← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٩٧ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْعَصْرِ ٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ أَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قَالَ قُلْتُ بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. أطرافه ٧٤٦، ٧٦٠، ٧٧٧ - تحفة ٣٥١٧ واعلم أن المصنِّفَ رحمه الله تعالى لمَّا لم يَجِدْ دليلا للفرق بين الفاتحة والسورة كما عَلِمْتَ، ترجم على نفس القراءة: الفاتحة وغيرها سواء. ومن العجائب ما نُسِبَ إلى ابن عباس ﵁ من عدم القراءة في العصرين، وما ينقله بعض الرواة: «إن كنا نعرف قراءته من اضْطِرَاب لحيته، فهو إمارةٌ مَحْضَةٌ، قلتُ: فأين ذَهَبَت الفاتحةُ، لو كانت رُكْنًا عنده، فالقراءة فيهما إنما تُبْنَى على التعامُل والتوارُث، ولمَّا لم يكن هناك اختلافٌ لم ينازع أحدٌ منهم في لفظ الاضْطِرَاب أنه ما يفيد، ولو كان لوَقَعَ الجَلَب والشَّغْبُ؛ وهذا يَدُلُّ على أن المسائل لا تُبْنَى على ألفاظ الرواة فقط بل الفاصلُ هو التعامُل لا غير. ٧٥٩ - قوله: (يُطَوِّل في الأُولى)، وحُمِلَ من جانب الشيخين: على أن الطولَ من أجل الاستفتاح، لا من تِلْقَاءِ القراءة. قلتُ: والظاهرُ مذهب محمد رحمه الله تعالى لِمَا عند أبي داود: «كان يُطَوِّل حتى ينقطع خسخسة الأقدام». أقولُ: والأحسنُ أن يستوي بينهما إِلا إذا رَجَا إدراكَ الناس، فيطوِّل على ما هو في الحديث. ٧٦٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. أطرافه ٧٥٩، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩ - تحفة ١٢١٠٨ ٧٦٢ - قوله: (ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا). واختلف مشايخنا في وجوب سَجْدة السهو إذا جَهَرَ في السِّرِّيَّةَ. فقيل: تَجِبُ ولو بكلمةٍ. وقيل: بآيةٍ تامةٍ. وقيل: بأكثر من الآية، وأَخْتَار الثاني، وإن جَازَ حمله على الثالث أيضًا، فإِن الجهرَ بالآية لا يَسْتَلْزِمُ الجهر بتمامها، فإِنك تقول: ضربتُ زيدًا، مع أنك لا تَضْرِبُ إِلا بعضه، فكذلك الفعل إذا وَقَعَ على محلٍ لا يوجب استيعابه لغةً، وحينئذٍ جَازَ أن يعبِّر بجهر الآية فيما إذا جَهَرَ ببعضها، إِلا عند ابن جَنِّي، فإنه يقول: إن قولهم: ضَرَبْتُ زيدًا، مجازٌ فيما إذا ضرب بعضه، وخَالَفَهُ الجمهورُ في ذلك. ثم إن الجهرَ بها كان للتعليم، أعني به تعليمَ ما يَقْرَأُ، لا تعليم الجهر نفسه، وهكذا كان الجهرُ بالتسمية، فلم تكن سنة بل تعليمًا لما يقرأه، واسْتُحْسِنَ الجهرُ بها في السِّرِّيَّة لدفع المارِّ. ٩٨ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْمَغْرِبِ ٧٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ

стр. 807

وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فَقَالَتْ يَا بُنَىَّ وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِى بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِى الْمَغْرِبِ. طرفه ٤٤٢٩ - تحفة ١٨٠٥٢ - ١٩٤/ ١ ٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ تحفة ٣٧٣٨ ٧٦٣ - قوله: (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ ... إنها لآخِرُ ما سَمِعْتُ من رسول الله ﷺ يَقْرَأُ بِها في المغرب). واعلم أن الاختصار في القراءة مستحبٌّ في المغرب، فحمله الطحَاويُّ على أنه قَرَأَ ببعضها ولم يقرأ بتمامها. ثم لو سُلِّم أنه قرأ بتمامها، فلا بأس أيضًا، فإن التطويلَ أيضًا جائزٌ بشرط عدم التثقيل على القوم، واشتباك النجوم، وقد مرَّ مني: «أن النبيَّ ﷺ خَرَج في مرضه في المغرب أيضًا»، وهو صريحٌ عند النَّسائي. وأوَّله الحافظُ رحمه الله تعالى: أنه خرج من ناحية بيته إلى ناحيةٍ أخرى. ثم إن أبا داود قال: إن تطويلَ القراءة في المغرب منسوخٌ، مع أنك قد عَلِمْتَ أن قِراءته ب: «المرسلات» كان في مرض الموت، فكيف يمكن القولُ بالنسخ إن لم يُحْمَل نسخه على ما قاله الطَّحَاويُّ، وإذا قال الطحاويُّ: إن رفعَ اليدين منسوخٌ، جَلَبُوا عليه من كل جانبٍ، مع أنه يتكلَّم ممن اختار الوُجُوبَ، ونسخُ الوُجُوب لا يُوجِبُ نسخَ الجواز، على أن النسخَ عنده ليس بمعنى رفع المشروعية، بل إذا جاء أمرٌ، ثم ثَبَتَ عنه بخلافه، يُطْلِقُ عليه النسخَ كما عَلِمْت منَّا مرارًا. واعلم أن في إسناد هذا الحديث: مروان، وفي نفسي منه شيء، فإنه صار سببًا لإثارة فتنة شهادة عثمان وطَلْحَة ﵄، وهو الذي كَتَبَ لمحمد بن أبي بكر: أقتلوه مكان فاقبلوه، كما مرَّ. ومع هذا كان صادق اللهجة غير كذوبٍ، فتُعْتَبَرُ روايته. قال المُقْبَلي - وهو زيدي - إن البخاري لفرط تعصُّبه من الحنفية يأخذ الروايات من الرجال المجهولين، ولا يأخذها من نحو محمد رحمه الله تعالى، وهذا الزيديّ لمّا اشتغل بالحديث فَتَر في زيديته. ٩٩ - باب الْجَهْرِ فِى الْمَغْرِبِ ٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِى الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. أطرافه ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤ - تحفة ٣١٨٩ ٧٦٥ - (قوله): (عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم عن أبيه ... ) إلخ، وكان جاء لافتكاك أُسَراء بدر، وسَمِعَ هذا الحديث، ثم أَسْلَم بَعْدُ، كما في «معاني الآثار» مفصَّلا (١)، وللمحدِّثين نزاعٌ في أنه هل يُعْتَبَرُ بسماع الكافر أو لا؟

стр. 808

١٠٠ - باب الْجَهْرِ فِى الْعِشَاءِ ٧٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فَسَجَدَ فَقُلْتُ لَهُ قَالَ سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. أطرافه ٧٦٨، ١٠٧٤، ١٠٧٨ - تحفة ١٤٦٤٩ ٧٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىٍّ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ فِى سَفَرٍ فَقَرَأَ فِى الْعِشَاءِ فِى إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. أطرافه ٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦ - تحفة ١٧٩١ ١٠١ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْعِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ ٧٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِى التَّيْمِىُّ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فَسَجَدَ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ قَالَ سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. أطرافه ٧٦٦، ١٠٧٤، ١٠٧٨ - تحفة ١٤٦٤٩ وهو سنةٌ عند الجمهور، وواجبٌ عندنا، ولا دليلَ له عندي. ٧٦٦ - (قوله): (فَسَجَدَ)، قد تَفْسُد بها الصلاة عندنا في السِّرِّيَّة، وهو مُشْكِلٌ، فإِن السجدة من جنس أفعال الصلاة، فينبغي أن لا تَفْسُد بها الصلاة كالأذكار في غير موضعها، مع كونها غير مشروعةٍ. ٧٦٧ - قوله: (فَقَرَأ في العِشَاء في إحدى الرَّكْعَتَيْنِ)، وقال الحافظُ رحمه الله تعالى: وَقَرَأَ في الثانية: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١]. ١٠٢ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْعِشَاءِ ٧٦٩ - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعَ الْبَرَاءَ رضى الله عنه قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فِى الْعِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً. أطرافه ٧٦٧، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦ - تحفة ١٧٩١ ١٠٣ - باب يُطَوِّلُ فِى الأُولَيَيْنِ وَيَحْذِفُ فِى الأُخْرَيَيْنِ ٧٧٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى عَوْنٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ لَقَدْ شَكَوْكَ فِى كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى الصَّلَاةِ. قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِى الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِى الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ، أَوْ ظَنِّى بِكَ. طرفاه ٧٥٥، ٧٥٨ - تحفة ٣٨٤٧ - ١٩٥/ ١

стр. 809

١٠٤ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ بِالطُّورِ. ٧٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِى عَلَى أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِى الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِى بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. أطرافه ٥٤١، ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩ - تحفة ١١٦٠٥ ٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ فِى كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. تحفة ١٤١٩٠ قوله: (قالت أُمَّ سَلَمَة) إلخ، وهذا في حُجَّة الوداع. ٧٧٢ - قوله: (في كلِّ صلاةٍ يُقْرَأُ) أتردَّدُ في رفعه (١) ووقفه، وأمَّا قوله: (وإن لم تَزِدْ على أُمِّ القرآن)، فمن قول أبي هُرَيْرة ﵁، وهذا يَدُلُّ على استحباب السورة عنده، ثم تبيَّن لي أن أبا هريرة ﵁ إنما قاله في حقِّ المسبوق، لِمَا عند مالك: «من فاتته الفاتحة، فقد فاته خيرٌ كثيرٌ» (٢). ١٠٥ - باب الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ. قوله: (وقالت أَمُّ سَلَمَة ﵂: طُفْتُ وراءَ النَّاس ... ) إلخ، وقد مرَّ أنه كان في حَجَّة الوداع، وكانت أُمُّ سَلَمة ﵂ شاكيةً، فَطَافَتْ من وراء الناس والنبيُّ ﷺ يُصَلِّي صلاة الفجر يَقْرَأ بالطور يَجْهَرُ بها. ٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ انْطَلَقَ النَّبِىُّ ﷺ فِى طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ،

стр. 810

فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ. فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَاّ شَىْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِى حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهْوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِى حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِىَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. طرفه ٤٩٢١ - تحفة ٥٤٥٢ - ١٩٦/ ١ ٧٧٣ - قوله: (عَامِدين إلى سُوق عُكَاظٍ)، واتفقوا على أنه قبل الإسراء حين كان النبيُّ ﷺ يَذْهَبُ إليهم لتبليغ الإِسلامِ. قوله: (وأُرْسِلَتْ عليهم الشُّهُب)، واستشكل الحديث، فإنه يَدُلُّ على أن الحَيْلُولة وإرسال الشهب بَدَأَ من زمن نبوته ﷺ مع أن إرسال الشُّهُبِ من بَدْءِ الزمان، والجواب كما في الهامش عن الكِرْمَاني إنها وإن كانت من قبل أيضًا، إلا أَنه غَلُظَ أمرها في زمنه ﷺ وههنا إشكالٌ آخر: وهو أنه يُعْلَمُ من سِيَاق القصة أن إرسال الشُّهُب وضربهم في مشارق الأرض، كانا في زمانٍ واحدٍ، مع أن ضَرْبهم في الأرض حالُهم في أوائل نبوته، وإرسال الشُّهُب فيما بعدها بكثير (١). بقي أن هذه الشُّهُب هي النجوم بعينها، أو شيءٌ آخر؟ فالتحقيق أنها هي النجوم بعينها، لا كما في هيئة بطليموس، فإنه ثَبَتَ اليوم الخرق والالتئام في الأجسام الأثيرية، وشُوهِدَت في الشمس مشاعيل وغُبْشَات، ثم الشياطين: أُطْلِقَ عامةً على الجن. وفي كُتُب السير: إن هؤلاء الجن كانوا من نَصِيبِين، وهو قريبٌ من الموصل، وبقربه بابل. قيل: إن قصة هاروت وماروت كانت في زمن إدريس ﵇، وهناك بُعِثَ نوح، وبعده إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولعلَّ جِنَّ نَصِيبينِ جاؤا لهذه السلسلة. قوله: (توجَّهُوا ... ) إلخ، ولعلَّهم لمَّا رأوا الشُّهُب تَطَلَّبوا أمرها، فإذا لم يتحقَّق عندهم أمرٌ قَعَدُوا قانطين؛ ثم اتفق أنهم رَأْوْه يُصَلِّي فيما بعده بكثير. قوله: (بنخلة) موضع عند الطائف، وهي غير بطن النَّخْلة.

стр. 811

قوله: (وهو يُصَلِّي بأصحابه صلاةَ الفجر) وثَبَتَ فيها الجهرُ والجماعةُ والقراءةُ، وهي شاكلةُ الفريضة، فلا دليل على كونها نفلا قبل الإسراء. قوله: (وإنما أُوحِي إليه قولُ الجِنِّ)، قال ابن عباس ﵁: إن شهودَ الجِنِّ واستماعهم لقراءته، كلُّه كان بخبر الوحي، ولم يَطَّلِع عليه النبيُّ ﷺ حين قالوا ذلك. وعند مسلم، في باب سجدة التلاوة، عن ابن مسعود ﵁: «أنه آذنته الشجرة بتلك القصة». وهو في البخاري أيضًا في التفسير. واعتمد المفسِّرون على قول ابن مسعود ﵁، لأنه أكبرُ سنًا منه، ولعلَّ ابن عباس ﵁ لم يكن وُلِدَ بَعْدُ. ثم في إسناد مسلم: مَعْن، وهو ابن أخٍ لابن مَسعود ﵁، وكان ابنه القاسم كثيرُ الملازمة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، فاقْدِر قَدْرَ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، حيث يتعلَّمُ منه الدينَ ذريةُ ابن مسعود ﵁. ٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ، وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] و ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. تحفة ٦٠٠٤ ٧٧٤ - قوله: (وسَكَت فيما أُمِرَ ... ) الخ، أي من السورة، ويَحْمِلُه البخاري على السِّرِّيَّة، إلا أنه يُرْوَى عنه عند الطحاويِّ بأَسنادٍ جيدٍ: إني قد عَلِمْتُ الدينَ كلَّه، إلا أني لم أتحقَّق القراءةَ في السرية، ولا أدري ماذا مراده، فإِنه يُرْوَى عنه القراءة أيضًا. واضْطَرَب الحافظُ رحمه الله تعالى هناك، واستشعر أنه تَنْهَدِمُ منه ركنية الفاتحة. قلت: ولا تمسُّك فيه للحنفي، فإنه يُخَالف الوجوبَ أيضًا. قوله: (وما كَان ربُّك نَسِيًّا)، وشرحه في القاموس بما لا يوجد في شروح الحديث، فراجعه. قوله: (أُسْوَةٌ): صفةٌ مُشَبَّهةٌ كالقدوة، وجِيئَت بصلة «في» للتجريد، ولو كان مصدرًا لما كان مناسبًا. ١٠٦ - باب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِى الرَّكْعَةِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ الْمُؤْمِنُونَ فِى الصُّبْحِ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى، أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. وَقَرَأَ عُمَرُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِى الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِى. وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِى الأُولَى، وَفِى الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ - رضى الله عنه - الصُّبْحَ بِهِمَا. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِى الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ. وَقَالَ

стр. 812

قَتَادَةُ فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِى رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِى رَكْعَتَيْنِ كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ. وهو جائزٌ عند الطَّحَاويِّ، وكَرِهَه في «الكبيري» في بعض الصور. قوله: (القراءة بالخَوَاتِيم)، والمستحبُّ عندنا: أن يقرأ في ركعة بسورة بتمامها. قوله: (وبسُورَةٍ قبل سُورَةٍ)، كَرِهَها ابن نُجَيْم، وقال: إن رعايةَ الترتيب من واجبات القراءة دون الصلاة، فلا تَلْزَم سجدة السهو بتركها، وذلك لأن الترتيبَ حادِثٌ بعد جمع القرآن، والرواياتُ التي تَدُلُّ على خلافه كلُّها قبل جمع القرآن، فلا تكون حُجَّةً علينا. ثم جاء الملا نظام الدين وحسَّن كلامه. ثم استدلّ صاحب «البحر» على الفرق بين التطوُّع والفريضة، حيث لا يكره اختلال الترتيب في النافلة: بأنَّ كلَّ ركعةٍ من النفل صلاةٌ برأسها. أقولُ: إن المشهورَ أن ترتيبَ الآيات توفيقيٌّ، وإِمَّا ترتيبَ السور فاجتهاديٌّ، وقيل: توفيقيٌّ أيضًا، غير الأنفال والتوبة، وهو المختار عندي، ولكنه لمَّا لم يَبْلُغ عند الصحابة ﵃ إلى حدِّ الوجوب، وبقي من باب المحسَّنات، ظنَّ أنه كان عندهم اجتهاديٌّ. ٧٧٤ م - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِى مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِى الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِىُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ «يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ». فَقَالَ إِنِّى أُحِبُّهَا. فَقَالَ «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ». تحفة ٤٥٧ - ١٩٧/ ١ ٧٧٤ م - قوله: (وقال عُبَيْد الله)، وقد وصله الترمذيُّ. قوله: (رجلٌ من الأنصار)، وهو اسمه: كلثوم بن هِدْم، متقدِّم الإِسلام، وكان إمامُ قومه. قوله: (كلما افتتح ... ) إلخ، وظاهره تركُ الفاتحة أيضًا، وتمسَّك منه العَيْني رحمه الله تعالى لمذهب الحنفية. قلتُ: والذي يُظَنُّ به: أنه كان يَقْرَأُ الفاتحةَ وسورةَ الإخلاص على التعيين، وسورةً أخرى أيضًا لا على التعيين، وإلا فالحديثُ لا يَسْتَقِيمُ على مذهب الحنفية، فإنه يَلْزَمُ عليهم أيضًا تركُ الواجب. بقي لفظ: «الافتتاح»، ففيه وَسْعَة، خُذْه بأي اعتبارٍ شِئْتَ. قوله: (لا تَرَى أنها تُجْزِئُك)، يُشِيرُ إلى وجوب ضمِّ السورة.

стр. 813

تحقيقُ لفظِ الإجزاءِ والصِّحَّة (١) واعلم أن هذين اللفظين ممَّا يَكْثُر وقوعهما في كثيرٍ من عبارات فقهائنا مع اشتمال المقام على الكراهة، فيقولون: صَحَّت الصلاة وأجزأت، مع أنها تكون مكروهةً عندهم. وهذان اللفظان يُشِيرَان إلى انتفاء الكراهة، فَيَزْعُمُ الخصومُ أنها غير مكروهةٍ عندنا، ثم يُورِدُون علينا ويردُّون علينا. ولو وَضَعَ الفقهاءُ مقامهما لفظًا آخر، لم تَرِدْ علينا تلك الإيرادات، ولم يَسْتَوْحِشْ منه الخصوم. والآن أريدُ أن أُلقيَ عليك حقيقة هذين اللفظين. فاعلم أن قولَ الفقهاء: «صحَّ» ليس مأخذوًا من قولهم: «صحَّ المريض» ليدُلَّ على الصحة باعتبار الأوصاف، بل بحَسَب الأجزاء فقط. قالوا: «إنها صَحَّت»: أرادوا بها تَمَامِيَة الأجزاء، وإن اشتملت على نقصان في أوصافها. واللفظ يكون موضوعًا لمعنىً في اللغة، ثم يَنْسَلِخُ عنه في العُرْف، والبُلَغَاء يستعملونه بالنظر إلى الاستعمال الأول، فيضْطَرِبُ فيه العوام لذهولهم عن استعماله الأول، وشيوعه في غيره عندهم. ولا يُقَالُ له: تعدُّد المعاني، بل: تعدُّد موارد الاستعمال، كما مرَّ منا في لفظ المسح والنَّضْح. فالمسحُ في حق الأَرْجُل: بالإِسالة، وفي الرأس: بإِمرار اليد المبتلَّة. وكذلك نَضْحُ البحر يكون بالأمواج، ونَضْحُ النواضح بحملها ماءً كثيرًا، ونَضْحُ الإنسان بالرشِّ. فهل تَرَاه أنه اختلفت معانيه؟ كلا، بل هو لفظٌ واحدٌ لمعنىً واحدٍ، وإنما اختلف بحَسَبِ اختلاف الموارد. أَلا تَرَى أن الرشَّ في البحر لا يكون إلا بقدر عِظَمِهِ، وهو بالأمواج، وكذلك في النواضح. فهو في جميع المواضع بمعنى الرَّشِّ، إلا أن الرشَّ والرشَّ مختلفٌ، ومن هذا التحقيق اندفعت اعتراضات الخصوم بأسرها، ومع ذلك ول تَرَكَها الفقهاءُ لكان أحسن، فإِنه وإن صَحَّ باعتبار الأصل، إلا أنه يُوقِعُ الناس في الغلط وترجمته صحَّ عندي بالفارسية (شد) لا (درست شد) وكذلك ترجمة أجزاء (روان شد) وبالأردوية (كجهـ هو كيايا جل كيا). قوله: (حُبُّك إيَّاها ... ) إلخ، وقد مرَّ أنه تصويبٌ للنية دون العمل، مع أنه سَبَقَ منه الاعتراض عليه أيضًا، حيث قال: «ما يَمْنَعُك أن تفعلَ ما يأمرك به أصحابُك»، وفيه: أن الأحسنَ أن لا يُعَيِّن سورةً من القرآن لشيءٍ من الصلوات، كما في «الكنز». واستثنى منه ابن نُجَيْم التقيد بالسور التي ثَبَتَت عن النبيِّ ﷺ فالتعيينُ بقدره يجُوزُ.

стр. 814

٧٧٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِى رَكْعَةٍ. فَقَالَ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِى كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ. طرفاه ٤٩٩٦، ٥٠٤٣ - تحفة ٩٢٨٨ قوله: (شُعْبَة): وهو واسطي، وعلمه من أهل الكوفة، وكذلك شيخه عمرو بن مُرَّة، وهكذا إسناد ابن مسعود ﵁ كلُّه من أهل الكوفة. قوله: (هذًّا كَهَذِّ الشَّعْر)، ولعلَّهم إذا لم يَتَغَنُّوا هذُّوا به، والمراد منه القراءة بالسرعة. ولعلَّ التشبيه بهذِّ الشَّعْر باعتبار هَذِّهم عند الحفظ، وإلا فهم كانوا يَنْشِدُون الأشعار بتمطيطٍ وتطويلٍ، لا بالسرعة. قوله: (النظائر)، وفي بعض النُّسُخ: «القرائن»، وكنت أراه بمعنى المتناسبة فقط. ثم رأيتُ في القاموس أن القَرينين يقال للبَعِيريْن كانوا يَشُدُّونهما في حبلٍ بشجرةٍ: واحدًا في هذا الطرف، والآخر في ذلك الطرف. ولعلَّهم كانوا يَشُدُّونهما لمناسبةٍ في طبعهما ليستأنسا بهذا الطريق، فلا يفترقا. ويُقَال لهما: القرينان، ويُقَال لهذا الحبل الذي يُقْرَنُ به البعير القَرْن، فحينئذ ذُقْتُ حلاوة هذا اللفظ، فإنه يَدُلُّ على التناسُبِ الشديدِ بين هاتين السورتين، لا على المناسبة في الجملة، فكانت هَاتِيكَ النظائر متناسبة بحيث لا يمكن افتراقها كالقرينين من البعير. قوله: (فَذَكَرَ عِشْرِين سُورَةً)، واستدلَّ منه الكِرْمَاني الشافعي على أن الوترَ ركعةٌ، لأن المعروفَ في عدد ركعاته ﷺ إحدى عشرة، فإِذا صارت عشرون سورةً لعشر ركعاتٍ، سورتان في كل ركعةٍ، لَزِمَ أن يكون الوترُ ركعةً، تمامًا لإحدى عشرة. قلتُ: لِمَ لا يجوز أن تكونَ صلاتُه ثلاث عشرة ركعة؟ فصارت عشرون سورةً لعشر ركعاتٍ، وبقيت الثلاث للوتر. كيف، وقد عدَّ أُبَيُّ بن كعب ﵁ تلك السور مفصَّلة، كما هو عند أبي داود (١). ١٠٧ - باب يَقْرَأُ فِى الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ٧٧٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ فِى الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِى الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِى الصُّبْحِ. أطرافه ٧٥٩، ٧٦٢، ٧٧٨، ٧٧٩ - تحفة ١٢١٠٨

стр. 815

وفيه ثلاثةُ أقوالٍ عندنا: قيل: إن ضَمَّ لسورة يُوجِبُ سجدة السهو، وقيل: لا يُوجِب بل يُكْرَه، وقيل: لا يُسَنُّ ولا يُكْرَه، وهو قول فخر الإسلام، هو المختار عندي. ١٠٨ - باب مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قُلْتُ لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. أطرافه ٧٤٦، ٧٦٠، ٧٦١ - تحفة ٣٥ ١٧ ١٠٩ - باب إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ ٧٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطِيلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى. أطرافه ٧٥٩، ٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٩ - تحفة ١٢١٠٨ - ١٩٨/ ١ ١١٠ - باب يُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى ٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِى الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِى صَلَاةِ الصُّبْحِ. أطرافه ٧٥٩، ٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨ - تحفة ١٢١٠٨ وفي إسناده أبو نُعَيْم: وهو ابن دُكَيْن، وله قصة: وهي أن أحمد بن حنبل وابن معين رحلا إلى عبد الرزَّاق في اليمن ليأخذا منه الأحاديث، فتبعهما رجلٌ كان أدون منهما، فلمَّا رَجَعَا عنه، قال ابن معين: أريد أن أَحْضُرَ أبا نُعَيْمٍ فأجرِّب حفظه، هل تغيَّر أو لا؟ وقد كانا أخذا منه أحاديث قبل ذلك، فجمع ابن معين ثلاثين حديثًا من أحاديثه، وأَدْخَلَ بعد كل عشرٍ منها حديثًا من غيره لم يُحَدِّث به أبو نُعَيْم، لينظر أنه هل يعرف حديثه من غيره أو لا؟ فقال له أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى لا تَخْتَبِرْه، فإنه على حفظه، فأبى ابن معين إلا أن يفعله، حتى جعل يُلْقِي عليه حديثًا حديثًا، فكلما يَبْلُغُ إلى العاشرة، يقول أبو نُعَيْم: ليس هذا من حديثي. فلمَّا بَلَغَ الموضع الثالث، عرف أبو نُعَيْم أنه اختبره، فقال لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: أما هذا فأورع من ذلك، وللذي تبعهما: أمَّا هذا فأصبر من ذلك، ولا أراك إلا أنت يا ابن معين، وضرب صدره برجله. فقال له أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:: ألم أقل لك إنه على حفظه كما كان. ثم ابن معين كان حنفيًا كما مرَّ، ومن مقالته: إنا نتكلَّم في رجالٍ قد ضربوا الأخبية في الجنة قبلنا بمئتين، ولمَّا بَلَغَتْ أبا حاتم مقولتُه هذه، أطبق الكتاب، وما زال يبكي في مجلسه، ثم قال: وما بنا في الكلام عليهم من حاجة إلا دَعَتْنَا ضرورةٌ، فنتكلَّم عليهم لهذه.

стр. 816

١١١ - باب جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ وَقَالَ عَطَاءٌ آمِينَ دُعَاءٌ. أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً. وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِى الإِمَامَ لَا تَفُتْنِى بِآمِينَ. وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِى ذَلِكَ خَيْرًا. ٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «آمِينَ». طرفه ٦٤٠٢ - تحفة ١٣٢٣٠، ١٥٢٤٢ ١١٢ - باب فَضْلِ التَّأْمِينِ ٧٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ. وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِى السَّمَاءِ آمِينَ. فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». تحفة ١٣٨٢٦ ١١٣ - باب جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ ٧٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا قَالَ الإِمَامُ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَقُولُوا آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَنُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه. طرفه ٤٤٧٥ تحفة ١٢٥٧٦، ١٥١٢٥، ١٤٦٤٤ اختار المصنِّف رحمه الله تعالى القولَ القديمَ للشافعيِّ رحمه الله تعالى، مع أن الأقربَ إلى الحديث هو الجديدُ. قوله: (قال عطاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ). بقي أن سنةَ الدعاء هي الجهر والإخفاء، فالذي يَظْهَرُ أن الأصلَ الإخفاءُ، وثَبَتَ الجهرُ. بالعوارض أيضًا، ولا يَصِحُّ التمسُّك من النص على خلاف الجهر إلا بعد ثبوت سنة الإسرار من الحديث، كما سيجيء منا الإِشارةُ إليه. قوله: (وأَمَّنَ ابن الزُّبَيْر)، ولعلَّه حين كان يَقْنُتُ في الفجر على عبد الملك، وكان هو يَقْنُتُ على ابن الزُّبَيْر ﵁، وفي مثل هذه الأيام تجري المبالغات أيضًا. قوله: (وكان أبو هُرَيْرَة ﵁ ... ) إلخ. وهذا حين كان مؤذِّنًا في البحرين، فانظر أن أبا هُرَيْرَة ﵁ يَهْتَمُّ بالتأمين ما لا يَهْتَمُّ بالفاتحة، فأين ذهبت الفاتحة؟ وهو الذي يقوله عند مالك في «موطأ»: «لا تسبقني بآمين»، فهمُّه بالتأمين أكثر منه بالفاتحة، مع أنه لا تعلُّقَ له بالجهر.

стр. 817

قوله: (وقال نافع ... ) إلخ. وهذا عامٌّ لخارج الصلاة وداخلها، وقد ثَبَتَ عندنا أنه كان يقول: آمين خارج الصلاة أيضًا. واعلم أن مذهب الإمام: إخفاء التأمين للإِمام والمأموم، وهو روايةٌ عن مالك رحمه الله تعالى، ومذهبه: إخفاؤه للمأموم، وتركه للإِمام رأسًا، وهو أيضًا روايةٌ عن إمامنا. وذهب الشافعيُّ رحمه الله تعالى في القديم: إلى الجهر لهما، وفي الجديد: إلى الجهر للإِمام دون القوم. وعن أحمد رحمه الله تعالى: الجهر بالتأمين. ولكن لا أعلم ماذا تفصيله عنده. قلت: وما ظَهَرَ لي هو أنه ثَبَتَ الجهر عن النبيِّ ﷺ قطعًا، لكن لا على طريق السُّنية، بل للتعليم أحيانًا، أي لتعليم أنه ما يقرأ. نبَّه عليه الجُرُجَاني في «حاشية الكَشَّاف»، ومحمد البِرْكِلي في «تفسيره»، وهو من علماء الروم، متقدِّم عن ابن الهُمَام رحمه الله تعالى. وصرَّح في «البرهان» بجوازه، وهو الذي قال به صاحب «الهداية» في التسمية: إن الجهرَ بها كان تعليمًا، فلو أجاب بمثله في التأمين لاسترحنا. وعندي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى نصًّا أنه يجوز الجهرُ به في قنوت النازلة، فسلَّمْتُ الجواز في الصلاة أيضًا. وأكثر السلف كانوا يُسرُّون به كما في «الجوهر النقي» (١) عن ابن جرير الطبري (٢) فتحصَّل: إن الجهرَ جائزٌ، والإِسرارَ به سنةٌ، وهو المختارِ عندي. ومن قال بكراهة الجهر، فقد قَصَرَ. ثم ههنا ثلاثة أحاديث: الأول: «إذا أَمَّنَ الإِمامُ، فأَمِّنُوا». والثاني: «إذا قال الإِمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلّينَ﴾، فقولوا: آمين». والثالث: «إذا أمَّنَ القارىءُ، فأمِّنُوا». وتمسَّك الشافعيةُ بالأول، فإِنه صريحٌ في جهر المأموم والإِمام، فإنه أَمَرَ المأمومَ أن يُؤَمِّنَ عند تأمين الإِمام، فأوجب أن يكونَ تأمينُ الإِمام جهرًا، ليتمكَّن المقتدي أن يُؤَمِّنَ على تأمين إمامه، وإذا كان تأمينه جهرًا لهذا الحديث، فعلى شاكلته تأمين المأموم. وأجابوا عن قوله: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... » إلخ: أنه على حذف المعطوف، أي: فأَمَّنَ، وأُقِيمَ

стр. 818

المعطوف عليه مقامه، لكونه دالاًّ عليه وسببًا لعلمه، وليس بناء على الترك، بل لأن المطلوبَ في التأمين هو الموافقةُ مع الإمام. وحينئذٍ لا بُدَّ أن يُحَال تأمين المأموم على قراءة الإِمام بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ، ليصيرَ المقتدي بعد سماعه على أُهْبَةٍ من تأمينه، فيُؤَمِّنُ إذا فَرَغَ الإِمامُ من قراءته ويُؤَمِّنُ، وتتحصَّل الموافقةُ المطلوبةُ، ولو علَّق تأمينَه على تأمين الإِمام لفاتت الموافقة، فإِن تأمِينَ القوم حينئذٍ يقع بعد تأمين الإِمام لا محالة، ولا تَحْصُلُ الموافقة. فإِذن قوله: «إذا أَمَّنَ الإِمامُ فَأَمِّنُوا»: لبيان موضع الالتقاء، ولبيان الجهر بهما. وقوله: «وإذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ، لبيان موضع التأمين ولزوم الموافقة. وأما المالكية فتمسكوا من قوله: وإذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ؛ بأنه يَدُلُّ على التقسيم كقوله: «إذا قال الإِمامُّ: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، على ما قرَّرنا، فقلنا بالتسميع للإِمام، والتحميد للمقتدي. كذلك قال المالكية ههنا: إن الإِمام يقرأ فقط، فلا يُؤَمِّنُ، ويُؤَمِّنُ المقتدي فقط ولا يقرأ، فهو على التقسيم. قلتُ: ولعلَّهم قاسُوا التأمين في الصلاة على التأمين في الخارج، وليس في الخارج إِلا المقاسمة بين الدعاء والتأمين، فيدعو واحدٌ ويُؤَمِّنُ آخرون. فهكذا جعلوا الإِمام داعيًا، والمأمومين مُجِيبين، فلو أمَّنَ الإِمامُ أيضًا لا نقلب الموضوع، وصار الداعي مُجِيبًا، فَيَقْتَصِرُ على قوله فقط، ولا يَبْسُطُ يده إلى حقِّ غيره. وأجابوا عن الحديث: بأن معناه: إذا حملكم الإِمامُ على التأمين، بأن يقرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلّينَ﴾، أو: إذا بَلَغَ الإِمامُ موضِعَ التأمين، فأمِّنُوا. وليس معناه: إذا قال الإِمام: آمين، ليكون دليلا على تأمينه. وجعلوه من باب أَنْجَدَ وأَعْرَقَ أي: دخل في النجد والعراق، ولا أرى التأمين ثابتًا في اللغة بهذا المعنى، فإِن التَّعْدِية بهذا الطريق لو ثَبَتَت عندهم، لكان نادرًا جدًا، كما سيأتي في الجنائز. والحاصل: أنهم حملوا هذين الحديثين على معنين متغايرين، بحيث صار كلٌّ منهم مُسْتَدِلاًّ من أحدهما، ومُجِيبًا عن الآخر، وذلك لأنهم أشكل عندهم جمع أحد اللفظين مع الآخر، لأن اللفظَ الأول ينادي بتأمين الإِمام، واللفظ الثاني يُشِيرُ إلى تركه، فبنى كلٌّ منهم مذهبه على واحدٍ منهما، وتأوَّلَ في الآخر حسبما أدَّى إليه اجتهاده وذوقه، وللناس فيما يَعْشَقُون مذاهب. وما كَشَفَ اللَّهُ عليَّ سبحانه: أن أحد الحديثين لا يلتقي مع الآخر، وهما وَرَدَا في مَطْلَبَيْنِ. فالحديث الأول، أي: «إذا قال الإِمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ وَرَدَ لبيان وظيفة القوم عند فراغ الإِمام عن قراءته، وذِكْرُ فضيلة التأمين فيه استطرادٌ، وإنما أُحِيلَ فيه على قراءة الإِمام دون تأمينه لنكتة ذكرها الشافعية، وهي: تحصيل التوافق بين التأمينين، والحديث الثاني، أي: «إذا أمَّن الإِمامُ ... » إلخ سِيقَ لبيان فضيلة التأمين فقط، وتأمين الإِمام فيه تمهيدٌ لذكر تأمين المأموم، وبيانٌ لموضع تأمينه.

стр. 819

والدليل على ذلك: أني قد تتبعت لذلك نحوًا من مئة طريقٍ، فلم أجد حديث: «إذا أمَّنَ الإِمام ... » الخ إلا هذا القدر فقط، ولم أجده قطعةً من حديث الائتمام في شيءٍ من طُرُقه، بخلاف حديث: «إذا قال الإِمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ، فإِنه قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ في الائتمام، وفيه: «وإذا قرأ، فأنصتوا» سرده الراوي تارةً بتمامه، واقتصر على قطعة منه أخرى. فهذا الحديث هو الذي يَلِيقُ أن تُنَاط به مسألة التأمين، لأنه سِيقَ لبيان صفة الصلاة بتمامها، ووظيفة الاقتداء وما عليه من جهة ائتمامه بإمامه. ومع هذا لم يَذْكُر فيه تأمين الإِمام، بل ذَكَرَ من قوله القراءةَ ب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فقط. فعُلِمَ أن الإِمامَ يُخْفِي به، بخلاف الحديث الثاني، فإِنه لم يجيء لهذا المعنى، والمقصود منه: بيان فضل التأمين فقط، وأَمَّا ذكر تأمين الإمام، فهو تمهيدٌ لبيان تأمين المأموم وموافقته إياه، وإذا كان الإحالة فيه على تأمين الإمام لهذا، لم تَبْقَ فيه دلالة على الجهر أصلا، وطاح ما كان يُتَبَادَرُ من قوله: «إذا أمَّنَ»: أن الإمامَ يَجْهَرُ به أيضًا، لأنه تبيَّنَ أن الإحالة على تأمينه لبيان موضع الالتقاء والتوافُق فقط، لا ليسمعه المقتدي، فَيُؤَمِّنُ عليه. نعم لو وردت الإحالةُ عليه في أحاديث الائتمام، لكان فيه بناء على الجهر، كما في قوله: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾» بناء على جَهْرِه بذلك، لأنه في سياق التعليم ممَّا يقوله الإِمامُ والمأمومُ، ولا يمكن امتثاله للمأموم إِلا أن يَجْهَرَ به الإِمامُ، وإِلا فكيف يَعْلَمُ موضع تأمينه، وأنه متى يُؤَمِّنُ فلو كان فيه: «وإذا أَمَّن ... » إلخ، لدلَّ على جهر التأمين، كما دلَّ على جهر القول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ. وإذن ما يَصِحُّ: أن ذكر تأمين الإمام لمجرَّدِ الارتباط تأمينٌ للمقتدي - وَتَعَذُّرِ الابتداء من قوله: «فَأَمِّنُوا»، فليس المقصودُ فيه تأمين الإمام. وبعبارة أخرى: أن «إذا» في قوله: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ظرفية، والترتيب لبيان جزء فجزء، أي: إن تأمين المأموم مترتِّبٌ ومسبَّبٌ عن قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وليس تأمينهم مترتِّبًا على تأمينه، بل هما معًا. وأمَّا في قوله: «إذا أمَّنَ الإِمامُ، فأَمِّنُوا»، فإن شِئْتَ جعلتها شرطية أو ظرفية فيها تحت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآء نَصْرُ اللَّهِ﴾ وابن دقيق العيد في قوله ﷺ «إذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا»: بأن الفاء فيه للتعقيب أو المقارنة، ونقل فيهما الخلاف بالعكس، كما نقله أبو حيَّان. وعندي أنها لا تَنْسَلِخُ عن معنى التعقيب مطلقًا، إلا أن التعقيبَ عندي أعمُّ من الذاتي والزماني، واعتبر اللُّغَوِيُّون الذاتي أيضًا، فتدخلُ بين الشرط والجزاء، والعِلَّة والمَعْلُول، والفرق بين الشرطية والظرفية قد مرَّ، فتذكَّره. فإن كان الأمر كما قرَّرت من تغايرُ، الحديثين، فالأسبقُ في الباب هم الحنفية ﵏، لأنهم بنوا مذهبهم على الحديث الذي سِيقَ لذلك نصًّا، وهذا يَدُلُّ على أن الإمام لا يَجْهَرُ بالتأمين، بل وظيفته القراءة ب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ. ثم يُؤَمِّنُ أيضًا، لكن لا من حيث إمامته، بل لكونه مصليًا، فَيُؤَمِّنُ لنفسه سِرًّا، كما يُؤْمِّنُونَ لأنفسهم سِرًّا. ومن ههنا تبيَّن أن تأمينه لمَّا لم يكن من جهة الإمامة، بل من جهة لُحُوقه معهم وانفراده في نفسه، لم يَنْقَلِبْ

стр. 820

الموضوع. فللإمام وظيفتان: وظيفةٌ من جهة إمامته، ووظيفةٌ من تلقاء كونه مصليًا. ويؤيِّدُ ذلك ما أخرجه النَّسائي في هذا الحديث: «فإِن الإمام يقولها»، فنبَّه على ثبوت تأمين الإمام على خلاف ما قال به المالكيةُ. ودلَّ على إسراره على خلاف ما قاله الشافعيةُ، لأن الإمامَ لو كان يَجْهَرُ بها، لَمَا كان للتنبيه على تأمينه معنىً، فإنه يسمعه كلُّ واحدٍ. ففي قوله: «فإن الإمامَ يقولها» تنبيهٌ على أن تأمينَه يكون سِرًّا، بحيث لو لم ينبِّه عليه لَمَا عَلِمَه المقتدون. ثم إنه ليس في ذخيرة الحديث ما يَدُلُّ على أن النبيَّ ﷺ أمر المأمومين أن يَجْهَرُوا بها، بل من جَهَرَ منهم جَهَرَ برأيه. نعم في حديث وائل: أنهم جَهَرُوا بها، مع اختلاف فيه بين سُفْيَان وشُعْبَة. وأمَّا ما أعَلَّ به البخاريُّ حديث شُعْبَة، فقد أجابوا عنه بالنقولِ الصريحةِ، ويَظْهَرُ من «مسند أحمد» أنه توقَّف فيه، وهو الاعتدال. ومن العجائب أن هذه السنة مما تَعُمُّ به البَلْوَى، ثم لم تَصِلْ مرفوعةً إلى الحجازيين إلا من طريق وائل وعِدَادِه من أهل الكوفة. قال الدَّارقُطْني: قال أبو بكر: هذه سنةٌ تفرّد به أهلُ الكوفة. اهـ. ثم إن سلَّمنا أن اللفظ كما قال به شُعْبَة، فلا يزيدُ على كونه واقعةٌ وليس ضابطةً كُلِّيةً، ولا نُنْكِر ثبوت نفس الجهر بها ولو مرارًا، وهو جائزٌ عندنا أيضًا بدون كراهة. وإنما الكلام في السنية، ولا تَثْبُت إلا بالأمر من جهة الشارع واستمراره عليه، وليس بثابتٍ، ولن يَثْبُت إن شاء الله تعالى. وبالجملة إذا لم يأتِ فيه شيءٌ من المرفوع، وهدى القرآن إلى سُنَّة الدعاء، فوضعناها على الرأس والعين، وَعَمِلْنَا بها. قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، فهذه سنة الدعاء، عَلِمْنَاها من القرآن، وتعلَّمناها منه، فلو عَلِمْنَا من حديثٍ مرفوع أنه أمر المقتدين بالجهر، أو استمرَّ عليه، لاتَّخَذْنَاه سنةً، ولرجَّحنا الخصوصَ على العموم، ولكن لَمَّا لم يُنْقَلْ فيه إلينا شيءٌ من المرفوع، إلا ما نُقِلَ عن أهل الكوفة، وهو واقعةٌ، عَملْنا بالعموم الواردة فيه. فإن قلتَ: إن قوله: «إِذا أَمَّنَ الإمامُ أفاد الجهرَ إفادة قوله: «فأمِّنُوا» أيضًا، لكونه على شاكلةٍ واحدةٍ. قلتُ: كلا، وإلا لَزِمَ الجهرُ في جواب الأذان، والجهر بالتكبير والتحميد للمأموم في حديث الائتمام، لاتحاد الشاكلة هناك أيضًا. أَلا تَرَى إلى قوله: «إِذا كَبَّرَ، فَكَبِّرُوا ... » إلخ، لم يذهب هناك أحدٌ إلى أن القومَ أيضًا تَجْهَرُ به مع الإمام، فَقِسْ عليه قوله: «إِذا أمَّن، فأَمِّنُوا»، لا تجد بينهما فارقًا إن شاء الله تعالى، فلم يَخْلُصْ لهم في المرفوع لجهر القوم شيءٌ. نعم، لهم لجهر الإمام. قوله: «إذا أمّن الإمام ... » إلخ، وفيه أيضًا نظرٌ، لأنه يمكن أن يكون تعليقًا بأمرٍ معلومِ الوجود، لأن موضعَ تأمينه معلومٌ، فلا حاجةَ إلى أن يَجْهَرَ الإمامُ بها أيضًا. وفي التعليم كفايةٌ بل في قوله: «فإن الإمام يقولها» بناء على الإخفاء، فقوله: «إذا أمَّن» يستدعي وجوده فقط، لا جهره. ثم إن ابن الهُمَام ﵀ قال في «الفتح»: إن الحديثَ عبارةٌ في تأمين القوم، وإشارةٌ في تأمين الإمام. قلتُ: وهذا إنما يَصِحُّ على رأي صدر الشريعة، فإنه قال: إن المنطوقَ إن كان مقصودًا أصليًا، فهو عبارةٌ، وإلا فهو إشارةٌ، بخلاف الشيخ ﵀، فإنه صرَّح في

стр. 821

«التحرير»: أن المنطوقَ مطلقًا عبارةُ النص فلعلّه ذَهَلَ عَمَّا حَقَّق في «التحرير». ولعلَّك عَلِمْتَ منه: أن تمسُّك البخاري على جهر الإمام والمأموم لا يَصِحُّ من هذا الحديث. والذي يَخْطُر بالبال: أن المصنِّف ﵀ حَمَلَ التأمين في الصلاة من باب تشميت العاطس وردّ السلام، ويشترط فيهما أن يكونَ بصوتٍ، يَبْلُع الحامد أو المُسَلِّم، فلا يمكن إحياء هذا الحق إلا بالجهر. فهكذا تأمينُ القوم إذا كان جوابًا لدعاء الإمام، وَجَبَ أن يكونَ بالجهر كردِّ السلام، وتشميت العاطس، فأُخِذَ منه جهر القوم بهذا الطريق، وللمانع فيه مجالٌ وسيع. بقي الحديث الثالث، فأخرجه المصنِّف ﵀ في الدعوات، لأنه فَهِمَ أن القاريء لا يَقْتَصِرُ في الصلاة، فيجوز أن يكون في الخارج وفي الصلاة، بخلاف الإمام، فإنه لا يكون إلا في الصلاة، فأخرجه في كتاب الصلاة، وأخرج لفظ القاريء في الدعوات. ومثل هذه الغوامض غير نادرةٍ في كتاب المصِّنف. ثم إنه لم يَتَنَقَّحْ عندي أنهما حديثان عند البخاريِّ، أو من باب الاختلاف في الألفاظ فقط، وهذا من دَأْبه: أنه إذا لم يتبيَّن عنده اختلاف الحديث من اختلاف الألفاظ، يُتَرْجِمُ عليهما تَبعًا للألفاظ. وعندي: هو حديث واحدٌ سِيْقَ لأحكام الصلاة دون الخارج. ثم لا أدري ماذا كان لفظ النبيِّ ﷺ والحاكم في هذا الباب: هو الوِجْدَان لا غير (١). بقي اختلاف سُفْيَان وَشُعْبَة في حديث وائل، فوجهُهُ عندي: أنه من باب حِفْظ كل ما لم يَحْفَظْهُ الآخر. والحديث يَسْقُطُ على مذهب الشافعية: «وكان النبيُّ ﷺ جَهَرَ فيها بالتأمين دون جهر الفاتحة»، وهو مذهب الإمام الشافعيّ ﵀، فكان في تأمينه جَهْرٌ وَخَفْضٌ معًا؛ الجهرُ في نفسه، والخفضُ بالنسبة إلى الفاتحة. فما يرويه شُعْبَةُ أيضًا صحيحٌ، وما يُؤَدِّيه سُفْيَان أيضًا صحيحٌ، إلا أن كلاهما يُؤدِّيَان حصةً من المراد، فجهرُه أدَّاه سُفْيَان، وخفضُه بالنسبة إلى الفاتحة ذكره شُعْبَة، والأمران صحيحان، هذا هو الرأي عندي. والناس حَمَلُوه على الاختلاف، فاضْطَرَّ كلٌّ إلى إعلال ما عند الآخر، ولا حاجةً إليه عندي. ومن العجائب: أن شُعْبَةَ قائلٌ بجهر آمين وسُفْيَان بإخفائه، كما ذكره ابن حَزْم. وحينئذٍ ماذا تَنْفَعُك رؤيته بالجهر إذا كان عَمَلَه بالإخفاء. والراوي إذا رَأَى بخلاف ما رَوَى، فانظر فيه ماذا تَرَى. وقد بَسَطْتُ الكلامَ فيه مع شواهده فيما ألقيت في درس الترمذي. وذكرت نبذةً منه في «كشف الستر»، فليراجعه من أواخره. وبالجملة، قد تبيَّن لي بعد السَّبْر: أن بناء الشريعة ليس على الفاتحة خلف الإمام، ولا

стр. 822

على رفع اليدين، ولا على الجهر بالتأمين. فإنه ليس في «الذخيرة» حديثٌ قوليٌّ في رفع اليدين، ولا في إيجاب الفاتحة على المقتدين ابتداءً في الصلاة كلها، ولا في الجهر بالتأمين مطلقًا، والمراد من البناء: هو التأصيل والتفريع. نعم هناك حديثٌ قوليٌّ في التأمين بناؤه على الجهر، وهو عند أحمد ﵀: «إن اليهود ما حَسَدُوا عليكم كما حَسَدُوا على التأمين، فأَكْثِرُوا من قول: آمين»، أو كما قال: وقد وجَّهناه في رسالتنا «كشف الستر». ١١٤ - باب إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ يعني هل يُعْتَبَرُ ويُعْتَدُّ بتلك الركعة أو لا؟ فمذهب المصنف أن مدرك الركوع ليس بمدرك للركعة وهو من تفريعات الأخذ بقراءة الفاتحة فإِنه إذا لم يُدْرِك الفاتحةَ لم يُدْرِك الركعة أيضًا، لأنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وهو أخذٌ شديدٌ يُخَالِفُه تواتر السلف. بقيت الصلاة خلف الصفِّ كيف هي؟ فهي مكروهةٌ عندنا، خلافًا لأحمد، فعنده: باطلةٌ إن كان في الصفِّ فرجةٌ، فصلاها متخلِّفًا عنه. ونَسَبَه الحافظُ رحمه الله تعالى إلى البخاريِّ رحمه الله تعالى أيضًا، مع أن الحديثَ يَدُلُّ على صحة صلاته، حيث لم يأمره بالإِعادة. ثم وجهه أن صلاته هذه وإن عُدَّت صحيحةً، إِلا أن المسألةَ في المستقبل بُطْلان صلاة المصلِّي خلف الصفِّ وحده، لقوله: «ولا تَعُدْ»، فإذا نهاه فيما يأتي أن يعودَ إليه، لم يَجُزْ لأحدٍ أن يفعل مثله. وحَمَله الجمهور على ظاهره وتمسَّكُوا به على الصحة، والأولى له أن يُشِيرَ إلى رجلٍ ليتأخَّر عن الصفِّ، فَلْيَصُفَّ معه، ويَشْهَدُ له مُرْسَلٌ في «مراسيل أبي داود». والفتوى: على أن لا يفعله اليوم لقلة العلم وكثرة الجهل، فلعلَّه لا يتأخَّر ويقاتله، فَيُفْسِدُ عليه صلاته. وفيه دليلٌ على أن مُدْرِكَ الركوع مُدْرِكٌ للركعة، فإن هذا الرجل أدرك إمامه في الركوع، وركع دون الصفِّ، ثم دَبَّ إلى الصفِّ، وعُدَّ مُدْرِكًا للركعة عندهم. ٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنِ الأَعْلَمِ - وَهْوَ زِيَادٌ - عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهْوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ». تحفة ١١٦٥٩ - ١٩٩/ ١ ٧٨٣ - قوله: (ولا تَعُدْ)، وفيه تصويبٌ للنية، وتخطيةٌ للعمل. وقد مرَّ تفصيله من قبل، فإِنه بابٌ مستقلٌ. وقُرِىء على ثلاثة أوجه: من العود، والإِعادة، والعدو. ١١٥ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِى الرُّكُوعِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . فِيهِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ. ٧٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الْجُرَيْرِىِّ عَنْ أَبِى الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ صَلَّى مَعَ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ. طرفاه ٧٨٦، ٨٢٦ - تحفة ١٠٨٥٧

стр. 823

٧٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّى بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ إِنِّى لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أطرافه ٧٨٩، ٧٩٥، ٨٠٣ - تحفة ١٥٢٤٧ واللفظُ يَحْتَمِلُ شرحين: الأول أن يَبْسُطَ التكبير ويَمُدَّه على الحركة الانتقالية بحيث يَعْمَرُ به الانحطاطُ كلُّه. والثاني: أن يُتِمَّ عدده. واللفظُ وإن كان أقرب إلى الأول، لكن مراد البخاريِّ هو الثاني، لأنه اشتهر عن بني أُمَيَّة أنهم لا يُتمُّون التكبير ويُنْقِصُون عدده، فلم يكونوا يَأْتُون به في الخفض، وكان يُقَال لمن كانوا يُتِمُّونهُّ: مُتِمُّ التكبير. فهذا اللفظ قد كان شاع عندهم في إتمام العدد. بقي أن بني أُمَيَّة لِمَ كانوا يتركونه في الخفض؟ فبعد ما عُلِمَ فسقهم، لا حاجةَ لنا إلى بيان منشأ أفعالهم. نعم، عن عثمان أيضًا مثله، وهذا الذي ينبغي أن يُطْلَبَ له تأويلٌ. ٧٨٤ - قوله: (صلَّى مع عَليَ رضي الله تعالى عنه) أي بالبصرة. ودلَّ الحديثُ على جريان التهاونُ في أعداد التكبير في زمن الراوي، ولذا يتعرَّض إلى أعداده وإتمامه، ومن ههنا تبيَّن شرح ما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ «أنه كان يُكَبِّرُ في كل رَفْعٍ وخَفْضٍ»، مع أنه ليس في القَوْمَةِ إِلا التسميع والتحميد، فإنه عمومٌ غير مقصود أراد به الرَّدَّ على من ترك التكبير عند الخفض، لا نفي التسميع، ومن غَفَل عنه اضْطرب لحلِّه، ونُقِلَ هذا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أيضًا. وظني أنه إذا لم يكن يُكَبِّرُ، لم يكن يَرْفَعُ يديه أيضًا، فإِن التكبيرَ والرفعَ قرينان، فإِذا تُرِكَ أحدهما تُرِكَ الآخر. ولعلَّ منشأ فِعْلَه ما عند أبي داود، في الجهاد: «وكان النبيُّ ﷺ وجيوشُه إذا عَلَوا شَرَفَا كبَّروا، وإذا هَبَطُوا واديًا سبَّحوا». ثم يقول الراوي: «وعليه وُضِعَت الصلاة»، أو كما قال. قلتُ: وهذا اجتهادٌ من الراوي، مع مخالفته لجماهير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وإن سلَّمناه، فلنا أن نقول: إن التكبيرَ عند الانحطاط وإن كان في الخفض حَسَنًا، لكنه مُعْتَبَرٌ في القَوْمة شرعًا، لأن ابتداءه منها، فأصله في القومة وإن كان بَسَطه في الانحدار أيضًا، وهذا إبقاءُ التكبير دون ابتدائه، وحينئذٍ صارت شاكلته في الثنايا والصلوات واحدة. ولعلّ ابن عمر رضي الله تعالى عنه تَرَك الرفعَ بين السجدتين لمثل هذا، وإلا فهو ثابتٌ ثبوتًا لا مردَّ له، كما عَلِمْت سابقًا. ولما عَلِمْنَا أنه اجتهد في أمر التكبير، فتركه في بعض المواضع من اجتهاده، واختاره في البعض، خَفَّ رفعه أيضًا، وأمكن أن يكونَ ذلك أيضًا بنوعٍ من اجتهاده. لا أقول بالاجتهاد في نفس الرفع، حاشا وكلا، بل في اختياره وترجيحه على الترك، وإصراره عليه، وتَنْوِيهه بشأنه. ١١٦ - باب إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِى السُّجُودِ ٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ

стр. 824

عَبْدِ اللَّهِ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَخَذَ بِيَدِى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَقَالَ قَدْ ذَكَّرَنِى هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . أَوْ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . طرفاه ٧٨٤، ٨٢٦ - تحفة ١٠٢٨١، ١٠٨٤٨ ٧٨٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلاً عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِى كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنه - قَالَ أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِىِّ ﷺ لَا أُمَّ لَكَ. طرفه ٧٨٨ - تحفة ٦٠١٨ والمراد من الإتمام ههنا: ما كان المراد منه في الباب السابق، وقد مرّ: أن اللفظ وإن احتمل غيره أيضًا، ولكن عيَّناه لِمَا علمناه من التاريخ: أنه قد جرى عندهم البحث في الإتمام والتقصير بحَسَب عدد التكبير، فَحَمَلْنَاهُ عليه. قوله: (أَوَلَيْسَ تِلْكَ صلاة النبيِّ ﷺ ، فانظر كيف حمل التكبير، حتَّى ظنَّ المُنْكَر سنةً والسنة مُنْكرًا، واحْتِيجَ إلى بيان أن التكبيرَ عند كلِّ خَفْضِ ورفعٍ سنةُ أبي القاسم ﷺ وتَرَاجِمُ البخاري هذه ناظرةٌ إلى ما عند أبي داود في حديث ابن أَبْزَى، وكان لا يُتِمُّ التكبير. وكان المختار هو الإتمام، فترجم به إيماءً إلى ما قلنا. ١١٧ - باب التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ ٧٨٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ أَحْمَقُ. فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِى الْقَاسِمِ ﷺ . وَقَالَ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبَانُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. طرفه ٧٨٧ - تحفة ٦١٩٤ - ٢٠٠/ ١ ٧٨٨ - قوله: (إنه أحمق). أقول، وههنا واقعتان، وأبو هريرة في إحداها، ولا يجب أن يكونَ في الأخرى أيضًا، فلا يَلْزَمُ أن يكونَ هذا اللفظ في حقِّه. ٧٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لَمِنْ حَمِدَهُ. حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ﴾ وَلَكَ الْحَمْدُ - ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِى، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. أطرافه ٧٨٥، ٧٩٥، ٨٠٣ - تحفة ١٤٨٦٢

стр. 825

٧٨٩ - قوله: (حين يقومُ من الثِّنْتَيْنِ): يمكن أن يكونَ الراوي أراد به إتمام التكبير، ويمكن أن يكونَ إشارةً إلى ما اختاره مالك: إلى أن التكبيرَ في الثالثة ليس عند النهوض، بل إذا بَلَغَ في القيام، كما كان عند التحريمة أيضًا في القيام، واعلم أن هناك سؤالا من جانب الحنفية على الشافعية، وهو: إن التكبيرات إذا كانت ثِنْتَيْنِ وعشرين، فإِنْ قُلْنَا بجلسة الاستراحة يَلْزَم: إما الزيادة عليها إن قُلْنَا بالتكبير عند الرفع منها، أو يَلْزَم ترك التكبير عند الرفع، مع أن المعهودَ من صلاته ﷺ هو التكبير عند كل خفضٍ ورفعٍ. وقال الشافعيةُ رحمهم الله تعالى: إنه يطوِّل التكبيرَ الواحدَ، ويَبْسُطُه على الجلسة، ويرفع بذلك التكبير، وهو كما ترى. واعلم أن الشاميَّ نَسَبَ إلى الطَّحَاويِّ التكبيرَ في القَوْمَةِ، أو يُكَبِّرُ ثم التسميع بعده. قلتُ: وهذا ليس بجيد، فإنه خلاف التعامُل، ولا ينبغي بناء المسائل على الألفاظ. والذي أرى أنه نُسِبَ إليه، لما في «معاني الآثارُ» قوله: وذلك أنا رأَينا الدُّخُول في الصلاة يكون بالتكبير، ثم الخروج من الرجوع والسجود يكونان أيضًا بتكبيرٍ. وكذا للبرماوي الشافعي كتابٌ في الفِقْهِ، وذكر فيه: أنه كان أولا التكبير عند الرفع من الركوع أيضًا، حتَّى اتفق مرةً أن أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه تخلَّف عن ركعةٍ، وأدرك الإِمامَ في الركوع، فقال: «الله أكبر، الحمد لله، الله أكبر»، فكان التكبير الأول للافتتاح، والتحميد خُلاصةً للفاتحة، والتكبير الثالث للركوع، فنزل جبريل ﵊ وقال: «إن ربَّه رضي بتلك الكلمات، وشرع لكم التسميع». ومن هنا شُرِعَ التسميع، غير أني لم أر تلك القصة إلا في كتابه. ١١٨ - باب وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِى الرُّكُوعِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِى أَصْحَابِهِ أَمْكَنَ النَّبِىُّ ﷺ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ. ٧٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّىَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَىَّ، فَنَهَانِى أَبِى وَقَالَ كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. تحفة ٣٩٢٩ والتطبيق عندي بضم اليدين بدون تشبيك. وبَالَغَ في بيان الضم من ذكر التشبيك، كما عند مسلم، وهو هيئة القيام بين يدي الملك، وكانت فيه مَشَقَّة، ثم رخَّص بالاعتماد على اليدين. وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يراه عزيمةً، فإن العطايا على قدر البلايا، ولم يكن يراه مَنْسُوخًا عن أصله. ومن طَعَن عليه، فقد أفرط في التعصب، فإنه ثَبَتَ عن عليّ رضي الله تعالى عنه أيضًا. ولكن الجمهور لما تَرَكُوه وَجَبَ العملُ بما فعلوه. وقد بَسَطْنَا الكلامَ فيه في رسالتنا: «نيل الفرقدين»، فراجعه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في ترك الرفع. ١١٩ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ ٧٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ

стр. 826

وَهْبٍ قَالَ رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلاً لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِى فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عليها. طرفاه ٣٨٩، ٨٠٨ - تحفة ٣٣٢٩ دخل في مسألة التعديل وبدأها من الركوع على هيئته في الصلاة وهو عبارة عن تبدل الحركة بالسكون وعود كل عضو إلى مكانه. ١٢٠ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِى الرُّكُوعِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِى أَصْحَابِهِ رَكَعَ النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ. ١٢١ - باب حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاِعْتِدَالِ فِيهِ وَالاِطْمَأْنِينَةِ ٧٩٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى الْحَكَمُ عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ كَانَ رُكُوعُ النَّبِىِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. طرفاه ٨٠١، ٨٢٠ - تحفة ١٧٨١ قوله: (والاطمأنينه)، والصحيح كما في الهامش: والطمأنينة. وحدُّ الإِتمام غير مُنْضَبِطٍ. ٧٩٢ - قوله: (ما خلا القيامَ والقعودَ قريبًا من السَّوَاء)، فجعل الراوي ههنا التسوية بين المواضع الأربعة: الركوع، والسجود، والقومة، والجلسة. واستثنى القيام والقعود، لأنه ثَبَتَ التنوُّع في قيامه جدًا، فتارةً جَعَلَه أطول من أطول، وأخرى قَصَرَه حسبما دَعَتْهُ الحاجةُ، بخلاف تلك المواضع الأربعة، فإنها كانت على شاكلةٍ واحدةٍ غالبًا. وعند مسلم ما يَدُلَّ على التسوية بين القيام والقعود، وبين هؤلاء الأربعة بدون استثناء، والظاهر أنه مسامحةٌ. والتسويةُ راجعةٌ إلى الأربعة فقط، ولا حاجةَ إلى تأويل ألفاظ الرواة عند ظهور المراد جُمُودًا على لفظهم فقط، ومن تأوَّل فيه أراد منه التناسُب، أي: إن كان قيامه طويلا، فسائرُ الأفعال أيضًا كانت طويلةً بحَسَبِهِ، وإن كان قصيرًا، فسائرُها أيضًا كذلك. والأرجح عندي كما في «صحيح البخاري». ١٢٢ - باب أَمْرِ النَّبِىِّ ﷺ الَّذِى لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالإِعَادَةِ ٧٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَرَدَّ النَّبِىُّ ﷺ ﵇ فَقَالَ «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». ثَلَاثًا. فَقَالَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِى. قَالَ «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِى صَلَاتِكَ كُلِّهَا». أطرافه ٧٥٧، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧ - تحفة ١٤٣٠٤ - ٢٠١/ ١

стр. 827

٧٩٣ - قوله: (ارْجِعْ فَصَلِّ) وعُلِمَ منه: أن الصلاةَ إذا اشتملت على كراهة التحريم وَجَبَت إعادتها، ومقتضاه أن تجب الإِعادةُ على من ترك الجماعةَ، وصلَّى في بيته مُنْفَرِدًا، فإِن الجماعةَ واجبةٌ، فإذا تَرَكَهَا وَجَبت إعادتُها. وتردَّد فيه ابن عابدين الشامي، لأنه إن قُلْنَا بوجوب الإِعادة، فلا فائدةَ فيه لأنه إن يُعِدْها يُعِدْها مُنْفَرِدًا. وإن قُلْنَا بعدم وجوبها، يَلْزَمُ نقض الكلية. قلتُ: ولي جَزْمٌ بأنه لا يعيدها، والكلية فيما كانت في الإِعادة فائدة. ولا تمسُّك فيه على فرضية التعديل، لأن الأمر بالإِعادة ليس مبنيًّا على فرضيته، كما زَعَم، بل أمكن أن يكون ضربًا من التعزير، وهو الظاهر من الأمر بإِعادة عمل عمل عمله مرةً. وحينئذٍ لم يَبْقَ فيه دليلٌ على ما راموه. فأمعن النظر فيه، فإِن المعاني تختلف باختلاف الاعتبارات، وذلك عند أهل العرف كثيرٌ. ثم اعلم أن حديثَ مُسِيء الصلاة لا يرويه إلا أبو هريرة ورِفَاعة بن رافع. وفي جملة طُرُق حديث أبي هُرَيُرَة ﵁: «ثم اقرأ ما يتسَّر معك من القرآن». وتمسَّك منه الحنفية على عدم ركنية الفاتحة. قلتُ: وهذا ليس بصحيحٍ، لأن الفاتحةَ وإن لم تكن رُكْنًا، لكنها واجبةٌ عندنا أيضًا. والسياقُ سياقُ التعليم، فلو فرضنا أنه لم يعلِّمه الفاتحة يَلْزَم درج كراهة التحريم في سياق التعليم، ولا يجوز أصلا، مع أنها مذكورةٌ في حديث رِفَاعة صراحةً، وإن كانت مجملةً في حديث أبي هُرَيْرَة، على أن التيسيرَ مُعْتَبَرٌ في الطول، لا في العرض، كما مرَّ تقريره في المقدمة. وحاصله: إن الله تعالى لمّا عَلِمَ الاستثقالَ عليهم في القيام بالليل، رخَّص لهم أن لا يطوِّلوه كما كانوا يفعلونه في الليل كلِّه، أو أكثره، بل لهم أن يقوموه حسبما تيسَّر لهم. فهذا تيسير في حصص الليل، لا في الفاتحة كما فَهمُوه، ثم أقول: إن قوله: «ثم اقرأ ما يتسر معك من القرآن»، ليس بناء على ركنية الفاتحة، بل لكون الرجل بدويًا أعرابيًا لا يدري أنه كان عنده شيءٌ من القرآن، أم لا. وحينئذٍ ينبغي أن يكون التعبيرُ هكذا، ولذا قال: «وإلاّ فاحمد الله، وكَبِّرْهُ»، فدَلَّ على أنه كان ممن لا يُسْتَبْعَدُ منه أن لا يكون عنده قرآنٌ أصلا، وإذن لا يُلائِمُه أن يأمره بالفاتحة والسورة تفصيلا، وإنما الأَلْيَقُ بحاله الإِجمالُ، فيقرأ بما يَقْدِرُ، ولذا ورد عند الترمذيِّ: «فإن كان معك قرآن» ... إلخ. وتُرَاك فَهِمْت الآن حسن التعبير. قوله: (حتى تَطْمَئِنَّ راكعًا)، وفي حديث أبي حُمَيْد الساعدي حتى جعلنكا فقار مكانه، ومنه يَعْلَمُ قدر التعديل، وقدَّره فقهاؤنا بتسبيحةٍ، وما وراءها فسنةٌ. قوله: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلِّها) تمسَّك به الشيخ ابن الهُمَام على وجوب الفاتحة في الأُخْرَيَيْن أيضًا، واختاره (١) العيني رحمه الله تعالى. والمشهور أنها مستحبةٌ لِمَا ثَبَتَ عن عليّ وابن مسعود ﵄: «أنهما كانا يُسَبِّحان في الأُخْرَيَيْن». وقوَّى ابن أَمير الحاج

стр. 828

في «شرح المنية» الاستحباب. وعن الحسن بن زياد بالوجوب، نحو ما اختاره الشيخ. ويمكن الجواب عن استدلاله بأن قوله: «ثم افعل ... » إلخ لا يَرْجِعُ إلى القراءة وإن جعله الشيخ محطًّا، بل المحطُّ عندنا هو التعديل، لأنك قد علمت فيما مرَّ أن هذا الرجل قد كان خفَّف في صلاته وترك التعديل، كما في لفظ الترمذي: «فأَخفَّ في صلاته». وإذن التَّبَادُرُ أن أمره يَنْصَرِفُ إلى ما قَصَرَ فيه، لا إلى القراءة. ثم ذكر له بعض الأشياء تكميلا وتتميمًا، وجعل الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى محطِّه الفاتحة وسورة. ثم إن كنت سَمْحًا تَقْدِرُ أن لا تُنَازِعَ المُخَاطب قبل أن تفهم كلامه، فاعلم أن الأمرَ لمطلق الطلب عندي، فيندرجُ تحته الوجوب والاستحباب معًا، لا على طريق القول بعموم المجاز، ولا الجمع بين معاني المُشْتَرك، بل على ما هو رأي المَاتُرِيدِي. فإِن الأمرَ - مثلا - اضرب حكايةٌ من قوله: افعل فعل الضرب، ونحو: صلِّ حكايةٌ من قوله: افعل فعل الصلاة. وحقيقةُ الصلاة لا تختلف بين الفريضة والنافلة، فتتناول كِلْتيهما، وهكذا الصومُ والحجُّ كلُّه يتنوَّع وينقسم إلى الفريضة، والواجب، والمندوب مع اتحاد الحقيقة في كلِّها. فإذا وُسِّع التفصيل في المحكي عنه مع اتحاد العبارة، فليكن في الأمر أيضًا. كيف، وهو حكايةٌ عنه فكما أن الفريضةَ، والواجبَ، والمستحبَ كلَّها تدخُلُ في لفظ الصلاة بدون تكلُّف، كذلك فلتدخل كلُّها في الأمر، ويكون الأمر لطلب تلك الحقيقة فقط على صفتها التي في الخارج. وليس هذا من الجمع بين معاني المُشْتَرَك في شيءٍ، بل هو طلبٌ للحقيقة المختلفة بحَسَب الأنواع. فالتنوُّع في الأمر ليس من قِبَل نفسه ومدلوله، بل من جهة اختلاف تلك الحقيقة، فإِن كانت واجبةً يكون طلبها أيضًا واجبًا، وإن غيره فغيره. وهل يَلْصَق بالقلب أن مِصْدَاق قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] هو الصلاة التي صلَّى عليه مرةً في عمره، والباقية خارجة عن مِصْدَاقه، بل الأمر فيه لطلب مطلق الصلاة على النبيِّ: إن كانت واجبةً فوجوبًا، وإن كانت غيره فغيره. وليس هذا الاختلاف من جهة الأمر، بل لاختلاف تلك الحقيقة بعينها. وإذا فَهِمْتَ أن اللفظَ الواحدَ يُطْلَقُ على الأنواع المختلفة في زمانٍ واحدٍ، ولا يكون ذلك عندهم مجازًا، ولا جمعًا بين معاني المُشْتَرَك، فكذلك الأمر لطلب هذه الحقيقة، وإن اختلفت بحَسَب العَوَارِض. فاعلم أن قوله: «افعل في صلاتك كلِّها» أيضًا يتناول الوجوبَ والاستحبابَ، فمعناه: أن اقرأ القرآن في كلِّ الصلاة، فمتى كان واجبًا فوجوبًا، ومتى كان مستحبًا فاستحبابًا. وحينئذٍ جاز أن تكون القراءةُ واجبةً في الأُوَلَيَيْنِ، ومستحبةً في الأُخْرَيَيْن مع دخولها تحت أمرٍ واحدٍ، ولا يَثْبُت ما رامه الشيخ ابن الهُمَام ﵀. أمَّا دخول الأنواع المختلفة تحت لفظٍ واحدٍ، فالاتحاد حقيقة الفرض والنفل، وإنما الفرقُ من حيثُ لُحُوق الأمر وعدمه، وذلك من العَوَارِض، فلا تختلف بها الحقيقةُ. وأَبْعَدَ من ذهب إلى تبايُن تَيْنِكَ الحقيقتين، وقد قرَّرناه من قبل، والتفصيل في «فصل الخِطَاب». وبعد، فلي بعض تردُّد في استحباب القراءة في الأُخْرَيَيْن

стр. 829

لمكان الاختلاف، وتجاذُب الأدلة، لأنه ليس في المرفوع كثيرُ شيءٍ يَدُلُّ على الفرق بين الأُولَيَيْن والأُخْرَيَيْن. فإِن قلتَ به، لَزِمَ على ترك ما رُوِي عن علي ﵁ في العَيْنِيِّ، وابن مسعود ﵁ في «المصنَّف» لابن أبي شَيْبَة. وإن اتَّبَعْتَ أثرهما، يَلْزَمُ على خلاف تبادُر الحديث، فلذا أتوقَّف فيه. وإنما لم نَقُلُ بوجوب السورة في الأُخْرَيَيْن لِمَا عن قَتَادة في البخاري مرفوعًا: «أنه كان يقرأ في الظهر في الأُولَيَيْنِ بأمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأُخْرَيَيْن بأَمِّ الكتاب ... » إلخ، فقام الدليل على التخصيص. قلتُ: ومع ذلك ثَبَتَ القراءةُ بالسورة أيضًا، فلا مناص إلا بالقول بالجواز، وهو قول فخر الإِسلام منا، وهو الأصوب عندي. ولعلَّ الأكثر من فِعْل النبيِّ ﷺ تركها، وهو السنة. وقد ذكرت بعض الكلام فيه في رسالتي «فصل الخطاب»، من شاء فليرجع إليها. ١٢٣ - باب الدُّعَاءِ فِى الرُّكُوعِ ٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى». أطرافه ٨١٧، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨ - تحفة ١٧٦٣٥ ١٢٤ - باب مَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ٧٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ «اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ». أطرافه ٧٨٥، ٧٨٩، ٨٠٣ - تحفة ١٣٠٢٧ ولعلَّه نظر إلى ما أخرجه مسلم: «أمَّا الركوع، فعظِّمُوا فيه الرَّبَّ. وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فادعوا فيه، فَقَمِنٌ أن يُسْتَجَابَ لكم». بالمعنى. وهذا يَدُلُّ على أن الدعاء ينبغي في السجود، أمَّا الركوع، ففيه تعظيم الرب جلَّ مجده. قلتُ: وتعظيم الرب لا يُنَافي الدعاء، فله أن يُعَظِّم ربه ويدعو بدعاءٍ مُخْتَصَرٍ أيضًا. فإن كان البخاري أراد به إسقاط ما عند مسلم، فليس بصحيحٍ، وإن كان أراد دفع الإيهام فقط، فهو ناهضٌ. ثم العمل عندي ينبغي أن يكون على حديث مسلم لأن الحديث جعل التعظيمَ في الركوع، والدعاءَ في السجود، فدلَّ التقابُل على أن المراد من التعظيم غير الدعاء، وإن كان الدعاء أيضًا جائزًا. والله تعالى أعلم. بقي شيءٌ، وهو أن التعظيمَ أزيدُ في السجود من الرجوع، فينبغي أن يكونَ أمر التعظيم في السجود، مع أن الحديث جعله في الركوع. فكان للشارحين أن يَكشِفُوا عن معنى التعظيم لِيَظْهَرَ وجهُ اختصاصه بالركوع، وقد كَشَفُتهُ بحمد الله في «رسالتي»، فليراجع.

стр. 830

ثم إن ابن أمير الحاج صرَّح بجواز الأدعية كلِّها، حتى في الجماعات بشرط عدم التثقيل على القوم. وراجع «المواهب اللدنية» لمواضع الأدعية من الصلاة، فإِنه بَسَطَها جدًا. وما في «المبسوط» لشمس الأئمة من عدم جواز الأذكار في الفرائض، فهو متروكٌ عندي، والمختار ما قرَّره ابن أمير الحاج. ١٢٥ - باب فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ٧٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». طرفه ٣٢٢٨ - تحفة ١٢٥٦٨ وقد مرَّ: أن المشهورَ التوزيعُ، وفي روايةٍ: الجمع للإِمام، وبه أفتى بعضَ الكبار مِنَّا كالحلواني، والفضل بن محمد، وأبو عليّ النسفي. ١٢٦ - بابٌ ٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِىِّ ﷺ . فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقْنُتُ فِى الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ. أطرافه ٨٠٤، ١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠ تحفة ١٥٤٢٩، ١٥٤٢١ - ٢٠٢/ ١ أشار إلى مذهب الشافعيِّ رحمه الله تعالى: أن القنوت الراتبة في الفجر في السنة كلِّها، وفي الوتر في النصف من رمضان فقط. وإنما لم يُتَرْجِم به، لأنه لم يُرِدْ تنويره. ٧٩٧ - قوله: (يَقْنُتُ في الركعة الأخرى). وهذه قنوت النازلة، وهي قنوت النازلة، وهي عندهم في الصلوات الخمس، ويَجْهَرُ بها، ولو في السِّرية. قلتُ: والجهرُ في السِّرية غريبٌ جدًا، واستدلَّوا بما عند أبي داود، وهو ضعيفٌ عندنا. وتكلَّم الطحاويُّ في قنوت النازلة، ويُتَوَهَّمُ النسخ من عبارته، فليتركه. فإِن الشيخ العَيْني رحمه الله تعالى نَقَلَ عن الطحاويِّ ما يَدُلُّ على أنها ثابتةٌ عندنا أيضًا. وقنوت النازلة عندنا في الجهرية، كما في «شرح الهداية» للأمير الإتقاني، وفي شرح شمس الدين النووي: جوازها في الصلوات مطلقًا. قوله: (يَلْعَنُ الكُفَّار). ذِكْرُ الأسماء في الصلاة مُفْسِدٌ عندنا، غير أن في الدعاء قولين: الأول إن كان ذكرها في سِيَاق الدعاء عليهم لم يُفْسِد، وإن كان في سِيَاق الدعاء لهم أَفْسَد. وفي قول: أَفْسَدَ مطلقًا، والمختار هو الأول، فلا حاجةَ إلى الجواب. ٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى الأَسْوَدِ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ

стр. 831

أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ الْقُنُوتُ فِى الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ. طرفه ١٠٠٤ - تحفة ٩٥٤ ٧٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ عَلِىِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَاّدٍ الزُّرَقِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىِّ قَالَ كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّى وَرَاءَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ». قَالَ أَنَا. قَالَ «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ». تحفة ٣٦٠٥ ٧٩٩ - قوله: (مَنِ المُتَكَلِّمُ)، اخْتَلَفَ في جوابه التفتازاني والجُرْجَاني، فقال التفتازاني: إن الجواب لمن قال: من التائب؟ التائب زيد. وقال الجُرْجَاني في «حاشية الكشاف»: إن حقَّ الجواب: زيد التائب. قال الكَافِيَجِي: إن الجُرْجَاني محرومٌ من المعاني، إِلا أن عندي له وجوهًا ذكرتها. قوله: (رأيت بِضْعَةً وثلاثين)، وفي روايةٍ: «اثني عشر ملكًا». وهما عندي في واقعتين. قوله: (أَيُّهم يَكْتُبُهَا)، وعند مسلم «أيهم يَصْعَدُ بها أول». وقد ثَبَتَ عندي تجسُّد المعاني وتَجَوْهُر الأعراض بالعقل والنقل، فلا بُعْدَ عندي في صُعُودها. واعلم أن حديث عرض الصلاة على النبيِّ ﷺ لا يقوم دليلا على نفي علم الغيب، وإن كانت المسألة فيه: أن نسبة علمه ﷺ وعلمه تعالى كنسبة المُتَنَاهي بغير المُتَنَاهي، لأن المقصودَ بعرض الملائكة: هو عرض تلك الكلمات بعينها في حَضْرَتِه العالية، عَلِمَها من قبل أو لم يَعْلَمْ، كَعَرْضِها عند رب العزة، ورَفْع الأعمال إليه. فإن تلك الكلمات مما يحيا به وجهُ الرحمن، فلا بنفي العرضُ العلمَ، فالعرضُ قد يكون للعلم، وأخرى لمعانٍ أُخَر. فاعرف الفرق. ١٢٧ - باب الاِطْمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ وَاسْتَوَى جَالِسًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ. والمراد به تكامُل الهيئة باستقرار كل عضوٍ مكانه، وقد مرّ منا: أنه لا اعتناءَ للشرع بطول القيام، فإنه ورد بالأنحاء كلِّها حسب الحاجات، أمَّا التعديلُ في المواضع الأربعة، فله اعتناءٌ به، وراجع له «كشف الستر». ٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِىِّ ﷺ فَكَانَ يُصَلِّى وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِىَ. طرفه ٨٢١ - تحفة ٤٤٦ ٨٠٠ - قوله: (حتَّى نقولَ: قد نَسِيَ): يعني من طول قَوْمَتِه. ولفظ «قد نَسِيَ»، وإن دَلَّ على الطول، لكنه من طرفٍ آخر دَلَّ على أنه لم يكن من عادته.

стр. 832

٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ رُكُوعُ النَّبِىِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. طرفاه ٧٩٢، ٨٢٠ - تحفة ١٧٨١ ٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِىِّ ﷺ وَذَاكَ فِى غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً، قَالَ فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِى بُرَيْدٍ. وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ. أطرافه ٦٧٧، ٨١٨، ٨٢٤ - تحفة ١١١٨٥ ٨٠٢ - قوله: (فَأَنْصَبَ هُنَيَّةً) (به كئي تهوري ديركي لئي): أي بقي هُنَيَّةً ساكنةً أطرافُه. وفي «الهامش» «فأَنْصَت» بالتاء مكان الباء، واستعمله الراوي ههنا في السكون على الأطراف، مع أنه للإصغاء والتهيُّؤ للاستماع. ٨٠٢ - قوله: (أبو يزيد): وهو عمرو بن سَلَمة، وفيه جلسة الاستراحة، وقد مرَّ مني جوابه، وحملها الطحاويُّ على الضرورة. ١٢٨ - باب يَهْوِى بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. وقد مرَّ: أن المرادَ به بَسْطُه على الأنحناء. قوله: (وقال نافع: كان ابن عمر يَضَعُ يَدَيْه قبل رُكْبَتَيْهِ). قال الحافظ؟ وإنه مُتَرْجَمٌ به، لا له. وقد وَرَدَ فيه الحديث بكلا النحوين، وقد تكلمنا عليه في درس الترمذي. قال النووي: لا يَظْهَرُ ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السُّنَّة. اهـ. ٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِى كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِى رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ. حِينَ يَهْوِى سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِى الاِثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِى كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنِّى لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. أطرافه ٧٨٥، ٧٨٩، ٧٩٥ - تحفة ١٤٨٦٤، ١٥١٥٩ - ٢٠٣/ ١

стр. 833

٨٠٣ - قوله: (كان يُكَبِّرُ ... في رمضانَ وغيرِه). وإنما تعرَّض الراوي إلى رمضان لمكان بعض الزيادات في هذا الشهر، فنبَّه على أنه لم تكن فيه زيادةٌ في باب التكبيرات. ٨٠٤ - قَالَا وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ». وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. أطرافه ٧٩٧، ١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠ تحفة ١٤٨٦٤، ١٥١٥٩ ٨٠٤ - قوله: (يَدْعُو لِرِجَالٍ)، وفي «البحر»: إنه لو دعا على معيَّن لم تَفْسُدْ صلاته. وهذا من الأُحْجِيَّة: أن التلفُّظ بزيدٍ فقط مُفْسِدٌ، والدعاء عليه غير مُفْسِدٍ. فالجزء مُفْسِدٌ، والكلُّ ليس بمفسدٍ. وهذا كما أن دِيَة الأطراف قد تزيد على دِيَة النفس. وتعرَّض إليه صدر الشريعة في «شرح الوقاية»، فراجعه. قوله: (وأهلُ المَشْرِق يومئذٍ من مُضَرَ): أراد به شرق العرب، فإِن الإِسلام لم يَخْرُج من جزيرة العرب بَعْدُ. ٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ فَرَسٍ - فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً صَلَّيْنَا قُعُودًا - فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». قَالَ سُفْيَانُ كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ لَقَدْ حَفِظَ، كَذَا قَالَ الزُّهْرِىُّ وَلَكَ الْحَمْدُ. حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِىِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ - وَأَنَا عِنْدَهُ - فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ. أطرافه ٣٧٨، ٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤ تحفة ١٤٨٥ - ٢٠٤/ ١ ٨٠٥ - قوله: (كَذَا جاء بِه مَعْمَرٌ)، هذه نغمةُ الاستفهام. سأله سُفْيَان عن عليّ ﵁. قوله: (قال: لقد حَفِظ)، وقد كان في المجلس مَعْمَر، وسُفْيَان، وابن جُرَيْج، والزُّهْرِي. ثم قال ابن جُرَيْج: إني أحفظ لفظ الساق مكان الشِقِّ. ١٢٩ - باب فَضْلِ السُّجُودِ ٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ «هَلْ تُمَارُونَ فِى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ».

стр. 834

قَالُوا لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَهَلْ تُمَارُونَ فِى الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ». قَالُوا لَا. قَالَ «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَاّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِى جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَاّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَاّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِى حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِى رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِى ذَكَاؤُهَا. فَيَقُولُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِى اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ يَا رَبِّ قَدِّمْنِى عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنْتَ سَأَلْتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ فَيَقُولُ لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِى رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِى أُعْطِيتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِى أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِى دُخُولِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَمَنَّ كَذَا وَكَذَا. أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِىُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىُّ لأَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنهما - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «قَالَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَاّ قَوْلَهُ «لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّى

стр. 835

سَمِعْتُهُ يَقُولُ «ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». طرفاه ٦٥٧٣، ٧٤٣٧ - تحفة ١٣١٥١، ١٤٢١٣، ٤٠٤٥، ٤١٥٦ - ٢٠٥/ ١ قيل: إنه يَحْرُم على النار أن تَأْكُلَ أعضاءَ السجود. وقيل: الرأس، والجبهة فقط. وفيه خلافٌ بين النووي في «شرح مسلم»، والحافظ رحمه الله تعالى، فليحرَّر كلام الحافظ، فإن كلامه مُؤَثِّرٌ هنا. ولا بُعْدَ أن يكون فيه غلطٌ من الناسخ، فإن نسخته الجديدة مملوءةٌ من الأغلاط وصححتها، فبلغت أغلاطها إلى خمس مئة. والعلم عند الله . ٨٠٦ - قوله: (يُحْشرُ الناس)، هذا كلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. قوله: (فيأتيهم الله)، وقد مرَّ مني: أن الأفعال اللازمة المُسْتَعْمَلة في الحضرة الإلهية يُرَاد بها: تَعَلُّق تلك الصفة بالمحل، والمتعدية منها يُرَاد بها: إحداث هذا المحل وإيجاده. فالإتيان والنزول والاستواء كلها أفعال لازمة، فَيُرَاد بها: تَعَلُّق هذه الصفات بالمحل، وهذه كلُّها تجلِّيات للرب جلَّ مجده. قوله: (كلاليب): هي علائق النفس تَتَجَسَّدُ هناك. قوله: (بآثار السجود). وعند مسلم ما يَدُلُّ على استثناء دَارة الوجه فقط. قلتُ: ولعلَّ الحال يكون مختلفًا، فتأكل النارُ بعضَهم غير دَارة وجههم، وبعضَهم أعضاءَ سجودهم كلَّها. واسْتُفِيدَ منه: أن العبادات أيضًا تَذْهَبُ إلى جهنم، إِلا أن النار لا تُؤَثِّرُ فيها أصلا. قوله: (حَمِيل السيل) (روكا ملغوبا). قوله: (ثم يفرغ الله من القضاء) إطلاق الفراغ مشاكلة فقط فإنه إذا لم يكن له شغل لم يكن له فراغ. قوله: (لك ذلك ومِثْلُهُ معه. قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: ذلك لك وعشرة وأمثاله). قيل: ولعلَّهما حديثان، فحَفِظَ كلٌّ ما لم يحفظه الآخر. وقيل: المثل جنس يَصْدُق على الكثير أيضًا، فيقع على الأمثال. وما تبيَّن لي أن لفظَ الحديث كان: «ومثله عشر مراتٍ» بالتعاطف هكذا: مثله، ومثله، ومثله، ... إلخ. فاستوفى أبو سعيد كلَّه في لفظٍ، واقْتَصَرَ آخرُ على مرةٍ منها. ١٣٠ - باب يُبْدِى ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِى فِى السُّجُودِ ٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. طرفاه ٣٩٠، ٣٥٦٤ - تحفة ٩ ١٥٧ - ٢٠٦/ ١ ١٣١ - باب يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .

стр. 836

١٣٢ - باب إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ ٨٠٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِىٌّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلاً لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ مَا صَلَّيْتَ - قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . طرفاه ٣٨٩، ٧٩١ - تحفة ٣٣٤٤ قال الحافظ رحمه الله تعالى: إن حديث ابن بُحَيْنَة المُعَلَّق ههنا ظاهره وجوب التفريج المذكور، لكن أخرج أبو داود ما يَدُلُّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه: «شكا أصحابُ النبيِّ ﷺ له مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا انْفَرَجُوا، فقال: اسْتَعِينُوا بالرُّكَب». وترجم له بالرخصة في ذلك، أي: في تركِ التفريج. قال ابن عَجْلانِ - أحد رواتهِ: وذلك أن يَضَعَ مِرْفَقَيْهِ على رُكْبَتَيْه إذا طال السجود وأعْيَا. وقد أخرج الترمذيُّ الحديثَ المذكورَ، ولم يقع في روايته: «إذا انفرجوا»، فترجم له: ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود، فجعل محل الاستعانة بالرُّكَب لمن يَرْفَعُ من السجود طالبًا للقيام. واللفط مُحْتَمِلٌ لِمَا قَال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تُعَيِّنُ المراد. اهـ. قلتُ: شرح أبي داود مرجوحٌ عندي، أمَّا شرح الترمذي فله وجهٌ. وحاصله على ما نقله الحافظ: أن المرادَ من الاستعانة بالرُّكَب: الاستعانةُ عند النهوض من السجود، دون الاستعانة بالمِرْفَقَيْن حال السجود، لكن لفظه عندنا هكذا: باب الاعتماد في السجود. وظاهرُه رَاجِعٌ إلى شرح أبي داود، لكن لمَّا نقل عنه الحافظ ما يَدُلُّ على الاعتماد حين القيام، نَاسَبَ أن يُؤَوَّل في النسخة التي بأيدينا أيضًا، بأن يُقَالَ: معنى الاعتماد في السجود: الاعتماد في القيام من السجود. ثم هذا التأويلُ لا يجري فيما أخرجه الترمذيُّ من متن الحديث عندنا، لأن فيه: «أن أصحابه اشتكوا مَشَقَّةَ السجود عليهم إذا تَفَرَّجُوا، فقال: استعينوا بالرُّكَب». وهذا يَدُلُّ على أن الشِّكَاية كانت في حال السجود، لا في حال القيام من السجود (١). وأخرجه الطَّحَاوِيُّ في باب التطبيق في الركوع، وليس فيه لفظة: «إذا تفرَّجُوا». ولذا وَسِعَه أن يَحْمِلَهُ على الاستعانة بالرُّكَب في الركوع على خلاف التطبيق. فتحصَّل من المجموع ثلاثة شروح: الأول للترمذيِّ، وحاصلُه على لفظ الحافظ: اسْتَعِينُوا بالرُّكَب عند القيام من السجود لئلا يَشُقُّ عليكم التفريج. والثاني للطَّحَاوِيِّ: أي اسْتَعِينُوا بالرُّكبِ في الركوع بالقبض عليها - على خلاف التطبيق - مخافةَ أن تَسْقُطُوا. والثالث لأبي داود: أي اسْتَعِينُوا بالمرافق في حال السجود خَشْيَةَ أن تَتْبَعُوا ولا يحتمل لفظ أبي داود غير هذا الشرح، بخلاف لفظ الترمذيِّ،

стр. 837

فإنه وإن كان على اللفظ الذي عندنا، لكنه يحتمل أن يُرَادَ فيه من الاستعانة: الاستعانةُ عند القيام، كما مرَّ منا تأويله. قلتُ: وقد تكلَّم عليه الطَّحَاوِيُّ عند بيان التفقُّه فيه بما يَدُلُّ على أنه أدرك سرَّ الصلاة. فقال ما حاصله: إن بُنْيَة الصلاة تُبْنَى على المُرَاوَحة، والتفريق بين الأعضاء، والمجافاة والتفرُّج بينها، وعدم استعانة بعضها من بعض، وعدم اعتماد أحدها على الآخر، فإنه أَمَرَ في القيام بصف القدمين وهو تفريقُهما. وكذلك في السجود بأن يُؤَدِّيه على سبعة آراب، ومآلُه هو التفريقُ بينها، وعدمُ استعانة بعضها ببعض، وهو محطُّ التفريج. فإذا كان الحال في القيام والسجود كذلك، فينبغي أن يكونَ في الركوع أيضًا مثله، فَيُفَرِّقُ بين الأيدي ولا يُطْبِقُ، لأنه أيضًا نوعُ استعانةٍ ولعَمْرِي هو كلامٌ في غاية المتانة. فإذا كان الأمر كما حرَّره الطَّحَاوِيُّ، فلعلَّهم ما كانوا يَسْتَعِينُون في صلواتهم بالرُّكَب عند الخرور إلى السجود، والرفع منه، كما نقل عن ابن عمر ﵁ فإنه لم يكن يستعين بالركب عند الذهاب إلى السجود ولا عند القيام منه، وكان يذهب إلى السجود ويرفع عنه كذلك بدون استعانة من الركب وحينئذٍ فالظاهر أن شكايتهم كانت في العسر في الخرور والرفع كذلك فرخَّص لهم في ذلك: أن يَسْتَعِينُوا بالرُّكَب. فالصوابُ عندي أن الحديثَ محمولٌ على الاستعانة بالرُّكَب عند النهوض، وعند الخُرُور إلى السجود، ولا يأباه إلا لفظ التفرُّج عند الترمذيِّ. ويمكن شرحه: أن المراد من التفرُّج في السجود: هو عدم الاعتماد، وعدم الاستعانة عند القيام منه، والذهاب إليه كذلك. مع أنه ليس عند الطَّحَاوِيِّ، وهو الذي رَامَهُ عمر ﵁ من قوله، كما عنده: «أَمِسُّوا» فقد سُنَّت لكم الرُّكب»، فإن لفظَ الإمساس ناظرٌ إلى ما قلنا. وعند الترمذيِّ عنه: إن الرُّكَب سُنَّت لكم، فخذوا بالرُّكَب». ورواه البيهقي بلفظ: «كنا إذا رَكَعْنَا جعلنا أيدينا بين أفخاذنا، فقال عمر: إن من السُّنَّة الأخذ بالرُّكَب». ولفظ عمر ﵁ هذا، ولفظ المرفوع: «استعينوا بالرُّكَب» بمعنى، فليس هذا الاستعانة في السجود أصلا كما ضرح أبو داود. ثم يُسْتَفَادُ من الحديث أن تلك الاستعانة رُخْصَةٌ، ومعنى الرَّخْصَةِ فيه ظاهرٌ. ولذا كان ابن مسعود ﵁ يُطْبِقُ بين يديه عملا بالعزيمة، ونحوه عن عليّ ﵁ أيضًا. فالطعنُ عليه تَعَسُّفٌ، على أن الأُسْوَةَ عنده صلاة النبيِّ ﷺ وكان طَبَّق فيها. وقد عَلِمْنَا من عادات الصحابة ﵃: أنه إذا اتفق لهم أمرٌ مع النبيِّ ﷺ دَاوَمُوا عليه، وذلك غيرُ قليلٍ منهم. والحاصلُ: أن الطَّحَاوِيَّ أخذ الاستعانةَ بالرُّكَب عند الذهاب إلى الركوع، وأخذها الترمذيُّ عند النهوض من السجود، وأخذتهما عند الذهاب، وعند النهوض كليهما، فإن العُسْرَ فيهما على السواء. وإنما حَمَلَني على ذلك الشرح تفقُّه الطَّحَاويِّ، وترجمة الترمذيِّ على ما نقلها الحافظُ ﵀، فهو الشرح للحديث عندي، ولا بحثَ لنا عن ترجمة الترمذيِّ. فليكن

стр. 838

على لفظ الحافظ ﵀، أو على ما في أيدينا، فلا تُسْرِعْ في الرَّدِّ والقَبُول، فرُبَّ عَجَلَةٍ تُفْضِي إلى عَثْرَةٍ (١). ١٣٣ - باب السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أُمِرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. أطرافه ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦ - تحفة ٥٧٣٤ ٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا». أطرافه ٨٠٩، ٨١٢، ٨١٥، ٨١٦ - تحفة ٥٧٣٤ ٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِىِّ حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ - قَالَ كُنَّا نُصَلِّى خَلْفَ النَّبِىِّ ﷺ فَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِىُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. طرفاه ٦٩٠، ٧٤٧ - تحفة ١٧٧٢ وحاصلُه: أن يَسْجُدَ بحيث يكونُ الساجدُ سبعًا، لا أن يَسْجُدَ هو ويكون السبعُ آلاتٍ له فقط.

стр. 839

وفي الخارج: أن الأشعارَ أيضًا تَسْجُدُ، ولذا نهى أن يُصَلِّي مقصوصًا. وفي الآثار: أن الثيابَ تَسْجُدُ أيضًا، فنهى عن كفِّها. فإذا كان حال الثياب والأشعار هذا، فما بال الأعضاء. وادَّعَيْتُ منه: أن اليدين أيضًا تركعان، كما أنهم تَسْجُدَان، وليستا بمُعَطَّلَتَيْن. واختار ابن الهُمَام: أن وضُعَ السبعة واجبٌ. وفي المشهور: وجوب وضع الجبهة وإحدى الرجلين فقط، ووضعُ البواقي سنةٌ. قلتُ: ولعلَّ للجبهة مَزِيَّةً على سائر الأعضاء، اختصاصًا بحقيقة السجود ما ليس لسائرها، كما يُعْلَمُ ذلك من الأدعية الواردة في السجود، فأمكن أن يكونَ القولُ المشهور كاشفًا لهذا المعنى. وحينئذٍ ينبغي أن يبقى في النظر فقط دون العمل. وبعبارةٍ أخرى: إن القول المشهور ليس لبيان ما ينبغي في العمل، بل لبيان اختصاص الجبهة بحقيقة السجدة. قوله: (لم يَحْنِ). وقد مرَّ أنه كان حين بَدُن النبيُّ ﷺ وكانوا خِفَافًا، فلو قَارَنُوا معه في الأفعال، ربما أمكن أن يتقدَّمُوا عليه، وقد نُهُوا عنه. فلذا أُمِرُوا بالتعقيب، لأن التعقيبَ سنةٌ وأصلٌ. ولذا قلتُ: إن من صلَّى مع الإِمام، وليس معه غيره، يتأخَّرُ عنه بيسيرٍ، كما هو عن محمد رحمه الله تعالى، لئلا يتقدَّم، فَتَفْسُدُ صلاته. ١٣٤ - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ ٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ». أطرافه ٨٠٩، ٨١٠، ٨١٥، ٨١٦ - تحفة ٥٧٠٨ وهو روايةٌ عن إمامنا رحمه الله تعالى، ونقل الشاميُّ الرجوعَ عنها، فلا يُجْزِىءُ الاقتصار عليه إلا من عُذْرٍ. قلتُ: ولعلَّ الإِمامَ لم يَرْجِعْ عنه ثم اعلم أن الجبهةَ واحدٌ، والجبين: اثنان، وهما قرنا الرأس. ٨١٢ - قوله: (وأَشَارَ)، فسمَّى الجبهةَ، وأَشَارَ إلى الأنف. ويجري فيه ما ذَكَرَهُ صاحب «الهداية» في باب المهر: أن التسميةَ إذا تَعَارَضَتْ بالإِشارة، فهل تُعْتَبَرُ بالإِشارة أو بالتَّسْمِيَةِ. ثم حرَّر أن العبرةَ عندنا بالإِشارة، فإنها أبلغ بالتعيين. وحينئذٍ لمَّا كانت الإِشارةُ إلى الأنف، دَلَّت على أن الاقتصارَ عليه كافٍ. واعْتَرَضَ عليه ابن دقيق العيد أن قوله إلى الأنف تعبيرٌ من الراوي، لاتحاد جهة الأنف والجبهة، فكيف تعيَّن كونها إلى الأنف؟ لِمَ لا يجوز أن يكونَ أشار إلى الجبهة، ولمَّا كانت جبهته جهة الأنف، عبَّر عنه الراوي بما ترى؟ قوله: (ولا يَكْفِت الثياب)، دلَّ النهيَّ على سجود الثياب أيضًا، وَسَيُبَوِّبُ المصنِّفُ رحمه الله تعالى بباب عقد الثياب لِمَا يُتَوَهَّمُ من النهي الإطلاق، مع أنه ثَبَتَ إذا خاف الانكشاف، كما في التوشُّح، والمخالفة بين الطرفين والعقد. ١٣٥ - باب السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ في الطِّينِ ٨١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ انْطَلَقْتُ إِلَى

стр. 840

أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ فَقُلْتُ أَلَا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ فَخَرَجَ. فَقَالَ قُلْتُ حَدِّثْنِى مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّ الَّذِى تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّى أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّى نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِى وِتْرٍ، وَإِنِّى رَأَيْتُ كَأَنِّى أَسْجُدُ فِى طِينٍ وَمَاءٍ». وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ الحُمَيِديُّ يَحْتَجُّ بِهَذا الحَدِيثِ يَقُول: لَا يَمْسَحُ. أطرافه ٦٦٩، ٨٣٦، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠ - تحفة ٤٤١٩ - ٢٠٧/ ١ قال الفقهاء إذا كان وَحْلا لا يمكن السجود عليه حيث يَدُسُّ الوجهَ فيه، يُؤَخِّرُ الصلاة. ١٣٦ - باب عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ ٨١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِىَ الرِّجَالُ جُلُوسًا. طرفاه ٣٦٢، ١٢١٥ - تحفة ٤٦٨١ يريدُ أن العقدَ عند خَوْف الانكشاف ليس من الكفِّ الممنوع. قوله: "فقيل للنساء: لا تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ" إلخ. دلَّ على أن المعتبر في السَّتْرِ: هو السَّتْرُ في نفسه، فلو تعمَّق أحدٌ في النظر ورآها لم يمنع، ثم هذا كله عند سَعَةِ الثياب. أمَّا في الحديث، فكان لقلّة الثياب إذ ذاك، كما صَرَّح به الراوي عند مسلم. ١٣٧ - باب لَا يَكُفُّ شَعَرًا ٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُمِرَ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ. أطرافه ٨٠٩، ٨١٠، ٨١٢، ٨١٦ - تحفة ٥٧٣٤ (لا يكف شهرًا) وذلك لِما مَرَّ: «أنها تَسْجُدُ أيضًا»، إِلا أن الحديثَ فيه لَمَّا لم يكن على شرطه، أخرج له حديثَ السجود على سبعة أَعْظُم ... إلخ، وإنما أراد بذلك التنبيه على سجود تلك الأعضاء، وأنها تَسْجُدُ أيضًا، بمعنى: «إنَّ لها سجودًا برأسه، إِنَّ الإنسَانَ ساجدٌ وتلك آلاتها فقط. ١٣٨ - باب لَا يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِى الصَّلَاةِ ٨١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ

стр. 841

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». أطرافه ٨٠٩، ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥ - تحفة ٥٧٣٤ والسَّدْلُ (١) والكفُّ ممنوعان عندنا أيضًا، فالمطلوبُ هو الاعتدالُ في الصلاة. أمَّا تفسيرُ السَّدْل فراجعه من «المغرب» للطبري، فإنه لخصَّ فيه «المعجم» وذكر فيه لغات فقه الحنفية. وأمَّا لُغَاتُ فقه الشافعية، فمذكورةٌ في «التهذيب». ١٣٩ - باب التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِى السُّجُودِ ٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى» يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. أطرافه ٧٩٤، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨ - تحفة ١٧٦٣٥ وجملةُ الأحاديث أن الأدعيةَ عن النبيِّ ﷺ ثَبَتَ في عِدَّة مواضع: بعد التحريمةِ قبل القراءةِ، وبعد القراءةِ قبل الرُّكُوعِ، وفي الرُّكُوعِ، وفي القَوْمةِ، وفي السَّجْدَةِ، وبين السجدتين، وبعد التشُّهد قبل التسليم. ولو عدَّدنا ما عند الطبراني لازداد موضعٌ آخر، وهو: «أنه قال بعد الفاتحة: آمين ثلاث مراتٍ». وفي لفظٍ: «أنه قال: آمين، ثم قال: اللهم اغفر لي». ثم إذا دَعَا

стр. 842

أحدٌ في غير المواضع المشهورة أحيانًا، حسَّنه الشارع أيضًا، ولم يُعَنِّفْهُ عليه. وقد قدَّمنا عن المحقِّق ابن أمير الحاج: أن الأدعيةَ والأذكارَ كلَّها تجوز في الصلوات كلِّها، وفي الفرائض أيضًا بشرط عدم التثقيل على القوم، غير أن المكتوباتِ لما كان مبناها على التخفيف، كما تَدُلَّ عليه قصة مُعَاذ ﵁ وغيرها، لم يَجْرِ العملُ بها عندنا في المكتوباتِ، حتى تَرَكُوا ذكرها في الكُتُب أيضًا، بخلاف النوافل، فإِنَّها على رأيه فإِن شاء طوَّلها أطول من أطول، فوضعوها فيها. وفي «المبسوط» (١) ما يَدُلُّ على عدم جوازها في المكتوبات. ٨١٧ - قوله: (يتأوَّل القرآن): أي هذه كانت صورة العمل بالاستغفار المأمور به في سورة الفتح. وعن عائشةَ ﵂: «أنه ﷺ جعلها وظيفةً له بعد نزولها، قاعدًا وقائمًا، آيبًا وذاهبًا»، لأنه كان فيها خبرُ وفاته، فكان الإِكثار في آخره. وحينئذٍ لو ادَّعى أحدٌ أن هذا الدعاء ينبغي أن يَقْتَصِرَ عليه ﷺ ولا يكون سنةٌ في حقِّنا، كان له وجهٌ. ١٤٠ - باب الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ٨١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَذَاكَ فِى غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً، فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ أَيُّوبُ كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. أطرافه ٦٧٧، ٨٠٢، ٨٢٤ - تحفة ١١١٨٥ - ٢٠٨/ ١ ٨١٩ - قَالَ فَأَتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ فَقَالَ «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» أطرافه ٦٢٨، ٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦ - تحفة ١١١٨٥ ٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ كَانَ سُجُودُ النَّبِىِّ ﷺ وَرُكُوعُهُ، وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. طرفاه ٧٩٢، ٨٠١ - تحفة ١٧٨١ ٨٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ إِنِّى لَا آلُو أَنْ أُصَلِّىَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِىَ. وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِىَ. طرفه ٨٠٠ - تحفة ٢٩٨ واعلم أن التَّعْدِيلَ في المواضع الأربعة سنةٌ في تخريج الجُرْجَاني، وعند الكَرْخِي: واجبٌ في الركوع والسجود، وسنةٌ في القَوْمَةِ والجِلْسَة، واختار الشيخُ ابن الهُمَام الوجوبَ في

стр. 843

المواضع كلِّها. ثم في كُتُب الحنفية: إنه فرضٌ عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وواجبٌ عندهما. وهذا يَدُلُّ على ثبوت الخلاف بين أئمة الحنفية، ولم يتحقَّق عندي بينهم خلافٌ، لأن الطحَاويَّ لم يَذْكُر فيه خلافًا، بين أئمتنا، مع كونه أعلم بمذهبنا. وفي «البدائع» عن أبي حنيفة لمن تَرَكَهُ: أخشى عليه أن لا تَجُوزَ صلاته، فدَلَّ على عناية الإمام بالتعديل جدًا. فمن نَسَبَ إلينا أن معاشرَ الحنفية لا يُبَالُون به، فقد أتى ببهتانٍ عظيمٍ. والذي ظَهَرَ لي: أن لا خلافَ في المسألة أصلا، فإن التعديلَ بقدر انقطاع الحركة الانتقالية فرضٌ عندنا أيضًا، وهذا هو الذي يعني الشافعية بركنيته، وقدر تسبيحةٍ واجبٌ، وبعد ذلك فهو سنةٌ، وإذن لم يَبْقَ بيننا وبينهم خلافٌ. ثم اعلم أن الأدعيةَ في القَوْمة وردت في «الصحيحين». وأمَّا في الجِلْسَة، فمذكورةٌ في «السنن» مع مناقشته فيها، فدَلَّ على خِفَّة أمرها في الجلْسَة بالنسبة إلى القَوْمة. وهي فريضةٌ عند أحمد في الجِلْسَة، وأقلُّها أن يقولَ: اللهم اغفر لي. قلتُ: وينبغي الاعتناء بها للحنفي أيضًا، لأن الركوعَ والسجودَ لا يأتي فيهما التقصير، لمكان تلك الأذكار الموضوعة فيها، بخلاف القَوْمة والجِلْسَة، فإن التقصيرَ يأتي فيهما كثيرًا. ولذا أقول باعتناء الأذكار فيهما أيضًا. ٨١٨ - قوله: (قال أيُّوبُ: كان يَفْعلُ شيئًا لم أَرَهُم يَفْعَلُونَه: كان يَقْعُدُ في الثالثة أو الرابعة) فيه دليلٌ على خُمُول جَلْسَة الاستراحة وقلَّتها جدًا. ومع ذلك ثَبَتَت في الروايات، وصرَّح الحلواني بجوازها، ومن صرَّح منها بالكراهة، فلْيَحْمِلْها على تطويلها على القَدْر المُعْتَاد، وإلا فهو مخالفٌ للحديث. قوله: (لَمْ أَرَهُمْ)، وفيه دليلٌ على شِدَّة خمول جِلْسَة الاستراحة، فإن القائلَ تابعي لا يَنْقُلُ إلا من عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين. وهو حُجَّةٌ قاطعةٌ عندي لنفي جِلْسَة الاستراحة، لأن أقوى الحُجَجِ عندي: هو التوارث والتعامُل، لا سِيَّما إذا كان فيما يَكْثُرُ وقوعه، كَجِلْسَة الاستراحة. ١٤١ - باب لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِى السُّجُودِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ سَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا. ٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «اعْتَدِلُوا فِى السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ». أطرافه ٢٤١، ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ١٢١٤ - تحفة ١٢٣٧ وعند أبي داود وعن ابن عمر: «أن اليدين تَسْجُدَانِ أيضًا». وسجودهما: بأن تكون صاعدةً من الأعلى وخافضةً من الأسفل. وبالافتراش تَنْعَدِمُ تلك الهيئة، فَيَنْعَدِمُ سجودها، وقد مرَّ أن الشرعَ أراد حِفْظَ الصلاة عن الهيئة القبيحة والتشبُّه بالحيوانات، وفي الافتراش ذلك، فإِن الكلبَ يَفْتَرِشُ ويُقْعِي، ولو فعله أحدٌ في التراويح إذا تَعِبَ وَسِعَه ذلك. واعلم أن المطلوبَ عند الشارع أن يكونَ المصلِّي في صلاته على أعدل حالٍ وأحسن هيئةٍ قال تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] من ههنا حذَّرَ النبيُّ ﷺ أن يختار

стр. 844

أقبح الهيئة في صلاته، كانبساط الكلب، والتفات الثعلب، ونَقْرَة الدِّيك، أو الغُرَاب، وعُقْبَة الشيطان، وبروك الجمل، وتوطين البعير، وتذبيح الحمار (١). فمن كان خُلِقَ على أحسن تقويمٍ، لا ينبغي له أن يَحْضُرَ بين يدي خالقه على هيئة الأنعام. ١٤٢ - باب مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا فِى وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ ٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى، فَإِذَا كَانَ فِى وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا. تحفة ١١١٨٣ - ٢٠٩/ ١ الآن تَرْجَم المصنِّفُ رحمه الله تعالى على جَلْسَة الاستراحة، وَفَهِمَ منها الحافظُ رحمه الله تعالى: أنه اختارها، وأنها سنةٌ عنده. قلتُ: أمَّا كونها سنةً، فقد عَلِمْتَ حاله ممَّا قاله أيُّوبُ ﵁ آنفًا، نقل عن أحمد رحمه الله تعالى من عدم ثبوتها في الأحاديث إِلا قليلا، ومن اختياره الترك بنفسه، وإن ثَبَت عنه في الآخر، فهو الكِبَر لا للرُّجُوع عنه كما فُهِمَ، وأمَّا كون المصنِّف رحمه الله تعالى اختاره، فلا دليلَ فيه أيضًا، لأنه لم يُفْصِح به، بل وضع لَفظ: «مِنْ إشارةً إلى خِفَّة أمرها، كأنه أشار إلى مُسْكة من اختار الرفعَ، والنظرُ إذا دار في مسألةٍ فَعَلَ فيها المصنِّفُ رحمه الله تعالى كذلك، ولا يتولَّى به بنفسه. وقد مرَّ مِنَّا أن من جَلَس جَلْسة الاستراحة، فلا يَخْلُو إمّا أن يُكبِّرَ للنهوض تكبيرةً أخرى، أو يطوِّلَ تكبيرةَ الرفع من السجود، أو يقطعها. فعلى الأول يَلْزَمُ الزيادة على أعداد التكبير، وعلى الثاني يَلْزَمُ العُسْر، وعلى الثالث يَلْزَمُ خلاف المعهود من التكبير عند كل خفضٍ ورفعٍ. وليس هذا إِلا لِمَا عَلِمْتَ من خُمُولها، فإِن الشيءَ إذا خَمَلَ ونَدَرَ، قلَّ عنه البحثُ، والفحصُ والتأصيلُ، والتفريعُ كما مرَّ آنفًا في قراءة الفاتحة ورفع اليدين. ١٤٣ - باب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ واعلم أن الاعتمادَ على الأرض في القِعْدَة مكروهٌ بلا خلافٍ، وإنما الخلاف في الاعتماد عند النهوض. واختاره الشافعيةُ، وكان ابن عمر ﵁ يفعله. وبوَّب أبو داود: بكراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، وأخرج فيه عن ابن عمر حديثًا اخْتُلِفَ في ألفاظه، ولفظ عبد الملك: «نهى رسولُ الله ﷺ أن يَعْتَمِدَ الرجلُ على يديه إذا نَهَضَ في الصلاة ... » إلخ. وهذا عينُ نقيض ما ذَهَبَ إليه الشافعيةُ، إلا أنهم لمَّا اختاروه التزمتُ جوابه، لكن أنكرتُ كونه سنةً - أعني كونه مطلوبًا عند الشرع - فأمرُه عندي أخفُّ من جِلْسَة الاستراحة أيضًا. والذي يَظْهَرُ عندي أن ابن عمر ﵁ كان يَفْعَلُه من اجتهاده، لأنه لم يكن يتسعينُ بالرُّكَب عند الخُرُور إلى السجود والرفع منه. فإِذا رفع رفع كذلك، زعمًا منه أو وضعَهما على الرُّكْبَتَيْن انقطاعٌ لسجودهما، ونقصٌ فيه، فإِنهما إذا ارتفعتا للسجود، فتمامية سجودهما: أن

стр. 845

تَذْهَبَا إليه كذلك بدون وقوف في البين، فإِذا لم يضعهما على الرُّكْبَتَيْن عند السجود لذلك، لم يضعهما عند الرفع منه أيضًا، لتبقى شاكلتهما في الصورتين واحدةً. ونحوه قرَّرنا فيما قبل من كلام الطَّحَاوِيِّ رحمه الله تعالى: إن بُنْيَةِ الصلاة تُبْنَى على التفريج، وعدم اعتماد بعض الأعضاء على البعض. فإِذا كان الأمرُ عنده كذلك، فلعلَّه لمَّا كبَّر وثَقُل جهدْ في القيام بدون اعتمادٍ على الرُّكب، فاضْطَرَّ إلى وضعهما على الأرض، وهكذا يكون في الفروع. فإِن الإِنسانَ إذا اختار جانبًا، ثم تظهر له فروع، يُكَمِّلُها ويُرَتِّبُهَا على الأصل الذي اختاره، وهو معنى الاجتهاد. وعندي فإن الجزئيَّ الواحدَ قد يَصْدُقُ عليه ألف كُلِّيَّات. كذلك الصورةُ الواحدةُ قد تَدْخُلُ في عِدَّة ضوابط، فالنظر في أنها إلى أيِّ الضوابط أقرب لِيَنْسَحِبَ عليها حكمها، هو الاجتهاد، ولا يهتدي إليه غير المجتهد. فصورةُ الاعتماد إنما حَدَثَت من نحو هذا، ولا أراها ثابتةً من السُّنية. والله تعالى أعلم. ٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِى مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ إِنِّى لأُصَلِّى بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى. قَالَ أَيُّوبُ فَقُلْتُ لأَبِى قِلَابَةَ وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ قَالَ مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ - قَالَ أَيُّوبُ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ. أطرافه ٦٧٧، ٨٠٢، ٨١٨ - تحفة ١١١٨٥ ٨٢٤ - قوله: (وكان ذلك الشيخُ يُتِمُّ التكبيرَ): أي يَسْتَوْفي عددها، ويأتي بتمامها، ولا يُنْقِصُ منها شيئًا. وذلك لأنا قد عَلِمْنَا من الخارج: أنه كان وقع فيها حذفٌ من بني أُميَّة. قوله: (واعْتَمَدَ على الأرض). ولا أحفظُ عن النبيِّ ﷺ شيئًا في ذخيرة الحديث إلا قوله: «استعينوا بالرُّكَب»، أو «أمِسُّوا بالرُّكَب»، وبوَّب عليه الترمذيُّ بالاعتماد في السجود، فزاد فيه لفظ السجود من عنده، مع أنه ليس في نسخة الحافظ. وعنده ما يَدُلُّ على أن الترمذيَّ حمل الاستعانةَ على الاستعانة عند الرفع. وقد مرَّ الكلامُ فيه مبسوطًا عن قريبٍ. ١٤٤ - باب يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِى نَهْضَتِهِ. ٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ . تحفة ٤٠٣٨ ٨٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ
следующие страницы →