عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا». أطرافه ٨٠٩، ٨١٠، ٨١٢، ٨١٥ - تحفة ٥٧٣٤
والسَّدْلُ (١) والكفُّ ممنوعان عندنا أيضًا، فالمطلوبُ هو الاعتدالُ في الصلاة. أمَّا تفسيرُ السَّدْل فراجعه من «المغرب» للطبري، فإنه لخصَّ فيه «المعجم» وذكر فيه لغات فقه الحنفية. وأمَّا لُغَاتُ فقه الشافعية، فمذكورةٌ في «التهذيب».
١٣٩ - باب التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِى السُّجُودِ
٨١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِى مَنْصُورٌ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِى رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى» يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. أطرافه ٧٩٤، ٤٢٩٣، ٤٩٦٧، ٤٩٦٨ - تحفة ١٧٦٣٥
وجملةُ الأحاديث أن الأدعيةَ عن النبيِّ ﷺ ثَبَتَ في عِدَّة مواضع: بعد التحريمةِ قبل القراءةِ، وبعد القراءةِ قبل الرُّكُوعِ، وفي الرُّكُوعِ، وفي القَوْمةِ، وفي السَّجْدَةِ، وبين السجدتين، وبعد التشُّهد قبل التسليم. ولو عدَّدنا ما عند الطبراني لازداد موضعٌ آخر، وهو: «أنه قال بعد الفاتحة: آمين ثلاث مراتٍ». وفي لفظٍ: «أنه قال: آمين، ثم قال: اللهم اغفر لي». ثم إذا دَعَا
стр. 842
أحدٌ في غير المواضع المشهورة أحيانًا، حسَّنه الشارع أيضًا، ولم يُعَنِّفْهُ عليه. وقد قدَّمنا عن المحقِّق ابن أمير الحاج: أن الأدعيةَ والأذكارَ كلَّها تجوز في الصلوات كلِّها، وفي الفرائض أيضًا بشرط عدم التثقيل على القوم، غير أن المكتوباتِ لما كان مبناها على التخفيف، كما تَدُلَّ عليه قصة مُعَاذ ﵁ وغيرها، لم يَجْرِ العملُ بها عندنا في المكتوباتِ، حتى تَرَكُوا ذكرها في الكُتُب أيضًا، بخلاف النوافل، فإِنَّها على رأيه فإِن شاء طوَّلها أطول من أطول، فوضعوها فيها. وفي «المبسوط» (١) ما يَدُلُّ على عدم جوازها في المكتوبات.
٨١٧ - قوله: (يتأوَّل القرآن): أي هذه كانت صورة العمل بالاستغفار المأمور به في سورة الفتح. وعن عائشةَ ﵂: «أنه ﷺ جعلها وظيفةً له بعد نزولها، قاعدًا وقائمًا، آيبًا وذاهبًا»، لأنه كان فيها خبرُ وفاته، فكان الإِكثار في آخره. وحينئذٍ لو ادَّعى أحدٌ أن هذا الدعاء ينبغي أن يَقْتَصِرَ عليه ﷺ ولا يكون سنةٌ في حقِّنا، كان له وجهٌ.
١٤٠ - باب الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
٨١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ لأَصْحَابِهِ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَذَاكَ فِى غَيْرِ حِينِ صَلَاةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً، فَصَلَّى صَلَاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ أَيُّوبُ كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ، كَانَ يَقْعُدُ فِى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. أطرافه ٦٧٧، ٨٠٢، ٨٢٤ - تحفة ١١١٨٥ - ٢٠٨/ ١
٨١٩ - قَالَ فَأَتَيْنَا النَّبِىَّ ﷺ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ فَقَالَ «لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» أطرافه ٦٢٨، ٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦ - تحفة ١١١٨٥
٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ كَانَ سُجُودُ النَّبِىِّ ﷺ وَرُكُوعُهُ، وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. طرفاه ٧٩٢، ٨٠١ - تحفة ١٧٨١
٨٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ إِنِّى لَا آلُو أَنْ أُصَلِّىَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى بِنَا. قَالَ ثَابِتٌ كَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِىَ. وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِىَ. طرفه ٨٠٠ - تحفة ٢٩٨
واعلم أن التَّعْدِيلَ في المواضع الأربعة سنةٌ في تخريج الجُرْجَاني، وعند الكَرْخِي: واجبٌ في الركوع والسجود، وسنةٌ في القَوْمَةِ والجِلْسَة، واختار الشيخُ ابن الهُمَام الوجوبَ في
стр. 843
المواضع كلِّها. ثم في كُتُب الحنفية: إنه فرضٌ عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وواجبٌ عندهما. وهذا يَدُلُّ على ثبوت الخلاف بين أئمة الحنفية، ولم يتحقَّق عندي بينهم خلافٌ، لأن الطحَاويَّ لم يَذْكُر فيه خلافًا، بين أئمتنا، مع كونه أعلم بمذهبنا.
وفي «البدائع» عن أبي حنيفة لمن تَرَكَهُ: أخشى عليه أن لا تَجُوزَ صلاته، فدَلَّ على عناية الإمام بالتعديل جدًا. فمن نَسَبَ إلينا أن معاشرَ الحنفية لا يُبَالُون به، فقد أتى ببهتانٍ عظيمٍ. والذي ظَهَرَ لي: أن لا خلافَ في المسألة أصلا، فإن التعديلَ بقدر انقطاع الحركة الانتقالية فرضٌ عندنا أيضًا، وهذا هو الذي يعني الشافعية بركنيته، وقدر تسبيحةٍ واجبٌ، وبعد ذلك فهو سنةٌ، وإذن لم يَبْقَ بيننا وبينهم خلافٌ. ثم اعلم أن الأدعيةَ في القَوْمة وردت في «الصحيحين». وأمَّا في الجِلْسَة، فمذكورةٌ في «السنن» مع مناقشته فيها، فدَلَّ على خِفَّة أمرها في الجلْسَة بالنسبة إلى القَوْمة. وهي فريضةٌ عند أحمد في الجِلْسَة، وأقلُّها أن يقولَ: اللهم اغفر لي. قلتُ: وينبغي الاعتناء بها للحنفي أيضًا، لأن الركوعَ والسجودَ لا يأتي فيهما التقصير، لمكان تلك الأذكار الموضوعة فيها، بخلاف القَوْمة والجِلْسَة، فإن التقصيرَ يأتي فيهما كثيرًا. ولذا أقول باعتناء الأذكار فيهما أيضًا.
٨١٨ - قوله: (قال أيُّوبُ: كان يَفْعلُ شيئًا لم أَرَهُم يَفْعَلُونَه: كان يَقْعُدُ في الثالثة أو الرابعة) فيه دليلٌ على خُمُول جَلْسَة الاستراحة وقلَّتها جدًا. ومع ذلك ثَبَتَت في الروايات، وصرَّح الحلواني بجوازها، ومن صرَّح منها بالكراهة، فلْيَحْمِلْها على تطويلها على القَدْر المُعْتَاد، وإلا فهو مخالفٌ للحديث.
قوله: (لَمْ أَرَهُمْ)، وفيه دليلٌ على شِدَّة خمول جِلْسَة الاستراحة، فإن القائلَ تابعي لا يَنْقُلُ إلا من عمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين. وهو حُجَّةٌ قاطعةٌ عندي لنفي جِلْسَة الاستراحة، لأن أقوى الحُجَجِ عندي: هو التوارث والتعامُل، لا سِيَّما إذا كان فيما يَكْثُرُ وقوعه، كَجِلْسَة الاستراحة.
١٤١ - باب لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِى السُّجُودِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ سَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا.
٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «اعْتَدِلُوا فِى السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ». أطرافه ٢٤١، ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ١٢١٤ - تحفة ١٢٣٧
وعند أبي داود وعن ابن عمر: «أن اليدين تَسْجُدَانِ أيضًا». وسجودهما: بأن تكون صاعدةً من الأعلى وخافضةً من الأسفل. وبالافتراش تَنْعَدِمُ تلك الهيئة، فَيَنْعَدِمُ سجودها، وقد مرَّ أن الشرعَ أراد حِفْظَ الصلاة عن الهيئة القبيحة والتشبُّه بالحيوانات، وفي الافتراش ذلك، فإِن الكلبَ يَفْتَرِشُ ويُقْعِي، ولو فعله أحدٌ في التراويح إذا تَعِبَ وَسِعَه ذلك.
واعلم أن المطلوبَ عند الشارع أن يكونَ المصلِّي في صلاته على أعدل حالٍ وأحسن هيئةٍ قال تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] من ههنا حذَّرَ النبيُّ ﷺ أن يختار
стр. 844
أقبح الهيئة في صلاته، كانبساط الكلب، والتفات الثعلب، ونَقْرَة الدِّيك، أو الغُرَاب، وعُقْبَة الشيطان، وبروك الجمل، وتوطين البعير، وتذبيح الحمار (١). فمن كان خُلِقَ على أحسن تقويمٍ، لا ينبغي له أن يَحْضُرَ بين يدي خالقه على هيئة الأنعام.
١٤٢ - باب مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا فِى وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ
٨٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ اللَّيْثِىُّ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى، فَإِذَا كَانَ فِى وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِىَ قَاعِدًا. تحفة ١١١٨٣ - ٢٠٩/ ١
الآن تَرْجَم المصنِّفُ رحمه الله تعالى على جَلْسَة الاستراحة، وَفَهِمَ منها الحافظُ رحمه الله تعالى: أنه اختارها، وأنها سنةٌ عنده. قلتُ: أمَّا كونها سنةً، فقد عَلِمْتَ حاله ممَّا قاله أيُّوبُ ﵁ آنفًا، نقل عن أحمد رحمه الله تعالى من عدم ثبوتها في الأحاديث إِلا قليلا، ومن اختياره الترك بنفسه، وإن ثَبَت عنه في الآخر، فهو الكِبَر لا للرُّجُوع عنه كما فُهِمَ، وأمَّا كون المصنِّف رحمه الله تعالى اختاره، فلا دليلَ فيه أيضًا، لأنه لم يُفْصِح به، بل وضع لَفظ: «مِنْ إشارةً إلى خِفَّة أمرها، كأنه أشار إلى مُسْكة من اختار الرفعَ، والنظرُ إذا دار في مسألةٍ فَعَلَ فيها المصنِّفُ رحمه الله تعالى كذلك، ولا يتولَّى به بنفسه.
وقد مرَّ مِنَّا أن من جَلَس جَلْسة الاستراحة، فلا يَخْلُو إمّا أن يُكبِّرَ للنهوض تكبيرةً أخرى، أو يطوِّلَ تكبيرةَ الرفع من السجود، أو يقطعها. فعلى الأول يَلْزَمُ الزيادة على أعداد التكبير، وعلى الثاني يَلْزَمُ العُسْر، وعلى الثالث يَلْزَمُ خلاف المعهود من التكبير عند كل خفضٍ ورفعٍ. وليس هذا إِلا لِمَا عَلِمْتَ من خُمُولها، فإِن الشيءَ إذا خَمَلَ ونَدَرَ، قلَّ عنه البحثُ، والفحصُ والتأصيلُ، والتفريعُ كما مرَّ آنفًا في قراءة الفاتحة ورفع اليدين.
١٤٣ - باب كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ
واعلم أن الاعتمادَ على الأرض في القِعْدَة مكروهٌ بلا خلافٍ، وإنما الخلاف في الاعتماد عند النهوض. واختاره الشافعيةُ، وكان ابن عمر ﵁ يفعله. وبوَّب أبو داود: بكراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، وأخرج فيه عن ابن عمر حديثًا اخْتُلِفَ في ألفاظه، ولفظ عبد الملك: «نهى رسولُ الله ﷺ أن يَعْتَمِدَ الرجلُ على يديه إذا نَهَضَ في الصلاة ... » إلخ. وهذا عينُ نقيض ما ذَهَبَ إليه الشافعيةُ، إلا أنهم لمَّا اختاروه التزمتُ جوابه، لكن أنكرتُ كونه سنةً - أعني كونه مطلوبًا عند الشرع - فأمرُه عندي أخفُّ من جِلْسَة الاستراحة أيضًا.
والذي يَظْهَرُ عندي أن ابن عمر ﵁ كان يَفْعَلُه من اجتهاده، لأنه لم يكن يتسعينُ بالرُّكَب عند الخُرُور إلى السجود والرفع منه. فإِذا رفع رفع كذلك، زعمًا منه أو وضعَهما على الرُّكْبَتَيْن انقطاعٌ لسجودهما، ونقصٌ فيه، فإِنهما إذا ارتفعتا للسجود، فتمامية سجودهما: أن
стр. 845
تَذْهَبَا إليه كذلك بدون وقوف في البين، فإِذا لم يضعهما على الرُّكْبَتَيْن عند السجود لذلك، لم يضعهما عند الرفع منه أيضًا، لتبقى شاكلتهما في الصورتين واحدةً. ونحوه قرَّرنا فيما قبل من كلام الطَّحَاوِيِّ رحمه الله تعالى: إن بُنْيَةِ الصلاة تُبْنَى على التفريج، وعدم اعتماد بعض الأعضاء على البعض. فإِذا كان الأمرُ عنده كذلك، فلعلَّه لمَّا كبَّر وثَقُل جهدْ في القيام بدون اعتمادٍ على الرُّكب، فاضْطَرَّ إلى وضعهما على الأرض، وهكذا يكون في الفروع.
فإِن الإِنسانَ إذا اختار جانبًا، ثم تظهر له فروع، يُكَمِّلُها ويُرَتِّبُهَا على الأصل الذي اختاره، وهو معنى الاجتهاد. وعندي فإن الجزئيَّ الواحدَ قد يَصْدُقُ عليه ألف كُلِّيَّات. كذلك الصورةُ الواحدةُ قد تَدْخُلُ في عِدَّة ضوابط، فالنظر في أنها إلى أيِّ الضوابط أقرب لِيَنْسَحِبَ عليها حكمها، هو الاجتهاد، ولا يهتدي إليه غير المجتهد. فصورةُ الاعتماد إنما حَدَثَت من نحو هذا، ولا أراها ثابتةً من السُّنية. والله تعالى أعلم.
٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ قَالَ جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَصَلَّى بِنَا فِى مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ إِنِّى لأُصَلِّى بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى. قَالَ أَيُّوبُ فَقُلْتُ لأَبِى قِلَابَةَ وَكَيْفَ كَانَتْ صَلَاتُهُ قَالَ مِثْلَ صَلَاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِى عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ - قَالَ أَيُّوبُ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ. أطرافه ٦٧٧، ٨٠٢، ٨١٨ - تحفة ١١١٨٥
٨٢٤ - قوله: (وكان ذلك الشيخُ يُتِمُّ التكبيرَ): أي يَسْتَوْفي عددها، ويأتي بتمامها، ولا يُنْقِصُ منها شيئًا. وذلك لأنا قد عَلِمْنَا من الخارج: أنه كان وقع فيها حذفٌ من بني أُميَّة.
قوله: (واعْتَمَدَ على الأرض). ولا أحفظُ عن النبيِّ ﷺ شيئًا في ذخيرة الحديث إلا قوله: «استعينوا بالرُّكَب»، أو «أمِسُّوا بالرُّكَب»، وبوَّب عليه الترمذيُّ بالاعتماد في السجود، فزاد فيه لفظ السجود من عنده، مع أنه ليس في نسخة الحافظ. وعنده ما يَدُلُّ على أن الترمذيَّ حمل الاستعانةَ على الاستعانة عند الرفع. وقد مرَّ الكلامُ فيه مبسوطًا عن قريبٍ.
١٤٤ - باب يُكَبِّرُ وَهْوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَبِّرُ فِى نَهْضَتِهِ.
٨٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ، وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ . تحفة ٤٠٣٨
٨٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ صَلَاةً خَلْفَ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ
стр. 846
عِمْرَانُ بِيَدِى فَقَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . أَوْ قَالَ لَقَدْ ذَكَّرَنِى هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . طرفاه ٧٨٤، ٧٨٦ - تحفة ١٠٢٨١، ١٠٨٤٨
وقد مرَّ أن السُّنة: أن يجعلَ الانتقالَ مَعْمُورًا بالذكر. واختصر المصنِّفُ رحمه الله تعالى حديث أبي سعيد في إمامته، وهو عند النَّسائي مُفَصلا. وإنما تَقَرَّضَ فيه الراوي إلى جهره بالتكبير، لِمَا عَلِمْتَ من حذف بني أُمَيَّة بعدها. أمَّا المصنِّفُ، فلعلَّه يريد به التعريض إلى حيث يُنْكِرُون بالتكبير عند النهوض من القِعْدَة. وقالوا به عند المالكية عند بلوغه في القيام، لتكونَ شاكلتُها وشاكلةُ الركعة الأولى واحدةً.
قلتُ: وإن حصل به التناسُب، لكن الأمرَ في مثله على النقل عن السلف، لا على التناسُب فقط.
٨٢٦ - قوله: (لقد ذَكَّرني): فيه تعريضٌ إلى عثمان ﵁.
١٤٥ - باب سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِى التَّشَهُّدِ
وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِى صَلَاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً.
٨٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَتَرَبَّعُ فِى الصَّلَاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقَالَ إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتَثْنِىَ الْيُسْرَى. فَقُلْتُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ. فَقَالَ إِنَّ رِجْلَىَّ لَا تَحْمِلَانِى. تحفة ٧٢٦٩
٨٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِى الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِى حَبِيبٍ وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنَ ابْنِ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ كُلُّ
стр. 847
فَقَارٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ كُلُّ فَقَارٍ. تحفة ١١٨٩٧ - ٢١٠/ ١
والمسألةُ رباعيةٌ: فعندنا: الافتراش فيها. وعند مالك رحمه الله تعالى: التَّوَرُّك فيها. وعند الشافعية: الافتراشُ في الأولى والتَّوَرُّك في الثانية، وفي الثنائية التَّوَرُّك فقط. وعند أحمد رحمه الله تعالى: كلُّ تشهُّدٍ بعده سلام، فقيه تَوَرُّك، وإلا فافتراش. والصواب ما ذكره ابن جرير في «اختلاف الفقهاء»: أن الصُّوَرَ كلَّها ثابتةٌ، فالترجيحُ في الاختيار. وراجع أدلتنا من الطَّحَاوِيِّ، و «الجوهر النقي». والمصنِّفُ رحمه الله تعالى ذَهَبَ مذهب الشافعية.
قوله: (جِلْسَة الرَّجُلِ) وعندنا فرقٌ بين جِلْسَة الرجل والمرأة، فإِنها تَتَوَرَّكُ لكونه أستر لها، ولنا في ذلك مرسلٌ في «مراسيل أبي داود». وممَّا يَدُلُّك على الفرق بين الهيئة في صلاتهما: ما قال أحمدُ رحمه الله تعالى: إنها لا تَرْفَعُ يديها عند الركوع والسجود، فليتنبَّه. ثم اعلم أن الافتراشَ والتَّوَرُّكَ في اللغة قريبٌ من السواء، فإن في التَّوَرُّك افتراشًا، وفي الافتراش جلوسًا على الوِرْك أيضًا، فلا فصلَ في هذين اللفظين، فإِنهما صالحان للنظرين، إِلا أن الراوي إذا قابل بينهما، دَلَّ على أنه قَصَدَ الفرق بينهما.
٨٢٧ - قوله: (يَتَرَبَّعُ)، وكنا نَحْمِلُهُ على التَّربُّع المشهور، ثم عَلِمْنا من كُتُب غريب الحديث: أن التَّربُّعَ يُطْلَقُ على جلوس المتشِّهد أيضًا، كتورُّك الشافعية. ونقله الحافظ رحمه الله تعالى، وغرضُه منه أن يَجْعَلَ فِعْلَ ابن عمر ﵁ مُؤيِّدًا لمذهبه.
قوله: (إنما سُنَّةُ الصلاة تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى)، وهذا صريحٌ في مذهب الحنفية رحمهم الله تعالى. وادَّعَى الحافظُ رحمه الله تعالى (١) أنه صادقٌ على مذهبه أيضًا، فإِن نَصْبَ اليُمْنَى يُسْتَحَبُّ في التورُّك عندهم أيضًا. وأقول: ويقضي العجب من الحافظ كيف حَمَلَهُ على مذهبه، مع التصريح عند النَّسائي بافتراش الرجل اليُسْرَى، والجلوس عليها، فكيف سَاغَ له حَمْلُهُ على مذهبه؟ بَقِيَ أن ما ذكره ابن عمر ﵀ من سنة الافتراش، هل هي في قِعْدَة الأولى أو الثانية؟ فقال الحافظُ رحمه الله تعالى: إنها في الأولى.
قلتُ: بل هي في الأخيرة، لِمَا أخرجه مالك رحمه الله تعالى عن عبدِ الله بنِ دِينَار: «أنه
стр. 848
سَمِعَ عبد الله بن عمر ﵁، وصلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ، فلمَّا جَلَسَ الرجلُ في أَرْبَعٍ تربَّع، وثَنَى رِجْلَيْهِ، فلمَّا انصرف عبدُ الله، عاب ذلك عليه. فقال الرجل: فإِنك تَفْعَلُ ذلك فقال عبد الله بن عمر ﵁: إني أَشْتَكِي». وهذا صريحٌ في أن الإِصلاح وَقَعَ في القِعْدَةِ الأخيرةِ، دون الأولى، كما قاله الحافظُ.
قوله: (إن رِجْلَيَّ لا تَحْمِلاني). وتمسَّك منه الطحاويُّ أنه يَدُلُّ على أن الرِجْلَيْنِ ممَّا يُسْتَعْمَلانِ في القِعْدَة، وهذا أصدقُ على مذهبنا للجلوس فيه على اليُسْرَى، ونَصْبِ اليُمْنَى بخلاف في التَّوَرُّك، فإِن اليُسْرَى أو اليُمْنَى لا تُسْتَعْمَلانِ فيه، بل هُمَا مهملتان. فلو كانت رِجْلاه تَحْمِلانِهِ لاستعملهما في قِعْدَته، وهو بالافتراش.
قوله: (فَقَالَ أَبو حُمَيْدٍ ... ) إلخ، وفي حديثه عند الترمذيِّ: رفع اليدين أيضًا وحَكَم عليه الطَّحَاوِيُّ رحمه الله تعالى بالانقطاع، وعلَّله ابن القطَّان المغربي، وابن دقيق العيد أيضًا. قال الطَّحَاوِيُّ رحمه الله تعالى: محمد بن عمرو بن عَطَاء لم يُدْرِك صلاة أبي حُمَيْدٍ، وإنما يرويها عن رجلٍ، كما ذكره عَطَّاف بن خالد، والرجلُ الآخر هو: عباس بن سَهْل. وراجع له رسالتي «نيل الفرقدين»، فقد بَسَطْتُ فيها الكلامَ.
١٤٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ
٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ مَوْلَى بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَقَالَ مَرَّةً مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ - وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِى عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ . أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. أطرافه ٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠ - تحفة ٩ ١٥٤
١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِى الأُولَى
٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِى آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. أطرافه ٨٢٩، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠ - تحفة ٩١٥٤ - ٢١١/ ١
ولمَّا لم تَكُنْ مرتبةُ الواجب عند المصنِّف رحمه الله تعالى، فالمراد منه عنده الفرضُ، أي من لم يَرَ التشهُّد فرضًا. وذلك لأنه رأى أن تركه يَنْجَبِرُ بالسجود، ولو كان فرضًا لَبَطَلَتِ الصلاةُ أصلا، وذاك بعينه دليلُ الوجوب عند الحنفية رحمهم الله تعالى. فإِنهم قالوا: إن تَرْكَهُ إذا انْجَبَرَ بالسجدة، عُلِمَ أنه ليس بفرضٍ، كما قاله البخاريُّ. وإذا احتاج إلى جابرٍ، عَلِمْنَا أنه مهمٌ،
стр. 849
وليس كالسُّنة التي لا يَجِبُ بتركها شيءٌ فإذا هو بين بين، وهو الذي نعني بالوجوب.
ولما لم تكن تلك المرتبة عند الآخرين، تُوجَدُ في كُتُبِهِم مسائلَ عجيبةً. ففي كُتُب الحنابلة: أن الفرضَ على ضربين: الأول ما يكون فرضًا، وشرطًا لصحة الصلاة مثلا. والثاني ما لا يكون شرطًا لها. قلتُ: والثاني هو بعينه الواجب عندنا. وكذا في كُتُب المالكية: أن الوجوبَ على نوعين: وجوبُ سُنَّةٍ، ووجوبُ افتراضٍ. وقد اضْطَرَّ الشافعيةُ إلى القول بالواجب في باب الحَجِّ، لأنهم رأوا هناك جِنَايات، ثم تلا فيها بالأجزئية، فقالوا بوجوبها.
فائدة
واعلم أن الشيءَ الواجبَ، وواجبَ الشيءِ أمران. والثاني قليلٌ، فإِنه في الصلاة والحجِّ. وهو ما يُوجِبُ تركه النقصان، بخلاف الأوَّل. والفرقُ بينهما: أن الشيءَ الواجبَ يُطْلَقُ على مجموع ما يتركَّبُ من أجزاء: بعضُها أركانٌ، وبعضُها واجباتٌ ومستحباتٌ، كالوتر والأُضْحِيَة وصدقة الفطر مثلا. فإِنه واجبٌ عندنا، مع أنه يشتمل على الأركان وغيرها أيضًا. بخلاف الثاني، فإنه يُطْلَقُ على جزءٍ خاصَ منه دون المركَّب كالتعديل، أو الفاتحة، وضَمِّ السورة في الأُوَلَيْنِ، فأُسمِّيها واجبَ الشيءِ دون الشيء الواجب، وهذا الإِصطلاح أخذته من كلام صاحب «الهداية».
ثم لمَّا رَأَى الحنفيةُ في الصلاة والحجِّ أمورًا يُورِثُ تركها نقيصة، ولا يُوجِبُ فسادًا، سمُّوها باسمٍ مستقلٍ، وهو الواجبُ، أي واجبُ الشيء. وكان أولا في هاتين العبادتين فقط، ثم اسْتُعْمِلَ لفظ الواجب في مواضع أخرى أيضًا. وفي الحديث لطيفةٌ، فعند أبي داود: «ومنا المتشهِّد في قيامه» (يعني همين تشهد قيام بين بر هنا برا). وهذا يَدُلُّ على أنه لم تكن في أذهانهم الفاتحة، وإنما كانوا يَفْعَلُون أمورًا في اجتهادهم، فإذا كان النبيُّ ﷺ يَعْلَمُها ربَّما يُقِرُّهم عليها، وطالما يَنْهَى عنها.
١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِى الآخِرَةِ
٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِىِّ ﷺ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». أطرافه ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ - تحفة ٩٢٤٥
لم يُتَرْجِمْ بالآخرة فَرْقًا بين الأولى والآخرة، بل لأجل كون الحديث في الأخيرة.
٨٣١ - قوله: (قُلْنَا السَّلامُ ... ) إلخ. ولعلَّه كان عندهم في السلام تعليمٌ إجماليٌّ، ولم
стр. 850
يُفَصَّل لهم بَعْدُ. ثم إن السُّهَيْلِي ذكر فَرْقًا بين السالم والسلام، فقال: إن السالَم من سَلِمَ من العيوب، والسلامَ من سلَّم غيره من العيوب. وعامَّتُهم يُفَسِّرُون السلام بمن سَلِمَ من العيوب، مع أنه يُطْلَقُ في هذا المعنى السليم، دون السلام. والصواب: ما ذكره السُّهَيْلي.
قوله: (على جِبْرِيلَ) والجبر القوة، وإيل هو الله، فمعناه العبد القوي لله تعالى، وكذلك: مِيخَا بمعنى الصديق والحميم، وإسْرَاف بمعنى المصطفى، وعزرا بمعنى الناصر.
قوله: (التَّحِيَّات ... ) إلخ. قيل: التحيَّةُ في اللغة بمعنى دعاء الحياة، ثم انْسَلَخَ عنه، وأُطْلِقَ في الدعاء مطلقًا. والمراد بها الآن: العباداتُ القوليةُ، ومن الصلوات: العبادات الفعليَّة، ومن الطِّيِّبَات: العبادات المالية. ثم كان هذا تحيَّةٌ من النبيِّ ﷺ لربه في ليلة المِعْرَاج. فردَّ عليه ربُّه: السلامَ عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته.
٨٣١ - قوله: (السلام علينا) إلخ: تكميلٌ من جانب النبيِّ الكريم عليه الصلاة والتسليم. وعند البيهقيِّ ومالك في «موطئه»: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يراه تحليلا للصلاة، ولذا كان يأتي بتلك الجملة في آخرها. وعند الجمهور: المُحَلِّل هو: السُّلامُ عليكم ورحمة الله، دون السلام الذي في التشهُّد. وتمسَّك منه الشاه إسماعيل رحمه الله تعالى في «الإيضاح» على أن الجمعَ المُعَرَّفَ باللام يُفِيدُ الاستغراق.
قلت: وهو عندي في باب الأدعية، والنذر، والأيمان مسلَّمٌ، لأن مبناها على الألفاظ فقط. أمَّا في غيرها، فلا أُسَلِّم فيها قطعية العموم.
١٤٩ - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ
٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِى الصَّلَاةِ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». أطرافه ٨٣٣، ٢٣٩٧، ٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٦٣٧٧، ٧١٢٩ - تحفة ١٦٤٦٣، ١٦٤٦٤
٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِى صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. أطرافه ٨٣٢، ٢٣٩٧، ٦٣٦٨، ٦٣٧٥، ٦٣٧٦، ٦٣٧٧، ٧١٢٩ - تحفة ١٦٤٦٣
٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رضى الله عنه -. أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِّمْنِى دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِى صَلَاتِى. قَالَ «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِى مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِى إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». طرفاه ٦٣٢٦، ٧٣٨٨ - تحفة ٦٦٠٦ - ٢١٢/ ١
стр. 851
والأدعيةُ على أنواعٍ: منها ما ثَبَتَتْ عن النبيِّ ﷺ فهي جائزةٌ كلُّها، كما صرَّح به في «البحر». وأمَّا التي كانت من تأليفه، ففيها تفصيلٌ من كونها تُشْبهُ كلام الناس، أو لا. وراجع تفصيله من الفقه. ثم إني أتعجَّبُ من المصنِّف أنه كيف تَرَكَ الصلاةَ على النبيِّ ﷺ ولم يُبَوِّبْ عليها، وبَلَغَ إلى الأدعية مع كون حديثها عنده في الأدعية، وهي سنةٌ عند الجمهور. وقال الطحاويُّ رحمه الله تعالى: تفرَّد الشافعيُّ رحمه الله تعالى في القول بافتراضها. فإِن قلتَ: إنه أشار به إلى خلاف الشافعيِّ رحمه الله تعالى، فإنها لا تَنْزِلُ عن السُّنية عند أحدٍ، فلا يُنَاسِبُ ترك ذكرها رأسًا. وبالجملة لم يتبيَّن لي وَجْهُهُ إلى الآن، ولعل الله يُحْدِثُ بعد ذلك أمرًا.
٨٣٢ - قوله: (يَدْعُو في الصَّلاةِ): أي في مواضع الأدعية المأثورة.
قوله: (من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)، ولم يكن يتبيَّن لي في التعوُّذ منها وجهٌ، فإنها في الحياة، حتى رأيت في «البدور السافرة» رواية: «أن من كان في قلبه بغضٌ من عثمان رضي الله تعالى عنه، فإنه لا يَأْمَنُ في قبره من فتنة الدَّجَّال»، فتبيَّن أن أثر تلك الفتنة تَسْرِي إلى القبور أيضًا، وحينئذٍ تبيَّن لي وَجْهُهُ ومن ههنا ظهر وَجْهُ القِرَان بين التعوُّذ من عذاب القبر، والتعوُّذ من تلك الفتنة. والمراد من فتنة المحيا: المعاصي، ومن الممات: سؤال النَّكِيرَيْن.
١٥٠ - باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ حَدَّثَنِى شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِى السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو». أطرافه ٨٣١، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ - تحفة ٩٢٤٥
ويختارُ منها ما يكون أوفق لحاجته، والأحبُّ أن يختارَ الجوامع من الأدعية.
٨٣٥ - قوله: (السَّلامُ عليك أَيُّهَا النَّبِيُّ). واعلم أن النِّدَاءَ والخِطَابَ لاستحضار المنادي في ذهنه، سواء كان حاضرًا في الخارج، أو لا. ولذا غَايَرَ ابن الحاجب بين النداء والنُّدْبَة، وعرَّفها على حِدَةٍ.
١٥١ - باب مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيتُ الحُمَيدِيَّ يَحْتَجُّ بِهذا الحَدِيثِ، أَنْ لَا يَمْسَحَ الجَبْهَةَ فِي الصَّلَاةِ.
٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ
стр. 852
سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ فَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِى الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِى جَبْهَتِهِ. أطرافه ٦٦٩، ٨١٣، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠ - تحفة ٤٤١٩
هكذا عند الحنفية، ويَمْسَحُمُهَا بعد الفراغ من الصلاة.
١٥٢ - باب التَّسْلِيمِ
٨٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِى تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مُكْثَهُ لِكَىْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ الْقَوْمِ. طرفاه ٨٤٩، ٨٥٠ - تحفة ١٨٢٨٩
وهي عند الجمهور: تسليمتان، والمختارُ عندنا: أنهما واجبتان. وفي «فتح القدير»: أن الأولى واجبةٌ، والثانية سنةٌ في روايةٍ. وعند مالك رحمه الله تعالى: هي تسليمةٌ فقط، ويَشْهَدُ له حديثان: أحدهما عند أبي داود، في باب الوتر، والثاني عند النَّسائي، في باب الجمع بين الصلاتين. فإِذا نُقِلَ العمل بهما في الخارج، وصَحَّ فيها الحديثان، فكأنها دخلت عندي في فهرس أحكام الدين، ولا يَصِحُّ إنكارها. ولذا اخترتُ الروايةَ الغير المشهورة. ثم عند مالك رحمه الله تعالى: هي تسليمةٌ واحدةٌ للمنفرد، وتسليمتان للإِمام والمقتدي إن كان خلف الإِمام، أي لم يكن في جانب المَيْمَنَةِ والمَيْسَرةِ. فله ثلاثُ تسليماتٍ: تسليمتان لمن عن يمينه ويَسَاره، وتسليمةٌ لإِمامه. فكأنه جَعَلَ سلامَ التحليل كسلام التحية، وراعى فيه ما يُرَاعَى من المصالح عند اللقاء.
١٥٣ - باب يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلْفَهُ.
٨٣٨ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. أطرافه ٤٢٤، ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٤٠، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٥٤٠١، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨ - تحفة ٩٧٥٠
يُشِيرُ إلى المقارنة، كما هو مذهب الحنفية دون التعقيب.
١٥٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ
٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِى دَارِهِمْ. أطرافه ٧٧، ١٨٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ - تحفة ١١٢٣٥ - ٢١٣/ ١
٨٤٠ - قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِىَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِى سَالِمٍ قَالَ كُنْتُ
стр. 853
أُصَلِّى لِقَوْمِى بَنِى سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَقُلْتُ إِنِّى أَنْكَرْتُ بَصَرِى، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِى وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِى، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِى بَيْتِى مَكَانًا، حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَ «أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». فَغَدَا عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِىُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّىَ مِنْ بَيْتِكَ». فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِى أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّىَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. أطرافه ٤٢٤، ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٤٠١٠، ٥٤٠١، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨ - تحفة ٩٧٥٠
فيه تعريضٌ إلى مالك رحمه الله تعالى، فإنه يقول بردِّ السلام على الإِمام أيضًا، كما عَلِمْتَ آنفًا. وعند الجمهور: سلامُ الإمام في النية فقط، فإن كان في جهته يَنْوِيه فيها، وإِلا ففيهما. وراجع الفقه.
١٥٥ - باب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. طرفه ٨٤٢ - تحفة ٦٥١٣
بوَّبَ الآن على الأذكار بعد الصلاة، كما كان بوَّب أولا على الأدعية في خلال الصلاة. واعلم أن الأدعيةَ على نحوين: نحو ثَبَتَ دُبُر الصلوات قُبَيْل السُّنة، ونحو آخر ثَبَتَ في الأوقات المُنْتَشِرَة. والمصنِّفُ رحمه الله تعالى بصدد بيان النحو الأول. وصورةُ العمل بها: أن يأتي بها بدلا، ومن أراد الجمعَ، فقد خَالَف السُّنة. ومع هذا، لو فعله أحدٌ لا يَمْنَعُ لِمَا مرَّ أن العبادات ممَّا يتعسَّرُ عنها، فكيف بالذكر فإنه أفضلها. ولذا لا يتقيَّدُ بوقتٍ دون وقتٍ، بخلاف سائر العبادات، فإن لها وقتًا.
فيقول تارةً: «اللهم أنت السلام ... » إلخ، كما عند الترمذيِّ. وتارةً: «اللهم أعنِّي على ذكرك ... » إلخ، كما عند أبي داود. وأخرى كلمة التوحيد، كما عند البخاري. وهذا هو مَرَضِيُّ الشارع: أن يُؤْتَى بها حينًا كذا، وحينًا كذا لا أن يَجْمَعَ بينها. ولذا أقول: إن السُّنة في جواب الحَيْعَلَة: أمَّا الحَيْعَلة، أو الحَوْقَلة، دون الجمع. وقد مرَّ مِنَّا التنبيه عليه في باب الأذان. نعم الأدعية التي وردت في الأوقات المنتشرة، الأمر فيها إليكَ، أتيتَ بها كيف شِئْتَ. ثم إن هذا الموضوع قد صار مُفْرَزًا بالتصنيف، فصنَّف النوويُّ رحمه الله تعالى كتاب «الأذكار»، وابن السُّنِّي «عمل اليوم والليلة»، «والأمالي للحافظ بن حَجَر رحمه الله تعالى. فإنه عَقَد أربعةً وثمانين مَجْلِسًا لإملائه بمصر، ثم انْدَرَسَتْ تلك المجالس بعده حتى جاء السيوطي رحمه الله تعالى، وشرع الإملاء، ثم انْقَطَعَتْ بعده بالكليِّة. وكذا صنَّف الجَزَرِي فيها «الحصن الحصين».
стр. 854
رفع الصوت بالذكر
٨٤١ - قوله: «إن ابن عبَّاسٍ أَخْبَرَه: أنَّ رفع الصوت بالذِّكْرِ حين يَنْصَرِفُ الناسُ من المكتوبة، كان على عهد النبيِّ ﷺ وقال ابن عبَّاس ﵁: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذا انْصَرَفُوا بذلك إذا سَمِعْتُهُ». اهـ.
٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ﴿عَنْ عَمْرٍو﴾ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِىِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ. طرفه ٨٤١ - تحفة ٦٥١٢
قال عليٌّ: حَدَّثَنَا سفيانُ عن عمرو قال: كان أَبو مَعبدٍ أصدقُ موالي ابن عباس قال عليٌّ واسمه نافِذٌ.
٨٤٢ - وفي الحديث الثاني، عن ابن عباس ﵁: (كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صلاة النبيِّ ﷺ بالتنكير). تَمسَّك بظاهره ابن حَزْم، وذَهَبَ إلى سُنِّيَة الجهر بالتكبير دُبُر الصلوات، وأنكرها الجمهور. واخْتُلِفَ في توجيهه: فقيل: إن المراد بالتكبير تكبيرات الانتقالات في خلال الصلوات، أي كنتُ أَعْرِفُ انقضاءَ الصلاة بانقطاع تلك التكبيرات. وقيل: المراد به تسبيح فاطمة ﵂، أي إذا كان الناس يُسَبِّحُون بها، كنتُ أعرفُ أنها قد انْقَضَتْ. وقيل: المراد به: القول بالله أكبر، وكان الأمراءُ يفعلونه في الجيوش أَوَانَ الحرب.
والذي تبيَّن لي في بيان مراده: أن هذا الحديث والحديث الأول متحدٌ سندًا ومتنًا، فالمراد من التكبير: هو الذكر مطلقًا، كما في الحديث الأول، لا خصوصَ التكبير، كما سيقت إليه الأذهان. وهذا موضعٌ مُشْكِلٌ، فإنك إن رَاعَيْتَ لفظ التكبير، دَلَّ على سُنيته لا مَحَالة. وإن رَاعيت لفظ الذكر، فهو يُنَاقِضُهَا. ويُشْكِلُ في مثل هذه المواضع تعيين اللفظ على مثل البخاريِّ أيضًا، وهذا الذي عَرَاه في حديث: «إذا أمَّنَ الإِمَامُ ... » إلخ. ففي لفظٍ: «إذا أمَّنَ القارىءُ»، وفي لفظ: «إذا قال الإمامُ: غير المغضوب عليهم ... » إلخ. ولمَّا لم يَنْفَصِلْ عنده شيءٌ، بَوَّبَ على كلَ ما ناسب له. فينبغي الغَوْر عند تغايرُ اللَّفْظَيْنِ من حديثٍ: إنهما متبادلان، أو متصادقان، أو مجامعان لتبيين صورة العمل. وقد ظَهَرَ لي: أن اللفظَ في الحديث: هو الذكر، وقَصْرُه على التكبير مسامحةٌ للراوي.
ثم إن الشافعيَّ رحمه الله تعالى حَمَلَ الجهرَ بالتكبير على التعليم، وبمثله قال صاحب «الهداية» في التسمية، والبِرْكِلي، والجُرْجَاني في التأمين. فالأصلُ في جملة الأذكار هو الإخفاء. نعم وَرَدَ الجهر بها أحيانًا، لفائدة وداعية، ولا تَثْبُتُ به السُّنية، وإنما تَثْبُتُ أن أكثر عمله ﷺ كان بالجهر. وقد ثَبَتَ عندي جَهْرُ الأذكار والأدعية كلِّها تقريبًا غير التشُّهد والتسبيحات، حتى جهر الآية في السِّرِّية أيضًا، فدَلَّ على أن معاملة الجهر والإخفاء هيِّنٌ عند الشرع، لا أن الجَاهِرَ بالتأمين مُتَّبِعٌ للسُّنة، والمُسِرَّ بهِ مُخَالِفٌ لها، وإنما بَالَغ فيه المبالغون فقط.
стр. 855
ثم إن تسبيحَ فاطمة رضي الله تعالى عنها علَّمها إياه النبيُّ ﷺ عند النوم، لا دُبُرَ الصلوات. وإنما سُمِّيَت بتسبيح فاطمة رضي الله تعالى عنها، لكونها على الصِّفة التي علَّمها النبيُّ ﷺ عَقِيب الصلوات أيضًا. وقد وَرَدَتْ فيها ثلاث صفاتٍ: تقسيم المئة على التسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثًا، مع زيادة التكبير لواحدة تكملةً للمئة. وكذلك مع زيادة كلمة التوحيد تكلمة للمئة. والثالث: ما رآه رجلٌ في النون من تقسيمها أرباعًا، والرابع: لا إله إلا الله.
وما عند مسلم من الصفة الرابعة، فهي وَهْمٌ نشأ من تقسيم ثلاث وثلاثين على الثلاث، ولَيْسَتْ صفةً مستقلةً. فتلك مئة على جميع الصفات، وكلُّها عندي على سبيل التبادل، فحينًا كذا، وحينًا كذا. والأحسنُ فيها ما عليه اليوم عمل الأمة، وهو ترتيبٌ حسنٌ عندي. ولو خَالَفَ الترتيبَ، لا بأس لِمَا في الحديث: «بأيهن بدأت أجزأ عنك». ولو جمع بينها لا يكون آثمًا، كما لا يكون سنةً، فإنها خيرٌ محضٌ. والأذكار إذا أتى بها في غير محلِّها في الصلوات، لم يَمْنَعْ عنها الشارع، بل ربما أَثْنَى على صاحبها، فكيف بما كانت خارج الصلاة.
وإليه تَرْجِعُ مسألةَ الفاتحة عندي، فإن أحدًا إذا قرأها بدون عهدٍ منه، ولا سابقيَّة أمرٍ وعنايةٍ، لم يَمْنَعْ عنها صراحةً لكونها من القرآن، وأباحها إباحةً مرجوحةً، وتحمَّلها لكونها قرآنًا وخيرًا محضًا.
٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ قَالَ «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلَاّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ». فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ «تَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ». طرفه ٦٣٢٩ - تحفة ١٢٥٦٣ - ٢١٤/ ١
٨٤٣ - قوله: (ذَهَبَ أهلُ الدُّثُور): أي المال الكثير، وأصله في المال الذي يكون بعضه فوق بعض. (يعني وه مال ته به ته هو).
قوله: (أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُم). وقد مرَّ الكلامُ في لفظ الإدراك، ماذا حقيقته؟ وأن حديث: «من أَدْرَكَ ... » إلخ وَرَدَ في المسبوق، ولم يَرِدْ في مسألة المواقيت. وأن الإدراك فيه كالإدراك ههنا. سَبَقَهُم ناسٌ، فأدركوهم بعدهم. وليس هذا في الأوقات أصلا، بحيث جلس يَرْقُبُ الشمسَ حتى إذا لم يَبْقَ إِلا قدر ركعةٍ، قام ودَخَلَ في الصلاة، وعُدَّ بذلك مُدْرِكًا لها. كيف، وبناءُ الكلام على مثل هذا الرجل بعيدٌ من الشارع، فمن أخلَّ فيه، المتعمِّدُ فقد خَالَفَ الحديثَ. والشافعيةُ أدخلوا تحته النائم، والناسي. والتحقيقُ فيه مرَّ سابقًا.
стр. 856
٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ أَمْلَى عَلَىَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِى كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهَذَا، وَعَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْجَدُّ غِنًى. أطرافه ١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢ - تحفة ١١٥٣٥
٨٤٤ - قوله: (وعن الحَكَم، عن القاسم بن مُخَيْمِرَة). القاسم هذا من تلامذة عَلْقَمَة من أهل الكوفة.
١٥٦ - باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ
٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. أطرافه ١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧ تحفة ٤٦٣٠
اعلم أن الإمامَ إن أراد الانصرافَ إلى بيته، سلَّم وانْصَرَفَ. وإن أراد القعودَ، فالسُّنة له أن يَسْتَقْبِلَ القومَ، وبه جَزَمَ المصنِّفُ رحمه الله تعالى، وصرَّح به الجُوْزَجَاني في «مبسوطه». وأمَّا التيامُنُ أو التياسُرُ المعمولُ بهما في زماننا، فليسا من السُّنة في شيءٍ، وإنما هما عند إرادة الانصراف إلى البيت، لا عند الجلوس بعد الصلاة. فعن عليّ عند الترمذي أنه قال: «إن كانت حاجتُه عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجتُه عن يَسَارِهِ أخذ عن يساره»، فهما عند الانصراف لحاجته. وما عن البَرَاء بن عَازِب عند أبي داود: «من حبِّهم بكونهم في مَيْمَنَة النبيِّ ﷺ فهو لأن يقع بصرُه عليهم عند التسليم أولا، لا عند الجلوس بعد الصلاة دائمًا». وغَلِطَ فيه الناسُ من عبارات بعض المتأخِّرين، مع أنهم أرادوا بيان الجواز الفِقْهِي، فحملوه على بيان السنة. فإن كنتَ تريد السُّنة، فالسَّنةُ في الاستقبال. وإن كنتَ تريد الجواز، فافعل ما شِئْتَ.
٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِىِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ». قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِى مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِى وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِى وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ». أطرافه ١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣ - تحفة ٣٧٥٧
стр. 857
٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ «إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ». أطرافه ٥٧٢، ٦٠٠، ٦٦١، ٥٨٦٩ - تحفة ٨١٠، ٨٠٤ - ٢١٥/ ١
٨٤٦ - قوله: (صَلاةَ الصُّبْحِ)، هي واقعةُ صُلْح الحُدَيْبِيَة في السنة السادسة، حين رَجَعَ بعد ذبح دم الإحصار.
قوله: (نَوْء) وقد ذُكِرَ في «غياث اللغات» تحت لفظ التاريخ، فراجع تحقيقها منه. ثم اعلم أنه قد مرَّ مني في أوائل الكتاب: أنه لا تأثير للنجوم في الكون أصلا إلا في الحرارة والبرودة، فهي من الآثار الطبيعية. أمَّا السعادةُ والنُّجُوسةُ، فلا تأثير لها فيها، ولا يقتضيها العقلُ، ولا تَشْهَدُ بها التجربة. ثم لو سلَّمنا أن للنجوم تأثيرًا في المطر، فهو كحال المواسم. ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أنه ذهب الشيخ الأشعريُّ أن لا خَوَاصَ في الأشياء، فمن قال: إن النارَ مُحْرِقةٌ، بمعنى كون الإحراق فيها، فهو كافرٌ. كذا نقله الأَلُوسي في «روح المعاني». ونسب إلى المَاتُرِيدِيَّة: أن في الأشياء خواص، إلا أنها بإذن الله تعالى.
قلتُ: ولا يَكْفُرُ بمجرد هذا القول، ولكن يُنْظَرُ إلى حال نيته، فإن عدَّها من الأسباب العادية، فلا كفر، وإن ادَّعى لها الإِحراق لذاتها، كفر. والمؤاخذةُ اللفظيةُ لم تَرِد في الشريعة في باب الكفر. فإن الألفاظَ المُوهِمَة قد وردت في القرآن والحديث أيضًا، فالفصلُ بالنية لا غير. وأصلُ هذا الاختلاف في سلسلة العِلَّل. فقيل: إن المُؤَثِّرة منها هي القريبةُ والبواقي شرائط. وقيل: المُؤَثِّرة هي الأولى. وقيل: المُؤَثِّرُ المجموع. وقال بحر العلوم في «شرح المَثْنَوي». إن المُؤَثِّرة عند أهل السُّنة والجماعة هي الأولى فقط، وعند المُعْتَزِلة هي القريبة، والفلاسفةُ على قولين: قيل: المجموع، وقيل: الأولى.
أقول بل المُؤَثِّر عندهم هو مجموع السلسلة، فإذا تحقَّقت تلك السلسلة بأسرها، أَوْجَبَتْ تحقُّق المعلول، وهو الإيجاب. وليست الأولى فقط مُؤَثِّرة عندهم. فإذا كانت المُؤَثِّرة عند أهل السُّنة والجماعة هي الأولى فقط، فالمُؤَثِّرُ في الأكوان كلِّها هو الله سبحانه، والبواقي شرائط، كما قال به المَاتُرِيدِيَّة. ونِعْمَ ما قالوا، فإن كان الشيخُ الأشعريُّ قال بما نقله الأَلُوسي رحمه الله تعالى، فظاهرُه فاسدٌ.
ثم إنهم تكلَّموا في مسألة توحيد الأفعال، فقيل: إن اللَّهَ سبحانه خالقٌ، والعبدَ كاسبٌ. وقال الدَّوَّاني في شرح «العقائد الجلالي»: إنه من مجموع القدرتين، وهو باطلٌ عندي. فإنه لا تقوُّم لقدرة العبد بدون قدرة الحقِّ جَلَّ مجده، فمن أين يَحْصُلُ المجموع. فإنه يستدعي جزءين مستقلَّين برأسهما ليَحْصُلَ بهما الثالث، وههنا لا حقيقةَ لقدرة العبد، ولا تقوُّم لها إلا بقدرة الله تعالى.
قلتُ: ولا نظيرَ في الكون لنسبة فعل العبد إليه تعالى، فإن هذا الربط قد أحاط بالمخلوقات بأسرها، فمن أين يجيء النظير. وقيل: إن أصلَ الفعل من الخالق، ووصفَه من
стр. 858
العبد. وبالجملة أُبْهِمَت عليهم تلك المسألة، وقد تعرَّضْتُ إليه في الرسالة، أي «ضرب الخاتم ومرقاة الطارم» شيئًا.
١٥٧ - باب مُكْثِ الإِمَامِ فِى مُصَلَاّهُ بَعْدَ السَّلَامِ
واعلم أن السُّنة الأكثرية بعد الصلوات: الانصراف إلى البيوت بدون مَكْثٍ إلا بقدر خروج النساء. وكان في الأذكار والأدعية كلٌّ أميرَ نفسه، ولم تَثْبُت شاكلة الجماعة فيها، كما هو المعروف الآن، إلا في نزرٍ من المواضع، وقد مرَّ الكلامُ فيها. وكنا نظنُّ أن المصنِّفَ رحمه الله تعالى يُرِيدُ بيان جواز هذه الشاكلة، إلا أنه نَقَلَ أثر ابن عمر، فتبيَّن منه أنه دخل في مسألةٍ أخرى، وهي: جواز النافلة في مكان الفريضة. واستحبَّ الحنفيةُ أن يتحوَّلَ عن ذلك المكان، فيتقدَّمُ أو يتأخَّرُ، ولهم في ذلك مادةٌ كبيرةٌ. فعند مسلم، عن معاوية، وفيه: «فإِن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نوصل صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلَّمَ أو نَخْرُجَ». وعن أنس ﵁ عنده في خطبة النبيِّ ﷺ «أيُّها الناس إني إمامكم، فلا تَسْبِقُوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيامِ، ولا بالانصراف». اهـ.
والمراد من الانصراف عندي: هو انصرافُه عن القِبْلَة بعد السلام، ولا شكَّ أن انصرافَ المأمومين بعد انصراف إمامهم لا يَخْلُو عن استحبابٍ، وإن كان جائزًا قبله أيضًا. ويمكن أن يُرَادَ من للانصراف: التسليم، أي انصرافه عن الصلاة. فالسُّنة هو أن يَفْصِلَ بين الفريضة والنافلة إمَّا بالمكان، أو بالكلام، كمامرَّ منا تحقيقه. وبه صرَّح صاحب الهداية، إلا أن الناس يَمْكُثُون في زماننا بعد الفرائض، ويُصَلُّون السُّنن في ذلك المكان بعينه. وينبغي أن لا يُحَرَّض الآن على أداء السُّنن في البيوت، لظهور التَّوَاني في أمور الدين، فإِنهم إِن يَرْجِعُوا إلى بيوتهم بدون أداء السُّنن في المساجد، ربَّما يَتَكَاسَلُون في أدائها، فيتركونها رأسًا. وراجع ما عند أبي داود، عن ابن عمر ﵁ (١).
٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّى فِى مَكَانِهِ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ. وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِى مَكَانِهِ. وَلَمْ يَصِحَّ. تحفة ٧٥٦٣، ١٢١٧٩
٨٤٨ - قوله: (وقال لنا آدمُ) ولعلَّه تأوَّل فيه، لأنه أخذه مذاكرةً.
قوله: (ويُذْكَرُ عن أبي هُرَيْرَةَ رَفَعَه: لا يتطوَّع الإمامُ في مكانه»، ولم يَصِحَّ). وهو عند أبي داود، ولا بأسَ إذ صحَّ عند مسلم من طريقٍ آخر. فعدنا يُصَلِّي التطوُّعَ في غير مكان الفريضة، وذلك آَكَدٌ في حقِّ الإِمام.
٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ هِنْدٍ
الأَسْوَدِ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَاّ عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. تحفة ٩١٧٧
وظاهرٌ من هذه الترجمة أن المرادَ من الانصراف في الأحاديث: هو الانصرافُ إلى البيت، سواء كان من جانب اليمين، أو اليَسَار، دون الجلوس بعد الفراغ متوجِّهًا إلى جهة اليمين أو اليَسَار، كما وُهِمَ. وقد مرَّ التصريحُ به عن عليِّ ﵁ عند الترمذيِّ.
قوله: (ويَعِيبُ على مَنْ يَتَوخَّى، أو من يعْمِدُ الانتفالَ عن يمينه) حاصلُه أنه مختارٌ في الانصراف من أيِّ الجانبين شاء انصرف، وقد أجاز الشرعُ بتأديب الزوج زوجته، والأب ابنه. وكذا كلُّ من كان له حقٌّ على تأديب أحدٍ أن يُؤَدِّبه على ترك المستحبِّ أيضًا، ولا ينبغي التأديبُ عليه لغيرهم، وإنما كان النبيُّ ﷺ أكثر ما يَنْصَرِفُ إلى اليَسَارِ، لكون الحُجُرَات في تلك الجهة.
تنبيه
واعلم أن القيامَ عند ذكر ميلاد النبيِّ ﷺ بِدْعةٌ لا أصلَ له في الشرع وأحدثه ملك الإرْبِل كما في «تاريخ ابن خَلِّكَان»: أنه كان يَعْقِدُ له مجالس، ويَصْرِفُ عليها أموالا. وقد ألَّف ابن دِحْية المغربي كتابًا في الميلاد. وأجازه (١) السيوطي وابن حَجَر رحمهم الله تعالى قياسًا على قوله: «قوموا لسيِّدِكم لسعد بن مُعَاذ ﵁» حين دعاه أن يقضي في بني قُرَيْظَة.
قلتُ: وهو قياسٌ مع الفارق، فإنه قياسُ أحكام عَالَم الأرواح على عَالَم الأجسام، وقياسُ الموهوم على المُحَقِّق مع مُغَايَرَةِ الأحكام بين العَالَمَيْنِ، فهو قياسٌ مُهْمَلٌ. إلاّ أن البِدْعَةَ
стр. 861
قد تكون مكروهةٌ تنزيهًا، وقد تكون مكروهةً تحريمًا، كالنهيِّ، فإنه قد يُفيدُ التحريم، وقد يُفِيدُ التنزيه، فيجري هذا التقسيم في البِدْعَةِ أيضًا.
ولذا اعترضَ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى على صاحب «الهداية» حيث قال: إن تحليقَ ربع الرأس يكفي للتحليل عن إحرام الحجِّ، قياسًا على ربع الرأس في باب الوضوء، فقال ابنُ الهُمَام رحمه تعالى: إنه من قياس الشَّبَه، لا من قياس المعنى، فإنه يكون باشتراك العِلَّة المقتضية للحكم. وقياسُ الشَّبَهِ يكون كتشبيه أهل المعاني، فَجَزَم أن تحليقَ الربع لا يكفي. وكذا في «الهداية»: إن الاستقبالَ إلى الحجر الأسود، كالاستقبال عند التحريمة، فاعترض عليه: إنه قياسٌ صوريٌّ. وقد أَجَبْتُ عنهما.
١٦٠ - باب مَا جَاءَ فِى الثُّومِ النَّىِّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ
وَقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا».
٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ فِى غَزْوَةِ خَيْبَرَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِى الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا». أطرافه ٤٢١٥، ٤٢١٧، ٤٢١٨، ٥٥٢١، ٥٥٢٢ - تحفة ٨١٤٣
٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلَا يَغْشَانَا فِى مَسَاجِدِنَا». قُلْتُ مَا يَعْنِى بِهِ قَالَ مَا أُرَاهُ يَعْنِى إِلَاّ نِيئَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَاّ نَتْنَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أُتِىَ بِبَدْرٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْنِى طَبَقًا فِيهِ خُضَرَاتٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ، فَلَا أَدْرِى هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِىِّ أَوْ فِى الْحَدِيثِ. أطرافه ٨٥٥، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩ - تحفة ٢٤٤٧، ٢٤٨٥
٨٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَالَ - فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِى بَيْتِهِ». وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ فَقَالَ «قَرِّبُوهَا» إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ «كُلْ فَإِنِّى أُنَاجِى مَنْ لَا تُنَاجِى». وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بَعْدَ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهْوَ يُثْبِتُ قَوْلَ يُونُسَ. أطرافه ٨٥٤، ٥٤٥٢، ٧٣٥٩ - تحفة ٢٤٨٥ - ٢١٧/ ١
٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ
стр. 862
أَنَسًا مَا سَمِعْتَ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ فِى الثُّومِ فَقَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا، أَوْ لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا». طرفه ٥٤٥١ - تحفة ١٠٤٠
ويُسْتَبْعَدُ من المصنِّف رحمه الله تعالى أنه صَدَرَ أولا بقول النبي ﷺ ثم رواه بالمعنى. ولم يَفْعَل كذلك في موضعٍ من كتابه غير هذا. واعلم أن كلَّ شيءٍ له رائحةٌ كريهةٌ يُكْرَهُ أن يَذْهَبَ به إلى المسجد. وكذا يُكْرَه له أن يَدْخُلَ في المسجد، وريحُه في فمه. ولعلَّ تلك الكراهة فوق التنزيه لِمَا في الفِقْهِ: أن السَّمَّاك لو كان القومُ يتأذَّى منه، يجوز إخراجه من المسجد. وكذا الجذامي، والمبروص. وفي «الموطأ» لمالك: «أنهم كانوا يَطْرُدُونَ نحو هؤلاء من المسجد إلى البقيع». وهي المسألةُ في قراءتهم الأذكار في هذا الحال، فينبغي أن لا يُجِيبَ المؤذنَ وهو يأكل النتن، ولا يَدْخُلُ المسجدَ إلا بعد إزالة رائحته. وفي الحديث: «إنكم إذا استيقظتم من الليل فنظِّفُوا فَمَكم، فإنكم ما تكلَّمُون بكلمةٍ من الذكر إلا يَضَعُها المَلَكُ في بطنه - بالمعنى.
وتفرَّد ابن حَزْم حيث ذَهَبَ إلى حُرْمَة هذه الأشياء، لأنها مانعةٌ عن الجماعة، وهي فرضُ عينٍ عنده. وقال الجمهور: إنها حلالٌ كلُّها، إلا أنها ممنوعةٌ في الأوقاتِ المخصوصةِ لأجل العوارض، فليست فيها كراهةُ الأكل، بل كراهةُ الذكر، أو الإتيان إلى المسجد بعد الأكل.
والعجبُ على تَهَوُّرِ هؤلاء الذين يَحْكُمُون بالحُرْمَةِ على الأشياء التي أُكِلَت في عصر النبوة وحضرتها. فإذن هي حلالٌ إِلا ماوقع في بعض الكُتُب من حُرْمة النتن أو التمباك، فالوجهُ فيه أنهم صَرَّحُوا أن المباحَ في نفسه قد يَصِيرُ حرامًا من حكم الأمير من جهة أن الله أمر بطاعتهم، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فحينئذٍ لو رَأَى الأميرُ أن يَمْنَعَ الناسَ عن أكل شيءٍ لمصلحةٍ بَدَتْ له، يجب عليهم أن لا يَأْكُلُوه، ويَحْرُم عليهم. إِلا أن تلك الحُرْمة تَقْتَصِرُ على مدَّة إمارته فقط، ولا يتجاوزها، فهي حرمةٌ مؤقَّتةٌ. ومن هذا الباب تحريم التمباك، فإنه قد نهى عنه بعض السلاطين، فاحفظه.
قوله: (فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا)، مع أنه لم يكن في خَيْبَر مسجدٌ، فإذن هو مسجدٌ عارضيٌّ كان يُعَدُّ للصلاة ما دام القيام هناك، كما مرَّ منا من قبل.
فائدة
واعلم أن الزَّيْلَعِيَّ إذا يُخَرِّجُ حديثًا غريبًا، يُنَبِّهُ أولا على غرابته، ثم يُخَرِّجُ ما يكون في معناه. بخلاف الحافظ، فإنه يُخَرِّجُ أحاديث الشافعية، ولا يُنَبِّهُ على غرابتها.
١٦١ - باب وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغَسْلُ وَالطُّهُورُ وَحُضُورِهِمِ الْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَنَائِزَ، وَصُفُوفِهِمْ
٨٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنِى غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِىَّ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ
стр. 863
وَصَفُّوا عَلَيْهِ. فَقُلْتُ يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. أطرافه ١٢٤٧، ١٣١٩، ١٣٢١، ١٣٢٢، ١٣٢٦، ١٣٣٦، ١٣٤٠ - تحفة ٥٧٦٦
وهو صحيحٌ عندنا أيضًا، وسَهَا من نَسَبَ إلينا خلافه.
قوله: (ومتى يَجِبُ عليهم الغَسْلُ والطَّهُور)، ولم يَجِبْ عنه، لأن وُجُوبَهُمَا عند وُجُوبِ سائر الأحكام وهو عند الاحتلام، إلا أنه يُؤَمَرُ قَبْلَه للاعتِياد. وقال أحمد رحمه الله تعالى: ويُفْتَرَضُ عليه إذا بَلَغَ عَشْر سنين.
قوله: (وحُضُورِهم الجَمَاعَةَ) وصلاتهم تقع عندنا نَفْلا وإن صَلُّوها فريضةً. ولا بِدْع عندي ولا بُعْد في أن تَقَع عنهم فرضًا مع كونهم غيرَ مكلَّفِين، كالإسلام فإِنَّهم قالوا: إن الصبيَّ إذا أسلمَ يقعُ عن فَرْضِه وإن لم يكن فَرْضًا عليه. فهكذا الصلاة، فإِنه لم يُصَرِّح أحَدٌ بخلافِهِ، وإن لم يصرّح به أيضًا. ونَسَب إلينا النوويُّ أَنَّ حجَّ الصبيِّ لا يُعتبرُ عندنا، وهو باطِلٌ. نعم يقعُ نَفْلا ولا يُعتبرُ عن حَجَّةِ الإِسلام.
قوله: (وصُفُوفِهم) ويَصُفُّ الصِّبيانُ مع الرِّجَالِ في صلاةِ الجنازة عندنا، وكذا في المكتوبةِ في بعض الصُّور. وراجع تفصيله في كُتُب الفقه.
٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أطرافه ٨٧٩، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥ - تحفة ٤١٦١
٨٥٨ - قوله: (الغُسْلُ يومَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ على كُلِّ مُحتَلِم) وهو من الحُلْم - بالضم - لا مِن الحِلْم - بالكسر. والغُسْل واجب عند مالك رحمه الله تعالى، لكنهم يَقْسِمُون الوُجُوبَ إلى: وُجوبِ سُنَّة، ووجوبِ افتراض. وعندي هو واجِبُ في بعض الصور عندنا أيضًا، وإن لم يصرِّحُوا به لكنه تقتضيه قواعدهم، وهو عند تأذِّي القوم، كما حققه ابن عباس ﵁ عند أبي داود - حين سُئِل عن وُجوبِ الغُسْل. فقال: «إنَّ الناسَ كانوا في قلة الثياب في أول أمْرِهم فيعرقون وينتشر عنهم النتن. فإِذا وَسَّع اللَّهُ عليهم زال الوجوبُ»، لانتفاء العلة. وعُلِم منه أن الوجوب فيه يَدُورُ مع عِلَّة التأذي، فلو تحقق الآن يعود الوجوب أيضًا.
ثُم إنَّه يجوزُ عندي أن يَدْخُل الوجوبُ والاستحبابُ تَحْتَ أمرٍ واحدٍ، كقوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. أطلق على الفَرْض والنَّفْل جميعًا، وبَعيدٌ عندي كل البُعْد أن يكونَ مصداقُه هو صلاتَه مرةً في عمره فقط، وأما الباقيةُ فتبقى خارجةً عنه. فالحقُّ أن الأمر كما في اللغة للطلبِ فقط، وصِفَةُ الوجوب والتطوع من الخارج. نعم إذا ورد مُؤقتًا يُحْمَل على الوجوبِ. وقد بسطتُ الكلامَ عليه في رسالتي «فصل الخطاب»، وكشف الستر» شيئًا.
٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَنَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ
١٦٤ - باب صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ
٨٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِى تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِى مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَىْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ. تحفة ١٨٢٨٩
٨٧١ و ٨٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ فِى بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. أطرافه ٣٨٠، ٧٢٧، ٨٦٠، ٨٧٤، ١١٦٤ - تحفة ١٧٢
ويستفاد من الأحاديث أن النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ الجماعات في المكتوباتِ والعيدين مطلقًا. وكذا في هذا الكتاب: «لا تمنعوا إماءَ اللَّهِ عن المساجدِ». فهذا عَمَلٌ وذاك قَوْلٌ. ومع ذلك ذهبَ الفقهاءُ إلى التضييق. ومَنَعَهُنَّ المتأخرونَ مِن الخروج مطلقًا. ويؤيد ما عند أبي داود عن عائشةَ ﵂ قالت: «لو أَدْرَكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ما أحدثَ النِّساءُ لَمَنَعُهنَّ المساجدَ كما مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيلَ». وهو عندي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا. وقِصَّةُ عمرَ ﵁ مع زوجَتِه حيثُ كانت تَذْهَبُ إلى المسجد. وهي في البخاري ومَرَّت من قِبَلْ. ورَاجِع كَرَاهةَ خُرُوجِهنَّ عن ابن المُبَارك عن الترمذي.
واعلم أن ههنا سِرًّا (١) وهو أَني لم أَرَ في الشريعة تَرغيبًا لهن في حضورهن الجماعة، بل عند أبي داود ما يخالِفُه، فعن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا قال: «صلاةُ المرأةِ في بيتِها أَفْضَلُ مِن صلاتها في حُجْرَتِها، وصلاتُها في مَخْدَعِها أَفْضَلُ مِن صلاتِها في بيتها». اهـ. وهذا يدلُّ على أنَّ مَرْضَى الشَّرْع أن لا يَخْرُجن إلى المساجدِ. وفي حديث آخر: «إنْ كان لا بُدَّ لَهُنَّ مِن الخروجِ فليخرجن تَفِلاتٍ بدونِ زينةٍ، فلا يَتَعَطَّرْنَ، فإِن فَعَلْن فهنَّ كذا وكذا». يعني زوانٍ. فهذه إباحةٌ لا عن رضاءٍ منه، كإباحة الفاتحة للمُقْتَدين. فلم يرغِبْهُنَّ في الخروج، ونهى الأزواجَ عن مَنْعِهنَّ عن الخروج أيضًا.
стр. 867
وهكذا فَعَل في باب الصدقة، فأمر المتصدِّقين بإِرضائهم. قالوا: «وإن ظلمونا قال: وإن ظلموكم». ثُم هَدَّد العاملين أيضًا. ونحوه سَلك في طاعةِ السلطان فأوجبها ما لم يكن كُفْرًا بَواحًا، ثم أوعد السلاطين الجائرين أيضًا. وهكذا صَنيعه في النكاح فقال: «لا نكاح إِلا بوليَ». ثم أثبت لها حَقَّا فقال: «الأيم أحقُّ بِنَفْسها من وَليِّها». فهذه كلُّها أبوابٌ من قَبيل واحدٍ. وسنقرره في النكاح إن شاء الله تعالى.
٨٦٦ - قوله: (كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنْ المَكْتوبةِ قُمْنَ، وَثَبت رسولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِن الرِّجَالِ) وذلك لئلا يلزمَ الاختلاطُ في الطريق.
١٦٥ - باب سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِى الْمَسْجِدِ
٨٧٣ و ٨٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. أطرافه ٣٧٢، ٥٧٨، ٨٦٧ - تحفة ١٧٥١١
١٦٦ - باب اسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ
٨٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا». أطرافه ٨٦٥، ٨٩٩، ٩٠٠، ٥٢٣٨ - تحفة ٦٩٤٣
يقول: على الرجال أن لا يبادِرُوا بالخروج، وعليهن أن يَتَسارَعْنَ إلى الخروجِ، ولا يكثرون في مقامهن في المسجد، لئلا يتحرَّجَ الرجالُ، فعليهم انتظارُ خروجِهنَّ، وعليهن السرعةُ إلى القيام.
٨٧٢ - قوله: (ولا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا) وهذا صريحٌ في عدم معرفةِ الشَّخْص دونَ معرفةِ الذَّكَر من الأُنثى، كما أوَّل به النوويّ.
قوله: (لا يُعْرَفْنَ مِن الغَلَس) أي لا يُعْرَفُ الرجالُ من النساءِ.
***
стр. 868
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١١ - كتاب الجُمُعَة
١ - باب فَرْضِ الْجُمُعَةِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
واعلم أنَّ الجُمعةَ امتازت عن سائر الصّلوات بشروطٍ إجماعًا. فلم يذهب أحدٌ منهم إلى التسوية بين الجُمعة وسائر الصّلوات. نعم اختلفوا في شرائطها: فشرَط إمامُنا لها المِصْرَ، والآخرون شرطوا العدد. فقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: أربعين رجلا، وهو عند أحمد رحمه الله تعالى، وفي رواية عنه: خمسون. وعند مالك رحمه الله تعالى: ثلاثونَ، وفي رواية: عشرون. وراجع «نيل الأوطار». فلو كان في قرية أقلُّ من عشرين رجلا لا جمعةَ عليهم إجماعًا بين الأئمة. أما عند الإمام فلفقدان المِصْر، وأما عندهم فلفُقْدان العدد، فَمَنْ أوجب الجمعةَ مطلقًا فقد خَرَق الإِجماع.
وعن الشافعيّ رحمه الله تعالى أنّها فرضٌ على الكفاية. نقله الخَطَّابيّ رحمه الله تعالى - وهو أوّلُ شارح على أبي داود. وادَّعى النّاس أنّها فَرْضُ عينٍ بالإجماع.
قلت: ولعلّ تلك الروايةَ ثابتةٌ عنه، فإنّك إن راعيت شرائطَها ثُم أردت أن تحكم عليها لا يَسُوغ لك إلا الحُكْم بالفَرْضِ المعيَّن. وإن قطعت النظر عنها جاز لك أن تقول: إنّها فرض كفاية، بمعنى أنّها واجبةٌ على البعض دون البعض لفقدان الشرائط في حقهم. وهذا كأَمرِ الجماعة، فإنّك إن نظرت إلى الوعيد الوارد على تاركها تحكمُ بالوجوب بتًا. وإن لاحظت معه المعاذير الواردة فيها لا يَسُوغ لك إلا الحكمُ بالسنيِّة فاعلمه. وقال الشيخ ابن الهمام: إنّ الجمعة آكَدُ الفرائض وقد مرّ.
ثم اعلم أنَّ الجمعة فُرِضَتْ بمكة ولم يتمكن النبيُّ ﷺ من إقامتها فيها حتى ورد المدينة، فنزل في قُباء أربعةَ عشرَ يومًا ولم يُقِم الجمعة، وأوّل جمعة أقامها في بني سالم مَحَلَّةٌ من المدينة. ونقل الحافظ رحمه الله تعالى في «التلخيص» أنَّ الجمعة فُرضَت بمكة، ولم يَنْقُل إسناده وهو موجود عندي، إلاّ أنّ فيه راويًا ساقطًا.
قوله: (إذا نُودي) وفي ألفاظ النِّداء تفتيشٌ أنها كانت بالكلمات المعروفة أو غيرها.
قوله: (فاسعَوْا)، وفرَّق اللّغويون بين قوله: سعى له، وسعى إليه. ومعناه ههنا فامضوا كما في قراءة عمرَ ﵁.
стр. 869
قوله: (ذلكم خيرٌ لكم) ومرَّ عليه ابنُ تيمية وقال: إنَّ السَّعي إليها فرضٌ بالإجماع، ومع ذلك أطلق عليه لفظ الخير (١). وفيه دليل أنَّ الخيرَ يطلق على الفَرْض كما قلت في حديث «أمراء الجَوْر»: «فإنّها لك نافلة»، أطلق لفظ النّافلة على المكتوبة. وفي أحاديث فضل الوضوء أنه يتوضأ فتنحَطّ عنه سيئاته، حتى تبقى له الصّلاة نافلة.
٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ». أطرافه ٢٣٨، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥ - تحفة ١٣٧٤٤
٨٧٦ - قوله: (ثُم هذا يومُهُم الذي فُرِض عليهم) واختَلف فيه الشّارحون، فقيل: إنّه افترِض عليهم عينًا، ثم اختلفوا فيه، وقيل: بل فُوِّض إلى اجتهادهم فلم يُصيبوا وأخطأوا في تعيينه.
فائدة
واعلم أن السبت هو التّعطيل في اللُّغة العِبْرانية. وقد ثبت عندي من التوراة أن السبت كان اسمًا للجمعة ولا أدرى متى وقع فيه التحريف، وكُتِبَتْ شروح التوراة في بيت المقدس وبابلٍ ويقال لها «كمارى»، وفيها أنَّ موسى ﵊ كان يَعِظُهم يوم الجمعة ويبشِّرُهم بنبأ النَّبيِّ السّبتيّ، وفي الرِّوايات أنّه لما حارب مع العمالقةِ وكادت الشّمس أن تغرُبَ قبل أن يُفتَح له، دعا اللَّهَ سبحانه أن يُؤخِّر غروب الشّمس وكان غدًا الجمعة.
وفي الإنجيل أنّهم صلبوا رجلا يوم الخميس، فبادروا فيه لئلا يأتي عليهم السَّبت، فدلَّ ذلك كلُّه على أن السَّبت في التّوراة هو يوم الجمعة.
ثمّ اعلم أن تكوين العالم بدأ من يوم السّبت المعروف الآن. وتمَّ يومُ الخميس ولم يَخْلُق
стр. 870
في يوم الجمعة هذه شيءٌ واستوى الرّحمن على العرش كما يليق بشأنه المقدَّس، وبعد مرور أزمانٍ - يعلم اللَّهُ قدرها - خلق آدم في آخِر ساعة من يومِ الجمعة. فتبادر إلى الأوهام أنه خُلق في يوم الجمعة من هذا الأسبوع. والصّواب عندي ما قرّرت. ولذا ترى في الآيات أنّ الله كلما ذكر خَلْقَه العالَمَ ذكر بعده الاستواء على العرش لأنّه كان في الخارج كذلك، فإنّه لما فرغ من تكوين العالم استوى على عرشه ولم يخلق شيئًا، حتى إذا كان في جمعةٍ أخرى بعدها بكيثر خلق آدم.
ثمّ اعلم أن الجمعة تذكرةٌ لحفلةٍ تقوم في الآخرة على قدر تلك الأيام، فيجتمع فيها المؤمنون والأنبياء والصّديقون على منازلهم، وتحصل لهم الرؤية كما في الأحاديث.
قوله: (اليهُودُ غدًا والنَّصَارَى بَعْدَ غدٍ) عندي: تنقلب الأيام والجهات في المحشر، فأوّل أيام الدنيا هو السّبت وآخرها الجمعة، فتكون الجمعة في المحشر أوّل أيامه، فنحاسَب أولا، ويكون الآخَرون سابقين كما في الحديث. وقد مرَّ معنا التنبيه على أنَّ عند المصنّف صحيفةً فيها نحو مئةُ حديث وأوَّلُها: «نحن الآخرون السّابقون»، فإذا أراد المصنف رحمه الله تعالى أن يُخرِج حديثًا منها أخرج أولا هذا الحديث، ثم أخرج الحديث الذي يريده إشارةً إلى أنّ هذا الحديث من تلك الصحيفة، كما عند مسلم أيضًا صحيفةٌ وهو يشير إليها أيضًا بنحوٍ آخر، وقد قرّرناه من قبل والغافل يذهَل عنه، ويُتعِب نفسه، ويُضيَّع وقته في إيجاد المناسبات ولا يستطيعه، فتشمَئِزُّ نفسه ففرِّج عنك الكرب فإنه لا تكون له مناسبةٌ غير أنه يكون إشارةً إلى الصحيفة فقط.
٢ - باب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَلْ عَلَى الصَّبِىِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ
٨٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». طرفاه ٨٩٤، ٩١٩ - تحفة ٨٣٨١
٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِى الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ قَالَ إِنِّى شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِى حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ. طرفه ٨٨٢ - تحفة ١٠٥١٩ - ٣/ ٢
عبرُ بالفضل فلعلّه إشارةٌ إلى عدم وجوبه.
قوله: (وهل على الصّبيِّ شهودُ يوم الجمعةِ، أو على النِّساء) ولم يُجِبّ عنه لأنَّه لم يكن عنده لذلك دليلٌ من الحديث الذي أخرجه. وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الجمعة على
стр. 871
هؤلاء، ومع ذلك اتّفقوا على أنّهم لو شهدوا الجمعة تقع عن فَرْض الوقت، واستثناؤهم موجودٌ في صريح الرواية عند أبي داود وغيره.
٨٧٧ - قوله: (إذا جاء أَحَدُكُمْ الجمعةَ فليغتَسِل) ولفظ أحدِكم يدل على أن الآتي ليس كلا منهم بل فيه استثناء في نظر الشارع، وفي رواية تالية: «غسل يوم الجمعة واجب»، وهو عندي: محمول على الجنس أو على المبالغة، ولا يصح تأويل الواجب بمعنى الثابت وقد مرَّ الكلام فيه آنفًا. وفيهِ دليلٌ على أن حال الجمعة ليس كسائر الجماعات، بل لها شرائطُ ليست لغيرِها كما قرَّرنا.
قوله: (فناداهُ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه وكان يخطُب). وفي «فتح القدير»: أنّ الأمر والنّهي في الخُطبة يجوز للإمام دون القوم، والرجل الجائي هو عثمان ذو النورين ﵁، كما هو عند التّرمذي. ولم يأمره بالرجوع والغُسْل، فدل على عدم الوجوب.
٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أطرافه ٨٥٨، ٨٨٠، ٨٩٥، ٢٦٦٥ - تحفة ٤١٦١
٨٧٩ - قوله: (كلِّ مُحْتَلِم) ودلّ مفهوم النّعت أن لا وجوبَ على الصِّبيان والنِّسوان، وبه وافق الترجمة.
٣ - باب الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ
٨٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ قَالَ حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِىُّ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ». قَالَ عَمْرٌو أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، وَلَكِنْ هَكَذَا فِى الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هَذَا. رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِى هِلَالٍ وَعِدَّةٌ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِى بَكْرٍ وَأَبِى عَبْدِ اللَّهِ. أطرافه ٨٥٨، ٨٧٩، ٨٩٥، ٢٦٦٥ - تحفة ٤٢٦٧
٨٨٠ - قوله: (الغُسلُ يومَ الجمعة واجبٌ على كل محتلِم وأن يَسْتَنَّ) قيل: إن الاستنان إذا لم يكن واجبًا فكيف يجب الغسل، فإنّ السياق واحد؟ وأجيب: بأن قوله: «وأن يستن» مدرَج.
قوله: (أما الغُسْل فأشهد أنّه واجِبٌ، وأما الاستِنان فالله تعالى أعلم) وهذا يدلُّ على أن الراوي فَهِم الكلَّ مرفوعًا.
٤ - باب فَضْلِ الْجُمُعَةِ
٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَىٍّ مَوْلَى أَبِى بَكْرِ بْنِ
стр. 872
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». تحفة ١٢ ٥٦٩ - ٤/ ٢
٥ - باب
٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ - رضى الله عنه - بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ إِلَاّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ». طرفه ٨٧٨ - تحفة ١٠٦٦٧
٨٨١ - قوله: (غُسْلَ الجنابة) مفعول مطلق للتشبيه.
قوله: (ثُمَّ راح فكأنّما قرَّب بَدَنَةً) الخ. وفيه مراتب الفضل في حضور الجماعة. وتلك الساعاتُ تبتدِىء من الصّبح عند الجمهور. ومن الزَّوال عند المالكية. فتكون تلك لحظاتٍ خفيفة تمسكًا باللفظ (١). فإِنه في اللّغة يُستعمَل فيما بعد الزَّوال. وتمسّك الجمهور بتعامل السّلف وكانوا يروحون من غداة الجمعة ثم يَرجِعون إلى بيوتهم بعد قضائها ويَتغذّون ويَقيلون. والمسائل لا تُبنَى على اللّفظ الواحد بل لا بد من النّظر إلى التعامل كما مر منا التنبيه عليه. ثم عند النّسائِّيّ مرتبةٌ سادسةٌ أيضًا: وهي مرتبة البَطّ والعصفور. والبَدَنة عندنا تطلق على البعير والبقر. وعندهم على الأوّل فقط. ووافقهم على كلِّ ذلك اللغويون كلُّهم.
قوله: (شاة) والتاء في الحيوانات تكون للوِحْدة دون التأنيث، وهي تَعمُّ المَعِزَ والضّأن.
قوله: (قرَّب دجاجةً) واعلم أنه لم يُرِد بهذا السياق تعليم مسألة الأضحية، بل أراد التنبيه على مراتب الحاضرين في الجمعة الأول فالأول، وذِكْرُ هذه الحيوانات على نحو التشبيه وتَنزيلُه مَنزلة الأضحية لا يُؤخَذُ عنه جوازُ أضحيةِ الدّجاجة كما قاله بعضُ الجاهلين، ولذا لم
стр. 873
يَجْرِ بِهِ تعامُلُ السَّلَف ولا عَمِل به واحدٌ منهم، وإلاّ وجب أن تَصِحَّ أضحية البيضة أيضًا، فإِنّها ثَبَتَت عند مسلم في رواية أيضًا.
قوله: (فإِذا خرج الإِمام) إلى المسجد إن لم يكن فيه، أو إلى المِنْبَر إن كان فيه.
قوله: (حضرت الملائكة يَستمِعون الذّكر) تَمَسَّك به الشيخ العينيّ رحمه الله تعالى على وجوب الاستماع. قلت: وهو استنباطٌ لطيفٌ لكن كَونُه حجةً قاطعةً على الوجوب فيه خَفَاء. وقد مرّ معنا في جواب الأذان عند الخطبة ثلاثةُ أقوال للحنفية. والأرجح عندي أن يُجيبَه إن لم يكن أجاب الأذان الأوّل.
٦ - باب الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ
٨٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِىِّ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَاّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى». طرفه ٩١٠ - تحفة ٤٤٩٣
٨٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ طَاوُسٌ قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الْغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِى. طرفه ٨٨٥ - تحفة ٥٧٥٧
٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ فَقَالَ لَا أَعْلَمُهُ. طرفه ٨٨٤ - تحفة ٥٦٩٢
٨٨٣ - قوله: (إلا غُفِر له ما بينَهُ وبينَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى) وعند مسلم: وزيادة ثلاثة أيام، بحساب الحسنة بعشرة أمثالها، ولا يَستقيم الحسابُ (١) إلاّ إذا عُدَّت الأيامُ من صلاة الجمعة
стр. 874
إلى صلاة الجمعة فإنّها سبعة، وإن عَدَدْتَها من اليوم إلى اليوم حَصَلَت الثمانية، ومع زيادةِ ثلاثةِ أيام يَحْصَل أحدَ عَشَر.
٨٨٤ - قوله: (أمّا الطّيبُ فلا أَدري) هذا مع أنّ ابن عباسٍ ﵁ يرويه بنفسه عند أبي داود (١) ولعله نفي عِلْمه بِلِحاظِ قَيْدٍ في نفسه كالوجوب مثلا.
٨٨٥ - قوله: (إنْ كانَ عِنْدَ أَهْلِهِ) ولمّا كان عندهم طِيبُ الرّجال ما خَفِي لونَه وظَهَر ريحُه على عكس طِيبِ النّساء سَئَلَ أنّه إذا لم يكن عنده من طيب الرّجال، فهل له أن يَتطيَّب بطيبٍ عند أهله؟ فأجابه ابن عباس ﵁ أنّه لا يَعْلَمُه.
٧ - باب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ
٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِى الآخِرَةِ». ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِى حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنِّى لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا». فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. أطرافه ٩٤٨، ٢١٠٤، ٢٦١٢، ٢٦١٩، ٣٠٥٤، ٥٨٤١، ٥٩٨١، ٦٠٨١ تحفة ٨٣٣٥ - ٥/ ٢
٨٨٦ - قوله: (حُلَّةَ سِيرَاءَ) قال سيبويه: إنه يجوز بالإِضافة والنَّعت كِلَيْهما، وكانت من حريرٍ. والسِّيَراء المُخَطّط.
قوله: (وللوَفْد إذا قَدِموا عليك) وكانت له عِمامةٌ يَلْبَسها للوفود.
قوله: (مَنْ لا خَلاق له في الآخِرة) وذهب بعض العلماء إلى أنّ لابسَ الحرير وشاربَ الخمر يُحرَم منهما في الجنّة أيضًا. لأنّه تَتَشَوَّف إليهما نفسُه (٢) ثم لا يُعْطَى، ولكن لا تَشْتهي.
قوله: (كَسَوْتَنِيها) كأنّ عمر ﵁ فَهِم أنَّ ما يكون حرامًا يَحْرُم به الانتفاعُ مطلقًا،
стр. 875
فأجاب عنه أنّ هذا الطّرْدَ غَلَطٌ، ولكنَّه حرامٌ لُبْسُه فقط، فقال: إنّي لم أَكْسُكَها، ويَسْتَفيد منه الفَقيه أنّ البيعَ يَعتمِد المُلكَ دون الاسْتِعْمال. ثمّ أقول: إنّ الحرام إذا لم يُنْتَفع منه بجْزءٍ من جُزْئِيِّاته فَجُمْلَتُه أيضًا حرامٌ، وإلا لا كالحرير، فإِنه وإن كان حرامًا لكن جاز للنِّساء، ولو كان حرامًا بجميع جُزْئياته لما جاز بيعُه وشراؤُه وحَرُمَت التّصرّفاتُ كلُّها. وفِي «الهداية»: أنّ الكِسْوة قد تكون من ألفاظِ العارية، وأُخْرَى من ألفاظ الهِبَة، وتُبنَى على القَرائِن.
قوله: (فكَسَاه عمرُ بنُ الخطَّاب أخًا له بمكّة مُشْرِكًا) قد عَلِمْتَ أنّ المُلك يَثْبُت فيه للمُسْلِم أيضًا فكيف بِمَن كان كافرًا. ويُمْكِن أن تُجْرَى فيه مَسألةُ كونِ الكفَّارِ مُخاطِبين بالفروع، وفيها ثلاثةُ أقوالٍ للحنفية: قيل: إنّهم مُخَاطِبون أداءً واعتقادًا، وقيل: لا أداءً ولا اعتقادًا، وقيل: اعتقادًا لا أداءً، كذا في المنار. وهذا البحث كلِّه في عذابِ الآخِرة، فيُعَذَّب عند الأَوّلين على تَرْكِهما، وعند الثّاني لا يُعَذَّب إلا على ترك الإِيمان، وعند الثَّالث على تَرك الاعتقاد فقط، ولم يَذْهَبُ أحدٌ منهم إلى إيجاب قَضَاء الصّلوات أو الصّيام بعد الإِسلام، والمختار عندي هو الأول، واختاره صاحب البحر في شرح المنار ولم يُطْبَع، وهكذا عند الشّافعيّةِ والمالكيّة والحنابلة.
واعلم أنّ ما يَظْهَر بعد سَبْر فِقْه الحنفيّة أنّهم يُغايرون بين أحكام المسلم والكافر في كثيرٍ من الأحكام؛ بخلاف الآخرين فَهُم فَهِموا أنّ الدّين إذا نزل من السّماء وجب على العباد قَبوله كائنًا ما كان، فإِذا ترافعوا إلينا نَحْكُم بينهم بشريعتنا ونُخْبِرُهم على قَبولِه فإِنّ الدّار دارنا، نَعَمْ إذا كانوا في دار الحرب فالجَبْر غيرُ ممكنٍ لانقطاع الولاية. وفَهِم الحنفيّة أنّا إذا تركناهم وما يَدينون ذِّمةً لنا فَحُكْمُهم في دارنا كحكمهم في دار الحرب فَتَرْكُهم وما يَدينون. وراجعْ الهداية من نكاح الكافر، ومن العِدَّة من نكاحِ أهلِ الشِّرك فإنّه أهمُّ ويَحتاج إلى تحريرِ المقام.
تنبيه
واعلم أنّ الصِّحة والفساد من أحكام الدنيا، والحِلَّ والحُرْمة من أحكام الآخرة، فالأقوال الثّلاثة في الحلّ والحرمة.
٨ - باب السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ "يَسْتَنُّ".
٨٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى - أَوْ عَلَى النَّاسِ - لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ». طرفه ٧٢٤٠ - تحفة ١٣٨٤٢
٨٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِى السِّوَاكِ». تحفة ٩١٤
٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ عَنْ أَبِى
стр. 876
وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ. طرفاه ٢٤٥، ١١٣٦ - تحفة ٣٣٣٦
وهذا الحديثُ لمّا كان على شَرْطه فكان المناسب له أن يُخَرِّجه في أبواب الوضوء لأنَّه من سُنَن الصَّلاة والوضوء على اختلاف الأصلين. ومع هذا لم يُخَرِّجه فيه وراجع الكلام في أبواب الوُضوء، ومُرادُ الحديث أنّي مأمورٌ بالسّواك ولولا مَخافةُ المشقّةِ لأَمَرْتُكُم به أيضًا كما قد أُمِرْت.
٩ - باب مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ
٨٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِى هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَأَعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِى. أطرافه ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠ تحفة ١٦٩٤٥
ولو بَوَّب به في أبواب الوضوء لكان أَحْسَن، فإنّ هذا البابَ ليس له كثيرُ تَعَلّقٍ مع أبواب الجمعة، وهو جائزٌ عندنا أيضًا إذا لم يُوجِب كراهةً، سِيَّما إذا كان القصدُ تحصيلَ التبرّك وكان المحلّ صالحًا.
١٠ - باب مَا يُقْرَأُ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٨٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الْجُمُعَةِ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ (الم (١) تَنْزِيلُ) السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ طرفه ١٠٦٨ - تحفة ١٣٦٤٧
وفي «البحر» أنّه يَنْبَغي المُراعاة في القراءة للسُّوَر المسنونة.
١١ - باب الْجُمُعَةِ فِى الْقُرَى وَالْمُدْنِ
٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ الضُّبَعِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ. طرفه ٤٣٧١ - تحفة ٦٥٢٩ - ٦/ ٢
٨٩٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قال سمعتُ
стр. 877
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ». وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ يُونُسُ كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ - وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِى الْقُرَى - هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ. وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ - وَأَنَا أَسْمَعُ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». أطرافه ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - تحفة ٦٩٨٩
ولم يُترجم لهذه المسألة إلا البخاريّ وأبو داود.
واعلم أنّ القرية والمِصْر من الأشياء العُرْفِية التي لا تكاد تَنْضَبِط بحالٍ وإن نُصَّ، ولذا ترك الفقهاء تَعريفَ المِصْر على العُرْف كما ذكره في «البدائع» (١)، وإنما تَوَجّهوا إلى تحديد المِصْر الجامع، فهذه الحدود كلُّها بعد كونها مِصْرًا. فإِنَّ المِصْر الجامع أخصُّ من مُطْلق المِصْر، فقد يَتَحَقَّق المِصْرُ ولا يكون جامعًا. ورأيتُ في عبارة المتقدّمين أنّهم إذا ذَكروا الاخْتلاف في حدود المِصْر يَجعلونه في الجامع، ويقولون: اختلفوا في المِصْر الجامع الخَ، فَتنبّت منه أنّهم لا يَعْنُون به تَعريفَ مُطْلق المِصْر، والنّاس لما لم يُدْرِكوا أمرَهم طَعنوا في تلك الحدود. فمنها ما قال ابن شجاع: إذا كان أهلُها بحيث لو اجتمعوا في أَكبر مساجدهم لم يَسَعْهم ذلك. فقالوا: إنّه يَصْدُق على أكثر القرى ولا يصدق على المسجد الحرام - أعزّه الله وأدام حُرْمَته - فنقضوا عليه طَرْدًا وعَكْسًا ولم يَتفقّهوا مُراده أيضًا، فإِنَّ هذا التعريفَ ليس للمِصْر بل للمِصْر الجامع.
وحاصله أنّ المِصْر الجامع هو الذي يَكْثُر أهله بحيث لا تَسَعُهم مساجدهم فَيَحتاجون إلى بناء مسجدٍ يَسَعُهم، وهو الذي بناه صاحب «العناية» فقال: قال ابن شجاع: أَحْسَنُ ما قيل فيه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يَسَعْهم ذلك حتى احتاجوا إلى بناء مسجدٍ آخر للجمعة، وهذا الاحْتِياج غالبٌ عند اجتماع من عليه الجمعة اهـ. فَفَكِّر في لفظ حتى احتاجوا الخ فإِنَّه ليس عند عامّتهم مع أنّه لا يحتاج إليه إلاّ أنّه يُفيدُك في تحصيل المراد. ويُستفاد منه ما قلنا من أنّ الحدّ المذكور فيمن وجبت عليهم الجمعة فاحتاجوا إلى بناء مسجد، لا فيمن لم تجِب عليه الجمعة بعدُوهم بِصَدَد إقامتها فجعلوا يُقدِّرون مساجدهم هل تسعُهم أو
стр. 878
لا؟ وهذا أيضًا باعتبارِ الأغلب، فإِنَّه وَسِعهم أو لم يَسَعْهم ثمّ لم يَبْنوا مسجدًا آخر فإِنّه لا يَخْرُج عن كونه مِصْرًا، بشرطٍ إن كان مِصْرًا من قبلُ وكانت الجمعة واجبةً عليهم. ولعلك قَطعتَ النّظر عمّا يَقعُ في الخارج ونزلتَ إلى العبارات فقط ولذا وقعتَ في الخَبْط ولو رَاعَيْتَ الحال في الخارج لما تَردّدتَ فيه فإنّهم يفعلون في الخارج كذلك، فإِذا كَثُر أهلُ قريةٍ لم تَسَعْهم مساجدهم فإنهم يحتاجون إلى بناء مسجدٍ يَجْمعون فيه.
وأَوْلى الحدودِ ما رُوي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: كُلّ بلدةٍ فيها سِكَكٌ وأسواقٌ ولها رَساتيق «وترجمته باندى»، ووالٍ يُنصِف المظلوم من ظالمه، وعالم يُرجَع إليه في الحوادث. وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى وذَكَرَه أصحابُ المتون: أنَّه كلَّ مَوضعٍ له أميرٌ وقاضٍ يُنفِّذ الأحكام ويُقيم الحدود، وهذا الحدّ ناظرٌ إلى ما في «الدُرّ المختار» من كتاب القضاء أنّ المِصْر شرطٌ لِنَفاذ القضاء في ظاهر الرِّواية، فالقضاة لا يُنصَبون إلاّ في المِصْر عندنا، ولذا عَرّف به أصحابُ المتون. فإِن قُلتَ: وعلى هذا يَنبغي أن لا تَجِب الجُمُعات على أهل المِصْر أيضًا في هذا العَصْر لِعَدم صِدْقِ الحدِّ المذكور، فأين القضاة، وأين إقامة الحدود؟ قُلتُ: وقد صَرّح أصحابُنا أن المُلك إذا صار دارَ الحرب يَجْمَع بهم مَنِ اتّفق عليه القومُ، هكذا في المبسوط والشامي.
٨٩٢ - قوله: (بِجُواثَي من البحرين) وعند أبي داود قريةٌ من قُرى البحرين، واحْتَجّ به القائلون بإِقامة الجمعة في القرى. قلت: كيف وجُوَاثَي لم تكن قريةً أصلا بل كانت مِصْرًا. وفي الصّحاح: أنّ جُواثًا حِصْنٌ بالبحرين، وهو الذي يُعْلم من أشعار الجاهليّة فيقول امْرُؤُ القَيْسَ:
*وَرُحْنا كأنّا من جَوَاثَي عَشِيّةً ... نُعاني النِّعاج بين عِدْلٍ ومِحْقَبِ
فإِنَّه يُشَبِّهه حال رُجوعه من الاصْطِياد بحال التّجار عائدين من جُواثَي مَلآنَةٌ أَخْرَاجُهُمْ من أنواع الأمتعة فَعُلم أنّها كانت مَتْجَرًا لهم وكان أَسْلَمَ أهلُها، ثمّ إذا ظهر الارْتِدَاد في قبائل العرب بعد النَّبيّ ﷺ حاصَرَهم الكفّار، فقال قائلٌ منهم وكان مَحْصورًا من عَساكِرِ الرِّدة يُخاطِب أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه:
*ألا أبْلِغ أبا بكرٍ سلامًا ... وفتيانَ المدينةِ أَجْمَعينا
*فهل لكم إلى قومٍ ضِعافٍ ... قُعودٍ في جُوَاثَي مُحْصَرينا
*كأنّ دِماءَهم في كلّ فَجٍ ... دماءُ البُدْنِ تَغْشَى النّاظِرينا
ويقول آخر:
*والمسجِدُ الثّالث الشّرْقيُّ كان لنا ... والمِنْبَرانِ وفَصْلُ القولِ بالخُطَبِ
*أيّامَ لا مِنْبَرَ في الناس نَعْرِفُه ... إلا بِطِيبَةَ والمَحْجُوجِ ذي الحُجُبِ
يشير إلى المنبر بِجُوائي، أما كونها قرية فهو كما في القرآن: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فأطلقت على مكة أيضًا شرَّفها الله تعالى ثُمّ إن أهل السِّيرَ صرَّحوا بأن هذا الوَفْدَ قد حضر المدينةَ مرتين: مرةً في السنة السادسة، ولعلها واقعةٌ تلك السنة،
стр. 879
وأُخرى في الثامنة، وقَدِّر في نفسك أنه كم تكون البلادُ التي دخل إِليها الإِسلام في تلك المدة. ثم يقول الراوي: «إنَّ الجُمعَة فيهم كانت أولَ جُمعةٍ بعد جُمعةِ رسولِ الله ﷺ فلو كانت الجُمُعاتُ تُقام في القُرى الصغيرة، وفي العشرين والأربعين من الرجال كما قالوا. كيف جعلها أولَ جُمعةٍ؟ ألم تكن في تلك المدةِ قريةٌ أسلم من أهلِها عشرون نفسًا؟ فهذا من القرائن الدالة على أن لا جمعةَ في القُرى. ولنا أيضًا ما في البُخاري: «مَنْ أحبَّ أن ينتظرَ الجمعةَ من أهل العوالي فَلْيَنْتَظِر، ومَنْ أَحب أن يرجِع فقد أَذِنْتُ له».
قوله: (وزاد الليث: قال يونسُ: وكتَب رُزَيْقُ بنُ حُكَيم إلى ابن شِهاب - وأنا معه يومئذٍ بوَادِي القُرَى: هل ترى أن أُجَمِّع؟ ورُزَيقٌ عامِلٌ على أرض يَعْمَلُها وفيهاجماعةٌ من السودان وغيرهم، ورُزَيقٌ يومئذٍ على أيْلَةَ، فكتب ابن شهاب - وأنا أسمعُ - يأْمُرُهُ أن يُجَمِّع) ووادي القُرى في الجانب الغربي من العرب، وهناك قريةُ شُعَيب ﵊. ويونس من سكان أَيْلَة.
قوله: (ورُزَيقُ عَامِلٌ ... إلخ). يعني كان واليًا على أَيْلَةَ، ولم يكن إذ ذاك فيها، بل كان في أطرافها ونواحيها يحييها، فكتب إلى ابن شِهاب من نواحي أيْلَة إلخ.
قلت: أولا: يمكن أن يكون ذلك الموضعُ من فِنَاءِ المِصْر، ولا تحديد فيه عندنا، بل يُصغَّر الفِناء ويكبر بحسب صِغَر المِصْر وكِبَرِه. فقد يكون الفِناء إلى أميال. وقد ألف فيه صاحب «مراقي الفلاح» رسالة ولم تطبع.
ثم إنَّ هذا السائل لعلَّه لم يسأله عن مسألة القرية والمصر، بل عن مسألة أخرى: وهي اشتراط الإِذْن من الأمِير لإِقامة الجمعة. وكام مذهبُ عمر بن عبد العزيز اشتراط الإِذن لها. ولما كان رُزَيقٌ عاملا له على أَيْلَة، زعم أن إذْنه بإقامةِ الجمعة يمكن أن يكون مقصورًا عليها، ولا يتجاوز إلى ما حواليها، فحقِّقها، أَنَّه هل له إذنٌ في إقامة الجُمُعات في حوالي تلك المدينة أَم لا؟ فأجابه أن وِلايَتَك كما انسحبت على أَيْلَة كذلك على ما حواليها أيضًا، فيجب عليك أنْ تتعهد فرائِضَهم وتراعي رعايَتهم، لأنَّ كُلَّكُم راعٍ وكلَّكُم مسئولٌ عن رعيتِه. فتمسَّك بهذا الحديثِ العام.
وحاصل الحديث عندي: أن الإِنسان لا يخلو مِن نحو رعاية، فلو لم يكن له أحدٌ تجِب عليه رعايةُ ويُسأل عنها. ولعلك فهمت منه أن الحديث المذكور لما كان في مسألة الإِذْن، لم يناسب إخراجه في تلك الترجمة، فإِنها في مسألة أخرى، بل هو أقربُ إلى مسألة الاستئذان، لأنه ورد في باب الوِلاية والرعاية لا للفَرْق بين القُرى والأمصار.
وهذا يَدُلّك ثانيًا: أن رُزَيقًا أراد الاستئذان للجُمعة دون إقامة الجُمعة في القرى، كيف وقد ثبت عن عليَ رضي الله تعالى عنه - بإِسنادٍ على شرط الشيخين - عند عبد الرزاق أنه: «لا جُمُعةَ ولا تشريقَ إلا في مِصْر جامع». والنووي أخرجه بإِسنادٍ ضعيفٍ وحَكَم عليه بالضَّعْف مع أن له إسنادًا يَشْرُقُ كشروق شمس الضحى. وبه يقولُ حُذيفةُ اليماني رضي الله تعالى عنه. وأما أَثَرُ عمر رضي الله تعالى عنه: «جَمِّعُوا حيثُ ما كنتم» فخطابٌ للوُلاة، وكانوا يكونون في الأمصار دون القرى.
стр. 880
ومن ههنا فأدرك السِّر في اختلافهم في إقامة الجُمعات في القرى مع كونها من متواترات الدين. وذلك لأنَّ الأمراء إذ ذاك كانوا في الأمصار وكان الناس مجتهدين في العمل فكانوا يصلونها مع الأمراء ولا يتخلفون عنها، فلما ظهر التواني في الأحكام ولم يرغب الناس في أدائها في الأمصار وجلسوا في قراهم ظهر الخلاف: فذهب ذاهبٌ إلى أن عدمَ أداءِ السَّلف في القرى كان مبينًا على نفيها في القرى، وذهب آخرون إلى أن ذَهابهم إلى الأمصار كان لحوائجهم على عادة أهل البوادي وإن كانت الجمعةُ جائزةً بقراهم أيضًا، وهما نظران للأئمة رحمهم الله تعالى.
وأما ما رُوي عن أنس رضي الله تعالى عنه: «إنه كان يُجمِّع وقد لا يُجَمِّع فمعناه أنه كان يُجمِّع حين ورد البصرة، وإذا أقام بقريةٍ لا يُجمِّع، وهذا عين ما قلنا لا أنه كان يُجمِّع، وهو في قرية. وأما ما يأتي من أثر عطاء عند البخاري رحمه الله تعالى قال: «إذا كنتَ في قريةٍ جامعةٍ ونُودي بالصلاة من يوم الجُمعةِ، فَحقٌّ عليك أَن تَشْهَدَها سمعتَ النِّداء أو لم تَسْمَعْه». فهو صريحٌ لمذهبنا لأنَّه نُقِلَ فيه الحافظ رحمه الله تعالى زيادةً عن عبد الرَّزَّاق، وفيه: قلت لعطاء: «ما القريةُ الجامِعة؟ قال: ذاتُ الجماعة، والأمير، والقاضي والدُّور المجتمعة، الآخذُ بَعْضُها ببعضٍ مِثْل جدة (١). اهـ. وهذا يدل أن اصطلاح الجامعة قد كان فشا فيهم، ولذا قلت: إنهم بصددِ حَدِّ المِصْر الجامع (٢).
١٢ - باب هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا الْغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ.
٨٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». طرفاه ٨٧٧، ٩١٩ - تحفة ٦٨٤٨
٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أطرافه ٨٥٨، ٨٧٩، ٨٨٠، ٢٦٦٥ - تحفة ٤١٦١