٤٩١٤ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِى حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. أطرافه ٨٩، ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣ تحفة ١٠٥١٢
واختُلف في شأن نزولها: فعند النَّسائي أنها نزلت على تحريم ماريةَ؛ وعند البخاري على تحريم العَسَل. ورَجَّح الحافظ ههنا النَّسائي على البخاري، وذهب جماعةُ إلى أنَّ القصص فيه متقاربةٌ، ونزلت السورةُ بعدها. ثُم إنَّ تحريم الحلال يمينٌ عندنا، فإِنَّ الله سبحانه سَمّى تحريم الحلال يمينًا، فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فسماه يمينًا. وأجاب عنه النوويُّ: أنَّ النبي ﷺ كان حَلَف في القِصّة بصيغةِ اليمين أيضًا، فاليمين هو ذلك.
قلتُ: هَب، ولكنا لا نَهْدِرُ ألفاظَ القرآن، فإِنه لم يعدل عن جعل التحريم يمينًا، فاعتبرناه، فإِن كانت القصة في أيديهم، فمنطوقُ القرآنِ بأيدينا، وكفانا به قدوةً وإمامًا؛ وبالجملة دَارَ النظر فيه بين أن يُؤخذ بعنوان القرآنِ، أم بما في الواقع، والنظران هما الرأيان.
٤٩١١ - قوله: (في الحَرَامِ: يُكْفَرُ) ذهب (١) مالك والشافعي إلى أنَّ مَنْ حَرُمت عليه زوجتُه فله أحكام، أما مَنْ حرم عليه غيرُها فليس له حُكْم، فإِنّ الحلال لا يصيرُ حرامًا بتحريم أَحَد، وعندنا هو يمين. وعن أحمد روايتان. وذهب ابنُ القيِّم إلى أن ذلك الشيء يحرم عليه تحريمًا وقتيًا حتى يُكَفِّر، وعندنا يَحْنَث بأكله، بدون أن يَحْرُم عليه.
٤٩١٢ - قوله: (أَكَلْتَ مَغَافِيرَ) قال الزَّمخشريّ: وهمزة الاستفهام قد تُحْذف ومعناها يُفْهم من نغمة الصوت. وهو حَسَنٌ جدًا، وإنْ لم يتعرّض إليه النُّحاة.
٤٩١٣ - قوله: (حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَه غضبانَ)، لا بدّ فيه من التقسيم، فإِنَّ بعض أنحاء الغضب يكون كُفْرًا، وبعضَها لا.
قوله: (﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾) "مدد كار".
قوله: (﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾)، أي أبو بكر، وعمر، ولا أدري ما الداعيةُ لهذا الإِعظام (٢).
يَسْجُدُ فِى الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا». أطرافه ٢٢، ٤٥٨١، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩ - تحفة ٤١٧٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٩ - سُورَةُ الحَاقَّةِ
﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [٢١] يُرِيدُ: فِيهَا الرِّضَا. ﴿الْقَاضِيَةَ﴾ [٢٧] المَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا. ﴿مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [٤٧] أَحَدٌ يَكُونُ لِلجَمْعِ وَلِلوَاحِدِ.
وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَتِينَ﴾ [٤٦] نِيَاطُ القَلبِ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَغى﴾ [١١] كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ [٥] بِطُغْيَانِهِمْ، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخُزَّانِ كَمَا طَغى المَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ.
قوله: (أَحَدٌ يكون للجَمْع) قلتُ: الأَحَد مُفْرد، لكنه في سياقِ النَّفي يفيدُ الاستغراق.
قوله: (﴿الْوَتِينَ﴾ نِياطُ القَلْب) أي هي عِرْق يتعلق القلبُ بها. واعلم أن لعين القَاديان قد تمسّك بها على صِدْقه، بأنه لو كان كاذِبًا لقطع منه الوَتِين أيضًا.
قلتُ: أين هذا اللعين مِن الآية. فإِنّ فيهما قطع الوتين، لمن تقوّل على الله من الأنبياء الصادقين، وأما الكاذبون فهم خارجون عن الخطاب، فإِنّ العقوبة إنما تَحُل بمن كان صاحب سِرِّك، وعَيْبتك، وكَرشك، ولا تمهله أنت حتى يكذِّب عليك أَلْف كذبة، بخلاف مَنْ كان عَدوًا لك، فإِنّك تستدرِجُه على حين غَفْلة، فتأخذه أَخْذَة الأسف.
فالأنبياءُ ﵈ لو كَذبوا على الله والعياذ بالله، لهلكوا معًا، وذلك لأنَّ الله تعالى إذا صَدّقهم بإِظهار المعجزات على أيديهم، فلو تَرَكهم يكذبون عليه، لكان فيه تلبيسٌ على النَّاس بين الحقّ والباطل، فالناس في أمن منهم، يعلمون أنَّ ما يقولونه يكون حَقًّا ومصدّقًا من الله، وحينئذٍ لو افترى على الله، ثُم لا ينتقم اللهُ منه، فما الإِثمُ عليهم لو أطاعوه في مفترياتِهم. فظهر أنَّ الخِطاب في الآية مع الرُّسل والأنبياء ﵈، دون الكاذبين والدجاجلة، فإِنّ الربّ متى صَدّقهم، وإنّما اللّوم والشَّين على مَنْ صَدّقوه بدون سابقيةِ أَمْره في كتابٍ ولا سُنّة، ولا تصديقَ رَبِّهم من فوق العَرْش، فأي لَبْس، لو تركه يتقوّل على الله حتى يكونَ إجحافُه مرّةً واحدة. فهذا المعيارُ للصادقين دون الكاذبين، على أنَّ في الآية إخبارًا بإِرادة جزئية في حقّ النبيِّ ﷺ لا استدلالًا على صِدْقه بِسُنّة كُلّية في الأنبياء، يعني أنَّ هذا النبيَّ الذي تحسبونه كاذبًا، لو تقوّل علينا،
стр. 2666
لفعلنا في حَقِّه ما فعلنا، فتلك أخبارٌ بإِرادته تعالى فيه، وليس فيها استدلالٌ بحياته، وبقائه سالمًا على صِدْقه. وكم مِن فَرْق بين الأخبار عن إرادة جزئية، وبين الاستدلال بِسُنّة كلية ألا ترى أنَّ الضمير فيها للنبيِّ ﷺ فما خاطبه اللهُ به نفسه الكريمة، لا يجب أن يتحقّق في غيره (١).
стр. 2667
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٠ - سُورَةُ سَأَلَ سَائِلٌ
الفَصِيلَةُ: أَصْغَرُ آبَائِهِ القُرْبى، إِلَيهِ يَنْتَمِي مَنِ انْتَمى. ﴿لِلشَّوَى﴾ [١٦] اليَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالأَطْرَافُ، وَجِلدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ لَهَا شَوَاةٌ، وَما كانَ غَيرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوىً. وَالعِزُونَ: الجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ.
قوله: (والفَصِيلة: أَصْغَرُ آبائه القُرْبَى) ... إلخ. ويقال لأكبرهم: الشَّعْب.
قوله: (وما كان غيرَ مَقْتلٍ، فهو شَوىً) أي ما كان من أطراف الإِنسان ما لو أصابتها ضَرْبةٌ لم يمت فهي شَوىً.
١ - باب ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]
٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِى كَانَتْ فِى قَوْمِ نُوحٍ فِى الْعَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِى غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِى الْكَلَاعِ. أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِى كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. تحفة ٥٩٢٣
حاصِلُه أن تلك الأوثانَ التي كانت في قومِ نوحٍ ﵇ وصلت بعينها إلى العَرَب.
قلتُ: ولا بُعْد فيه، لأنَّ نوحًا ﵊ كان في العراقِ، وهي كانت تحت مَمْلكةِ العرب، ويقال لها: عِراق العَرَب، فلا عجب منه. ويؤيدُه أن عَمْرو بن لحي الذي هو أعلأّل مَن سَنَّ عبادةَ الأوثان في العرب، كان جاء بِوَثَن من العراق، وكان اسْمُه هُبَل؛ والظاهر أنَّ العرب هم الذين كانوا نَحَتُوا هذه الأصنامَ، لا أنها انتقلت من العراق إليهم، غير أنهم نحتوها للمقاصِد التي قصدها أهلُ العراب، وذلك لأَنّا نَجِد في أهل الهند أيضًا أصنامًا على تلك الأسامي بعينها، وراجع لها «ترجمة القرآن» للمَوْلَوي، فيروز الذين الدسكوي، فإنّه قد ذكر فيها أسماءها بالهندية، ثُم إنَّهم كانوا أعدوها للحوائج الخاصة؛ فالوَدّ: من المودة، وكانوا نحتوها لِجَلْب الخير بينهم؛ والسُّواع: من الساعة، وهي التي فَوّضوا إليها الموت؛ ويَغُوث: وهي ما كان تَغِيث الناس في شدائدهم؛ ويَعُوق: وهي ما كانت تمنعُ وتعوقُ عنهم المصائبَ؛ والنَّسْر: كانت على شَكْل النَّسْر.
стр. 2668
وإذ قد عَلِمت أنَّ تلك الأصنام كانت عند العرب أيضًا، فلا حاجةَ إلى جواب ما أُورِد أن تلك الأصنام كيف يمكن أن تكون ما كانت عند قَوْم نوحٍ ﵊، مع مُضِي الأَعْصَار، وطُول العهود. على أنه لا بُعْد فيه، فإِنَّ نُوحًا ﵇ كان في بلاد المَوْصِل، وإبراهيم ﵊ كان في بَابِل، وليست بينهما مسافةٌ كثيرةٌ، وكذا طُول العهد لا ينافي ذلك، مع أنك قد علمت أنها أسماءٌ وصفيةٌ لا أَعلام. فما كانت عند العرب أيضًا تُسمّى بتلك الأسماء للاتحاد في المقاصِد، فلا يلزم أن تكون تلك بعينِها ما عند قومِ نُوح ﵊، ومما ذكرنا لك من مقاصدها ومعانيها ظهر لك أن ما ذكره الراوي في أَمْر هؤلاء بعيدٌ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧١ - سُورَةُ: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ﴾
﴿أَطْوَارًا﴾ [١٤] طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا، يُقَالُ: عَدَا طَوْرَهُ أَي قَدْرَهُ. وَالكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الكُبَارِ، وَكَذلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ لأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً، وَكُبارٌ الكَبِيرُ، وَكُبَارًا أَيضًا بِالتَّخْفِيفِ، وَالعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ، وَحُسَانٌ، مُخَفَّفٌ، وَجُمَالٌ، مُخَفَّفٌ. ﴿دَيَّارًا﴾ [٢٦] مِنْ دَوْرٍ، وَلكِنَّهُ فَيعَالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ، كَمَا قَرَأَ عُمَرُ: الحَيُّ القَيَّامُ، وَهيَ مِ تَبَارًا﴾ [٢٨] هَلَاكًا. وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَّدْرَارًا﴾ [١١] يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. ﴿وَقَارًا﴾ [١٣] عَظَمَةً.
قوله: (﴿دَيَّارًا﴾) يعني أَحَدًا "كوئى نرهى بستى والا".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٢ - سُورَةُ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَيَّ﴾
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لِبَدًا﴾ [١٩] أَعْوَانًا.
١ - باب
٤٩٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا
٥ - باب: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]
يُقَالُ: الرِّجْزُ وَالرِّجْسُ: العَذَابُ.
٤٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْىِ «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِى قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِى بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِى فَقُلْتُ زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى. فَزَمَّلُونِى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]» - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَالرِّجْزَ الأَوْثَانَ - «ثُمَّ حَمِىَ الْوَحْىُ وَتَتَابَعَ». أطرافه ٤، ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٥٤، ٦٢١٤ تحفة ٣١٥٢
واعلم أنه قد تكلَّمنا على المُزَّمِّل، وأنه لا تستقيم فيها البدليةُ بين قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ [المزمل: ٢] ... إلخ، وأنه ماذا فيه من الجواب عندنا، فراجعه.
قوله: (نافرة) "كهبرائى هوئى بها كنى والى".
٤٩٢٢ - قوله: (سألت جابِرَ بنَ عبد الله ﵄ عن ذلك) ... إلخ. واعلم أنَّ أَوَّل ما نزلت مِن السُّور هي المُدّثِّر عند جابر؛ والصوابُ أنها سورة «اقرأ». قلت: وقد رام الحافِظُ التطبيقَ بينهما، وليس بشيءٍ عندي، بل هو خلافُ الواقع، لأنَّ جابرًا قد جَزَم بِكَوْن المُدّثر أَوَّل نزولا، وحينئذٍ فالتوجِيهُ من جانِبه توجِيهٌ بما لا يرضى به قائِلُه، وذلك لأنَّ الرواة إنما يُعبِّرُون عَمّا في ذِهْنهم من المعنى، وربما لا يكون لهم خبرةٌ بما عند الآخَر، فلا يراعونه أصلًا، كيف وإنَّما الواجب عليهم ما بلغ عِنْدهم، فإِذا لم يُبلِّغهم إلاّ ما بلغوا لم يجِب عليهم مراعاتِه أَصْلًا، غير أنَّ اللاّحق إذا وجد المادّةَ المتناقضةَ في الطرفين، يجب عليه أن يتحرَّى الصوابَ، ويتتبّع التوجيهاتِ، فتلك تكون مِن جهته، ولذا تراها ربما تختلف على الألفاظ، ولا تأتي عليها، وهذا النحو ليس إلَّا لعدم مراعاتِهم إياها، فمن زَعَم يؤوِّل قولَهم بما يُشْعر أنهم عَلِموا حال الألفاظ جُمْلةً، فقد بَعُد عن الصواب؛ فليس عند جابر إلَّا أنَّ المُدّثر أول نزولًا، وذلك هو المحقَّق عنده، ولا نبحث عن وُجوهه وأسبابه، فلتكن ما كانت. وإذن فالتطبيق بين قوله، وبين مَنْ روى أَوّلية سورة اقرأ حَمْلٌ عليه ما لا يتحمّله هو، فَمَن أراد من الشارحين أن يوجِد التطبيقَ من قِبل جابر فقد أبعد، نعم إنْ أراده لنفسه ومن قِبَله، فهذا أَمْرٌ لا حَجْر فيه ولا ضيق.
٤٩٢٥ - قوله: (قَبْل أن تُفْترض) أي قبل أن تفترض الخَمْس، وإلَّا فالصلاتانِ عندي كانتا فَرِيضَتَين منذ بدء الإِسلام، كما حَرّرنا من قبل، وقد تكلَّمنا على ألفاظ هذه السور في أول الكتاب.
شَىءٍ. طرفاه ٥٣٠١، ٦٥٠٣ - تحفة ٤٧٤٠
قوله: (وقال ابنُ عَبّاس: ﴿الْحَافِرَةِ﴾) "جووابس كردى اوّل أمر كيطرف".
٤٩٣٦ - قوله: (بعثتُ أنا، والساعة كهاتَين) واعلم أنه رُوي عن ابن عباس أن عُمُرَ الدنيا سبعة آلاف (١) سَنة، وهو موقوفٌ، والمرفوعُ عنه معلولٌ، وقد مضت منها ستةُ آلاف مِن زمن آدمَ ﵊ إلى زَمَن نَبِيِّنا ﷺ ثُم قد مضت ألفُ سنةٍ وشيءٌ بعده ﷺ فينبغي أن تقوم القيامةُ بهذا الحساب، لأنه لا يبقى من عُمُرها إلَّا ألف.
قلتُ: إنَّ الأَلْف الذي هو مُدَّتنا من ذلك الحساب: هو ما يبقى فيه الإِسلامُ عزيزًا، ويعيش فيه أهلُه رغيدًا، لا أنه ليس لنا إلَّا ذلك. وثبت من التاريخ أنه لم يزل أَمْرُ أهل الإِسلام بعد الألف إلا في ذُلّ وتشتت. ويؤيدُه ما عند أبي داود: أن أمته ﷺ لا تعجز عن نصف يوم ... إلخ. وفيه زيادة: فإِن قام لهم أَمْرُهم بعده يَتِم يومًا، إلا أنَّ الحافظ حَكَم عليه بالوَضْع، ورأيت في «جامع الثَّوري»، أو «ابن عيينة» أنَّ المشهور في السَّلف مجموع عُمر الدنيا كان خمسين ألفَ سنةٍ، وإليهِ «يومىءُ القرآنُ في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، وذلك لأنَّ الدنيا تُعاد في المَحْشر عندي من أَوّلها إلى آخِرها، وهذا عندي مجموع عُمرها، مع ما مر منه قبل آدم ﵊ أيضًا. والذي في أَثر ابنِ عباس هو لِما بعد آدمَ ﵊ فقط، وقد ذكر ابنُ جرير لذلك حِسابًا، وثبت اليوم أنه خطأٌ كلُّه.
قوله: (والصُّحُفَ مُطَهَّرَةً) يعني أن النعتَ فيه بحال متعلقةٍ، لأنَّ الصحف مطهرة بنفسها، فلا معنى لوقوع التطهيرِ عليها، وإنما هو باعتبارِ متعلّق الصّحف، أي الملائكة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨٠ - سُورَةُ ﴿عَبَسَ﴾
﴿عَبَسَ﴾ [عبس: ١] كَلَحَ وَأَعْرَضَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ [١٤]، لَا يَمَسُّهَا إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥] جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً، لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أَيْضًا.
﴿سَفَرَةٍ﴾ الْمَلَائِكَةُ، وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ، سَفَرْتُ أَصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، وَجُعِلَتِ الْمَلَائِكَةُ إِذَا نَزَلَتْ بِوَحْىِ اللَّهِ وَتَأْدِيَتِهِ - كَالسَّفِيرِ الَّذِى يُصْلِحُ بَيْنَ الْقَوْمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿تَصَدَّى﴾
أَرَى صاحِبَك إلَّا أبطأَك». وقد مر معنا أنهما امرأتانِ: الأولى كافرةٌ، وهي امرأةُ أبي لهب، كما يدلُّ عليه تعبيرُها السُّوء: والثانية: أمّ المؤمنين، كما يدلّ عليه تصديرُها بقولها: «يا رسولَ الله»، فهذا الخطابُ يليقُ بشأنها، فتنبه، فإِنَّ سياقَها عند البخاري من قيام الليل مُوهم بخلاف المراد، وقد نَبَّهناك ههنا أيضًا.
٢ - باب قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ٣]
تُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ: ما تَرَكَكَ رَبُّكَ، وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ما تَرَكَكَ وَما أَبْغَضَكَ.
٤٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِىَّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَاّ أَبْطَأَكَ. فَنَزَلَتْ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. أطرافه ١١٢٤، ١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٨٣ - تحفة ٣٢٤٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٤ - سُورَةُ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وِزْرَكَ﴾ [٢] في الجَاهِلِيَّةِ. ﴿أَنْقَضَ﴾ [٣] أَثْقَلَ. ﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [٥ - ٦]: قالَ ابْنُ عُيَينَةَ: أي مَعَ ذلِكَ العُسْرِ يُسْرًا آخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]، وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ.
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَانصَبْ﴾ [٧] في حاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ. وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [١] شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإِسْلَامِ.
قوله: (لن يغلبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن) كنا نرى أنَّ الموعود يسران في الدنيا، فظهر من الحديث أنَّ المرادَ منه يُسْرٌ في الدنيا، ويُسْرٌ في الآخِرة.
٩٥ - سُورَةُ ﴿وَالتِّينِ﴾
وَقالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التِّينُ وَالزَّيتُونُ الَّذِي يَأْكُلُ النَّاسُ. يُقَالُ: ﴿فَمَا يُكَذّبُكَ﴾ [٧] فَمَا الَّذِي يُكَذِّبُكَ بِأَنَّ النَّاسَ يُدَانُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؟ كَأَنَّهُ قالَ: وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَكْذِيبِكَ بِالثَّوَابِ وَالعِقَابِ؟.
قوله: (والتين والزيتون) إشارةٌ إلى نبوةِ عيسى ﵇ لكثرة هاتين الثَّمَرَتين في مَبْعَثِه. وقد مرّ عليه الشاه عبد العزيز في «فتح العزيز»، ونقل روايةً عن صفيةَ: أنها ذهبت
стр. 2686
إلى بيتِ المقدس بعد وفاةِ النبيِّ ﷺ فصعدت على جبل هناك، وقالت: بُعِثَ عيسى ﵊ من ههنا.
قلتُ: وفيه دليلٌ على عظمةِ عِلْمها، ولعلها تَعلَّمته من النبيِّ ﷺ فإِن قلت: إنَّها كانت من يهود، فلعلها تَعَلّمت ما تعلمت من تلقائهم. قلتُ: كيف وأن اليهود كانوا أعداءً لعيسى ﵊، فما كانوا ليفتشوا عن إخباره ﵊، ويحققوها من الناس، فالظاهر أَنَّها تعلّمت من جهة النبي ﷺ وفيه إشارةٌ إلى ثلاثِ نبوات. أما نبوةُ عيسى ﵊ فقد عَلِمتها، ونبوة موسى ﵊، فأشار إليه بقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾؛ ونبوة خاتم الأنبياء ﵈، فأشار إليها بالبلدِ الأمينِ، الذي هو مَكّة.
أما الجواب (١) عن معنى القَسَم بهذه الأشياء، فقد مَرّ معنا غيرَ مَرّةٍ: أنَّ النحاةَ لو لم يُسمّوا الواو في مثل هذه المواضع بواو القسم لاسترحنا عن هذه الإِشكالات، فإِنَّ الواو فيها ليست إلَّا للاستشهاد، وإفادة التأكيد، والسرّ فيه أن الخلائِقَ لما كانت حقيرةً ذليلةً بين يَدَي رَبِّها، دلّ حَلِفهم باسمه المبارك على عظمته تعالى، بخلاف عَكْسه، فلا يدلُّ حَلِفه تعالى بشيء على عظمةِ ذلك الشيء، بل يكون للمعنى المفاد من الحَلِف، وهو التأكيد، وحينئذٍ لو ترجموه: "تين كى شهادت اورزيتون كى شهادت ... " إلخ، ولم يترجموه بترجمة اليمين، لما ورد شيءٌ. وكان الأَوْلى للنُّحاة أن يُسمُّوها بتسميةٍ أخرى، ولم يُسمّوها بواو القسم.
١ - باب
٤٩٥٢ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَدِىٌّ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ فِى سَفَرٍ فَقَرَأَ فِى الْعِشَاءِ فِى إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. ﴿تَقْوِيمٍ﴾ [٤] الْخَلْقِ. أطرافه ٧٦٧، ٧٦٩، ٧٥٤٦ - تحفة ١٧٩١ - ٢١٤/ ٦
٤٩٥٢ - قوله: (فقرأ في العشاءِ في إحْدَى الرَّكْعتين بالتِّين والزَّيْتُون) أي قرأ «بالتين» في الركعة الأُولى. و «بإِنا أنزلناه» في الثانية (٢).
الموصول إلى ما قسموا إليه اللام من الجنس، وغيره. واعلم أنَّ حقيقةَ الغَيْب لا يعلَمُها إلَّا الله سبحانه، أو مَنْ أراد أن يظهره عليه، فإذا كانت تلك الحقيقةُ بجنسها مختصةً بحضرته تعالى، فإِذن تَحَقُّقُ فَرْدٍ، منها في غيره تعالى لا يكون إلَّا خَرْقًا للعادة، والكلام في مثله يجري على الإِبهام والإِجمال، وتفصيله: أنَّ التعرّض إلى الكُلّ، أو البعض إنما يُناسِب في مَحلِّ يختلف فيه الحُكْم بين الكلّ والبعض، أما إذا لم يختلف الحكم بينهما، فالتعرّض إلى كلِّه أو بَعْضِه لَغْوٌ، بل ينبغي أن يَرِد فيه الحُكْم على نَفْس الجِنْس، كالغَيْب مَثَلًا، فإِنَّ بَعْضَه أيضًا خارِقٌ للعادة مِثْلُ كلّه، فالتعرض فيه إلى بيان بَعْضِه أو كُلِّه لَغْوٌ.
إذا علمت هذا، فاعلم أنَّ الله سبحانه منّ على نبيه ﷺ بأَلْف أَلْف غُيوب، لا يدري قَدْرَها إلَّا هو، إلا أَنَّ بَعْضَه لما كان خَارِقًا نحو كلّه، لم يتعرّض إلى كُلِّه، أو بَعْضِه، وذكره بالموصول المفيد لمعنى الجنس. ومَنْ لا يدريه من الأغبياء يجعل الجِنْس مُستغرقًا، ويَزْعمُ أنه لم يبق من الغيب شيءٌ إلا قد أعطاه إياه، وتلك غباوةٌ رَكبها مِن عند نفسه، فليركبها: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ (١).
قوله: (﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾) والقلم والقراءة ههنا على نَحْو ما يُعْطى الغلامُ من أدوات الكتابة، ويَحْضُر في المدرسة بين يدي أستاذه، وقد أشبعنا الكلامَ في أجزاء الحديث في أَوّل الكتاب.
٥ - باب قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ١٥ - ١٦]
٤٩٥٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِىِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «لَوْ فَعَلَهُ لأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ». تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ. تحفة ٦١٤٨
стр. 2690
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٧ - سُورَةُ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ
يُقَالُ: المَطْلَعُ: هُوَ الطُّلُوعُ، وَالمَطْلِعُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَعُ مِنْهُ. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ [١] الهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ القُرْآنِ. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ مَخْرَجَ الجَمِيعِ، وَالمُنْزِلُ هُوَ اللهُ، وَالعَرَبُ تُؤَكِّدُ فِعْلَ الوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفظِ الجَمِيعِ، لِيَكُونَ أَثْبَتَ وَأَوْكَدَ.
قوله: (الهاءِ كِنايةٌ عن القُرْآن) أراد به الضميرَ في قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾.
قوله: (والعرب تؤكد فِعْل الواحِدِ، فتجعلُه بِلفْظ الجميع، ليكون أثبت، وأَوْكد) قلتُ: وليس هذا إلا في كتاب أبي عبيدة، ولم يذهب أحدٌ من النحاة إلى أن صيغة جمْع المتكلم للتأكد، والمفسرون عامّة سلكوا فيه مَسْلَك التأويل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٨ - سُورَةُ ﴿لَّمْ يَكُنْ﴾
﴿مُنفَكّينَ﴾ [١] زَائِلِينَ. ﴿قَيِّمَةٌ﴾ القَائِمَةُ. ﴿دِينُ القَيّمَةِ﴾ [٥] أَضَافَ الدِّينَ إِلى المُؤَنَّثِ.
١ - باب
٤٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأُبَىٍّ. «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]». قَالَ وَسَمَّانِى قَالَ «نَعَمْ». فَبَكَى. أطرافه ٣٨٠٩، ٤٩٦٠، ٤٩٦١ - تحفة ١٢٤٧ - ٢١٧/ ٦
٤٩٥٩ - قوله: (إن اللَّهَ أَمَرني أَنْ أقرأ عَلَيك) والسرُّ فيه أنَّ الله سبحانه لما قدر أن يجعله أقرأ من بينهم، أمره أن يقرأ عليه رسوله مَرّة أيضًا ليتصل السَّند من أبيّ إلى ربّ العالمين، فليلقبه بالأقرأ (١).
٢ - باب
٤٩٦٠ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأُبَىٍّ «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِى أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ». قَالَ أُبَىٌّ آللَّهُ سَمَّانِى لَكَ قَالَ «اللهُ سَمَّاكَ لِى». فَجَعَلَ أُبَىٌّ يَبْكِى. قَالَ قَتَادَةُ فَأُنْبِئْتُ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أطرافه ٣٨٠٩، ٤٩٥٩، ٤٩٦١ - تحفة ١٤٠٠
قوله: (يقال: لا يُنَوّن ﴿أَحَدًا﴾) إلخ، على حَدّ قول الشاعر:
لا ذَاكر الله إلَّا قليلًا
قوله: (﴿الصَّمَدُ﴾) ترجمته: "نرادهر بى نياز ومستقل - «أدهر» بيج مين لتكاهوا".
فائدة مهمة:
واعلم أنه قد تتحدث بعضُ النفوس أن لو كان القرآنُ على شاكلةِ البراهين المنطقية، مُطّردة منعكسة، ويزعمونه زينًا للقرآن، ولا يدرون أن ذلك شَيْن له، فإِنه طريقُ الفلسفة المجهولة المستحدَثة، والقرآن نزل بحوار عرب العرباء، وهم لا يتكلمون فيما بينهم، إلا بالخطابة، فلو كان القرآنُ نزل على أمانيّهم، لعجز عن فَهْمه أكثرُ الناس، ولانسَدّ عليهم بابُ الهداية. نعم تتضمن تلك الخطابةُ براهينَ قاهرة، على دَاويه، فلو أراد أَحَدُ أن يستنبطها منه لَفَعل، ولكن لا تكون تلك من مَدْلولاتِه، وإن كانت من مراميه، فلا تَصْلح تلك الأشياءُ أن تُسمَّى تفسيرًا للقرآن، كيف وأنه لم ينزل إلَّا بِلُغتهم ومحاورَتهم، وهم لا يعرفون ذلك، أما لو سَمّيتها فوائد وزوائد، فلا بأس به.
وبالجملة إنَّ مادة تلك الأشياء، وإنْ كانت في القرآن، لكنها لا تليقُ أن تُسمّى تفسيرًا، ولذا أقول: إنَّ ما اختاره التفتازاني في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ ... إلخ أنه خطابة، وليس بِبُرهان هو الصواب. ومَنْ أراد أن يَقْلبه في قوالب البراهين، فقد أَحسَن
стр. 2699
أيضًا، إلَّا أنا لا نسمِّيه تفسيرًا. وإنما يَذُوق ما قلنا مَنْ كان له يدٌ في فنون البلاغة، ومَنْ كان ارتاض بالفنون العقلية، فإِنه يشمئز منه، ويمل، فليفعل، فإِن الحق أحقُّ أن يُتّبع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١١٣ - سُورَةُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ (١)﴾
وَقالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْفَلَقِ﴾ الصُّبْحُ، و ﴿غَاسِقٍ﴾ اللَّيلُ. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ [٣] غُرُوبُ الشَّمْسِ؛ يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ في كُلِّ شَيءٍ وَأَظْلَمَ.
٤٩٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ وَعَبْدَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قِيلَ لِى فَقُلْتُ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . طرفه ٤٩٧٧ - تحفة ١٩
قوله: (فقال: قيل لي فقلت) واعلم أنه نُسِب إلى ابن مسعود أن المُعَوّذتين لم تكونا عنده من القرآن، وكان يقول: إنهما نزلتا للحوائج الوقتيةِ، كالتعوذ، فهما وظيفتانِ وقتيتان على شاكلةِ سائر الوظائف والأدعية، فلا يجوز إدخالُهما في القرآن، وكان يتمسك له مِن قوله: ﴿قُلْ﴾، فإِنه يدل على تعليمه إياه، على طريق سائر الأدعية. فأجاب عنه زِرّ بن حُبَيش، وهو تلميذ ابنِ مسعود. وحاصله أنَّ النبي ﷺ قال له جبرئيلُ ﵊: ﴿قُلْ﴾ فقال كما أَمَره، فنحن أيضًا نقول كما قال النبيُّ ﷺ على أن ﴿قُلْ﴾ في سورة الإِخلاص أيضًا.
وبالجملة كان الخلافُ بينهما كالخلافِ في الرَّمَل في الحج، زعمه بَعْضُهم سُنةً وقتية، والجمهور على أنه سُنّة مستمرة، فهكذا كان ابنُ مسعود يراهما وظيفةً وقتية، لا أنه كان يُنْكر كَونَهما مُنْزَلَتين من السماء. وبحث فيه الحافظُ، وآل إلى أنه لم يكن يُنْكر قرآنيتِه، ولكنه كان يُنْكر كتابته في المصحف. ومَرّ عليه (١) بحرُ العلوم في «شَرْح مُسَلَّم
стр. 2700
الثُّبوت»، تحت تعريف القرآن، وقال: إنَّ سلسلة القراءةِ التي تبلغ اليوم إلى ابن مسعود نجد فيها المعوّذتَين بالاتفاق؛ وحينئذ ينبغي أن يؤول في النقل المذكور (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١١٤ - سُورَةُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ (١)﴾
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ [٤] إِذَا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللهُ ثَبَثَ عَلَى قَلبِهِ.
٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ قَالَ سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ أُبَىٌّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِى قِيلَ لِى. فَقُلْتُ، قَالَ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . طرفه ٤٩٧٦ - تحفة ١٩
...