[٥٥] مُعْجَبُونَ. ﴿جُندٌ محْضَرُونَ﴾ [٧٥] عِنْدَ الحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿الْمَشْحُونِ﴾ [٤١] المُوقَرُ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ [١٩] مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنسِلُونَ﴾ [٥١] يَخْرُجُونَ. ﴿مَّرْقَدِنَا﴾ [٥٢] مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ [١٢] حَفِظْنَاهُ. ﴿مَكَانَتِهِمْ﴾ [٦٧] وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ.
قوله: (﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ كان حسرةً عليهم استهزاؤهم بالرُّسُل) يريد دَفْع توهُّم - عسى أن يتوهم - أن حرفَ النداء يدلُّ على نداء الله تعالى الحسرةَ، ولا معنى له. فأجاب أن الحسرةَ إنما هي على العباد، وقد تقدّم معنا أن حرف النداء لم يُوضع للإِقبال عليه في لغة العرب. نَبَّه عليه ابنُ الحاجب في «الكافية».
قوله: (المُوقَرُ) "لدى هوئى".
قوله: (﴿مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾) قيل: إنَّ الكُفَّار في العذاب، فأين المَرْقَد؟ والجواب: أن الأرواح يُصْعَقن بعد النَّفخ أربعينَ سنةً، ثُم يفقن بعد نفخةِ الإِحياء، فذلك قولهم: ﴿مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾، وهكذا عند البخاري عن أبي هريرة: في باب قوله: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾.
قوله: (﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾) واعلم أنَّ قدماءَ الفرسفة ذهبوا إلى أنَّ الفَلَك متحركٌ، والأَرْضَ ساكنةٌ (١). وتحقق الآن بعد المشاهداتِ بالآلات، أن المتحرِّك هو الأَرْضُ، وأن السياراتِ سوابحُ في الجوِّ، وأن الشمسَ متحرِّكةٌ بِمِحْورِها، لا تزول عنها من الشرق إلى الغرب، كما ترى في المرئي، وإنما تتراءى متحركةً من أجل حركةِ الأرض. واستدلوا عليها أنَّ في الشمس غبشات، ومشاعيل. وتلك الغبشات نشاهِدُها تارةً بمرأَى منا، ثُم تذهب وتختفي عنا حتى تغيب. ثُم تبدو كذلك بعد زمان. فليس ذلك إلَّا لحرَكَتِها على محورها، فإِذا قابلتنا تلك الغبشات منها، رأيناها، وإذا استدبرت اختفت عنا.
ثُم إنهم سَمُّوا الكلف في الشمس بالغبشات، والحصة المستنيرة بالمشاعيل، وكان الفلاسفةُ في القديم أيضًا قد شاهدوا الكلف في الشمس، إلا أنه لم يكن تَحقَّق لهم أنه ما هو؟ والآن تحقَّق أنها حفرات في عمقِ آلاف فراسخ، فطاح ما كانوا يَدَّعون في القديم من استحالة الخرق والالتئام في الأجسام الأثيرية، ولو كان اليوم هؤلاء أحياءً
стр. 2601
لشاهدوه أيضًا، ولكنهم كفروا بآيات الله، واتبعوا أهواءهم، فهم اليوم في الوَيْل والثُّبور.
ثُم إنَّ أَهْلَ الفلسفةِ الجديدة زعموا أن للشمس حركةً أُخْرى، وهي أنها مع نظامها ذاهبةٌ إلى جهةِ الفَوْق، ولكنها لم تتحقَّق عندهم بعد. وأما الأُولى - وهي الحركة المحورية - فقد اتفقوا عليها.
قلتُ: والذي لا نَشُكّ فيه أن الشمسَ في مشاهدتنا هي المتحركة، أما إن تلك المشاهدة لأجل حركة الأرض لشيء آخَر، فلا نبحثُ عنه الآن، ولكنا نتكلم أَوّلًا على أن الذي ثبت في مشاهدة ومضت لهم على تلك دهور، حتى إنه لم يبق منهم أَحَدٌ إلاّ وهو يَزْعم أن الشمس متحرِّكة، وأُشربت به قلوبهم، ورسخ في بواطنهم، فهل يناسب للشَّرْع أن ينقض مشاهدَتهمن تلك عند المخاطبة معهم، أو يجاري معهم، كأنَّ ما عندهم أيضًا نَحْوٌ من نفس الأمر. فلو كان هناك هَيِّن لَيِّنٌ، لقلت له: إنَّ الأصوب هو المماشاة معهم، وعدم النقض لمشاهدتهم، وفرضها أيضًا نحوًا من نفس الأمر، لأنه لو كان الشرعُ بنى كلامه في الكونيات على الواقع حقيقة، لبقي القرآنُ مكذَّبًا عندهم، إلى أن يظهر لهم الواقع أيضًا، كما هو عنده، كمسألة الحركةِ هذه، فإِنه لو كان القرآنُ صَدَع بحركة الأَرض مثلًا، لبقي مكذَّبًا فيمن مضوا من الفلاسفة، لعدم ثبوتِها عندهم وإنْ صَدَّقه الناسُ اليوم، وكذلك لو صَرَّح بحركة الفلك لصدَّقه القدماء ألبتة، ولكن صار اليوم مُكَذّبًا، لا يعتقد به أحدٌ لثبوتها عندهم بخلافه، فأغمض القرآنُ عن نحو تلك الكونياتِ التي لا يتعلق له بها غرض في أعمالنا، ليسوِّي أَمْره عند هؤلاء، ولا تحول تلك المباحث بينه وبين إيمانهم، ولَعَمْري هذا هو الأحسن.
وإذَن تحصَّل أن تلك المشاهدةَ الدائمةَ أيضًا نحوٌ من نفس الأمر، ألا ترى أنَّ المُبْصَرَات عندهم عُدَّت من البديهياتِ، مع أن البَاصِرة تَغْلَطُ كثيرًا، فإِن أثبتوا اليوم غلطًا في البصر، وأن المتحرِّكة في الواقع هي الأرض، فأي شيء سَوَّوه، فإنه أَمْرٌ ثابت عند القدماء أيضًا، فأَنْصف من نفسك؛ أنه هل يناسِب للنبيِّ أن يقع في تلك المهملات، أو يُعْرِض عنها، ويفرض ما عندهم أيضًا نحوًا من نفس الأمر فَدَع عنك أن الشمسَ متحرِّكة، أو الأرض، وخذ بما في مشاهدتك، فإِنَّ مِن حُسْن إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يعنيه. ألا ترى أنَّ الوَزْن والمِقْدَار لم تبق له اليومَ حقيقةٌ، فإِنَّ الشيء الواحد يختلفُ خِفَّةً وثِقَلًا باعتبار وَزْنه على الأرض، وفي الهواء، وفوق ذلك، ثم فوق ذلك، فإنه كلما يَبْعُد عن مركزه، يزداد ثِقَلًا، لِشِدَّة انجدابه إلى مركزه، وكلما يَقْرب منه يزيد خِفَّةً.
وكذلك القَدْر أيضًا بقي مُهْملًا لا ندري ما هو؟ فإِنا نرى شيئًا صغيرًا بالآلات، كأنه أعظمُ مِن أعظمَ منه بألفِ مَرّةٍ، فنشاهد الصغيرَ كبيرًا، والبعيدَ قريبًا، فأي شيءٍ بقي الوَزْن والقَدْر، وقد حَقَّق الأَوّلون أن المرئي هو اللون دون الجسد، فكما أنك جاعِلٌ نحوًا من
стр. 2602
نفس الأمر لهذه الأشياء لا محالة، مع عدم تقررها على أمرٍ كذلك، فافرض في أَمْر الحركة أيضًا. فلتكن مشاهدَتُكَ هي نَفْس الأَمْر لها.
وبالجملةِ إذًا لم ندركِ الحقيقةَ في شيء، ولكن ما ثبت عندنا هو الذي فرضناه حقيقةً، فتارة تلك، وتارة تلك، فلا ندري ماذا يكشف من العجائب والحقائق، يوم يكونُ البصرُ حديدًا. وكم من أشياء تَظْهَر صوابًا، وكم منها تبقى غَلَطًا، فلنفوِّض الآن حقائقَ الأشياء إلى الله تعالى، وأُفوِّض أمري إلى الله، إن الله بصيرٌ بالعباد.
وأما اليوم، فلنقل: إن الهَيْآت التي يشاهِدُها العوامُّ من الطلوع والغروب، والاستواء والجري، كلُّها في نفس الأمر، فإِنهم قد وضعوا لتلك الهَيآتِ أسامي مختلفةً، فإِما أن نسلم أساميهم تلك، أو نردّها عليهم، ولا يكون إلا زيغًا، وتلك الهيئةُ المشهورةُ اعتبر بها الشاعر في قوله:
*"كردون بشتى كه خم شده ازبهر ركوع ... خورشيد رخى كه سر بسجود است اينجا"
فقد شاهد هذا الشاعر من الشمس ثلاث هيآت: هيئة العقدة، وتلك عند طلوعها؛ وهيئة القيام، وهي عند الاستواء، ولذا يقال لها: قائمُ الظهيرة؛ وهيئة السجود، وتلك عند الغروب. وقد أحسن فيه، فإِنَّ ما كان في مشاهدتنا، وبين أعيُنِنا كيف نَهْدِرُها ولا نعتبِر بها، فهكذا ما نشاهد من مَشْيها من الشرق إلى الغرب، سماه أهل العُرْف جَرْيًا، أعني أنهم لا يبحثون عن جريها في حاق الواقع، فليكن في الخارج ما كان، ولكن البحث أن تلك الهيئةَ المشهورةَ المبصرة، هل نعتبر بها في مرتبة أَم لا؟ فاعتبره أَهْلُ العُرْف، وسَمّوه جَرْيًا وحركة لها، وإذن لا تكون حركتها عبارةً إلا عن تلك الهيئةِ المشهودة، لا بالمعنى الذي قال به الفلاسفة.
وإذَن البحثُ في أن القوة المحرِّكة، هل هي في الشمس أو الأرض، صار لغوًا، فلتكن أينما كانت، لا نبحث عنها، ولكنا نسمي تلك الهيآت البديهية الثابتة، عند البُلْه، والصِّبيان، والمجانين بأساميها المعروفة عند العوام، فنقول: طلعت الشمسُ، وقامت، وغربت، والشرع أضاف على هذه الثلاثِ رابعًا، وهي السجود، ولا ريبَ أنَّ تلك الهيئةَ قائمةٌ مدى الدَّهر، سواء كانت الشمسُ متحرِّكةً أو الأرض، ومن هذا الباب سجودُ الظلال في القرآن، فإِنه سَمَّى هيئةَ كونِها ملقاةً على الأرض، بسجودها، وتلك محسوسةٌ مَنْ يُنْكرها، فهي سجودُها؛ وبالجملة العبرةُ بالمشاهدة، وعَدُّها أيضًا نحوًا من الواقع هو الأصلحُ للنَّاس، لا نقضُها رعايةً للمتفلسفين والزائغين.
هذا ما لدي ما فيه من الرأي، وهو المرادُ مما قاله البيضاوي، ولا يَبْعُد أن يكون صوابًا أن مستقرَّها يوم القيامة، فلا تزال تجري إلى أن تستقرَّ، وذلك حين يريدُ اللهُ سبحانه أن يستأصل عمارةَ الدُّنيا، فيلقِيها في جهنَّم، ومَنْ لم يبلغ كُنْهه، جعله من زيغ فلسفته، وزعم أنه
стр. 2603
ما حمله على هذا التأويل إلا استبعادُه سجودَ الشمس كلَّ يوم، والأمر ما عَلِمت.
بقي حديث سجود الشمس، أنها تذهب كلَّ يوم تَحْت العرش، وتستأذِنْ رَبَّها للسجود، فيؤذن لها، حتى إذا قَرُبت القيامةُ لا يؤذن لها، ويقال لها: اطلعي من حيث أتيت، وحينئذٍ تَطْلُع من مَغْرِبها، وذلك هو مستقرُّها، فهو نوع من الاقتباس عندي. فاسمع لذلك مني مقدّمةً، وهي أن الحديث إذا التقى مع الآية في موضع، لا يكون منه شَرْحُه اللفظي، وتفسيرُه على نحو ما شاع عندنا من بيان معانيه، ومباحثه خاصّة، بل قد يكون ذلك نحوًا من الاقتباس فقط، وهذا مليح جدًا. فإِنَّ الإِنسان إذا انتقل من الحديثِ إلى الآية بنحوِ مناسبةٍ يرتاح قلبُه، وتستلذ به نَفْسُه. فلم يَقْصِد في حديث السجود شَرْحَ قوله: ﴿تَجْرِي﴾ لينطبق عليه حَذْوًا بحذو، ولكنه نَوْعُ اقتباسٍ. فما اختاره البيضَاويُّ يحوم حولَ الصواب إن شاء الله تعالى، وراجع «روح المعاني».
فائدة:
واعلم أنَّ عُلوم الصوفيةِ إنما تهتز لها النَّفْس، لأنها تُؤخذ من الإِحساسات الخارجية والمواجيد الصحيحة، فتؤثر في القلوب أَثَر السهام، بخلاف علوم العلماء، فإنها تُبْنى على الدلائل العقلية الصِّرفة، فكثيرًا ما تحتوي على الأغلاط.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨]
٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ - رضى الله عنه - قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَدْرِى أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ». قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾». أطرافه ٣١٩٩، ٤٨٠٣، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣ - تحفة ١١٩٩٣
٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ «مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ». أطرافه ٣١٩٩، ٤٨٠٢، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣ - تحفة ١١٩٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٧ - سُورَةُ الصَّافَّاتِ
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٣] مِنْ كُلِّ مَكانٍ. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ﴾ [٨] يُرْمَوْنَ. ﴿وَاصِبٌ﴾ [٩] دَائِمٌ. ﴿لَّازِبٍ﴾ [١١] لَازِمٌ. ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ
стр. 2604
الْيَمِينِ﴾ [٢٨] يَعْنِي الحقَّ، الكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيطَانِ. ﴿غَوْلٌ﴾ [٤٧] وَجَعُ بَطْنٍ. ﴿يُنزِفُونَ﴾ [٤٧] لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ. ﴿قَرِينٌ﴾ [٥١] شَيطانٌ. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ [٧٠] كَهَيئَةِ الهَرْوَلَةِ. ﴿يَزِفُّونَ﴾ [٩٤] النَّسَلَانُ في المَشْيِ. ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [١٥٨]، قالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ، وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [١٥٨]، سَتُحْضَرُ لِلحِسَابِ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [١٦٥] المَلَائِكَةُ. ﴿صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ [٢٣] ﴿سَوَاء الْجَحِيمِ﴾ [٥٥]: وَوَسَطِ الجَحِيمِ. ﴿لَشَوْبًا﴾ [٦٧] يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالحَمِيمِ. ﴿مَّدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] مَطْرُودًا. ﴿بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [٤٩] اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأخِرِينَ (٧٨)﴾ [٧٨، ١٠٨، ١٢٩]، يُذْكَرُ بِخَيرٍ. ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [١٤] يَسْخَرُونَ. ﴿بَعْلًا﴾ [١٢٥] رَبًّا. الأَسْبَابُ: السَّمَاءُ.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾ [الصافات: ١٣٩]
٤٨٠٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنِ ابْنِ مَتَّى». طرفاه ٣٤١٢، ٤٦٠٣ تحفة ٩٢٦٦ - ١٥٥/ ٦
٤٨٠٥ - حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِىٍّ مِنْ بَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ». أطرافه ٣٤١٥، ٣٤١٦، ٤٦٠٤، ٤٦٣١ تحفة ١٤٢٣٤
قوله: (﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾) وقد مر معنا أنَّ الأصل في الصفِّ هم الملائكةُ ولذا ورد في الحديث أنَّ صفوفَكم على صفوفِ الملائكة أو كما قال واعلم أنه جرت مناظرةٌ بين الجُرْجاني والتَّفْتَازاني في جواب السائل من التائب حين أخبر أن رَجُلًا تاب من مكَّةَ فقال التفتازاني إن حقَّ الجوابِ التائبُ زيدٌ وقال الجُرْجاني إنه زيدٌ التائب فمن كان حصل له هذا البحثُ يدرك القصر في قوله ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ كيف هو؟.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٨ - سُورَةُ ص
١ - باب
٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْعَوَّامِ قَالَ سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِى ص قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
أَبَيْتُ. " وَيَبْلَى كُلُّ شَىْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَاّ عَجْبَ ذَنَبِهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ ". طرفه ٤٩٣٥ - تحفة ١٢٣٧١
٤٨١٤ - قوله: (بين النَّفْخَتَين أربعون) وهذا ما قلنا أَوّلًا.
قوله: (ويَبْلى كلُّ شيء من الإِنسانِ إلا عَجْبَ ذَنْبه) دلَّ على أن بنية الإِنسان هي عَجْبُ ذَنْبه، أعني بها بنيةً كبنية البيت، فإِن البيت أوّل ما ترفع منه بنيته، ثُم ترفع العبارة منها. فانحل ما بُحِث في عِلْم الكلام في تحقيق ماذا يكون منه الإِعادة في المَحْشر. ومعنى الإِعادة عندي الحَشْر بحيث يعرفه في المحشر مَنْ كان يعرفه في الدنيا، ولا بحث لي عن أجزائه، كم فنيت منها، وكم بقيت. فإِنه قليلُ الجدوى، وقد اختلفوا في مناط تحفظ الوحدة الشخصية في الأشياء: فذكر ابنُ سيناء، أنَّ الوحدة الشخصيةَ في الإِنسان محفوظةٌ بنفسه الناطقة.
قلتُ: وهذا ليس بشيء، أما أَوّلًا فلأن في نفس ثبوت النفس المجردة ألفَ كلام. ولم يقم دليلٌ بعد على وجودِها، ولئن سلمناه فما سبيل الاستحفاظ فيما لا نفس له، كالنباتات، والجمادات، فإِن لها أيضًا وحدةً شخصية، مع أنها لا نفس لها اتفاقًا. وقد مَرّ عليه شارِحُ «التجريد»، فراجع ما ذكره. ودلَّ عليه الحديثُ أنه عَجْبُ الذنب في الإِنسان، ولذا يبلى منه كلُّ شيء، إلا هذا، ولعله لتحفظ وحدته الشخصية.
والحاصل أن الضروري في الإِعادة هو أن يَعْرف أهلُ المشاهدة أنَّ زيدًا بعد الإِعادة هو الذي كان في الدنيا بعينه، ألا ترى أنا نقول له: زيدًا في الدنيا، بعد الاستحالات العديدة، والتغيرات الشديدة أيضًا، ولا وَجْه له إلا أنا نَحْكم عليه بعد تلك التغيرات أنه هو الذي رأيناه قبلها، فدلَّ على أن الضروري في تحفظ الوحدة، هو كَوْنه بهذه الصفة لا غير، فاعلمه، واغتنم، وقد ذكرناه في «الجنائز» أبسط من هذا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٠ - سُورَةُ المُؤْمِنِ
قالَ مُجَاهِدٌ: «حم» مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَل هُوَ اسْمٌ؛ لِقَوْلِ شُرَيحِبْنِ أَبِي أَوْفَى العَبْسِيِّ:
* يُذَكِّرُنِي حامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
﴿الطَّوْلِ﴾ [٣] التَّفَضُّلُ. ﴿دَاخِرِينَ﴾ [٦٠] خاضِعِينَ.
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ [٤١] الإِيمَانِ. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ [٤٣]: يَعْنِي الوَثَنَ. ﴿يُسْجَرُونَ﴾ [٧٢] تُوقَدُ بِهِم النَّارُ. ﴿تَمْرَحُونَ﴾ [٧٥] تَبْطَرُونَ.
والمضاف إليه ههنا للتمييز عن «حم التنزيل».
قوله: (قال رَجُلٌ لابنِ عَبَّاس: إني أجِدُ في القرآنِ أشياءَ تَخْتَلِفُ عليَّ) ... إلخ. وحاصله عِدَّةُ إشكالاتِ سُئل عنها ابنُ عباس:
الأول: أنَّ القرآنَ أخْبر بأنَّ الأنسابَ لا تَنْفَعُ في المحْشر، وأنه لا يقع فيها تساؤلٌ، فناقضه في مَوْضع آخر وأخبر بالتساؤل، والقِيل والقال، والبحث والجدال. فأجاب عنه أنهما ألوانٌ وأطوار، فتارة يرمون بالصِّمات، وتَحِقُّ عليهم كلمةُ الإِنصات، فلم تسمع لهما صوت، وحينًا يتساءلون فيما بينهم، فلا خلاف بين وقوع التساؤل ونفيه.
والثاني: أنّهُ يُعْلم من بعضِ الآياتِ أنَّ خَلْق الأَرْض مُقدَّم على خَلْق السماء، ومِنْ بعضِها بالعكس. والجواب أن نَفْسَ الأرضِ مُقدَّمةٌ على السماء، ودَحْوُها متأخِّرٌ عن تسويةِ السموات، فهي متقدِّمة من وَجْه، ومتأخِّرة من وَجْهٍ، فصح الأمران.
قلتُ: وهذا الجوابُ غيرُ تامَ، كما أشار إليه في «جامع البيان» في تفسير سورة النازعات. وتعرَّض إليه الشاه عبدُ القادر في ثلاثة مواضع، ولم يأت بما يشفي الصدور، نعم تعرض إليه الشاه عبد العزيز في «فتح العزيز» وهو مُفيدٌ. وحاصِلُ ما ذكره أنَّ مادة الأرضِ والسموات كانتا مُخْتلِطَتَين أَوّلًا، فميز الله سبحانه بينهما، ثُم سَوَّى السموات، ثُم دحا الأرض. فتسويةُ السمواتِ بعد مادتها، ودَحْوُ الأرض بعد تسويةِ السماء.
والثالث: أن صِفاتِ الله تعالى أَزَليَّةٌ، فكيف تستقيمُ صِيغُ الماضي في نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. قلتُ: ولم أتحصّل الجوابَ من ألفاظه التي عند البخاري، وذلك لعدم إدراكِنا مصطلحاتِ السَّلَف، ولعل مرادَه أن تلك الصِّيغ وإن كانت للمُضِي، لكنها إذا استعملت في الصِّفات الإِلهية تكون لإِفادة مُضِي التسمية فقط. فلا تَخالُفَ بين قِدَم الصفات، وصِيغ الماضي (١).
وحاصل الجواب أن الاسمَ قدِيمٌ، والتسمية به ماضٍ. ولاحظ هناك مسألةَ التكوين أيضًا، فإِنَّ الأشاعرة أنكروها، وزعموا أن في تَعلُّقِ الصِّفات السَّبْع غناءً عن القَوْل بصفةِ التكوين، وإليه مال ابنُ الهُمام في «المسايرة» و «التحرير»، وحينئذ تكون أسماؤه تعالى كلُّها انتزاعيةً عندهم، والماتريدية أدرجوها تحت صفةِ التكوين، فيكون اسمه «العزيز» و «الحكيم» أيضًا داخِلًا تحت التكوين، ويستقيمُ أسلوبُ القرآن، ولكنه لا بد أن يقال: إن تلك الأسماءَ قديمةٌ، نعم تعلُّقاتها حادِثة.
стр. 2614
والرابع: أنَّ الله حَكَى عن المشركين أَوّلًا: ﴿أَنَّهم لا يكتمون اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساء: ٤٢]، ثُم أخبر عن قولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأَنعام: ٢٣]، وهل هذا إلا كِتمانٌ لِشِرْكهم؟ وجوابه أن النفيَ بيانٌ لما سيظهر آخِرًا، وينتهي إليه الأمر، فإِنَّهم إذا كتموا تَنْطِق أعضاؤهم بما كسبوا، فأيّ شيء يكتمون بعده، وهذا معنى قوله: «وعند ذلك عُرِف أنَّ اللَّهَ لا يكتُمُ حديثًا»، أي وعند ذلك يتبين، ويظهر اب بات كهلى كى. فهذه أربعةُ أَسئلة، مع تقرير أجوبتها.
فائدة:
وقد تُكلّم في الفلسفةِ على أنه لا قوّةَ في الفاعل باعتبار مفعولِه، بخلاف المادة، فإِنَّ فيها استعدادًا للصُّوَرِ، وقالوا: إنَّ نِسبةَ الفِعْل إلى فاعله وجوبيةٌ، ونسبة المستعِدّ إلى المستعَدِّ له إمكانيةٌ. قلتُ: أرادوا بذلك بيان تفاوت الأنظار فقط، سواء كانت له ثمرةٌ في الخارج أو لا.
قوله: (مَشَائِيم) جَمْع شُؤم.
قوله: (مَحْقُوق) "سزاوار".
قوله: (﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾) يمكن أن يكون المصنِّفُ تعرَّض إلى معنى الهداية.
قوله: (والهُدَى الذي هو الإِرشَادُ) فهذه مُوصلةٌ إلى البغية، والأُولى بمعنى إراءة الطريقِ، وراجع له «ميرايساغوجي».
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٢ - سُورَةُ حم عسق [الشُّورَى]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿عَقِيمًا﴾ [٥٠]: لَا تَلِدُ. ﴿رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا﴾ [٥٢] القُرْآنُ. وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [١١]: نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ. ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا﴾ [١٥] لَا خُصُومَةَ. ﴿طَرْفٍ خَفِيِّ﴾ [٤٥] ذَلِيلٍ. وَقالَ غَيرُهُ: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [٣٣] يَتَحَرَّكْنَ وَلَا يَجْرِينَ في البَحْرِ. ﴿شَرَعُواْ﴾ [٢١] ابْتَدَعُوا.
١ - باب قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]
٤٨١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -. أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
١ - باب ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] الآيَةَ
٤٨٢٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَالَ اللَّهُ يُؤْذِينِى ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِى الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». طرفاه ٦١٨١، ٧٤٩١ - تحفة ١٣١٣١
قوله: (مُسْتَوْفِزِين) "سر سرى نشست".
٤٨٢٦ - قوله: (وأنا الدَّهْر) وشَرْحُه المشهور: أنَّ ابنَ آدم يزعمُ أن الدَّهْر هو الذي يجلب إليه الدوائر، فإِذا ابتُلي به يَسُبّه سَبًّا، ولا يدري أن الجالب هو اللهُ تعالى، فكأنه يَسُبّ اللَّهَ ، فإن الأمر بيده، يقلِّب الليلَ والنهار. وقال الشيخ الأكبر: إنَّ الدَّهْر من الأسماء الحُسْنى، وإذن يكون شأنًا من شؤونه تعالى، وفِعْلًا من أفعاله. وذَكَر الرازي وظيفةَ بعض المشايخ «يا دهر»، «يا ديهار»، «يا ديهور»، ولو وجدت هذا اللفظ في الكتب السابقة لَرَكَنْت إلى كونِه منها. وذكر صاحب «القاموس» أيضًا أنه يحتمل أن يكونَ من أسمائه تعالى، وهو من معتقدي الشيخ الأكبر. وكذا الإِمام أبي حنيفة أيضًا، كما في «طبقات الفَيْرُوز آبادي» - رسالة صُنِّفت في طبقات الحنفية.
قلتُ: إنَّ العالم بِأَسره تحت أسمائه تعالى عند الشيخ الأكبر، فليكن الزمانُ تحت اسم الدَّهْر، فيطلقُ الزمانُ فيما بيننا على عالَم الإِمكان، وإذا جاءت حضرةُ الوجوب لا نقولُ فيها الزمان، بل نطلقُ فيها لَفْظ الدَّهْر، وحينئذ تقسيمُ المَعِية إلى الزمانية، والسَّرْمديةِ، والدهرية صحيحٌ في الجملة، وإنْ كان تفسيرُ المَعِية الدهريةَ عندي، غير ما في المشهور. وفي «الشمس البازغة»: أن قَومًا ذهبوا إلى إنكار الباري سبحانه، وقالوا بالدَّهْر فَحَسْب، بالله خابوا وخسروا.
فائدة:
صنف صاحبُ «القاموس» رسالة سماها «بسفر السعادة» وقد بالغ فيها، فادَّعى التواتر في مسألة رفع السَّبّابة ورَفْع اليدين، مع أنه لا يوجد في المسألة الأُولى أزيدُ من ثلاثة أحاديث، وفي الثانية نحو العشرين، وأما ما ادَّعى من أنها نحو مئتين، فلا أَصْلَ له.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٦ - سُورَةُ الأَحْقَافِ
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تُفِيضُونَ﴾ [٨] تَقُولُونَ. وَقالَ بَعْضُهُمْ: أَثَرَةٍ وَأُثْرَةٍ وَ ﴿أَثَرَةٍ﴾ [٤] بَقِيَّة عِلمٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٧ - سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ
﴿أَوْزَارَهَا﴾ [٤] آثَامَهَا، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ. ﴿عَرَّفَهَا﴾ [٦] بَيَّنَهَا.
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [١١] وَلِيُّهُمْ. ﴿عَزَمَ الأَمْرُ﴾ [٢١] جَدَّ الأَمْرُ. ﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾ [٣٥] لَا تَضْعُفُوا. وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَضْغَانَهُمْ﴾ [٢٩] حَسَدَهُمْ. ﴿آسِنٍ﴾ [١٥] مُتَغَيِّرٍ.
١ - باب ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]
٤٨٣٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى مُزَرَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهَا مَهْ. قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَذَاكِ لَكِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]. أطرافه ٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢ - تحفة ١٣٣٨٢ - ١٦٨/ ٦
٤٨٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمِّى أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ بِهَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾. أطرافه ٤٨٣٠، ٤٨٣٢، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢ - تحفة ١٣٣٨٢
٤٨٣٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى الْمُزَرَّدِ بِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾». أطرافه ٤٨٣٠، ٤٨٣١، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢ - تحفة ١٣٣٨٢
قوله: (﴿عَزَمَ الأَمْرُ﴾ جَدَّ الأَمْر) "كام بخته هو كيا".
قوله: (فأَخَذَت بِحَقْو الرَّحْمن) وفي قاضيخان: مَن ادَّعى أنه رأى رَبَّه في المنام، فإِنه لا يكفر، لأنه نحوٌ من التجلِّي، كما في «حجة الله البالغة».
قلتُ: والذي يخطر بالبال - وإن لم يكن له بال - أن تَجَلِّيه الذي يُعبر عنه بالرؤية لا يكون إلَّا في صورة الإِنسان، أو الأنوار، أعني به ما يعبر عنه الرائي، أنه رأى رَبَّه، وأما غيرُ ذلك من التجليات، مما لا يُقال فيها إنها رؤيةٌ تعالى، فيمكن بكل نحوٍ. واستدل عليهم الشيخُ الأكبر من قوله في حديث الدجَّال: إنَّ رَبَّكم ليس بأعور، مع ما في بعض الروايات أن النبيَّ ﷺ أشار إلى عَيْنِه، فإِنَّه يُشْعر بأنه تعالى لو تَجلَّى في صورةٍ لكان في صورةِ الإِنسانِ الكامل، غير فاقد للعين. وهذا الشقيُّ يكون أعورَ العين اليُمنى،
стр. 2622
فكيف يمكن أن يكون رَبًّا. ولولا تجلِّيه في صورة الإِنسان لما كان لقوله: «وإنَّ ربَّكم ليس بأعوَر» وَجْهٌ لطيف. وحينئذ ظهر معنى قوله: «حَقْو الرحمن»، فإِنَّه أيضًا تجلَّى على نحو ما يراه الرائي في منامه.
قلتُ: وهذا كما ترى كله من اختلاف العالمين "يه سب كارستانى اختلاف عالمين كى هى بهت سى جهان ركهى هوئى هين".
واعلم أن التجلِّي عبارةٌ عن أمور إلهية، تَضْعُف عن مشاهدتها بِنيةُ البشر، ويَكِلُّ عن إدراكها البصرُ، فَتُقام صورٌ تليق بِبِنيته لتقرِّبه من عالم الغيب، وتفيدُه معرفةً وبصيرةً بس يه سمان باندهنا اوريه بيرايه مشاهده بهى تجلى هى. وثبتت رؤيةُ الباري تعالى في رواية الترمذي، وروى في تلك الرواية (١) في الخارج الرؤيةَ على هيئةِ شابٍ أَمْرد. وتصدَّى له البيهقيُّ، وليس بصواب، وكثيرًا ما أراهم يزعمُون أنَّ كلَّ الصيدِ في جوف القرى، فإِذا لم يدركوا أمرًا إذا هم يُنْكرون، كالزمخشري، فإِنه يحمل جميعَ المتشابهات على الاستعارات، والذي يُناسب أن تُصْرف الأمورُ إلى أهلها، ثُم لا ينازعه فيها. والفقهاء أيضًا خَفَّفُوا أَمْر الرؤية.
وبالجملةِ ما أشبهت رؤيته تعالى في المحْشَر برؤيتك إياه في المنام، وإنْ تفاوتت الرؤيتان قوةً وضَعْفًا. لا أريد به أنَّ الرؤيةَ في المَحْشر ليست على الحقيقةِ، بل نحو من المجاز، سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ، إنما أريدُ الاشتراك بين المرئي، أنه التجلِّي في المحلين، وإن كان تَجلِّيه في المَحْشر أَقْوى وأَقْوى مما في المنام، والله يَدْري ما بينهما من التفاوت في الكيفيات، ولكنَّ هذا التجلي هو المعبر عن رؤية الذاتِ عندي، فلا يخالف ألفاظَ الحديث. وقد مرّ معنا أنه مختارُ الشيخ الأَكْبر أيضًا، وتَبِعْتُه في ذلك، وقد تكلَّمنا عليه في مواضع، فراع المواضِعَ كلَّها، وإياك وأن تعزو إلي ما لم أُرِدْه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٨ - سُورَةُ الفَتْحِ
قَالَ مُجَاهدٌ: بُورًا هَالِكِينَ. وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ﴾ [٢٩] السَّحْنَةُ، وَقالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: التَّوَاضُعُ. ﴿شَطْأَهُ﴾ [٢٩] فِرَاخَهُ. ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ [٢٩] غَلُظَ. ﴿سُوقِهِ﴾ [٢٩] السَّاقُ حامِلَةُ الشَّجَرَةِ.
اختص للتعريف من بين سائر التجليات؛ وأما تجلِّي القدم، فهو للغضب؛ وأما تجلِّي الحَقْو، فقد مَرَّ يوم الميثاق؛ وأما تجلِّي الوَجْه فيكون في الجنة، وهو أعلاها (١).
قوله: (وأمّا الجنَّةُ: فإِنَّ اللَّهَ يُنْشِيءُ لَها خَلْقًا) ... إلخ. وفي مَوْضعٍ آخَر: أَنْشأ الخَلْقَ للنَّار. وتوجه الشارحون إلى التوفيق بينهما؛ قلتُ: وذلك وَهْم قَطْعًا، والصواب إنشاءُ الخَلْق للجنَّة، ثُم لا يدري عَدَدَهم إلا اللهُ، ومِن ههنا ظهر الجواب: أَنَّ غايةَ العالمَ هي العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والظاهر أن لا تتخلّفَ غايتُه تعالى، ولا أَقلَّ مِن أن تكونَ أغلبَ، مع أن الأغلب في الدنيا هو الكفر. قلتُ: إن العالم كلَّه بقضه وقضيضه في التسبيح غير الثَّقَلَين، فلو سلَّمنا كثرة الغاية، فلم تتخلف أيضًا. وقد وضعنا عليه مُذكرةً، وهذا القَدْر لا يكفي ولا يَشْفي، وسيجيء في «الذاريات» شيء آخر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥١ - سُورَةُ والذَّارِيَاتِ
قالَ عَلِيٌّ ﵇: الذَّارِيَاتُ: الرِّيَاحُ. وَقالَ غَيرُهُ: ﴿تَذْرُوهُ﴾ [الكهف: ٤٥] تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [٢١] تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ في مَدْخَلٍ وَاحِدٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَينِ. ﴿فَرَاغَ﴾ [٢٦] فَرَجَعَ. ﴿فَصَكَّتْ﴾ [٢٩] فَجَمَعَتْ أَصَابعَهَا، فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا. وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ [٤٧] أَي لَذُو سَعَةٍ، وكَذلِكَ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، يَعْنِي القَوِيَّ. ﴿زَوْجَيْنِ﴾ [٤٩] الذَّكَرَ وَالأُنْثى، وَاخْتِلَافُ الأَلوَانِ: حُلوٌ وحامِضٌ، فَهُمَا زَوْجانِ. ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [٥٠] مِنَ اللَّهِ إِلَيهِ. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [٥٦] ما خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَينِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ، وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَهْلِ القَدَرِ. وَالذَّنُوبُ: الدَّلوُ العَظِيمُ.
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَرَّةٍ﴾ [٢٩] صَيحَةٍ. ﴿ذَنُوبًا﴾ [٥٩] سَبِيلًا. العَقِيمُ: الَّتِي لَا تَلِدُ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالحُبُكُ: اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿فِى غَمْرَةٍ﴾ [١١] في ضَلَالَتِهِمْ يَتَمادَوْنَ.
وَقالَ غَيرُهُ: ﴿وَتَوَاصَوْاْ﴾ [٥٣] تَوَاطَؤُوا. وَقالَ: ﴿مُّسَوَّمَةً﴾ [٣٤] مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيما. قُتِلَ الإِنْسَانُ: لُعِنَ.
стр. 2630
قوله: (وليس فيه حُجَّةٌ لأَهْل القَدَر) تمسك أهلُ القَدَر على كونِ أفعالِ العباد مخلوقةً لهم: بأَنَّ الله سبحانه كان خَلَقَهم للعبادة، ففعل بعضُهم وأَبى عنها بعضُهم، فدلَّ على أن أفعالَهم باختيارهم إن شاءوا خَلَقُوها، وإن أرادوا لم يخلقوها. ثُم المؤلف لم يتعرَّض إلى جوابِه، واكتفى بالرد الجملي فقط. وأجاب عنه الحافظُ (١) ابنُ القيِّم: أنَّ الغاية غايتان: غايةٌ تراد منهم، وتلك هي العبادةُ، ولا بِدْع في تخلّفها، وإن كانت خيريتهم فيها؛ وغاية يريدُها الله تعالى، وليست تلك هي العبادةَ ليستحيلَ تخلّفها.
وكأنَّ الصَّعْقة صارت من خواصّ الصُّور، متى نُفِخ صَعِق منه الناسُ، حتى يُنْفخ للإِحياء.
قوله: (بين النفختين أربعون) وهذا ما قلنا أولًا.
قوله: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه) دل على أن بنية الإنسان هي عجب ذنبه، أعني بها بنية كبنية البيت، فإن البيت أول ما ترفع منه بنيته، ثم ترفع العبارة منها، فانحل ما بحث في علم الكلام في تحقيق ماذا يكون منه الإعادة في المحشر، ومعنى الإعادة عندي الحشر، بحيث يعرفه في المحشر من كان يعرفه في الدنيا، ولا بحث لي عن أجزائه، كم فنيت منها، وكم بقيت، فإنه قليل الجدوى، وقد اختلفوا في مناط تحفظ الوحدة الشخصية في الأشياء، فذكر ابن سيناء، أن الوحدة الشخصية في الإنسان محفوظة بنفسه الناطقة، قلت: وهذا ليس بشيء، أما أولًا فلأن في نفس ثبوت النفس المجردة ألف كلام. ولم يقم دليل بعد على وجودها، ولئن سلمناه فما سبيل الاستحفاظ فيما لا نفس له، كالنباتات، والجمادات، فإن لها أيضًا وحدة شخصية، مع أنها لا نفس لها اتفاقًا، وقد مر عليه شارح التجريد، فراجع ما ذكره، ودل عليه الحديث أنه عجب الذنب في الإنسان، ولذا يبلى منه كل شيء، إلا هذا، ولعله لتحفظ وحدته الشخصية، والحاصل أن الضروري في الإعادة هو أن يعرف أهل المشاهدة أن زيدًا بعد الإعادة هو الذي كان في الدنيا بعينه، ألا ترى أنا نقول له: زيدًا في الدنيا، بعد الاستحالات العديدة. والتغيرات الشديدة أيضًا، ولا وجه له إلا أنا نحكم عليه بعد تلك التغيرات أنه هو الذي رأيناه قبلها، فدل على أن الضروري في تحفظ الوحدة، هو كونه بهذه الصفة لا غير، فاعلمه، واغتنم، وقد ذكرناه في "الجنائز" أبسط من هذا.
فائدة:
وليعلم أن هذا الإِشكالَ عَقْليٌّ مَحْض، ولا مدخل فيه للآية، أعني أن يُبْنى على