القرآنِ معمولًا به، وترك مذهب الشافعيِّ، فإنه وَقَّت بخمس رضعات مُشْبِعات في أوقاتٍ مُخْتلفة جائعات، ووقت أحمدُ بثلاثٍ قلنا: وإذا ثبت النَّسْخ في الجِنْس، فالظاهر النَّسْخُ رأسًا.
٥٠٩٩ - قوله: (الرَّضَاعةُ، تُحرِّم ما تحرِّمُ الوِلادَةُ) أحال حديثَ مُحرَّمات الرِّضاع على مُحرَّمات النَّسب، وقد بسطها الفقهاءُ، وضبطها صدرُ الشريعة في أربعة ألفاظ: الأُصول، والفروع، وجميع فروعِ أصلِ القريب، وصُلْبيات أَصْلِ البعيد، ونقحت محرمات الصِّهر في بيت:
*وزوجةُ الفَرْع والأصول ... وأم عرس وابنة المدخول
فأُصول الواطىء وفروعه تَحْرُم على الموطوءة، وكذا أصولها وفروعها تَعْرُم على الواطىء. ومرَّ أنَّ ابن الهُمام أورد على الضابطةِ المذكورةِ: امرأة الابن الرَّضَاعي، ومَرّ الجواب عنه أيضًا، فلا تفيدُه.
قوله: (هذا رجلٌ يستأذِنُ في بيتِك) ... إلخ. قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ قد كان أخبرها مَرَّةً عن المسألة في العمِّ بقوله: «إنهُ عَمّك فليلج عليك، تَرِبت يمينُك»، فماذا كانت تستفته. وفي «الموطأ» لمالك: أنها إذا أرادت أن يَأذَن رَجُلًا بالدخول عليها بعث به إلى بناتِ أُختها، دون بنات أخيها، وفيه مسألة لبن الفحل، وقد مر الكلام فيها. وأُجيب عن الأَوّل أنَّ للعم الرَّضاعي صورًا، فلعلها عَلِمت بَعْضَها دون بَعْض.
٥١٠٠ - قوله: (ابنةُ أخِي من الرَّضَاعة) وقد كان النبيُّ ﷺ وحمزةُ ارتضعا على ثُوَيبةَ جاريةِ أبي لهب.
٥١٠١ - قوله: (أو تُحِبين ذلك؟) استخبرها أَوَّلًا عَمَّا في صدرها، ثُم عَلَّمها المسألة. وهذا نظيرُ قوله: «أتحلفون» - في القسامة - فإِنّه لم يُوجِّه اليمين إليهم أَوّلًا، ولكنه كان على نَحْو الاستخبار عما عندهم، لينكروا عنه من فطرتهم، فينصرف اليمين إلى المُدّعى عليهم لا محالة، لأنه إذا لم تكن عندهم بينةٌ، وهم لا يَحْلِفون، سواء كان عليهم أو لا، فما السبيلُ إلَّا إلى صَرْف اليمين إلى المُدَّعى عليهم.
قوله: (غيرَ أنِّي سُقِيت في هذه بِعَتَاقَتِي ثُوَيبة) فيه دليلٌ أنَّ طاعاتِ الكفار تنفع شيئًا، ولو لم تدرأ العذابَ، كما مهدت فيما مر.
٢٢ - باب مَنْ قَالَ لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وَما يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ.
стр. 2742
٥١٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فَقَالَتْ إِنَّهُ أَخِى. فَقَالَ «انْظُرْنَ مَا إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ». طرفه ٢٦٤٧ - تحفة ١٧٦٥٨
وافق فيه الجمهور وخالف أبا حنيفة. وما أجاب بِه صاحب «الهداية» ههنا فهو رَكِيكٌ جدًا، فإِنه جعل أَثَر عائشة منقصًا للمُدّة، فراجعه، فإِنه ليس تخْصِيصًا، بل يُشْبه النَّسْخ، لأن القرآنَ ذكر فيه العددَ دون العُموم، ليقال: إِنَّ أَثَرها مُخَصِّص. وبحث فيه ابنُ الهُمام في «الفتح»، واختار مَذْهب الصَّاحِبين. وأجاب عنه الزَّمْخَشري أنَّ المرادَ مِن الحمل حَمْلُه على الأيدي، فصار ثلاثونَ شهرًا كلّها مُدَّة الرَّضاعة، وبعدها الفِصال، لأن الولد يُحْمل على الأيدي زَمَنَ الرَّضاعة.
وعندي أَصْل المُدةِ هي سنتانِ كما ظهرت في مسألة حِلّ أَخْذ الأُجرة للأم المُطَلّقة. فما خفي في مُدّة الرَّضاعة انكشف في مُدّة الأُجرة، وسِتّة أشهر من تتمّتها لتمرين الأَكْل. فإِنَّ النصّ لم يخاطِبه بالتمرين في السنتين، وبعدهما لا بد له مِن مُدّة يُمرّن فيها على أَكْل الطعام من النصِّ (١). فعلم أَنَّ السنتين ليستا مِن المدّة التي لا تجوز الزيادةُ عليها، ولو كان كذلك لأخذها الحديثُ، ولدارت عليها الأَحْكام، مع أَنَّا لم نجد لها في عامّة الأحاديث ذِكْرًا، بل أكثرها على شَاكِلةِ قوله: «إنما الرضاعة من المجاعة». فهذا أَقْربُ وأَوْضح القرائن على عَدَم كونها مَدارًا، ولك أن تقول: معناه حَمْلُه ما يكون في الخارج، وفِصَاله ثلاثونَ شهرًا، وإنما أبهم مُدّة الحَمْل لكونها غَيْرُ مُتعيِّنة في الخارج، وقد تكلَّمنا عليه فيما مَرَّ بِوَجْهٍ أبسط من هذا وأوضح، فراجعه.
٢٣ - باب لَبَنِ الْفَحْلِ (٢)
٥١٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِى الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا - وَهْوَ عَمُّهَا مِنَ
وَيُرْوَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا تَحْرُمُ حَتَّى يُلْزِقَ بِالأَرْضِ يَعْنِى يُجَامِعَ. وَجَوَّزَهُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِىُّ. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ قَالَ عَلِىٌّ لَا تَحْرُمُ. وَهَذَا مُرْسَلٌ. تحفة ٥٤٨٢، ٦٢٨٣، ٦٥٧٠، ١٩٣١٩، ١٨٨٧٧ - ١٤/ ٧
فضبط القرآنُ المُحرَّماتِ النَّسَبيةَ في سبعة ألفاظ.
قوله: (إلَّا ما ملكت أَيْمانُكم) لا يُرَى بأسًا أن ينزع الرَّجُل جارِيتَه من عَبْده، تَمسّك به أنس على مسألتين خلافَ الجمهورِ: فذهب إلى أنَّ المَوْلى يملك التفريقَ كما يملك التزويجَ عند الجمهور، فله ولايةُ الإِجبار عنده في الطَّرفين؛ وذهب إلى أنَّ الشِّراء مُبْطلٌ للنِّكاح، فإِنَّ الشِّراء مُوجِبٌ للمِلْك، والمملوكة حلالٌ بالنصِّ، قال تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ومِن لوازِم الحِلِّ بطلان النِّكاح لا محالة. وللجمهور خلافٌ في المسألتين، وتأويله الجمهور على أنَّ المرادَ منه ما ملكت أيمانُكم في الغَزْو على طَوْر السَّبي.
ثم الفقهاءُ اختلفوا في مَناطِ الفُرْقة، أنه تبايُن الدارينِ أو السَّبي؟.
قلتُ: والمتبادر من النصِّ أنه السَّبي، فعنوان النصِّ أَقْربُ إلى الشافعيةِ، وقد كُنت عَلَّقت عليه تَذْكرةً ذكرت فيها الوَجْه للحَنَفيةِ، ويظهَرُ منها التفصِّي عن استدلال أَنَس أيضًا (١).
٥١٠٥ - قوله: (عن ابنُ عباس: إذا زَنى بأُخْتِ امرأته) لما فَرَغ من المُحرّماتِ من جهةِ النَّسَب، والصِّهر، والجمع، وتعرّض إلى مسألةِ الزِّنا؛ فاعلم أنَّ حُرْمةَ المصاهرة تثبت عندنا بالزِّنا ودواعيه، ولم يذهب إليه ابن عباس. ورُوي عن محمد أنَّ مَنْ زنى بأختِ زوجته، فلا يطأ زوجته حتى تَحِيضَ حيضةً، توقيًا عن الجمع.
قوله: (ويُرْوى عن يَحْيى الكِنْدِيِّ عن الشَّعبي، وأبي جَعْفر: فيمن يَلْعَبُ بالصَّبيِّ، وأَدْخَله فيه، فلا يتزوَّجَنَّ أُمِّه) فهؤلاء قد سبقوا الحنفية حيث أثبتوا الحُرْمة مِن اللواطة أيضًا.
قوله: (وقال عِكْرمة:) ... إلخ. فلم يذهب هو أيضًا إلى إثباتِ الحُرْمة من الزنا، إلا أنَّ المصنِّف تكلَّم في إسنادِ بالانقطاع.
قوله: (يُرْوى عن عِمران بن حُصَين، وجابر بن زَيْد، والحسن، وبَعْض أَهْل العراق - وهم الحنفية تَحْرُم عليه).
قوله: (وقال أبو هريرة: لا تَحْرُمُ عليه حَتَّى يُلزِق بالأرض، يعني بجامع) وجوّلإه ابنُ المسيّب، وعُروة، والزُّهري، فلم يذهبوا إلى إثباتِ الحُرْمة؛ وبالجملةِ ثبت فيها
стр. 2745
الاختلافُ في السَّلَف، فأثبتها إمامُنا، وأنكرها الآخَرُون قلتُ: أما المرفوعُ فلا فَصْل فيه، بقي الآثار، فقد جمعها الشيخُ علاء الدين في «الجَوْهر النَّقي» (١).
٢٦ - باب ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالمَسِيسُ وَاللِّمَاسُ هُوَ الجِمَاعُ. وَمَنْ قالَ: بَنَاتُ وَلَدِهَا مِنْ بَنَاتِهِ في التَّحْرِيمِ، لِقَوْلِ النبي ﷺ لأُمِّ حَبِيبَةَ: «لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ». وَكَذلِكَ حلائل وَلَدِ اْلأَبْنَاءِ هنَّ حَلَائِلُ اْلأَبْنَاءِ. وَهَل تُسَمَّى الرَّبِيبَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ في حَجْرِهِ؟ وَدَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ يَكْفُلُهَا، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ ابْنَتِهِ ابْنًا.
٥١٠٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِى بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَ «فَأَفْعَلُ مَاذَا». قُلْتُ تَنْكِحُ. قَالَ «أَتُحِبِّينَ». قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِى فِيكَ أُخْتِى. قَالَ «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِى». قُلْتُ بَلَغَنِى أَنَّكَ تَخْطُبُ. قَالَ «ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِى مَا حَلَّتْ لِى، أَرْضَعَتْنِى وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ». وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِى سَلَمَةَ. أطرافه ٥١٠١، ٥١٠٧، ٥١٢٣، ٥٣٧٢ تحفة ١٥٨٧٥، ١٥٨٨٣ - ١٥/ ٧
قوله: (وهل تُسمَّى الرَّبِيبة، وإنْ لم تكن في حَجْرِه) أي إنَّ بنتَ زوجتِه ربيبةُ في كلِّ حال، سواء كانت في حَجْره، أو حَجْرِ غيره.
قوله: (وسَمَّى النبيُّ ﷺ ابنَ ابنتِهِ ابنًا) وهذا الذي أراده الفقهاءُ من قوله: وإنْ عَلَوا.
قوله: (لَوْ لَم تَكُن رَبِيبتي ما حَلَّت لي) أي لو لم تكن رَبِيبتي أيضًا، ما حلَّت لي أيضًا، فسقط البحثُ من قولنا أيضًا.
٢٧ - باب ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]
٥١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ
стр. 2746
عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِى سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ أُخْتِى بِنْتَ أَبِى سُفْيَانَ. قَالَ «وَتُحِبِّينَ». قُلْتُ نَعَمْ، لَسْتُ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِى فِى خَيْرٍ أُخْتِى. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِى». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ». فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِى حَجْرِى مَا حَلَّتْ لِى إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِى مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِى وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ». أطرافه ٥١٠١، ٥١٠٦، ٥١٢٣، ٥٣٧٢ - تحفة ١٥٨٨٣، ١٥٨٧٥
وهذه هي حُرْمة الجَمْع.
والضابطة (١) فيه عندنا أنه لا يجوزُ الجَمْع بين كلِّ امرأتين لو فُرِضت إحداهُما ذَكَرًا لم تحِلّ لها النِّكاح بالأُخْرى، ويُشْترطُ ذلك أن يتصوّر من الطرفين. وأورد عليه ابن القَيِّم في «أعلام الموقعين» قال: وهي زيادةٌ على الكتاب من خَبرِ الواحد. وهو ساقِطٌ عندي، لأنَّ هذا مَجْمعٌ عليه فلم يبقَ خبرًا واحدًا. وقد مرَّ أنَّ خَبر الواحِدُ عِند المُحدِّثين ما كان له سَنَدٌ دون المشهور، وعند الأصوليين هو ما لم يُتلقَ بالقَبول في عهد السَّلف، فإِن تُلقِي فهو مشهورٌ. فهم قَسَمُوا الخبرَ باعتبار التلقِّي وعدمِه، فبالتلقي يصيرُ الخبرُ عندهم مشهورًا، فتجوز به الزيادةُ على الكتاب، على أنه متواترٌ عَملًا وإن لم يكن متواترًا سندًا، لأنَّ السند عبارةٌ عمن عمن، وفي تواتر الطبقة يكون أَخْذ الطبقة عن الطبقة، وثالثًا أنه ليس من باب الزيادةِ، بل تنقيحٌ للمناط، لقوله: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ فافهم.
٢٨ - باب لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا
٥١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِىِّ سَمِعَ جَابِرًا رضى الله عنه قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا. وَقَالَ دَاوُدُ وَابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ. تحفة ٢٣٤٥، ١٣٥٣٩
стр. 2747
٥١٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا». طرفه ٥١١٠ - تحفة ١٣٨١٢
٥١١٠، ٥١١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا. فَنُرَى خَالَةَ أَبِيهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ؛ لأَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. أطرافه ٢٦٤٤، ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥٢٣٩، ٦١٥٦ تحفة ١٦٧٣٧
٢٩ - باب الشِّغَارِ (١)
٥١١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. طرفه ٦٩٦٠ - تحفة ٨٣٢٣
وهو في اللغةِ أن يَبُول الكَلْبُ بِرَفْع إحدى رجليه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجمع العلماء أنَّ نِكاح الشِّغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صِحّته: ومَذْهبُ الإِمام أبي حنيفةَ أنه يصح ويجِب مَهْرُ المِثْل، وذهب البعضُ إلى البطلان. وأصلُ الخلاف في مسألةٍ أُصولية، وهي أنَّ النهي عن الأفعال الشرعية يوجِب البطلان أو لا؟ فَمَن ذهب إلى أنه يوجب البُطلان اختار بطلان الشغار أيضًا، ومن لا فلا. ويقول الإِمام أبو حنيفة: إنَّ ما كان فيه من معنى الفساد فقد أصلحناه، وكافيناه بإِيجاب مَهْر المِثل، فلا وَجْه للفساد أصلًا، ولا نَجِد من حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم تعاملوا مع المَنْهي عنه معاملةَ الباطل دائمًا.
٣٠ - باب هَلْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لأَحَدٍ
٥١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ مِنَ اللَّائِى وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَمَا تَسْتَحِى الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلرَّجُلِ فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ يَا
стр. 2748
رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَاّ يُسَارِعُ فِى هَوَاكَ. رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبُ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. طرفه ٤٧٨٨ - تحفة ١٧٢ ٣٩، ١٧٣٤٢، ١٧١٨٦، ١٧٠٤٩ - ١٦/ ٧
٣١ - باب نِكَاحِ الْمُحْرِمِ
٥١١٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ أَنْبَأَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - تَزَوَّجَ النَّبِىُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ. أطرافه ١٨٣٧، ٤٢٥٨، ٤٢٥٩ - تحفة ٥ ٣٧٦
٣٢ - باب نَهْىِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ آخِرًا
٥١١٥ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِىَّ يَقُولُ أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ عَلِيًّا - رضى الله عنه - قَالَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ. أطرافه ٤٢١٦، ٥٥٢٣، ٦٩٦١ - تحفة ١٠٢٦٣
٥١١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ إِنَّمَا ذَلِكَ فِى الْحَالِ الشَّدِيدِ وَفِى النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ. تحفة ٦٥٣٢
٥١١٧ و ٥١١٨ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَا كُنَّا فِى جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا». حديث ٥١١٧ تحفة ٢٢٣٠ حديث ٥١١٨ تحفة ٤٥٣١
٥١١٩ - وَقَالَ ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ حَدَّثَنِى إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا». فَمَا أَدْرِى أَشَىْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَبَيَّنَهُ عَلِىٌّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ. تحفة ٤٥١٩
٥١١٥ - قوله: (نهى عن المُتْعة، وعن لحوم الحُمُر الأهلية زمنَ خَيْبر) وعَلّله المحدثون، فإِنه كان في فَتْح مكة دون خيبر، وفيه زيادةٌ عند مسلم، وهي ثلاثة أيام قود مرّ معنا أن هذه الزيادة عندي ليست لكونِ المتعة رُخِّصت لهم في تلك المدّة كما فهموه، بل لأن المهاجِرَ لم تكن له رُخْصةٌ في الإِقامة بمكّة إلاّ بهذا القَدْر. فتلك الزيادةُ ناظِرةٌ إلى هذا الحديث لا لما فهموه. وحينئذٍ يأتي الحديث على ما اخترت في المتعة، ويختار الرجلُ بعدها بين أن يُطلِّقها وبين أن يذهب بها إلى المدينةِ، فإِنها زوجته.
قلتُ: وليت شِعري مِن أين فَهِموا أن الحديث حُجّة لهم في المسألة الثانية أيضًا، فإِن أَقْصى ما يدلُّ عليه الحديثُ لغةً هو أنَّ رِضَى الوليِّ وشركته أَمْر ضروري، وأنَّ النِّكاح لا يكون إلَّا بشهودِهِ، سواء لحقته إجازةٌ سابقةٌ أو لاحقة، وسواء صَدَر النِّكاح من عبارةِ المولية أو وَلِيِّها. فالحديثُ إنْ كان حُجَّةً، ففي المسألة الأُولى، وأما المسألة الثانية فلا مِساس له بها. كيف وحديثُ عائشةَ: «أيما امرأة نُكِحت بغير إذْن وَلِيِّها، فنكاحُها باطِلٌ» ... إلخ، صريحٌ في أنَّ الضَّروري هو إذْنُ الوليّ لا عبارتُه، ثم لا نُنْكِره أيضًا، فإِنَّ الحنفية قد أَقَرُّوا به في بعض المواضع، فقالوا: لو نكحت في غيرِ كفء بغير إذْن الوليّ، بطل نِكاحُها في رواية الحسن بن زِياد عن أبي حنيفةَ، وإن كان ظاهر الرواية خلافه، ثُم للوليِّ ولايةُ الفَسْخ بالمرافعة إلى القاضي في ظاهر الرواية أيضًا.
وبالجملةِ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّ النِّكاح لا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلسان الرِّجال، ولا حرف، اللهم إلا أن يُقال: إنَّهم أخذوه نظرًا إلى العُرْف، فإِن انصرام أمورِ النِّساء لا يكون إلا بالأولياء في العُرْف، أو يقال: إنَّ حديث: «لا نِكاح إلاّ بوليّ»، لما كان مُصدّرًا بنفي النِّكاح، والنكاح عبارةٌ عن العقد، زعموا أنَّ معناه: عَقْد النِّكاح لا يكون إلا بالأولياء، والعقدُ عبارةٌ عن الإِيجاب والقُبول، فخرج أنَّ الإِيجابَ والقَبول في باب النِّكاح ليس إلَّا إلى الرجال، وأما قوله: «الأَيّم أحقُّ بنفسها» ... إلخ، فإِنّهم حملُوه على أنَّ الوليَّ مأمُورٌ بتحصيل رضاء موليته.
هذا نضد الحديثين عندهم، وستعف ما هو عندنا. ومذهب أبي حنيفة أن رضى المُولّية مقدَّم عند تعارض الرِّضاءين، مع كونِها مأمورةً بتحصيل رِضى الولي، وكذا المُولَّى مأمورٌ بتحصيل رضائها، فلم يستبدَّ به واحدٌ منها، فإِنه أَمْرٌ خطيرٌ لا بد فيه (١)
стр. 2754
من اجتماع الرضاءين، ثُم لما كان اشتراطُ رِضى النِّساء لِحقّهن في أَنفسهن، فَدّمه على رِضى الولي. وقد صَرّح الحنفيةُ باستحباب شهودِ الولي في بعض المواضع، وبوجوبه في بعض، فإِن عَضَل الوليُّ، ولم يرض بحيلةٍ، فالمسألة فيه عند الشافعية أن يَعْزِله القاضي، ويقيم وليًا آخَر مقامَه ليتولى أَمْرَ نكاحها. وقال الحنفية: إن نَكَحت كُفؤًا بِمَهْر مِثْلها، فالمتعنت هو الوليّ، فلا يُعبأ به ولا يُبالي بأمره، نعم إن نكحت من غير كفئها، أو بأَقلَّ مِن مَهْر مِثْلها، فللولي أن يرافع أَمْرَها إلى القاضي، ويفسخَه ليدفع عن نفسه العار. هذا هو تحرير المذاهب. والحديث حُجّة لهم في المسألة الأُولى.
فنقول أَوّلًا: إنَّ ما تقرر بعد البحث أنَّ الحديث حسن، حتى صَحَّحه بَعْضُهم أيضًا، إلا أنه لم يكن على شَرْط المُصَنّف، فأدخله في ترجمة الباب، ولم يُخرِّجه في المسانيد. وأما جوابه عند الحنفية في القوم، فَليُرَاجع في مواضعه.
أما أنا فأذكر لك ما سنح لي، ولا بد له مِن تمهيد مقدّمة، وهي أنه قد تَقرَّر عندنا مِن سَيْر طريق الشارع: أنّ كلَّ أَمْر يقوم بجماعةٍ يُراعى فيه حالُ الطرفين، والأحاديثُ فيه تَرِد في الجانبين، وذلك هو الأَصْلح لإِقامة النَّظْم. فالصوابُ في هذه المواضِعَ أن تُجْمع أحاديثُ الطرفين، ويُؤْخَذ المرادُ مِن مجموعها. ومَنْ يقصر نظرُه على حديثِ الجانب الواحد، فإِنه لا يُدْرك من مرادِ الشارع إلا شطرًا منه، ولن يأتي على تمامه، كيف وتمام مراده ليس إلاّ في المجموع. ونأتيك بأربعة أَمْثلة من هذا الباب:
فالأوّل: معاملة الزَّكاة، فإِنها تقومُ على المُعْطي والعامل، فالأحاديث فيها على هذه الشاكلةِ فقال لأصحاب الأموال - كما في «المِشكاة»: قال رسولُ الله ﷺ : «سيأتيكم ركيبٌ مبغضون - أي العاملون - وإنما تبغضونهم لأَخْذهم الزكاة من أموالكم، فإِن جاءوكم فَرحِّبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإِن عدلوا فلأنفسهم، وإنْ ظلموا فعليهم، وأرضوهم، فإِن تمام زكاتِكم رضاهم، وليدعُوا لكم» رواه أبو داود. وعنده أيضًا عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناسٌ - يعني من الأعراب - إلى رسولِ الله ﷺ فقالوا: إنَّ أُناسًا من المصدقين يأتونا، فيظلمونا. فقال: «أرضوا مصدقيكم. يا رسول الله، وإنْ ظلمونا؟ قال: أرضوا مصدقيكم وإنْ ظُلمتم»، وفي حديثٍ آخر عنده عن بشير بن الخصاصية، قال: قلنا: إنَّ أهل الصدقةِ يعتدُون علينا، أَفَنكْتُم من أموالنا بِقَدْر ما يعتدون؟ قال: «لا»؛ ولما خاطب العاملين قال لهم: «وإياكم وكرائمَ أموالِهم، واتقِ دعوةَ المظلوم، فإِنها ليس بينها وبين الله حِجابٌ». وقال: «المعتدي في الصدقة كما نعها» اهـ.
فانظر الآن كيف وجدت الحدِيثَين، وهل ترك الأحاديث في الأَوّل لصاحب الأموال حقًا؟ فإِن وفيت حَقّها في الألفاظ ساغ لك أن تقول: إنَّ رضاهم من تمامية
стр. 2755
الزكاة بأي نحوٍ كان، وأنه يجوز لهم الظُّلم أيضًا، فما بكرائم الأموال؟ ثُم إنْ صَرَفت النَّظر إلى الأحاديث في العاملين، وجدت أنّهم لا حقَّ لهم في أموالهم الكلايمة، ومَنْ يتعدَّى منهم كان عليه مِثْل وِزْر المانع، فكيف بِمَن ظلم عليهم والوَجْه أنَّ الأحاديثَ في مِثْل هذه تخرَّج على التشديد في الجانبين، لتكون أحفظَ لحدود الله، فيقف كلٌّ منهما على حِدَة، وهذا هو الطريق في جميع أحاديث الوَعْد والوعيد، فإِنها تَرِد مُرسلةً عن القيود والشروط لتكون أرغب، وأهيب. ومَنْ لا يراعيه يَزْعمُ الكلامَ ناقِصًا، ثم يزيد عليه القيودَ مِن قِبَله كالإِصلاح له. وهذا السّلف لم يكونوا يتقدمون إلى مِثْله، بل كانوا يكرهون التأويل (١).
ودونك نظيرًا آخَرَ من باب الصلاة، فقال للرجال: «لا تمنعوا النِّساء حظوظَهن من المساجد» - أو كما قال - كأنه يُرَغِّبهن في الإِتيان إلى الجماعات، فلما خاطبهنَّ قال: «إنَّ صلاةَ إحداكُنَّ في مخدعها خيرٌ من صلاتها في بيتها» - أو كما قال. فذكر أنَّ أفضل صلاتهن ما كانت أخفى عن الأعين.
وخُذ نظيرًا ثالثًا من باب إطاعة الأمير، فإِنه لما خاطب النَّاس أمرهم بإِطاعةِ الأمراء، وإنْ أُمِّر عليهم عَبْدٌ حبشيٌّ، مجدع الأطراف، إلا أن يروا كُفْرًا بواحًا. ثُم لما انصرف إلى الأُمراء، وَعَدهم بالنَّار، حتى خِيف عليهم أن لا يَنْجوا منها رأسًا برأس.
وهاك نظيرًا آخَر تكميلًا للأربعة: ما جاء في التشديد في السؤال، فإِنه قال للناس: إنَّ للسائل حقًا ولو جاء راكبًا على فرس، ولما تَوجَّه على السائلين جعل سؤالهم خموشًا، أو خدوشًا، أو كدوحًا في وجهه (٢).
وإذا أَتْقَنت تلك النظائر من الشَّارع: فاعلم أنَّ الأحاديث في أَمْر النكاح أيضًا
стр. 2756
وردت بالوجهين، ألا ترى أنه لما خاطب النساء أخبرهن أن لأوليائهن حقًا عليهن، حتى خيف منها أن لا يبقى لهن حَقٌّ في أنفسهن، وهذا في نحو قوله: «أيما امرأةٍ نكحت بغير إذْن وَلِيها، فنكاحُها باطلٌ باطِلٌ باطِلٌ». فليس في تكرار «باطل باطل» غير المبالغة، وتأكد مطلوبية الإذْن، والغرض مخرج على ما قلنا بعينه. فاعرف مدارِكَ الكلام، أبصرك اللهُ، وزادك بصرًا وبصيرة؛ ولما تَوجَّه إلى الأولياء قال لهم: «إنَّ الأَيِّم أحقُّ بنفسها مِن وَليها، كأن الأولياءَ ليس لهم دَخْل في البين، وإنما سلك الحديثُ في هذه المواضع مسلك الإِجمال، لما عَلِمت أن هذا هو الأنفعُ في الناس، وأَدْعى لهم إلى العمل.
ولعلك عَلِمت الأن أن مرادَ الشارع في المجموع، وإنما أُدِّي في كلَ من الحديثين شطر شطر، فمن تَمسّك بواحدٍ منهما فكأنه لم يأخذ إلَّا بشطرِ المراد، وهذا الذي يلوحُ من كلام الطرفين. فإِنَّ الشافعية جعلوا حديثَ: «لا نِكاح إلا لوليّ» حجةً لهم، وأَوّلوا في حديث: «الأَيِّم أحقُّ» ... الخ، كأنه يخالفهم. وكذا يَظهَر من كلام الحنفيةِ أنَّ حديث: «الأَيِّم أَحقُّ» ... إلخ، حُجةٌ لهم، وحديث: «لا نِكاح إلَّا بوليّ يخالِفُهم»، فهم يطلبون عنه مَخْلصًا، والأَمْر على ما قَرّرت: أنَّ مراد الشَّارع في المجموع، وإنَّما فصل في مراده، وألقى على كلَ من الفريقين قطعةً قطعة لإِقامة النَّظم، ولا سبيل إليه إلاّ أن يُرْشد الأولياءَ لِطلب رِضاهنّ، وتؤمر النِّساء بشركة الأولياء، فلا يفتتن النِّساء على الأولياء، ولا يضيّق الرجال على النساء. وليس الأَمْر أنهما حديثانِ متعارِضان، لِتطلب له صورةُ التوفيق.
وبعبارة أخرى إنَّ حديث: «لا نِكاح إلَّا بولي»، لم يرد فيما تعارَضَ فيه الرضاءانِ، وإنَّما هو في بيانِ منشأ الشَّارع: وهو أنَّ المُولية مأمورةٌ بتحصيل رِضاه، كما أنه مأمورٌ بتحصيلِ رضاها، فإِذا توافق الرضاءان تحقق منشؤه. أما إذا تعارَضا، فهل يقدّم رضاها على رضاه أو بالعكس؟ ففيه قوله: «الأَيِّم أحقُّ بِنَفسها مِن وليها، والنظر المعنويُّ يؤيدُه، فإِنها إذا نكحت من كفئها بمهر مِثْلها، ثُم لم يرض الولي، عُلِم أنه مُتعنِّت، فأيّ عبرةٍ به، وحينئذ يظهر حَقُّها الذي هو حَقّها، وفيه حديث: «الأيِّم أحقُّ» ... إلخ. واهتديت إلى هذا الجواب من لفظِ محمد رحمه الله تعالى، وإذ ثبت أن الحديثَ لا يدلُّ إلاّ على إذْن الولي، ظهر أن تمسّكهم به على المسألةِ الثانية تطاوُل.
ثُم هل اشتراطُ الإِذْن لكونه حقًّا للوليّ أَم نظرًا إلى المُولية؟ فالنظرُ فيه دائرٌ: فذهب الجمهورُ إلى أنه لكونه حَقّه؛ وذهب أبو حنيفة أنه نظرًا للمولية، لنقصان عقلهن وسوء فِكْرهن، فكثيرًا ما لا يهتدين إِلى المصلحةِ، ولعدم حمايةِ الحسب منهنَّ غالبًا، فربما رَغِبن في غير الكُفء، وفي ذلك عارٌ على قومها، فاشترط الإِذنَ لِتنْسدَّ المفسدةُ. فإِن
стр. 2757
كان الأَمْرُ كذلك، فالنَّظرُ يَحْكُم أن يُقدّم رضاؤها على رضائه، إنْ تعارض الرضاءان (١)، فليمعن النَّظر في هذا الحَرْف: فإن ثبت أنَّ إثبات الولاية لِكونها حقَّ الوليّ قَوِي مَذْهَبُهم، وإن ثبت أنه لكونها نظريةً، تأيّدَ مذهبُنا.
ثُم اعلم أنَّ الوِلاية وِلايتان: ولايةُ إجبار، وولاية استحباب. والأُولى عندنا في الصغيرة، أما الكبيرةُ فلا إجبار عليها. ومعنى الإِجبار نفاذُ النِّكاح عليها بدون رضاها، دون جَبْرها على النِّكاح. وفَرّق الشافعية بالبَكارة، والثيابة: فجعلوا ولايةَ الإِجبار في الباكرة دون الثيب، ولم يعبأوا بالصِّغر والكِبر. وعلى هذا لا إجبارَ عندهم على الثَّيّب الصغيرة، وعندنا عليها ولايةُ الإِجبار لِصِغَرها. فالصورُ أربعٌ، ذكرها صاحِب «الهِداية»، وفصل الخلافية عن غيرها.
قلتُ: لا ريبَ أنَّ المؤثر هو الصِّغر، ولا دخل فيها للثيابة والبَكَارة، ولذا أفتى السُّبْكي - مع كونه شافعيًا - على مسألةِ أبي حنيفة، ولم ير في البَكارة البالغة ولايةَ الإِجبار.
هذا كلامٌ في شَرْح الحديثين، أما دلائلُ الحنفية فقد بسطه الشارحون، فراجعه (٢).
يعني أنَّ القرائن الدَّالةَ على إرادةِ تَرْك التزوج كافيةٌ، ولا يحتاج إلى أن يصرِّح به أيضًا.
٥١٤٥ - قوله: (ولو تَرَكَها لَقَبِلْتُها) قاله أبو بكر لعمرَ. بقي أن أبا بكر كيف عَلِم أنَّ النبيَّ ﷺ تارِكُها؟ قلتُ: بهذه القرائن التي يعرف بها الدّنيا.
٤٨ - باب الْخُطْبَةِ
٥١٤٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا». طرفه ٥٧٦٧ - تحفة ٦٧٢٧
وهي مُستحبَّةٌ، إلا أنَّ الحديث فيه ليس على شَرْطه، فأتى بحديثٍ في الجنس.
٥١٤٦ - قوله: (إنَّ من البيانِ لَسِحْرًا) يحتمل أن يكونَ مَدْحًا، كما يحتمل أن يكون ذَمًّا.
٤٩ - باب ضَرْبِ الدُّفِّ فِى النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ
٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ قَالَ قَالَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ. جَاءَ النَّبِىُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِىَ عَلَىَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِى كَمَجْلِسِكَ مِنِّى، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِى يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِىٌّ يَعْلَمُ مَا فِى غَدٍ. فَقَالَ «دَعِى هَذِهِ، وَقُولِى بِالَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ». طرفه ٤٠٠١ - تحفة ١٥٨٣٢
ويُستفاد من تكملة «فتح القدير» جوازُ الطَّبل أيضًا، لأنّه لا حَظَّ فيه للنَّفْس، وإنما يتلذّذ به مَنْ مُسِخ طَبْعُه، وهو المختار عندي، وإنْ كان فيه خلاف للشاه محمد إسحاق، فظهر أن المناط على حَظِّ الطبائع السليمة.
٥٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وَكَثْرَةِ الْمَهْرِ، وَأَدْنَى مَا يَجُوزُ مِنَ الصَّدَاقِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وَقالَ سَهْلٌ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «وَلَوْ خاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ».
٥١٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ، فَرَأَى النَّبِىُّ ﷺ بَشَاشَةَ الْعُرْسِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنِّى تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. أطرافه ٢٠٤٩، ٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦ - تحفة ١٠٢٤، ١٢٦٥
والظاهر أنه اختار مَذْهب الشافعي في عدم تعيينِ المَهْر، وقال أبو حنيفة: لا مَهْر
стр. 2764
أقل من عشرةِ دراهمَ. إلا أنَّ في إسناده حجاجَ بن أَرطاة، وحَسّن الترمذيُّ حديثَه في غير واحد مِن المواضع من كتابه، وإن كان المحدِّثون لا يعتبرون بتحسينه، أما أنا فأعتمد بتحسينه، وذلك لأنَّ الناس عامّة ينظرون إلى صورةِ الإِسناد فقط، والترمذيُّ ينظر إلى حاله في الخارج أيضًا، وهذا الذي ينبغي، والقَصْر على الإِسناد فقط قصور، والطَّعْن فيه أنه كان يَشْرب النبيذ.
قلتُ: ولا جَرْح به عند أهل الكوفة، فإِنه حلالٌ عندهم. وقالوا أيضًا: إنَّه كان مُتكبّرًا؛ قلتُ: دعوها، فإِنها كلمةٌ مُنْتِنة، واتركوا سائرَ الناس . وقالوا: إنه كان يَترك الجماعة؛ قلتُ: نعم هذا الجرح شديدٌ، إلاّ أنه نُقل عن مالك أنه لم يأت المسجدَ النبويَّ إلى ثلاثينَ سنةً، فَسُئل عنه. فأجاب: أنَّ كلّ أَحَدٍ لا يقدر على إظهارِ عُذْره، فحسنه العلماءُ على جوابه، كما في «التذكرة»؛ قلتُ: نعم، وذلك لأنه كان إمَامًا عظيمًا أَتَاه الله عِلْمًا وحِكْمة، وقَبولًا، فنكسوا رءوسهم. أما الحَجّاج فكان رَجُلًا من الرجال، فتكأكأوا عليه كالتكأكؤ على ذي جِنّة.
ثُم الشيخُ ابنُ الهُمام أتى بحديثٍ في تقدير المَهْر في باب الكفاءة، وهذا من زياداتِه على الزَّيلعي، وقد زاد عليه في موضع آخَر، وإلَّا فجميع كتابِه مأخوذةٌ من الزَّيلعي، ولم يأت عليه بشيءٍ جديدٍ، ونقل الشيخُ تصحيحَه عن الحافظ بُرْهان الدِّين الحَلَبي، إلا أنه لم يكن عنده إسنادُه، ثُم ذكر الشَّيخ ابنُ الهُمام أنَّ بَعْضًا من أصحابه جاء بسندِه (١) من عندِ الحافظ ابنِ حَجَر، والحديث بذلك السَّند ليس أَقلَّ من الحَسَن. قلتُ: وأَكْبر ظَنِّي أن هذا البَعْضَ الذي جاء بسنده، - هو تلميذُه ابنُ أمير الحاج - وهو نِصاب القَطْع، في باب السَّرقة عندنا (٢).
стр. 2765
وله حديثٌ قويٌّ عند النَّسائي، والرأي فيه عندي أنَّ المَهْر، وكذا نِصار السَّرقة كانا قَليلين في أَوَّل الإسلام، لعسر حال المسلمين، فلما وَسَّع الله تعالى عليهم زِيد في المهر ونِصاب السرقة أيضًا، حتى استقرَّ الأَمْر على عشرةِ دراهمَ فيهما، فلا نَسْخ عندي. وحينئذٍ جاز أن يكون نَحْوُ خاتم حديد تمامَ المَهْر في زمن، ولك أن تحمله على المُعَجّل أيضًا. فالصُّورُ كلُّها معمولةٌ بها عندي، وإن انتهى الأَمْر إلى العشرةِ (١).
стр. 2766
...........................
стр. 2767
فائدة
واعلم أنَّ الحافِظُ بُرهان الدِّين الحلبي الحنفي يقالُ له: ابنُ السِّبْط العجمي أيضًا، وهو متأخِّرٌ عن الزَّيْلعي بقليل. وهذا الذي كان الحافِظ ابنُ حجر فَوَّض إليه جميعَ كُتُبه ليستفيدَ منها ما شاء، إلا أنَّ مصنَّفاتِه ضاعت في زمن تيمر، وكان الظالم أَحْرَقها بين عَيْنيه، ليزيدَه حُزْنًا وحَسْرةً، فإِنَّا وإنّا إليه راجعون.
٥١ - باب التَّزْوِيجِ عَلَى الْقُرْآنِ وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ
٥١٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ