٢٥٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنَ الْعَبْدِ، فَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَأُعْتِقَ مِنْ مَالِهِ، وَإِلَاّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ». تحفة ٧٦١٠
٢٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». أطرافه ٨٩٣، ٢٤٠٩، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - تحفة ٨١٦٧ - ١٩٧/ ٣
قوله: (﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾) [النور: ٣٢] .. الخ.
واعلم أن الحديثَ ينهي أن يقول أَحَدُكم: عبدي، وأمتي، وسيدي، وسيدتي؛ والقرآن يُطْلِقُه، حيث قال: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فكيف التوفيق؟ قلت: وقد مرَّ أنه من باب تهذيب الآداب والألفاظِ، كالنَّهي أن يقول: ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وفي مثله تراعى الأحوالُ، فإِذا أوهم خلافَ المراد حُجرِ عنه، وإلا لا.
ثم أقول (١): إنَّ مثار النَّهي في إطلاق لفظٌ «عبدي، وأمتي» أمران: كونُ هذه الألفاظِ مما يُشْعِر بتكبُّر المتكلِّم في نفسه؛ الثاني: انتقالُ الذِّهن إلى الله تعالى، فإِذا كان إطلاقُه من ثالثٍ انتفى الأمران، ويجوز إطلاقُه، كما يقال: عَبْد زيدٍ، وعَبْدُ عَمْرو؛ فإِنَّ التكبُّرِ في إضافة المتكلِّم إلى نَفْسه، بأَن يقول: عبدي؛ أما إذا قاله ثالثٌ، فلا شائبةَ فيه للتكبر، وكذا لا ينتقل فيه الذِّهنُ إلى الله تعالى؛ وحينئذٍ لا إشكال في قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فإِنَّه إطلاقٌ مِن الله سبحانه، وكذا في قوله: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥].
وأما قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فهو إطلاق، وإضافة إلى المالك الغائب عن المجلس، أو مماشاة مع عامة الناس في محاوراتهم، وإنما يُوهِمُ التْكبُّر إذا كان
стр. 1719
مِصْدَاقه موجودًا، ولذَا نهى في الحديث الآتي أن يقول: «أَطْعِم رَبَّك، ووضيء رَبَّك، واسقِ رَبَّك». لأنه إطلاقُ المولى بحضُور مَمْلُوكِه، فَيُوهِم التكبُّر، قلت: هو على حَدِّ قولهم: أمير المؤمنين يأمرك بكذا، مشيرًا إلى نفسه، وفيه استكبارٌ أَشدَّ الاستكبار. فإِذا استعمله ثالثٌ، فلا بأس به، لانتفاء العِلَّة، فتلخص مما قلنا: أَنَّ مثار النهي إمَّا التكبُّر - وهو في الحضور دون الغيْبة - أو إطلالة بنفسه، لا مِن ثالثٍ، أو تَوَّهم انتقالِ الذِّهْن إلى الله تعالى، فحيث لا يوجد واحدٌ منهما، يَحِلُّ الإِطلاقُ لا محالة.
٢٥٥٥ و ٢٥٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رضى الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ». حديث ٢٥٥٥ أطرافه ٢١٥٢، ٢١٥٣، ٢٢٣٣، ٢٢٣٤، ٦٨٣٧، ٦٨٣٩ - تحفة ١٤١٠٧ حديث ٢٥٥٦ أطرافه ٢١٥٤، ٢٢٣٢، ٦٨٣٨ - تحفة ٣٧٥٦
٢٥٥٥، ٢٥٥٦ - قوله: (إذا زَنَتِ الأَمَةُ فاجلِدوها) وهذا موكولٌ إلى الإِمام، ومعنى الأَمْر، أن لا يمتنع عن إقامةِ الحدِّ عليها؛ وقد نبهناك فيما مرَّ أن الشيء قد يكون داخِلا تحت وِلايتين: ولاية عامة وهي ولاية الإِمام، ولاية خاصَّة، ثُم تُحذف الوِلاية العامة من البين، مع كونِها منويةً، ويبقى ذلك الشيء منسوبًا إلى الوِلايةِ الخاصَّة، فيتوهم كونُها مدارًا؛ فهكذا في هذا الحديث. أَمَر المَوْلى أنْ يَجْلِدَ أمته، مع كونِه تحت وِلاية الإِمام فيجلِدُها كما هو المعهودُ، عند الشَّرْع، وهو بإِحضارها عند الإِمام، ثم يأمر الإِمام به، فهذا هو طريقُ الوِلاية الخاصَّة مع العامة. فاعلمه، وقد قررناه سابقًا.
قوله: (فبيعُوها ولو بِضَفِير) وهذا نحو التغريب في حقِّ الإِماء، وأما الحرائر فليس فيهن إلا الرّجْم، أو الجَلْد.
١٨ - باب إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ
٢٥٥٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِىَ عِلَاجَهُ». طرفه ٥٤٦٠ - تحفة ١٤٣٩٠
١٩ - بابُ الْعَبْدُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ
وَنَسَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَالَ إِلَى السَّيِّدِ.
٢٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِى أَهْلِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ
стр. 1720
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِى مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ وَأَحْسِبُ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «وَالرَّجُلُ فِى مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». أطرافه ٨٩٣، ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - تحفة ٦٨٤٦
٢٥٥٨ - قوله: (فَسَمِعْتُ هؤلاء من النبيِّ ﷺ قال النُّحاةُ: إنَّ «هؤلاء» لا تُستعمل إلا في ذوي العُقول: واستعملت ههنا في الكلمات؛ والحديثُ وإن لم يكن حجَّةً في باب القواعد، إلا أن الأوْلى عندي أن يُقال بجوازِ استعمالِها مُطْلقًا، كما في الحديث.
٢٠ - باب إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ
٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِى ابْنُ فُلَانٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ». تحفة ١٤٣١٨، ١٤٧٢٦ - ١٩٨/ ٣
والأَمْرُ بالاتقاء عن الوَجْه ليس مخصوصًا بالإِنسان، بل ينبغي أن لا يُضْرب وَجْهُ (١) الفَرَس أيضًا، كما في «فصول - الفتوح - من باب الحظر والإِباحة».
٢٥٥٩ - قوله: (وهو ابنُ سمعان) وهذا الراوي ضَعيفٌ، ولذا دكره في السَّند بابن فلان، ولم يذكره باسمه؛ وقد وقع نحوُه في - كتاب البخاري - في مَوْضِعَين، أو ثلاثٍ، ولا يقدح ذلك في الحديث، لأنه ليس بمدارٍ في هذا الموضع، بل وقع مُقْترِنًا مع الغير، كما ترى ههنا، أنَّ المَدار على مالك؛ أما ابنُ سمعان، فذكره بِحَرْف العَطْفِ تَبعًا؛ وحينئذٍ لو حذفه أيضًا لما كان بأسٌ، فكذا إذا ذكره مقترِنًا بالغير. ثم هذا أيضًا خلافُ الاحتياط.
...
٢٥٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِى كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِى إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِىَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِى فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ابْتَاعِى فَأَعْتِقِى، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ». أطرافه ٤٥٦، ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - تحفة ١٦٥٨٠ - ١٩٩/ ٣
٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ أَرَادَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْتَرِىَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». أطرافه ٢١٥٦، ٢١٦٩، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩ - تحفة ٨٣٣٤
قوله: (تَأْثُرُه عن أَحَدٍ) ... الخ، أي هل عندك نَقْلٌ على ما تقول؟ فقال: لا، ثُم تذكر بعده، فأخبره، كما في الكتاب.
قوله: (ابن سيرين) ذكر عصام في «في حواشي شمائل التِّرمذي» أنه غيرُ مُنْصرف للِعَلَمية والتأنيث. فظنَّ أنه اسمُ امرأةٍ، وهو كما ترى، وصَدَق الحافظ ابن تيميةَ انَّ الرَّجُلَ إذا تكلَّم في غير فَنِّه أتى بالعجائب، وهكذا جَرَّبناه في رجالٍ لا تكون لهم ممارسةٌ في فنَ، ثم إذا تكلَّموا فيه، أتوا فيه بما يقضي منه العجب؛ منهم المولوي أحمد حسن السنبهلي - المحشيِّ «للهداية»، و «مسند» أبي حنيفة - مَرَّ على حديث عند الترمذي، ونقل عنه عبد الكريم بن مالك الجزري، فهو ثقةٌ، فقال: لم لا يجوزُ أن يكون هو ذلك الثَّقة دون ابن أبي المُخارِق؟
قلت: ومِثْل هذه المناقشةِ دليلٌ على عدم ممارستهِ لذلك العِلْم: فانَّ المُحَدِّين يعلمونَ سلسلةَ الأساتذةِ والتلامذةِ، كرأي عَيْن، فإِذا حكموا على رجلٍ بأنه فلانٌ، نظروا أولا إلى أساتذته، وتلامذته، وطُرْقه، فلا يحكمون بالإِبهام، والأَوهام، فما حكم به الترمذيُّ، إنَّما حكم بعد عِلْم منه أنه ابنُ أبي المُخارق، كالعيان، لا أنه ظنُّ منه، كالاحتمالات العقلية، فتنبه؛ بالجملة إن اخترت عدمَ انصراف سِيرين، فلا وَجْه له إلا على مَذْهب الأَخْفَش، لأن «الياء والنون» أيضًا من أسباب مَنْع الصَّرْف عنده، فيزيد عددُ أسبابِ مَنْع الصَّرف عنده.
٢٥٦٠ - قوله: (مَن اشترط شَرْطًا ليس في كتابِ الله فهو باطلٌ) ... الخ، وظاهرُه أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ ليس له ذِكْر في القرآن، فهو رَدُّ باطل، مع أنه لم يذهب إليه أحد. وأجاب عنه الإِمام الشافعيُّ، فراجعه، وتلخيصُ كلام الكبارُ عسيرٌ، ولك أن تقول: معنى كونه ليس في كتاب الله،
قِنًا، وكذا يجوزُ إذا قال لمولاه: بِعْني، ورَضِي به المَوْلى لتضمُّنِه التعجيزَ، فلا يَرِد الحديثُ علينا، فَهُم حَمَلُوه على بَيْع المكاتِبَ، ونحن حملنان على مسألةِ التعجيز، وهذان نَظَران، ولكلِّ واحدٍ نَظَرٌ، وهو راعيه، فلا حُجَّةَ فيه لأَحَدٍ.
قوله: (وهو عَبْدٌ ما بقي عَلَيْه دِرْهِمٌ) وهو المسألةُ عندنا. وقد ذهب جماعةٌ إلى تَجزُّىء العِتْق في المكاتَب بِقَدْر أداء بَدل الكِتابة. فقال: إنه يعتق بِقَدْر ما أَدَّى، وله حديثٌ مرفوعٌ عند الترمذي (١) عن ابن عباس - وحَسَّنه أيضًا - قال: قال النبيُّ ﷺ «يؤدِّي المكاتَبُ بِحصَّة ما أدَّى دَيةَ حُرِّ، وما بقي دِيةُ عبد». قال الترمذيُّ: والعملُ على هذا عند بَعْض أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﷺ وأكثَرُ أهل العِلْم من أصحاب النبيِّ ﷺ وغيرِم أن المكاتَب عَبْدُ ما بقي عليه دِرْهم، اهـ، ولم يعبأ به البخاريُّ، وأَسْقَطَه، ووضع المسألةَ ما هي عند الجمهور؛ قلت: ولم أَرَ أحدًا منهم أجاب عنه؛ وما ذكره الشيخُ عبدُ الحقِّ، فلا يُسْمِن ولا يُغني من جوعٍ.
٦ - باب إِذَا قَالَ الْمُكَاتَبُ: اشْتَرِنِي وَأَعْتِقْنِي، فَاشْتَرَاهُ لِذَلِكَ
٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى أَيْمَنُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقُلْتُ كُنْتُ غُلَامًا لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِى لَهَبٍ، وَمَاتَ وَوَرِثَنِى بَنُوهُ، وَإِنَّهُمْ بَاعُونِى مِنَ ابْنِ أَبِى عَمْرٍو، فَأَعْتَقَنِى ابْنُ أَبِى عَمْرٍو، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ الْوَلَاءَ. فَقَالَتْ دَخَلَتْ بَرِيرَةُ وَهْىَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتِ اشْتَرِينِى وَأَعْتِقِينِى. قَالَتْ نَعَمْ. قَالَتْ لَا يَبِيعُونِى حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِى. فَقَالَتْ لَا حَاجَةَ لِى بِذَلِكَ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِىُّ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا، فَقَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا». فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ». أطرافه ٤٥٦، ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - تحفة ١٦٠٤٣
واعلم أن الشِّراء بِشَرْط العِتْق مُفْسِدٌ للعقد عندنا. قلت: هذا في الحُكْم والقضاء؛ أما إذا كان من باب المروءةِ، فلا.
٢٥٦٥ - قوله: (دَعِيهم يَشْتَرِطُوا ما شاءوا)، وهذا ما الذي كنّا ننتظره، فإِنَّه صريحٌ في أن الأَمْر في قوله: «اشترطي»، لم يكن للاشتراط، بل للإلغاء، كما في الرواية، أي اشتراطُهم لَغْوٌ، فاشتريها أنت، ويكون الوَلاءُ لك.
...
٢٥٧٥ - قوله: (وَترَك الضَّبَّ تقدُّرًا) - والضَّبْ بالفارسية سوسمار وفي الهندية كوه؛ وهو مكروهٌ تحريمًا عند فقهائنا، وتنزيهًا عند المحدثين، ولعل ذلك لاختلاف الروايات في أَكْلِه وترْكه، والمختارُ عندي قولُ الفقهاء، لأنه من أَخْبثِ الحيواناتِ، مع أنه ذُو سُمَّ؛ وسياقُ الأَحاديث عند مُسْلِم يَدُلُّ على أن الأَمْرَ انتهى (١) فيه إلى التَّرْك، فراجعه، عن أبي سعيدٍ، أن أعرابيًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن في غائط مضبة، وأنه عامةُ طعامِ أهلي، قال: فلم يُجِبه، قلنا: عاوِدْه، فلم يُجِبه ثلاثًا، ثم ناداه رسولُ الله ﷺ في الثالثةِ، فقال: «يا أعرابيُّ، إنَّ الله لَعَنَ وغَضِب على سِبْط من بني إِسْرائيل، فمسخَهم دوابًّا، يدبون في الأرض؛ فلا أدري لعل هذا منها، فَلَسْتُ آكُلها، ولا أنهى عنها»، اهـ؛ وفيه دليلٌ على الكراهةِ، وإن لم يكن نَهى صراحةً، لعدم النص فيه.
وكذا عند أبي داود، والنَّسائي، قال: فشويتُ منها ضَبًّا، فأتيت به رسول الله ﷺ فوضعته بين يديه، قال: «فأخذ عودًا فَعَدَّ به أصابِعَه، ثُم قال: إنَّ أُمّةً من بني إسرائيلَ» ... الخ، وأخرج الزَّبْلِعيّ نحوه عن «مسند» أحمد، واحتج محمدٌ على الكراهةِ بحديث عاشةَ، وأخرج الطحاوي أيضًا في «معاني الآثار» أنَّ النبيَّ ﷺ أُهِدي له ضَبَّ، فلم يأكله؛ فقام عليه سائلٌ، فأرادت عاشةُ أن تُعْطِيه، فقال لها النبيُّ ﷺ «أتعطيَنُ مالا تأكلين؟ قال محمد: فقد دلَّ ذلك على أن رسول الله ﷺ كَرِه لنفسه، ولغيره أَكَلَ الضَّبّ (٢).
قوله: (ما أُكِل على مائدةِ رسول الله ﷺ ... الخ، وتسامح فيه الراوي، فإِنَّ النبيَّ ﷺ لم يأكل على مائدةٍ، والصوابُ في ترجمته "كات كى سينى" أي التبسي من الخشب، وليست ميز وتبائى كما قالوا، نعم تُطْلُقُ عليه مجازًا.
ولا تُشْترط المساواةُ بين الازواجِ، فيما يُهدَى إليه، هكذا كنت أَجَبْتُ عند الاستفتاء (٣).
مسألة
اعلم أن كُفَّارَ الهند لا يُورثون البناتِ، فما في أيديه لا يكون إلا عَصْبًا، فهل يجوزُ بناهُ المسجد على أرضٍ أخذناها منهم؟ قلت: وهو جائزٌ، والخلاف فيه يُبنى على كَوْنِهم مُخاطِبين بالفُروع أم لا.
٨ - بابُ مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ
٢٥٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
٢٥٨١ - قوله: (إنَّ نساء النبيِّ ﷺ كنّ حِزْبين): فعائشةُ، وحَفْصةُ كانتا في حِزْب؛ وزينب، وغيرها في حزب) وقد سها الراوي ههنا في تفسير الحِزبين؛ فإِنَّ اختلج في صدْرِك أنه كيف هذا في أمهات المؤمنين قلت: ألم يكن بَشَرًا؟ فثبت منهن النزاعُ، والاغتباطٌ والسورة في الكلام، وغيرها. فتلك أمورٌ تعتري الإِنسان مِن تلقاء ضَعْفِه (١)، معم الفَضْل بالتقوى، ومخالفة الهوى، وصحبة خَيْرِ الورى، وإيثار الدنيا على العُقْبى، لا بِخَلْع النشأةِ الإِنسانة، وتلبس النشأة الأخرى، ومَنْ لا يُفَرِّق بين هذه فقد غوى، على أن الله تعالى يبتلى بها خواصَّ عبادِه، وأنبيائه، فتجري تلك الأمورُ في بيوتهم أيضًا عَزْمُهم وصَبْرهم، وعَدْلُهم وتَقْواهم، وليعلمَ النَّاسُ أن علانِيَتَهم خيرٌ، وسريرَتهم خيرٌ من علانيتهم؛ وليكونوا أسوةً لأممهم، فيه حِكَمٌ لا تَخْفَى والله تعالى أعلم.
قوله: (إنَّ نِساءَك يَنْشُدْنك العدلَ) ... الخ، وهذه الكلمةُ تُشْبِه التي تكلَّم بها رأسُ الخوارج فاستأذن له بعض الصحابةِ أن يَضْربوه بالسيف، فقال له النبيُّ ﷺ دَعْه لعلَّ اللهَ يُخْرج من ضئضي، هذا قومًا يَخْرُجون من الدِّين» ... الخ، وقد أجبت عنه في رسالتي «إكفار المُلْحِدين»، وقد مرّ في هذه الوريقاتِ أيضًا أنَّ الكلمةَ الواحدة، تَخْتَلِف إسلامًا وكُفْرًا باختلاف النِّيات، واللَّهْجة، وصورِ الأداء فتذكره.
١٠ - باب مَنْ رَأَى الْهِبَةَ الْغَائِبَةَ جَائِزَةً
٢٥٨٣ و ٢٥٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رضى الله عنهما وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِى النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّى رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِىءُ اللَّهُ عَلَيْنَا». فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا لَكَ. حديث ٢٥٨٣ أطرافه ٢٣٠٨، ٢٥٤٠، ٢٦٠٨، ٣١٣٢، ٤٣١٩، ٧١٧٧ - تحفة ١١٢٧١ حديث ٢٥٨٤ أطرافه ٢٣٠٧، ٢٥٣٩، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦ - تحفة ١١٢٥١
ولعل المصنِّف أراد من الهبةِ الشيءَ المَوْهوبَ، والمعنى أنَّ هبةَ الشيء جائزةٌ، وإنْ كان غائبًا عن المجلس، أو كان الموهوبُ له أيضًا غائبًا؛ وحاصله أنه لا يُشْترطُ لصحةِ الهبةِ حضورُ الموهوبِ له، أو الشيء المَوْهوب؛ وتمسك له بِقصَّة سَبْي هوازن، فإِنَّ الواهِب فيها كان النبيَّ ﷺ والأشياءَ الموهبةَ لم تكن حاضِرةً في المجلس، فثبت الترجمةُ، ثم التحقيقُ على تخريج تلك القِصَّة، فسنعود إليه، ونحققه أنها كانت إعتاقًا لا هبةً.
١١ - باب الْمُكَافَأَةِ فِى الْهِبَةِ
٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
стр. 1732
- رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ. تحفة ١٧١٣٣، ١٧١٨٠ أ
يعني أنَّ الهِبةَ بِشَرْط العِوَض جائزةٌ، وفي «الهداية» أَنهاهِبةُ ابتداءً، وَبيْعٌ انتهاءً.
١٢ - باب الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ، وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِى الْعَطِيَّةِ». وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِى عَطِيَّتِهِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى. وَاشْتَرَى النَّبِىُّ ﷺ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَالَ «اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ».
٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنِّى نَحَلْتُ ابْنِى هَذَا غُلَامًا. فَقَالَ «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ». قَالَ لَا. قَالَ «فَارْجِعْهُ». طرفاه ٢٥٨٧، ٢٦٥٠ - تحفة ١١٦١٧، ١١٦٣٨
جزم المصنِّفُ ببطلان الترجيح (١) في الهِبة؛ وعندنا في تفصيلٌ، فإِنَّ رَجَّح بَعْضُهم على بَعْضٍ لمعنى صحيحٍ جاز، نحو إنْ كان بَعْضُهم معتملا، والآخَرُ غيرُ معتمل، أو كان له عِيالٌ كثيرة، وليست تسعهم نَفَقَتُه، فلا بأس أن يفضل بعضهم بعضًا في المِنْحة والصِّلة، كذا ذكره على القارِي، وهكذا ينبغي.
ويجوز للفقيه أن يُخصِّص الحديث عند انجلاء الوَجْه، ولا يجب عليه أنَّ يَعَضُّ بعموم المنطوق، وفي عامَّةِ كُتُب المذاهب الأربعة أن تَخصِيص خَيْرِ الواحد جائزٌ بالقياس. قال الشيخُ ابنُ الهام: يِشَرْط أن يكون هذا القياسُ مُستَنْبطًا، ومُنْتهيًا إلى نَصِّ، فقال ابنُ القاسم: إنَّ هذا الشَرْطَ لا يُعْلَم من كلام العلماء. وصَرَّح الشيخُ تقيُّ الدين بنُ الدقيق العيد في حديث النَّهي عن تَلَقِّي الجَلَب أَنَّ التخصيصَ بالرأي جائزٌ عِنْد ظُهور الوَجْه؛ ولذا قال الحنفيةُ: إنَّ النَّهي المذكورَ إنما هو إذا كان التَّلَقِّي يَضُر بأهل البلد، وإلا فهو جائزٌ.
قوله: (لا أشهد على الجور) وههنا قرينةٌ على كونِه جَوْرًا، لأنه كانت له زَوْجتان، وكان له أولادٌ من كلِّ منهما، ولا رَيْب أن في الترجيح بين أولادِ إحدى الزوجتين مظنة الجَوْر، فأنكر عليه لهذا. أما إذا كان الترجيحُ لداعيةٍ نحو كَوْن أحدِهما مؤمنًا تقيًا، والآخر فاسِقًا شقيًا، فلا جَوْر في التفضيل.
ونظيرُ التفصيل في جواز التفضيل بين الأولاد ما رُوي: أنَّ عمَر كان يُحِب أن يطلِّق ابنهُ زوجَتَه، فلم يُطلِّقها. فبلغ خبرُه إلى النبيِّ ﷺ فأَمَرَه أن يُطلِّقها، مع أنه ليس بكلية، وفيه أيضًا
стр. 1733
تفصيل؛ ففي بعض الأحوال، يجب على الولدِ أن يُطلِّق امرأتَه عند أمر أبيه، ولا يجِبُ في بعض آخر؛ والسرُّ في ذلك أنه قد يكون في ذِهْن صاحِب الشَّرع تَفْصِيلٌ في المقام، ثُم لا يُفْصح به مخافةً أن يتهاونَ فيه الناس، ويستظهروا بتفصيله، كما في تلك القِصَّة؛ فلو فَصَّل المسألةَ لأمكن أن يتمسَّك به ابنُ عمرَ، ولم يطلَّق امرأَتَه، فأَمره أن يطلِّقها، وسكت عن التفصيل.
قوله: (وهل للوَالِدِ أن يَرْجِع في عَطِيَّتِه) ليس للوَلِدِ أَنْ يرجِع في هِبته لِوَلِده، وهو الحُكْم عِنْدنا في كل ذي رَحِم مُحر، وجَوَّزَه الشافعيُّ في هِبة الوَالِدِ لَولَدِه خاصَّةً، وله في ذلك حديثٌ عند التَّرمذي، أخرجه في «البيوع» عن ابن عمرَ مرفوعًا، قال: «لا يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يعطي عَطِيَّةً، فيرجع إلا الوَالِدُ فيما يُعْطِي وَلَدَه». اهـ. فالحديثُ حُجّةٌ علينا في الجزءين: فإِنَّ المشهورَ أَنَّ الرُّجوع عن الهِبة (١) جائزٌ عندنا، عِنْد فُقْدَان المَوانِع السَّبْعة، وجمعها النَّسفيُّ في منظومته:
* قد يَمْنَع الرُّجُوعَ عن الهِبة ... يا صاحبي حُروفْ: دمع خزقة (٢)
ولا يجوزُ للوَالِدِ أن يَرْجِع عن هِبته لولده؛ قلت: أما مسألةُ جوازِ الرجوع في الهبة عند فُقْدان الموانع السبعة، فهو حُكْم القضاء دون الدِّيانة؛ فيُكرَه الرجوعُ ديانةً عند عَدَم الموانع السَّبْعَة أيضًا، إما كراهة تحريم، كما في قول، أو كراهة تَنْزِيه، كما في قَوْلٍ آخر. والحديثُ محمولٌ عندنا على حُكم الدِّيانة دون القضاء. ثم جوازُ الرُّجُوع مَشْروطٌ، إما القضاء، أو الرضاء؛ فلا يجوزُ بدون أَحَدِما. والمُفْتون في زماننا يُفْتون بجوازٍ الرُّجوع عند عدم الموانع السبعة مطلقًا؛ وليس بصحيح، فإِنَّ قيد الرضاء، أو القضاء مذكورٌ في متن «الكنز»، فاعلمه، ولنا حديثُ ابن ماجه: «الواهِبُ أَحَقُّ بالهبة ما لم يَثب منها، اهـ.
بقي الجواب عن الاستثناء، فأقول: إنَّ ما يَصْرِفُه الوَالِدُ من مالِ وَلَدِه ليس رُجوعًا، بل من باب؛ «أنت ومالُك لأبيك» فَيَدُهُ بسوطةٌ في مالِ وَلدِه، فإِنَّه يجوزُ له أن يأكلَ مِن مال وَلَدِه (٣)، سواء كان مِمَّا وهبه له، أو غيره؛ لكن لما كان استعمالُ المالِ الذي وهبه له رُجوعًا صورةً، نَزِّله مَنْزِلة الرُّجوع، وَوَضَعه مَوْضِعَ الاستثناء من الرجوع، وإلا فهو ليس برجوعٍ، ولكنه تملك مستأنفٌ بِحُكم الحديث: «أنت، ومالك لأبيك»، وقد نبهناك مرارًا أن الحديث لا يأخذُ إلا
بإِذن زَوّجها، واختار المصنِّف مذهب الجمهور، وأباح لها أن تهَبِ من مالها ما شاءت، ولم يشترط لها إذنًا من الزَّوْج.
قوله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وتفسيرُه عندنا عدمُ إعطاء الأموال في أيديهم، كما مر، وما شنَّع به ابنُ حَزْم، فقد أجاب عنه الأَلوسي في «روح المعاني» فراجعه.
٢٥٩٠ - قوله: (تَصَدَّقي) ... الخ وقد مَرَّ فيه بحثُ الشافعية أنه قضاءً، أو ديانةً، فإِن كان قضاءً لم يَجُز لغير القاضي أن يَحْكم به، وإلا جاز لكلِّ مفتٍ أن يُفْتي به.
قد مرَّ الإِمام محمدٌ على حديث: «لا يمنع أَحَدُكم جارَه، أن يَعْزِز في جِدَارِه» ... الخ في «موطنه»، وعبر هناك بلفظ «الحكم»، فدل على الفَرْق بين الدِّيانة والقَضاء في ذِهْن هذا الإِمام الذي هو مُدوِّن الفِقْه.
١٦ - باب بِمَنْ يُبْدَأُ بِالْهَدِيَّةِ
٢٥٩٤ - وَقَالَ بَكْرٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا فَقَالَ لَهَا «وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ». طرفه ٢٥٩٢ - تحفة ١٨٠٧٨
٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَجُلٍ مِنْ بَنِى تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ - عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِى جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِى قَالَ «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». طرفاه ٢٢٥٩، ٦٠٢٠ - تحفة ١٦١٦٣
٢٥٩٥ - قوله: في الإسناد (عن طَلْحَة بنِ عَبْدِ اللهِ رَجُلٍ من بني تَيْم بن مُرَّةُّ) يريد أنه ليس مِن العشرةِ المبشَّرةِ، بل رجلٌ آخر.
١٧ - باب مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَتِ الْهَدِيَّةُ فِى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً، وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ.
٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِىَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - وَهْوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ، قَالَ صَعْبٌ فَلَمَّا عَرَفَ فِى وَجْهِى رَدَّهُ هَدِيَّتِى قَالَ «لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ». طرفاه ١٨٢٥، ٢٥٧٣ - تحفة ٤٩٤٠ - ٢٠٩/ ٣
٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِىُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ
стр. 1737
يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِىَ لِى. قَالَ «فَهَلَاّ جَلَسَ فِى بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَاّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ - ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ - اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا». أطرافه ٩٢٥، ١٥٠٠، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧ - تحفة ١١٨٩٥
أي هل يجوزُ رَدُّها، مع أن الشَّرْع رَغَّب في قَبول الهدايا، فإِنَّها أَنْفَسُ مالٍ لرجل مُسْلم يُعْطي حَلالا مِن غير مشقَّة؟ فأجازه، وقسم على الحالات.
بقي البحث في أنه هل يجب عليه أن يفتش في أنها كيف بَلَغت إلى المُهْدِي، أَمِن سبيل الحلال، أم مِن الحرام؟ فسمعت عن بعض مشايخي أنه لا يجب عليه؛ تَمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
٢٥٩٧ - قوله: (فَهَلا جَلَس في بيتِ أُمِّه) فيه دليلٌ على أنَّ الهدِيةِ مِن جهةِ الحُكومة (١) والمَنْصب، كلها مِن باب الرّشوة.
قوله: (إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته) وكنت مترددًا في أن الحمل على الرقبة جزاء
لغلوله، أو لعدم أداء الزكاة، وظاهر هذا السياق هو الأول.
قوله: (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغُتُ) ... الخ، إشهادٌ على تَبْلِيغُ وَظِيفَته.
١٨ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتَ وَكَانَتْ فُصِلَتِ الْهَدِيَّةُ وَالْمُهْدَى لَهُ حَىٌّ فَهْىَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْىَ لِوَرَثَةِ الَّذِى أَهْدَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْىَ لِوَرَثَةِ الْمُهْدَى لَهُ، إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ.
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ لِى النَّبِىُّ ﷺ «لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا». فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّىَ النَّبِىُّ ﷺ ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَعَدَنِى. فَحَثَى لِى ثَلَاثًا. أطرافه ٢٢٩٦، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٣١٦٤، ٤٣٨٣ - تحفة ٣٠٣٣
وحاصِلُه أن المَداَر على الفَصْل. وقلنا: إن المدارَ على القَبْض، دون التقسيم، وقال الحسنُ: أيهما مات قبل، قهي لورثةِ المُهْدَى له إذا قبضها الرسولُ: وحاصل مذهبِه أنه جعلها للمُهْدَى له مطلقًا، واعتبر بالوَعْد، ولكنه اعتبر القبض أيضًا، فصار مذهبُهُ أقرب إلى الحنفيةِ.
стр. 1738
قوله: (مَنْ كان له عند النبي ﷺ عِدَةٌ، أو دَيْنٌ فليأتِنا) أقول: وهذا من باب الدِّيانةِ، وترجمةُ المصنِّف من باب القضاء، فلا حُجَّة له فيه، ومِثْلُه غيرُ قليلٍ عند البخاريِّ.
١٩ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعَبْدُ وَالْمَتَاعُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ فَاشْتَرَاهُ النَّبِىُّ ﷺ وَقَالَ «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ».
٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ يَا بُنَىَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ ادْخُلْ فَادْعُهُ لِى. قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ «خَبَأْنَا هَذَا لَكَ». قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَضِىَ مَخْرَمَةُ. أطرافه ٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢ - تحفة ١١٢٦٨
عاد المصنِّف إلى المسألةِ البيوع، وكيف القبض في المنقولات؛ وقد ترجم عليه ثلاثَ تراجِمَ مِن قَبْل أيضًا؛ وحاصلها أنَّ مَذْهب الشافعيةِ فيه أضيقُ، لأنهم شرطوا النَّقْل؛ ومذهبُ المصنِّف أَوْسَع، ومَذْهِبُنا بين المذهبين، وخيرُ الأمور أوساطها، وقد فصلناه في «البيوع».
٢٥٩٩ - قوله: (خَبَأنا هذا لك)، وكان في مَخْرَمَة شِدَّة، فأرادَ به النبيُّ ﷺ أَنْ يرضِيَه، حتى قال: رَضى مَخُرَمَةُ.
٢٠ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هَلَكْتُ. فَقَالَ «وَمَا ذَاكَ». قَالَ وَقَعْتُ بِأَهْلِى فِى رَمَضَانَ. قَالَ «تَجِدُ رَقَبَةً». قَالَ لَا. قَالَ «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَ لَا. قَالَ «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ لَا. قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِعَرَقٍ - وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ - فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ «اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». قَالَ عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». أطرافه ١٩٣٦، ١٩٣٧، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١ تحفة ١٢٢٧٥ - ٢١٠/ ٣
ولا يلزم القَبُول باللفظ عندنا، وهو مذهب البُخاري، وَنَقل المُحشِّي عن «فتح الباري» أن القَبول شَرْطٌ عند الشافعي.
٢١ - باب إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ
قَالَ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ: هُوَ جَائِزٌ. وَوَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵉ لِرَجُلٍ دَيْنَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ، أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ». فَقَالَ جَابِرٌ قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِى، وَيُحَلِّلُوا أَبِي.
стр. 1739
٢٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِى حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِى، وَيُحَلِّلُوا أَبِى، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَائِطِى، وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ «سَأَغْدُو عَلَيْكَ». فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ فِى النَّخْلِ، وَدَعَا فِى ثَمَرِهِ بِالْبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا، فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِىَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ جَالِسٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ «اسْمَعْ - وَهْوَ جَالِسٌ - يَا عُمَرُ». فَقَالَ أَلَاّ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ. أطرافه ٢١٢٧، ٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٧٠٩، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠ تحفة ٢٣٦٤، ٢٣٨٢
وهذا في الحقيقةِ إبراءٌ، وإسقاطٌ للدَّيْن، وهل يشترط له القَبولِ ممَّن عليه الدَّين هل أو لا؟ ففيه قولان في كُتُبِنا: فقيل: يُشْترط؛ وقيل: لا.
٢٢ - باب هِبَةِ الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِى عَتِيقٍ وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِى عَائِشَةَ بِالْغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِى بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.
٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ فَقَالَ لِلْغُلَامِ «إِنْ أَذِنْتَ لِى أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ». فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِى مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِى يَدِهِ. أطرافه ٢٣٥١، ٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠ - تحفة ٤٧٤٤ - ٢١١/ ٣
واعلم أنه يُشْتَرطَ لصحةِ الهبة عندنا أن لا يكون مُشَاعًا، وذلك لأن القبض من تمام الهبةِ، وهو ضعيفٌ في المشاع. ثُم إن كان الواهِب واحدًا، والموهوبُ له جماعةً، فهو مشاع عند الإمام الأعظم. وقال صاحباه: أنه ليس بِمُشاعٍ. وإنْ كان الواهِبُ جماعةً، والموهوبُ له واحدًا، فلا شيوعَ عند الإِمام (١). وأما البخاريُّ فذهب إلى هَدْر الشُّيوع. ولم يره شيئًا، فتصح عنده هِبةُ المُشَاع أيضًا.
стр. 1740
قلت: والذي تبيَّن لي أنَّ توسيعَ البخاري، وتضييق الحنفية، كلاهما ليس بمرضِيَ للشارع، فإِنَّ رَفْع الشيوع الإِبهام مطلوبٌ عنده البتة، أما إنه في أي مَرْتَبة، فلينظر فيه، فليس نَسَقُه إلى هَدْره، كما زعمه البخاري، ولا العضّ به، كما قاله الحنفية، والذي أراه أنًّ النَّهي عنه لكونِه مُفْضِيًا إلى النَزاع، وكلّ أَمْرٍ يكونُ النهيُّ عنه كذلك، لا يُشدِّد فيه الشارِعُ بنفسه، بل ربما يغمض عنه أيضًا، فلا بنبغي التشدُّدُ فيه؛ ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ (٢/ ٢٩٢) "باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها" الخ، عن زيد بن ثابت، قال: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون الثِّمار، فإِذا جذَ الناسُ، وحضر تفاضِيهم: قال المُبتاع: إنه أصاب الثَّمْرَ الدُّمانُ، أصابه مُرِاضُ، أصابه قُشام، عاهاتٌ يحتجُّون بها، فقال رسولُ الله ﷺ لما كَثُرَت عنده الخصومةُ في ذلك: فإِما لا، فلا تتباعوا حتى يبدو صلاح الثَّمر - كالمشورة يشيرُها، لكثرة - «خُصُومتهم. اهـ. فقد فَهِم الراوي في تلك القِصَّةِ ما قد فهمناه، ولذا حَمَل النَّهي على الشمورةِ، لأنه كان لمعنى النزاع.
ونحوه في الفِقْه أيضًا، كالبيع إلى النَّيْروز، والمِهْرَجان، والجِذْع في السَّقْف، كلّها فاسِدٌ، ولكنه لو سَلَّم قبل حُلولِ الأجل في الأَوَّل، ونَزْع الجِذْع في الثاني، انقلب صحيحًا، لأن الفسادَ كان لمعنى النزاع، وقد ارتفع بالتسليم؛ ومقتضاه أن لا يكون الشُّيوعُ في الهِبةُ مُفْسِدًا لها، إلا أنَّ فُقهاءنا وَسَّعوا في البيوع، وَضَيَّقُوا في الهِبة، لأنَّ في البيع قوةً، فيثبت الاستحقاقُ بنفس العقد، فلا يَضُرُّه ضَعُفُ الشُّيوع، بخلاف الهِبة، فإِنه تبرُّعُ مُحْض، يحتاجُ إلى قُوَّة القبضِ، ولا يتمِ القَبْضُ مع الشُّيوع.
وكذا عند التِّرمذي أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن الثُّنيا، إلا أنْ تُعْلم، ومَرَّ عليه محمدٌ، وفسره بالجزء الشَّائِع، ولا بُعْد أن يكون هذا هو المرادَ. وفَسَّره الناسُ باستثناء أَرْطالٍ معلومةٍ، وتَرَكَهُ محمدٌ، وههنا صورتان: الأولى بعتُ مئة وَسْق إلا عشرة أَوْسُق، وهي جائزةٌ، ويكون ضامِنًا لقضاء الباقي بعد الاستثناء؛ والثانية بِعْتُ ثمارَ هذه النَّخيلِ إلا عشرةَ أَوْسق، وينبغي أن تكون تلك أيضًا جائزةً ولا أَرَى مَطْلُوبٌ للشَّارِع؛ ولهذا المعنى شُرِع الخَرْص في العَرَايا، أي ليحصُل نوعٌ من التعيينِ، ويخرج الأَمْرُ عن الجهالةِ المُطْلقةِ إلى التعيين في الجُملةِ، ومن هذا الباب الأَمْرُ بِرَفْع الجهالات في البيوع، فالنَّهي عنه ليس بأكيد، وقد أغمض عنه أيضًا في بَعْض المواضع.
ثم القَبْضُ في البيع يَتِم بالتخلية؛ أما في الهبة، فلا يَتِم إلا بالجِذاذُ، فعند مالك في «موضئه» في باب ما لا يجوزُ من النَّخْل من كتاب الاقضية وقد أَخرجه الطحاويّ أيضًا. مالك عن ابن شِهاب عَن عروة بن الزُّبير، عن عائشة زَوْج النبيِّ ﷺ أنها قالت: إنَّ أبا بكرٍ الصديقَ، كان نَحَلها جُذاذَ عشرينَ وَسْقًا من ماله بغايةٍ، فما حضرته الوفاةُ، قال: واللهِ يا بنيةُ ما مِن الناسِ من أَحَدٍ أَحبُّ إليَّ عندي مِنْك، وإني كُنْتُ نَخَلْتُكِ، فلو كنتُ جَذَذْتُه وأَحرَزْتُه كان ذلك، وإنما هو اليوم مال وارِث، وإنَّما هو أخواكِ، وأُختاك. اهح. فدلَّ أنَّ الهِبةَ لا تتَمِ إلا بالجُذاذِ، أما امْرُ النبي ﷺ بإِكفاء القُدُور حين طَبَخُوا اللَّحْم قبل القِسْمة، فقد مرَّ وَجْهُه، فلا يخالِفُ ما ذكرنا
стр. 1741
ههنا، وكذلك الفَرْق بينه وبين النهد، فإِنَّ الحقَّ في الغنيمةِ يكونُ الثالث، وهو غائبٌ، بخلاف النهد، فإِنَّ الخَلْط والشُّيوعَ جاء من قبل الشريكين بِطَوْعهما ورَغْبتهما، وبأَعْيُنِهما، وقد علما أن الفاضُلَ في الأَكْل لا بدَّ منه، فَتُحْمَل فيه لذلك، فافترقا.
ثم إنَّ المصنِّف ترجم في «الذبائح» أنَّ مَنْ ذبح الشيءَ المُشْتَرَكَ لا يجوزُ أَكْلُه. وكذا عند أبي داود أَنَّ النبيَّ ﷺ دُعي إلى طعامٍ، فأخذ لُقْمةً منه، وقال: إني أرى لحمًا ذُبح بغيرِ إذْن أَهْله، وأَمَر أن يُتَصَدَّق به عن الأُسَارَى؛ وهو عند الدارقطني أيضًا من آخِره، ومن هذا الحديث استنبط الإِمام الأعظم أنَّ سبيلَ المالِ الحرامِ هو التصدُّقُ، وفي القرآن ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فذكَر القَبْض، أما إنه في أَيَّ مَرْتبةِ، فلينظره الفقهاء، وثبت من هذه الجزئياتِ ما رامه الحنفيةُ من ضرورةِ القبْض، وأن الشُّيوعَ يَضُرُّه.
ثم المشهورُ عند الفقهاء أنَّ الشهاةَ إنْ ذُبحت بغيرِ إذْن أَصْلها صارت ميتةً، وعندي هي مُذكْاةٌ، لأنَّ الحُرْمة لمعنىَّ في غيرها، ونحوه ما في «الدار المختار»: مَنْ وَجَد شاةً مذبوحةً في الصَّحْراء، ولم يَدْر مَن ذبحها، ومالِكَها، ولا يَحِل له أَكْلُها، ونقله عن ثِقةٍ لم يذكر اسمه، وعندي أنها ذكيةٌ لا بأسَ بأكْلِها.
ثم اعلم أَنَّ في الفِقْه بابًا يُسمى بالتبرُّع، ولا يوجدُ مُتميِّزًا عن باب الهبة، إلا أنه يُذْكر في ضِمْن المسائل، فليُنَقَّح الفَرْقُ بين البابين، لاختلاف أحكامِهما، ففي «القنية»: المُتبرِّع لا يَرْجِعُ فيما تَبَرَّع به، فبابُ الرُّجوع لا يمشي في التبرُّعات، بخلاف الهِبة.
٢٦٠٢ - قوله: (إن أَذِنت أعطيتُ هؤلاء) واستنبط مِنْه المُصَنِّف أنه كان هِبةَ المُشَاع؛ قلت: بل هو مِنْ باب الإِباحة دون الهِبة، وبينهما فرقٌ، أوضحه شارح «الوِقاية» في كتاب العارِيَّة والتيمم.
قوله: (ما كُنْتُ لأُوثِر) ... الخ؛ حُكي (١) أنَّ الرشيدَ أَهْدَي إلى أبي يوسف، وكان في مجلِس، فقيل له: إنَّ الهدايا مُشْتركة؛ فقال له أبو يوسف: هذا فيما هُيِّأَ للأكل، وأما في غيره فلا، قلت: وفي المهيأ للأكل أيضًا تفصيل، فإِنه يُنظر في قَدْره، وعُرْف الناس فيه، ثُم ذكر الغزاليُّ قصة وليَ أهدى إليه في مِثْله، فقيل له، كما قِيل لأبي يوسف، فأعطاه كلَّها، وقال: لا نحبُ الاشتراكَ؛ واستحسنه الغزاليُّ؛ قلت: بل ما فعله أبو يوسف هو الأحسن، فإِنه قد علمنا به مسألةً من مسائل الدين، وأما الأولياء فيختارون جانِبًا يرونه أوْلى لأنْفُسهم، ويهدِرُون جوانبًا،
٢٦٠٣ - قوله: (فَقَضَاني وزَادني) ولما كانت تلك الزيادةُ غيرَ مُنْفَصلةٍ صاَرَتُ من هبة المُشْاع، وقد مرَّ معنا التنبيه في كتاب البخاري على أن تلك الزيادة كانت مُنْفَصِلةً مُتميِّزةً، وكان جابرُ يَضَعُها في جِرابه، ويقول: واللهِ لا أفارِقُ زيادة رسول الله ﷺ حتى فَقَدها في أَيَّام الحرَّة، كما يأتي في البخاري، ثم في «باب الهِبة من الدر المختار» أنَّ الموهوب لو كان يَضُرُّه القَبْضُ تَفْسُد الهِبة، وإلا لا؛ وفي «باب المرابحة» ما يخالفه شيئًا، فراجعه عند الشامي، ولا بد، نعم يجري البَحْثُ في أن تلك الزيادةُ هل تدخل في قوله: «كلُّ قَرْضٍ جَرَّ بِنَفْع فهو رِبا» - بالمعنى - أم لا؟ وقد ضَيَّق فيه الحنفيةُ عامةً، لما فهموا أنَّ هدايا المديونِ إلى الدائن لا تكون إلا منفعةً لِدَيْنه، فتدخل فيه لا محالة؛ نعم وَسَّع فيه محمدٌ كُلَّ التوسيع، حيث قال في «باب الرجل يكونُ عليه الدَّين» الخ، قال محمد: لا بأسَ بذلك إذا كان من غير شرْطٍ اشترِط عليه، اهـ.
ولكنه يُحْملُ عندي على زمانه، إذ الناسُ ناسٌ، والزَّمانُ زمانُ، فالهدايا في زمانه لم تكن رشوةً، وأما في زماننا فُكلُّها رَشوةٌ، إلا ما شاء الله تعالى، فَيُحْكم في هذا الزمان بالمَنْع (١)، كما قاله العلماءُ، وإنَّ كان المَذْهب، كما قال به محمدٌ.
ثُم اعلم أَنَّ هِبة المُشاع لا تَتِم في أصل المذهب، وإن تحقق القبضُ أيضًا؛ وأفتى المتأخرون بجوازها، وبه أفتى، وذلك لأني أتردد في نفس مسألة الشُّيوع، فَلَسْتُ أَشَدِّد فيها، كالحنفية، ولا أُوسع فيها، كالبخاري، بل هي أَمْرٌ بين الأمرين، كما عَلِمت، فإِنَّ مرضى الشَّرْع، هو رَفْع الإِبهام والتمييز، والشيوع يخل به، فلا يكون هَدْرًا، كما أهدره البخاري، ولا ضروريًا، كما فهمه الحنفية، بحيث قالوا ببطُلان الهِبة؛ وبالجملة إذا كان حالُ الشيوع عندي ما سمعت، فلم أُشَدِّد في الحُكْم، وَوَافَقْت المتأخرين في جواز هِبة المُشاع عند القَبْض.
٢٦٠٦ - قوله: (لا نَجِدُ سِنَّا إلا هي أَفْضَلُ مِن سنِّه) ولا شكَّ أنّ هبة الزيادة تكونُ هِبة المُشاع، قلت: نعم، ولكن لا ريبَ أنه مِن باب المُروءات لا غير، فلا حُجَّة فيه.
٢٤ - باب إِذَا وَهَبَ جَمَاعَةٌ لِقَوْمٍ
٢٦٠٧ و ٢٦٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ «مَعِى مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْىَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ». وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَاّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ فِى الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّى رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ
стр. 1744
أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِىءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ». فَقَالَ النَّاسُ طَيَّبْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ «إِنَّا لَا نَدْرِى مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ». فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. وَهَذَا الَّذِى بَلَغَنَا مِنْ سَبْىِ هَوَازِنَ هَذَا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِىِّ، يَعْنِى فَهَذَا الَّذِى بَلَغَنَا. حديث ٢٦٠٧ أطرافه ٢٣٠٧، ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦ تحفة ١١٢٥١ حديث ٢٦٠٨ أطرافه ٢٣٠٨، ٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٣١٣٢، ٤٣١٩، ٧١٧٧ - تحفة ١١٢٧١
فبوّب بجوازِ الشُّيوع بِكِلا نَحْويه، وتَمسك له بَسْبي هوازن، وغَرَضُه أن يُسوَّع فيه الأمران، فان شِئت قلت: إنَّ الواهِبَ ههنا واحدٌ، والموهوبَ له متعدِّد، وإنْ شِئت قلت بالعكس، فتحقَّق فيه الشُّيوع بالنَّحوين، وقد وعدناك غيرَ مرةِ أنه كان إعتاقًا منهم، لا هبة، فتسقط تفريعاتُ المصنِّف بِأسرها.
[قال البخاري (١): "باب إذا وهب جماعة لقوم، أو وهب رجل جماعة مقسوما وغير مقسوم" اهـ]. واستدل على ذلك بَرِدِّ السَّبْي على وَفْد هَوازِن، وقال قَبْله: وقد وَهَب النبيُّ ﷺ وأصحابُه لهوازِن ما غَنِموا منهم، وهو غيرُ مَقْسومٍ لهوازِن، اهـ. أي وإنْ كان قُسِم بني الغانمين، وفي استدلالة نَظَر، فإِنَّهم كانوا رسلا عن هوازن، يَسألُ كلٌ عن سَبْيه: فليس هناك شُيوعٌ، ثُم ما الوجه في أنه ﷺ اعتذر إلى الوَفْد بوُقوع المقاسم: فقال، على ما في «الفتح» عن مغازي موسى بن عُقبة: ما طلب لكم، وقد وقعت المقاسِم، فأَيَّ الأَمْرين أَحبُّ إليكم؛ السَّبي أم المال؟ اهـ وقال - في وزعم - يلي؛ والذي نفسي بيده إنَّ الشملة التي أصابها يوم خبيرُ من المغانم لم تُصِبها المقاسِمُ، لتشغِلُ عليه نارًا، اهـ. أخرجه هو ابتغاءَ العَدْل في القسمة، أو لئلا يقعَ تَصَرُّفْ فيما ليس خالصًا له، وأن الشِّرْك في المُشاع لا يكفي للانتفاع الذي جنح إليه البخاريُّ هو الثاني، ويترجم عليه في «أواخر الذبائح» لا «الأضاحي» فقال: «باب إذا أصاب قومٌ غنيمةً فذب بعضُهم غَنَمًا، أو إبلا بغير أَمْر أصحابِه لم تؤكل، الحديث رافع»، اهـ. وعارضة في «الفتح» بديث الشاةِ التي ذَبَحَتْها المرأةُ بغيرِ إذْنِ صاحبها. فقال النبيُّ ﷺ «اطْعِمُوها الأُسَارى» والظاهر أنَّه لِمعنى النهبة، كما عند أبي داود في حديثٍ آخَر، فراجع «الفتح» وإذا كان كذلك دَلَّ على أن المُشاع لا يخلص، وإليه ذهب أبو حنيفة، ثُم راجع هل كانت القسمةُ في غنيمة هوازن، وقعت تَفصِيلا أم لا؟ ويملائمه السؤال عن الغُرماء، وإلا لتبيَّن طيب كلًّ بإِرساله السَّبي، والله أعلم.
(كخبير) فيما يَظْهر، ويحتمل أن يكونَ القَسْمُ الثابِتخ في الرواياتِ قَسْم أموالٍ، وأم في السَّبي فقليلٌ، على شاكلة التنفيل، وراجع ما عند البخاري من باب ما كان النبيُّ ﷺ يُعطي
стр. 1745
المؤلفةَ قلوبُهم وغيرهم من الخمس، ونحوه أن جاريتي كانتا من الخمس، فراجع «الفتح» «كنز».
ثُم طرد الحنفيةُ حُكْم المُشاع فيما إذا دفع الشيء إلى رجل واحد بجهتين، كأداء دَيْنٍ في بعض، والهِبة في بعض؛ وكان الزَّعيم أن يكون كهِبة نَخْلٍ كهِبة نَخْلٍ في أرضٍ لَمْن الأَرْضُ له «راجع» الأم و «فتاوى» ابن تيمية: «باب مَن رأى الهِبة الغائبة جائزة» يريدُ به - والله أعلم - أنَّ الهبةَ في قصة هَوازِن وقعت غائبةً عن الموهوبِ لهم، وهم كُلُّ مَنْ أرسل الوفد، وإنْ وقع الخطاب مع الوفد؛ ولا يريدُ في هذه الترجمة مسألةَ المُشاع، كما قرره الشارحون:
*مضاربةٌ، مزارعةٌ، وأَجْر ... يَطِيب الأكلُ فيها، مع فساد
*وفي التأجيل من بيعٍ من بيعٍ إذا ما ... أزال الشَّرْط، يرجع للسراد
*وأما البيع، و .... فما لم ... يَصِحَّا لا يَطيب، فبالرشاد
*وفي المَكْرُوه أوجب فَسْح بَيْع ... على حُكْم الدِّيانةِ في العباد
وراجع «الدر المختار» في المهر للتصرفات الفاسدة؛ وراجع ما عند أبي داود و «المراسيل». وأخذ شتى من «الدر» رواية في معنى قَفِيز الطحان، فيما أرى - والله أعلم - في «الكنز»، وفي - ضمان الأَجِير المشترك.
وما ذكره البخاريُّ من جواز الهِبة الغَيْرِ المقسومةِ، لم يأتِ فيه بدليلٍ، فوجه حديث هوازن - قد مرَّ - وأنه غيرُ مُشاع، نَعم يُشْكِل تخريجُهُ على الأصول، فإِنَّ ظاهِرَه تَرْكُ السَّبي بعد ثبوت المِلْك، والمَنّ عليهم لا إعتاقهم، كما عند البخاري من الخُمْس من رسول الله ﷺ على السَّبي، ثُم وجدت عنده: في عِتْق سَبْي هوارن، فراجع «الفتح»، اللهم إلا أن يكون التقسيمُ على العِرافةِ، والرايات لا تفصيلا، وأما حديثُ جابر، فكانت الزيادةُ مُنفصلةً لا تفارق قرابه. وراجع ما ذكره الحافظ عن المُحِبُّ الطبري مِنْ وَزْن الدَّراهم لا عدِّها؛ وما أخرجه البخاري في «باب إذا وَكَّل رجِلٌ لاجُلا أن يَعْطي شيئًا، ولم يُبَيِّن كم يُعطي، فأعطى على ما يتعارَفُه الناس». وجعل في «الجوهر النقي» هذا زيادة في الثمن لاهِبة: أخرجه هو، الخ.
وقال ﷺ لرعية الجهني: أما ما أدْرَكْت من مالِك يِعَيْنه قَبْل أن يُقْسم، فأَنْت أَحْقُّ به، - حم عب - «كنز»؛ وعن جماعةٍ من السَّلف فيما غَنِم المسلمون ما كان الكفارُ غَنِموه منهم، وقُسِم بين المسلمين يأخذُه المالِكُ الأَصْليُّ بالثمن، راجع التخريج، وفي «الموطأ» في غير فرس لابن عَمْرو، أو خالد عليه، وذلك قبل أن يصيبهما المقاسم، اهـ. وراجع «الفتح».
ثمُ إنَّ الذي يَظْهر أن أَحْكَامَ الحنفيةِ في المُشاع إنما هي «المنازعة - كما في ضابطة لفظه: كل من «رد المحتار» - أوائل البيع، ومسألة تسبيب الدابة من الحج، وإلقاء شيء من اللُّقطة - لا عند السماحةِ، وهو التوفيق في إفادة قبض المِلْك في المُشاع، على خلاف فيه، وإنم يَظْهَرُ عند الخصومة؛ وراجع ما ذكروا في الفَرْق بين التمليك والإِباحة، وحرر في «رد المحتار» وفي آخِر الشَّركة: أن المُنْفِق على دارٍ يمكَنُ قسْمَتُها مُتبرِّعٌ؛ وكذا في «الدر المختار» من شتى الوصايا، ومِثْلُه ما ذكره في البيع، بِشَرْطٍ جَرى العُرْف به، ولعلَّه الوَجْه فيما ذكره في «رد المحتار» في الشَّرْط الفاسد، إذا ذُكِر بعد العقد، وراجع «السَّعاية» في التيمم للإِباحة، والتمليك،
стр. 1746
لكن هناك أن الهِبة للجميع لا تتضمَّن إباحةً الماء كلَّه لواحدٍ، ولا يضرنا.
٢٥ - بابُ مَنْ أُهْدِىَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ، فَهْوَ أَحَقُّ
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاءُ. وَلَمْ يَصِحَّ.
٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ أَخَذَ سِنًّا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ «إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا». ثُمَّ قَضَاهُ أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ وَقَالَ «أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً». أطرافه ٢٣٠٥، ٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٢، ٢٣٩٣، ٢٤٠١، ٢٦٠٦ - تحفة ١٤٩٦٣
٢٦١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ لِعُمَرَ صَعْبٍ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِىَّ ﷺ فَيَقُولُ أَبُوهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمِ النَّبِىَّ ﷺ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «بِعْنِيهِ». فَقَالَ عُمَرُ هُوَ لَكَ. فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ قَالَ «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ». طرفاه ٢١١٥، ٢٦١١ - تحفة ٧٣٥٥ - ٢١٣/ ٣
وقد مرَّت فيه قصةُ أبي يوسف: وحاصله أن الهدية مِلْك للمُهْدى له، ولكنه يشرك جُلساه مروءةً، كما في الحديث الآتي، أن النبيَّ ﷺ قال لعبد الله: هو لك يا عبدَ الله، فكان هدية له» ولم يشرك فيها عبدُ الله بِن عمَر أحدًا.
قوله: (ثم قضاه أفضل من سنه) وتمسك به المصنف، بأن الزيادة التي أعطاها النبي ﷺ ثبتت في ملكه كذلك، هدايا المجلس تكون ملكًا للمهدى إليه.
٢٦ - باب إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهْوَ رَاكِبُهُ فَهُوَ جَائِزٌ
٢٦١١ - وَقَالَ الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِعُمَرَ «بِعْنِيهِ». فَابْتَاعَهُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ». طرفاه ٢١١٥، ٢٦١٠ - تحفة ٧٣٥٥
عاد المصنِّفُ ثانيًا إلى أن قَبْضَ الأمانة، هل يُغْني عن قَبْض الهِبة أم لا؟ فراجع تفصيله في الفقه.
٢٧ - باب هَدِيَّةِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهَا
٢٦١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ قَالَ «إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ». ثُمَّ جَاءَتْ حُلَلٌ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، وَقَالَ أَكَسَوْتَنِيهَا
عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ «وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ» قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَتُعْطِى صَدَقَتَهَا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا». أطرافه ١٤٥٢، ٣٩٢٣، ٦١٦٥ - تحفة ٤١٥٣ - ٢١٨/ ٣
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ - يَعْنِى ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا فَقَالَ «لِمَنْ هَذِهِ». فَقَالُوا اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ «أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا». طرفاه ٢٣٣٠، ٢٣٤٢ - تحفة ٥٧٣٥
وقد مرَّ أن للهبة أسماء عند أصحاب اللغة، فهبة الحيوان الحلوب ليشرب من لبنه، تسمى منحة، كما أن هبة الأشجار تسمى عرية.
٢٩٢٩ - قوله: (نِعَم المَنِيحةً اللِّقْحة الصَّفِيُّ مِنْحَةً) ... الخ. «فنِعْم» من أفعال المَدْح، «والمنيحة» فاعِلُه، و «اللِّقْحة» مخصوصٌ بالمدح، ومنحةً تمييزُ له، واللام على المِنْحة للجنس دون الاستغراق، كما اختاره الأُشْمُوني، ثُم إنَّ النّحاةَ تحيِّروا في مفاد قوله: نِعْم الرجلُ زيدٌ، فإِنَّه لا يظهَرُ للتخصيص بَعْ٦ التعميم ههنام معنىً، ويُتوهَّم أنه إطْنابُ، قلت: ومحَصَّلة عندي أن زيدًا رجلٌ حَسَنُ من جِنْس الرجال، فاللام فيه للجِنْس، ومَنْ جعلها للاستغراق فقد غَلِط.
٢٦٣١ - قوله: (فما اسَتَطَعْنا أَنْ نَبْلُعَ خَمْسَ عشرة خَصْلَةً) أي كانت تلك الخصالُ أَربعينَ، فَجَعلْنا، نُعدِّدها فلم نستطيع أن تعدِّدها إلا بهذا القَدْر، وقد ذكرها أربابُ الشُّروح بتمامِها.
٢٦٣٢ - قوله: (فُضُوُلُ أَرَضِين) "بجى هوئى زمينين".
٣٦ - باب إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ.
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً». وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ». أطرافه ٢٢١٧، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠ - تحفة ١٣٧٦٤
والظاهر أَنَّ المصنِّف لم يَحْكُم في لفظ الإِخدام بشيء، وتركه على العُرْف، فإِنَّ كان عُرْفُهم أنه الهِبةُ، فهو هبةٌ، وإن كان أنه العارِيَّةُ فعلى ما تعارفوه.
قوله (وقال بعضُ الناس: هذه عاريَّةٌ، وإنْ قال: كَسَوْتُك هذا الثَّوْبَ، فهو هِبَةٌ) والمُرادُ به
стр. 1754
ههنا أبو حنيفة؛ وقد مرَّ أن المصنِّف لا يريدُ به الرَّد دائمًا، والأقربُ أنه اختارَ تفصيلَ الإِمام الأعظم، لأنه أيضًا فَوِّضَه إلى العُرْف، ولما كان في لفظ الخِدمة. أنه للعاريَّة بخلاف الكُسوة، ظهر وَجْهُ الفَرْق بينهما، ولعلَّ أهلَ العُرْف حملوا الكِسوة على الهبة. لأن الثَّوْب يَبْلَى ويخلق، فلا يكونُ المرادُ من كِسوته إلا الإِعطاءَ، والهِبةَ، وإنما قلنا: إنّه وافقنا في المسألة. لأنه لو أرَادَ الخِلافَ لأَخُرَجَ حديثًا يؤيد مَرَامَه، كما هو دَأبُه، وإنُ سلمناه، فَردُّ ضعيفٌ جدًا. لِوُضُوح الفَرْق بين اللَّفين، كما عرفت آنِفًا.
٢٦٣٥ - قوله: (أَخْدَمَ وَلِيدَةً) (١) ولعلّ لَفظ الخِدمة في أَصْل الوَضْع للعارِيَّة، واستُعُمِل في الحديث للهِبة توسُّعًا، وقد ذكرَه الفقهاءُ أيضًا من الفاظ العاريَّة والهِبة معًا، وذلك لأَجل اختلافِ العُرْف فيه؛ على أَنَّ كَوْنَ تلك الوليدةِ هبةً لم يُفْهم مِن لَفْظ الإِخدام، بل مِن قوله: «فأَعْطَوها أَجْرًا، كما ذكره ابنُ بَطَّال، وراجع الحاشية.
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فَهْوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ قَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ». أطرافه ١٤٩٠، ٢٦٢٣، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣ - تحفة ١٠٣٨٥
ولا يعتيَّنُ أنه أراد به خلافَ الإِمام الأعظم، بل يمكنُ أن يكونُ على طريقِ نَقْل إحدى الجائزات، ولذا لم يشددِ في الكلام، وكأنه رآه مُحتمِلا أيضًا، والله تعلى أعلم بالصواب.
...
стр. 1755
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - كِتَابُ الشَّهَادَات
قال الفقهاء: إنَّ إثباتَ الحقِّ على الغير يُسمَّى دَعْوى، وإثباتَ حقِّ الغيرِ على نَفْسه يُسمَّى إقرارًا، وإثباتَ حقِّ الغير على الغير يُسمَّى شهادةً.
١ - بابُ مَا جَاءَ فِى الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥].
قد مرَّ أن المصَنِّف وافق فيه أبا حنيفة، فلم يجعل اليمينَ على المُدَّعِي في صورةٍ، ولكن عليه البينةُ فقط، وأَصْرَح منه ما قاله في المجلد الثاني، كما سيجيء في مَوْضعه، وهو ظاهِرُ القرآنُ، فإِنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يذكر للشهادةِ صورةً غيرَهما، وقولُه: «قضى بشاهد، ويمين»، حكايةُ حالٍ لا عمومَ لها؛ وهو عندي من باب المقاضاةِ، لا مِن باب القضاء، وفَصْل الخُصومات، ونظيرُه عند أبي داود، وسنقرره فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
٢ - باب إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْرًا، أَوْ قَالَ مَا عَلِمْتُ إِلَاّ خَيْرًا
وَسَاقَ حَدِيثَ الإِفكِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُسَامَةَ حِينَ اسْتَشَارَهُ قَالَ: "أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيرًا".