عنها قِيَاسًا، ونظرًا على ما بيَّنا من ذلك. اهـ.
وحاصلهُ: أن للمَوْلَى ولايتَه على أَمَتِهِ قبل عِتْقِهَا في نكاحها، حرًّا، أو عبدًا. فإذا أَعْتَقَهَا، لا تبقى له تلك الولاية، فلا يَمْلِكُ أن يَعْقِدَ عليها بُحرًّ أو عبدٍ إلا برضاها. فظهر أن لا فرقَ بين العبد والحرِّ في باب الإِنكاح في الحالين. فإِذا جاز له الإِنكاح، جاز من حرًّ وعبدٍ. وإذا لم يَجُزْ، لم يجز من حرًّ ولا عبدٍ. واتَّفَقُوا أن المَوْلَى إذا زوَّجها من عبدٍ حال رقها أن لها الخيار بعد عتقها. فالقياس يقتضي أن يكون الحال كذلك فيما إذا زوجها من حرًّ، لأنا لم نعلم فرقًا في جواز النكاح عليها من العبد والحرِّ، وعدمه بين رِقِّها وعِتْقِها. فإذا خُيِّرَتْ فيما إذا زوَّجها مولاها من عبدٍ، ينبغي أن تُخَيَّرَ فيما إذا زُوِّجَتْ من حرًّ، من غير فرقٍ.
٦٨ - باب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ». وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ.
٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ جَرِيرًا - رضى الله عنه - بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. أطرافه ٥٧، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤ - تحفة ٣٢٢٦
٢١٥٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. طرفاه ٢١٦٣، ٢٢٧٤ - تحفة ٥٧٠ ٦
٦٩ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ
٢١٥٩ - حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِىٍّ الْحَنَفِىُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. تحفة ٧٢٠٤
стр. 1519
واعلم أن الحديثَ كان مطلقًا، ثم إن المصنِّفَ خصَّصه، وجعل مورد النهي فيما إذا باع له بأجرٍ. فلنا أيضًا أن نُخَصِّصَ حديثَ المُصَرَّاة أيضًا، لكونه قرينةً.
٧٠ - باب لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ
وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِى، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ بِعْ لِى ثَوْبًا. وَهْىَ تَعْنِى الشِّرَاءَ.
٢١٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَبْتَاعُ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» أطرافه ٢١٤٠، ٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١ تحفة ١٣١٩٨
٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُعَاذٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه - نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. تحفة ١٤٥٤
والحديثُ لم يَرِدْ فيه، إلا بلفظ البيع، وترجم عليه المصنِّفُ بالشراء، والبيع معًا، وادَّعى أنه مُشْتَرَكٌ بينهما. فلعلّه اختار عمومَ المُشْتَرَكِ، كما نُسِبَ إلى الشافعيِّ. وقال الشيخ ابن الهُمَام: إن العمومَ لفظًا لا يُوجَدُ في اللغة. وقال ابن تَيْمِيَة: إنه لا يَجُوزُ، وما نُسِبَ إلى الشافعيِّ، فليس بصحيحٍ، لأنه لم يُرْوَ عنه، وإنما اسْتَنْبَطَهُ الناسُ من بعض مسائله، نحو: من أَوْصَى لمواليه، وله مَوَالٍ من أعلى، ومَوَالٍ من أسفل: أن الوصيةَ تكون لهما، فَزَعَم أنه ذهب إلى جواز الجمع بين معاني المُشْتَرَك. وليس كذلك، ولكن الوَلاء ربطٌ إضافيٌّ يتحقَّق بين الأعلى والأسفل، فأُريدَ به كلاهما على طريق الاشتراك المعنويِّ، فإن اللفظيَّ لا وجودَ له في اللغة. أمَّا ظاهرُ عبارة المصنَّف فَمُشْعِرَةٌ بالجواز، ويمكن أن يكونَ المصنِّف أيضًا أراد من البيع رَبْطًا مطلقًا بين البائع والمشتري.
وحينئذٍ، فحاصلُ الحديث عنده: النهي عن معاملة البيع، أي هذا الربط، سواء كان بيعًا أن أضفته إلى البائع، أو شراءً إن نَسَبْتَهُ إلى المشتري، فَيَصِيرُ إذن مُشْتَرَكًا معنويًا. قلتُ: إن الاشتراكَ لفظًا يُوجَدُ عند الشعراء، وإن أنكره الجمهور، وهم عدُّوه من المحسِّنات، كما يقول الجامي تَعْمِيةً لاسم «علي»:
* (جشم بكشازلف بشكن جان من ... بهر تسكين دل بريان من)
وحلُّه: أن الجملةَ الأولى معناها في العربية: افتح العين، وفتح العين: إمَّا بفتح العين، أي آلة النظر، أو بفتح لفظ العين. والجملة الثانية: اكسر الشَّعْرَ الذي فيه تَثَنًّ كالَّلام، وهو أيضًا بنحوين: إمَّا بإِصلاحه، أو بتكسير اللام. وكذا التسكين معناه: الاطمئنان، أو تسكين الياء التي وقعت وسط لفظ «بريان»: محل القلب من الإِنسان. ويَحْصُلُ منه اسم «علي»، فإنه بفتح العين، وكسر اللام، وتسكين الياء، وقد أراد الشاعرُ معنى اللفظ، ومنه حَصَلَتِ التعمية.
٧٢ - باب مُنْتَهَى (١) التَّلَقِّى
٢١٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِى مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِىُّ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا فِى أَعْلَى السُّوقِ، يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ. أطرافه ٢١٢٣، ٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٧، ٦٨٥٢ - تحفة ٧٦٢٢
٢١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِى أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِى مَكَانِهِمْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ فِى مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. أطرافه ٢١٢٣، ٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٦٨٥٢ - تحفة ٨١٥٤
يعني إلى أين يَنْسَحِبُ النهي عن التلقِّي، فإنه لا بُدَّ للشراء من الخروج، وقد نُهِينَا عن التلقِّي، فكيف بأمر الشراء والتجارات.
٢١٦٧ - قوله: (كانوا يَبْتَاعُون الطعامَ في أعلى السُّوقِ، فَيَبِيعُونُه في مكانهم، فنهاهم رسولُ الله ﷺ أن يَبِيعُوه في مكانه حتى يَنْقُلُوه)، اهـ، فدَلَّ على أن التلقِّي إلى أعلى السوق، وخارج البلد هو المنهيُّ عنه لا غير. ثم إن هذا صريحٌ في أن أمرَه بالنقل كان تَعْزِيرًا لهم، لأنهم كانوا يتلقُّون الرُّكْبَان لا على بيعهم بالمُجَازَفَةِ. وإذن لا يكون النقلُ في الحديث، لأنه شرطٌ لا يجوز البيعُ بدونه، بل لأنهم إذا تلقُّوا الرُّكْبَان عزَّرهم، بأن لا يَشْتَرُوا منهم شيئًا حتى يُهْبَطَ به إلى السوق. فافهم، وتشَكَّر، فإنه سهلٌ ممتنعٌ، قد خَفِي على الناس مع ظهوره.
٧٣ - باب إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا فِى الْبَيْعِ لَا تَحِلُّ
٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ جَاءَتْنِى بَرِيرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِى عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِى كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِى. فَقُلْتُ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِى فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ إِنِّى قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، إِلَاّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِىُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِى لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». أطرافه ٤٥٦، ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - تحفة
٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
стр. 1522
- رضى الله عنهما - أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». أطرافه ٢١٥٦، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩ - تحفة ٨٣٣٤
واعلم أن البيوعَ تَفْسُدُ بالشروط الفاسدة، بخلاف النكاح، فإنه تَفْسُد فيه الشروطُ الفاسدة أنفسها، ويَصِحُّ النكاح. وذلك لأن مبنى البيوع على المُمَاكَسَة، ومبنى النكاح على المُسَامَحة. وذكر الفقهاء أن الشروطَ الفاسدةَ هي التي يكون فيها نَفْعٌ لأحد المُتَعاقِدَيْن، أو المبيع نفسه، ولا يَقْتَضِيهِ العقدُ، ويكون المبيعُ من أهل الاستحقاق. وقال أحمد بالفرق بين الشرط، والشرطين، فلم يَرَ الواحدَ منها مُفْسِدًا، وأما إذا كانت اثنين فَصَاعِدًا، فإنها تُفْسِدُ عنده. وتُفْسِدُ عندنامظلقًا من غير فرقٍ، لأن رسول الله ﷺ نهى عن بيعٍ وشرط. ونظر أحمد إلى قوله ﷺ في حديث: «الشَّرْطَان في بيعٍ»، فجعل العدد مُحِطًّا للفائدة.
حكى ابن حَزْم في «المحلى» (١): أن أبا حنيفة، وابن أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمة اجتمعوا مرْةً في مسجد بالكوفة. فسأل سائلٌ أبا حنيفة عمَّن باع، وشرط شرطًا، فأجابه أن البيعَ والشرطَ فاسدان، وتمسَّك بأنه ﷺ نهى عن بيعٍ وشرطٍ. ثم سُئِلَ ابن أبي لَيْلَى، فقال: إن البيعَ، والشرطَ كلاهما صحيحٌ، تمسُّكًا من قصة ليلة البعير، حيث باع جابر إبله، وشرط الظَّهْرَ إلى المدينة. وأجاب آخر: إن البيعَ صحيحٌ، والشرط باطلٌ لقصة بريرة وعائشة في أعتاقها قلت: والصواب ما أجاب به إما منا إن شار الله تعالى، لأن ما تمسَّكا به قصتان جزئيتان، فلا تَصْلُحَان لنقض ضابطةٍ وردت في الباب خاصةً، وهو قوله: «نهى عن بيعٍ وشرطٍ»، مع كونها صريحةً منكشفةَ الحالِ. بخلاف ما تمسَّكا به، فإن قصة جابر لم يكن فيه بيعٌ بعد التحقيق، بل أراد منه النبيُّ ﷺ إعانته لا غير. وأمَّا قصة شراء عائشة، فأيضًا سَيَرِدُ عليك حالها، وقد عَلِمْتَ فيه بعضَ شيءٍ.
٧٤ - باب بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ
٢١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ سَمِعَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَاّ هَاءَ وَهَاءَ». طرفاه ٢١٣٤، ٢١٧٤ - تحفة ١٠٦٣٠
وقد مرّ أنه يُشْتَرَطُ فيه كون المبيعُ موجودًا، سواء كان في بيته، أو في مَجْلِس العقد، دون
стр. 1523
القبض بالبَرَاجم، فإن ذلك في الصَّرْف. وفَهِمَ الناسُ أن معنى الدَّيْن عدم كونه موجودًا في مَجْلِسِ العقد، وإن كان موجودًا في الخارج.
والحاصلُ: أن الشرطَ في الأموال الرِّبَوِيَّة التعيينُ من الجانبين، وهو المراد من قوله: «هاءَ، وهَاءَ»، لِمَا عند مسلم في حديث عُبَادة: «عينًا بعين»، بدل: «هاء، وهَاءَ». وإنما يُشْتَرَطُ التَّقَابُض في بيع الصَّرْف، لأن الأثمان لا تتعيَّن بالتعيُّن، فلا بُدَّ له من القبض، بخلاف العروض. وقد ورقع ههنا سَهْوٌ من بعض مُحَشِّي «الهداية»، فاختلط عليه باب السَّلَم من باب الربا، فإنهم قالوا في السَّلَم: إنه لا يَصِحُّ إلا في أربعة أشياء: مَكِيلٍ، ومَوْزُونٍ، ومَذْرُوعٍ، وعدديًّ مُتَقَارِبٍ. ثم قالوا: إن الرِّبا يَحْرُم في كلِّ مكيلٍ، أو موزونٍ. فالْتَبَسَ عليه الأمر، فجعل السَّلَم في الأموال الرِّبَوِيَّة فقط، وهو غلطٌ فاحشٌ، فإن الرِّبا لا يجري في المَذْرُوعَات والعدديات، بخلاف السَّلَم. ثم المفهوم من كلام المتأخِّرين جواز السَّلَم في غير الأربعة المذكورة أيضًا، فإن الاستصناعَ أيضًا بيعُ معدومٌ. وإن لم يسمُّوه سَلَمًا، فاعلمه.
٧٥ - باب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ
قوله: (الطَّعَام بالطَّعَام)، وإنما زَادَه بعد ذِكْرِ الزَّبيب، لأن له أحكامًا على حِدَة عند الشافعية، بخلافه عند الحنفية. فإنهم وإن ذكروا للمَكِيل والمَوْزُون أحكامًا، لكن ليس عندهم لنوع الطعام بخصوصه أحكام.
٢١٧١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلًا. أطرافه ٢١٧٢، ٢١٨٥، ٢٢٠٥ - تحفة ٨٣٦٠
٢١٧١ - قوله: (نهى عن المُزَابَنَةِ)، وهي المُخَادعة لغةً. وفي العُرْف: بيعُ الثمر على النخيل بتمرٍ مَجْذُوذٍ. ولا بُدَّ في التمر أن يكون مَكِيلا، أمَّا ما على الشجرة، فيكون مَخْرُوصًا، لا مَحَالة، وهو معنى قوله: «أن يَبِيعَ التمر بكيلٍ»، أي بشرط كيلٍ، لا أنه ثمن.
٢١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ قَالَ وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ، إِنْ زَادَ فَلِى وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَىَّ. أطرافه ٢١٧١، ٢١٨٥، ٢٢٠٥ - تحفة ٧٥٢٢
٢١٧٢ - قوله: (إن زاد فَلِي (١) وإن نَقَصَ فَعَليَّ)، أي إن زاد فيكون مِلْكًا لي، وإن نَقَصَ
الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَاّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَاّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» طرفاه ٢١٧٦، ٢١٧٨ - تحفة ٤٣٨٥
٧٩ - باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسْأً
٢١٧٨، ٢١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - يَقُولُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ قَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّى، وَلَكِنَّنِى أَخْبَرَنِى أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَا رِبًا إِلَاّ فِى النَّسِيئَةِ».طرفاه ٢١٧٦، ٢١٧٧ - تحفة ٤٠٣٠ - ٩٨/ ٣
واعلم أن رِبَا الفَضْل كان جائزًا عند ابن عباس، تمسُّكًا بقوله ﷺ لا رِبَا إلا في النَّسِيئة»، فلما لَقِيَه أبو سعيد، وأخبره عن حُرْمتِهِ رَجَعَ عنه. وأمَّا شرحُ الحديث المرفوع: فأحدها ما ذكره الراوي، والثاني: أن نفيَه من غيره على معنى تنزيل (١) الناقص منزلة المعدوم. فإن رِبَا الفضل
стр. 1526
وإن كان ربًا وحرامًا، لكنه يَقْتَصِرُ على تلك المعاملة، ثم ينتهي، فمضرَّته أهون. بخلاف رِبَا النَّسِيئة، فإنه يجري، ثم يُضَاعف أضعافًا مضاعفةً، فمضرَّته أشدُّ وأَلْزَمُ، وهو الذي يَذَرُ البلاد بلاقع، فكأنه الفرد الكامل منه. والأليقُ بأن يسمَّى ربا، على أنا لم نَرَ أحدًا يَبِيعُ الفضة بالفضة، والذهب بالذهب بزيادةٍ، فلا يتحقَّق فيه ربا الفضل، وإنما يُعْرَفُ فيه من ربا النَّسِيئَة. نحو: أن لا يكونَ عند رجلٍ فضةٌ، وهو يحتاج إلى شراء الفضة والذهب، فيذهب ويشتريه نَسِيئَةً، فهذا هو الربا الذي يجري فيما بين الناس، ولذا خصَّه بالذكر. وهذا التوجيه أَوْلَى مما ذكره الراوي.
والحاصلُ: أن في قوله: «لا ربا إلا في النسيئة»، وإن كان عمومًا، لكنه عموم غير مقصود، والمراد ما قلنا إن شاء الله تعالى.
واعلم أن الغزالي تكلَّم في حُرْمة النَّسِيئَة في النقدين، ولعلَّ في باب الحلال والحرام؛ وقال: إن الأثمانَ كانت كالمعاني الحرفية، لا تُرَادُ لذواتها، فهي آلةٌ للغير، وليست كالاسم، والفعل. وفي ذيله شرح قول النحاة في تعريفها «معنى في نفسه» و «معنى في غيره». فليراجعه، فإنه أجاد فيه، وذكر ما لم يَذْكُرْ النحاة. وملخَّصُه: أن المرادَ من المعنى هو الغرضُ، والغرضُ يكون في نفس الاسم والفعل، بخلاف الحرف، فإنه آلةٌ فقط، ولا غرضَ منه غير الآلية. فالذي فيه الغرضُ هو الاسم والفعل، بخلاف الحرف، فإن الغرضَ منه أيضًا لا يَظْهَرُ إلا في الاسم. وهذا معنى قولهم: إن الحرف، يَدُلُّ على معنىً في غيره، بخلاف أَخَوَيْهِ، فإنهما يَدُلان على معنىً في أنفسهما، لا في غيرهما.
والحاصلُ: أن الأثمانَ كانت كالحروف، أعني الغرض منها يكون في الغير، وهو العروض، فإذا ربى فيها الناس، وأَرْبَى، فقد جعلوها عروضًا، مع كونها أثمانًا، فحرَّفوا طباعها (١).
стр. 1527
فائدة: واعلم أن (الزيوف) معناه (كهتيا) أي الناقص قيمة، و (البنهرجية) معناه (كهوتا) أي المَغْشُوش، وقد الْتَبَسَ على بعضهم، فَيُتَرْجِمُون الزيوف بمعنى البنهرجية، مع أنه غلطٌ، فاعلمه.
ثم اعلم أن لفظَ البيع صار عُرْفًا عامًّا في مُبَادَلَةِ المال بالمال مطلقًا، سواء تحقَّق بصورة البيع الشرعيِّ، أم لا. وعلى هذا، فليس النهيُ في قوله: «لا تَبِيعُوا الذهبَ بالذهب» عن البيع خاصةً، بل عن مطلق المُبَادلة، سواء تحقَّق بطريق الإِيجاب والقَبُول المعتبران في البيع أو غيره. فالحديثُ وَرَدَ على الحرف، والنهي عن مطلق المُبَادلة. فطاح ما شَغَبَ به عبد اللطيف في «رسالته»: إن المنهيَّ عنه في الحديث هو البيعُ، ولا بيعَ في الرِّبا المعروف في زماننا، فينبغي أن يكونَ جائزًا، وذلك لأنه لم يَقْدُم على فَهْم المراد. أَلا ترى أنه لا إيجابَ، ولا قَبُولَ في باب التعاطي، لكنه إذا كَتَبَ به يَكْتُبُ أن فلانًا باع بكذا، أو فلانًا اشترى منه بكذا، بصورة الإِيجاب والقَبُول، مع انتفائهما في الخارج. وهذا الذي مشى عليه الحديث، فإنه حَكَى عن المُبَادلة في الخارج بلفظ البيع، كالشراء والبيع في صورة التعاطي، فأهل العُرْف لا يعبِّرون عن المُبَادة إلا بالبيع. فالمذكورُ هو هذا، والمقصودُ ذلك، فاعلمه.
٨٠ - باب بَيْعِ الْوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً
٢١٨٠ و ٢١٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى حَبِيبُ بْنُ أَبِى ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ قَالَ سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ - رضى الله عنهم - عَنِ الصَّرْفِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ هَذَا خَيْرٌ مِنِّى. فَكِلَاهُمَا يَقُولُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا. حديث ٢١٨٠ أطرافه ٢٠٦٠، ٢٤٩٧، ٣٩٣٩ - تحفة ١٧٨٨ حديث ٢١٨١ أطرافه ٢٠٦١، ٢٤٩٨، ٣٩٤٠ - تحفة ٣٦٧٥
٨١ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ
٢١٨٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَاّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا. طرفه ٢١٧٥ - تحفة ١١٦ ٨١
٨٢ - باب بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَهْىَ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا
قَالَ أَنَسٌ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.
والمُحَاقلة في الحبوب كالمُزَابنة في التمر.
٢١٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا
стр. 1528
تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ» أطرافه ١٤٨٦، ٢١٩٤، ٢١٩٩، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩ - تحفة ٦٨٨١
٢١٨٣ - قوله: (لا تَبِيعُوا التمرَ حتى يَبْدُو صَلاحُهُ) ... إلخ، وسيجيء الكلامُ فيه.
٢١٨٤ - قَالَ سَالِمٌ وَأَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِى بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِى غَيْرِهِ. أطرافه ٢١٧٣، ٢١٨٨، ٢١٩٢، ٢٣٨٠ - تحفة ٣٧٢٣
٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً. أطرافه ٢١٧١، ٢١٧٢، ٢٢٠٥ - تحفة ٨٣٦٠ - ٩٩/ ٣
٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِى أَحْمَدَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِى رُءُوسِ النَّخْلِ. تحفة ٤٤١٨
٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ. تحفة ٦١٠١
٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضى الله عنهم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا. أطرافه ٢١٧٣، ٢١٨٤، ٢١٩٢، ٢٣٨٠ - تحفة ٣٧٢٣
٢١٨٤ - قوله: (رَخَّصَ بعد ذلك في بيع العَرِيَّة بالرُّطَبِ، أو بالتَّمْرِ) ... إلخ. والظاهرَ أنه لا فائدةَ في بيع الرُّطَب بالرُّطَب، لأنه إذا كان عنده رُطَبٌ، فقد استغنى عن بيع العَرِيَّة، فإنه لأجل احتياجه إلى الرُّطَب، وهي عنده من قبل. نعم إذا كان بالتمر، ففيه تَحْصِيلٌ للمرغوب. فليسأل الشافعيةَ أنهم هل يجوِّزُون العَرِيَّة في الرُّطَب والأنواع كلِّها، فإن قالوا به، فذاك. وإلا فلفظُ الراوي بالرُّطَب، إمَّا لغوٌ، أو حَشْوٌ.
واعلم أن الأحاديثَ في باب العَرَايا على عدة أنحاء: الأول، كما مرَّ في باب بيع الزبيب بالزبيب قال: «أن يَبِيعَ التْمر بكَيْلٍ: إن زَادَ، فلي، وإن نَقَصَ فعليَّ». والظاهر أن قوله: «إن زاد فلي» ... إلخ، فيه من مقولة البائع، دون المشتري. وهذا التفسير لا يَرِدُ علينا أصلا، لأنه لا ذِكْرَ فيه للعِوَض، هل هو من جنس النقدين أو غيره؟ فإن كان النقدين، فذا جائزٌ عندنا وعند غيرنا، فإنه لا بأس بشراء الرُّطَب، أو التمر بالنقدين، كَيْلا كان، أو جِزَافًا. نعم يحتاج هذا التفسير إلى تنقيرٍ في علَّة النهي ما هي.
والثاني: ما عن ابن عمر من طريق سالم: «رخَّص بعد ذلك في بيع العَرِيَّة بالرُّطَب، أو بالتمر ... إلخ، وهذا هو المشهور فيما بينهم. والثالث: ما في آخر الباب: «رخَّص لصاحب العَرِيَّة أن يَبِيعَها بِخَرْصها»، اهـ. ولا ذِكْرَ فيه للعِوَض، فيجوز أن يكونَ العِوَضُ النقدين، فلا يُخَالِفُنَا أيضًا. والرابع: ما ذكره في الحديث الأول من الباب الآتي، ففيه استثناءٌ العَرَايا من
стр. 1529
البيوع المَنْهِيَّة، وليس فيه تفسيرٌ للعَرَايا، مع إبهام الحكم أيضًا.
ثم اعلم أنهم اخْتَلَفُوا في المُسْتَثْنَى، هل فيه حكمٌ، أو لا؟ والسِّرُّ فيه أن الحكم يكون فيه بينهما، فَذَهَبَ بعضٌ إلى الإِثبات، وبعضٌ آخر إلى النفي. قال الشيخُ ابن الهُمَام: إن الحُكْمَ فيه في مرتبة الإِشارة. وقال صدرُ الشريعة: بل يكون مَنْطُوقًا، وإن لم يكن مَسُوقًا له. أما إن الإِشارةَ هل تكون منطوقًا، أو لا؟ فذلك اختلافٌ آخرَ بين الشيخ، وصدر الشريعة. كيفما كان، لكن الشيخ أَثْبَتَ فيه الحكم في مرتبة الإِشارة.
والخامس: ما في الحديث الثاني من الباب الآتي، وفيه: «رخَّص في بيع العَرَايا»، بدون حرف الاستثناء، وبدون ذكر العِوَض أيضًا، فهذه خمسةُ أنواعٍ، ولم يَخْرُجْ منها تفسيرٌ يُخَالِفُنَا، إلا ما في حديث سالم عن ابن عمر.
٨٣ - باب بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
٢١٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ - رضى الله عنه - قَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَىْءٌ مِنْهُ إِلَاّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَاّ الْعَرَايَا. أطرافه ١٤٨٧، ٢١٩٦، ٢٣٨١ - تحفة ٢٨٠١، ٢٤٥٤، ٢٤٥٢
٢١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ عَنْ أَبِى سُفْيَانَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا فِى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَالَ نَعَمْ. طرفه ٢٣٨٢ - تحفة ١٤٩٤٣
٢١٩١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ بُشَيْرًا قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِى حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِى الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَاّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِى الْعَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. قَالَ هُوَ سَوَاءٌ. قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِيَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ فِى بَيْعِ الْعَرَايَا. فَقَالَ وَمَا يُدْرِى أَهْلَ مَكَّةَ قُلْتُ إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ. فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ وَلَيْسَ فِيهِ نَهْىٌ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ قَالَ لَا. طرفه ٢٣٨٤ - تحفة ٤٦٤٦
٢١٩١ - قوله: (ورخَّص في العَرِيَّة أن تُبَاع بِخَرْصِهَا، يأَكُلُها أهلها رُطَبًا) ... إلخ، والباء فيه للتصوير عندنا. أمَّا قولُه: يأكلها فبيانٌ للغرض، ولا ذِكْرَ فيه للعِوَض أيضًا. ولكن الشافعيةَ يَحْمِلُون المواضعَ كلَّها على أن العِوَضَ فيها هو التمر.
قوله: (فَقُلْتُ لِيَحْيَى) ... إلخ. وحاصلُه: الفرق بين رواية أهل مكة، وجابر من أهل المدينة في إفراد لفظ العَرِيَّة، وجمعه، فأهل مكة يَذْكُرُونها مفردًا، وأهل المدينة جمعًا.
стр. 1530
٨٤ - بابُ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا
وَقَالَ مَالِكٌ الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِىَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ الْعَرِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَاّ بِالْكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالْجِزَافِ. وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِى حَثْمَةَ بِالأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِى حَدِيثِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - كَانَتِ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِىَ الرَّجُلُ فِى مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ. وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنَ التَّمْرِ. تحفة ٨٤١٠
٢١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضى الله عنهم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِى الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَالْعَرَايَا نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا. أطرافه ٢١٧٣، ٢١٨٤، ٢١٨٨، ٢٣٨٠ - تحفة ٣٧٢٣ - ١٠٠/ ٣
واعلم أن معاملات العرب بالعَرَايا كانت على عِدَّة أوجه، ذكرها الحافظُ في «الفتح»، وثلاثٌ منها مختاراتٌ للأئمة أيضًا. فعند الإِمام الأعظم العَرِيَّةُ: اسم لعطية ثمرة النخل على عادة العرب، فإن أهل النخل منهم كانوا يَتَطوَّعُون على من لا ثمرَ له في الموسم، ثم إذا كانوا يتأذُّون من دخول المُعْرَى له عليهم يَعْطُونَهم تمرًا آخر مكانه، ليُخَلِّي ثماره للمُعْرِي خاصةً.
وأما عند مالك، فعنه تفسيران: أحدهما: ما عن الإِمام الأعظم بعينه، إلا أنه خالفه في تخريجه، وجعل المُبَادلَة المذكورةَ بيعًا، واعتبره إمامُنا هِبَةً. ثم إن المُعَامَلَةَ المذكورةَ تَقْتَصِرُ عنده بين المُعْرِي والمُعْرَى له، ولا تجري بين غيرهما. وثانيهما: ما في «موطئه»، وهو أن تكون لرجلٍ عدَّةُ نخلٍ في حديقةِ رجلٍ، فتحرَّج صاحبُ البستان في دخوله في الموسم، واصطلح أن يبيع ثمرة نخيله منه بكذا من التمر، لتخلص له ثمرة البستان كلِّه. وحاصلُه: أن العَرِيَّةَ بيعٌ عنده على التفسيرين.
وقال الشافعيُّ: إن الناس كانوا فقراء، ليست عندهم دَرَاهِمَ ولا دنانير، فإذا جاء الموسمُ شَكُوا إلى النبيِّ ﷺ مما رابهم. فلمَّا رأى النبيُّ ﷺ اشتياقَهم إلى الرُّطَب، ولا ثمنَ عندهم لِيَشْتَروا به، أباح لهم أن يَشْتَرُوا الرُّطَبَ بالتمر، ولما كانت الحاجةُ تندفع بخمسة أَوْسُق خصَّصه بها. ولذا قال الشافعيةُ: إن العَرِيَّةَ لا تجوز إلا في هذا المقدار، أو أقل. ولا تجوز فيما زاد على ذلك، إلا أن تكونَ بصفقاتٍ. فإذا كانت بصفقاتٍ، فتَجُوزُ عندهم، ولو في ألوفٍ من الأَوْسَاقِ. ثم إنهم يَشْتَرِطُوا الكَيْلَ في التمر، والخَرْصَ في الثمر. وذلك لأن الكَيْلَ إذا فَاتَ عنهم في الثمر، لكونه على رؤوس الأشجار، عَدَلُوا إلى الخَرْصِ، ليَقْرُبَ إلى الواقع شيئًا، ولا يبقى جِزَافًا مَحْضًا. لأن التمرَ بالرُّطَب مُزَابنةٌ عندهم، وهي حرامٌ بالنصِّ. وإنما أَبَاحَها الشرعُ لهم في خمسة أَوْسُقٍ خاصةً، فضيَّقُوا فيه. ثم إن هذه المعاملة في هذا المقدار تجري بين كل
стр. 1531
رجلين، ولا اختصاصَ لها بالمُعْرِي والمُعْرَى له، كما هو عند مالك. هذا هو تفصيل المذاهب، وتفسير العَرَايا.
أما الترجيحُ لمذهبنا، فمن أوجهٍ: الأول: أنه اتفق أهلُ اللغة كافةً، على أن العَرِيَّةَ من العَارِيَّةِ: اسم لهبة ثمار النخيل. وَوَافَقَنَا عليه صاحب: «القاموس» أيضًا، مع كونه شافعيًا متعصِّبًا، فإنه يُرَاعي مذهبه في بيان اللغة أيضًا. نعم هو مُعْتقِدٌ لأبي حنيفة أيضًا، وقد كان بعضُ أهل زمانه كَتَبَ رسالةً في مثالب أبي حنيفة، ونَسَبَها إليه. فلمَّا بلغ أمرها إليه، تبرَّأ منه، وقال: إنها افتراءٌ عليّ، وأنا أخضع دون جلالة قدره، وأمر بحرقها. والأسفُ كل الأسف على أن داهيةَ التعصُّب قد أَلَمَّت في باب الجرح والتعديل أيضًا، فَيُسَامِحُون عمَّن وافقهم في المذهب، ويُمَاكِسُون فيمن خالفهم. كالذهبيِّ، فإنه يُرَاعي الحنبلية، ولا يَغْفِرُ للأشعرية. وأمَّا الحافظُ، فإنه لا يُغْمِضُ عن الحنفية، وكأنها عنده ذنبٌ ليس فوقها ذنبٌ.
وبعد، فإنهم لمعذورون، لأنه من يسمع يُخِلُّ، فإذا لم يَبْلُغْهُمْ من الحنفية إلا أنهم أصحاب بَدِعةٍ وقياسٍ، وأُشْرِبَ به قلوبهم، لم يتكلَّموا إلا ما ناسب بما أُخْبِرُوا به، ولم يتحمَّلوه إلا ما حمِّلَ إليهم. ولكن من جرَّب الحال منهم، وحقَّق الأمر، فحاشاه أن يُطِيلَ لسانه في شأنهم. وكفاك محمد، وأبو يوسف من تلامذته. فأمَّا محمد، فهو الذي تخرَّج عليه الشافعيُّ، وقال فيه: إنه كان يَمْلأُ العينَ والقلبَ. وكان إذا تكلَّم فكأنما نَزَلَ الوحيُ. وأمَّا أبو يوسف، فأمرُه معروفٌ، وقد قدَّمنا بعض الكلام في أوائل كتاب العلم.
وبالجملة: إن انتهى الأمرُ إلى اللغة، فهي للحنفية خاصةً، وليس لغيرهم فيها حَظٌّ. وراجع ما عندهم من أنواع الهِبَةُ، فإنهم سَمُّوا هِبَةَ الحيوان الحلوب: منحةً، وهِبَة الثمار: عَرِيَّةً، إلى غير ذلك. وقد نقل الطحاويُّ بيتًا عن شعرائهم يَمْدَحُ الأنصار، يَدُلُّ على كونها هِبَةً، وفي النسخة سقط من الكاتب، وأنقله بعد التصحيح:
*وليست بسَنْهَاءَ ولا رَجَبِيَّةٍ ... ولكن عَرَايا في السنين الجوائح
يقول: إن أشجارَهم ليست بسنهاء التي تُثْمِرُ في سنةٍ مرةً، وليست مما تُلْقَى حولها الشِّيَاك أيضًا، ولكنها عَرَايا تُوهَبُ للمساكين عند حاجتهم، فكأنه عنى بها التصدُّق، والهِبة. ولو كانت العَرِيَّةُ بيعًا، لم يكن فيها مدحٌ لهم.
ولنا أيضًا أثرُ زيد بن ثابت، أخرجع الطحاويُّ، قال: «رخَّص في العَرَايا في النخلة، والنخلتين تُوهَبَان للرجل، فيبيعها يَخْرِصَها تمرًا»، فأَخْبَرَ بأن العَرِيَّة هِبَةٌ. وزيدُ بن ثابتٍ، وما زيد بن ثابت هو مدنيٌّ، ومن أصحاب النخيل، وهو أعلم بالعَرَايا، لأن صاحبَ البيت أَدْرَى بما فيه. أمَّا غيرُه ممن ليسوا بأصحاب النخيل، كابن عمر، فإنهم لا يُوَازُونَه في هذا الباب. ولا أُنْكِرُ تفاسيرهم، فإنها كلَّها مَرْوِيَّةٌ عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
أمَّا المرفوعَ فلا مَزِيَّةَ فيه لأحدهما على الآخر، فقد عَلِمْتَ أن الباء في قوله ﷺ «بمثل خَرْصِها» للتصوير عندنا، وللعِوَض عندهم. فقالوا: معناه العَرَايا هي بيعُ التمر عوض الرُّطَب المَخْروصَةِ بمثلها. وقلنا: معناه هو البيعُ، بأن يَخْرُص الرُّطَب، فيبيعها خَرْصًا. أمَّا العِوَض،
стр. 1532
فلم يُذْكَر في الحديث، فإن كان نقدًا، فلا خلافَ فيه لأحدٍ. وعند الترمذيِّ في حديث العَرِيَّة: «ونهى عن بيع كل ثمرٍ بِخَرْصِها»، مع أنه لو كان بالدينار والدراهم، جاز إجماعًا. فالنهيُ فيه للشَّفعقَةِ بالاتفاق، فلم يَخْلُصْ الحديثُ لأحدٍ، وتُوزَنا فيه وزنَ المثقال.
ونقول أيضًا: إن التمرَ والرُّطَبَ من الأموال الزَّبَوِيَّة، ويُنَاسِبُ فيها الإِطلاق، فَقُلْنا بالحرمة مطلقًا، ولم نُجِرْ فيها التخصيص. وعلى هذا، فأحاديثُ النهي عن المُزَابنة على عمومها عندنا، بلا تخصيصٍ، والاستثناءُ فيها منقطعٌ، لعدم دخول العَرَايا في المُسْتَثْنَى منه. ويَلْزَمُ على الشافعية مخالفةُ اللغة، ومخالفةُ ما عند شعرائهم فيه، ومخالفةُ أعلم رجلٍ في هذا الموضوغ، وإجراءُ التخصيص في الأموال الرِّبوية.
فإن قلتَ: يَرِدُ عليكم استثناء العَرَايا من البيع، فإن ظاهرَه كونها بيعًا، وثانيًا الرجوع في الهِبَة، وثالثًا لا معنى لتخصيص خمسة أَوْسُق على مذهبكم، فإن هِبَةَ الخمسة والرجوعَ عنها، كهبة ألف أَوْسُقٍ، والرجوعِ عنها. قلتُ: أمَّا ما قُلْتَ من استثناء العَرَايَا من البيع، فقد سَمِعْتَ آنفًا أنه استثناءٌ منقطعٌ عندنا، ونزيدك إيضاحًا، فنقول: إن العَرِيَّةَ على مذهب الحنفية استردادٌ للهبة الأولى، واستئنافٌ في الِبَة الثانية. ولكنه تخريجٌ ونظرٌ، وليس في الظاهر إلا استبدال الرُّطَب بالتمر، ولا رَيْبَ أنه بيع حِسًّا، وإن عبَّرناه استردادًا، واستئنافًا على الأصل. وحينئذٍ لا بِدَعَ في كونها مستثناةً من البيع، ولا حَجْر في التغبيرات والعبارات، فإنها تأتي في مبنيةً على الحسِّ. وقد نبَّهناك مِرَارًا أنه ليس على الرُّواة إخراج العبارات كاشفةً عن تخريج المسائل أيضًا. وإنما هم بصدد النقل المجرَّد، فَيُخَرِّجُون عباراتهم على ما سَنَحَ لهم في ذلك الحال. وعلى هذا فالأشجار بعد العَرِيَّة إذا نُسِبَتْ إلى المَعْرَى له، كأنها مِلْكُهُ، ثم ردَّها المُعْرَى له إلى المالك، بعوضٍ من التمر، كأنه يبيعها منه، صارت صورتُها صورةَ البيع فطعًا، سواء سمَّيته استردادًا، أو هِبةً، أو ما بدا لك. فإن الراوي لا بحثَ له من أن تخاريجك فيه ماذا.
ومن ههنا انحلت عُقْدةٌ أخرى في حديث جابر عند البخاري، قال جابر، في بيان صفة صلاته ﷺ في الخوف: «كان للنبيِّ ﷺ أربعٌ، وللقوم ركعتان». اهـ. وهذا لا يَصِحُّ على مذهب الحنفية، وحَمْلُه على حال الإِقامة باطلٌ، كما ذكرناه في تقرير الترمذي. وجواب الطحاويِّ نافذٌ. والجواب على ما ظَهَرَ لي: أن النبيَّ ﷺ صلاها في ذات الرِّقَاع على الصفة المختارة عند الشافعية، فصلَّى بطائفةٍ ركعةً، ثم ثَبَتَ قائمًا حتى أَتَمُّوا لأنفسهم، وجاءت الأخرى، فصلَّى بهم كذلك، فاعتبر الراوي ركعته ﷺ ركعةً، ومُكْثَةُ بقدر ما أَتَمُّوا لأنفسهم ركعةً أخرى، فعبَّر عنه بالركعتين. وكانت الركعتان في الحقيقة لمن خلفه ﷺ وإنما نَسَبَهُمَا إليه أيضًا لتأخيره بتلك المدَّة، ومُكْثِهِ فيها، فإذا تضمَّنت ركعته ﷺ ركعتيهم، تضمَّنت ركعتاه لأربعهم لا مَحَالة. وهذا وإن كان يرى تأويلا في بادىء النظر، لكنه مُؤَيَّدٌ بما يُرْوَى عن جابر في عين تلك القصة.
فقد أخرج البخاريُّ: عن صالح بن خَوَّات، عمن شَهِدَ مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرِّقَاع صلاةَ الخوف: «أن طائفةً صفَّت معه، وطائفةً وِجَاه العدو، فصلَّى بالتي معه ركعةً، ثم ثَبَتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم. ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجَاه العدو. وجاءت الطائفةُ الأخرى، فصلَّى بهم
стр. 1533
الركعةَ التي بقيت من صلاته، ثم ثَبَتَ جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم». اهـ.
فهذا صريحٌ في أن القومَ فَرَغُوا بعد ركعتين ركعتين، وأمَّا النبيُ ﷺ فلم يَفْرُغ عن صلاته حتى فَرَغُوا جميعًا. فكانت لهم ركعتان ركعتان، وكانت للنبيِّ ﷺ أيضًا ركعتان، كما ذكره الراوي ههنا، إلا أنه لمَّا مَكَثَ بعد ركعةٍ بقدر ركعةٍ، وانتظر القوم عبَّر عنه الراوي هناك بالركعة، وعَدَّ له أربع ركعات بهذا الطريق. ولا بُدَّ، فإن الواقعةَ واحدةٌ، فلعلَّك عَلِمْتَ الآن حال تعبير الرواة أنه لا يُبْنَى على مسألةٍ فقهيةٍ فقط، بل يأتي على عبارات وملاحظ تَسْنَخُ لهم عند الرواية.
وأمَّا الجوابُ عن الرجوع في الهِبَةِ. والدليلُ على أنه لا بُدَّ في قبض الثمار من الجِذَاذِ ما رواه الطحاويُّ: «أنه لمَّا احْتَضَرَ أبو بكر قال: إني قد كنتُ أَعْطَيْتُكَ ثمارًا في الغابة، فلو كنتَ جَذَذْتُها لكانت لك، إلا أنك ما جَذَذْتَهَا إلى الآن، فهي حينئذٍ ميراثٌ للورثة» بالمعنى. وبه أَفْتَى عمر. فَدَلَّ على أن الهِبَةَ لا تَتِمُّ إلا بالقبض، وأن الثمارَ لا قبضَ فيها إلا بالُجُجِذَاذِ.
أما قولك: إنه لا معنى لتخصيص خمسة أَوْسُق على مذهبكم، فنقول: أمَّا أولا فكما ذكره الطحاويُّ: أنه ليس فيه ما ينفي أن يكونَ حكمُ ما هو أكثر من ذلك، كحكمه في خمسة أَوْسُق. وإنما يكون ذلك لو قال رسولُ الله ﷺ لا تكون العَرِيَّة إلا في خمسة أَوْسُق، أو فيما دون خمسة أَوْسُق. فإذا كان الحديثُ: «أن رسولَ الله ﷺ رخَّص في بيع العَرَايا (١) في خمسة أَوْسُقٍ، أو فيما دون خمسة أَوْسُقٍ»، فذلك يحتمل أن يكونَ النبيُّ ﷺ رخَّص فيه لقومٍ في عَرِيَّةٍ لهم، هذا مقدارها. فنقل أبو هُرَيْرَة ذلك، وأخبر الرُّخْصَة فيما كانت. ولا ينفي ذلك أن تكونَ تلك الرخصة جاريةً فيما هو أكثر من ذلك. اهـ.
وأمَّا ثانيًا، فعلى ما أقول: إن المعاملةَ المذكورةَ لمَّا كانت بيعًا حِسًّا ناسب فيها التضييق، لئلا تقوم أصلا للمعاملات الرِّبَوِيَّة. فإن الشافعيةَ أيضًا قَصَرُوها على خمسة أَوْسُقٍ، غير أنهم جعلوها استثناءً من معاملة الرِّبا حقيقةً. ونحن قَصَرْنَاها على المقدارِ المذكور لمظنَّة جريان الربا فيما عَدَاها. ثم لو سَلَّمْنَا أن العَرِيَّةَ هي البيعُ دون الهِبَةِ، فقد أُخْرِجَتْ لها صورة الجواز على مسائلِ الحنفية أيضًا، وهي: أن بيع الععرِيَّة على نحوين: الأول: أن يقولَ: بِعْتُ ثمارَ هذه الشجرة التي أَخْرُصُهَا خمسة أَوْسُق، بدل كذا من التمر. والثاني: أن يقولَ: بِعْتُ خمسة أَوْسُقٍ من ثمار هذه الشجرة، بدل كذا من التمر. والأول لا يجوز، بخلاف الثاني، وهو المحمل عندي.
والفرق أنه باع على الأول ثمارها خَرْصًا، فإن خرجت خمسة أَوْسُقِ فذاك، وإلا فلا ضمان عليه، لأنه لم يبع خمسة أوسق، ولكنه باع ثمارها، سواء خرجت بهذا المقدار، أو لا،
стр. 1534
والخرص لا يطابق الواقع دائمًا، ففيه احتمال الربا، لأنه بيع التمر بالتمر، ولا بد فيه من التساوي، وذلك معدوم في هذا الفصل، بخلاف الثاني، فإنه عقد على خمسة أوسق، وليس الخرص فيه إلا في الذهن، فإنه خرصها في ذهنه أن ثمار هذه الشجرة تكون خمسة أَوْسُقٍ، ثم باعها منه. فليس الخَرْصُ في الخارج، وهو لحفظه في ذهنه فقط. فإذا أَسْلَمَ إليه يَكِيلُها لا مَحَالة، ليُسْلِمَ إليه خمسة أَوْسُق، فلا احتمال فيه للربا. وعلى هذا لم يَرِدْ العقدُ على المَخْرُوص، بل وَقَعَ على المعيَّن،، ولا بأسَ بكون هذا المعيَّن مَخْرُوصًا في أول الأمر في ذهنه، بل هو مفيدٌ. أمَّا في الخارج، فلا يسْلِمُ إليه إلا مكيلة. ثم الكيلُ وإن لم يكن معروفًا في الرُّطَب فيما بينهم لتعسُّره فيها، ولكنه إذا تحمَّله على نفسه والتزمه وَجَبَ عليه أن يَكِيلَها. حينئذٍ جَازَتْ العَرِيَّةُ بيعًا على مسائلنا أيضًا. وجملةُ الكلام: أن المبيعَ في العَرِيَّة عندهم مَخْرُوصٌ أولا وآخرًا، وعندنا مخروصٌ أولا، وفي الذهن فقط، ومعيَّنٌ آخِرًا، وعند التسليم. فإن ادَّعَيْتَ بجوازها، لم يُخَالِف مسائلنا بشيءٍ.
ثم اعلم أن تلك عند أبي عُبَيْد هي التي اسْتُثْنِيَت في باب الزكاة في قوله ﷺ «ليس فيما دون خمسة أَوْسُقٍ صَدَقةٌ بعينها» فيكون عنده تفسيرًا لأربعًا (١).
стр. 1535
هذا الذي أردنا إلقاءه عليك من تفسير العَرَايا، وما يتعلَّق بها، والآن نشرح ألفاظ الترجمة.
قوله: (وقال ابنُ إدْرِيس) المراد منه الشافعي.
قوله: (العَرِيَّةُ لا تكونُ إلا بالكَيْل من التمر، يَدًا بيدٍ، ولا تكُون بالجِزَاف)، يعني به أن التمر يُعْطَى للمُعْري، ويكون مَقْبُوضًا. أمَّا الثمارُ، فلا سبيلَ فيها إلا بالتَّخْلِيةَ.
قوله: (بالأَوْسُق المُوَسَّقَةِ) ... إلخ، وهو كقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ففيه معنى التأكيد. ومُقْتَضَى اللفظ كونه معاملةً من الطرفين، نحو كون الكَيْلِ من طرفٍ، والخَرْصُ من طرفٍ آخر، فحصلت التقوية، كما أراده المصنِّف.
قوله: (العَرَايا نخلٌ) ... إلخ، والمراد به ثمار النخل.
٢١٩٢ - قوله: (رخَّصَ في العَرَايا أن تُبَاع بِخَرْصِها كَيْلا)، والبائعَ عند الشافعيِّ: هو صاحبُ النخل المُعْرِي. وعند أبي حنيفة، ومالك: المُعْرَى له، غير أن بيعَه للمُعْرِي بيعٌ حقيقةً عند مالك، ومبادلةٌ، واستبدالٌ فقط عند أبي حنيفة. فيكون بيعًا صورةً لا غير، على ما عَلِمْتَ تفصيله. وقد مرَّ أيضًا: أن الباء في قوله: «بِخَرْصِها» للتصوير عندنا، والبدلُ غير مذكورٍ، فيمكن أن يكونَ الدراهمَ والدنانيرَ، كما يُؤَيِّدُه ما عند النَّسائي. وهي عند الشافعيِّ للبدل، فيكون المَخْرُوصُ عِوَضًا، وبَدَلا. وقد ذكرنا شيئًا يتعلَّق به في آخر كتاب المساقاة إيضًا، فراجعه (١).
قوله: (كالمَشُورَةِ يُشِيرُ بها)، وهذا يُفِيدُنا، فإنه يَدُلُّ على أن النهيَ عن بيع الثمار قبل البُدُوِّ للإِرشاد. وحمله الطحاويُّ على السَّلَم. ولا يَجُوزُ السَّلَم عندنا أيضًا إلا إذا سَلِمَ من العاهات، وهو بعد البُدُوِّ لا غير.
قوله: (حتى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا)، ومن عادة العرب أنهم إذا ذَكَرُوا طلوعَ نجمٍ، أرادوا به طلوعه المقارن للفجر، وطلوع الثُّرَيَّا يكون في الشهر المشهور في الهندية (أساره). ثم إن الحافظَ ذكر ههنا روايةً عن عطاء: «إذا طَلَعَ النجم - أي الثُّرَيَّا - رُفِعَتْ العاهةُ عن الثمار ... » إلخ، وهي من «مسند أبي حنيفة»، فَدَلَّ على اغذماده عليه، ولذا استعان به. فاحفظه، وراجع ما قاله المْحَشِّي بين السطور - أي في النسخة الهندية -.
٢١٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِى حَتَّى تَحْمَرَّ. أطرافه ١٤٨٨، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨ - تحفة ٧١٠
٢١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَا قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ مَا تُشَقِّحُ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا. أطرافه ١٤٨٧، ٢١٨٩، ٢٣٨١ - تحفة ٢٢٥٩
٢١٩٥ - قوله: (حتَّى تَحْمَرَّ)، وفي روايةٍ: «تَحْمَارّ»؛ ومعنى الأول: أن تَظْهَرَ فيه الحُمْرَة. ومعنى الثاني: كادت أن تَحْمَرَّ. نبَّه أبو حَيَّان (سرخ كشته باشدو مائل بسرخى كشته باشد).
واعلم أن أرباب الصَّرْف لم يُحِيطُوا بخواصِّ الأبواب كلِّها، وإنما ذَكَرُوا شطرًا منه، وكان مهمًا. والكُتُبُ المصنَّفةُ فيها لم تُطْبَعْ. وأمَّا من أراد الآن أن يَتَتَبَّعَهَا، فطريقُه أن يُطَالِعَ «البحر المحيط» لأبي حَيَّان. ومن دَأْبه أنه إذا مرَّ على بابٍ من القرآن ذكر خواصَّه أيضًا، واستوعبها. فمن أراد ترتيب الخواصِّ، فهذه طريقته.
٨٦ - باب بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (١)
٢١٩٧ - حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا مُعَلًّى حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ حَدَّثَنَا
стр. 1539
أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ وَمَا يَزْهُو قَالَ يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ. أطرافه ١٤٨٨، ٢١٩٥، ٢١٩٨، ٢٢٠٨ - تحفة ٧٨٣
أي ثمار النخل.
قوله: (حدَّثنا مُعَلَّى) تلميذٌ لأبي يوسف.
واعلم أن بيعَ الثمار إمَّا أن يكونَ قبل البُدُوِّ أو بعده، وكلٌّ منهما إمَّا يكون بشرط القطع، أو بشرط الترك، أو بشرط الإِطلاق، تلك ستُّ صُوَرٍ. فذهب الشافعيُّ إلى جوازه بعد البُدُوِّ في الصُوَر الثلاث مطلقًا، كما هو مقتضى مَفْهُومِ الحديث. وإلى عدم جوازه قبل البُدُوِّ، كما هو مقتضى مَنْطُوقِهِ، إلا إذا كان بشرط القطع، فإنه بعد القطع لا يبقى محلا للنزاع، فهو مستثنى عقلا.
والحاصلُ: أنه عَمِلَ بمجموع المَفْهُومِ والمَنْطُوقِ، وخصَّص من المنطوق صورةً واحدةً بدلالة العقل.
وأمَّا مذهبُ الحنفية على ما فصَّله صاحب «الهداية»، فهو: أن البيعَ بشرط القطع جائزٌ في الفصلين، كما أن البيعَ بشرط الترك فاسدٌ في الفصلين. أمَّا إذا كان بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ في الصورتين، إلا أن البائعَ إن أمر المشتري بقطع ثماره وَجَبَ عليه قطعه، وتفريغ مِلْكه على
стр. 1540
الفور. وحينئذٍ يَلْغُو قيد قبل البُدُوِّ في النصِّ، ولا تَظْهَرُ له فائدةٌ. فإن الحكمَ عند وجوده، وعدمه سواء عندنا من غير فرقٍ. فَوَرَدَ علينا الحديثَ مفهومًا ومنطوقًا. وما أَجَابَ به بعضُهم: أن المفهومَ ليس بحُجَّةٍ عندنا، ليس بشيءٍ، لما مرَّ منا تحقيقُ الكلام في المفهوم، فإنه يَحْتَاجُ إلى بيان نُكْتَةٍ لا مَحَالة، وإن لم يكن مَدَارًا للمسألة.
وقد أجاب عنه الطَّحَاويُّ بنحوين: أما الأول، فحاصله: أن الحديثَ لم يَرِدْ في تلك التفاصيل، فإنه وَرَدَ في النهي عن البيع قبل البُدُوِّ شفقةً، وإن جاز شرعًا في بعض الصْوَرِ، لأنه قد يُفْضِي إلى تلف مال المشتري، فيقوم بلا مالٍ ولا مبيعٍ. كما أنه لو باعه قبل البُدُوِّ وأصابته عاهةٌ، فاجْتَاحَتْ الثمار، بقي المشترى ولا مالَ له ولا ثمارَ، فنهى عنه لذلك. فليس هذا الحديث مُتَعَرِّضًا إلى الصُوَر المذكورة، فَلْيَكِلْها إلى الاجتهاد أو غيره.
أما الثاني، فبيانه: أن الحديثَ ورد في السَّلَم، ذلك لأن أهلَ المدينة قبل مقدمه ﷺ كانوا يُسْلِفُون في الثمار لسنةٍ أو سنتين، فنهى عن ذلك، إلا أن يُسْلِفُوا في كَيْلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجل معلومٍ. ويُشْتَرَط في بيع السلم وِجْدَانُ المبيع من حين العقد إلى وقت التسليم عندنا أيضًا، فلا بُدَّ أن يكونَ بعد البُدُوِّ، والأمن عن العاهات. والحاصلُ: أن النهي عن البيع قبل البُدُوِّ ليس في البَيَاعَات العامة، بل في السَّلَم خاصةً. ولا نُنْكِرَ فيه بمَنْطُوقِ الحديث، ولا بمفهومه، فكأن الحديثَ من بابٍ، وحَمَلُوه على بابٍ، فَأَوْجَبَ فساد المعنى.
هذا، والذي ظَهَرَ لي في جوابه على ما قرَّره صاحب «الهداية» من المذهب: أن البيعَ بشرط القطع خارجٌ عن مدلول الحديث، فإن البائِعَيْن إذا رَضِيَا بأمرٍ لم يَدْخُل فيه الشارعُ، ولا تعرَّض إليه. فبقيت فيه أربع صُوَرٍ: بشرط الإِطلاق، وبشرط الترك قبله، أو بعده. أمَّا البيعُ بشرط الإِطلاق، فهو راجعٌ إلى القسم الأول، أي البيع بشرط القطع، لأنه إطلاقٌ في اللفظ فقط. ولا يكون في الخارج إلا القطع أو الترك، فإن أَمَرَهُ البائعُ وَج عليه القطعُ، على ما مرَّ، فَيَرْجِعُ إلى القسم الأول، وإلا يَنْدَرِجُ في الثاني.
أمَّا البيعُ بشرط الترك، فهو غير جائزٍ في الفصلين، وذلك لاشتماله على شرطٍ فيه نفعٌ لأحد المُتَعَاقِدَيْن، وكلُّ شرطٍ كذلك، فهو مُفْسِدٌ للبيع، فهذا أيضًا مُفْسِدٌ له، سواء كان قبل البُدُوِّ أو بعده. بقي قيد: «قبل البُدُوِّ» في الحديث، فنقول: إنه ليس بِمَنَاطٍ للحكم. ولكن المعروفَ عندهم في بيع الثمار كان قبل البُدُوِّ، فجاء تَبَعًا للواقع، لا لكونه مَدَارًا. وأما الجوابُ على ما ذهب إليه السَّرَخْسِيُّ، وغيره من الفصل في صورة الإِطلاق، فالجوابُ: أن البيعَ بشرط القطع، فهو مستثنىً عقلا، كما أقرَّ به الشافعيُّ أيضًا. وأمَّا البيعُ بشرط الترك، فغيرُ جائزٍ لأن النبيَّ ﷺ «نهى عن بيعٍ وشرطٍ». بقي البيعُ بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ بعد البُدُوِّ لا قبله، وهو محمل الحديث، فقد علَمْنا بمَنْطوقِهِ ومفهومه أيضًا.
وحاصلهُ: أن الصورةَ الواحدةَ، وهي صورة القطع، مستثناةٌ عقلا بلا نزاع بين الفريقين. أمَّا صورةُ الترك، فادَّعَيْنَا استثناءها من أجل الحديث: «نهى عن بيعٍ وشرطٍ»، فلم تَبْقَ تحته إلا صورةٌ واحدةٌ، واشتركنا فيها معهم في الحكم مَنْطُوقًا ومفهومًا. وهي التي تُنَاسِبُ أن تكونَ
стр. 1541
محملا للحديث، لأن المعروفَ في البيوع هو الإِطلاق، أما التركُ والقطعُ فمفروضان، وحَمْلُه على المعروف أَوْلَى من حمله على المفروض.
قال صاحبُ «الهداية»: إن باعه بشرط الإِطلاق، وأجاز بعده بالترك، طاب الفَضْل للمشتري. وقال الشاميُّ: إنما يَطِيبُ له ذلك إذا لم يكن التركُ مشروطًا في العقد، ولا معروفًا بين الناس، وإلا فالمعروف كالمشروط.
قلتُ: وتفصيل الشاميِّ ليس بمختارٍ عندي، فيجوز له الفَضْلُ، وإن كان الترك معروفًا، ولا يكون كالمشروط. وإنما دعاني إلى ترك تفصيله ما حرَّره ابن الهُمَام في ذيل سؤالٍ وجوابٍ من هذا المقام. ويَظْهَرُ منه كونه طيبًا بدون فصلٍ، فراجعه من هذا الباب. وكذا نقل الحافظُ ابن تَيْمِيَة، عن أبي حنيفة في «فتاواه» ما حاصله ما في «الهداية»، فتفصيلُ الشاميِّ غيرُ مختارٍ عندي.
والحاصلُ: أن الشرطَ إذا لم يكن في العقد، ولم يأْمُرْه البائعُ بالقطع طاب له تركه، سواء كان معروفًا أو لا. ولا ألتفتُ إلى ما قاله الشاميُّ: إن المعروفَ كالمشروط بعد ما وجدتُ روايةً عن الإِمام عند الحافظ ابن تيمية في «فتاواه». والله تعالى أعلم (١).
٨٧ - باب إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ
٢١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِىَ. فَقِيلَ لَهُ وَمَا تُزْهِى قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ». أطرافه ١٤٨٨، ٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢٢٠٨ - تحفة ٧٣٣
٢١٩٩ - قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ، كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ، أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ». أطرافه ١٤٨٦، ٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩ - تحفة ٦٩٨٤
стр. 1542
هو مذهبُ (١) الشافعيِّ. ومن جوَّز من الحنفية بيعَ الثمار قبل البُدُوِّ، فقد فَصَلَ فيه، وقال: إن هَلَكَتْ بعد التَّخْلِية بين بين الثمار والمشتري، هَلَكَتْ من مال المشتري. وإن هَلَكَتْ قبلها، هلكت من مال البائع. وقال مالك في «موطئه»: والجائحةُ التي تُوضَعُ عن المشتري الثُّلُث فصاعدًا، ولا تكون فيما دون ذلك جائحةً. اهـ. فجعل الثُّلث على المشتري، ودونه على البائع. وعند أبي داود: عن يحيى بن سعيد أنه قال: لا جائحةَ فيما أُصِيبَ دون ثُلُث رأس المال. قال يحيى: وذلك في سُنَّة المسلمين. اهـ. فراجع الطحاويَّ.
٨٨ - باب شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ
٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِى السَّلَفِ، فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِىٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. أطرافه ٢٠٦٨، ٢٠٩٦، ٢٢٥١، ٢٢٥٢، ٢٣٨٦، ٢٥٠٩، ٢٥١٣، ٢٩١٦، ٤٤٦٧ - تحفة ١٥٩٤٨
يعني اشترى طعامًا، ولم يُؤَدِّ ثمنه، فهو بيعٌ مطلقٌ، لا أنه سَلَمٌ، كما فُهِمَ.
٨٩ - باب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ
٢٢٠١ و ٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا». قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». حديث ٢٢٠١ أطرافه ٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦، ٧٣٥٠ - تحفة ٤٠٤٤ - ١٠٢/ ٣ حديث ٢٢٠٢ أطرافه ٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧، ٧٣٥١ - تحفة ١٣٠٩٦
٢٢٠١ - ٢٢٠٢ - قوله: (بِعِ الجَمْعَ) ... إلخ، أي التمر المختلط. واعلم أنه لا عِبْرَةَ باختلاف الأصناف في الأموال الرِّبَوِيَّةِ، فجيدها ورديئها سواء. ثم في الحديث دليلٌ على جواز الحِيَل ونفاذها، مع أنه قد وَرَدَ عنها النهي أيضًا. والصواب: أن فيها تقسيمًا على الحالات، فَيَجُوزُ البعض دون البعض.
стр. 1543
٩٠ - باب مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً، أَوْ بِإِجَارَةٍ
٢٢٠٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لِى إِبْرَاهِيمُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِى أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ. سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ. أطرافه ٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦ - تحفة ١٩٤٩٩
٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَاّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ». أطرافه ٢٢٠٣، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦ - تحفة ٨٣٣٠
أي باع الزرع والحقل.
٢٢٠٣ - قوله: (قد أُبِّرَتْ لم يُذْكَرِ الثمرُ) ... إلخ، أي لم يُذْكَرْ لمن يكون له الثمر. ذهبَ الشافعيُّ إلى ظاهر الحديث، واختار مَنْطُوقَ الحديث ومفهومه، فجعل الثمار قبل التأبير للمشتري، وبعده للبائع. وجعلها أبو حنيفة للبائع في الحالين. وما أَجَابَ به المُحَشُّون من أنه لا عِبْرَةَ بمفهوم المُخَالِف ليس بشيءٍ. والصوابُ (١) ما أجاب به الطِيبيُّ في «شرح المشكاة»، وهو شافٍ، فقال: إن التأبيرَ عند الإِمام كنايةٌ عن ظهور الثمار، فإنهم لم يكونوا يُؤَبِّرُونها إلا بعد ظهورها. وعلى هذا لا تكون لها قبل التأبير ثمارٌ، فإذا أُبِّرَتْ - ولا يكونُ ذلك إلا بعد ظهور الثمار - فهي للبائع بنصِّ الحديث.
٩١ - باب بَيْعِ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ كَيْلًا
٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. أطرافه ٢١٧١، ٢١٧٢، ٢١٨٥ - تحفة ٨٢٧٣
٩٢ - باب بَيْعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ
٢٢٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله
٢٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ «خُذِى أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ». أطرافه ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠ تحفة ١٦٩٠٩
٢٢١٢ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدٌ قَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - تَقُولُ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِى وَالِى الْيَتِيمِ الَّذِى يُقِيمُ عَلَيْهِ، وَيُصْلِحُ فِى مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ. طرفاه ٢٧٦٥، ٤٥٧٥ - تحفة ١٦٩٨٠، ١٧٠٩٩ - ١٠٤/ ٣
قوله: (ومَذَاهِبهم المَشْهُورَةِ) أي التعامل. وحاصلُه: أن ما تَعَارَفَ بينهم في المكيال والميزان وغيرهما يُعْتَبَرُ به، وإن لم يكن مُطَّرِدًا. ولكن هناك جزئيات اعْتَبَرَ فيها العُرْف، كما في «الهداية»: إذا اختلفت النقودُ تُحْمَلُ على غالب نقد البلد. فالمصنِّفُ ترجم على أصله: «لا بأس، العشرةُ بأَحَدَ عَشَرَ، يعني إذا تلفَّظ بالعشرة، وأراد منه أحد عشرة على العُرْفِ، جَازَ له. وراجع الهامش، فقد أوضحه.
قوله: (ويَأْخُذُ للنَّفَقَةِ) (لا كت) ربحًا، أي في البيع المُرَابحة.
قوله: (ولم يُشَارِطْهُ، فبَعَثَ إليه بنِصْفِ دِرْهَمٍ) والدانق: سُدُس الدِّرْهَم، فنِصْفُ دِرْهَمٍ: ثلاث دَوَانقٍ. وقد كان استأجره بدَنِقَيْن، فَزَادَهُ واحدًا مروءةً.
وحاصلُه: أن البيعَ، كما يَصِحُّ بالتعاطي، كذلك الإِجارة أيضًا، وهو المذهب عندنا.
٢٢١٠ - قوله: (وأَمَرَ أَهْلَهُ أن يُخَفِّفُوا عنه من خَرَاجِهِ)، واعلم أن هذا باب لا يَدْخُلُ فيه القضاء. وقلَّ من توجَّه إلى هذا الباب أحدٌ، مع أنه يُوجَدُ في الأحاديث كثيرًا، فيكون أمرًا صحيحًا في الخارج، ثم لا يتأتَّى على قواعد الفِقْهِ، وذلك لأن الناسَ كثيرًا ما يتعاملون فيما بينهم، ويُسَامِحُون فيه، ولا يتنازعون بشيءٍ. وقد يجوز ذلك في نظر الشارع أيضًا، إلا أن الفقهاءَ لا يتعرَّضُون إليه لكونه من الديانات عندهم، وجلُّ أحكامهم من باب القضاء. ومن لا خِبْرَةَ له بذلك يظنُّها خلاف الفِقْهِ، ولا يدري أن ما ذُكِرَ في الفقه هو حكم القضاء، وذلك في الدِّيَانة، وقد أوضحنا الفرق بينهما.
فائدة: ثم إن بعضهم زَعَمَ أن الفرقَ بينهما إنما يَظْهَرُ في المعاملات دون العبادات، وليس كذلك. لما في باب القراءة من «الدر المختار»: أن فرضَ القراءة آيةٌ، وأقلُّها ستةُ أحرف. فإن كانت الآية كلمة فقط، كقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ [الرحمن: ٦٤] لا تُجْزِئُه عن فرضها، إلا أن يَحْكُمَ به الحاكمُ. مثلا: لو قال رجلٌ: إن قَرَأتُ قدر الفريضة، فعبدي حرٌّ، فقرأ ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾، فادَّعى العبدُ عِتْقَه، وأنكره المولى، فرافع العبدُ إلى القاضي، فإن قَضَى بجوازها عُتِقَ العبد، وتَصِحُّ صلاته تلك، وإن لم تَصِحَّ غيرها. وهذه تَدُلُّ على أن الفرقَ بين