اختص للتعريف من بين سائر التجليات؛ وأما تجلِّي القدم، فهو للغضب؛ وأما تجلِّي الحَقْو، فقد مَرَّ يوم الميثاق؛ وأما تجلِّي الوَجْه فيكون في الجنة، وهو أعلاها (١).
قوله: (وأمّا الجنَّةُ: فإِنَّ اللَّهَ يُنْشِيءُ لَها خَلْقًا) ... إلخ. وفي مَوْضعٍ آخَر: أَنْشأ الخَلْقَ للنَّار. وتوجه الشارحون إلى التوفيق بينهما؛ قلتُ: وذلك وَهْم قَطْعًا، والصواب إنشاءُ الخَلْق للجنَّة، ثُم لا يدري عَدَدَهم إلا اللهُ، ومِن ههنا ظهر الجواب: أَنَّ غايةَ العالمَ هي العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والظاهر أن لا تتخلّفَ غايتُه تعالى، ولا أَقلَّ مِن أن تكونَ أغلبَ، مع أن الأغلب في الدنيا هو الكفر. قلتُ: إن العالم كلَّه بقضه وقضيضه في التسبيح غير الثَّقَلَين، فلو سلَّمنا كثرة الغاية، فلم تتخلف أيضًا. وقد وضعنا عليه مُذكرةً، وهذا القَدْر لا يكفي ولا يَشْفي، وسيجيء في «الذاريات» شيء آخر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥١ - سُورَةُ والذَّارِيَاتِ
قالَ عَلِيٌّ ﵇: الذَّارِيَاتُ: الرِّيَاحُ. وَقالَ غَيرُهُ: ﴿تَذْرُوهُ﴾ [الكهف: ٤٥] تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [٢١] تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ في مَدْخَلٍ وَاحِدٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَينِ. ﴿فَرَاغَ﴾ [٢٦] فَرَجَعَ. ﴿فَصَكَّتْ﴾ [٢٩] فَجَمَعَتْ أَصَابعَهَا، فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا. وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ. ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ [٤٧] أَي لَذُو سَعَةٍ، وكَذلِكَ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، يَعْنِي القَوِيَّ. ﴿زَوْجَيْنِ﴾ [٤٩] الذَّكَرَ وَالأُنْثى، وَاخْتِلَافُ الأَلوَانِ: حُلوٌ وحامِضٌ، فَهُمَا زَوْجانِ. ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ [٥٠] مِنَ اللَّهِ إِلَيهِ. ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [٥٦] ما خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَينِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، وَقالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ، وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيسَ فِيهِ حُجَّةٌ لأَهْلِ القَدَرِ. وَالذَّنُوبُ: الدَّلوُ العَظِيمُ.
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَرَّةٍ﴾ [٢٩] صَيحَةٍ. ﴿ذَنُوبًا﴾ [٥٩] سَبِيلًا. العَقِيمُ: الَّتِي لَا تَلِدُ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالحُبُكُ: اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿فِى غَمْرَةٍ﴾ [١١] في ضَلَالَتِهِمْ يَتَمادَوْنَ.
وَقالَ غَيرُهُ: ﴿وَتَوَاصَوْاْ﴾ [٥٣] تَوَاطَؤُوا. وَقالَ: ﴿مُّسَوَّمَةً﴾ [٣٤] مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيما. قُتِلَ الإِنْسَانُ: لُعِنَ.
стр. 2630
قوله: (وليس فيه حُجَّةٌ لأَهْل القَدَر) تمسك أهلُ القَدَر على كونِ أفعالِ العباد مخلوقةً لهم: بأَنَّ الله سبحانه كان خَلَقَهم للعبادة، ففعل بعضُهم وأَبى عنها بعضُهم، فدلَّ على أن أفعالَهم باختيارهم إن شاءوا خَلَقُوها، وإن أرادوا لم يخلقوها. ثُم المؤلف لم يتعرَّض إلى جوابِه، واكتفى بالرد الجملي فقط. وأجاب عنه الحافظُ (١) ابنُ القيِّم: أنَّ الغاية غايتان: غايةٌ تراد منهم، وتلك هي العبادةُ، ولا بِدْع في تخلّفها، وإن كانت خيريتهم فيها؛ وغاية يريدُها الله تعالى، وليست تلك هي العبادةَ ليستحيلَ تخلّفها.
وكأنَّ الصَّعْقة صارت من خواصّ الصُّور، متى نُفِخ صَعِق منه الناسُ، حتى يُنْفخ للإِحياء.
قوله: (بين النفختين أربعون) وهذا ما قلنا أولًا.
قوله: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه) دل على أن بنية الإنسان هي عجب ذنبه، أعني بها بنية كبنية البيت، فإن البيت أول ما ترفع منه بنيته، ثم ترفع العبارة منها، فانحل ما بحث في علم الكلام في تحقيق ماذا يكون منه الإعادة في المحشر، ومعنى الإعادة عندي الحشر، بحيث يعرفه في المحشر من كان يعرفه في الدنيا، ولا بحث لي عن أجزائه، كم فنيت منها، وكم بقيت، فإنه قليل الجدوى، وقد اختلفوا في مناط تحفظ الوحدة الشخصية في الأشياء، فذكر ابن سيناء، أن الوحدة الشخصية في الإنسان محفوظة بنفسه الناطقة، قلت: وهذا ليس بشيء، أما أولًا فلأن في نفس ثبوت النفس المجردة ألف كلام. ولم يقم دليل بعد على وجودها، ولئن سلمناه فما سبيل الاستحفاظ فيما لا نفس له، كالنباتات، والجمادات، فإن لها أيضًا وحدة شخصية، مع أنها لا نفس لها اتفاقًا، وقد مر عليه شارح التجريد، فراجع ما ذكره، ودل عليه الحديث أنه عجب الذنب في الإنسان، ولذا يبلى منه كل شيء، إلا هذا، ولعله لتحفظ وحدته الشخصية، والحاصل أن الضروري في الإعادة هو أن يعرف أهل المشاهدة أن زيدًا بعد الإعادة هو الذي كان في الدنيا بعينه، ألا ترى أنا نقول له: زيدًا في الدنيا، بعد الاستحالات العديدة. والتغيرات الشديدة أيضًا، ولا وجه له إلا أنا نحكم عليه بعد تلك التغيرات أنه هو الذي رأيناه قبلها، فدل على أن الضروري في تحفظ الوحدة، هو كونه بهذه الصفة لا غير، فاعلمه، واغتنم، وقد ذكرناه في "الجنائز" أبسط من هذا.
فائدة:
وليعلم أن هذا الإِشكالَ عَقْليٌّ مَحْض، ولا مدخل فيه للآية، أعني أن يُبْنى على
стр. 2631
انضمامِ مقدِّمة عقبيةٍ أُخْرى. أما الآية، فلم تُخْبر إلا بالغايةِ أنها العبادةُ، وذلك معلومٌ عند الخواص والعوام، لا ينازع فيه أحدٌ، وإنما نشأ الإِشكالُ من جهةِ العَقْل، وهو تخلُّف غايتِه تعالى. ولك أن نقول: إن الغايةَ إما تشريعيةٌ، أو تكوينيةٌ، والمحال هو تَخلُّف الغايةِ التكوينيةِ دون الشرعية، والمتخلفة هي الغايةُ الشرعية دون التكوينية. فإِنَّ العبادة غايةٌ شرعيةٌ لا تكوينيةٌ. وأجاب عنه الشاه رفيعُ الدِّين أنها غايةُ النوع لا للأشخاص، فحينئذٍ لا بد أن لا يخلو نوعُ الإِنسان عن العبادة. أما وجودُها في سائر أفرادِه فغيرُ لازم، نعم إذا خلا النوعُ بِأَسْره عن الغايةِ يَنْقَرض العالم أيضًا، ويضرب عليه بالرحيل (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٢ - سُورَةُ الطُّورِ
وَقالَ قَتَادَةُ: ﴿مُّسْطُورٍ﴾ [٢] مَكْتُوبٍ. وَقالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ: الجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ﴿رَقّ مَّنْشُورٍ﴾ [٣] صَحِيفَةٍ. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [٥] سَماءٌ. ﴿الْمَسْجُورِ﴾ [٦] المُوقَدِ، وَقالَ الحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ ماؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ. وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ [٢١] نَقَصْنَا. وَقالَ غَيرُهُ: ﴿تَمُورُ﴾ [٩] تَدُورُ، ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾ [٣٢] العُقُولُ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْبِرَّ﴾ [٢٨] اللَّطِيفُ. ﴿كِسَفًا﴾ [٤٤] قِطْعًا. ﴿الْمَنُونِ﴾ [٣٠] المَوْت.
وَقالَ غَيرُهُ: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ [٢٣] يَتَعَاطَوْنَ.
فإِذا نزل أَحَدُهم في مكانٍ ألقى سَوْطه وقوسَه، ليكون ذلك مكانَه بعد نُزُولِه، وعليه قول النبي ﷺ «موضع سوط في الجنةِ، خيرٌ من الدنيا وما فيها» فالقاب هو قَدْرُ القوس، وأريد به بيانُ غايةِ قُرْبه ﷺ حتى كان على قَدْر قَوْسين أو أَدنى من ذلك، وحينئذ لا حاجةَ إلى تأويلٍ في معنى الإِضافة، حيث قيل: إنَّ أصله قابي قوس، ثُم نقل تثنية المضافِ إلى المضاف إليه، وذلك عندهم واسع، وعلى ما قلنا غنية عنه، ولما علمت مِن عادات العرب بأَنَّ لك وَجْهَ تَعرُّضِه إلى ذِكْر القوسين في الآية والسَّوْط في الحديث.
قوله: (قِسْمةٌ ضِيزَى) "تير هى تقسيم".
قوله: (الجَوْزاء) نجم، وخلفه شِعْري يقال: إنه أعظمُ من الشمس، مستنير في غايته، وترجمته: "برنى".
٤٨٥٥ - قوله: (لقد قَفَّ له شَعْرِي) وما رُوي أن عائشةَ سألت النبيَّ ﷺ عن سورة النجم، فقال: «ذاك جبرئيلُ ﵊»، فلا ينفصل منه الأَمْر، فإِنه رأى في تلك الليلةِ جبرئيل أيضًا.
واعلم أنَّ الاختلافَ في الرؤية إنما ينتهي إلى الآيةِ، ووَجْه الإِشكالِ فيها أن بَعْضَها يتعلّقُ بمعاملةِ جبرئيل ﵊ قَطْعًا، وبَعْضَها من ربِّ العزّة. ومن ههنا دارت الأنظار في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ أنه يتعلّق بجبرئيلِ ﵊، أو بالله عز اسمه. فإِذا عَلِمنا أنه سَرَى في ذلك اجتهادُهم لم يبق لنا قَلَقٌ، وأخذنا بما كان أقربَ عندنا إِلى نظم النصِّ. والصواب عندنا أنه ﷺ رأى رَبَّه ليلةَ المعراج، وفي قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] نفي للإِحاطة، لا لنفس الرؤية، ولا يلزم منه نفيُ رؤيتِه في المَحْشر أيضًا، إلا أنه لما كانت رؤية قلبٍ ونظرٍ معًا، صدق الأمران. وعند القسطلاني: ولعله عن ابنِ مسعود، أو ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ قال: «قام قلبي مقامَ العينين»، وتلك الرؤيةُ هي مصداقُ قوله: ﴿الآيةَ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٢٠].
٤٨٥٨ - قوله: (رَفْرَفًا) "آرائش محل كى".
قوله: (﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾) وكانت وظيفةً للعربِ عند الطواف: واللات والعُزَّى، ومناةَ الثالثةَ الأُخرى تلك الغرانيقُ العُلى. وأنَّ شفاعتهن لَتُرْتجى. كما في «المعجم» لياقوت الحَمَوِي، ودونك عبارة «المعجم» (١).
стр. 2636
قال: «العُزّى» بضم أوله في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ اللات: صنم كان لثقيف، والعزَّى: سَمُرة كانت لغَطَفَان يعبدُونها، وكانوا بَنوا عليها بيتًا، وأقاموا لها سَدَنةً، فبعث النبيُّ ﷺ خالدَ بنَ الوليد إليها، فهدم البيتَ، وأحرق السَّمُرة. والعزَّى تأنيثُ الأَعَزّ، مِثْل الكبرى تأنيثُ الأكبر. والأَعزّ بمعنى العزيز، والعُزّى بمعنى العزيزة ..... وقال ابن حبيب: العُزَّى شجرةٌ كانت بنخلةٍ، عندها وَثنٌ تعبدُه غَطَفان، وسَدَنَتُها من بني حرمة بن مُرّة .... قال أبو المُنْذر - بعد ذِكْر مَناة، واللاّت: ثُمّ اتخذوا العُزّى، وهي أحدثُ من اللاّت، ومَناة. وذلك أني سَمِعْتُ العرب سَمْت بها عَبْد العُزّى، فوجدت تَمِيم بنَ مرّ، سَمّى ابنه زيدَ مَناة بنَ تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة، وعبد مَناة بن أدّ. وباسم اللات، سَمّى ثعلبة بن عكابة ابنه تيم اللات؛ وتيم اللات بن رفيدة بن ثور، وزيد اللات بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أد بن طابخة، وتيم اللات بن النمر بن قاسط؛ وعبد العُزّى بن كعب بن سعد بن زيد مَناة بن تميم. فهي أَحْدَثُ من الأولين.
وعَبْد العُزَّى بن كعب من أقدم ما سُمّت به العرب، وكان الذي اتخذ العُزَّى ظالم بن أسعد، كانت بوادٍ من نخلةِ الشامية، يقال له: حواض، بإِزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عِرْق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسًا - يريد بيتًا - وكانوا يسمعون فيه الصَّوْتَ، وكانت العرب وقُريش تسمّى بها عبد العُزَّى، وكانت أعظمَ الأصمان عندَ قُريش، وكانوا يَزُورُونها، ويهدون لها، ويتقرَّبون عندها بالذبائح.
قال أبو المُنْذر: وقد بَلَغنا أنَّ النبيَّ ﷺ ذكرها يومًا، فقال: لقد اهتديت للعُزَّى شاة عفراء، وأنا على دين قومي، وكانت قريشٌ تطوفُ بالكعبةِ، وتقول: واللاّت والعُزّى، ومَناة الثالثة الأُخْرى. فإنهن الغَرَانِيقُ العُلَى، وأنَّ شفاعَتَهن لَتُرتَجى، وكانوا يقولون: بنات الله ، وهن يَشْفَعن إليه، فلما بُعِث رسول الله ﷺ أُنزل عليه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ما أنزل الله بها من سلطان، وكانت قريشٌ قد حمت لها شعبًا من وادي حراض، يقال له: سقام، يضاهئون به حَرَم الكعبةِ، وقد ذكر سقام في موضعه من هذا الكتاب؛ والعُزّى، يقول درهم بن زيد الأوسي:
إني وربِّ العُزّى السعيدة والله الذي دون بيته سرف
وكان لها مَنْحَرٌ يَنْحَرُون فيه هداياهم، يقال له: الغَيْغَب، وقد ذكر في موضعه أيضًا، وكانت قريشٌ تخصصها بالإِعظام، فلذلك يقول زيد بن عمرو بن نفيل. وكانت قد تألّه في الجاهلية، وترك عبادتها وعبادة غيرها من الأصنام:
стр. 2637
*تركت اللات والعُزّى جميعًا، ... كذلك يفعل الجلد الصبور
*فلا العُزّى أدين ولا ابنتها، ... ولا صنمى بني عمرو أزور
*ولا هبلا أزور وكان ربا ... لنا في الدهر إذ حلمي صغير
وكانت سُدنةُ العُزّى بني شَيْبان بن جابر بن مُرّة بن عبس بن رِفاعة بن الحارث بن عتبة بن سُلَيم بن منصور، وكانوا حُلَفاء بني الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان آخِرَ مَنْ سدَنها منهم دبيةُ بن حزمي السّلَمي، وله يقول أبو خراش الهُذلي، وكان قدم عليه، فحذاه نعلين جديدتين .... فقال:
*حذاني بعد ما خدمت نعالي ... دبية أنه نعم الخليل
*مقابلتين من صلوى مشب ... من الثيران وصلها جميل
*فنعم معرس الأضياف تزجى ... رحالهم شامية بليل
*يقاتل جمعهم بمكللات ... من البرني يرعيها الجميل
فلم تزل العُزّى كذلك حتى بعث اللهُ نَبِيّه ﷺ فعابَها وغيرها من الأصنام، ونهاهم عن عبادَتِهم، ونزل القرآن فيها، فاشتد ذلك على قُريش. ومَرِض أبو أُحَيْحة سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف مَرَضه الذي مات فيه، فدخل عليه أبو لَهب يعودُه، فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك يا أبا أُحيحة، أمِن الموتِ تَبكي ولا بد منه؟ فقال: لا، ولكني أخاف ألا تعبدوا العُزَّى بعدي. فقال له أبو لهب: ما عُبِدت في حياتِك لأَجْلِك، ولا تُتْرك عبادتُها بعدك لموتِك، فقال أبو أُحَيْحة: الآن عَلِمت أنَّ لي خليفةً، وأعجبه شدة نصبه في عبادتها.
قال أبو المُنْذر: وكان سعيد بن العاصي أَبو أُحَيحة يَعْتَمُّ بمكةَ، فإِذا اعتمَّ لم يعتمَّ أحدٌ بلون عِمامته. قال أبو المُنْذر: حدثني أَبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵁، قال: كانت العُزَّى شيطانةً تأتي ثلاثَ سَمُرات ببطن نخلة، فلما افتتح النبيُّ ﷺ مَكّةَ بعث خالدَ بنَ الوليد، فقال له: إئت بطنَ نَخْلة، فإِنك تَجِدُ ثلاثَ سَمُرات، فأَعْضِد الأُولى، فأتاها فَعَضَدَها، فلما عاد إليه قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فأعضِد الثانية، فأتاها فعضَدها، فلما عاد إليه، قال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فأعْضِد الثالثة، فأتاها، فإِذا هو بخناسةٍ نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتِقِا، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حزمى السلمي، ثُم الشَّيباني، وكان سادِنَها، فلما نظر إلى خالد قال:
*فيا عز شدى شدة لا تكذبي ... على خالد ألقى الخمار، وشمري
*فإِنك إلا تقتلي اليوم خالدًا ... تبوئي بذل عاجل وتنصري
فقال خالد:
*يا عز كفرانك لا سبحانك، ... إني رأيتُ اللَّهَ قد أهانك
стр. 2638
ثُمّ ضربها فقلق رأسها، فإِذا هي حممة، ثُم عَضَد الشجر، وقتل دبية السّادِن، وفيه يقول أبو خراش الهُذلي، يرثيه:
*ما لدبية منذ اليوم لم أره ... وسط الشروب ولم يلمم ولم يطف
*لو كان حيًا لغاداهم بمترعة ... من الرواويق من شيزى بنى الهطف
*ضخم الرماد عظيم القدر جفنته ... حين الشتاء لحوض المنهل اللقف
قال هشام: يطف من الطوَفان، أو من طاف يطيف، والهطف: بطن من عمرو بن أسد. واللقف: الحوض المنكسر الذي يغلب أصله الماء، فيتثلم يقال: قد لقف الحوض، ثُم أتى النبيّ ﷺ فأخبره قال: تلك العُزّى، ولا عُزّى بعدها للعَرَب، أما إنها لن تعبد بعد اليوم، قال: ولم تكن قريش بمكّة، ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظامَهُم العُزّى، ثُم اللاّت، ثُم مناة. فأما العُزّى فكانت قريشٌ تَخُصّها دون غيرِها بالهدية والزيارة، وذلك فيما أظن لِقُرْبها كان منها. وكانت ثِقِيف تَخُصّ اللاّت كخاصّة قريش العُزّى، وكانت الأوس والخزرج تَخُصّ مناة، كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان مُعظِّمًا لها، ولم يكونوا يرون في الخمسةِ الأَصنام التي دفعها عَمْرو بن لحي، وهي التي ذَكَرها الله تعالى في القرآن المجيد، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ كرأيهم في هذه، ولا قريبًا من ذلك، فظننت أنَّ ذلك كان لِبُعْدها منهم، وكانت قريش تُعظِّمها، وكانت غنى وباهلة يعبدونها معهم، فبعث النبيُّ ﷺ خالد بن الوليد فقطع الشجرة، وهدم البيت، وكسر الوثن، انتهى «معجم البلدان».
ولذا استتبعت السورة ذكرها، وإلاّ فلا مناسبة لِذِكْر هؤلاء ههنا.
٤٨٦٠ - قوله: (مَنْ حَلَف فقال في حَلِفِه: واللاّت والعُزَّى) أي مَنْ كان حديثَ عهد بالإِسلام مثلًا، فسبق إلى لسانِه هذا الحَلِف، فليكافئه بكلمةِ التوحيد.
قوله: (ومَنْ قال لصاحِبِه: تعال أُقامِرْك فليتصدَّق) قال الطحاوي (١) في «مُشْكِله»: إنَّ المراد من التصدُّق تصدُّقُ هذا المال الذي أخرجه للقِمار، فأوْلى له أن يصرِفه في
قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ. أطرافه ٣٦٣٧، ٣٨٦٨، ٤٨٦٨ - تحفة ١٢٩٧
٤٨٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ. أطرافه ٣٦٣٧، ٣٨٦٨، ٤٨٦٧ - تحفة ١٢٦٦
وقد ثبت اليوم الخرق والالتئام، والانشقاق، وانفطار كلها في الأجرام السماوية. وفي «تاريخ فرشته» أنه رأى الانشقاقَ مَلِكٌ بالهند أيضًا. يُسمّى: "راجه. وجبال" وعلى اسمه سميت بلدة "بهوبال".
قلتُ: وقد نعلم أنَّ الشمس تَنْكَسِف في كلّ سنة، أو سنتين إلى ساعة، أو ساعتين، أو أزيد. وربما لا يكون به شعورٌ للناس. حتى إنها تنجلي أيضًا، مع كونه معاملةً في النهار. فلو فرضنا أن الانشقاقَ لم تُنْقل رؤيتُه عن أحد، فماذا الإِشكال فإِنه معاملة في الليل. ثُم ليست طويلة، بل الانشقاق والالتئام حصل في لَمحةٍ يسيرةٍ، فانتبه له مَنْ استشهدوا به، ولم يره مَنْ كانوا في الأطراف، ولا استحالة فيه.
ثُم اعلم (١) أنه وَقَع في بعض الروايات: انشقّ القَمَرُ مَرّتين، مكان قوله: «فِرْقَتَين»، مع أن القمر لم ينشقَّ إلَّا مرة، فحمله الشارحون على معنى فِرْقَتين.
٢ - باب ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٤ - ١٥]
قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَى اللهُ سَفِينَةَ نُوحٍ حَتَّى أَدْرَكَهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ.
٤٨٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ
قوله: (تُسَمِّيهِ النَّبَط: هَبُورًا) أي يقال له: هَبُور بالحبشة.
قوله: (يَعْلُو النَّار) أي الجَمْرة.
قوله: (الصُّفْر) "بيتل".
قوله: (سَوْدَاوان مِن الرِّيِّ) "سبزهين سياهى نمامارى شادابى كى".
قوله: (كما يقال: صَرَّ البابُ عند الإِغلاقِ وصَرْصَر) أي مضاعف ثلاثي، اتخذ من مضاعف رباعي.
قوله: (وقال بَعْضُهم: ليس الرُّمَّانُ، والنَّخْل بالفاكِهَةِ) أراد البخاريُّ أنَّ ذِكْرَ الرُّمَّان بعد الفاكهة تَخْصِيصٌ بعد تعميم. فإِنْ قال أَحَدُ: إنَّ العَطْف يدلّ على التَّغاير، فأجاب عنه أنه على حَدّ قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَاواتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فكما أن العَطْف لم يُوجِب تغايُر بينهما. كذلك فيما نحن فيه أيضًا. ولعلَّ أبا حنيفةَ اختار في تفسير الفاكهة عُرْفَ أهلِ الكوفة، ولعلها عندهم ما يكون للتَّفكُّه، دون التَّغذّي، والشافعيُّ اعتبر اللغةَ. فهذا الخِلافُ يَرجع إلى النَّظر لا غير.
قوله: (﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويَكْشِفُ كَرْبًا) ... إلخ. وهو أَثَرٌ، وثبت مرفوعًا أيضًا لكنه ضعيفٌ، وفيه: أن شؤونه عبارةٌ عن أفعاله وتصرُّفاته في هذا العالم، فلا يكون قائمًا بالباري عَزّ اسمُه، بل تكون منفصلةً عنه، وإنْ كان المرادُ منها نحوَ النزول، والضحك، وأمثالهما. لكان فيه إِشعارٌ بقيام الحوادث بِذَاته تعالى، فإِنَّ النزول، والضحك، وغيرَها حادِثٌ لا محالة، كما يقوله ابن تيميةَ. وعندي هذا التعبير - وإن أَوّلنا كلامَه بمصداقه فمع هذا - ممّا لا يليقُ بِجَنَابه تعالى، ولعل مرتبة الشؤون بعد الذّاتِ والصِّفات، وعند الشيخ المجدد السَّرهندي بين الذّات والصِّفات. وسيجيء فيها الكلام في أواخر البخاري.
حكاية:
حُكي أن رَجُلًا كان أوتي جَدَلًا، فكان يُفْحِم العلماءَ، فجلس مَرّةً في مجلس كان فيه أبو حنيفة أيضًا، وهو صغيرُ السن، فسأل العلماء: أنّ رَبّكم ماذا يفعل الآن؟ فما دَرُوا بما يجيبون له، فقام إمامنا، وقال: أنا أُجيب، ولكن انزل عن المنبر، فإِنك سائل وأنا مجيب، فصعد المِنْبر وقال: إنه فعل الآن ما رأيت، فأُنزلك عن المِنْبر، وأقعدني مقعدَك، فَبُهِت الرَّجُل.
قوله: (﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾) قد مَرّ وَجْهُه بِوَجْهٍ أَدقّ وأَلْطَف، والمصنف حمله على الكناية.
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنهما - يَقُولُ كُنَّا فِى غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ قَالَ «مَا هَذَا». فَقَالُوا كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرِىُّ يَالَلْمُهَاجِرِينَ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». قَالَ جَابِرٌ وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ أَكْثَرَ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ أَوَقَدْ فَعَلُوا، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضى الله عنه دَعْنِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ». طرفاه ٣٥١٨، ٤٩٠٥ تحفة ٢٥٢٥ - ١٩٣/ ٦
قوله: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) قال صاحب «التلخيص»: معناه لكاذبون في الشهادة، أو التسمية، أو المشهود به في زَعْمهم. قلتُ: هذا باطِلٌ يرده الحديث، وهكذا المرءُ إذا أتى في غير فَنِّه يأتي بالعجائب. فالصوابُ في الجواب ما يُستفاد مما أخرجه المصنِّف عن زيد بن أرقم، قال: كُنْت في غزاة، فسمعت عبدَ الله بنَ أُبَي يقول: لا تُنْفِقوا على مَنْ عندَ رسول الله حتى يَنْفَضُّوا من حوله، ولو رجعنا مِن عنده لَيُخْرِجَنّ الأعزُّ منها الأَذَلَّ، فذكرت ذلك لعمِّي، أو لِعُمَرَ، فذكره للنبيِّ ﷺ فدعاني، فحدثته، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى عبدِ الله بن أُبَي، وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذَّبني رسولُ الله ﷺ وصَدَّقه ... إلخ. وفي تلك القصة نزلت الآيةُ، وأُخْبر النبيُّ ﷺ إنّهم لكاذِبون، أي فيما حلفوا لك أنهم ما قالوا، فاللَّهُ سبحانه كَذَّبهم في حَلِفِهم، لا فيما ذكره صاحِبُ «التَّلْخيص».
قوله: (﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾) فالتلويةُ عَن النبيِّ ﷺ كُفْر، بخلافِ غيره، فدلَّ على أن فِعْلًا واحدًا يمكن أن يكونَ كفرًا، وغير كُفْر بالنسبةِ إلى الشخصين.
٤٩٠٦ - قوله: (فكَتَب إلى زيدٍ بنِ أَرْقَم) ... إلخ. أي يُعزِّيني، ثُم قال أَنس ما حاصله: إنَّ زيدًا ممن صَدَّقه اللهُ تعالى فيما قال لابنِ أُبَي.
فائدة:
وعن سعيد بن المسيّب عند الدارمي في «مسنده»: أنَّ يزيدَ لما أحل حرم الله المدينة، وجعل يسفك فيها دماء المسلمين، ألقيت نفسي في المسجد النبوي، كأني مجنون، وما بي من جنون، ولكن أردت منه الاتقاء عن شر يزيد، فكنت أسمع يومئذٍ صوت الأذان من الروضة المطهرة، وعد ذلك من مناقب سعيد؛ قلتُ: وقد مرّ معنا ما في القبور من الأحوال، فتذكره.
بَعْدَ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ آخِرُ الأَجَلَيْنِ. قُلْتُ أَنَا ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِى - يَعْنِى أَبَا سَلَمَةَ - فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْأَلُهَا فَقَالَتْ قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهْىَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ فَأَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبَهَا. طرفه ٥٣١٨ - تحفة ١٨٢٠٦، ١٧٧٨٥ أ - ١٩٤/ ٦
٤٩١٠ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ كُنْتُ فِى حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى لَيْلَى وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُعَظِّمُونَهُ، فَذَكَرَ آخِرَ الأَجَلَيْنِ فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ فَضَمَّزَ لِى بَعْضُ أَصْحَابِهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ فَفَطِنْتُ لَهُ فَقُلْتُ إِنِّى إِذًا لَجَرِىءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَهْوَ فِى نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ. فَاسْتَحْيَا وَقَالَ لَكِنَّ عَمَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ. فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ فَذَهَبَ يُحَدِّثُنِى حَدِيثَ سُبَيْعَةَ فَقُلْتُ هَلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا شَيْئًا فَقَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا الرُّخْصَةَ. لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. طرفه ٤٥٣٢ - تحفة ٩٥٤٤، ١٥٨٩٠ ل
قوله: (ليراجعها، ثُم يمسكها) وهذا صريحٌ في أن تطليقَ (١) ابنِ عمر امرأتَه في الحيض اعتُبر طَلاقًا، مع كونه بدعةً، فكيف يقول ابنُ تيميةَ ما يقول؟ وقد مَرّ، ثُم الرجوع عنه واجِبٌ، كما في «الهداية»، وهو ظاهر الحديث، وقيل: مستحبُّ، والأَوّل أرجح.
٤٩٠٨ - قوله: (حتى تَطْهُرَ، ثُم تحيض) ... إلخ. وللرواة فيه اختلافُ، وهو الوجهان للحنفية، فقيل: إنّه يُطلِّقها في الطُّهر الذي بعد الحَيْضة الأُولى، كما عند أبي داود، وقيل: بل ينبغي له أن يُمْهِلَها حتى تمضِي حيضتان، ثُم يُطَلِّقها في الطُّهر الذي
стр. 2659
بعدهما. وتَعرَّض صاحب «الهداية» إلى حِكْمة التراخي، وراجع «بداية المجتهد» لابن رشد (١).
٤٩٠٨ - قوله: (فتلك العِدَّةُ، كما أَمَره اللهُ) ... إلخ. إشارةٌ إلى قوله: ﴿فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ واستدل (٢) منه الشافعية على كونِ القروء بمعنى الأَطهار، فإِن التطليقَ في الطُّهر بالإِجماع، وقد جعله القرآنُ عِدّةً لهن، فدلّ على أنَّ العِدّة بالأطهار. وأجاب عنه الزَّمْخَشريُّ: أنَّ اللام فيه للاستقبال، فيكون التَّطْلِيقُ في الطُّهر، وعِدّتها بَعْدَه في الحَيْض، وتؤيدُه قراءة: «قبل عدتهن». والجواب عندي (٣): أنَّ العِدّة عِدَّتان: عِدّة الرجال، وهي للتطلِيق؛ وعدَّة النِّساء، وهي للتربُّص، كما في «المبسوط». والمذكور في الآية عِدّة الرِّجال - كما أشار إليه الطحاوي - دون عِدَّة النساء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالرِّجال أُمِرُوا أن ينظروا متى يُطلِّقُوها، وهو الأَطْهار، والنِّساء أُمرن: أن يتربَّصْن بأنفسهن ثلاثةَ حِيض، واللام فيه للظرفية، ولذا خاطب في «سورة الطَّلاق» الرجال، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وفي «سورة النساء» النِّساء، فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ... إلخ. وبالجملة قَسَم العِدَّة بين الرِّجال والنِّساء في السورتين، وبيّن لهما ما كان عليهما مِن إحصاء عِدّتهما.
٤٩٠٩ - قوله: (فقال ابنُ عباس: آخِرُ الأَجَلَيْن) ... إلخ. والسَّلَف مُخْتلفون بين آيةِ عِدّة الحاملة، وآية عِدّة المُتوفَّى عنها زَوْجُها: فمنهم مَنْ ذهب إلى أنَّ بينهما عُمومًا وخصوصًا مِن وَجْه؛ والجمهور إلى أنَّ وَضْع الحَمْل هو العِدَّة، سواء كان قريبًا أم بعيدًا، وهو مذهبُ ابن مسعود.
стр. 2660
قوله: (أنا مع ابنِ أَخي) وهذه محاورةٌ.
٤٩١٠ - قوله: (فَذَكَر آخِر) أي جَرَت تلك المسألةُ.
قوله: (فَضَمَّزَ لي) وهو إخراجُ الصوتِ، بضم الشَّفَتين، كشِبه الضُّراط. قلتُ: فظهر منه أنَّ الجُزْء الواحِد، قد يَدْخُل تحت أَصْلَين، فتختلف فيه الأنظار، أنه بأَيِّ الأَصْلين أقرب؟ وهذه هي مقاسمةُ الأُصول، وهي من وظيفةِ المجتهد.
قوله: (فَلَقِيتُ أبا عَطِيَّةَ مالك بنَ عامر) وعند ابن أبي شَيْبة في «مُصَنَّفه»: أنَّ أصحاب ابنِ مسعود لم يكونوا يَرَوْن الفاتحةَ خَلْف الإِمام. وفي إسناده مالك بنُ عمارة، وهو رَجُلٌ مجهولٌ لا يُعْرف. قلتُ: نُسخةُ المصنِّف سقيمةٌ جدًا، يمكن أن يكون هو مالك بن عامر، فتحرّف إلى عمارة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٦ - سُورَةُ التحريم
١ - باب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]
٤٩١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنِ ابْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ فِى الْحَرَامِ يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. طرفه ٥٢٦٦ - تحفة ٥٦٤٨
٤٩١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَنْ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ «لَا وَلَكِنِّى كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِى بِذَلِكِ أَحَدًا». أطرافه ٥٢١٦، ٥٢٦٧، ٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦١٤، ٥٦٨٢، ٦٦٩١، ٦٩٧٢ تحفة ١٦٣ ٢٢
٢ - باب ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾
٤٩١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ
٤٩١٤ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِى حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. أطرافه ٨٩، ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣ تحفة ١٠٥١٢
واختُلف في شأن نزولها: فعند النَّسائي أنها نزلت على تحريم ماريةَ؛ وعند البخاري على تحريم العَسَل. ورَجَّح الحافظ ههنا النَّسائي على البخاري، وذهب جماعةُ إلى أنَّ القصص فيه متقاربةٌ، ونزلت السورةُ بعدها. ثُم إنَّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا، فإِنَّ الله سبحانه سَمّى تحريم الحلال يمينًا، فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فسماه يمينًا. وأجاب عنه النوويُّ: أنَّ النبي ﷺ كان حَلَف في القِصّة بصيغةِ اليمين أيضًا، فاليمين هو ذلك.
قلتُ: هَب، ولكنا لا نَهْدِرُ ألفاظَ القرآن، فإِنه لم يعدل عن جعل التحريم يمينًا، فاعتبرناه، فإِن كانت القصة في أيديهم، فمنطوقُ القرآنِ بأيدينا، وكفانا به قدوةً وإمامًا؛ وبالجملة دَارَ النظر فيه بين أن يُؤخذ بعنوان القرآنِ، أم بما في الواقع، والنظران هما الرأيان.
٤٩١١ - قوله: (في الحَرَامِ: يُكْفَرُ) ذهب (١) مالك والشافعي إلى أنَّ مَنْ حَرُمت عليه زوجتُه فله أحكام، أما مَنْ حرم عليه غيرُها فليس له حُكْم، فإِنّ الحلال لا يصيرُ حرامًا بتحريم أَحَد، وعندنا هو يمين. وعن أحمد روايتان. وذهب ابنُ القيِّم إلى أن ذلك الشيء يحرم عليه تحريمًا وقتيًا حتى يُكَفِّر، وعندنا يَحْنَث بأكله، بدون أن يَحْرُم عليه.
٤٩١٢ - قوله: (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) قال الزَّمخشريّ: وهمزة الاستفهام قد تُحْذف ومعناها يُفْهم من نغمة الصوت. وهو حَسَنٌ جدًا، وإنْ لم يتعرّض إليه النُّحاة.
٤٩١٣ - قوله: (حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَه غضبانَ)، لا بدّ فيه من التقسيم، فإِنَّ بعض أنحاء الغضب يكون كُفْرًا، وبعضَها لا.
قوله: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾) "مدد كار".
قوله: (﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾)، أي أبو بكر، وعمر، ولا أدري ما الداعيةُ لهذا الإِعظام (٢).
يَسْجُدُ فِى الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا». أطرافه ٢٢، ٤٥٨١، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩ - تحفة ٤١٧٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٩ - سُورَةُ الحَاقَّةِ
﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [٢١] يُرِيدُ: فِيهَا الرِّضَا. ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [٢٧] المَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا. ﴿مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [٤٧] أَحَدٌ يَكُونُ لِلجَمْعِ وَلِلوَاحِدِ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَتِينَ﴾ [٤٦] نِيَاطُ القَلبِ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَغى﴾ [١١] كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ [٥] بِطُغْيَانِهِمْ، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخُزَّانِ كَمَا طَغى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ.
قوله: (أَحَدٌ يكون للجَمْع) قلتُ: الأَحَد مُفْرد، لكنه في سياقِ النَّفي يفيدُ الاستغراق.
قوله: (﴿الْوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْب) أي هي عِرْق يتعلق القلبُ بها. واعلم أن لعين القَاديان قد تمسّك بها على صِدْقه، بأنه لو كان كاذِبًا لقطع منه الوَتِين أيضًا.
قلتُ: أين هذا اللعين مِن الآية. فإِنّ فيهما قطع الوتين، لمن تقوّل على الله من الأنبياء الصادقين، وأما الكاذبون فهم خارجون عن الخطاب، فإِنّ العقوبة إنما تَحُل بمن كان صاحب سِرِّك، وعَيْبتك، وكَرشك، ولا تمهله أنت حتى يكذِّب عليك أَلْف كذبة، بخلاف مَنْ كان عَدوًا لك، فإِنّك تستدرِجُه على حين غَفْلة، فتأخذه أَخْذَة الأسف.
فالأنبياءُ ﵈ لو كَذبوا على الله والعياذ بالله، لهلكوا معًا، وذلك لأنَّ الله تعالى إذا صَدّقهم بإِظهار المعجزات على أيديهم، فلو تَرَكهم يكذبون عليه، لكان فيه تلبيسٌ على النَّاس بين الحقّ والباطل، فالناس في أمن منهم، يعلمون أنَّ ما يقولونه يكون حَقًّا ومصدّقًا من الله، وحينئذٍ لو افترى على الله، ثُم لا ينتقم اللهُ منه، فما الإِثمُ عليهم لو أطاعوه في مفترياتِهم. فظهر أنَّ الخِطاب في الآية مع الرُّسل والأنبياء ﵈، دون الكاذبين والدجاجلة، فإِنّ الربّ متى صَدّقهم، وإنّما اللّوم والشَّين على مَنْ صَدّقوه بدون سابقيةِ أَمْره في كتابٍ ولا سُنّة، ولا تصديقَ رَبِّهم من فوق العَرْش، فأي لَبْس، لو تركه يتقوّل على الله حتى يكونَ إجحافُه مرّةً واحدة. فهذا المعيارُ للصادقين دون الكاذبين، على أنَّ في الآية إخبارًا بإِرادة جزئية في حقّ النبيِّ ﷺ لا استدلالًا على صِدْقه بِسُنّة كُلّية في الأنبياء، يعني أنَّ هذا النبيَّ الذي تحسبونه كاذبًا، لو تقوّل علينا،