باب الشركة في الطعام، والنهد، والعروض، وكيف قسمة ما يكال ويوزن مجازفة، أو قبضة .. الخ
ونحوها في كتاب «الإستقراض».
باب إذا قاض أو جازفه في الدين، فهو جائز تمرًا بتمر، أو غيره
وقد حكم ابنُ بَطَّال على مِثْل هذه التراجم بكونها خلافًا للإِجماع، وقد مرَّ معنا أنها صحيحةٌ على مرادِها، فإِنَّها ليست في باب المعاوضاتِ والخصومات، بل كُلّها من بابِ التسامح والمُرُوءات.
قوله: (وقال ابن عباس: لا بأس أن يتخارجا الشريكان) ... الخ، ويُشْتَرط عندنا يومُ الزيادةِ والنُّقصان عند التجانس، وهذا في الحُكْم، وأما في الديانة فكلها واسع.
قوله: (فإِنَّ توى لأحدهما، لم يرجع على صاحبه)، يعني فان لم يستوف أحدُهما نصيبَه مِن الديون، وتوى ماله بعد التخارج، فهل يَبْطُل هذا التخارج؟ فهل يَبْطُل هذا التخارج؟ فالجواب أنه لا يَبْطُل، ولا يكونُ له شيءُ، أما التوى فهو أَمْرُ قدر له.
١٤ - بابُ الصُّلْحِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ
٢٧١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِى حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِى بَيْتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ «يَا كَعْبُ». فَقَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ. فَقَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قُمْ فَاقْضِهِ». أطرافه ٤٥٧، ٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦ - تحفة ١١١٣٠
- وتُشترطُ عندنا المساواةِ عند النجانسة، ولا بأس بالزيادةِ والنقصانِ أيضًا في الدِّيانة، لما مرَّ، ثُم أخرجه المنِّف ليس في الصُّلح بالدِّين والعين، بل فيه إسقاطُ الحقِّ والإِبراء، وهذا غيرُ ذلك.
***
٢٧٣١، ٢٧٣٢ - قوله: (إنَّ خاِلدَ بنَ الوليدِ بالغَمِيم) ... الخ، ولم يكن أَسْلَم بعد، وكان جاء ليخبرَ قريشًا من أَمْرِ النبيِّ ﷺ .
قوله: (والطليعة) ترجمته: "لين دوري".
قوله: (فخذُوا ذاتَ اليمين) أي لئلا يَطَّلِع عليكم خالِدٌ.
قوله: (بَرَكت به راحِلَتُه)، ومن ههنا كان مبدأ أرْضِ الحَرَم.
قوله: (والتبرض) ترجمته "جوسنا"؛ وحاصله أن الماء كان قليلا، بحيث كان الناس يتبرضه بترضًا، ولم يكن قابلا للنزح.
قوله: (كانوا غَيْبةَ نُصْح) "أو نتنيون جامه دان خير خواهى"، لأنهم كانوا يحاربون قريشًا، دون الله ورسوله.
قوله: (العُوذُ المَطَافِيلِ) "شيردار كي بجى"، قد نَهَكَتْهم الحَرْبُ، أي أَعْجزتْهُم.
قوله: (ألستُم تعملونَ أَني استَنْفَرتُ أَهْلَ عُكَاظٍ) ... الخ. أي طلبت النَّفِير من أهل عُكَاظ لِقتاله، أي محمد ﷺ .
قوله: (أشوابًا مِن النَّاس) ترجمته "ايرى غيرى ادهر ادهركي".
قوله: [وجوهًا] أي قبائل مختلفة.
قوله: (أَخَذَ بِلِحْيَتِه) وكانت تلك سُنَّةً بينهم، عند التكلُّم مع كبرائهم.
قوله: (نَعْل السَّيف) أي قبيعته.
قوله: (ألستُ أَسعى في عَذْرَتِك) "كيااب تك تيرى كرتوتو نكونهين بهكت رها هون". واعلم أن لقب قريش بدأ من ذُريَّة مُضَر، فلا يُقال لأخواته: قريش.
قوله: (فابْعَثُوها) وكانت هدايا النبي ﷺ ستين، وذلك كان عمره ﷺ .
قوله: (قد سَهُلَ لكم) تفاؤل باسم سُهَيل.
قوله: (ما أَدْري ما هو) وما ذلك إلا أنَّ المشهورَ من أسماء الله تعالى في بني إسماعيل كان هو «الله»، وأما «الرحمن» فكان مشهورًا في بني إسرائيل؛ ولذا كانوا يقولون: إنه يريدُ إن يزلنا عن المِلَّة المحنفية، إلى الدين المُوسَوي.
قوله: (هذا ما قاضى) وهذا اللفظ أقربُ إلى الشافعية، فإِنه لاقضاءَ عندهم للعُمرةِ، فجعلوا عمرةَ القضاء من المقاضاة، بمعنى الصُّلح، وقال الحنفية: القضاءُ ضدَّ الأداء.
قوله: (يرسف) أي خطوة قصيرًا "جهوتي جهوتي قدم اتهار هاتها".
قوله: (أَخِذْنا ضُغْطةً) أي "هم بجة كئى أور مغلوب هو كئى".
قوله: (فأَجِزه لي) أي أحسن لأجلي.
قوله: (أو ليس كنت تحدثنا) ... الخ.
стр. 1804
تحقيقٌ في قِصَّة رؤية النبيِّ ﷺ بالحُدَيْبِية
واعلم أن الشقيِّ لَعِن القاديان المتنبيء الكاذب، زعم أن أخبارَ الأنبياءَ ﵇ أيضًا قد لا تطابِقُ الواقع؛ وذلك من دأبه في سائر المواضع، أنه إذا أُوْرِد عليه شيءٌ، ﷺ م يلهِمْه شيطانُه الجوابَ عنه، جعل يَعْزُوه إلى الأنبياء الحقِّ، ويقول: إنَّ أخبارَهم أيضًا قد تخالِفُ الواقع، كما أن النبيِّ ﷺ رأي رؤيا أنه يَعْتمِر من تلك السنة، فارتحل لذلك، فإِذا أنه قَدْ أُحْصِر، ولم يَتَيَسَّر له ما كان قَصَد إليه.
قلت: كَذَب عَدُو اللهِ، والله العظيم، لم تكذب أخبارُ الأنبياء ﵈ قط، ولا كان لها أن تكذب، وأين هو من أخبارهم؟ وإنما يَقِيس ما تَحْتَطِفُه الشياطين، ثُم تقرقرِه إليه بما ينزل محفوظًا عن جوانبه، محفوظًا عن أطرافه بالملائكة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] أما تمسّكه بِقصَّة الحديبية، فَمَبني على غاية شقاوته، ونهايةِ سفاهته، وقِلَّة عِلْمه، وفَرْط جهله. ومَنْ أخبره على النبيِّ ﷺ رأى تلك الرؤيا في المدينة، بل ما في النُّقول الصحيحةِ عن مجاهد، وغيره، كما في «الدُّر المنثور»: أت النبيَّ ﷺ رأى رؤيا بعد ما بلغ الخُدَيبية، وهو الذي يَشهد به الوجدانُ، لأنه لما سافر من المدينة عازِمًا بالعمرةِ، ثم أحْصِر، وبلغ أصحابُه من الهمِّ والكَرْب ما بلغهم، حتى أنهم ما كادوا ليحلُّون من إحرامهم، مع أنَّ النبيَّ ﷺ كان يأمرُهم بذلك، فلما حلَق النبيُّ ﷺ بين أظهرهم، وشاهدوهم بأعينهم، فتسارعوا إلى الحلق، حتى كاد يَقْتل بعضُهم بعضًا، مِن سرعة الحَلْق، وحينئذ رأى النبيُّ ﷺ رؤياه ليسكن جأشهم، وتطمئنَّ قُلُوبهم، فهذا هو الذي كان مِن أَمْر رؤياه.
أما ما رواه الواقدي، فلا يُعْلم إلا مِن جهتِه، وهو غيرُ ناقدٍ في النَّقْل، ويَجْمَعُ بين كل رَطْب ويابس، كحاطِبِ ليلٍ، ومع ذلك ليس بكاذبٍ في نفسه، ولو سَلَّمناه فليس فيما نقله أنَّ النبيِّ ﷺ ارتحل لتلك الرؤيا، بل هذا ما نحو ما يقومُ الأنبياءُ ﵈ لقضاءِ أَمْر، ثُم قد تَحُولُ المشيئةُ بينهم، وبين مُتَمنَّاهم؛ ألا ترى أن النبي ﷺ خرج إلى أحد يرجو الغَلَبةَ عليهم، فلم يُقَدَّر له، وظَهَرَ أَمْرُ الله، فالذي يَقْدَح في باب النبوة أن يُخْبِرَ النبيُّ بأَمْرٍ، ثم لا يقع كما أخبر به؛ أما تَخَلُّفُ المرادِ عن إرادتِهم فليس بقادِحٍ أصلا، بل وقع مما لا يُحْصى؛ وذلك لأن الرجاءَ والقصد يعتمدانِ على الأسباب الظاهرة، بخلاف الإِخْبار بالغيب، فإِنها تَنْبَعُ من عِلْم الله العليم، فلو ظهرَ فيها الخلافُ لا نهدم الأساس.
ثُم الذي يحصُل به ثَلْجُ الصَّدْر لو كان فيه قَلْب لحم، أن هذه الواقعة من باب المسارعةِ إلى أَمْر خير، كَفِعل إبراهيم ﵊ في رؤياه، حيث لم يصبر بعدها، إلا أن دعاه وَلده، وتلَّة للجبينِ، ولا يقول هناك أَحَدٌ: إنه لم تَصْدُق رؤياه، لأنه ذبح الكَبْش، وقد كان رأى في المنام أنه ذَبَح ابنه، وذلك لأنه بَعْد رؤياه لم ينتظر لشيء، غيرَ أنه بادَر إلى إجرائها على ظاهِرها، فأظهره الله تعالى أن الابتلاءَ قد تمَّ بهذا القَدْر، وحَسْب إمرارُ المُدْية عن ذَبْحه فَحَسْب، فلو فَرضنا أن تلك الرؤيا كانت بالمدينة، وفرضنا أنَّ النبيَّ ﷺ بعث للعُمرة لأَجْل تلك الرؤيا، فلا دليلَ فيه، على نه كان في ذِهْنه أَنه يَعْتَمر في تلك السَّنةِ، تأويلا لرؤياه، بل كان من
стр. 1805
باب التَّسارع إلى الخير، مهما أمكن، ثم حُسِبت عُمْرته الناقصة عن العُمْرة من تلك السَّنة؛ وهذه المسارعةُ ليست من الإِخبار بالغيب في شيءٍ. فالحاصل أنَّ كَشْف الأَمْر المُبههم عند الحاجةِ ليس من الكذب في شيء (١).
ثمَّ إنَّ قولَه: «أليس كان يحدِّثُنا»، دليلٌ على تَقادُم عَهْدِهم بذلك القول، لا أنهم أخيروا بذلك عن قريبٍ، ثم سافورا الأَجْل الإِخبار به؛ بل فيه أن الله تعالى يَرْزُق لكم العُمْرة حِينًا ما، والذي تبين آخِرًا أنَّ هذا اللفظ في «الصحيح» يُشْعِر بنفي الرؤيا عندهم، فإِنَّه يدلُّ على أَن ذِكْر الاعتمار عندهم كان بطريقِ المحادثة فيما بينهم، وذلك أيضًا في قديم من الزمان، لا في عَهْد قريب، لا أنه كانت عندهم في ذلك رؤيا بَنُوا عليها سَفَرَهم، ولو كان سفرُهم هذا من أَجْل رؤياه لكان الإِحالةُ عليها أَوْلى من الإِحالة على التحديث، لكونها أدخَل فيه، ولكننَّا لم نجد أحدًا منهم يَذْكُر فيه رؤيا، غير أنهم يذكرون التحديث، وذلك أيضًا كان في القديم منهم. ولذا قُلْت: إنَّ بناءه على نفي كون أن اليبيَّ ﷺ رأها بالحديبيةِ. والحاصل أنَّ أخبارَ الغيب التي تأتي إلينا خارقةً للعادة يستحيلُ أن تتخلف عن الواقع، أما في تلك القصة فليس فيها غيرُ الرجاء والإِرادة، وذلك أَمْرٌ آخَرُ، كما علمته.
قوله: (قال عمر) أي ثُم نَدِمت مما تجاسَرْتُ بين يَدَي رسولِ الله ﷺ وعَمِلت لكفَّارَتِه ما قدر لي.
قوله: (﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾) [الممتحنة: ١٠] واعلم أن عِصْمة الزوجةِ إنَّما تُسْتَمْسك من جهة الزوج، فهوالحافظ لِعِصْمتها. فلما كان الله سبحانه أَمَرَهم أن يفارِقوا أزواجَهم التي كانوا نَكَحُوهُنَّ وهنَّ كوافِرُ، ولم يهاجِرْن معهم، عَبَّر عن مفارَقَتهِنَّ بعد إمساك العصمة، أي إذا كُنَّ دار الحرب، وأنتم في دار الإِسلام، فإِبقاء نكاحِهن إمساكٌ لِعصْمَتِنَّ في دا رالحرب، وذ إنما يناسِبُ بالمؤمنات، أما الكوافِرُ فلا تُناسب لكم أن تُمْسِكوا عصمتَهنَّ بإِبقاء الزوجية، ففارقوهن؛ وحاصله أَنَّ الزوجةَ الكافرة لا تَصْلُح لكم، وأنتم لا تصلحون لهنَّ، فلا يتزوج بعد ذلك مُسلمٌ كافرةً "مت تهاى ركهو عصمتين كافر عورتون كى شوهر عصمت تهامى هتاهى بيوى كى مطلب هيه هواكه اب سى مسلم كى تحت مين كافره ببوى نهين ره سكتى".
٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ
стр. 1806
امْرَأَتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِى أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِىِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّى الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَاّئِى هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ الثَّقَفِىَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِى الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أطرافه ٢٧١٣، ٤١٨٢، ٤٨٩١، ٥٢٨٨، ٧٢١٤ - تحفة ١٦٥٥٨
٢٧٣٣ - قوله: (وقال عُقَيلٌ عن الزُّهري) ... الخ، نقل تلك القطعةَ من صُلْح الحديبية عن الزُّهري على حِدَة؛ وحاصل المقام أن نكاحَ الكافرةِ كان جائزًا قبل السَّنة السادسة، ثُم حَرَّمة اللهُ تعالى بعدها، وقد كان النبيُّ ﷺ صالَحهم على رَدِّه مَنْ جاء منهم مُسْلمًا إلينا، أما ردُّ المؤمناتِ المهاجرات إليهم أيضًا، فقيل: إنَّه كان داخلا في الصُّلح؛ وقيل: لا، وعلى الأوَّل لم يعمل بذلك الشَّرْط، ونَسَخَه القرآنُ قبل العمل، فكانت المسألةُ في تلك الأيام في المرأة التي هاجرت إلينا إنَّ مَهْرَها يُرَدُّ إلى زَوْجها في دار الحرب، إمَّا مِن قِبل زَوْجها في الإِسلام، أو من بيت المال.
وكذلك كان الواجِبُ عليهم أن يَرُدُّوا إلينا مِثْل ما أنفقنا عليها لو ارتدَّت منا امرأةٌ، والعياذ بالله، ولحقتهم، ولكنهم أَبَوا أنْ يفعلوه، وقَبِله أَهْلُ الإِسلام، ثُم حَكَم اللهُ تعالى بأن لا يُرَدَّ إليهم مَهْرَهم أيضًا، ولكنه يُوضَع في بيت المال، ويُعْطى لمن ارتدَّت امرأتُه، ثُم لَحِقت بدارِ الحرب، عِوَضًا عَمَّا انفق عليها، ولكنه بحمد الله تعالى وعَوْنه لم ارتدت أَن ترتد منَّا امرأةٌ، فَلحِقت بهم، وكان القرآنُ قد دعاهم اوَّلا إلى خِطة معروفةٍ، إلا أنهم لما أبَوها نسخها، وهو معنى قوله: «فلما أَبَوا»، أي لم يُسَلِّموا هذا الشَّرْطُ.
قوله: (﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾) من العُقْبة، وهي أن يَرْكب اثنان على بعيرٍ، واحدًا بعد واحد، ونوبةً بعد نوبة، والمعنى إنْ جاءت نَوْبَتُكم، فذهبت مِن أزواجكم إليهم، فالواجِبُ عليهم أن يَرُدُّوا إليكم ما أَنْفَقتُم عليهنَّ، والتفسيرُ الآخر أنه مأخوذُ مِن العقوبة؛ فالمعنى إذا جاهَدُتُم فأصبتم العقوبة إياهم، فاحفظوا شيئًا مما حصل لما لينفعَكُم عند أداء المَهْر إلى أزواجِهنَّ، وهذا مرجوجٌ عندي.
قوله: (من الصداق) يتعلق «بيعطى» لا «بما أنفق»، وراجع «الهامش».
قوله: (ونكح معاويةُّ) فيه أنَّ إسلامه لم يكن إلى صُلْح الحديبية، وكان في فَتْح مكَّة.
١٦ - باب الشُّرُوطِ فِى الْقَرْضِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - وَعَطَاءٌ إِذَا أَجَّلَهُ فِى الْقَرْضِ جَازَ.
٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارِ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. أطرافه ١٤٩٨، ٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٦٢٦١ - تحفة ١٣٦٣٠ - ٢٥٩/ ٣
стр. 1807
وقد مرَّ عن الفقهاء أنَّ الأجَل لازِمُ في الدَّين، دون القَرْض فله أن يطالِبه قبل حلُول الأجل.
١٧ - باب الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِى تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - فِى الْمُكَاتَبِ شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ عُمَرُ كُلُّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ.
٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِى كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِى. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ». أطرافه ٤٥٦، ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - تحفة ١٧٩٣٨
١٨ - بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الاِشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِى الإِقْرَارِ، وَالشُّرُوطِ الَّتِى يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا قَالَ مِائَةٌ إِلَاّ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِنَّ رَجُلاً بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بَيْعٌ. فَلَمْ يَجِئْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِى أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ.
دخل المصنِّف في حُكْم الاستثناء، قبل: إن الكلامَ الاستثنائي يعز وجودُه في سار اللغات، غير العرب، وقد استعمله المتأخرون من أهل فارس، كخواجه حافظ، حيث قال:
*ازسر كوثى تورفتن نتوانم كامى ورنه ... اندر دل بيدل سفرى نيست كه نيست
وذلك لأنَّ ظاهِرَة غيرُ معقول، فإِنَّ النَّفْي أَوْلا، ثُم نَقْضُه بِحَرْف الاستثناء، ليس له معنى، ولذا تكلم فيه الرَّضِي في «شرح الكافية»، وحَقَّق معناه. وحاصِله أن المُسْتَثْنى يؤخَذُ بمعنى المُسْتَثْنى منه في الذهن أولا، ثُمَّ يُعتبر الحُكْم على المجموع، فيعتبر أولا، القوم إلا زيد، ثُمَ يَدْخُل على هذا المجموع جاءني، فلا يلزم نَقْض النفي، وطَوَّل في العبارة بلا طائل؛ وهذا تخريجٌ باعتبارِ الذِّهن فقط. وقال في «الدر المختار»: إن الاستثناءَ عندنا تكلم بالباقي بعد الثنيا، فأخذ الحكم في المجموع دون الأجزاء، كما قاله الرَّضِي، وقال الشافعية: إنَّ في المُسْتَثْنى أيضًا حُكْمًا على خلافِ ما في المُسْتَثْنى منه. قلت: والراجِحُ عندي أن فيه حُكْمًا أيضًا، لكن في مَرْتبة
стр. 1808
الإِشارة دون العبارة، كما جعله الشافعية؛ وهو الذي ذهب إليه ابنُ الهُمام (١)، فراجع البحث من «التحرير» لابن الهُمام.
قوله: (كَرِيِّه) "كرايه دار".
قوله: (فقال شُرَيْحٌ: مَنْ شَرَط على نَفْسِه طائعًا غَيْرَ مُكْره، فهو عليه) وقد مرَّ من قبل أن الأجير الخاص يستحِقُّ الأجرة بمجرد تسليمِ النَّفس عندنا، وإنْ لم يَبْرَح قاعدًا.
قوله: (فقَضى عليه) وهذه المسألةُ تدخل عندنا في خِيار النَّقْد، والخيارُ في «الهداية» ثلاثةُ أنواع فقط: خيارُ شَرْط، ورُؤية، وعَيْب، وهي في الفِقه تبلغ إلى تسعةِ أقسام.
٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلَاّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». طرفاه ٦٤١٠، ٧٣٩٢ - تحفة ١٣٧٢٧
٢٦٣٦ - قوله: (مئة إلا واحدًا) غَرَضُ المصنِّف ثبوتُ الكلام الاستثنائي من الأحاديث؛ ويمكن أن يكون إشارة إلى الاستثناء من العَدَد، فإِنَّ أكثرَ النُّحاة إلى نَفْيه، حتى إنهم ذكروا النِّكاتِ لقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، فانه استثناءٌ من العددِ، وذا لا يجوزِ على طَوْرِهم.
قوله: (مَنْ أَحْصَاها) ... الخ، أي مَنْ حَفِظها، وهو المرادُ عند المُدِّثين، وقال الصوفيةُ: التخلُّق بها.
١٩ - بابُ الشُّرُوطِ فِى الْوَقْفِ
٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ أَنْبَأَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِى مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ قَالَ «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا». قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِى الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى، وَفِى الرِّقَابِ، وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ. قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. أطرافه ٢٣١٣، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧ - تحفة ١٠٥٦١، ٧٧٤٢، ٧٤٣٤ أ - ٢٦٠/ ٣
ولا ريب أنه يخالف مذهبَ الحنفية على ما في «المبسوط» وأما على ما قررناه من «الحاوي» فلا يخالف.
٢٧٣٧ - قوله: (تَصَدَّق بها) أي بَغْلَته.
قوله: (غير مَتَأَثَّلٍ مالا) أي لا يريد به التمول، بل قضاءَ حاجته فقط.
٢ - باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ
٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ - رضى الله عنه - قَالَ جَاءَ النَّبِىُّ ﷺ يَعُودُنِى وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهْوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِى هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ «يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِى بِمَالِى كُلِّهِ قَالَ «لَا». قُلْتُ فَالشَّطْرُ قَالَ «لَا». قُلْتُ الثُّلُثُ. قَالَ «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِى أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِى تَرْفَعُهَا إِلَى فِى امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ». وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَاّ ابْنَةٌ. أطرافه ٥٦، ١٢٩٥، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ - تحفة ٣٨٨٠
٢٧٣٨ - قوله: (ما حقُّ امرىءٍ مُسْلِم شَيءٌ يُوصِي فيه، يَبيتُ لَيْلَتين، إلا ووَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدِهِ) قال بعضهمّ إنَّ ما حقُّ امرىءٍ «مبتدأ، ويَبيتُ ليلتين» خبره، فتدخل الليلةُ الواحدة تحت المسامحة فلا يجوز له أن يبيتَ ليلتين، ولا تكونُ وصيتُه مكتوبةً عنده. وقال بعضُهم: إنَّ خبَرها «إلا ووَصِيَّته مكتوبةٌ عنده». وحينئذ لا يبقى له في الليلةِ أيضًا حقُّ، وخيرُ «ما» الحجازية، يأتي بحرف الاستثناء أيضًا. البحث عند - الطِّيبي (١).
٢٧٣٩ - قوله: (خَعَن رَسُولِ الله ﷺ ، والخَتَنُ ههنا بمعنى أَخ الزوجة، وقد رأيتُ إطلاقه في كلِّ ذي قرابةٍ للزوجة.
٢٧٤٠ - قوله: (أَوْصى بكِتَابِ الله)، يُحتمل أن تكونَ الباء للاستعانة، أو صلةً دخلت عل المفعول به، قال سِيبَويةٍ، لا معنى لها إلا الإِلْصَاق، وما ذكروه من المعاني فكلها مَوراردُ لتحقُّقِه.
قوله: (ثقلين) أي وقرين عظيمين، ينبغي الاعتناءُ بهما، وهما القرآنُ والعِتْرة، كما سيجيء في «باب» يترك وَرَثَتْهُ أغيناءُ» .. الخ.
٢٧٤٢ - قوله: (عَسى اللهُ أَنْ يَرْفَعَك) - أي مِن مرضِك هذا - وفيه بشارةٌ لِصِحَّته، وقد تكلمنا على حديثه مفصَّلا فيما مرّ.
٣ - باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ
وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّىِّ وَصِيَّةٌ إِلَاّ الثُّلُثُ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
стр. 1811
٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْعِ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ». تحفة ٥٨٧٦ - ٤/ ٤
٢٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِىٍّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ مَرِضْتُ فَعَادَنِى النَّبِىُّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِى عَلَى عَقِبِى. قَالَ «لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا». قُلْتُ أُرِيدُ أَنْ أُوصِىَ، وَإِنَّمَا لِى ابْنَةٌ - قُلْتُ - أُوصِى بِالنِّصْفِ قَالَ «النِّصْفُ كَثِيرٌ». قُلْتُ فَالثُّلُثِ. قَالَ «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ». قَالَ فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ. أطرافه ٥٦، ١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ - تحفة ٣٨٩٦
قوله: (وقال الحسنُ: لا يجوزُ للذِّمي وصيةٌ إلا الثُّلث) أي فهو أيضًا كالمسلمين في هذا الباب.
٢٧٤٣ - قوله: (لو غضَّ النَّاسُ إلى الرُّبْعِ) أي لو نَقَصَ.
٤ - باب قَوْلِ الْمُوصِي لِوَصِيِّهِ تَعَاهَدْ وَلَدِي؛ وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ مِنَ الدَّعْوَى
٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِى وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّى، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ ابْنُ أَخِى، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ أَخِى، وَابْنُ أَمَةِ أَبِى، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ أَخِى، كَانَ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِى وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِى. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ «احْتَجِبِى مِنْهُ». لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ. أطرافه ٢٠٥٣، ٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧، ٧١٨٢ تحفة ١٦٦٠٥
فائدة:
واعلم أن تقرير الحنفية في تعيين رُبُع الرأس في باب المَسْح عديدة. والذي نحا إليه صاحبُ «الهداية» هو أن الآيةُ مُجْمَلةٌ، فالتُحِق الحديثُ بيانًا لها، وردَّه الشيخُ ابن الهمام، وذكر من عند نفسه توجيهًا. وكذلك تَعَقَّب عليه في «باب الحج»، فذكَر أنَّ حَلْقَ الرُّبْع يجزىءُ عند إمَامِنا، كما في المسحِ. وقال: إنه قياسِ شبه، وهو غيرُ مُعتبَر، فإِنَّا لا نعرفُ فيما معنَىً يقتضِي الرُّبعية. فَتَرَك مسألةَ الحنفية. قلت: وليس الأمرُ كما زعم الشيخ، وليس حَلَقُ الرُّبع في الحج من باب القياس على المسح، بل هو بابٍ آخَر قد ذكرناه في مواضع؛ وهو أن أَصْل البَحْث في أن
стр. 1812
الأَمر إذا وَرَدَ بإِيقاع فِعْل على محل، هل يقتضي ذلك استيعابَه أم لا؟ فذهب نَظْر الإِمام الأعظم إلى أنه لا يقتضِيه، بل الرُّبُع منه يقومُ مقامَ الكُّلِّ، فاعتبره في «باب المسح»، والحَلْق في الحج»، و «كشف العورة»، و «نجاسة الثوب»، و «الأضحية» وغيرها». وذهب نَظَرُ الشافعية إلى أَنَّ أَدنى ما يُطلق عليه الاسمُ يُحْكِي عن الكُّلِّ، ونَظر مالك إلى أنه يقتضي استيعابَ ذلك المَحِّل. ومن ههنا اختلفت تفاريعُهم في تلك المسائل. وحينئذٍ لا يرد عليه ما أورده الشيخُ ابنُ الهمام.
ثم إنه لا رَيْب أن الشَّيْخَ ابن الهُمام أَصُولي حاذق، فانظر كيف آخذ على صاحب «الهداية»، وكيف فَرَّقَ بين المِقَيس، والمقيس عليه. بخلاف الحافظِ ابن حجر، فإِنَّه مع كونِه حافظ بلا مِرية، ومُحَدِّثًا بلا فِرية، ليس له شأنٌ في الأُصول، كالشيخ ابن الهمام. ولذا احتجَّ للقيام في مولد النِّبي ﷺ من قوله ﷺ «قوموا لسَيِّدكم»، مع الفارِق البيِّنِ بين الوضعين، فإِنَّ القيام في المِقَيس عليه للإِعانة، لأنه كان مَجْروحًا، وهو في المَقِيس للتعظيم، وكذا الحُكْم في المِقيس عليه من عالم الأجسام، وفي المِقيس من عالم الأرواح. وكذا عِلَّة القيام فيالمِقيس عليه مُتحقِّقة، وفي المقيس موهومة؛ وبالجملة قياسُه فاسِدُ من وجوه؛ لكونِهِ قياسَ عالم الأرواح على عالم الأجسام، والموهوم على المتَحققِ، فكم من فَرْق بين مَدَارِك الشَّيخ، ومدارِك الحافظ في هذا الباب، ولا تحزن، فإِنَّ الله تعالى خَلَقَ للفُنون رِجالا، فالرجلُ وفَنَّه، والرَّجل وصَنْعتُه.
٥ - باب إِذَا أَوْمَأَ الْمَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّنَةً جَازَتْ
٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِى عَبَّادٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ يَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا مَنْ فَعَلَ بِكِ، أَفُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ حَتَّى سُمِّىَ الْيَهُودِىُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِىءَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى اعْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. أطرافه ٢٤١٣، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥ - تحفة ١٣٩١
أخرج المُصنِّفُ تَحْته قِصَّةَ رَضِّ اليهودي رأسَ جارية، وأَخْذ القِصاص منه بإِيماء؛ قلت: ولا يدلُّ الحديثُ إلا على أَنَه فَتَّش الأَمْرَ بإِيمائها.
أما رَضَّ رأسه، فلم يكن إلا بعد ما أعترف به هو. ثُم العِبرة بالإِيماء، حيث كان ليس إلا ديانةً، أما في القضاءِ فلا اعتبارَ له.
٦ - باب لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. طرفاه ٤٥٧٨، ٦٧٣٩ - تحفة ٥٩٠١ - ٥/ ٤
وهذا الحديثُ ضعيفٌ باتفاق، مع ثبوت حُكْمه بالإِجماع، ولذا أخرجه المصنِّف في
стр. 1813
ترجمته، وإلا فإِنْه لا يأتي بالأحاديث الضَّعاف مِثْله، ثم لم يعبِّر عنه بالحديث، على ما عرفت من دَأبه، فيما مرّ، وبَحَث فيه ابنُ القَطَّان أن الحديثَ الضعيف إذا انعقد عليه الإِجماع هل ينقلب صحيحًا أَم لا؟ والمشهور الآن عند المحدِّثين أنه يبقى على حاله، والعُمْدة عنده في هذا الباب هو حال الإِسناد فقط، فلا يَحْكُمون بالصِّحة على حديثٍ راوٍ ضعيفٌ، وذهب بعضُهم إلى أن الحديثَ إذا تأيَّد بالعملِ ارتقى من حال الضَّعْف إلى مرتبة القبول.
قلت (١): وهو الأَوْجَهُ عندي، وإن كَبُر على المشغوفِين بالإِسناد. فإِني قد بلوت حالَهم في تَجَازُفِهم، وتسامحهم، وتماكُسِهم بهذا الباب أيضًا. واعتبارُ الواقع عندي أولى مِن المَشْي على القواعد. وإنَّما القواعدُ للفَصْل فيما لم يَنْكشِف أمرُه من الخارج على وَجْهِه، فاتِّباع الواقِع أَوْلى، والتمسُّك به أَحْرَى.
٧ - باب الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ
٢٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِىِّ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَىُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ. تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». طرفه ١٤١٩ - تحفة ١٤٩٠٠
٢٧٤٨ - قوله: (قُلت: لفُلانٍ كذا، ولفُلان كذا، وقد كانَ لِفُلان) يعني أنك تُوصِي المال لواحدٍ، والشَّرْع يعطِيه لآخر، أو معناه أنه صار لفُلانٍ قبل إيصائك له. وهذا الاختلافُ يُبني على أن النَّكِره إذا أُعِيدت نكرةً، فهل تكونُ غيَر الأُلى أَم عَيْنَها؟.
٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (٢): ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]
وَيُذْكَرُ أَنَّ شُرَيْحًا وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَاوُسًا وَعَطَاءً وَابْنَ أُذَيْنَةَ أَجَازُوا إِقْرَارَ
стр. 1814
الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَحَقُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ الرَّجُلُ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الآخِرَةِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ إِذَا أَبْرَأَ الْوَارِثَ مِنَ الدَّيْنِ بَرِئَ.
وَأَوْصَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنْ لَا تُكْشَفَ امْرَأَتُهُ الْفَزَارِيَّةُ عَمَّا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ إِذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ كُنْتُ أَعْتَقْتُكَ. جَازَ.
وَقَالَ الشَّعْبِىُّ إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ مَوْتِهَا إِنَّ زَوْجِى قَضَانِى وَقَبَضْتُ مِنْهُ. جَازَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، ثُمَّ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالْوَدِيعَةِ وَالْبِضَاعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ».
وَلَا يَحِلُّ مَالُ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «آيَةُ الْمُنَافِقِ إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ.
فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
٢٧٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِى عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ». أطرافه ٣٣، ٢٦٨٢، ٦٠٩٥ - تحفة ١٤٣٤١ - ٦/ ٤
فالدَّيْن يقدَّمُ في الأَداء، وإنْ تأخَّر ذِكْرًا.
قوله: (ويُذْكَرُ أن شُرَيحًا ... ) أجازوا إقرار المريض بدَيْن، وإقراره إنَّما يُعتبر عندنا إذا كان سَبَبُهُ معروفًا، وإلا لا. وراجع مسائله في «الهداية».
قوله: وقال الحسنُ: أَحَقُّ ما يقصد به الرجل آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة) يعني إذا لم يُعتبر إقراره، وقد بلغت الروحُ فمتى يُعتبر به.
قوله: (وقال إبراهيم والحَكَمُ: إذا أَبْرأَ الوَارِثَ من الدَّيْنِ بَرِيءَ) وفيه تصيلٌ في فِقْهنا.
وعلم أن أصحابنا اختلفوا في الإِقرار أنه إِخْبَار، إو إنشاء؟ وثمرةُ الخِلاف تظهَرُ فيما (إِذا) عَلِم المُقَرُّ له، أَنَّ المِقرَّ لم يُقِرُّ له بشيءِ في الخارج، فإِنَّ كان إِخْبارًا لا يحِلُ له أَخْذُ المال المُقَرِّ به ديانةً وإنْ حَك٢ القاضي، وإنْ كان إنشاءً جاز له أَخْذُه. وقال في «الدر المختار»: إنه إنشاءٌ مِن وَجْه، وإخبارٌ من وَجْه. وهذا التقسيمُ اعتبره الفقهاءُ ولا يعرِفه النُّحاةُ، إلا أَنَّ عبد القاهر، والزُّمخّشَرِي اختلفا في أن المتكلم إذا تكلم بالحمد لله، وأراد به إنشاء الحمد، فهل يخرج هذا الكلام من نوعه أم لا؟.
стр. 1815
قوله: (أَنْ لا تُكْشَفَ)، أي لا تفتش.
قوله: (كُنت أَعْتَقْقُك) .. الخ فهذا إِخْبار، ويصدق به.
وقوله: (قال بعضُ الناس: لا يجوزُ إقْرَارُهُ لسوءِ الظَّن به) ... الخ. فنقل أولا القطعيات التي تدلُّ على عبرة إقرار المريض، ثُم توجَّه إلى الإِيراد على الحنفية، فقال: إنَّ بَعْضَ الناس يُسيءُ الظنَّ برجل على شرف الرحيل، ولا يظن بأَحدٍ أنه يكذِب في مِثْل هذا الموطن.
قوله: (ثم استحسن، فقال: يجوزُ إقرارُه بالودِيعة) ... الخ. يعني نفي أولا إقراره، ثُم جعل يَسْتثني منه، لما لاح له دلائلُ خاصَّةٌ، وموانع جزئية. وحاصلُ إيرادَه أمران: الأوَّل أن النبيِّ ﷺ نهى عن سوءِ الظنِّ، ولم يعمل به أبو حنيفة، فلم يَنْفُذ إقراره لسوءِ الظنِّ به؛ والثاني أَنَّ الله تعالى أمر أن تُؤدَّى الأماناتُ إلى أهلها، فوجب أن تردّ أمانةُ المقرِّ له إليه. ولو لم تعتبر إقرارَه، يلزم مَنْعُ الأمانة عن صاحبها، وركوبُ حقوقِ المسلمين على رقبته من أجل إقراره، ومِنْعاها عنهم، ولا يحِلّ له ذلك.
قلنا: إنَّك قد عَلِمت أن الإِقَرار إذا كان سبَبُه معلومًا، فهو مُعتَبرٌ عندنات أيضًا، ولا مناقضةَ (١) بعبرةِ الوَدِيعة وغيرِها، فإِنَّ الويعةَ ليست من الإِقرار في شيء. فإِنها ليست تمليكًا جديدًا. بَقيت المضارَبةُ، فليست من الإِقرار المعروف. أما الجوابُ عن الأَمْر الأَوَّل. فنقول: إنَّ الحديثَ مَحَلُّه فيما إذا كانَ إساءةُ الظنِّ بلا وَجْه، أما إذا كان مَوْضِعَ رَيْبٍ وريبةٍ، ففيه قوله: «اتفقوا مواضِعَ التُّهَم». وأما الجوابِ عن الأَمْر الثاني فنقول: إنَّا نلاحِظُ حقَّ الوَرَثة أيضًا؛ فأنتم نظرتُم إلى حَقِّ المُقرِّ له، ونحنُ نَظَرْنا إلى حقِّ الوَرَثة، فلزم عليكم تَرْكُ النَّظَرِ حقَّ الوَرَثة كما ألزمتُم علينا تَرْكَ النَّطَر إلى حقِّ المُقرِّ له؛ وأما الجوابُ عن الآيةِ فبأنَّها خارجةُ عن مَوْرِد النِّزاع، لأنه لا كلامَ في ردِّ الأمانات، وإنم الكلام في إقرارِه.
ولنا أن نقولَ أيضًا: إن حقَّ الورَثةِ لِما تعلَّق أن الإِمامَ الهُمام نَظَر إلى أَنَّ الأماناتِ والودائعَ إخبارٌ بأَمْرٍ ماضٍ، فإِذا أَخْبر به سلمنا قوله، ولم نكذبه، بخلافِ الإِقرار، فإِنَّه إنشاءٌ من وَجْه، فَوَسِع لنا أن لا تُنْفِذه بظهورِ حقِّ الوَرَثة؛ فنظرنا إلى أَنَّ حفاظةَ حقِّ الورثة أَقْدَمُ من حفاظةِ حقِّ الغير، ونظر المصنِّف بالعكس.
فائدة
واعلم أنَّ المشهورَ في تعريف الاستحسان أنه قِياسُ خفيُّ، وحقَّقَ الشيخُ ابنُ الهُمام أنه ما خالِف القِياسَ الجليِّ، سواء كان قياسًا خفيًا، أو نَصًّا، أو غير ذلك؛ ولا ينبغي القَصْر على القِياس الخفي، فإِنَّ الاستحسان قد يكون بالنصِّ أيضًا.
قوله: (أَوْصَى لأَقارِبه) أي أوصى بهذا اللفظ. ثُم جرى النزاع في تعيين ما صَدُقِ الأقارب مَنْ هم؟ قلت: وهذا مما لا يمكن تَعْيينه، لأنه مُخْتَلِفٌ باختلاف العَصْر، وكان العُرْف في عَصْر أبي حنيفة بإِطلاقه على كلِّ ذي رَحِم مَحْر٢. وراجِع «الهامش»، فإِنَّه أَنْفعُ جِدًا.
قوله: (وقال أَنْصاريُّ) .. الخ والأنصاريُّ هذا هو محمدُ بن عبد الله الأنصاري. وكان يقولُ بجواز وَقْف الروبية أيضًا، بأن يُحْبَس أَصْلها، وتُنْفَق بِمَنْفَعَتِها، فَوَقْفُ النَّقْد صحِيحٌ عنده، وكان عليه العملُ في القسطنطينية. هكذا في «العَالْمِكِيرية» عن الأنصاريِّ، ولم يُدْرِكه بَعْضُهم مَن هو، قلت: هو هذا ثُمَّ إنَّ المصنِّف ذَكر بَعْضه نسب حسان، وأبي طلحة لتظهِرَ قرابتُهما.
قوله: (وهُو الأَبُ الثَّالِثُ) أي حَرَام بن عَمْرو.
قوله: (وحَرَام بن عَمْرو. إلى قوله: النَّجَّار) هذه العبارةُ زائدةٌ في بعض النُّسَخ ولا طائل تحتها، كما في الهامش.
قوله: وقال بَعْضُهم) ... الخ، وهو أبو يوسف، والظاهر أَنَّه وَافَقَه. فليس المرادُ من «بعض الناس» أبا حنيفةَ دائمًا، ولا أنه للردِّ دائمًا، كما عَلِمته مِن قبل.
١١ - باب هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ وَالْوَلَدُ فِى الأَقَارِبِ
٢٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قَالَ «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِى عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لَا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. طرفاه ٣٥٢٧، ٤٧٧١ - تحفة ١٣١٥٦، ١٥١٦٤، ١٣٣٤٨، ١٥٣٢٨ - ٨/ ٤
١٢ - باب هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ
وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ - رضى الله عنه - لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِى الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لِلَّهِ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
٢٧٥٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ «ارْكَبْهَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ». طرفاه ١٦٩٠، ٦١٥٩ - تحفة ١٤٣٧
стр. 1819
٢٧٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ «ارْكَبْهَا». قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ». فِى الثَّانِيَةِ أَوْ فِى الثَّالِثَةِ. أطرافه ١٦٨٩، ١٧٠٦، ٦١٦٠ - تحفة ١٣٨٠١
ويجوزُ الانتفاعُ به عندنا أيضًا. وأخرج المصنِّفُ تحت حديثَ رُكوب الهَدْي، ومعلومٌ أن الهدى غير الوقف، ولكنَّ المصنِّف لا يُبالي بهذه الفروقِ، ويستشهِدُ من أحدِ البابين على الآخر.
١٣ - باب إِذَا وَقَفَ شَيْئًا فَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى غَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ
لأَنَّ عُمَرَ - رضى الله عنه - أَوْقَفَ وَقَالَ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ، وَلَمْ يَخُصَّ إِنْ وَلِيَهُ عُمَرُ أَوْ غَيْرُهُ.
قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِى الأَقْرَبِينَ». فَقَالَ أَفْعَلُ. فَقَسَمَهَا فِى أَقَارِبِهِ وَبَنِى عَمِّهِ.
ومحطُّه أنَّ الوَقْف هل يَتِم بدون تسلِيمِه إلى مُتَوَلِّي أم لا؟
ففيه خلاف بين أبي يوسِف، ومحمد: فقال أبو يُوسف: إن يَتِم وإن لم يُسلِّمه إلى متوليِّ، لأنه كالإِعتاق عنده، بجامع أَنَّ المِلْك فيهما يزول لا إلى مالك. وقال محمد: لا يَتِم بدونه، لأنه تَصَدُّقٌ، فلا بد مِن القبض. وتفصيله أَنَّ أَصْل الخلافِ في معنى الوَقْف، ففهِم أبو يوسف. أنه اسمٌ لِرَفْع علائق المالكية، ونظيرُه موجودٌ في الشَّرْع، وهو الإِعتاق، وذِهَب محمدٌ إلى أَنَّ رَفْع المِلْك لا إلى مالك مما لا نظيلرَ له في الشَّرْع، نعم فيه تحويلُ شيء مِنْ مِلك إلى مِلْك، كالصدقة، والهبة، فيكون أقرب إليه، فجعله في حُكْم التصدُّق، واختلف في الفَتْوى، وكذا في تصحِيحه، واخترنا مذهبَ أبي يوسفِ، واختبار المصنف أيضًا مذهب أبي يوسف.
وإنَّما لم يُعَرِّج ههنا إلى مسائل الشافعي، لما عَلِمت أَنَّه أَخذ مسائلَ هذا البابِ من كتاب الأنصاريِّ، أما مسائلُ أبي حنيفةَ، فَقلَّت في هذا الباب، لكون حقيقةِ الوَقْف يسيرةَ عنده، على ما علمته. ويُستفاد من عبارةِ المصنِّف الآتية أنَّه تَوَجَّه فيه إلى مسألةٍ أَخْرى، وهي أنه هل يتولى الوَقْفَ بنفسِه، أَم يُولِّي عليه غيَره؟ والله تعالى أعلم.
١٤ - باب إِذَا قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ لِلَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ جَائِزٌ وَيَضَعُهَا فِى الأَقْرَبِينَ أَوْ حَيْثُ أَرَادَ
قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى طَلْحَةَ حِينَ قَالَ أَحَبُّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرَحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، فَأَجَازَ النَّبِىُّ ﷺ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ لِمَنْ وَالأَوَّلُ أَصَحُّ.
يعني أنه لا يُشترط لتماميةِ الوَقْف بيانُ المصارِف. وهو مذهب أبي يوسف، واختاره المصنِّف أيضًا خلافًا لمحمد.
قوله: (قال بَعْضُهم) ... الخ، أرادَ به مُحَمَّدًا.
مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٦ - ٧].
حَسِيبًا: يَعْنِى كَافِيًا.
٢٣ - باب وَمَا لِلْوَصِىِّ أَنْ يَعْمَلَ فِى مَالِ الْيَتِيمِ، وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِى هَاشِمٍ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلاً، فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى اسْتَفَدْتُ مَالاً وَهُوَ عِنْدِى نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ». فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَفِى الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِى الْقُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ. أطرافه ٢٣١٣، ٢٧٣٧، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧ - تحفة ١٠٥٦١، ٧٦٩١ - ١٢/ ٤
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. قَالَتْ أُنْزِلَتْ فِى وَالِى الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ. طرفاه ٢٢١٢، ٤٥٧٥ - تحفة ١٦٨١٤
قوله: (ما للوِصيِّ انْ يعْملَ في مالِ اليَتِيم، وما يَأْكُلُ منه بِقَدْر عُمَالَتِهِ) أي بطريقِ التجارة. وهذا أصلً، لِما كان أبو يوسف يَفْعَلُه في أموال اليتامى، وقد بلغ ثبوتُه من الحديثِ إلى القرآنِ وقد قَرَّرناه سابقًا، فمن اعترض عليه، فمِن سوءِ ديانتِه، وقِلَّة عِلْمه.
٢٧٦٤ - قوله: (تَصَدَّق بأَصْلِهِ لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ) ... الخ، ولعلَ الراوي قَدَّم فيه وأَخَّر، فورد الحديثُ على الحنفيةِ لدلالتِه على أن الوَقف يَخْرج عن مِلك الواقف. والترتيبُ الصحيحُ ما عند الترمذي، قال: فإِنْ شِئت حَبَسْت أَصْلَها، وتَصَدَّقت بها. فتصدَّق بها عُمُر: أنها لا يُباعُ أَصْلُها، ولا يُوهَب، ولا يُورَثُ .. الخ. وهذا عينُ مذهبِ الحنفية، أي حَبْسُ الأَصْل والتصدُّق بالمَنْفعةِ، فكانت هذه الألفاظُ من كلام عمَر، ونقله الراوي في كلامِ النبيِّ ﷺ .
٢٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]
٢٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِىِّ عَنْ أَبِى الْغَيْثِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ». طرفاه ٥٧٦٤، ٦٨٥٧ - تحفة ١٢٩١٥
٢٧٦٦ - قوله: (الشِّرْكُ بالله) وهو مِن الكبائرِ.
стр. 1824
تعريف الكبيرة
واعلم (١) أنهم اختلفوا في تعديد الكبائر، وتحديدها، والظاهر أن ما جاء الوعيد عليها في القاطع، أو ما ثَبَت بقياسِ المجتهد على القاطع، فكلُّها كبائرُ.
فائدة
واعلم أنه سبق إلى بَعْض الأوهام أن الفَرْض لا يَثْبُت إلا بالقطعيِّ، وليس بصحيح فإِنَّ الفَرْض كما يَثْبُت بالقطعي، كذلك يَثْبت بالظنِّي، حتى بِالقياس أيضًا؛ فيجوزُ للمجتهد أن يقول: إن هذا الجزءَ مِثْلُ هذا الجزءِ المنصوص عندي، فيكون فرْضًا مِثْلَه، إلا أَنَّ الفَرْق بين الفَرْضَيْن: أَنَّ الفَرْضَ الثابِتَ بالقاطع يكونُ قَطْعيًا، والثابِتَ بالقياس، أو بظنِّي آخر يكون ظنيًا. وذلك لأنَّهم قَسَموا ما ثبت بالكتابِ إلى أقسام، وهو قطعيٌّ قَطْعًا، ثُم قالوا: إنَّ كلَّ ما ثبتِ بالكتاب يثبت بسائر الأدلة أيضًا، فاكتفوا بالإِجمال عن التفصي، فاشتَبه الأَمْرُ على بعضهم، وزعم أَنَّ الفَرْض لا يَثْبُت إلا بالقاطع، حتى أَنَّه عَرَّف الفَرْض بما يكون ثابتًا بالقاطع، مع أنه تعريفٌ للقطعيِّ منه، لا مطلقًا، فإِنَّه قد يكونُ ظنيًا أيضًا، وذا يَثْبُت من الظنيِّ.
٢٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ. ﴿وَعَنَتِ﴾ [طه: ١١١] خَضَعَتْ.
٢٧٦٧ - وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّتَهُ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِى مَالِ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِى هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَىْءٍ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى قَرَأَ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وَقَالَ عَطَاءٌ فِى يَتَامَى الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ يُنْفِقُ الْوَلِىُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ. تحفة ٧٥٦٢ - ١٣/ ٤
٢٧٦٧ - قوله: (وكان ابنُ سِيرين) ... الخ، وفي «الكنز» أنه يجعل الوصيّ الجَدَّ وَوَصِيّه، والقاضي وَوَصِيّه، وقد تكون الأمُ أيضًا وصيًّا، فيجوز فهم التصرُّفُ فَحَسْب.
حكاية
رُوي أن تلميذًا من تلامذةِ محمدٍ مات، وكان معه في سفر، فباع محمدٌ مالَه، وكَفَّنه فيه.
стр. 1825
فقال له النَّاسُ: كيف فَعَلْت، ولم يأذن لك القاضي؟! فتلا محمدُ بنُ الحسن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قلت: هذا لم يكن من باب الفقه، بل كان عملا بالدِّيانة، كما قال هؤلاء السَّلَفُ: أن يجتَمِع إليه نُصحاؤه، ثم لينظروا في الذي هو خَيْر.
٢٦ - باب اسْتِخْدَامِ الْيَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، إِذَا كَانَ صَلَاحًا لَهُ، وَنَظَرِ الأُمِّ وَزَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ
٢٧٦٨ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِى، فَانْطَلَقَ بِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ، فَلْيَخْدُمْكَ. قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِى السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِى لِشَىْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلَا لِشَىْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا طرفاه ٦٠٣٨، ٦٩١١ - تحفة ١٠٠٠
أما نَظُرُ الأُم فمذكورٌ في الفقه أيضًا. وأما نَظَرُ زوجها سوتيلا باب فلم يذكر فيه، ولكن إذا لم يتهمه أَهُلُ المحلة، ورأواه ناصحًا له، فلا بأس به عند عَدِم التقاضي. ألا ترى أن محمدًا أيضًا رَاعى هذا الباب، مع كونِه باني الفقْه، ومؤسِّسًا له.
٢٧ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ فَهْوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ
٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِىٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بِيرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ «بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ - أَوْ رَايِحٌ - شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّى أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِى الأَقْرَبِينَ». قَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِى أَقَارِبِهِ وَفِى بَنِى عَمِّهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ «رَايِحٌ». أطرافه ١٤٦١، ٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١ - تحفة ٢٠٤
٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما أَنَّ