ومضى التنبيه عليه. ونُعَيْم بن حمَّاد هذا كان يُزَوِّرُ في السُّنَّةِ. وفي مثالب أبي حنيفة، كما في تذكرته: ومع هذا أخذ عنه البخاريُّ كثيرًا في «خلق أفعال العباد». وحينئذٍ وَجَبَ علينا نؤوِّل للبخاريِّ، ونقول: معنى التزوير في السُّنَّةِ أي لتأييده. وكذا في حقِّ أبي حنيفة إنه كان يَسْتَلِذُّ بها، لا أنه كان يزوِّرُها بنفسه. وإلَّا فظاهرُه شديدٌ، فإن لم يَأْخُذْ عنه، فماذا كان؟ فإنه إن كان جَرْحًا، كان فيمن أخذ عمَّن هو دون الإِمام، بل لا يُوَازِيه، وترك الروايةَ عنه.
***
стр. 2417
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٥ - كتاب تَفْسِيرِ القُرْآن
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كالعَلِيمِ وَالعَالِمِ.
واعلم أنَّ أَوَّل مَنْ خدم القرآن أئمةُ النَّحْو. فللفرَّاء تفسير «في معاني القرآن»، وكذا للزَّجَّاج. وذكر الذَّهبي أنَّ الفرَّاء كان حافِظَ الحديث أيضًا. وقد أَخَذَ ابنُ جرير الطبري في تَفْسيره عن أئمة النَّحْو كثيرًا، ولذا جاء تفسيرُه عدِيمَ النَّظير، ولو كان البخاريُّ أيضًا سار سَيْرَه لكان أحسنَ، لكنه كان عنده «مجازُ القرآن» لأبي عُبَيدة مَعْمَر بن المُثنَّى، فأخذ منه تفسيرَ المُفْردات، وذلك أيضًا بدون ترتيب وتهذيب، فصار كتابُه أيضًا على وَازِن كتاب أبي عبيدةَ في سُوء الترتيب، والرِّكَّة، والإِتيان بالأقوال المرجوحة، والانتقال من مادةٍ إلى مادة، ومن سورةٍ إلى سورة، فصَعُب على الطالبين فَهْمُه. ومَنْ لا يدري حقيقةَ الحالَ يَظُنَّ أن المصنِّف أتى بها إشارةً إلى اختياره تلك الأقوالَ المرجوحةَ، مع أنه رَتَّب كتابَ التفسير كلَّه من كلام أبي عُبيدة، ولم يعرِّج إلى النَّقْد أَصلًا. وهذا الذي عرّا شقي القاديان، حيث زَعم أنَّ البخاري أشار في تَفْسِيره إلى أنَّ التَّوَفِّي بمعنى الموت، لأنه فَسَّر قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] بِممِيتك؛ وهذا الآخَرُ لم يوفَّق، ليفهم أنَّ الحال ليس كما زَعمه، ولكنه كان في «مجاز القرآن»، فنقله بعينه كسائر التفسير، فإِنْ كان ذلك مختارًا، كان لأبي عُبيدة لا للمصنِّف. وتفسيرُ الحاكم في «مستدَركِه» أحسنُ منه عندي. ثُم إنَّ هذا غيرُ أبي عُبيد صاحب كتاب «الأموال»، فإِنَّه متقدِّم على مَعْمَر بنِ المُثنَّى، وهو أبو عُبيد قاسم بن سَلَّام من تلامذةِ محمد بن الحسن، أَوَّل مَنْ صَنَّف في غريب الحديث.
ثُم إنَّ المجاز في مصطلح القدماء ليس هو المجازَ المعروف عندنا، بل هو عبارةٌ عن موارد استعمالاتِ اللفظ، ومن ههنا سَمَّى أبو عبيدة تفسيره «بمجاز القرآن». وهذا الذي يريدُه الزَّمخشرِي من قوله: ومِن المجاز كذا، كما في «الأَساس»، ومن المجاز تُوفي زَيْدُ، أي مات، لا يريدُ به المجاز المعروف، بل كَوْن الموت من موارد استعمالاته. وقد حَقَّقْنا من قَبْل أن التوفِّي كنايةٌ في الموت، وليس بمجاز. وهكذا التأويلُ عند السَّلَف بيان المصداق، قال تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي مِصْدَاقُها، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] أي مصداقه، وهو عند المتأخرين بمعنى صَرْف الكلام عن الظاهر.
стр. 2418
حكاية: تدلُّك على شِدَّة عنايةِ أئمةِ النَّحْو، وَوَلُوعِهم بالتفسير.
اجتمع الزَّجَّاج مع المُبرّد مرةً، وكان الزجَّاج صنَّف تفسيرًا، فسأله المبرِّد عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] ما الرَّبْطُ بين الجُمْلتين؟ وهو وإنْ لم يكن ضَرُوريًّا في القرآن، لكنه ضَرُوريّ في مِثْل هذا المَوْضع، لأنه يَعُود كالجَمْع بين الضبِّ والنون. فهذا يدلُّ على أنهم كانوا يَهْتَمُّون بِمُشْكلات القرآنِ، وكانوا يعرِفُونها، ولذا سأل المبرِّد عن أَشْكل آيةٍ في هذا الباب، ثُم لا أدري ماذا أجاب عنه الزَّجَّاج، غير أني كتبت فيه شيئًا من عند نفسي.
ومِن أهم ما نريدُ أن نُلقي عليك معنى التفسيرِ بالرأي، وقد بحثوا فيه بين مُطْنب ومُوجِز، مُكْثر ومُقلّ، غير أنه لا يرجع إلى كثيرِ طائل، فلم نر في نَقْله فائدةً، فدونك عِدَّة جُمَل: أنَّ التفسيرَ إذا لم يوجِب تغييرًا لمسألة، أو تبديلًا في عقيدة السَّلَف، فليس تفسيرًا بالرأي، فإِذا أوجب تغييرًا لمسألةٍ متواتِرةٍ، أو تبديلًا لعقيدةٍ مُجْمَعٍ عليها، فذلك هو التفسيرُ بالرأي، وهذا الذي يستوجِب صاحبه النَّار، ولا تتحصَّل على ما قلنا، إلَّا بعد الإطِّلاع على عاداتِ أصحابِ التفاسير. وحينئذٍ لا قَلَق فيما فَسَّره المفسِّرون من أذهانهم الثاقبة، وأفكارِهم الصحيحة. ومَنْ يطالع كُتُب التفسير يجدها مشحونةً بالتفسير بالرأي، ومَنْ حَجَر على العلماءِ أن يُبْرِزُوا معاني الكتاب بعد الإِمعان في السياق، والسباق، والنظر إلى حقائق الألفاظ، ومراعاة عقائد السَّلَف، بل ذلك حَظُّهم من الكتاب، فإِنَّهم هم الذين ينظرون في عجائبه، ويَكْشِفون الأستارَ عن وجوه دَقائقه، ويرفعون الحُجُبَ عن خبيئات حقائقه، فهذا النوعُ من التفسير بالرأي حَظُّ أُولي العِلْم، ونصيبُ العلماء المستنبطين، أما مَنْ تكلَّم فيه بدون صِحَّة الأدوات، لا عِنْده عِلْم من كلام السَّلَف والخَلَف، ولا له ذُوْقٌ بالعربية، وكان من أجلاف النَّاس، لم يَحْمِلْه على تفسيرِ كتابِ الله غيرُ الوقاحة، وقِلَّة العلم، فعليه الأَسف كلّ الأَسف، وذاك الذي يستحقُّ النَّار.
ثُم اعلم أنَّ تفسيرَ المُصنِّف ليس على شاكلةِ تفسير المتأخِّرين في كَشْف المُغْلقات، وتقرير المسائل، بل قَصَد فيه إخراجَ حديثٍ مناسِبٍ متعلِّقٍ به، ولو بِوَجْه، والتفسير عِنْد مُسْلم أقلُّ قليل، وأَكْثَرُ منه عند الترمذي، وليس عند غيرِهم من الصحاح الستِّ، ولذا خُصَّت باسم الجامع، وإنما كَثُرت أحاديثُ التفسير عند الترمذي، لِخِفّة شَرْطه. أما البخاريُّ فإِنَّ له مقاصِدَ أخرى أيضًا، مع عدم مبالاته بالتَّكْرار، فجاء تفسيرُه أبسطَ من هؤلاء كلِّهم.
قوله: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾)، قيل: الأَوَّل أَبْلَغ من الثاني. وقيل: إن الأَوَّل عَلَمٌ بالغَلَبة؛ والثاني صفةٌ. قلتُ: إنَّ «الرحمن مهما وَجَدْناه في القرآن لم نجد معه مُتَعلَّق يتعلَّقُ به، بخلاف «الرحيم» قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] فلم يذكر
стр. 2419
له مفعولًا به، وقال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فذكره. ولقائل أن يقول: إنَّ «الرحمن» صِفَةُ مُشَبَّهة، و «الرحيم» مبالغةٌ للفاعل، لا صفة مُشَبَّهة.
ونَقَل البخاريُّ أنَّ الرحيم والراحم واحِدُ، وهو في الأَصْل عن أبي عُبيدة. وفي النقول الإِسلامية أنَّ المعروف عند بني إسماعيل كان اسمَ «الله»، وعند بني إسرائيل «الرَّحْمن»، ولذا لَمَّا نزلت التسميةُ استنكرها العربُ، وقالوا: إنَّه يريدُ الخَلْط بين الدِّنَيْن، فنزلت ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ (١) أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ... إلخ [الإسراء: ١١٠].
ومِن ههنا ظهر سِرُّ الجَمْع بين الاسمين في التسمية (٢). قلتُ: وأما اليوم فلم أجد في التوراة من أسمائه تعالى إلَّا "يهوه"، "والوهيم"، "وأيل"، ولم أَجِد الرَّحْمن (٣) فيه، فلا أَدْرِي ماذا أرادَه العلماءُ. ثُم أيُّ اعتمادٍ على نُسَخ التوراة مع التحريف الفاشي، فإِن كلًّا يُحرَّفُ فيها، ولا يحاشى.
١ - باب مَا جَاءَ فِى فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتَابِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي المَصَاحِف، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ. وَالدِّينُ: الجَزَاءُ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ.
стр. 2420
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١، الانفطار: ٩] بِالحِسَابِ. ﴿مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦] مُحَاسَبِينَ.
٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصَلِّى فِى الْمَسْجِدِ فَدَعَانِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى كُنْتُ أُصَلِّى. فَقَالَ «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ثُمَّ قَالَ لِى لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِىَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِى الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ». ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ أَلَمْ تَقُلْ «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِىَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِى الْقُرْآنِ». قَالَ «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هِىَ السَّبْعُ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِى أُوتِيتُهُ». أطرافه ٤٦٤٧، ٤٧٠٣، ٥٠٠٦ - تحفة ١٢٠٤٧ - ٢١/ ٦
قوله: (وسُمِّيت أُمَّ الكتاب، لأَنَّه يُبْدأ بكتابتها في المصاحف) إلخ. قلتُ (١): ولم يَنْكَشِف مما نقله المصنِّفُ شيءٌ. والصوابُ عندي أن الأُم في الأَصْل يقال للدجاجة التي تُقَرْقِر، لتكفت إليها أَفْراخُها، وكذا يقال: الأم، للرايةِ، لأنَّ الجيش يعودُ إليها عند الكَرِّ والفَرِّ.
إذا عَلِمت هذا، فاعلم أنَّ الفاتحةَ سُمِّيت بأُمِّ الكتاب، لأنها تبقى في محلها، وكأنَّ سائرَ السُّور تجيء، وتنضم معها على سبيل البدلية، فهي متعيِّنة للقراءةِ، وسائرُها مخيَّرة، فكأنَّها كالوَتد للقراءةِ في الركعة، وبعبارةٍ أُخْرى أنه إذا أُريد حَوْزُ الأشياء في مكان تَخَيَّر له المكانَ أَوَّلًا، ليجمع فيه، فالفاتحة لهذا التعيين، ثم تحومُ سائرُ السُّورِ حَوْلَها. وسيجيءُ له مزيدُ التوضيح في «فضائل القرآن».
فائدة:
واعلم أنَّ الأحاديثَ قد تَرِد كاشفةً عن أنظار ذهنيةٍ، ولا يُدْرى إلى أين جَرْيُها، وكَفُّها، وطردُها، وعَكْسُها، فيظهَر بعضُها في العمل أيضًا، ويبقى بعضُها في النَّظَر فقط. ففي مِثْل هذه الأحاديثِ يَجِب النَّظر إلى العَمل أيضًا، ولا ينبغي القَصْر على اللفظ فقط، لينكشف أنه هل اعتُبر هذا النَّظَرُ في حَقِّ العمل أيضًا، أو بقي في النَّظَر فقط، كالإِيتار
стр. 2421
في صلاة اللَّيل، فإِنَّه نظر، لكنه لا يُدرى إلى أين جَرْيُها، وكَفُّها. فقد أجراه بعضُهم حتى قال بِنَقْضِ الوِتْر، ومن هذا الباب قوله: «إنَّما جُعِل الإِمامُ ليؤتمَّ به»، فالائتمام نَظرٌ ذِهْني، لا يُدْرى طَرْدُها وعكسها، فاعتبره الحنفية في باب القراءة أيضًا، وجعلوه دليلًا على تَرْك الفاتحة خَلْفَ الإِمام أيضًا، وأَخَذه الشافعيةُ أَوْسع منه، ولم ينفصل الأَمْرُ بعد، ولا ينفصل. وراجع رسالتي «كَشْف السّتر».
ومُحصَّل الكلام أن الأنظارَ الذهنيةَ إذا خفي طَرْدُها، وعَكْسُها، فالعبرةُ عندي بالعمل في الخارج، كيف ثبت. فنقولُ في مسألة النقض أَنَّه إنْ ثبت نَقْضُ الوِتْر عن السَّلَف نقول: إنَّ الإِيتارَ قد اعتُبر في حقِّ العمل أيضًا، وفي المسألة الثانية: إنَّ الفاتحة إن ثَبَتَ تَرْكُها خَلْفَ الإِمام نقول: إنَّه ظَهَر أَثَرُه في تَرْك القراءةِ أيضًا، وإنْ لم يثبت، كما في المسألة الأولى لا نقولُ به، ولا تُوجِب العمل من لفظ الإِتيار فقط، فإِنَّه نَظر، وشأنُه أنه لا يظهَر في العمل دائمًا، فقد يبقى في النَّظر فقط، وحينئذٍ جَرُّها إلى العمل يكونُ غَلَطًا، فاعلمه، فإِنَّه ينفعُك في كثيرٍ من المواضع، وأدعو الله تعالى أن يطعمَك منه ذواقًا.
٤٤٧٤ - قوله: (ألم يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾) [الأنفال: ٢٤] ... إلخ، استنبط منه اشافعيةُ أنَّ مجاوبةَ (١) الرسولِ غيرُ مُفْسِدةٌ للصلاةِ، ثُم استأنسوا به في مسألةِ ذي اليَدَيْن. قلتُ: وهذا الاستنباطُ يُبْنى على صورةِ ترتيب الرِّواية، بأن يكونَ اعتذارُه بكونِه في الصلاة مقدَّمًا، وتلاوته ﷺ الآيةَ مُؤخَّرًا، ولو فرضنا اعتذارَه مؤخَّرًا عن تلاوته هكذا، فدعاني رسولُ الله ﷺ فلم أجبه، فقال: ألم يقلِ اللَّهُ ... إلخ، قلتُ: «يا رسولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصلِّي» (٢)، سقط الاستدلال.
стр. 2422
قوله: (﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾) [الأنفال: ٢٤] فتعليمُه يُورِثُ الحياةَ.
قوله: (أَعْظَمُ السور) وفي نسخةٍ: «أعظم سورة». واختلفوا في الفَرْق بين أَفْضَل رجل، وأَفْضل الرِّجالُ، فقال جماعةٌ: إنهما سواءٌ، أقول: لا، بل في قوله: أَفْضَلُ رَجُلٍ من الاستقصاء ما ليس في أفضل الرِّجال، فإِنَّ الفَضْل في الأَوَّل على كلِّ رَجُلٍ رَجُل، فهو أَشْمل من الثاني، فإِنَّ الفَضْل فيه على المجموع، وراجع له شَرْح الرَّضِي على «الكافية».
ثُم إنَّ في إطلاقِ أَعْظَم السُّوَر على الفاتحة سِرًّا، وهو أنَّ النبيَّ ﷺ أرادَ به نَحْوَ تلافٍ لما ينشأ من سياق القرآن، فَإِنَّه قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] عطف القرآن العظيم على الفاتحةِ، فدلَّ على التغايُر، وخرجت الفاتحةُ عن كَوْنها قُرآنًا عظيمًا، فأَزَاحه أنَّ الفاتحةَ أَعْظَمُ السُّورِ، لا أنها خَرَجت بهذا الإِطلاقِ عَنْ كَوْنها قُرآنًا، كما يُوهِمُه التقابُلُ، وضلَّ مَنْ أراد أَنْ يُنْكِر كَوْنَ الفاتحةَ قُرْآنًا، لئلا يَرِد عليه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وكان الحديث سيق على رغم هؤلاء، ثم إنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ ... إلخ، إشارةٌ إلى الفاتحةِ وضَمِّ السورةِ، فإِنَّه ذَكَر أوَّلًا السَّبْع المثاني، وهي للفاتحة، ثُم القرآنَ العظيم، وهو سائر السُّوَر، فتنضم معها على سبيل التبادل. وترجمة الآية عندي "هم نى دين تجهكو سات آيتين جو ورد كردنى هين اور وظيفه بناينكى لائق هين أور ديا قرآن عظيم" (١).
قوله: (﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] الذي أُوتِيتُه)، اختلفوا في شَرْح قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ... إلخ، أي في الحديث، أما الكلام فيه في الآية، فكما هو في محله، فقيل: إنه مبتدأ وخَبر. والمعنى أن ما أُوتيته هو القرآنُ العظيم. فالجملةُ الأُولى مناسِبةٌ للباب. والثانية الستطراديةٌ. وقيل: إنَّ السَّبْعَ المثاني هو القرآنُ العظيم، ففيه إطلاقُ القرآنيةِ على الفاتحة، وليس بِمُرَادٍ عندي.
مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَأْتُونِى فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّى فَيُؤْذَنُ ﴿لِى﴾ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِى مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُقَالُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِى فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِى حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّى - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِى حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ﴿ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ﴾ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ مَا بَقِىَ فِى النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ». يَعْنِى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: ١٦٢]. أطرافه ٤٤، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦ تحفة ١٣٥٧، ١١٧١، ١٣٥٦ - ٢٢/ ٦
واعلم أنَّ العبوديةَ هي مناطُ الخلافة عندي، وإن اختار المفسرون، أنه العِلْم، وذلك لأنَّ الخَلْق إذْ ذاك كان على ثلاثةِ أنواع: إبليس، فإِنَّه ناظر رَبَّه ولم يكن له ذلك، فصار مَطْرودًا ملعونًا؛ وملائكة اللَّهِ، فإِنهم أيضًا لم يتخلَّصوا عن إساءةِ أدبٍ، فلما تابوا عفا عنهم؛ والثالث آدَم، وهذا هو الذي لما عاتبه رَبُّه لم يتكلم بحرف، ولم يواجهه إلَّا بالبكاء، مع أن موسى ﵊ لما حاجَّه في عين تلك المعصيةِ حَجّ عليه، وذلك دليلٌ على كمال عبوديته، غير أنها أَمْرٌ خَفِيٌّ، ومعنًى مستورٌ، لا يَظْهَر بها الحُجَّة على الخَصْم، وكان العِلْم أظهرَ الأشياء، لإِثبات فَضْل أَحدٍ على أحد، فاقتضت الحِكْمةُ الإِلهِيةُ أن يَخُصَّه بهذا الفَضْل أيضًا، ليرى مكانَه، ويحرِزَ مَنْزلَته، وقد فصَّلناه في غير هذا الموضع. ثُم إنَّ من سرِّ عَقْد الخلافة ظهورَ المُطيع من غيره، لأنه ليس من المخلوق أَحَدٌ مَنْ يُنْكِر طاعةَ خالِقه، وإنَّما يَشُقُّ على المخلوقِ طاعةُ المخلوقِ، لكونه من جنسه، ولذا كَبُر على إبليسٍ السجودُ لآدَم ﵇، فاللَّهُ سبحانه أرادَ أن يُميِّزَ المُطيعَ مِن غيره، وأَمَر الملائكةَ أن يَسْجُدوا له، فسجدوا كلُّهم، وأَبى إبليسٌ لذلك المَعْنى، ولا يزال ذاك التمييزُ يجري إلى يوم القيامة، ولنا فيه كلامٌ طويلٌ، طَوَيْنا ذِكْره.
قوله: (﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]) والمرادُ منها أسماءُ الأشياء التي لا بدَّ من عِلْمِها، والعمومُ فيه كالعموم في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ألا ترى أن اليهودَ لما سألوا عن الرُّوح، وأُجِيبوا بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالوا: كيف وعندنا التوراةُ فيها تفصيلٌ لكلِّ شيءٍ، فقيل لهم كما في «سيرة ابن هشام»: هي في عِلْم الله قليل، فانكشفت منه حقيقةُ الكُلِّ، وحال استغراقه؛ وبالجملة لما كان آدمُ ﵊ أبا البشر، ومِنْ صُلْبه خرج العالَم، لزِم أن يَعْلم أَولًا من أسماء الأشياء ليجرِّبَها فيما بعده، وتتعلم منه ذريَّتُه، وتستعملها فيما بينها، ولا تتعطَّل عن حوائجها، فاتضح منه سرُّ تعليم الأسماء كُلِّها إيَّاها.
стр. 2425
٤٤٧٦ - قوله: (فإِنَّه أَوَّلُ رَسُول) ... إلخ. وقد مَرَّ وَجْهُ كونِه أَوَّلَ في الأَوَّل (١).
قوله: (فَيَدَعُني ما شاء) ... إلخ. وفي «مسند» أحمد أنه يَقَعُ في السجدة أُسبوعًا.
٢ - باب
قالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]: أَصْحَابِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ والمُشْرِكِينَ. ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] اللَّهُ جَامِعُهُمْ. صِبْغَةٌ: دِينٌ. ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] عَلَى المُؤْمِنِينَ حَقًّا. قالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ.
وَقالَ أبُو العَالِيَةِ: ﴿مَرَضٌ﴾ شَكٌّ. ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦] عِبْرَةٌ لِمَنْ بَقِيَ. ﴿لَا شِيَةَ﴾ [البقرة: ٧١] لَا بَيَاضَ.
وَقالَ غَيرُهُ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] يُولُونَكُمْ. الوَلَايَةُ - مَفتُوحَةً - مَصْدَرُ الوَلَاءِ، وَهِيَ الرُّبُوبِيَّة، وإِذَا كُسِرَت الوَاوُ فَهِيَ الإِمَارَةُ.
وَقالَ بَعْضُهُمُ: الحُبُوبُ الَّتي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ.
وَقالَ قَتَادَةُ: ﴿فَبَاءُوا﴾ [البقرة: ٩٠] فانْقَلَبُوا. وقال غَيرُهُ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩] يَسْتَنْصِرُونَ. ﴿شَرَوْا﴾ [البقرة: ١٠٢] بَاعُوا. ﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] مِنَ الرُّعُونَة، إِذَا أرَادُوا أنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قالُوا: رَاعِنًا. ﴿لَا تَجْزِي﴾ [البقرة: ٤٨ - ١٢٣] لَا تُغْنِي. ﴿خُطُوَاتِ﴾ [البقرة: ١٦٨] مِنَ الخَطْوِ، وَالمَعْنى: آثارَهُ.
ومن عاداتِ المُصنِّف أنه يُسمِّي أَحَدًا، ثُم يقول: وقال غيرُه: كما فَعَل ههنا، فَسمَّى أَوَّلًا مجاهدًا، ثُم قال بعد عِدَّة أَسْطُر: وقال غيرُه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ ... إلخ [البقرة: ٤٩]، لا يريد بذلك نَقْل الخلاف في عَيْن تلك المسألةِ، كما يتبادَر من التقابُل، ولكنه من عاداتِه أنه يقول: وغيرُه، ويكون ذلك في مسألةٍ أُخْرى غيرِ التي قَبْلَها، فَتنبَّه لها.
قوله: (﴿رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]) وكان اليهودُ إذا نَسَبُوا أَحدًا إلى الحماقةِ، قالوا له: «راعِنا».
قوله: (﴿خُطُوَاتِ﴾ [البقرة: ١٦٨]) من الخَطْو، والمعنى: آثارَه، واعلم أن الأَحْسنَ في تفسير البخاري في كلماتِ القرآنِ هو الإِعرابُ الحكائي.
٣ - باب قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]
٤٤٧٧ - حَدَّثَنِى عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «وَأَنْ تَقْتُلَ
٣٨ - باب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ إِلَى: ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]
٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِى مُلَيْكَةَ يَقُولُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خَفِيفَةً، ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ، وَتَلَا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. تحفة ٥٧٩٤
٤٥٢٥ - فَقَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ مَعَاذَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا وَعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ شَىْءٍ قَطُّ إِلَاّ عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] مُثَقَّلَةً. أطرافه ٣٣٨٩، ٤٦٩٥، ٤٦٩٦ - تحفة ١٦٣٥٣
قوله: (﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]) فيه قراءتان: مُخَفَّفة، ومُثَقَّلة، وترجمةُ الأُولى: "اون بيغمبرون سى جهونت بولا كيا"، وترجمةُ الثانية: "وه تكذيب كئى كئى"، ولا إشْكالَ في القراءةِ الثانيةِ، لأنَّ الرُّسُلَ لما استبطأ عنهم النَّصْر ظَنُّوا أنَّ أُممهم تُكذِّبُهم. أما الكافرون فظاهِرٌ، وأما المؤمنون، فلا يُؤمن عليهم أيضًا أن يَنْقلِبوا على أعقابهم، نظرًا إلى تَخلُّف النَّصْر. ثُم إنَّ تَوْجِيهَ القراءةِ المُثقَّلة على مُخْتارِ عائشةَ بأنَّ الرُّسُلَ خَافُوا أن يُكذِّب الكُفَّارُ المؤمنينَ. فَظَنُّ التكذيبِ في حَقِّ المؤمنين، أما الأنبياءُ ﵈، فكان الكفار قد كَذَّبوهم، فلا معنى للظنِّ في حَقِّهم.
هذا في المُثقَّلة، أما المُخَفّفة ففيها إشكالٌ، فإنَّ الرُّسُل كانوا على عِلْم منهم أنَّ ما أخبرَ به رَبُّهم كائنٌ لا محالة، ولا يتأتَّى في حَقِّهم ظَنُّ التكذيب.
قلتُ: ومَنْ ظَنَّ أن التشويشَ لا يَجْتمع مع العِلْم، فقد رَكَّب مُقدّمةً باطلة. فإِنَّ العِلم قد يطرأ عليه التشويشُ أيضًا بالنَّظَر إلى العوارض، كالتجاذب بين الأَسبابِ العارِضة، ومَنْ لا يُحِيط بالغيبِ قد يَعْرِضُ له نَحْوُ هذا التشويش، لأنه وإنْ كان يَثِقُ بالوَعْد، لكنه لما لم تأته تفاصيلُه بعد، لا تزالُ الاحتمالاتُ تشوِّشُ قَلْبه، فتلك من لوازمِ البشريَّة. فكأنَّ الرُّسُل لما استبطأ عنهم النَّصْر عَرَاهم من ضَعْف بُنْيتهم ما يَعْرُو للخائف عند ذلك، وحاشاهم أن يَعْزُوا التكذيبَ إلى الوَحْي، ولكنَّ تَرَقُّبهم النَّصْرَ، واستعجالَهم بإِيفاء الوَعْد، واضطرابهم إلى إنجازِه، نَزَل مَنْزلةَ التكذيب، تَلَقِّيًا للمخاطَب، بما لا يَتَرَقَّب، فكأنَّ اللَّهَ تعالى عظم اضطرابَهم، وجَعَله كالتكذيبِ في حَقِّهم. وهذا كما قال تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وما أَقْرَب الظنَّان، فهل ترى يُونُس ﵊ يَتقدَّم إلى مِثْل هذا الظنِّ؟ فهذه ونَحْوُها، ودونَها، وفَوْقَها معاتباتٌ
стр. 2443
ومناقشاتٌ، تجري مع الأنبياءِ ﵈، وخواصِّ عبادِه، وذلك لغايةِ لُطْفه بهم، وقُرْبهم منه، ومن باب التهويل: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] (١).
ثُم إنَّ ههنا سِرًّا، وهو أن تلك كلمةٌ صدرت من غايةِ لُطْفه، ونهايةِ محبَّته، وفَرْط عَلاقَتِه مع الرُّسُل، فإِنَّ الإِلزامَ لا يُعْطَى إلَّا لِمَنْ يُرْجى منه خِلافُه، أما مَنْ لا اعتمادَ لك عليه، فأَنْت لا تُلْقي له بالًا، ولا تُعَنِّفه، ولا تَلُومُه، ولا تعاتِبُه بشيءٍ، ولكنْ مَنْ كان صاحِبَ سِرِّك، وصاحِبَ نَجْواك في جهرك وسِرِّك، فأنت لا تغفر له أدنى غَفْلةٍ عنك، وتؤاخِذُه بالنَّقِير والقِطْمِير. ولو كانت تلك الكلمةُ صَدَرت من البَشَر، لقلت: إنَّه يُظْهِرُ مَلَالَه، ويَبُثُّ قَلَقَه من حبيبه، ويلزمه أنك اضطربت، واستبطأت نَصْري، كأنك زعمت أنني كذبتك، وكنت أَرْجُو منك أن لا يَظْهَر عليك شيءٌ من ذلك، ولو بَلَغتِ القلوبُ الحناجِرَ، أو بلغت الحُلْقُوم، ولكن المَلَال والحُزْن مما لا يناسِبُ عَزْوه إلى الله تعالى، فلا أقول: إنه أَظْهَر مَلَاله، بل أقول: إنَّ فيه إظهارًا بِلُطْفه بهم، واستنكارًا لاستبطائهم النَّصْر، وإلزامًا بكونه غيرَ متوقَّع منهم. ثُم إنَّ الله تعالى قد احتاط في ذلك بكلِّ ما أمكن، ولذا ألف الفاعل، ولم يَعْزُ ظَنَّ تكذِيبهم إلى نفسه، وإنْ أراده، ولكن طريقَ البيانِ في نحوه ليس إلَّا البِناء للمَفْعُول، وقال صاحِب المَثْنَوي:
*"إين قراءت خوان كه تخفيف كذب ... اين بودكه خويش داند محتجب"
فالظَّنُّ حينئذٍ بمعنى الحُكْم على اللَّهِ بما وَقَع في نَفْسه.
ثُمَّ إنَّ الزَّمخشَريّ أَخَذ الظنَّ بمعنى الوَسْوَسة، تنزيهًا لجانب ابن عَبَّاس، فإِنَّه كيف يتحمَّل الظنَّ به في حقِّ الرُّسُل؟ قلتُ: الظنُّ لم يَثْبت في اللغةِ بمعنى الوسوسة، بل يقال
стр. 2444
للجَانِب الراجح، وكنت مُتردِّدًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨] وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، وكذلك أَجِدُ القرآنَ يَذُمُّ الظنَّ في غيرِ واحدٍ من المواضع، مع أنَّ عُلُومَ المقلِّدِين كلَّها من هذا القَبِيل، حتى رأيتُ في بَعْض تصانيفِ ابنِ تيميةَ: أنَّ الظنَّ يُطْلَقُ على المرجوحِ أيضًا (١).
٤٥٢٤ - قوله: (ذَهَب بها هناك) ... إلخ، يعني حَمْلَها على قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ... إلخ [البقرة: ٢١٤]، وجعلها مِصْدَاقًا له.
٣٩ - باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٣]
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ تَدْرِى فِيمَا أُنْزِلَتْ. قُلْتُ لَا. قَالَ أُنْزِلَتْ فِى كَذَا وَكَذَا. ثُمَّ مَضَى. طرفه ٤٥٢٧ - تحفة ٧٧٤٧
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنِى أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] قَالَ يَأْتِيهَا فِى.
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. طرفه ٤٥٢٦ - تحفة ٧٥٦٠، ٨١٩٠ - ٣٦/ ٦
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرًا - رضى الله عنه - قَالَ كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ. فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. تحفة ٣٠٢٢
وصَرَّح الرَّضِي، مع كونه شِيعيًّا أن حَرْف «أَنَّى» في القرآن ليس بمعنى أين، بل بمعنى: مِنْ أين. فهي لتعميمِ الحال، مُستَقْبلًا، أو مُستدبِرًا، مع كونِ الصِّمَاخِ واحدًا، لا لتعميمِ المكان، والعياذ بالله. ثُم إنَّ الرَّضِي لا أَدْري ماذا حالُه في المسائل، غيرَ أَنَّه كُلَّما يُسمِّي الإِمام أبا حنيفةَ، أو الإِمامَ الشافعيَّ يُسمِّيها بالعزِّ والاحترام، وهذا الذي يَرِيبُني في كونِه شِيعيًّا، فيمكنُ أن يكونَ تفضليًا، فإِنَّ احترامَ الأئمةِ ممنْ يكونُ شيعيًا يكادُ أن يكون مُحالًا.
стр. 2445
٤٥٢٦ - قوله: (فَأَخَذْتُ عليه يَوْمًا) يعني أَمْسَكْتُ القرآنَ بيدي. كما يُمْسَكُ عِنْد العَرْض، فيقول نافِعٌ: إنَّ ابنَ عُمرَ كان يقرأُ القرآنَ، وكُنْت آخُذُ عليه يومًا، أي أُمْسِكُه بيدي.
٤٥٢٧ - قوله: (يَأْتِيها في) وإنما حَذَف المصنِّف المجرور، وهو «دُبُرُها»، لأنَّ فيه إشْكالًا، وظاهرُه أنَّ ابنَ عمرَ كان يذهَبُ إلى جوازِ الإِتيان في أدبارِ النِّساء، والعياذ بالله، وحاشاه أن يَذْهَب إلى مِثْل هذه الفاحشةِ، التي تَدَعُ الدِّيارَ بَلَاقِع. وقد تكلَّم عليه الطحاوي، وأخرج عن ابن عمرَ أنه سُئل عن التَّحْمِيض، فقال: «أو يَفْعَلُه مُسْلم!» وأراد السائل من التَّحْميض الإِتيان في الدُّبُر، فمن ظَنَّ أنه كان يرى جوازَه، فقد تكلَّم بعظيم. وقد صَرَّح ابنُ القَيِّم في «زاد المعاد» أَنَّ كُلَّ مَنْ نسب إليه جوازَ تلك الفاحشةِ من السَّلف، فمرادُه الإِتيانُ في القُبُل من جهةِ الدُّبر، دون الإِتيانِ في نَفْس الدُّبر. فنقله القَاصِرُون، ولم يُدْرِكُوا الفَرْقَ بينهما، فجعلوهما واحِدًا، فقالوا: في الدُّبر، مكان: من جهةِ الدُّبُر. ثُم إنِّي أَدَّعِي أن المؤلِّفَ إذا رأى لَفْظًا مُشْكَلًا يَحْذِفه، كما فعل ههنا، وقد فعل نَحْوَه في بعض مواضِعَ أُخْرى أيضًا.
٤٠ - باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ حَدَّثَنِى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ كَانَتْ لِى أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَىَّ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ حَدَّثَنِى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. أطرافه ٥١٣٠، ٥٣٣٠، ٥٣٣١ - تحفة ١١ ٤٦٥
٤١ - باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ [البقرة: ٢٣٤]
﴿يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: يَهَبْنَ.
٤٥٣٠ - حَدَّثَنِى أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا قَالَ يَا ابْنَ أَخِى، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ. طرفه ٤٥٣٦ - تحفة ٩٨١٥
ما في اللوح المحفوظ. أما ترتيبُ النُّزول فغيرُ ذلك، فإِنّه كان يَنْزِل نَجْمًا نَجْما على حسب الحوائجِ، والناسِخُ كان متأخِّرًا في ترتيب النُّزولِ قَطْعًا. أما في الترتيبِ الموجودِ الآن، فهو أيضًا كذلك، إلَّا في هذه الآيةِ، فإِنَّ العِدَّة فيها بأربعةِ أَشْهر وعَشْرًا، وفي الآية ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ العِدَّة بالحَوْل. قال الجمهورُ: إنَّ المتوفَّى عنها زَوْجُها كانت تَعْتدُّ بالحَوْل، ثُم نسخها اللَّهُ تعالى بأربعةِ أَشْهر وعَشْرًا، مع أنَّ الناسِخَ ههنا مُقَدَّم، والمَنْسوخَ متأَخِّر، وهذا مُشْكِل، فإِنَّهم قالوا: إنَّه ثَبَت بالاستقراءِ أنَّ الناسِخ في القرآن متأخِّرٌ عن المنسوخِ، فلو سَلَّمنا أن استقراءهم تامُّ، وَرَدت عليهم هاتان الآيتانِ. أقول: وقد مَرَّ معنا أنه ما من آيةٍ إلَّا وهي مُحْكَمةٌ في بَعْضِ جُزْئياتِا، وهذا الذي يقولُه الراوي، أن هاتين الآيتين مُحْكَمتانِ.
وحاصِلُه: أَنَّه نزل أَوّلًا: أنْ يُوصِي الزَّوْجُ أقرباءه أن لا يُخرِجوا زوجَتَه من بيتِه إلى سَنة، ثُم نزلت الآيةُ الأُخرى، وأُمِرتْ بِتَربُّصِ أربعةِ أَشْهُر وعَشْرًا، وتحتمت العِدةُ، لا يُزادُ عليها ولا يُنْقص منها. أما الأشهرُ الستةُ الباقية، فهي محيَّرةٌ فيها، إنْ شاءت سكنت في هذا البيت، وإنْ شاءت خرجت؛ ثُم إن اختارت أن تَمْكُث في البيت حتى تتمَّ حَوْلًا كامِلًا، يقال للوَرَثة: أنْ لا يُخْرجُوها إلى مُدَّتها. ومُحصَّله أن التربُّصَ بأربعةِ أَشْهر وعَشْرًا مُتَحَتِّم، وواجِبٌ من جهة الشَّرْع. والباقي سنةٌ موسَّعة، فكلتا الآيتين عند هؤلاء السَّلف محكمتان.
هذا كلامٌ في العِدّة، أما في السُّكْنى ففيه أيضًا خِلافٌ: فقال الحنفيةُ: لا سُكْنى لها، ولها الإِرْثُ ولكنها تعتدُّ في البيت، وعليها أُجْرَتُه، أما المُطلّقة فلها السُّكْنى مُطْلقًا، وكانت السُّكْنى لازمةً إلى تلك القضيةِ، ثُم نَسَخَتْها آيةُ التوارِث.
[معنى الإِحداد وأحكامه]
ثُم إنَّ الإِحدادَ واجِبٌ للمتوفَّى عنها زَوْجُها، وللمُطَلَّقة كِلْتَيْهِما، وهو عبارةٌ عَنْ تَرْك الزينةِ، والمَنْع من الخروج من بيت العِدَّة، فبيتُ العِدَّة لازِمٌ في عِدَّةِ الوفاة أيضًا، لكن مِن جهةِ الإِحداد، لا مِن جِهة لُزوم السُّكْنى، ولذا تجب أُجْرَتُه عليها، لا على الزَّوْج المتوفَّى. ولا يخفى عليك أنَّ أَمْرَ السُّكْنى أخفُّ عند ابن عباس، فإِنْ خرجت منها بِعُذْر يسير يَسَعُ لها، بخلافِه عِنْدنا، فإِنَّها حَقٌّ لَازِم، فلا يجوزُ لها الخُروجُ إلَّا بالأعذار المُدَوَّنةِ في الفِقه.
قوله: (عن مُجاهِد) ... إلخ. وهؤلاء أيضًا، إلَّا أنَّ عِدَّة الحَوْل نزلت بعد آيةِ التربُّصِ، وهي مُستحقّةٌ، خلافًا للجمهور.
قوله: (وسَكَنَتْ في وَصِيَّتها) أي الوصية التي أوصى لها زَوْجُها في حَقِّها.
стр. 2448
قوله: (غَيْرَ إخْرَاج)، أي لا يُخْرِجها وَرَثَةُ الزَّوْج، فإِنْ خَرَجت هي بِنَفْسها، فذلك أمْرٌ آخَرُ.
قوله: (قال ابنُ عباس) وكان كلامُه رضي اللَّهُ تعالى عنه يَحْتَمِلُ أن يُحْمل على أنَّ الخِفَّةَ عنده راجِعةٌ إلى ما زاد على أربعةِ أَشْهُرٍ وعَشْرًا، لكن ظهَر بعد الإِمْعان في كلامه أنَّ نَفْس السُّكْنى عنده ليس بلازمٍ، فلها الخروجُ بأَعْذَار يسيرةٍ.
قوله: (ولا سُكْنى لها) كما هو عندنا.
٤٥٣٢ - قوله: (فذكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ الله بنِ عُتْبةَ) ... إلخ، وهو ابنُ أَخ لِعَبْد اللَّهِ بنِ مَسْعود. وقِصَّتُه أنَّ تلك المرأةَ كانت حاملةً عند وفاةِ زَوْجِها، فلما وَضَعتْ حَكَم النبيُّ ﷺ بانقضاءِ عِدَّتِها، ولم يَأْمُرْها أن تتربَّصَ أبْعَدَ الأَجَلَيْن. وراجع له «التوضيح» و «التلويح».
٤٢ - باب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ النَّبِىُّ ﷺ . ح
وحَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ هِشَامٌ حَدَّثَنَا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ «حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ مَلأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ - شَكَّ يَحْيَى - نَارًا». أطرافه ٢٩٣١، ٤١١١، ٦٣٩٦ - تحفة ١٠٢٣٢ - ٣٨/ ٦
والصلاةُ الوُسْطى (١) هي صلاةُ العَصْر، عند أبي حنيفة. وهي صلاةٌ عُرِضت على الأُمم السابقةِ، فضيَّعُوها، فأُمِرْنا بحفاظتها، ولنا الأَجْرُ مَرَّتَيْن، كما عند مُسْلم. وقال الشافعيُّ: إنَّها الفَجْر. ولعلَّه نَظَر إلى عَجُز الآيةِ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وعنده القنوتُ في الفَجْر، فتناسبت الجملتانِ على مَذْهبه.
٤٣ - باب ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]: أَي مُطِيعِينَ
٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِىِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِى الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِى حَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. طرفه ١٢٠٠ - تحفة ٣٦٦١