عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ «وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ» قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَتُعْطِى صَدَقَتَهَا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا شَيْئًا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا». أطرافه ١٤٥٢، ٣٩٢٣، ٦١٦٥ - تحفة ٤١٥٣ - ٢١٨/ ٣
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ - يَعْنِى ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا فَقَالَ «لِمَنْ هَذِهِ». فَقَالُوا اكْتَرَاهَا فُلَانٌ. فَقَالَ «أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا». طرفاه ٢٣٣٠، ٢٣٤٢ - تحفة ٥٧٣٥
وقد مرَّ أن للهبة أسماء عند أصحاب اللغة، فهبة الحيوان الحلوب ليشرب من لبنه، تسمى منحة، كما أن هبة الأشجار تسمى عرية.
٢٩٢٩ - قوله: (نِعَم المَنِيحةً اللِّقْحة الصَّفِيُّ مِنْحَةً) ... الخ. «فنِعْم» من أفعال المَدْح، «والمنيحة» فاعِلُه، و «اللِّقْحة» مخصوصٌ بالمدح، ومنحةً تمييزُ له، واللام على المِنْحة للجنس دون الاستغراق، كما اختاره الأُشْمُوني، ثُم إنَّ النّحاةَ تحيِّروا في مفاد قوله: نِعْم الرجلُ زيدٌ، فإِنَّه لا يظهَرُ للتخصيص بَعْ٦ التعميم ههنام معنىً، ويُتوهَّم أنه إطْنابُ، قلت: ومحَصَّلة عندي أن زيدًا رجلٌ حَسَنُ من جِنْس الرجال، فاللام فيه للجِنْس، ومَنْ جعلها للاستغراق فقد غَلِط.
٢٦٣١ - قوله: (فما اسَتَطَعْنا أَنْ نَبْلُعَ خَمْسَ عشرة خَصْلَةً) أي كانت تلك الخصالُ أَربعينَ، فَجَعلْنا، نُعدِّدها فلم نستطيع أن تعدِّدها إلا بهذا القَدْر، وقد ذكرها أربابُ الشُّروح بتمامِها.
٢٦٣٢ - قوله: (فُضُوُلُ أَرَضِين) "بجى هوئى زمينين".
٣٦ - باب إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ، وَإِنْ قَالَ كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ.
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً». وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ». أطرافه ٢٢١٧، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠ - تحفة ١٣٧٦٤
والظاهر أَنَّ المصنِّف لم يَحْكُم في لفظ الإِخدام بشيء، وتركه على العُرْف، فإِنَّ كان عُرْفُهم أنه الهِبةُ، فهو هبةٌ، وإن كان أنه العارِيَّةُ فعلى ما تعارفوه.
قوله (وقال بعضُ الناس: هذه عاريَّةٌ، وإنْ قال: كَسَوْتُك هذا الثَّوْبَ، فهو هِبَةٌ) والمُرادُ به
стр. 1754
ههنا أبو حنيفة؛ وقد مرَّ أن المصنِّف لا يريدُ به الرَّد دائمًا، والأقربُ أنه اختارَ تفصيلَ الإِمام الأعظم، لأنه أيضًا فَوِّضَه إلى العُرْف، ولما كان في لفظ الخِدمة. أنه للعاريَّة بخلاف الكُسوة، ظهر وَجْهُ الفَرْق بينهما، ولعلَّ أهلَ العُرْف حملوا الكِسوة على الهبة. لأن الثَّوْب يَبْلَى ويخلق، فلا يكونُ المرادُ من كِسوته إلا الإِعطاءَ، والهِبةَ، وإنما قلنا: إنّه وافقنا في المسألة. لأنه لو أرَادَ الخِلافَ لأَخُرَجَ حديثًا يؤيد مَرَامَه، كما هو دَأبُه، وإنُ سلمناه، فَردُّ ضعيفٌ جدًا. لِوُضُوح الفَرْق بين اللَّفين، كما عرفت آنِفًا.
٢٦٣٥ - قوله: (أَخْدَمَ وَلِيدَةً) (١) ولعلّ لَفظ الخِدمة في أَصْل الوَضْع للعارِيَّة، واستُعُمِل في الحديث للهِبة توسُّعًا، وقد ذكرَه الفقهاءُ أيضًا من الفاظ العاريَّة والهِبة معًا، وذلك لأَجل اختلافِ العُرْف فيه؛ على أَنَّ كَوْنَ تلك الوليدةِ هبةً لم يُفْهم مِن لَفْظ الإِخدام، بل مِن قوله: «فأَعْطَوها أَجْرًا، كما ذكره ابنُ بَطَّال، وراجع الحاشية.
٣٧ - باب إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فَهْوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا.
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى يَقُولُ قَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ فِى صَدَقَتِكَ». أطرافه ١٤٩٠، ٢٦٢٣، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣ - تحفة ١٠٣٨٥
ولا يعتيَّنُ أنه أراد به خلافَ الإِمام الأعظم، بل يمكنُ أن يكونُ على طريقِ نَقْل إحدى الجائزات، ولذا لم يشددِ في الكلام، وكأنه رآه مُحتمِلا أيضًا، والله تعلى أعلم بالصواب.
...
стр. 1755
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - كِتَابُ الشَّهَادَات
قال الفقهاء: إنَّ إثباتَ الحقِّ على الغير يُسمَّى دَعْوى، وإثباتَ حقِّ الغيرِ على نَفْسه يُسمَّى إقرارًا، وإثباتَ حقِّ الغير على الغير يُسمَّى شهادةً.
١ - بابُ مَا جَاءَ فِى الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥].
قد مرَّ أن المصَنِّف وافق فيه أبا حنيفة، فلم يجعل اليمينَ على المُدَّعِي في صورةٍ، ولكن عليه البينةُ فقط، وأَصْرَح منه ما قاله في المجلد الثاني، كما سيجيء في مَوْضعه، وهو ظاهِرُ القرآنُ، فإِنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يذكر للشهادةِ صورةً غيرَهما، وقولُه: «قضى بشاهد، ويمين»، حكايةُ حالٍ لا عمومَ لها؛ وهو عندي من باب المقاضاةِ، لا مِن باب القضاء، وفَصْل الخُصومات، ونظيرُه عند أبي داود، وسنقرره فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
٢ - باب إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْرًا، أَوْ قَالَ مَا عَلِمْتُ إِلَاّ خَيْرًا
وَسَاقَ حَدِيثَ الإِفكِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُسَامَةَ حِينَ اسْتَشَارَهُ قَالَ: "أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيرًا".
стр. 1756
٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِىُّ حَدَّثَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْىُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِى فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْرًا. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِى الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِى أَذَاهُ فِى أَهْلِ بَيْتِى فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِى إِلَاّ خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَاّ خَيْرًا». أطرافه ٢٥٩٣، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩، ٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٣٧٠، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥ تحفة ١٦٧٠٨، ١٦١٢٦، ١٧٤٠٩، ١٦٣١١ - ٢١٩/ ٣ - ٢٢٠/ ٣
أي هل يكفي التعديلُ بهذا القَدْرِ؟ فقال: يُعتبر به، ثم التزكيةُ في الفِقه على نَحوْين: التَّزْكيةُ سِرًا، وهذه تكون خفيةً، والتَّزْكيةُ جَهْرًا، وهذه تكونُ في مَجُلِس القضاء.
٣ - بابُ شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي
وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَىْءٍ، وَإِنِّي سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا.
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَالِمٌ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِىُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِى فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِى قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ - أَوْ زَمْزَمَةٌ - فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِىَّ ﷺ وَهْوَ يَتَّقِى بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادِ أَىْ صَافِ، هَذَا مُحَمَّدٌ. فَتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ». أطرافه ١٣٥٥، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤ - تحفة ٦٨٤٩
يعني إذا أختبأ الرجلُ، وَنَظر إلى المشهودِ عليه، وهو لا يَشْعُر به، فهل يُعْتدُّ بشهادته؟
قوله: (السَّمْعُ شَهادةٌ) يعني إنْ سَمِع كلامَ أحدٍ يجوزُ له أن يَشْهد به، ولا يجب له الإِشهاد أيضًا، كما في الشَّهادةِ، أما الشهادة بالتسامع فهي شيءٌ آخرٌ، ومعناها أنه لم يَسْمع كلامًا، ولم يرَ شيئًا، ولكنه سَمِع النَّاس يقولون شيئًا أفواهًا، فَشَهِد به، ولم يعتِبره الحنفيةُ إلا في ستةِ مواضَع، ذُكِرت في «الكنز»؛ وأضاف عليها أصحابُ الشُّروح أَمورًا إلى تسعةٍ، والشهادةُ بالسَّمع غيرُ الشهادةِ بالتسامع، والأولى جائزةٌ مُطْلقًا.
فإِن قلت: إنَّ الصوتَ يُشْبِه الصوت؟ قلت: نعم، ولكنهم اعتبروا القرائنَ، فإِذا تبيَّن بالقرائِن أنه صوتُ فلان، جاز له أَن يَشْهد به، وقد مر معنا أن قولهم: الخَطُّ يُشْبِه الخَطَّ، إنما
стр. 1757
يجري في باب الدَعاوَى، إما في غيرها فقد اعتبروا بالخطِّ إذا حصل اليقينُ بكونِه خَطَّ فلان.
(وكان الحسن يقول): .. الخ، وهذه شهادةٌ بالتسامع، وهي غيرُ معتبرةٍ عندنا.
٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِىِّ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِى فَأَبَتَّ طَلَاقِى، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤ - تحفة ١٦٤٣٦
٢٦٣٩ - قوله: (فقال: يا أبا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إلى هذه ما تَجْهِرُ به عند النبيِّ ﷺ ؟)، فاعتمد على الصوتِ، لأن الصحابيَّ كان على الباب، قلت: إنَّ البُخاري تمسَّك بقصةِ ابن صَيَّاد، وهذه القِصةُ مع كونِها من الأمور البَيْنيَّةِ، وكثيرًا ما يحتجُّ بها المصنِّف على مسائلِ القضاء والحُكْم، ولا يَفَرَّق بينهما.
٤ - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَىْءٍ، فَقَالَ آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا كَمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ. وَقَالَ الْفَضْلُ لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ. كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ.
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِى حُسَيْنٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِى إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِى تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِى وَلَا أَخْبَرْتِنِى. فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِى إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ». فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
أطرافه ٨٨، ٢٠٥٢، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤ - تحفة ٩٩٠٥ - ٢٢١/ ٣
وهي مسألةٌ عندنا إنْ بلغت الشهادةُ نِصَابها.
قوله: (إنْ شَهِد شاهِدَان: أن لِفُلانٍ على فلانٍ دِرْهم، وشَهِد آخَرانِ بألفٍ وخَمْس مئة، يُقْضى بالزِّيادة)،وإذا اختلفت الشهادتانِ، بأْنْ شَهِد اثنانِ على كذا، وانثانِ آخَرَان على كذا، يُقْضَى بالقَدْر المُشْتَرَك، وما ذكره صاحِب «الهداية» من التفصيل، فهو عند اختلافِ الشاهدين فيما بينهما، فَتُرَدُّ في بعض الصُّوَر؛ وراجع تفصيله منه.
стр. 1758
٥ - باب الشُّهَدَاءِ الْعُدُولِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وَ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - يَقُولُ إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْىِ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَىْءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِى سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. تحفة ١٠٥١٤ أ
والعبرةُ في العدالة أَنْ يكون ذا خِصال شريفةٍ، ومروءةٍ فَحَسْب، فإِنه لو شُدِّد فيها لأنسَدَّ على النَّاس طريقُ فَصْلِ خصوماتهم، فإِنه يَعِزُّ وجودُ الجامعِ بين أَوصاف العدالة.
٢٦٤١ - قوله: (وإنَّ الوَحْي قد انقطع، وإنَّما نأخُذُكم الآنَ بما ظَهر لنا مِن أعمالِكُم) دلَّ على أن القَطْع هو الوَحْي فقط. وما قال بعضُ العلماءِ: إنَّ الكَثْفَ أيضًا قَطْعِيُّ، فليس بصحيح. وأما ما يُظَنَّ من التخليط في بعض أخبار الوحي. فباطلٌ، لأنه لا تخليط فيه أصلا. وهي صِدْقٌ كُلّها، وإنما يَحْدُثُ التخليطُ في النَّقل، والطريق، فيحدُث ما يحدث من جهته، ولم يُوَفِّق لهذا الفَرْقِ مسيلمة الفنجاب فَحَمَلها على صاحب الوَحْي - ما أَكْفَرَه - فَجوَّز الغَلَط في وحي الأنبياء ﵈ أيضًا، وجعل يتمسَّك بالاغلاطِ التي وقَعت من تلقاء الرُّواةِ.
*هم نقلوا عني الذي لم آفهْ به ... وما آفةُ الأخبار إلَّا رُواتُها
ولم ينظر أنَّ النَّاسَ مع عِلْمهم وشَرَفِهم قد يَغْلَطُون اليوم أيضًا في نَقْل الأشياء كثيرًا؛ فما الاستبعادُ إنْ وقعت الأغلاطُ في نقل الرواياتِ عن النَّقلةِ الأَثْبات، ثم الجاهلُ قد يتضرَّرُ به من طَرَفٍ آخر، فَيَزْعمُ أن الأغلاط إذا وقَعت عن الرُّواةِ ارتفع الآمانُ عن الدِّين، ولم يَدْر أنَّ الله تعالى خلق له رجالا يُميِّزون المُخيضَ عن الرغوة، فيجمعون الطُّرُقَ، وينظرونَ في الأسانيد، ويبحثون عن العِلل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] ونعوذ بالله من الزَّايْغ والإِلحادِ، وسوء الفَهْم، وفَرْط الوَهم.
٦ - باب تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ
٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ مُرَّ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ «وَجَبَتْ». ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا - أَوْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَقَالَ «وَجَبَتْ». فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ لِهَذَا وَجَبَتْ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ، قَالَ «شَهَادَةُ الْقَوْمِ، الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ». طرفه ١٣٦٧ - تحفة ٢٩٤
стр. 1759
٢٦٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِى الْفُرَاتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ - رضى الله عنه - فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ فَأُثْنِىَ خَيْرٌ فَقَالَ عُمَرُ وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِىَ خَيْرًا فَقَالَ وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِىَ شَرًّا، فَقَالَ وَجَبَتْ. فَقُلْتُ مَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ». قُلْنَا وَثَلَاثَةٌ قَالَ «وَثَلَاثَةٌ». قُلْتُ وَاثْنَانِ قَالَ «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ. طرفه ١٣٦٨ - تحفة ١٠٤٧٢ - ٢٢٢/ ٣
يعني أَنَّه يُشْتَرطُ العددُ في المُزَكَّى، أم لا؟ فقال الحنفيةُ: يُشترط العدد في المُزَّكى أم لا؟ فقال الحنفيةُ: يُشترط له أَحَدُ شَطْري الشهادة: إما العددُ، أو العدالة.
٢٦٤٢ - قوله: (المؤمنونَ شُهَداءُ اللهِ في الأَرْض) وقد مرَّ الكلامُ فيه في كتاب «الجنائز»؛ وذكر الشيخُ الأكبرُ أنَّ الرزق إنما نيط بالأسباب، ليُعلم حالُ الشقاوة والسعادة بالمقايسة؛ فإِنها أيضًا من تلقاءِ الأسباب؛ وعادةُ الله قد جرَت في هذا العالم بتعليقِ الأسباب بالمُسَيِّبات، فكلُّ مُسيَّبٍ مَنُوطٌ بِسَبَه، إلى أن ينتهي الأَمْرُ إلى ربِّ الأرباب: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] فلا تأثيرَ في الحقيقةِ في هذا العالم إلا الله تعالى، فهو مُسَيِّبُ الأسباب، إلا أنَّ القدرةَ الأزلية مستورةٌ تحت حُجُب الأسباب، فيرى في الظاهر أن التأثيرَ لها، مع أنه لا تأثير إلا لله، وفي المثل السائر؛ قالت الجدارُ للوَقدِ: لم تَشُقُّني؟ قالت: سَلْ مَنْ يدُقُّني، فزِمامُ الأسباب كلَّها إلى اللهِ سبحانه، لا إله إلَّا هو.
٧ - باب الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ». وَالتَّثَبُّتِ فِيهِ.
وهي من الجزئيات التي اعتُبِرت فيها الشهادةُ بالتسامح عندنا، وكذلك الموت القديم، إما الرَّضاعُ المستفيضُ فليس منها.
٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتِ اسْتَأْذَنَ عَلَىَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّى وَأَنَا عَمُّكِ فَقُلْتُ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِى بِلَبَنِ أَخِى. فَقَالَتْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِى لَهُ». أطرافه ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١، ٥٢٣٩، ٦١٥٦ - تحفة ١٦٣٦٩
٢٦٤٤ - قوله: (فَلم أذّن لَهُ) وكانت تقول: إنما أرضعتني المرأةُ دون الرَّجل، فالحُرْمةُ
стр. 1760
أيضًا ينبغي أن تكونَ من قِبَلها، لا مِن قِبَلة: ويقال لتلك المسألةِ: لين الفَحْل، والجمهور على أن الرجل الذي من إحبالِه ذلك اللَّبن أَبٌ للرَّضيع، والمرأةَ أُمٌ له، وإذن تَسْري الحُرْمةُ إلى الرَّجلِ، والمرأةِ سواء، فإِنَّ اللَّبن من إحْبَالِه.
٢٦٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ فِى بِنْتِ حَمْزَةَ «لَا تَحِلُّ لِى، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِىَ بِنْتُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ». طرفه ٥١٠٠ - تحفة ٥٣٧٨
٢٦٤٥ - قوله: (يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يحرُمُ من النَّسَب) ... الخ، وقد وقع ههنا سَهْوٌ من الشيخ ابنِ الهُمام حيث قال: إنَّ امرأةَ ابنه من الرَّضاع حرامٌ على الأب، وعلى قضيةِ يَلْزمُ أن لا يتكونَ حرامًا، لأن حُرْمة ابنه من جهة المصاهرة لا من جهة النَّسبِ، ودلَّ الحديثُ على أنَّ المحرمات مِن الرضاعة هي المحرماتُ من النَّسب فقط؛ وهذه ليست محرمة النَّسَبِ، فينبغي أن تكون حلالا.
٢٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِى بَيْتِ حَفْصَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرَاهُ فُلَانًا. لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِى بَيْتِكَ. قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُرَاهُ فُلَانًا». لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا - لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - دَخَلَ عَلَىَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ». طرفاه ٣١٠٥، ٥٠٩٩ - تحفة ١٧٩٠٠
٢٦٤٦ - قوله: (لو كان فلان حَيًّا، لعمها من الرَّضاعة - دخَل عليَّ) قلت: لا تناقُضَ بين حديثِ الباب، وبين ما مرَّ آنِفًا، أنه استأذنها وهو حيٌّ، لتعدُّدِ الواقعتين.
قلت: وقد سها فيه الشيخ؛ ومنشؤه أنهم ذكروا الصورةَ المذكورة في باب المصاهرة، فظنَّ أن الحرمةَ فيها من قِبَل الصَّهْر فقط، مع أن النَّسب أيضًا دخلٌ فيها، كماتدل في باب المصاهرة، فظنَّ أن الحرمةَ فيها من قِبلَ الصِّهْر فقط، مع أن النَّسب أيضًا دخيلٌ فيها، كما تدل عليه إضافة المرأة إلى الابن، فحرمةُ زوجةِ الأبِ على الابن، لكونِها امرأةً لأبيه أيضًا، ففي إضافةِ المرأةِ إلى الابن والأَب إشعارٌ بأن النَّسب أيضًا مراعيِّ في هاتين الحُرْمتين، فانحل الإِشكالُ بلا قيلٍ وقال.
٢٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِى الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ وَعِنْدِى رَجُلٌ، قَالَ «يَا عَائِشَةُ مَنْ هَذَا». قُلْتُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ «يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ،
стр. 1761
فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ». تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِىٍّ عَنْ سُفْيَانَ. طرفه ٥١٠٢ - تحفة ١٧٦٥٨ - ٢٢٣/ ٣
٢٦٤٧ - قوله: (فإِنَّما الرِّضاعةُ من المَجاعةِ)، واعلم أنهم اختلفوا في مُدة الرَّضاعة، فذهب الجمهور إلى أنها حَوْلانِ، مع تفصيل قليلٍ فيما بينهم؛ وعندنا هي ثلاثونَ شَهْرًا. وأصلُ الكلام في القرآن، فإِنَّه تعرَّض إلى مدة الرَّضاعة نصًا، أما الحديثُ فلم يتعرَّض له إلى حَدَ، كما ترى في قوله: «إنَّما الرَّضاعةُ من الجماعة»، ولعلَّك عَلِمت منه أن مدَة الرَّضاعة لو كانت هي الحَوْلين في نظر صاحب الشرع لَنوَّر بها الحديث، واستعملها، وذكر تفاصيلها، وبني عليها في كلامه، وإذا لم نرفيه عباءةً بها، عَلِمنا أن القرآن اعتبر فيها اعتبارًا، لا أنها تمامُ المدة التي لا وكس فيها، ولا شَطَط. وسيأتي الكلام فيها في موضعه إنْ شاء الله تعالى.
٨ - بابُ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]. وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ مَنْ تَابَ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُ. وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِىُّ وَعِكْرِمَةُ وَالزُّهْرِىُّ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ وَشُرَيْحٌ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ إِذَا رَجَعَ الْقَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ وَقَتَادَةُ إِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الثَّوْرِىُّ إِذَا جُلِدَ الْعَبْدُ ثُمَّ أُعْتِقَ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنِ اسْتُقْضِىَ الْمَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ، وَإِنْ تَابَ، ثُمَّ قَالَ لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَيْنِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ لَمْ يَجُزْ. وَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ وَالْعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ. وَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ، وَقَدْ نَفَى النَّبِىُّ ﷺ الزَّانِىَ سَنَةً. وَنَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْ كَلَامِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتَّى مَضَى خَمْسُونَ لَيْلَةً.
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِى غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَأُتِىَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِى بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أطرافه ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠ - تحفة ١٦٦٩٤
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رضى الله عنه - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ بِجَلْدِ مِائَةٍ وَتَغْرِيبِ عَامٍ. أطرافه ٢٣١٤، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩ - تحفة ٣٧٥٥ - ٢٢٤/ ٣
стр. 1762
وهي جائزةٌ عند الشافعية بعد التوبةِ، وحُسْن الحالِ؛ وردَّها الحنفيةُ مُطْلقًا، وعَدُّوه من تمام الحَدِّ، وأصلُ النزاع (١) في القرآن؛ فَمَنْ ذهب إلى أن قوله: ﴿إلا الدين تابوا من بعدِ ذلك وءَصْلَحوا﴾ (النور: ٤)، استثناءُ من قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] قَبِلها بعد التوبةِ، ومنْ جعله استثناءً مِن الفسْق لم يَقْبَلْها وإنْ باب، فالأبدُ عندنا على معناه بخلافة عند الشافعية، وقد بُحث في الأصول أَنَّ الاستثناء إذا وقع بعد عدةِ أمور، هل يرجع الأقرب، أم إلى الجميع؟ فليراجع.
قوله: (وَجَلَدَ عُمرُ أبا بَكْرةَ، وشِبْلَ بَنَ مَعْبد) .... الخ، وقِصَّتُه أن المغيرةَ بن شُعْبة كان واليًا بالعراق، وأبا بكرة بالكوفةِ؛ وكان لمغيرةُ من دُهاةِ العرب، حتى قال الحسنُ البصري: أَفْسد الناس اثنان: المغيرةُ وعَمْرو بنُ العاص، وإنما كان عمرُ، وَلاة على العراق، لأن أمورَ الولاية لا تَنْتَظِم، إلا مِن القَطِن الذكي، المقذف في الأمور، فكان زُهادُّ الصحابةِ عن سخطه منه: منهم أبو بكرة؛ فاتفق يومًا أن المغيرةَ خرج من بيته بِغَلَسَ، فدخل بين امرأة، فلم يستطع أبو بكرة أن يَصبرَ عليه، فذهب وجاء بثلاثةِ شهداء، فشاهدوه يُجامعها، فلما بلغ أمْرُه إلى عمر، دعا: اللهم أَنْقذ المغيرةَ من الحدِّ، فَشَهِد منهم ثلاثةُّ بلفظٍ صريح، أما الرابع فقال: انَّه رأى حركةَ (٢) رِجْليه لا غير، فدرأ عنه الحدَّ، وشكر الله تعالى، وجلد هؤلاء حَدَّ الفِرْية.
قلت: أما وَجْهُ دخولِ المغيرةَ في بيت امرأةٍ، فما علمت بعد تَفَحُّص بالغٍ أنه كان نَكحها نِكَاح السرِّ، فكان يذهبُ إليها ويجامِعُها، وإنما لم يعتذر به عند عُمَر، لأنه كان نهى عنه، وأعلنَ أنه لا يَسْمَع بعد ذلك أحدًا يفعله إلا تَحُلُّ به العقوبةُ، فخاف أن يبوءَ به.
قوله: (مَنْ تابَ قَبِلْتُ شَهادَتَه)، وهذا بِمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلا ريبَ في كونه قويًا، وهو مَذْهبُ أكثرِ الصحابة، ولعلَّ مَلَحَظ الإِمامِ الأعظم أنه لا معنى للتوبةِ عنه، إلا أن يُكذِّب نَفْسَه، وذا لا يمكنُ من رَجُلٍ صادقٍ، فإِنه كيف يُكَذِّب نَفْسه، وقد رآه بعينيه، أما الحدُّ على
стр. 1763
ظهره، فذلك لِقُصُورٍ في الشهادة، وهو أَمْرٌ أَخَر، ألا ترى أن أبا بكرة لم يرجع عن قوله حتى مات.
وحينئذٍ يُشْكِل قولُ عمرَ: مَنْ تاب قَبِلْت شهادته، ماذا معناه؟ هل يريدُ بذلك أن يَحْمِلَهم على أن يُكذِّبوا أنفسهم، فإِنه لا معنى لِتوْبَتِم إلا ذلك، فيه ترغيبٌ لهم على الكذب، قلت: ولعلَّه أراد به الإِغماضَ عما رآه بقولٍ مُبْهم، والتوبةُ مجملةٌ، دون الرُّجوع عما رآه بعينه بصريح اللفظ. وبالجملة لما تعذرت منهم التوبةُ، لأنها تكذيبُ للنفس والعين، بقي حُكْم ردِّ الشهادةِ إلى الأبد (١) والله تعالى أعلم.
قوله: (وقال الثَّوْري: إذا جُلِدَ العَبْدُ، ثُم أُعْتِقَ جَازَت شهادَتُهِ)؛ قلت: وهي مسألةٌ أُخرى ليست من باب قبول شهادةِ القاذفع، لأن العبد ليست له وِلايةٌ، فإِذا عَتق حَصَلت له الوِلايةُ على نفسه، وإذن لا بأس بعبرةِ شهادتِهِ.
قوله: (وقال بعضُ الناس) وحاصلُه أن الإِمام أبا حنيفة رَدَّ أَوّلا شهادةَ المحدود، ثُم ناقَضَه واعتبرها في النكاح: قلت: ليس الأَمرُ كما فَهِم المصنِّف، فإِنَّ الإِمام رَدَّها للثُّبوتِ، وقَبِلها للانعقاد، وبينهما فَرْقُ لا يخفي، ثمُ إنه ليس مِن عقدٍ يحتاجُ إلى الاستشهادِ غير النِّكاح للانعقاد أيضًا، وإنَّما يكفي حضورُ الشاهدَين المحدودَين للانعقاد، لأن الشهادة للانعقاد تعتمدُ الوِلايةَ، ولا قُصور فيهما لوجودِ الولاية فيهما؛ نعم لا تَقْبل شهادَتُهما عند القاضي للقُصور في الأداء، فالردُّ في باب، والقَبول في باب آخر، فأين التناقضُ، وماذا التهافُتُ؟
قوله: (لرؤيةِ هِلالِ رمضان) ... الخ، ولا مناقَضَةَ فيه أيضًا، فإِنَّ الحنفية لا يُسمُّونه، شهادةً، بل هو إُخبارٌ مجرَّدُ عندهم، ولذا لا يُشترط فيه لَفُظُ الشهادة؛ نعم يُشْترطُ في هلال الفِطر، وذلك أيضًا لكونه مُتضمَّنًا لمعنى الحَلِف، فإِنَّ الفقهاء ذكروا لَفْظ: أَشْهد، في ألفاظ اليمين أيضًا، وزعم البَعْضُ أنه لا بُدَّ فيه لفظ: «أَشْهد بِعَينه؛ ولا تكفي تَرْجمتُه، وليس بصحيح،
стр. 1764
بل يكفيه لَفْظٌ يؤدي مُؤاده من أَيِّ لغةٍ كان، كما في «الدر المختار» - في باب الأذان فاعلمه، فإِنَّ المسألة إذا كانت في غير بابها أعوزت على الناس، فأحفظها.
قوله: (وَكَيْفَ تُعْرَفُ توبتُه؟) قلت: تُعرف بالنَّطر إلى حالاته، ولعلَّه إشارةٌ إلى ماذكرنا أنها لا تحصُل إلا بتكذيب نفسه، فكيف تُعْرف، فإِنَّ التكذيب لا يتحملُّه عامي، فكيف برج صادق!
قوله: (وقد نَفَى النبيُّ ﷺ الزاني سنةً)، فله الرجوعُ بعدها.
قوله: (ونهى النبيُّ ﷺ عن كلام كَعْب) ... الخ، ثم قَبِل توبتَه بعد خمسين يومًا، فدلَّت تلك الآيةُ، والتي قبلها على قبول التوبة؛ واعلم أن التغريبَ بعامٍ ليس من أجزاءِ الحدِّ عندنا، وراجع له «فتح القدير» فإِنّه قرر مؤثرًا (١).
٩ - باب لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ
٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِىُّ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رضى الله عنهما - قَالَ سَأَلَتْ أُمِّى أَبِى بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِى مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِى فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِىَّ ﷺ . فَأَخَذَ بِيَدِى وَأَنَا غُلَامٌ، فَأَتَى بِىَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِى بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ «لَا تُشْهِدْنِى عَلَى جَوْرٍ». وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ «لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». طرفاه ٢٥٨٦، ٢٥٨٧ - تحفة ١١٦٢٥
٢٦٥١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «خَيْرُكُمْ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ عِمْرَانُ لَا أَدْرِى أَذَكَرَ النَّبِىُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». أطرافه ٣٦٥٠، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥ - تحفة ١٠٨٢٧
والجَوْر في لغةِ العَرب الانحراف عن الحقِّ، واستعملوه في الفارسية بمعنى الظُّلم، كالجَفَاء معناه البداوةُ كنوارين؛ ثُم استعملوه في معنى الظُّلْم.
٢٦٥١ - قوله: (خَيْرُكم قَرْني) .. الخ هل المرادُ منه الخَيْريةُ في القرونِ الثلاثةِ فقط، أو خَيْرية الأُولى، فالأخرى كذلك إلى الأبد فليُنْظر فيه.
٢٦٥١ - قوله: (يَشْهدُون ولا يُسْتَشْهدُون) يعني بي قابو، وهذا اللفظُ ورد ههنا في مَعْرِض الذَّمِّ، وقد ورد في موضع المَدْح أيضًا، والوَجْه أن الشهادةَ بدون الاستشهاد، إذا كانت لإِحياِ حقِّ المسلم، فهي خيرُ لا محالة، وإن كانت المبالاة بها، فهي من أَمارات الساعة.
стр. 1765
٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ. أطرافه ٣٦٥١، ٦٤٢٩، ٦٦٥٨ - تحفة ٩٤٠٣
٢٦٥٢ - قوله: (كانوا يَضْربُوننا على الشَّهادة) أي كان كبراؤنا يُؤدِّبوننا على تَكَلُّم لَفْظ الشهادة، لئلا نعتادَ عليه، فنستعمله في مُحَلِّ، وغير مُحلّ.
١٠ - بابُ مَا قِيلَ فِى شَهَادَةِ الزُّورِ
لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥] أَلْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ.
٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ». تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ وَبَهْزٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ. طرفاه ٥٩٧٧، ٦٨٧١ - تحفة ١٠٧٧ - ٢٢٥/ ٣
٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ». ثَلَاثًا. قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ». قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أطرافه ٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩ - تحفة ١١٦٧٩
قال الحنفيةُ: إنَّ الرُّجوع عن الشهادة لا يكونُ إلا في مَجْلِس القاضي، فلو رجعا عنه بعد ما خرجا عن مَجْلِسه، وقد شَهِدا شهادةُ زُور لا يكون ذلك رجوعًا ما لم يَحْضُرا في مَجْلِسه، ويَرْجِعا فيه، وحينئذ يُعزِّزُهما القاضي، ويُنادي عليهم أَنَّ هؤلاء شهِدوا شهادةَ الزُّور فاجتنبُوهم.
قوله: (﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾) أي إنَّ ذَنْبه ليس على اللسان فقط، بل سَرَى إلى القلب أيضًا، وإن تكلَّم به اللسانُ فقط، وبذلك يُعلم قَدْرُ عِظَمِه عند الله العظيم.
١١ - بابُ شَهَادَةِ الأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِى التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ
وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِىُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِىُّ تَجُوزُ
ابنُ عباس قد عَمِي بآخِره، وقِصَّتُه أنه حَضَر هو وأبوه مرةً مَجْلِسَ النبيِّ ﷺ فرأى ابنُ عباس عنده رَجُلا، فسأله عنه أباه مَنْ هو؟ فأَجابه أنه لا يرى ثَمَّةَ أحدًا، فَعَمّن تسألني، ولم يكن العباسُ رآه، فقال: بلى، كان هناك رجلٌ، فرجع العباسُ إلى النبيِّ ﷺ وقصَّ عليه الخبرَ. فقال النبيُّ ﷺ «ذاك جبرائيل، ثُم طلب ابنُ عباس، وقال له: هل رأيتَه؟ قال: نعم، قال: إذن لا تَسْلَم لك عيناك، وسوف تصيرُ أعمى» فكان كما أخبره.
قلت: ولعلَّه رآه بكيفيةٍ أُخرى، وإلا فقد رآه غيرُ واحدٍ منهم في صورة دحْية، ولا غزْوَ أن يكون بين رُؤيةٍ ورُؤيةٍ فَرْقٌ، ألا ترى أنه كان يحضرُه بصورةِ دِحْية، قيرونه كلُّهم، ولم يَرَه في تلك المرةِ إلا ابنُ عباس، فتلك رؤيةٌ أُخرى، لا ندري كُنْهَها، ثُم إنَّ لِعَماه سببًا ظاهرًا أيضًا، وهو أنه كان يَدْخُل الماءَ في عَيْنَية عند الوضوء، أما الجوابُ عن المسألة فأقول: إنَّ ابن عباس، وإن كان أَمْرُه معروفًا، إلا أن قواعدَ الشريعة على مكانها، إلا ترى أنَّ شُرَيحًا رَدَّ شهادةَ الحسن بن علي، ولم يُنْكر عليه عليُّ، وكان أميرَ المؤمنين.
قوله: (أدْخُل، فإِنَّك مملوكٌ) ولا حِجابَ عن الممالك عند عائشة، وتمسَّكَتْ بقوِله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. وقال الحنفيةُ بالحجابِ منهم أيضًا، ونقلُوا عن بعضِ السَّلف أنهم قالوا: لا تعزَّكم سورة النُّور، فإِنَّها في الإِناث دون الذكور.
قوله: (وهي مُنْتقَبة) وهي جائزةٌ عندنا أيضًا؛ سواء أكانت شاهدةً أو مشهودةً عليها.
قوله: (سمِعَ صَوْت عَبَّاد) وليس ذلك من باب الحُكْم.
١٢ - باب شَهَادَةِ النِّسَاءِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٢٦٥٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى زَيْدٌ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟». قُلْنَا بَلَى. قَالَ «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا». أطرافه ٣٠٤، ١٤٦٢، ١٩٥١ - تحفة ٤٢٧ ١
١٣ - باب شَهَادَةِ الإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ
وَقَالَ أَنَسٌ: شَهَادَةُ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَدْلاً. وَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ، إِلَاّ الْعَبْدَ لِسَيِّدِهِ. وَأَجَازَهُ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ فِى الشَّىْءِ التَّافِهِ. وَقَالَ شُرَيْحٌ كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ.
٢٦٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى
قوله: (﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي مخافةَ تضل.
قوله: (﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾) [البقرة: ٢٨٢] وراجع نكتةَ هذا الطويلِ من «عروس الأفراح». وأما قوله: «قُضي رسول الله ﷺ بشاهدٍ يمين» فقد أَجَبْنا عنه، على أنه عَلَّه يحيى بنُ مَعين بجميع طُرُقه، كما ذَكره العلامة (١) القاسم في «شَرْحِ التحرير»: قلت: أخرِجه مسلم؛ وأئمةُ الحديثِ إذا اختلفوا في التصحيحِ والإِعْلال، فالاحتياطُ عندي في الأعمال. والأَوْجه عندي أن قضاءه هذا كان على طريقِ الصُّلْح، ويشهدُ له ما أخرجه أبو داود في باب القضاء باليمين والشاهد، قال: سمعتُ جدي الزبيب بقول: بَعَث رسولُ الله ﷺ جَيْشًا إلى بني العَنْبر، فإخذوهم بركبة من ناحيةِ الطائف، فاستاقوهم إلى النبي ﷺ فَرَكِبْتُ، فسبقْهُم إلى النبيّ ﷺ فقلت: «السلامُ عليك يا نبيِّ الله، ورحمةُ الله، وبركانه، أتانا جُنْدُك، فأخذونا، وقد كُنَّا أسلمنا، وخضر منا - أي أعلمنا - آذان النعم، فلما قدم بالعنبر، قال لي النبيُّ ﷺ هل لكمن بينةٌ على أنَّكم أَسْلَمتم قَبْل أن تؤخذوا في هذه الأيام، قلت: نعم، قال: مَنْ بينتك؟ قال: سَمُرَةُ، رجلٌ من بني العنبر، ورجلٌ آخرُ سماه له، فشهد الرجل، وأَبى سَمُرَةُ أن يشهدَ، فقال النبيُّ ﷺ قد أَبى أن يشهدَ لك، فتحلف مع شاهدك الآخر؟ فقلت: نعم، فاستحلفني، فحلفت بالله لقد أسلمنا يوم كذا، وكذا، ثُم خضر منا آذالن النعم، فقال النبي ﷺ اذهبوا فقاسموهم أنضاف الأموال، ولا تمسوا ذراريهم، لولا أن الله تعالى لا يحب ضلالة العمل - أي بطلانه وضياعه - مارزيناكم - ما نقصناكم - عِقالا. قال الزبيب: فدعتني أمي، فقالت: هذا لرَّجُلُ أخذ زريبتي - البساط - وفي الهندية: قالين، فانصرفت إلى النبيِّ ﷺ يعني فأخبرته، فقال لي احبِسْه، فأخذت بتلبيته، وقمت معه مكانَنَا، ثم نظر إلينا النبيُّ ﷺ قائمين، فقال: ما تريدُ بأسيرِك فأرسلته من يدي، فقال النبيُّ ﷺ فقال للرجل: رُدَّ على هذا زريته أَمُّه التي أَخَذْت منها. قال: يا بنيَّ الله إنَّها خرجت من يدي. قال: فاختلع نبيُّ اللهِ ﷺ سيفَ الرجل. فأعطانيه، فقال للرجل: اذهب فَزِدْه آصُعًا من طعام. قال: فزادني آصُعًا من شعير». اهـ. فهذا ما ترى حُكمٌ على طريق المراضاة، والمهادنة، كما يفعله كبراءُ القوم، مطلقًا، ولكن أَمَر أَنْ يقاسموا أنصافَ الأموال. فهذا من باب التحكيم، وكثيرًا ما يجري بين الناس، فلا حاجةَ إلى إسقاطِ الحديث: ثُمَّ إنَّ الفقهاء، وإن فَوَّضُوا الصُّلح إلى رأى المتصالحين، لكن لا يكون في الخارح إلا مِن ثالث، فيصطلحان على ما يُحْكَم به.
٢٦٦٩، ٢٦٧٠ - قوله: (مَنْ حَلَف علي يمين) قالوا: المرادُ من المينِ المحلوفُ عليه.
قوله: (شاهِدَاك، أو يَمِينُه) وقد مرَّ معنا أنَّ النُّجاةَ ذكروا أن نحو: «إما»، و «أو» لِنَعْ الجَمْع، ولم يتوجهوا إلى مَنْع الخلو؛ قلت: لا بد أن يكونَ هو أيضًا من مدلولِها، لأنه لا يُراد
стр. 1775
من التقسيم إلا الحَصْرُ، فيدخل فيه مَنْعَ الخُلُوِّ عَقْلا، والحاصل أَنَّها للانفصال مُطْلقًا، سواء كان مَنْعًا، أو جَمْعًا، هذا هو التحقيقُ وإن لم يذكروه في كُتُبهم. فإِن قُلت: إنَّ قوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ دليلٌ على أن الشهادةَ توجَّهت إلى المُدَّعى عليهم أيضًا، فكيف يستقيمُ الحَصْرُ على مذهبكم؟ قلت: المُدَّعي عليهم صاروا هناك مُدَّعِين مِن وَجْه، وقد أَبْدَع فيه الشاه عبدُ القادر، وترجمة بالبينان الخلفي، ولم يكتبه فقهاؤنا (١)؛ فإِنَّهم لا يُسمّون الشهادةَ إلا ما كانت في مَجْلِس القضاء. أما أهلُ العَرْف فيقولون عند نَقْل الأخبار: شْهدُ بكذا مُطْلقًا، وإن لم يكونوافي مَجْلِس القضاء. فالشهادةُ عندهم أَعمُّ مما في الفِقْه، فاسترحنا عن الإِشكال. والجواب؛ وقلنا: إنَّ تلك الشهادةَ ليست ما تكون في مَجْلِس القضاء، ليخالِفَ الحَصْرَ المستفادَ من «إما»، و «أو»، بل هي ما تكون فيما بينهم. فإِذن تسمتُهما شهادة ليست على اصطلاح الفقهاء، بل جَرْبًا على العُرْف، فلا سؤال، ولا جواب.
٢١ - باب إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَيِّنَةَ، وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ
٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ هِشَامٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِى ظَهْرِكَ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ «الْبَيِّنَةَ وَإِلَاّ حَدٌّ فِى ظَهْرِكَ». فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ. طرفاه ٤٧٤٧، ٥٣٠٧ - تحفة ٦٢٢٥
يعني أن الفاذِفَ إذا قَذَف لا يُقام عليه الحَدُّ ولكن يُمْهَلُ ريثما يلْتَمِس البينةَ، ولا يَرْهَقُ مِن أَمْره عُسْرًا.
٢٦٧١ - قوله: (البيِّنةُ، أو حَدُّ في ظَهْرِك). وإنما كَرَّرَه النبيُّ ﷺ تأكيدًا، ولم يَعْبَأ بما اعتذره؛ ورَدَّ عليه بأنك نَظَرْت إلى جانبٍ، ولم تنظر إلى أنا حَكَمْنا الرَّجْم بمجرِد دَعَاوَى النَّاسِ، لفسدت الدنيا، فليراعَ الطرطانِ، وليوفّر الحظان.
٢٢ - باب الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ
٢٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَاّ لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وَإِلَاّ لَمْ
стр. 1776
يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِىَ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَهَا». أطرافه ٢٣٥٨، ٢٣٦٩، ٧٢١٢، ٧٤٤٦ - تحفة ١٢٣٣٨ - ٢٣٤/ ٣
وفيه تغليظٌ بالزَّمان. واعتبر الشافعيةُ بالزَّمان والمكان، ولا تغليظَ عندنا إلا بالأسماءِ الإِلهية، نحن أن يقول: بالله العزيزِ، المحي المميت .. الخ. كما في «شرج الوقاية». قلت: قد اعتبره أهلُ العَرْف؛ وإذن مرادُ الإِمام أنه لا يُجْبرُ. وقد أشار البخاريُّ إلى عدم التغليظِ بحسب المكان، حيث قال ولا يُصْرفُ من مَوْضِع إلى غيرِه.
٢٣ - بابٌ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَلَا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ
قَضَى مَرْوَانُ بِالْيَمِينِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي، فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ، وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ». فَلَمْ يَخُصَّ مَكَانًا دُونَ مَكَانٍ.
٢٦٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالاً لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». أطرافه ٢٣٥٦، ٢٤١٦، ٢٥١٥، ٢٦٦٦، ٢٦٦٩، ٢٦٧٦، ٤٥٤٩، ٦٦٥٩، ٦٦٧٦، ٧١٨٣، ٧٤٤٥ - تحفة ٩٢٤٤
قوله: (قضى مروانُ باليَمين) ... الخ، واعلم أنَّ البخاريَّ قد يأخذُ أشياءَ قضى بها مروان، وهو رجلٌ عَرَفَ الناسُ أَمْرَه. وَنَّبه الحافظ العينيُّ على أن الحافظ ابنَ حجر يتعصَّبُ للبخاري، حيث يؤوِّلُ لمروانَ أيضًا، لأن البخاريَّ أَخَذَ عنه في كتابه، وكذا يؤول لأوهام رُواتِه أيضًا، قلت: وَصَدق الحافظ العَيْني، وهو كذلك.
٢٤ - باب إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ فِى الْيَمِينِ
٢٦٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِى الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ تحفة ١٤٦٩٨
وفي المذاهب الأربعة جزئياتٌ يظهَرُ فيها النَّفع لمن تسارعَ إلى اليمينِ، وحَلف أَوَّلا.
٢٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]
٢٦٧٥ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِىُّ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِى أَوْفَى - رضى الله عنهما - يَقُولُ أَقَامَ
قوله: (ولا يُحْلَفّ بغير الله) ورأيتُ في «شرح الجامع الكبير» عن علي بن بَلْبَان الفارسي: أن الحَلِف لغةً يُطْلق على الحَلِف بالطلاق أيضًا. وإذن لم يبق اصطلاحًا مجردًا. وعندنا لا يَحْلِف المُدَّعي عليه بالطلاق في أصل المذهب، وأفتى به المتأخرون لفساد الزمان. فإِنَّهم لا يبالون بأسماء الله تعالى؛ ومع هذا لو نكل المُدَّعي عليه أن يَحْلِف به لا يُجْبر عليه، ولا يثبت به دَعْوى المُدَّعي.
٢٧ - باب مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ». وَقَالَ طَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيْحٌ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
٢٦٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا». أطرافه ٢٤٥٨، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥ - تحفة ١٨٢٦١ - ٢٣٦/ ٣
واعتبرها الفقهاءُ إذا يُوجِب تَناقُضًا، وإنما اعتُبِرت بينةُ المُدَّعي ههنا لإِمكان التوفيق، وعدم التناقض.
قوله: (ولَعَلَّ بَعْضَكُم أَلْخنُ من بَعْض) ... الخ، وفيه مسألةُ قضاءِ القاضي بشهادةِ الزُّور. ومرَّ عليها الشيخُ ابنُ الهِمام، ولم يأت بشيء شافٍ. وبحث عليها السَّرَخْسي في «المبسوط» فكفى وشَفَى.
أقول: والحديثُ لا يَرِد علينا أَصلا، فإِنه ليس من باب القضاء بشهادةِ الزُّور، وإنما هو في القضاء بِلحْن الحُجَّة، وطلاقةِ اللَّسان، وفصاحة البيانِ، والقضاء بمثله أيضًا يجري فيما بين الناس، فإِنَّ للحُكْم أبوابًا، فقد يكون من القاضي في مَجْلِس القضاء، وقد يكون بطريق التحكم، وقد يكون من باب المروءة، فلا يلزم أن يكون ذلك قضاءً بالشهادةِ، وإنما هو إذا بَلَغَ الأَمْرُ إلى مجلس القضاء، فَمَنْ أَخذ مالَ أخيه بمجرد طلاقته، وفصاحَتهِ، لم يَنْقُذ القضاءُ فيه قاطنًا عندنا أيضًا، وسيجيء الاكلام في الحِبَل.
فائدة:
ذهب ابن نجيم إلى أن الشيخ ابن الهمام قد بلغ من الفقه منصب الاجتهاد، أقول: بل هو من المرجحين، وليس بفقيه النفس. لأنه لا يأتي في الباب بشيء جديد سمحت به قريحته، وإنما يقرر كلمات القوم تقريرًا جيدًا، ولم أجد في كتابه حديثًا زائدًا على ما أخرجه الزيلعي، إلا في موضعين؛ أما الذي يكون فقيه النفس، فيكون له شأن يبدي عجائب، وغرائب، وتكون في ذهنه سلسلة المسائل يتفرع عليها بدون مناقضة، ولا مهاترة.
أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأَيْدِى وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. تحفة ٨٧٦ - ٢٤٠/ ٣
والصُّلْح على ثلاثةِ أنحاء: الصُّلْح مع إقرار، والصُّلح مع سُكوت؛ والصُّلْح مع إنكار، وكلُّه جائزٌ عندنا. وقال الشافعي: لا جوز إلا الأَوَّلُ، ثُم إنَّ الحنفية اختلفوا في حقيقة الصُّلح أَنَّها بَذْل، أو ماذا؟ وارجع تفصيله في الهداية.
٢٦٩٠ - قوله: (يا أبا بَكْر ما مَنَعَك) ... الخ، وفي «المسند» لِمَ رفَعَت «يَدَيْك»، فقد دخل الأمرانِ تحت الإِنكار، وغايةُ ما في الباب أنه لم يشدّد عليه بعد الإِنكار، وقد فَصَّلناه مِن قبل.
قوله: (ما كانَ لابن أَبي قُحافة)، يُشْعر بأَنَّ غير النبيِّ لا تليقُ به الإِمامةُ بين حضرةِ النبيِّ، ولذا لم ثبتت إمامةُ غيرِ النبيِّ ﷺ في محضره ﷺ إلا مرَّةً، أو مرتين.
٢٦٩١ - قوله: (لو أَتَيْتَ عبدَ الله بن أَبيَ) ... الخ، وهذا غلط (١) من الراوي؛ والصواب أن النبيَّ ﷺ كان ذهب إلى سَعْدِ بن عبْادة.
قوله: (قبل أن يجلس ويحدث) ... الخ، أي قبل أن يَجْلس في حلقة دَرْسه.
قوله: (أُنزِلت) ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] الآية، وهذا يُشْعِر بأن شأنَ نزولها السبُّ والشتم، دون القَتْل، فلينظر فيه، أن السبَّ والشتم والضَّرْب الخفيف، هل يَبْلغ مَبْلَغ الكبيرة، أم هو صغيرة؟ فإِن كان صغيرةً لا يتم منه استدلالُ المصنِّف في الإِيمان على أم مُرتَكِب الكبيرة مؤمنٌ؛ نعم لو نزلت في الكبيرة لتم التقريب.
٢ - باب لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِى يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ
٢٦٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِى يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِى خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا». تحفة ١٨٣٥٣
واعلم أنَّ الكذِب (٢) جائزٌ بعض الأحوال عند الشافعية، أما الحنفيةُ فلا أراهم يُجوِّزُونه صراحةً في موضع، نعم وسَّعوا بالكِنايات، والمعاريض وأمثالِهما؛ وراجع له كلام الغزالي رحمه الله تعالى.
٣ - باب قَوْلِ الإِمَامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
٢٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِىُّ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ
стр. 1785
سَعْدٍ - رضى الله عنه أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ». أطرافه ٦٨٤، ١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٧١٩٠ - تحفة ٤٧٤٩
٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]
٢٦٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتْ هُوَ الرَّجُلُ يَرَى مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ أَمْسِكْنِى، وَاقْسِمْ لِى مَا شِئْتَ. قَالَتْ فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا. أطرافه ٢٤٥٠، ٤٦٠١، ٥٢٠٦ - تحفة ١٦٩٣١
٥ - باب إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ
٢٦٩٥ و ٢٦٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ رضى الله عنهما قَالَا جَاءَ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الأَعْرَابِىُّ إِنَّ ابْنِى كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا لِى عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ. فَفَدَيْتُ ابْنِى مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ - فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا». فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا. حديث ٢٦٩٥ أطرافه ٢٣١٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨ - تحفة ١٤١٠٦ حديث ٢٦٩٦ أطرافه ٢٣١٤، ٢٦٤٩، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩ - تحفة ٣٧٥٥
٢٦٩٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْرَمِىُّ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِى عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. تحفة ١٧٤٥٥
إشارةٌ إلى ما أخرجه الحاكم أنَّ كلَّ صُلْح جائزٌ إلا ما حَلَّ حرامًا، أو حَرَّم حلالا، يعني به أن الصُّلْح إذا تضمن الجَوْر، فهل يعتد به أم لا؟ أما مسألة الصُّلح مع الإِنكار فلم يتعرض لها بَعْدُ؛ وراجع لها «الهداية» فإِنه أجاب عن إيرادِ الشافعية.
٢٦٩٥، ٢٦٩٦ - قوله: (لأقضِيَنَّ بينكما بكتَابِ الله) ... الخ، فيه أصلٌ عظيم بأن القضاءَ إذا تضمَّن أمرًا باطلا يُنْقَض. ثم ما يعْلم من كُتُب الأصول هو أَنَّ وظيفة المجتهد القياس؛ قلت: بل وظيفتُه توزيعُ الجزئياتِ على الكليات؛ فإِنَّ الكُليات قد بَسَطها الشارعُ. فربما يندرِجُ جزءٌ تحت عِدَّة كلياتٍ، ويتحير هناك الناظِرُ، فالمجتهدُ يُبَيِّنهُ، أنه داخِلٌ تحت هذا دون ذلك.