← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ. طرفاه ٢٤٥، ١١٣٦ - تحفة ٣٣٣٦ وهذا الحديثُ لمّا كان على شَرْطه فكان المناسب له أن يُخَرِّجه في أبواب الوضوء لأنَّه من سُنَن الصَّلاة والوضوء على اختلاف الأصلين. ومع هذا لم يُخَرِّجه فيه وراجع الكلام في أبواب الوُضوء، ومُرادُ الحديث أنّي مأمورٌ بالسّواك ولولا مَخافةُ المشقّةِ لأَمَرْتُكُم به أيضًا كما قد أُمِرْت. ٩ - باب مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ ٨٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِى هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَأَعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِى. أطرافه ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠ تحفة ١٦٩٤٥ ولو بَوَّب به في أبواب الوضوء لكان أَحْسَن، فإنّ هذا البابَ ليس له كثيرُ تَعَلّقٍ مع أبواب الجمعة، وهو جائزٌ عندنا أيضًا إذا لم يُوجِب كراهةً، سِيَّما إذا كان القصدُ تحصيلَ التبرّك وكان المحلّ صالحًا. ١٠ - باب مَا يُقْرَأُ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٨٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الْجُمُعَةِ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ (الم (١) تَنْزِيلُ) السَّجْدَةَ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ طرفه ١٠٦٨ - تحفة ١٣٦٤٧ وفي «البحر» أنّه يَنْبَغي المُراعاة في القراءة للسُّوَر المسنونة. ١١ - باب الْجُمُعَةِ فِى الْقُرَى وَالْمُدْنِ ٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ الضُّبَعِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ. طرفه ٤٣٧١ - تحفة ٦٥٢٩ - ٦/ ٢ ٨٩٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قال سمعتُ

стр. 877

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ». وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ يُونُسُ كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ - وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِى الْقُرَى - هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ. وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ - وَأَنَا أَسْمَعُ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِى مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ - وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِى مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». أطرافه ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - تحفة ٦٩٨٩ ولم يُترجم لهذه المسألة إلا البخاريّ وأبو داود. واعلم أنّ القرية والمِصْر من الأشياء العُرْفِية التي لا تكاد تَنْضَبِط بحالٍ وإن نُصَّ، ولذا ترك الفقهاء تَعريفَ المِصْر على العُرْف كما ذكره في «البدائع» (١)، وإنما تَوَجّهوا إلى تحديد المِصْر الجامع، فهذه الحدود كلُّها بعد كونها مِصْرًا. فإِنَّ المِصْر الجامع أخصُّ من مُطْلق المِصْر، فقد يَتَحَقَّق المِصْرُ ولا يكون جامعًا. ورأيتُ في عبارة المتقدّمين أنّهم إذا ذَكروا الاخْتلاف في حدود المِصْر يَجعلونه في الجامع، ويقولون: اختلفوا في المِصْر الجامع الخَ، فَتنبّت منه أنّهم لا يَعْنُون به تَعريفَ مُطْلق المِصْر، والنّاس لما لم يُدْرِكوا أمرَهم طَعنوا في تلك الحدود. فمنها ما قال ابن شجاع: إذا كان أهلُها بحيث لو اجتمعوا في أَكبر مساجدهم لم يَسَعْهم ذلك. فقالوا: إنّه يَصْدُق على أكثر القرى ولا يصدق على المسجد الحرام - أعزّه الله وأدام حُرْمَته - فنقضوا عليه طَرْدًا وعَكْسًا ولم يَتفقّهوا مُراده أيضًا، فإِنَّ هذا التعريفَ ليس للمِصْر بل للمِصْر الجامع. وحاصله أنّ المِصْر الجامع هو الذي يَكْثُر أهله بحيث لا تَسَعُهم مساجدهم فَيَحتاجون إلى بناء مسجدٍ يَسَعُهم، وهو الذي بناه صاحب «العناية» فقال: قال ابن شجاع: أَحْسَنُ ما قيل فيه إذا كان أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يَسَعْهم ذلك حتى احتاجوا إلى بناء مسجدٍ آخر للجمعة، وهذا الاحْتِياج غالبٌ عند اجتماع من عليه الجمعة اهـ. فَفَكِّر في لفظ حتى احتاجوا الخ فإِنَّه ليس عند عامّتهم مع أنّه لا يحتاج إليه إلاّ أنّه يُفيدُك في تحصيل المراد. ويُستفاد منه ما قلنا من أنّ الحدّ المذكور فيمن وجبت عليهم الجمعة فاحتاجوا إلى بناء مسجد، لا فيمن لم تجِب عليه الجمعة بعدُوهم بِصَدَد إقامتها فجعلوا يُقدِّرون مساجدهم هل تسعُهم أو

стр. 878

لا؟ وهذا أيضًا باعتبارِ الأغلب، فإِنَّه وَسِعهم أو لم يَسَعْهم ثمّ لم يَبْنوا مسجدًا آخر فإِنّه لا يَخْرُج عن كونه مِصْرًا، بشرطٍ إن كان مِصْرًا من قبلُ وكانت الجمعة واجبةً عليهم. ولعلك قَطعتَ النّظر عمّا يَقعُ في الخارج ونزلتَ إلى العبارات فقط ولذا وقعتَ في الخَبْط ولو رَاعَيْتَ الحال في الخارج لما تَردّدتَ فيه فإنّهم يفعلون في الخارج كذلك، فإِذا كَثُر أهلُ قريةٍ لم تَسَعْهم مساجدهم فإنهم يحتاجون إلى بناء مسجدٍ يَجْمعون فيه. وأَوْلى الحدودِ ما رُوي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: كُلّ بلدةٍ فيها سِكَكٌ وأسواقٌ ولها رَساتيق «وترجمته باندى»، ووالٍ يُنصِف المظلوم من ظالمه، وعالم يُرجَع إليه في الحوادث. وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى وذَكَرَه أصحابُ المتون: أنَّه كلَّ مَوضعٍ له أميرٌ وقاضٍ يُنفِّذ الأحكام ويُقيم الحدود، وهذا الحدّ ناظرٌ إلى ما في «الدُرّ المختار» من كتاب القضاء أنّ المِصْر شرطٌ لِنَفاذ القضاء في ظاهر الرِّواية، فالقضاة لا يُنصَبون إلاّ في المِصْر عندنا، ولذا عَرّف به أصحابُ المتون. فإِن قُلتَ: وعلى هذا يَنبغي أن لا تَجِب الجُمُعات على أهل المِصْر أيضًا في هذا العَصْر لِعَدم صِدْقِ الحدِّ المذكور، فأين القضاة، وأين إقامة الحدود؟ قُلتُ: وقد صَرّح أصحابُنا أن المُلك إذا صار دارَ الحرب يَجْمَع بهم مَنِ اتّفق عليه القومُ، هكذا في المبسوط والشامي. ٨٩٢ - قوله: (بِجُواثَي من البحرين) وعند أبي داود قريةٌ من قُرى البحرين، واحْتَجّ به القائلون بإِقامة الجمعة في القرى. قلت: كيف وجُوَاثَي لم تكن قريةً أصلا بل كانت مِصْرًا. وفي الصّحاح: أنّ جُواثًا حِصْنٌ بالبحرين، وهو الذي يُعْلم من أشعار الجاهليّة فيقول امْرُؤُ القَيْسَ: *وَرُحْنا كأنّا من جَوَاثَي عَشِيّةً ... نُعاني النِّعاج بين عِدْلٍ ومِحْقَبِ فإِنَّه يُشَبِّهه حال رُجوعه من الاصْطِياد بحال التّجار عائدين من جُواثَي مَلآنَةٌ أَخْرَاجُهُمْ من أنواع الأمتعة فَعُلم أنّها كانت مَتْجَرًا لهم وكان أَسْلَمَ أهلُها، ثمّ إذا ظهر الارْتِدَاد في قبائل العرب بعد النَّبيّ ﷺ حاصَرَهم الكفّار، فقال قائلٌ منهم وكان مَحْصورًا من عَساكِرِ الرِّدة يُخاطِب أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه: *ألا أبْلِغ أبا بكرٍ سلامًا ... وفتيانَ المدينةِ أَجْمَعينا *فهل لكم إلى قومٍ ضِعافٍ ... قُعودٍ في جُوَاثَي مُحْصَرينا *كأنّ دِماءَهم في كلّ فَجٍ ... دماءُ البُدْنِ تَغْشَى النّاظِرينا ويقول آخر: *والمسجِدُ الثّالث الشّرْقيُّ كان لنا ... والمِنْبَرانِ وفَصْلُ القولِ بالخُطَبِ *أيّامَ لا مِنْبَرَ في الناس نَعْرِفُه ... إلا بِطِيبَةَ والمَحْجُوجِ ذي الحُجُبِ يشير إلى المنبر بِجُوائي، أما كونها قرية فهو كما في القرآن: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فأطلقت على مكة أيضًا شرَّفها الله تعالى ثُمّ إن أهل السِّيرَ صرَّحوا بأن هذا الوَفْدَ قد حضر المدينةَ مرتين: مرةً في السنة السادسة، ولعلها واقعةٌ تلك السنة،

стр. 879

وأُخرى في الثامنة، وقَدِّر في نفسك أنه كم تكون البلادُ التي دخل إِليها الإِسلام في تلك المدة. ثم يقول الراوي: «إنَّ الجُمعَة فيهم كانت أولَ جُمعةٍ بعد جُمعةِ رسولِ الله ﷺ فلو كانت الجُمُعاتُ تُقام في القُرى الصغيرة، وفي العشرين والأربعين من الرجال كما قالوا. كيف جعلها أولَ جُمعةٍ؟ ألم تكن في تلك المدةِ قريةٌ أسلم من أهلِها عشرون نفسًا؟ فهذا من القرائن الدالة على أن لا جمعةَ في القُرى. ولنا أيضًا ما في البُخاري: «مَنْ أحبَّ أن ينتظرَ الجمعةَ من أهل العوالي فَلْيَنْتَظِر، ومَنْ أَحب أن يرجِع فقد أَذِنْتُ له». قوله: (وزاد الليث: قال يونسُ: وكتَب رُزَيْقُ بنُ حُكَيم إلى ابن شِهاب - وأنا معه يومئذٍ بوَادِي القُرَى: هل ترى أن أُجَمِّع؟ ورُزَيقٌ عامِلٌ على أرض يَعْمَلُها وفيهاجماعةٌ من السودان وغيرهم، ورُزَيقٌ يومئذٍ على أيْلَةَ، فكتب ابن شهاب - وأنا أسمعُ - يأْمُرُهُ أن يُجَمِّع) ووادي القُرى في الجانب الغربي من العرب، وهناك قريةُ شُعَيب ﵊. ويونس من سكان أَيْلَة. قوله: (ورُزَيقُ عَامِلٌ ... إلخ). يعني كان واليًا على أَيْلَةَ، ولم يكن إذ ذاك فيها، بل كان في أطرافها ونواحيها يحييها، فكتب إلى ابن شِهاب من نواحي أيْلَة إلخ. قلت: أولا: يمكن أن يكون ذلك الموضعُ من فِنَاءِ المِصْر، ولا تحديد فيه عندنا، بل يُصغَّر الفِناء ويكبر بحسب صِغَر المِصْر وكِبَرِه. فقد يكون الفِناء إلى أميال. وقد ألف فيه صاحب «مراقي الفلاح» رسالة ولم تطبع. ثم إنَّ هذا السائل لعلَّه لم يسأله عن مسألة القرية والمصر، بل عن مسألة أخرى: وهي اشتراط الإِذْن من الأمِير لإِقامة الجمعة. وكام مذهبُ عمر بن عبد العزيز اشتراط الإِذن لها. ولما كان رُزَيقٌ عاملا له على أَيْلَة، زعم أن إذْنه بإقامةِ الجمعة يمكن أن يكون مقصورًا عليها، ولا يتجاوز إلى ما حواليها، فحقِّقها، أَنَّه هل له إذنٌ في إقامة الجُمُعات في حوالي تلك المدينة أَم لا؟ فأجابه أن وِلايَتَك كما انسحبت على أَيْلَة كذلك على ما حواليها أيضًا، فيجب عليك أنْ تتعهد فرائِضَهم وتراعي رعايَتهم، لأنَّ كُلَّكُم راعٍ وكلَّكُم مسئولٌ عن رعيتِه. فتمسَّك بهذا الحديثِ العام. وحاصل الحديث عندي: أن الإِنسان لا يخلو مِن نحو رعاية، فلو لم يكن له أحدٌ تجِب عليه رعايةُ ويُسأل عنها. ولعلك فهمت منه أن الحديث المذكور لما كان في مسألة الإِذْن، لم يناسب إخراجه في تلك الترجمة، فإِنها في مسألة أخرى، بل هو أقربُ إلى مسألة الاستئذان، لأنه ورد في باب الوِلاية والرعاية لا للفَرْق بين القُرى والأمصار. وهذا يَدُلّك ثانيًا: أن رُزَيقًا أراد الاستئذان للجُمعة دون إقامة الجُمعة في القرى، كيف وقد ثبت عن عليَ رضي الله تعالى عنه - بإِسنادٍ على شرط الشيخين - عند عبد الرزاق أنه: «لا جُمُعةَ ولا تشريقَ إلا في مِصْر جامع». والنووي أخرجه بإِسنادٍ ضعيفٍ وحَكَم عليه بالضَّعْف مع أن له إسنادًا يَشْرُقُ كشروق شمس الضحى. وبه يقولُ حُذيفةُ اليماني رضي الله تعالى عنه. وأما أَثَرُ عمر رضي الله تعالى عنه: «جَمِّعُوا حيثُ ما كنتم» فخطابٌ للوُلاة، وكانوا يكونون في الأمصار دون القرى.

стр. 880

ومن ههنا فأدرك السِّر في اختلافهم في إقامة الجُمعات في القرى مع كونها من متواترات الدين. وذلك لأنَّ الأمراء إذ ذاك كانوا في الأمصار وكان الناس مجتهدين في العمل فكانوا يصلونها مع الأمراء ولا يتخلفون عنها، فلما ظهر التواني في الأحكام ولم يرغب الناس في أدائها في الأمصار وجلسوا في قراهم ظهر الخلاف: فذهب ذاهبٌ إلى أن عدمَ أداءِ السَّلف في القرى كان مبينًا على نفيها في القرى، وذهب آخرون إلى أن ذَهابهم إلى الأمصار كان لحوائجهم على عادة أهل البوادي وإن كانت الجمعةُ جائزةً بقراهم أيضًا، وهما نظران للأئمة رحمهم الله تعالى. وأما ما رُوي عن أنس رضي الله تعالى عنه: «إنه كان يُجمِّع وقد لا يُجَمِّع فمعناه أنه كان يُجمِّع حين ورد البصرة، وإذا أقام بقريةٍ لا يُجمِّع، وهذا عين ما قلنا لا أنه كان يُجمِّع، وهو في قرية. وأما ما يأتي من أثر عطاء عند البخاري رحمه الله تعالى قال: «إذا كنتَ في قريةٍ جامعةٍ ونُودي بالصلاة من يوم الجُمعةِ، فَحقٌّ عليك أَن تَشْهَدَها سمعتَ النِّداء أو لم تَسْمَعْه». فهو صريحٌ لمذهبنا لأنَّه نُقِلَ فيه الحافظ رحمه الله تعالى زيادةً عن عبد الرَّزَّاق، وفيه: قلت لعطاء: «ما القريةُ الجامِعة؟ قال: ذاتُ الجماعة، والأمير، والقاضي والدُّور المجتمعة، الآخذُ بَعْضُها ببعضٍ مِثْل جدة (١). اهـ. وهذا يدل أن اصطلاح الجامعة قد كان فشا فيهم، ولذا قلت: إنهم بصددِ حَدِّ المِصْر الجامع (٢). ١٢ - باب هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا الْغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ. ٨٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». طرفاه ٨٧٧، ٩١٩ - تحفة ٦٨٤٨ ٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أطرافه ٨٥٨، ٨٧٩، ٨٨٠، ٢٦٦٥ - تحفة ٤١٦١

стр. 881

٨٩٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى». فَسَكَتَ. أطرافه ٢٣٨، ٨٧٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥ تحفة ١٣٥٢٢ - ٧/ ٢ ٨٩٧ - ثُمَّ قَالَ «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِى كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ». طرفاه ٨٩٨، ٣٤٨٧ - تحفة ١٣٥٢٢ ٨٩٨ - رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ أَنْ يَغْتَسِلَ فِى كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا». طرفاه ٨٩٧، ٣٤٨٧ - تحفة ١٣٥٣٤ ١٣ - باب ٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ». أطرافه ٨٦٥، ٨٧٣، ٩٠٠، ٥٢٣٨ - تحفة ٧٣٨٥ ٩٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِى الْجَمَاعَةِ فِى الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ قَالَتْ وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِى قَالَ يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ». أطرافه ٨٦٥، ٨٧٣، ٨٩٩، ٥٢٣٨ - تحفة ٧٨٣٩ يشير إلى أن الغُسْل مسنونٌ ليوم الجمعة أو لصلاتها، والمشهور أنه للصلاة. ومع ذلك أقول: إنه لو اغتسل أحدٌ للصلاة ثم سبقه الحدث فتوضأ، حصل له الثواب وأَحْرَز الأَجْرَ إن شاء الله تعالى. ٨٩٤ - قوله: (مَنْ جاءَ مِنْكُم الجُمعةَ فَليغْتَسِل) فدَّل الحديث على تفصيل في وجوب الغُسْل يوم الجمعة، وأن الجائي ليس كلاًّ منهم، ولذا قال: «من جاء». قلت: إذا لم يكن «من» ههنا للتعميم عند المصنف ﵀ فكيف أفاده في قوله: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ» فإِن يأخذِ المصنفُ ﵀ عمومَه في الأحوال كلِّها من الانفرادِ والاقتداء، ساغ لنا أن نأخذَ عمومَه في الأشخاص، أي: من كان من المنفرد أو الإمام فلا صلاةَ له إلا بالفاتحة، ولا بِدْع في أن يكون الخطابُ عامًّا والمخاطبُ خاصًّا، فجاز إرادةُ الخصوص مع وُرُود صيغة العموم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فالخطاب وإن كان عامًّا في الظاهر، لكنه خاصُّ بالأولياء بالنظر إلى أن المخاطبين هؤلاء. وكذلك الخطابُ في حديث: «ائذنوا للنساءِ إلى المسجد - بالمعنى - عامٌّ. والمرادُ منه الأزواج فقط. ولعلك عَلِمت أن الخطاب وإن عَمَّ لكن التكليف قد يكون بالخاصِّ. وحينئذٍ ساغ لك أن تُريدَ بالموصولِ في الحديثِ هُم الذين جازتْ في حَقِّهم القراءةُ.

стр. 882

١٤ - باب الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجُمُعَةَ فِى الْمَطَرِ ٩٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِىِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِى يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَلَا تَقُلْ حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قُلْ صَلُّوا فِى بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّى، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّى كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِى الطِّينِ وَالدَّحْضِ. طرفاه ٦١٦، ٦٦٨ - تحفة ٥٧٨٣ وهو المسألة عندنا، غيرَ أنك مأمورٌ بالاستفتاءِ عن قلبك. ١٥ - باب مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ لِقَوْلِ اللَّهِ - تعالى - ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا كُنْتَ فِى قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ، فَنُودِىَ بِالصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ. وَكَانَ أَنَسٌ - رضى الله عنه - فِى قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهْوَ بِالزَّاوِيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ. ٨/ ٢ وهذه مسألة أخرى غير مسألة القرية والمِصْر، وهي أن الجمعة إذا وجبت في مصر بشرائطها فعلى مَن يجبُ شهودُها؟ ومَن كان في حواليها؟ وفيها عدة أقوال للحنفية بسطها الشُرُنْبلالي في رسالته «تحفة أعيان الغِنى في أحكام الفِنا» منها: أنها تَجِب على أهل هذا البلد فقطِ ولا تجب على مَنْ حوله من القرى قريبةً أو بعيدةً. والمختار عندي أنها واجبة على مدى صوت الأذان، وهذا في خارج المصر. أما في المِصْر فلا يشترط سماع الأذان أصلا. وعن أبي يوسف أن الجمعة على مَنْ آواه الليل إلى أهله، وهي المسافة الغدوية. قلت: وهو أَعْسَرُ في العمل. قوله: (قال عطاء ... ) إلخ. وقد مَرَّ أن عطاء يقول بعين مذهب الحنفية، والعجب من المصنف ﵀ أنه حذف تلك القطعة. قوله: (سَمِعْت النِّدَاءَ أو لم تَسْمَعْه) وهذا لداخلِ البلد. وما قلت من وجوب الجمعة على مَنْ سمع النداء فهو للخارج عن البلد، وإليه يشير إلى قوله تعالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]، ثُم قد مَرَّ معنا التنبيهُ على أنَّ عطاء تابعيٌّ، وقد قَيَّدَ القرية بالجامعة. فدل على أن اصطلاح الجامعة قد كان ساريًا (١) في زمنهم أيضًا.

стр. 883

قوله: (وكان أنسُ ﵁ وقد مَرَّ أنه موافق للحنفية وليس تَجْمِيعُه في قَصْرِه. قلت: وقد أخرج الحافظ عن ابن أبي شيبة أنه كان يشهد الجمعة من الزاوية، وهي على فَرْسَخَيْن من البصرة. وهكذا في «مصنف» عبد الرزاق كما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا. ٩٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالْعَوَالِى، فَيَأْتُونَ فِى الْغُبَارِ، يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ الْعَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهْوَ عِنْدِى، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا». تحفة ١٦٣٨٣ ٩٠٢ - قوله: (كان الناسُ يَنْتَابُونَ). وقد مرَّ التنبيه على لفظ الانتياب وأنه لا يفيد المجيءَ متواليًا. وغَلِط صاحبُ «الصراح» في ترجمته (بيابي آمدن) فإِنه قَطَع النظر عن الأفعال المتخللة في البين، ووصل الفعل من الفعل، وجعل الكُلَّ في سلسلة واحدة، فترجم بِلَفْظٍ دَلَّ على التوالي. ومعناه عند، التحقيق الحضورُ نوبةً بعد نوبة، فإِن شهدوا الجمعة فذاك، وإِلا صَلُّوا في بيوتهم الظهر. ولو كانت الجمعةُ عزيمةً على أهل القُرى لشهدوها البتة. وقد أقرَّ القرطبي شارح مسلم بكونه حجةً للحنفية. ١٦ - باب وَقْتُ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِىٍّ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رضى الله عنهم. ٩٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِى هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ. طرفه ٢٠٧١ - تحفة ١٧٩٣٥ ٩٠٤ - حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. تحفة ١٠٨٩ ٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ، وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. طرفه ٩٤٠ - تحفة ٧٠٧ ووقتُها عند الجمهور وقتُ الظهر، وعند أحمد ﵀ تجوز في وقت العيدين أيضًا، لأنها أيضًا من أعياد المسلمين فتصح في الضحوة، ونُسِب إلى ابن الزُّبير ﵁ أيضًا، قال ابن تيمية: إنه كان كثيرَ التفردات. ونحوه نُسِب إلى ابن مسعود ﵁. قلت: وهذه

стр. 884

النسبة لا تصح إليهما وقد كشفتُ عنه، ولا تَمَسُّك في لفظ الرواح، لما مَرَّ أن المسائل لا تُبنى على اللغة ما لم يشهد بها العملُ. وأما قوله: «ونَقِيل بعد الجُمُعَةِ» فلا دليل فيه، والتمسَّكُ به سحابةُ صيفٍ، ومعناه عند الجمهور أنهم بعد أداء الفجر لا يرجعون إلى بيوتهم ويجلسون في انتظار الجُمعة، فإِذا قَضَوها ورجعوا إلى بيوتهم طَعِموا وقالوا، أي القيلولة الفائتة، فهو كقولهم: أتزرتُ السَّراويل. ١٧ - باب إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ - هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ - قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِى الْجُمُعَةَ. قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ - رضى الله عنه - كَيْفَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ تحفة ٨٢٣ - ٩/ ٢ وفي العيني: أنه لا إبراد في الجُمعةِ. وفي «البحر»: أن فيها ذلك. والأرجح عندي ما اختاره العيني ﵀. قوله: (وإذا اشتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بالصلاةِ، يعني الجُمُعَة). قلت: والحديث عندي وَرَدَ في الظهر، وأجراه الراوي في الجُمعة من عند نفسه، لأنه ورد في الجمعة من جهة صاحب الشرع، والله تعالى أَعلم، فهو إذن إلحاقٌ بالقياس. ١٨ - باب الْمَشْىِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. وَمَنْ قَالَ السَّعْىُ الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ. ٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ قَالَ أَدْرَكَنِى أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». طرفه ٢٨١١ - تحفة ٩٦٩٢ ٩٠٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ قَالَ الزُّهْرِىُّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا

стр. 885

تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». طرفه ٦٣٦ - تحفة ١٣٢٥١، ١٥١٦٥، ١٥٢٥٩ ٩٠٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ - لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ عَنْ أَبِيهِ - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِى، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ». طرفاه ٦٣٧، ٦٣٨ - تحفة ١٢١٠٦ جزم أنَّ العَدْوَ ليس بواجبٍ فَعَبَّر بالسَّعْي عن المشي وإنْ كان السَّعْيُ في اللغة بمعنى العَدْو، وإذا كانت صلتُهُ «إلى». وإنما عَبَّر عنه بالسَّعْي على معنى عدمِ الاشتغال بأَمْرٍ سواها. قلت: واختلاف المعاني باختلاف الصِّلات ليس بِمُطَّردٍ عندي، فلا تُبْنى عليها المسائلُ. قوله: (وقال ابن عباس ﵁: «ويَحْرُمُ البيعُ حِينَئذٍ) وفي «الهداية» في باب الجمعة: أن الصناعاتِ كلَّها حرامٌ في هذا الوقت. وفي: مكروهات البيع: أنها مكروهةٌ تحريمًا. فلا أدري أهو من اختلاف النظر، أَم نشأ مما نُقِلَ عن محمد ﵀ أَنَّ كُلَّ مكروهٍ تحريمًا حرامٌ؟ وقال الشيخ ابن الهُمام ﵀: إنَّ كلَّ نهي لغيره فهو لكراهةِ التحريم وإن كان قطعيًا. قلت: وهذا لا يمشي في الخُلْع، أما المصنف رحمة الله فاختار الحرمة. ٩٠٧ - قوله: (مَن اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ) قد استقرَّ أئمةُ الحديث على أنه متى ورد لفظ «في سبيل الله» فهو في الجهاد. ولذا ترجم به الترمذي في الجهاد، وحَمَل الصيامَ في سبيل الله على الجهاد. وترجمة البخاري تشيرُ إلى تعميمهِ شيئًا. واختُلِف في تفسيره بين الحنفهية، فقيل: هو مُنْقَطِع الغزاة. وقيل: مُنْقَطِع الحاجِّ. قلت: بل هو أعمُّ منهما نظرًا إلى صَلوح اللغة. نعم، كَثُر استعمالُه فيهما، فساغ أن يكون عامًّا في الحديث (١) أيضًا كما أراده المصنف ﵀. وإِن أخذنا رأي الترمذي وغيرِه، فلعل المصنِّفَ أَلْحَقَ الجمعةَ بالجهاد، فتمسك لها بما ورد في الجهاد. ١٩ - باب لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى». طرفه ٨٨٣ - تحفة ٤٤٩٣ لأن الجمعة جامعةٌ للجماعات، فلا يُفَرِّقُها بالتَّخَطّي لأَنَّ فيه معنى التأذِّي.

стр. 886

٩١٠ - قوله: (فَصَلَّى ما كُتِبَ لَهُ) وتَمَسَّك به الحافظ ابن تيمية على نَفْي السُّنَنِ القبلية يوم الجمعة، وأنه لا تحديدَ فيها، بل هي في خِيرَةِ الرَّجُل كم أَدْرَكَ صَلَّى. قلت: ولنا ما في قِصَّة سُلَيْك: «أركعت الركعتين قبل أن تجيءَ» - بالمعنى - كما عند ابن ماجه وسنذكره. فهو مَحْمُولٌ على السُّنةِ القَبْلية دونَ تحيةِ المسجد. ٢٠ - باب لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِى مَكَانِهِ ٩١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَقُولُ نَهَى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قُلْتُ لِنَافِعٍ الْجُمُعَةَ قَالَ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. طرفاه ٦٢٦٩، ٦٢٧٠ - تحفة ٧٧٧٧ - ١٠/ ٢ ويَقْعُدَ بالنصب أولى ليفيدَ النَّهيَ عن المجموع. ٢١ - باب الأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما - فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ - رضى الله عنه - وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. أطرافه ٩١٣، ٩١٥، ٩١٦ - تحفة ٣٧٩٩ كان الأذانُ في عهد النبيِّ ﷺ وصاحبيه واحدًا، ولَعلَّه كان خارجَ المسجد كما عند أبي داود، فإِذا كَثُر الناسُ زاد عثمانُ أذانًا آخر على الزَّوْرَاء خارجَ المسجد، ليمتنعَ الناسُ عن البيع والشراء. والظاهر أن الأذان الثاني وهو الأول انتقل إلى داخلِ المسجد، ثم الأُمة أخذت بِفِعْله وتعاملوا به واحدًا بعد واحدٍ، إِلا ما نَقَلَ أَبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عن بعض أَهل المغرب: أَنه لا تَأَذينَ عندهم غير مرة واحدة. ثم إذا تَسَلَّط بنو أمية نقلوا الثالث على المنارة، والذي كان على عهد النبيِّ ﷺ جعلوه في المسجد -أمام الإِمام- (١) ولم أجد على كون هذا

стр. 887

الأذان داخلَ المسجد دليلا عند المذاهب الأربعة إِلا ما قال صاحب «الهداية» إنه جَرَى به التوارث، ثُم نَقَله الآخرون أيضًا. ففهمت منه أنهم ليس عندهم دليلٌ غير ما قاله صاحب «الهداية»، ولذا يلجأون إلى التَّوارث، أما الإِقامة فكانت مِن قبلُ في المسجد. بقي أذانُ الجَوْق: ففي «الدر المختار» أنه مُحْدَثٌ. قلت: وعلى مَنْ يَدَّعِي الإِحداثَ أن يُجيب عما في «الموطأ» لمالك -ص ٣٦ - : أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يُصلُّون يومَ الجُمعة حتى يخرجَ عمرُ بن الخطاب، فإِذا خرج عمر وجلس على المنبر وأَذَّن المؤذنون. وقال ثعلبة: «جلسنا نتحدثُ فإِذا سَكَت المؤذنونَ وقام عمرُ يخطبُ أَنْصَتْنا فلم يتكلمْ مِنَّا أَحَدٌ». اهـ فإن قوله: سكت المؤذنون، وأذن المؤذنون، بصيغة الجَمْع يدلُّ على تَعَدُّدِ الأذانين في عهده رضي الله تعالى عنه. ٢٢ - باب الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ الَّذِى زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رضى الله عنه - حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِىِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَعْنِى عَلَى الْمِنْبَرِ. أطرافه ٩١٢، ٩١٥، ٩١٦ - تحفة ٣٧٩٩ أي الأذان الواحد. وقد مَرَّ معنا وجه تعبير الأذان بالمؤذن. وهو في ذهن الراوي أن الواحد لا يُؤذِّنُ إلا أذانًا واحدًا. قوله: (إِذا جَلِّس على المنبر) وعند أبي داود: أن هذا الأذان كان في عهده ﷺ عند باب المسجد، وفي لفظ: على المنارة. ٩١٣ - قوله: (زادَ التأذينَ الثالثَ) أي باعتبار التشريع، وإلا فهو أول باعتبار التأذين به. والثاني ما كان في عهد النبيِّ ﷺ والثالث هو الإقامة. وقد مرَّ معنا التنبيه على أن مَنْصِب الخلفاء بين الاجتهاد والتشريع، فالمجتهدون يمشون على المصالح المُعتبرة، والخلفاء على المصالح المرسلة أيضًا. ٢٣ - باب يُؤَذِّنُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ ٩١٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا. فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَأَنَا. فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّى مِنْ مَقَالَتِى. طرفاه ٦١٢، ٦١٣ - تحفة ١١٤٠٠ ومرَّ معنا الأقوال في جواب الأذان عند ذلك مرارًا.

стр. 888

٢٤ - باب الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ عِنْدَ التَّأْذِينِ ٩١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِىَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ. أطرافه ٩١٢، ٩١٣، ٩١٦ - تحفة ٣٧٩٩ - ١١/ ٢ كان التأذينُ يومَ الجمعة حين يجلس الإِمام، يعني به أن أذان يوم الجمعة كان على خلافِ دأب سائر الأيام، ففي سائر الأيام كان يُقدم شيئًا، وفي الجمعة كان مُتَّصِلا بالخطبة بدون مُكْثٍ طويل بعده، وكان خارجَ المسجد على سقف بيت أنصاريّ، وكان للصلاة ولم يكن للخطبة أذان. ٢٥ - باب التَّأْذِينِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ ٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما - فَلَمَّا كَانَ فِى خِلَافَةِ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. أطرافه ٩١٢، ٩١٣، ٩١٥ - تحفة ٣٧٩٩ وفي «الفتح» عن الطبري: أن هذا الأذانَ كان في زمن عَمرِ رضي الله تعالى عنه أيضًا، إلا أنه لم يكن مُشْتهِرًا اشْتِهَارَه في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه. إِلا أنه حَكم عليه بالانقطاع، ولعل زيادةَ عثمان رضي الله تعالى عنه الأذان الثالث كزيادة أذان بلال ﵁ في الفجر. واعلم إن مفعول القول لا يكون إلا جملة فيلزمه «إن» - بالكسر - إلا في لغة بني سُلَيم إذا كان مُصَدَّرًا بحرف الاستفهام، فحينئذٍ يصح أن يكون مفعولُه مُفْردًا. ٢٦ - باب الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ أَنَسٌ - رضى الله عنه - خَطَبَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ. ٩١٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىُّ الْقُرَشِىُّ الإِسْكَنْدَرَانِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالاً أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ، وَقَدِ امْتَرَوْا فِى الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَاللَّهِ إِنِّى لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - «مُرِى غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهْوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِى أَصْلِ

стр. 889

الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِى». أطرافه ٣٧٧، ٤٤٨، ٢٠٩٤، ٢٥٦٩ - تحفة ٤٧٧٥ ٩١٧ - قوله: (ولتعملوا صَلاتي) وأخطأ ابن حَزْم خطأ فاحشًا حيث ذهب إلى أن تلك الصلاةَ كانت نافلةً، مع أنها كانت صلاةَ الجمعة كما هو منصوصٌ عند البخاري. ٩١٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﷺ فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النَّبِىُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى أَخْبَرَنِى حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا. أطرافه ٤٤٩، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥ - تحفة ٢٢٣٢ ل - ١٢/ ٢ ٩١٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ «مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ». طرفاه ٨٧٧، ٨٩٤ - تحفة ٦٩٢٤ وفي «الفتح»: أن المِنْبر وُضِع له في التاسعة. وثبت عندي في الخامسة. قوله: (كان جِذْعٌ يقومُ عليه النبيُّ ﷺ أي يتكىءُ عليه. وتسامَحَ الرَّاوي في اللفظ. وظاهر كلام السَّمْهُودِي أن تلك الجِذْعَ كانت عَمودًا من عُمُدِ الحصة المُسْقَفة يتكىء عليه النبيُّ ﷺ وحينئذٍ يكون اتكاؤه بطريق الاستناد لا بطريق التأبط. وعند الدارمي روايةٌ تدلُّ على أنه كان يتكىء بذلك العَمود على الإبط. وقد ثَبت أنَّ الحنَّانَة دُفِنت يوم وُضِع المنبر. وأَقَرَّ المُحَدِّثون أن الخشبة التي قام عليها النبيُّ ﷺ في قصة ذي اليدين كانت هي الحَنَّانة. فثبت أنَّ قصة ذي اليدين قِبلِ بناء المِنْبر. وَوَضْعُ المِنْبر ثَبَت عندي في الخامسة فَثَبت تَقَدُّمُ قصة ذي اليدين، وإذن لا بد أن تكونَ قبل نَسْخ الكلام. ٢٧ - باب الْخُطْبَةِ قَائِمًا وَقَالَ أَنَسٌ بَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ٩٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ، كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ. طرفه ٩٢٨ - تحفة ٧٨٧٩ والقيام واجبٌ عند الشافعية، وسنةٌ عندنا. ٢٨ - باب يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ الْقَوْمَ وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ رضى الله عنهم الإِمَامَ.

стр. 890

٩٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ قَالَ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ. أطرافه ١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧ - تحفة ٤١٦٦ وكان طريق الاستماع عند السلف أنهم كانوا يجلسون للخُطبة كما يجلسون اليوم في مجالس الوعظ، بدون اصطفاف. وهو الذي عناه الراوي بالاستقبال. ثُمَّ جرى الاصطفاف فيما بعد. وفي «المبسوطِ»: أَن الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يستقبل الإِمام ويَصْرِف وَجْهه إليه. وهو في الصفِّ، فالسُّنَّة هي الاستقبال. أما الاصطفاف فلا يُحكم عليه بِكَوْنه بدعةً، لأَنه ثبت أن النبيَّ ﷺ كان يذهب إلى النِّساء لأَخْذ الصدقة يوم العيدين وهُنَّ في صفوفٍ بعد. فدلَّ على ثبوت الصفِّ أيضًا. ٢٩ - باب مَنْ قَالَ فِى الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أَمَّا بَعْدُ رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . ٩٢٢ - وَقَالَ مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَتْنِى فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ - رضى الله عنها - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْتُ مَا شَأْنُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَىْ نَعَمْ. قَالَتْ فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِدًّا حَتَّى تَجَلَاّنِى الْغَشْىُ وَإِلَى جَنْبِى قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِى، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ». قَالَتْ وَلَغِطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لأُسَكِّتَهُنَّ فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ قَالَتْ قَالَ «مَا مِنْ شَىْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَاّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِى مَقَامِى هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِى الْقُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ مِنْ - فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ - أَوْ قَالَ الْمُوقِنُ شَكَّ هِشَامٌ - فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا. فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ - أَوْ قَالَ الْمُرْتَابُ شَكَّ هِشَامٌ - فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَا أَدْرِى، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». قَالَ هِشَامٌ فَلَقَدْ قَالَتْ لِى فَاطِمَةُ فَأَوْعَيْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ. أطرافه ٨٦، ١٨٤، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧ تحفة ١٥٧٥٠ - ١٣/ ٢ ٩٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِىَ بِمَالٍ أَوْ سَبْىٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالاً وَتَرَكَ رِجَالاً فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ، فَوَاللَّهِ إِنِّى لأُعْطِى الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِى أَدَعُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ

стр. 891

الَّذِى أُعْطِى وَلَكِنْ أُعْطِى أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى وَالْخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ». فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِى بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. تَابَعَهُ يُونُسُ. طرفاه ٣١٤٥، ٧٥٣٥ - تحفة ١٠٧١١ ٩٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَىَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». تَابَعَهُ يُونُسُ. أطرافه ٧٢٩، ٧٣٠، ١١٢٩، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٥٨٦١ - تحفة ١٦٥٥٣، ١٦٧١٣ - ١٤/ ٢ ٩٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى حُمَيْدٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ». تَابَعَهُ الْعَدَنِىُّ عَنْ سُفْيَانَ فِى أَمَّا بَعْدُ. أطرافه ١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧ - تحفة ١١٨٩٥ ٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ «أَمَّا بَعْدُ». تَابَعَهُ الزُّبَيْدِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ. أطرافه ٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٢٩، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨ - تحفة ١١٢٧٨ ٩٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ قَالَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ صَعِدَ النَّبِىُّ ﷺ الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ إِلَىَّ». فَثَابُوا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ، وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِىَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ». طرفاه ٣٦٢٨، ٣٨٠٠ - تحفة ٦١٤٦ قيل: إن أول مَنْ سُبِقَت عنه تلك الكلمةُ داودُ ﵇، وهي التي عُنيت بقوله تعالى: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. قال سيبويه: إن أصله مهما يكن من شيءٍ بعد من الغايات مَبْني على الضَّم. وللنُّجَاة في «إذ» الشرطية قولان، قيل: إن العامل فيه فِعْلُ الشرط، وقيل: فعلُ الجزاء. واتفقوا في الظرفية أنَّ العامل فيها فِعْلُ الجزاء.

стр. 892

٩٢٤ - قوله: (لكنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) أي جماعةً ومن خصائص الجماعة أنها تجلِبُ الوجوب، ولذا أمرهم أن يصلوا بها في البيوت. وحينئذٍ لم يخالف ذلك ما مرَّ معنا من وجوب صلاة الليل، وأنَّ النَّسْخ لم يرد فيها، وإنما ورد التخفيف من التطويل. وأنه تأكد بها الوتْرُ مع تغيير الشاكلة يسيرًا، لأنه لو كانت تلك الصلاة نُسِخت كما فهموه، لم يكن لخشية افتراض صلاةٍ نُسِخت معنىً. وفي «الصحيح» لابن حِبان: «خَشيتُ أن تُفْرَضَ عليكم الوِتْرُ». قلت: الوِتْر فيه بالمعنى العامِّ الشاملِ لصلاة الليل أيضًا، فتنبَّه. ٣٠ - باب الْقَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا. طرفه ٩٢٠ - تحفة ٧٨١٢ وهي سنةٌ عندنا. وفَرَّق اللغويون بين الجلوس والقعود ولم يستقروا على شيءٍ. ولو ثبت أن القعودَ يكون من القيام بخلاف الجلوس فإِنَّه من الاضطجاع، لكان مُعتبَرًا ههنا أيضًا. ٣١ - باب الاِسْتِمَاعِ إِلَى الْخُطْبَةِ ٩٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِى يُهْدِى بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِى يُهْدِى بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ». طرفه ٣٢١١ - تحفة ١٣٤٦٥ وهو واجبٌ على القوم. ويجوز للإِمام أن يأمُرَ ويَنْهَى عند الحاجة خلالَ الخُطبة. وللقوم أن يمنعوا بالإِشارة مَنْ كان يَلْغط. وذهب أحمد ومالك أيضًا إلى الوجوب. وهو القول القديم للشافعي رحمه الله تعالى. وفي الجديد: أنه مُستَحبُّ. ومِن تفاريعه وجوبُ الفاتحة على المقتدي، فقد كان يختار أولا وجوب الاستماع، ثم رجع إلى وجوب القراءة. ثم أنه لم يأت للقول الجديد إلا بوقائع في عهده ﷺ لا تخالِفُنا أصلا. وصرَّح الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى - مِنَّا - بجواز الكلام للإِمام عند الحاجة. ٩٢٩ - قوله: (مَثَلُ المُهَجِّر) والهَاجِرة في أصل اللغةِ لِنِصْف النهار، ثُم أُطلق في التكبير تَوَسُّعًا، وهو من الصبح عند الجمهور، ومن الزوال عند مالك رحمه الله تعالى. وعند أبي داود - ص ١٥٠ - في: باب فضل الجمعة في حديث طويل: «فإِذا جَلَس الرجل مَجْلِسًا يَسْتَمْكِنُ فيه من الاستماع والنظر - إلى الإمام - فأَنْصَتَ ولم يَلْغُ، كان له كِفْلان من أَجْر، فإن نأى وجلس حيثُ لا يسمعُ فأَنصَتَ ولم يَلْغُ كان له كِفَّلُ من الأَجْر، وإن جَلَس مَجْلِسًا يستمكن فيه من الاستماع

стр. 893

والنظر فَلَغا ولم يَنْصِت كان عليه كِفْلان من وِزْر - إِلخ (١) وكِفْلان مِن وِزْر مع اتحاد الشَّرْط في الصورتين. ٣٢ - باب إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلاً جَاءَ وَهْوَ يَخْطُبُ، أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ ٩٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ «أَصَلَّيْتَ يَا فُلَانُ». قَالَ لَا. قَالَ «قُمْ فَارْكَعْ». طرفاه ٩٣١، ١١٦٦ - تحفة ٢٥١١ - ١٥/ ٢ ٣٣ - باب مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ٩٣١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ جَابِرًا قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ «أَصَلَّيْتَ». قَالَ لَا. قَالَ «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». طرفاه ٩٣٠، ١١٦٦ - تحفة ٢٥٣٢ وهو مذهب الشافعي، وأحمد، ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه يَقْعُد كما هو ولا يصلي، ولا يترك فريضةَ الاستماع والإنصات. ويقضي العَجَب من الشيخ النووي كلّ العجب حيث نَقَلَ عن القاضي عياض أنه هو مذهبُ (٢) الجمهور من الصحابة والخلفاء الراشدين، ثم قال: إن ما أَوَّل به الخصومُ قصة سُلَيك تأويلٌ باطل يَرُدُّه صريحُ الحديث.

стр. 894

وجملةُ المقال في هذا الباب أن هناك أمرين: واقعة سُلَيك، وقول النبيِّ ﷺ . أما واقعة سُلَيك فكما في الأحاديث: أنه دخل ورسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعة، فقال: «أصليتَ»؟ قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ الركعتين» -مسلم-. وأما القول فكما في «الصحيحين» بعده: «إذا جاء أحدُكُم يومَ الجمعة والإِمامُ يخطُبُ

стр. 895

فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما». والتفضِّي عن القول مُشْكِل فإِنه تشريع، أما الواقعة فيمكنُ حَمْلُها على الأعذار، فمنها ما عند النِّسائي في «كبراه»: أنَّ هذا الرجلَ دخَل بِهيئةٍ رَثَّةٍ ولم تكن عليه ثيابٌ، فأراد النبيُّ ﷺ أن يتصدَّقَ عليه الناسُ فَرَعَّبهم فيه، فَأَمَرَه بالصلاة ليرى الناسُ هيأَته البذة فتصدقوا عليه. هكذا في «المسند»، و «صحيح ابن حِبَّان»، والطحاوي. وبَوَّب عليه النسائيُّ بالحَثِّ على الصدقة، إشارة إلى ما هو الأَهم في قِصَّته. فإِن قلت (١): لو كان كما قلتم لَمَا أمره بالركعتين في الجمعة الأخرى، وفي التي بعدَها أَيضًا، فهل كان يريد الإِراءة كلَّ مرة؟ وإِذن لا يكون المقصودُ إلا تَحْرِيضَه على تحية المسجد، والتصدُّق عليه يكون تَبَعًا. قلتُ: وفي الجمعة الثالثة تَرَدَّدَ الراوي. ولا بُعْد في الجُمُعتين أن يكون أَمْرُه لذلك، وعند ابن حِبَّان فيه زيادة وهي: «لا تَعُودن لِمِثْل هذا». اهـ. فحملوها على النَّهي عن تَرْك هاتين الركعتين. قلتُ: بل نَهْيُّ عن الإِبطاءِ عن الجمعة وحُضُوره في وقت الخطبة حنى لزِمه إمساكُها، فهو كقوله لأبي بَكْرة ﵁ حين بادر إلى إِدْرَاك الرُّكوع: «زادك اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُد». وقد اختلفوا في شَرْحه أيضًا كما مرّ. ثم عند مسلم - ص ٢٨٧ - أَنه جاء ورسولُ الله ﷺ قاعِدٌ على المِنْبر، فدلَّ على أنه لم يكن دَخَل في الخُطبة بَعْدُ، بل كان يريدْ الخطبة سيما على مذهب الشافعية، فإِن القِيام من شرائط الخطبة عندهم. فلزِمهم أن يقولوا إِنَّه لم يكن دَخَل في الخطبة. وتمسك الشيخ العيني رحمه الله تعالى برواية النسائي، وليس فيه ما رامه فلا يتم التقريب،

стр. 896

ولذا عَدَلْت عنه إلى حديث مسلم. وبه يَتم مقصوده إن كان غرضُه أنه ﷺ لم يكن دخَل في الخطبة، وإن كان مقصودُه أنه كان بدأَ الخطبةَ إلا أنه أمسك عنها (١). فله ما عند الدَّارقطني: أنه كان أمسك عن خطبته. وهو مرسَلٌ جيد، وهو صَرِيح في أنه كان دخل في الخطبة، إلا أنه أمسكها ريثما صلى الرجل صلاته وحَثَّ فيه على التصدق عليه، ولا يُدْرَى أنه استأنفَ خطبته بعده، أو بَنَى عليها، والظاهر الأول. بقي أنه هل يجوز للإِمام أن يتكلم في الخطبة؟ فالأحسن عندي أن لا يوسع فيه. وينبغي أن يُقْتَصر على النبيِّ ﷺ وإن صَرَّح الشيخ ابنُ الهُمام رحمه الله تعالى بجوازه عند الحاجة (٢). ثم إنه ما الدليل على كونها تحيةَ المسجدِ كما فهموه؟ لمَ لا يجوز أن تكون سنةً قَبْلِيةً للمجمعة؟ فعند ابن ماجه بِسَندٍ قويَ: «أصليتَ الركعتين قَبْل أن تجيءَ»؟ ومعلومٌ أن تحية المسجدِ لا تكون إلا بعد المجيءَ. ولذا أخرجه الزَّيلَعي في السُّنة القَبْلِيَّة، وحَكَم عليه أبو الحجاج

стр. 897

المِزّي الشافعي وابن تيمية بكونه تَصْحِيفًا من الكاتب. والصواب: «قبل أن تَجْلِس». قلتُ: كيف يُحْكم عليه بالتَّصْحِيف مع أن الإِمام الأَوْزاعي، إِسحاق بن رَاهُويه رحمهما الله تعالى بَنَيا عليه مذهبهما، فذهبا إلى أَنه يصليهما في البيت وإلا ففي المسجد، وإن دخَل الإِمام في الخطبة. وقد مرَّ معنا أن الحديث إذا ظهر به العملُ انقطع عنه الجدل. ثم رواية جابر ﵁ ومَذْهبُه كما في جزء القراءة أنه كان يصلِّي بهما في المسجد وإنْ خطب الخطيب، وإن كان قَدْ صلَّى في البيت. وهذا يدل على صِحَّة لفقظ: «قبل أن تجيءَ»، لأن قوله ذلك ناظر إلى لفظ: «قبل أن تجيء»، يعني به أَنه لا يقتصر عليهما في البيت، بل يصلِّيهما في المسجد أيضًا على سُنَّة سليك، وإن لم يكن مذهبه كمذهبنا. ثمَّ سؤالُه عن الركعتين إنما يتأَتَّى إذا كان عن السُّنةِ القَبْلية، أما عن تحية المسجد فإِنه حَضَر بمرأَى عينيه ولم يُصَلِّ فما معنى السؤال؟ اللهم إلا أن يقال إِنه لم يقع بصرُه عليه ابتداءً، فإِذا رآه سئل عنها. وأَوَّله الحافظ بأن المرادَ منه قَبْل أن تجيءَ من ذلك المكان إلى هذا المكان، فإِذن السؤالُ عن الصلاة في المسجد دون البيت. قلتُ: وهو غَنيُّ عن الردِّ. بقي القول: فجوابه أن الدَّارقطني (١) تَتَبَّعَ على «الصحيحين» في عدة مواضعَ، وتتبَّع على البخاري في

стр. 898

نحو مئة موضع ونَيِّف، وكلها في الأسانيد إلا هذا الحديث فإِنه تَكلم فيه في المتن. وقال: إن أَصْلَه «واقعة» جعَلَه الراوي «ضابطة». فالصواب أنه مُدْرَج من الرَّاوي. قلتُ: ويؤُيده صنيعُ البخاريّ، فإِنه أخرج هذا القول مِرارًا ثُمَّ يُترجِم عليه بهذه المسألةِ مع أنه اختارها، فلو كان القول هو الأصل عنده لأَخرجه البتة لكونه صريحًا فيما ذهب إليه، لكنه لم يُخَرِّجه في أبواب الجمعة، وتمسك به في مسألة أخرى، وهي مثنوية الصلاة مع أن لها أحاديثَ أخرى أصرَحُ منه عنده، والذي سيق له الحديث هو الركعتان عند الخطبة. فَتَرْك التمسك منه على مسألةٍ مذكورة صراحةً والتمسُّك على مسألةٍ ضمنيةٍ دليلٌ واضحٌ على أنه لم يثبت عنده القولُ، ولكنه واقعةٌ كما قال الدارقطني. وقد تحقق عندي أَن من عادة البخاري أن الحديث إذا كان صحيحًا عنده في نفسه، وتكون فيه مسألة لا يقوم هذا الحديثُ حجَةً عليه لأَمرٍ سَنَح له، لا يترجم على هذا الجزء وعلى هذه المسألة. ثم أقول: إن السُّنَّة لو كانت جَرَت بهذا القول وإن الداخل في المسجد يصلِّي تحية المسجد، وإن خطب الإِمام، فلم أمسك النبيُّ ﷺ عن خطبته كما مرَّ عن الدارقطني، فإِذا نظرنا إلى فِعْله ﷺ أنه لم يكن دَخَل في الخطبة على لفظ مُسلم، أو دخلها ثُمّ أمسك عنها على ما عند الدارقطني عَلِمنا شَرْحَ قولِهِ من فِعْله ﷺ وهو أَنَّ المراد من قوله: «والإِمام يخطُبُ» أي كاد

стр. 899

أن يخطب، ولا بِدْع في إِطلاق «خطب» إذا كان بصدد الخُطبة ولم يبق منه غيرُها، على أن عند مسلم - ص ٢١٧: «إذا جاء أحدُكم وقد خَرَج الإمامُ» إلخ فدل على أن الأمر فيما لم يخطب بَعْدُ وهو بصدد أن يخطُب. وهذا يدلك ثانيًا على أن المرادَ من قوله: «خطب» أي قارب الخُطبة وبلغ مَوْضِع الخُطْبة. وفي بعض اللفظ عند البخاري ص ١٥٦: «والإِمام يخطُبُ، أو قد خَرَج»، وليس فيه «أو» عندي للتنويع بل للشك من الراوي، فما دام لم ينفصل لفظُ النبيّ ﷺ لا تُبنَى عليه المسألة. وهو كذلك بالشك عند أبي داود أيضًا. وقد سَلَك الطحاوي في جوابه مَسْلَكًا آخر وهو إقامة المعارضة بنحو ما رُوي في «الصحيح»: «أن رجلا شَكَا إِليه القَحْط وهو يَخْطِب، فاستسقى له ولم يأمُرْه بأَداء تحية المسجد». وكذلك جاء عنده رجل آخر يسألهُ عن حاجته، فأمره أن يَقْعُد ولم يأمُرْه بالركعتين (١). ٣٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِى الْخُطْبَةِ ٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ يُونُسَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا. أطرافه ٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢ - تحفة ١٠١٤، ٤٩٣ واعلم أنه ثبت كراهةُ رَفْع الأيدي في الخطبة. وحَمَله العامة على أن هذا الرَّفْع كان للتفهيم، كما شاع الآن في الخطباء والواعظين، أنهم يحرِّكُون أيديهم للتفهيم. فلعلَّه فَعَله بِشْرٌ وكرهه الناس. وقالوا: إن النبيَّ ﷺ لم يكن يزيد على الإشارة بالأصابع. قلتُ: والأرجح عندي أن تلك الإشارة كانت للدعاء للمؤمنين، فإنه مسلوكٌ في الخُطبة فأنكروا عليه، لأن النبيَّ ﷺ لم يكن يَرْفَعُ له إلا أصبُعُه المباركة. هكذا شَرحه البيهقي، ونقله شارح الإحياء في «الإتحاف».

стр. 900

قلتُ: ويؤيده ما عند مسلم - لقد رأيت بِشْرَ بن مروان يومَ الجمعة يرفعُ يديه - أي للدعاء - وأصْرَحُ منه ما عند الترمذي ففيه: وبِشْرُ بن مروانَ يخطُبُ، فرفع يديه في الدعاء. وإنما حَمَله النَّاسُ على تحريك الأيدي، لخمول هذا النوع. والطريق المعروف في الدعاء الآن رَفْع الأيدي كلتيهما. ثُمَّ تَتَبَّعْتُ ذلك أنَّ الدعاء هل يكون بِرَفْع الأصبع؟ ففي «الدُّر المختار» عن «القُنية» في باب صفة الصلاة: والإشارة لِعُذْرٍ كَبْرد يكفي فجوِّز بالإشارة عند العذر، كأنه اختصار من رَفح الأيدي. وفي «البحر»: أن الدعاء على أربعة أنحاء: دعاء رَغْبة، ودعاء رَهْبة، ودعاء تَضَرّع، ودعاء الخفية، وجعل الدعاء برفع الأصبع من الضَّرْب الأول. «وفي البحر» في باب الوتر عن مولى أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه كان يرفَعُ يديه في القنوت للدعاء، وتارة يكتفي بالأصبع أيضًا. ونُسِب ذلك إلى إمامنا أيضًا. ثم إنهم لا يكتُبون أن تلك الإشارة تكون بِظَهْر الأصبع أو ببطنها. قلتُ: إن كانت اختصارًا من الدعاء، فالأَظْهر أنها تكونُ ببطنها. وإن كانت للتفهيم وغيره فهو مُخيَّرٌ فيه إن شاء فَعَل بالظَّهر أو بالبَطْن. قوله: (فَمَدَّ يَدَيْه ودَعَا) وهذا كان كهيئةِ الدعاء المعروف. ٣٥ - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِى الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ فَبَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ يَخْطُبُ فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِى السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِى يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِىُّ - أَوْ قَالَ غَيْرُهُ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا». فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَاّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِى قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَاّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. أطرافه ٩٣٢، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢ - تحفة ١٧٤ وهو ثلاثة أقسام: الدعاءُ له بعمد الصلواتِ الخَمْس، وفي الأوقات سوى الخَمْس، والصلاة له. واختلفوا في النوع الأخير. قوله: (الكُرَاع) يُطلق على كلِّ ذات قوائم أربع ولا سيما الخيول. ٩٣٣ - قوله: (جَوْد) هو المطر الذي تكون قطراتُه كبيرة. وفي «فتح الباري» أنه قال بعد ما مطرت السحاب: «لو كان أبو طالب حيًا لقرَّت عيناه، فإنه كان يُستسقى بوجهه في زمن صِبَاهُ. وفيه قال:

стр. 901

*وأَبيضُ يُسْتَسْقَى الغمامُ بِوَجْههِ ... ثمال اليتامى عِصْمَةٌ للأَرَامِل فقال النبيُّ ﷺ «مَنْ ينشدنا قصيدته هذه؟ فقام عليٌّ ﵁ من ساعته، لأن أبا طالب كان أباه فجعل ينشد له بيتًا فبيتًا». فَلما عَلِمْت من إعجاب النبي ﷺ قصيدتُهُ ونَعْتُه بالاستسقاء. نظمت فيه قصيدةٌ أيضًا بالفارسية وَوَصَفَته فيها بذلك، وأوَّلُهَا: *اي آنكه همه رحمت مهداة قديري ... باران صفت وبحر سمت ابر مطيري ... إلخ الأبيات. قوله: (اللهم حَوَالَيَنَا وَلا عَلَيْنَا) قال الطِّيبي: إنَّ الواو ههنا للتعليل كما في قولهم: تجوعُ الحُرَّةُ ولا تَأْكُلُ بثدييها. ٣٦ - باب الإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ. فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلْمَانُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ "يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ". ٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ. وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ». تحفة ١٣٢٠٦ قوله: (فَقَدْ لَغَا) وهو على اللغة، أي اشتغل بما لا يعنيه، فإنه كان تكفيه الإشارة. وقد مرَّ عن الشيخ ابن الهمام رحمه الله تعالى أنه يجوز للإمام عند الحاجة دون القوم. وفيه حكاية عن المثنوي: «صلى ثلاثةُ رجالٍ وكانوا حمقاءَ، فَتَكَلَّم أحدُهم في الصلاة. فقال له الآخَرُ وهو يصلِّي: إنَّ الكلامَ في الصلاةِ مُفْسِدٌ». فقال الثالث: فَشُكرًا لله حيثُ لم أتكلم». ٣٧ - باب السَّاعَةِ الَّتِى فِى يَوْمِ الْجُمُعَةِ ٩٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّى، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَاّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. طرفاه ٥٢٩٤، ٦٤٠٠ - تحفة ١٣٨٠٨ واختلفوا في تعيينِها، وبقائها، ورَفْعها على عدة أقوال ذكرها الحافظ ﵀ في «الفتح»، ولا نطوّل الكلام بذكرها: فذهب أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أنها بَعْد العصر. قال أحمد: وأكثرُ الأحاديث إلى أنها بعد العصر. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنَّها من الخُطبة إلى الصلاة. واحتج بحديث أبي موسى الأشعري. وعَلَّلَهُ أحمد رحمه الله تعالى وأشار إليه البخاري أيضًا. وعَدَّها الشاه وَلِيُّ الله رحمه الله تعالى من ساعات الإجابة في هذا اليوم، وإن كانت الموعودة هي ما بعد العصر، وهو جَمْع حَسَنٌ.

стр. 902

قلتُ: والظاهر أنها بعد العصر والموعودة هي هي، وفيها خُلِق آدم ﵇. وفي الأحاديث في فَضْل الجمعة أنه خُلِق فيها آدمُ. ولما كان الفَضْلُ فيها من جهة خَلْق آدم ﵇، ناسب أن تكون تلك الساعةُ هي ساعةَ خَلْقِهِ فإن قيل: لما كانت تلك الساعةُ لأجل يوم الجمعة، والبركةُ فيها من جهة الصلاة، فينبغي أن تكون متقدمةً عليها أو معها، لا بعدها. فإن المقصود مُتأخِّر. قلتُ: بل هي كالوقوفِ تُقَدَّم على طواف الزيارة، مع أن المقصود هو هذا الطواف. وعند أبي داود: «أن ابتغوا تلك الساعةَ في آخِر ساعاتِ العصر». وحَسَّنه المُنْذري، وعلَّله الحافظ رحمه الله تعالى. وَقَدْ أَجَبْتُ عنه. وفيها مذاكرة بين عبد الله بن سَلام وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما ذكَرَها الترمذي وابن ماجه. وفيها قال عبد الله بن سَلام: هي بعد العصر إلى أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «فكيف تكون بعد العَصْرِ وقد قال رسول الله ﷺ لا يوافِقُها عبدٌ مُسلم وهو يصلِّي، وتلك الساعةُ لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبدُ الله بن سلام: «أليس قد قال رسول الله ﷺ «مَنْ جَلَس مجلِسًا ينتظرُ الصلاةَ فهو في الصلاة». قال: بلى. قال: «فهو ذاك» (١). وعُلم منه أن عبدَ الله بن سلام أجابه بنوع تأويل، وحَمَل قوله: «وهو يُصَلِّي» على انتظار الصلاة، فإنه الصلاةُ حُكْمًا. ويُتَوهَّم من ابن ماجه أن هذا التفسير مرفوعٌ، والصواب أنَّه مُدْرج، فلا تَغْفُل وقد تنحَّيت عنه. وعندي معنى قوله: «وهو قائم يُصلِّي» وهو ثابتُ القدم في صلاته حيث يداومُ ويحافظ عليها. فذلك الوَعْدُ لِمَنْ كان يصلِّي الصلاة والجُمُعات، ويقومُ بِحَقِّها لا لِمَنْ تغافَل عنها وجعلها وراءَ ظهره، حتى إذا حضرتِ الجمعةُ وأدركَ تلك الساعةَ طَمِع في أن يَحْصُل له ذلك الأَجْرُ. ثُمَّ رأيتُ نحوه عن كَعْب الأحبار عند «شارح الإحياء» وفي التوراة أن تلك الساعةَ بعد العَصْر. وهو الصَّواب عندي. ٩٣٥ - قوله: (وأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا). ولذا قلتُ: إن حديثَ أبي داود يَدُلُّ على التأخير الشديد في صلاةِ العَصْر. ٣٨ - باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الإِمَامِ وَمَنْ بَقِىَ جَائِزَةٌ ٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ قَالَ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِىَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِلَاّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا). أطرافه ٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩ - تحفة ٢٢٣٩

стр. 903

ولا تَصِح الجمعةُ عند الشافعي رحمه الله تعالى إلا إذا كان القومُ أربعين رجلا. وعندنا تَنْعَقِدُ بأربعةٍ مع الإِمام. وفي رواية: بثلاثة، فإن نفروا بعد التحريمة فهل يتم ظهرًا أو جمعة؟ راجِعْهُ في الفقه. قوله: (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) [الجمعة: ١١] فإن قلت: كيف وهم أتقى الناسِ في الأَرَضِين وأزهدُهم بعد الأنبياء والمرسلين؟ قلتُ: والجواب كما في «التوشيح» للسيوطي (١): أن الخُطبة في الجمعة كانت على شاكلة العيدين بعد الصلاة، ثم قدِّمت عليها. فلعلهم حَمَلوا استماعَها على الاستحباب، وظَنُّوه كسائر الخُطَبِ، ولم يَرَوْهُ عزيمةً عليهم، ولا سيما إذا كان عند النَّسائي: أنَّ النبيَّ ﷺ كان ينادي بعد العيدين أَنْ: «مَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَمْكُثَ فَلْيَمْكُث، وَمَنْ شاء أن يذهبَ فليذهب». وتَرَدَّد فيه الحفاظُ فَدَلَّ على التوسيع في خطبة العيدين. وفي «الدرُّ المختار». أن استماع جميع الخطب واجب. قلتُ: ولا يناسِبُ هذا التوسيع، بل ينبغي أن يُفَصَّل في الأمر. أما قوله في البخاري: «ونحن نصلِّي»، فهو على نحو تجوُّز من تعبيرِ سِلسلةِ الشيء بالشيء نفسه، فأطلق الصلاة على ما بقي من متعَلَّقات الصلاة. وهذا كما أنك تقول: اذهب للصلاة، مع أن الإمام لَمَّا يَخْطُب بعد. وذلك لأنك تَعُد الخُطْبَةَ والصلاةَ والدعاءَ كلَّها صلاةً لكونِها في سلسلةِ تسميةٍ للمجموع باسم العُمدة فيه. فلما كانت الصلاةُ هي المقصودةَ، والخطبةُ قبلها والدعاءُ بعدها من متعَلَّقاتِهَا، عَبَّروا عن المجموع بالصلاة. ولا يقولُ من أَهْل العُرْف واحدٌ منهم إنه يذهبُ للخُطبة. ثم للصلاة. ثم الدعاء مَثَلا، ولكنهم يعبِّرُون بالصلاة. فهذا هو الوجه في تصحيح ذلك المقال، فدع عنك القيل والقال. قوله: (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾) [الجمعة: ١١] وإنما سُمِّي لهوًا عتابًا. قالوا: ومِنْ هؤلاء الاثني عَشَر العشرةُ المُبشَّرَةُ. فائدة: قال شيخنا مولانا شيخ الهند: إنَّ الكلام كُلَّما صدَر من عظيم ازداد تَطَرّقَا للمجاز. قلتُ: بل كلامُ كلِّ عظيمٍ يحتوي على علومٍ كثيرة، ولذا تجِدُ الفَرْق بين القرآن والحديث. فكلامُ العظيم أَشْمَلُ، وكلامُ الأوساط أَصْرَح، لأن كلامَهم يكون منسلِخًا من علومٍ عديدة. فينزل إلى الصَّراحة لا محالة. ولذا ترى الناس يتناولون تصانيف الأَقْرَبَ فالأَقْرب بزمانهم، لأنه يكون أَشْبَهَ بذوقهم. ولذا أقول: إن مرادَ اللفظ لا يتعيَّنُ إلا بالتعامل، فإنه يَخْلُص به المرادُ، ويتميز

стр. 904

المقصودُ عن غيره، بخلاف اللفظ، فإنَّه وإن صُرِّح لكنه لا تنقطع عنه احتمالاتُ المجاز وغيره. وقد بلوتهم أنهم يسَوُّون القواعد للنقيضين، فأي رجاءٍ منها بعده، فإذا رأى أحدُهم حديثًا ضعيفًا وافق مذهبهُ يُسَوِّي له ضابطةً، ويقول: إن الضعيف يَنْجَبِر بِتَعدُّد الطرق. وإن رأى حديثًا صحيحًا خالف مذهبه يُسوِّي له ضابطةً أيضًا، ويقول: إنه شاذُّ، وهكذا جَرَّبْتُهم في مواضعَ يفعلون كذلك، فيجعلون القواعد حَسَب مرادهم من الطرفين. لا أريدُ به هَدْر هذا الباب، بل إن الطرد لا يليقُ به إذا اتضح ثورٌ من حِراء، وأين البيان بعد العيان؟ ٣٩ - باب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا ٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِى بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ. أطرافه ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٠ - تحفة ٨٣٤٣ قيل: إنه يشيرُ أنه ليس فيه حديثٌ عنده، ولذا أخرج حديث الظهر. وقيل: بل يشيرُ إلى القياس على الظهر، فالسُّنن قبل الجمعة مِثْلُها قبل الظهر. أما السُّنن البَعْدية فقد ثَبَت الحديثُ فيها عند مسلم. وأما القبلية فقال ابن تيمية: إنه لم تثبت فيه سُنَّةٌ مستقلة، بل كان الأمر فيها عندهم على الإِطلاق بِحسَب سعة الوقت، فكم شاؤوا صَلُّوا. قلتُ: ولو صَحَّ لفظ ابن ماجه: «قبل أن تجيء» المار آنفًا لَصَلَح حجةً للقبلية أيضًا. واحتج به الحافظ الزَّيلعي رحمه الله تعالى للقَبْلية كما مَرَّ، ولها رواية عند الزَّبِيدي في «شَرْح الإحياء» أيضًا. ثم الأَرجح عندي في البَعْدية أن يقدم الشَّفْع على الأربع كما ثبت عن ابن عمر ﵁. وثبت في أحاديث الأَرْبع والركعتان أيضًا. ٤٠ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] ٩٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِى مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ فَتَجْعَلُهُ فِى قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُهُ، وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ. أطرافه ٩٣٩، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩ - تحفة ٤٧٥٦ - ١٧/ ٢ ٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ بِهَذَا وَقَالَ مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَاّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. أطرافه ٩٣٨، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩ - تحفة ٤٧٠٦

стр. 905

٤١ - باب الْقَائِلَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ٩٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِىُّ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَقِيلُ. طرفه ٩٠٥ - تحفة ٥٥٩ ٩٤١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ الْقَائِلَةُ. أطرافه ٩٣٨، ٩٤١، ٢٣٤٩، ٥٤٠٣، ٦٢٤٨، ٦٢٧٩ - تحفة ٤٧٥٧ أَمْرٌ بعد الحَظْر فلا يفيد إلا الإِباحة. وهكذا فليقس عليه قوله: «لا تَفْعَلوا إلا بِأُمِّ القرآنِ» فلا يفيد الاستثناء غير الإباحة. ٩٣٨ - قوله: (على أَرْبِعَاءَ في مَزْرَعَةٍ) وكانت تلك المزرعةُ تُسْقى من بئئر بُضَاعة كما عند البخاري في: باب تسليم الرجال على النساءِ والنساء على الرِّجال، عن سَهْل قال: «كنا نَفْرَحُ بيوم الجمعة. قلتُ: ولِمَ قال: كانت عجوز لنا تُرْسِل إلى بُضَاعة ... إلخ، وليس التصريحُ به إلاّ في هذا الموضع. نَبَّه عليه الياقوتُ الحَمَوي في «مُعْجَم البلدان» ولم ينبه عليه غيره. وهذا هو مراد الطحاوي بكونه جاريًا في البساتين، أي كانت المزارِعُ تُسقى منها فلم يكن الماءُ يستقر فيها، وكان الماء ينبع فيها من التحت، ويخرج من الفَوْق وهو أيضًا نوعٌ من الجريان. والناس لَمَّا لَمْ يُدْرِكُوا مرادَه طَعَنوا فيه. ***

стр. 906

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٢ - كتاب الخَوْف ١ - باب صَلَاةِ الْخَوْفِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠١ - ١٠٢] ٩٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ يَعْنِى صَلَاةَ الْخَوْفِ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّى، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِى لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. أطرافه ٩٤٣، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥ - تحفة ٦٨٤٢ - ١٨/ ٢ فيها فوائد: الفائدة الأولى: في تحقيق صفات تلك الصلاة، وتَنْقيحها، وترجِيح بعضِها على بعضٍ من حيثُ التَّفَقُّه: فاعلم أنه قد ثبت فيها صفاتٌ عديدة سردَها أبو داود والنَّسائي، وكلها تؤول إلى ستةٍ كما نقحها ابن القيم في «زاد المعاد» وقال: إنَّ النَّاس حمَلوا الأحاديث فيها على صفاتٍ مستقلة مع كون أكثرِها من اختلاف الرواةِ. ونَقَل عن أحمد رحمه الله تعالى أن تلك الأحاديثَ الستةَ كُلُّهَا صِحاح. قلتُ: إن الصفاتِ كُلَّها جائزةٌ عند الكلّ، كما صرَّح به القُدوري في «التجريد» (١)، وعلي

стр. 907

القاري، وصاحب «الكنز» في المُسْتَصفى، وكذلك في عبارة الكَرْخي، و «مراقي الفلاح». فلا يُؤخذ بما في «فتح القدير»، ففيه إيهامٌ شديدٌ بعدَم جواز الصِّفات غير ما اختارها أصحابُ المتون، وكذا إيهامٌ في «فتح الباري» في «المغازي». والصَّواب أنها جائزةٌ كلُّها عند الكلِّ. كيف وقد صَحَّت الأَحاديثُ في كلها، فلا سبيل إلا بالتزام الجواز. نعم يجري الكلام في الترجيح. فالصِّفَةُ المشهورة في متون الحنفية: أنَّ الإمامُ يُصلِّي بالطائفة الأُولى ركعةً، وتذهبُ تلك وِجَاه العَدُو، وتجيء الطائفةُ التي لم تصلِّ بعدُ وتصلِّي خَلْفَه ركعةً. ثُمَّ يُسلِّم الإمامُ وتمضي هذه وِجاه العَدُو، وترجِعُ الأُولى وتركع ركعةً أُخرى، كالمسبوق وتُسَلّم، وتذهب إلى مكانِ الطائفة الثانية. وتجيءُ تلك وتُتِمُّ صلاتَها كاللاحق، وتركع ركعةً ثُمَّ تُسَلِّم. هذه صفتُها في عامّة متوننا، وهي أحسن الصفات باعتبار بقاء ترتيبِ الصلاة. ففيها فراغُ الإِمام قبل المُقْتدي دون العكس، وفيها فراغُ الطائفة الأولى أولا والثانيةِ ثانيًا كما يقتضيه الترتيب، إلا أنَّ فيها قُصورًا أيضًا، وهو كَثْرةُ الإياب والذهاب، وهذا مَشْيٌ في الصلاة دونَ الصلاةِ مَاشِيًا، فإن الصلاة ماشيًا لا تجوز عندنا. ولنا صفةٌ أخرى في الشروح، وليس فيها ذلك المحذور، وهي: أن الطائفة الثانية بعدما صلَّت ركعةً مع الإمام تُتِمَّ صلاتَها في مكانها وتُسَلِّمُ، ثُمَّ ترجِع الأُوْلى وتُتِم صلاتَها، فَقَلَّ فيها المشيُ أيضًا وإن لزِم فراغُ الثانية قبل الأولى. أما الشافعية فاختاروا أن الإمام يصلِّي بطائفةٍ ركعةً، ثم يقوم الإِمام ويُتِمُّون هؤلاء لأنفسِهم ويذهبون إلى العدو، وينتظرُ الإمام الطائفةَ الأخرى حتى إذا جاءت صلَّى بهم ركعةً، ويسلِّم. وتقومُ تلك الطائفةُ وتُتِم لأنفسِهم. وقال المالكية: إن الإمام بعد الركعةِ الأخرى ينتظرُ القومَ في القعدة، حتى إذا أدركوه في القَعدة يُسَلِّم بهم. وهذه الصفة وإن كانت أحسنَ بحسبِ قِلَّة المشي لكن فيها قَلْبُ موضوع الإمامة، فإنَّ الطائفةَ الأُولى فَرَغت قبل الإِمام، وفيها أنا لإمام ينتظرُ للطائفة الثانية، وللتسليم أيضًا عند المالكية، وإذا أشدُّ على الحنفية من كَثْرة المشي، ولعلَّ الشافعية رحمهم الله تعالى رَجَّحوها لضعف رابطة القدوة عندهم، فلم يَرَوا في ذلك الاختلال بأسًا، وهي قويةٌ عندنا فرأنيا كَثْرَةَ المشي أهونَ. الفائدة الثانية: في النظر في الآية، وما يترشح منها من صفة الصلاة، وذِكْر بعض الاعتبارات المناسبة: قد تكلموا في الآية، هل تثبت منها صفةُ صلاتِنا أم صفةُ صلاتِهم؟ فتكلم من الشافعية البيضاويُّ، ومن الحنفية صاحبُ «المدارك»، والشيخُ الآلوسي، وهذا الشيخ قابل «مقامات الحريري» بكتاب سمَّاه «المقامات الخيالية» لكنه لم يُطبع. والذي عندي أن الآية لا

стр. 908

توافِقُ واحدًا منهما بتمامه، بل سَلَكَت مسلك الإِجمال في موضع التفصيل. وأكبر ظني أن القرآن أَجْمَل فيه قصدًا ليتوسَّعَ الأَمْرُ، ولو صرَّح لَتَعَيَّنَتْ تلك الصِّفَةُ، فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] نُسِبَ إلى أبي يوسف رحمه الله تعالى أن صلاةَ الخوف كانت مخصوصةً بِعَهْد النبيِّ ﷺ لأنها شُرِعت حال كونه فيهم. وأما بعدَه فلا حاجةَ إليها فَتُصَلِّي هذه الطائفة خَلْفَ إمام، وتلك الطائفة خلفَ إمامٍ آخرَ على الصفة المعهودة، بخلافه ﷺ فإنَّ كلا منهم كان يتنافس أن يصلِّي خلفه، فاحتيج إلى صلاةِ الخوف. ولا دليلَ عليه عندي. فلعلَّهُ مسامحةٌ في النقل عنه، وذكر فيه صفة الركعةِ الواحدة وسكتَ عن حال الركعة الثانية، وكانت هي مَوْضِع الانفصال. ثم إنَّه عَبَّر عن صلاةِ الطائفةِ الأولى بالسجدة فقال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ... إلخ فتبادر منه أنهم بَعْد الركعة تَحَوَّلُوا إلى وِجَاه العدو ولم يُتِموا لأَنْفُسِهم بَعْدُ. ول أتموها لأَطلق عليها الصلاة، فإطلاقُ السجدةِ على صلاتِهم يؤيدُ الحنفيةَ، لأنه يَدُلُّ على عدم تمامية صلاتهم بعد، بخلافها على مذهب الشافعية، فإنهم يقولون: ثُمَّ إذا بدأ ذِكْر الطائفة الثانية قال: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء: ١٠٢] أي لم يدخلوا معك في التحريمة: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَعَبَّر عن ركعتها بالصلاة. فتبادَر منه أنهم أتمُّوا صلاتَهم في ذلك المكان. وهذا أقرب إلى الشافعية، فإنَّ الطائفة الثانية عندهم لا تَرْجع حتى تُتِمَّ صلاتها، ومِنْ ههنا قام البحث: فقال الحنفية: إن المراد من قوله: ﴿فَلْيُصَلُّواْ﴾ فليسجدوا بقرينةِ: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾. وقال الشافعية: المراد مِنْ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ فإذا صلوا بقرينة قوله: ﴿فليصَلُّوا﴾. والحاصل: أن لفظ السجدة في الطائفة الأولى أَقْرَبُ إلى الحنفية، ولفظ الصلاة في الطائفة الثانية أقربُ إليهم. نعم لو ذهبنا إلى الصِّفة التي في الشروح لانطبقت الآية على مذهبنا بجزئيها. فإنَّ الطائفة الأُولى ترجع بعد ركعة، وتجيء الطائفةُ الأخرى وتُتِمُّ صلاتَها أولا، ثم ترجع وهذه الصفة بعينها في الآية. ثم أقول من جانب الحنفية على صفة المتون: نكتةَ التعبيرِ لركعة الطائفة الثانية بالصلاة مع أن المرادَ منها هي الركعة، تُرِكَ، فإذا تركه على السجدة فلو أخذ في السجدة ولم يغير التعبير لدل على اتحاد السلسلة، وأن الطائفة الثانية تأخذ من حيث أنه لو قال: «ولتأتِ طائفةٌ أُخْرَى لم يُصَلّوا فليسجُدُوا معك» لتُوُهِّم منه شروعُ الطائفةِ الثانية من حيثُ تَرْكُها الأُولى، وهي السجدة، وإن لها هي تلك الركعة فقط، فعبَّر بالصلاةِ تنبيهًا على أن عليهم الصلاةَ تامةً، كالمسبوق. وذلك لما قاله سيبويه: إن الفاء للسَّرْد، والواو للجمع. ومعنى السَّرْد أنها تجعلُ الشيءَ في سلسلةٍ واحدةٍ. فالمجيءُ في قولك: جاءني زيدٌ فعمرٌو مجيءٌ واحدٌ، تَعَلَّق أولا بزيد، ثم بعمرو، لدلالة الفاء على عدم نقضِ سلسلة المجيء. بخلافه في قولك: جاءني زيدٌ وعَمْروٌ فإنهما مجيئانِ مجيءُ زيدٍ ومجيءُ عمرو. ولا دِلالة لها على كَوْن المجيء في سلسلةٍ أو في سلسلتين وحينئذٍ لو قال: ﴿فليسجُدُوا﴾ لدلت الفاء على اتحاد سلسلةِ سجدة الطائفة الأولى بسجدة الطائفة الثانية، لأن الكلام المليح أن يُفْتح من حيثُ ترك فإذا تركه

стр. 909

على السجدة فلو أخذ من السجدة ولم يغير التعبير لدل على اتحاد السلسلة وأن الطائفة الثانية تأخذ من حيث تَرْكُها الأُولى، مع أن المقصود صلاتُها برأسِها مستقلِةٌ. فإذا عُلِم أن الصلاة على الطائفة الثانية تامّةٌ، يُعلم حالُ الأولى بالمقايسة، وإن عَبَّر عن صلاتها بالجسدة (١). على أن تعبيرَ ركعتهم بالصلاة ليس نظرًا إلى حالهم، بل إلى حال إمَامِهِمْ، وصلاتُهُ قد تمت عَلى ذلك، وهؤلاء قد صلُّوا بصلاته، فعبَّر عن ركعتهم بالصلاة لذلك، ولا سيما على نظر الحنفية فإن صلاة الجماعة عندهم صلاةٌ واحدة بالعدد، وهي صلاة الإمام، وهي في حَقُّه فعله، وفي حق المأمومين مفعول به كما علمت تحقيقه. وتلك اعتبارات متناسبة تجري في كلام البلغاء، يذوقها من كانت قريحتُهُ ارتاضت بمثلها. قوله: (﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ﴾) [النساء: ١٠٢] قلتُ: وزِيْدَ لَفْظُ «الجِذْر» عند ذِكْر الطائفة الثانية، لأنهم آئبون من وِجاه العدو مُدْبِرين، فخِبف عليه أن يَهْجُمُوا عليهم، بخلاف الطائفة الأُولى (٢). قوله: (﴿وَلا جُنَاحَ عليكم إنْ كان بكم أذىً مِنْ مطرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضَي﴾) [النساء: ١٠٢]- يثقل عليكم حمله. قوله: (﴿أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾) [النساء: ١٠٢] ولكن ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ولَمَّا أَخَذَ القرآنُ المطرَ والمرضَ عذرًا في مواضعَ، اعتبره الشافعي رحمه الله تعالى عذرًا في مواضعَ، كالجَمْع بين الصلاة عندهم. الفائدة الثالثة: فيما يُستفاد منها في ركعات الصلاة. والظاهر من القرآن أن للإِمام ركعتين، وللقوم ركعةً ركعةً، كما ذهب إليه بعضُ السلف أيضًا وإن لم يذهب إليه من الفقهاءِ الأربعةِ أَحَدٌ. وهو مذهبُ جمور السَّلَف. وقال الجمهور: إنَّه اكتفَى بِذِكْر ركعةٍ للقوم، لأن الأُخْرى ليست لهم مع الإِمام، وإنما يصلُّونها لأَنفسهم، والقرآن بصدَدِ ذِكْر صلاة الإِمام والمأموم كيف صفتها، وقد ذهب بعضُ السلف إلا الاجتزاء بالتكبير فقط إِنْ تعذرت الصلاة. وأخذت منه أن التكبيرَ والأذكار رُوْحُ العبادة، فإذا تَعَذَّرت عادت إلى الأصل، ويمكن أن يكون التكبيرُ عندهم كالتَّشَبُّهِ بالمصلين عندنا حرمةً للوقت، ولا صلاةَ عندنا في حال المُسَايفة، فإذا تَعَذَّرَتْ تَأَخَّرَتْ. الفائدة الرابعة: في التنبيه على أنَّ القرآنَ لم يتعرضْ إلى بيانِ صفةِ الصلاة في غيرها:

стр. 910

واعلم أن القرآن لم يتعرض إلى بيان صفةِ صلاةٍ من الصلوات إلا صلاةَ الخوف، فقد تعرَّضَ إلى بيان صفتها شيئًا. وأما سائر الصلوات فاكتفى بِذِكْر أجزائها فقال: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال: ﴿واركَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وقال: ﴿فَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] وقال: ﴿ورتِّل القآرن ترتيلا﴾ [المزمّل: ٤] وقال: ﴿إِنَّ قُرْءانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. فذكرَ القيامَ والركوعَ، والسجودَ، والقراءة، والتسبيح، ولم يذكرِ لها صفةً. ولَعلَّك عَلِمت أني لا أقول بالمجاز في تلك الآيات: من إطلاق الجُزْء على الكلّ، ولا أقولُ إن المرادَ من الركوع هو الصلاة مثلا، بل المرادُ من الركوع هو الركوعُ نَفْسُه. لكن ما يتحققُ منه في ضِمن الصلاة، فالمأمورُ به هو هذه الأجزاءُ في ضمن الصلاة. وفائدة ذِكْرِهَا كذلك التنبيهُ على أهمِّ أَجزاء الصلاة. الفائدة الخامسة: في بيان أنها نزلت في قَصْر العدد أو في الصفة: واعلم أنهم أطالوا الكلام في تحقيق أنها نزلت في قَصْر العدد أو الصفة؟ أعني بِقَصْر العدد قَصْرَ الركعات، وهو في السَّفَر، وبِقَصْر الصفة قَصْرَ الجماعة، وهو في صلاة الخوف. وذلك لِعدم إدراكِ كلِّ طائفةٍ الجماعة بتمامها، فلهذه ركعةٌ ولهذه ركعة. وسمَّاه ابنُ القيِّم قَصْر الهيئة. وإنما اختلفوا فيه لأن قوله بَعْد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١] يشيرُ إلى أن القَصْر رخصةُ تَرْفيه لا رُخْصَةُ إِسقاط، حيثُ نَفَى الجُناح عن القَصْر فيجوز القَصْرُ وتَرْكُه، وحينئذٍ لو قلنا: إن الآية في قَصْر العدد قَوِي مذهبُ الشافعية، وإن قلنا إنها في قَصْر الصِّفة أو قَصْر الهيئة خرج عَمَّا نحن فيه، قيل: وهو الأرجح لاتِّسَاقِ النَّظْم حينئذٍ، ولو حملناه على الأول لا يكونُ لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ مفهومٌ، فإنَّ القَصْر في السفر جائزٌ بدون الخوف إجماعًا. والحاصل أنَّ الصُّوَر أربعٌ: الإِقامةُ مع الأَمْن وفيها الإِتمام إجماعًا. والسَّفَرُ مع الخوف وفيها القَصْر إجماعًا عددًا وصفةً. والسَّفَر مع الأَمْن ففيها الخلاف: قال الحنفية: إن القَصْر فيها حَتْمٌ. وقال الشافعية رحمهم الله تعالى: بل هو جائزٌ، والإِقامة مع الخوف ففيها قَصْر الصِّفة إجماعًا. والذي عندي أنها نَزَلت في قَصْر الهيئة واستتبعت قَصْر العددِ أيضًا، لأن صلاة الخوف لا تكون إلا في حال السفر عادةً، فإذا كان المخاطبون في حال السَّفر وواجهَهُم العَدُوُّ نزلَتْ صلاةُ الخوف، فالمقصودُ منها بيانُ قَصْر الصِّفة، إلا أنه ذكَر فيها قَصْر العددِ لكونهم مسافرين إذ ذاك. وقد مرَّ معنا في أوائل الكتاب في تحقيق كون الحدود كفارةً أو زواجِرَ أَنَّ القرآنَ ربما يَنْزِلُ بشيءٍ ثم يُومىءُ إلى مورد نزوله أيضًا، فيتضمن الكلامُ بَعْضَ ما في المورد مع عُموم الحُكْم. وحينئذٍ اندفع عنه السؤالُ المشهور كما عند مسلم عن عمرَ رضي الله تعالى عنه: «أن الله تعالى شَرَعَ القَصْر في السَّفَر عند الخوف، ونحن آمِنون الآن». - بالمعنى. وحاصل الدَّفْع أن الخوف ليس قيدًا لِقَصْر العدد، بل لأنَّ الآية نزلتْ في قصر الصِّفة، وهو مقيد بالخوف. أما القَصْر

стр. 911

للمسافر قَصْرُ العدد، فجاء ذِكْرهُ لكونهم مسافرين إذ ذاك، ولا تَعَلُّقَ لهذا القيد بِقَصْر المُسَافر (١). الفائدة السادسة: فيما اختاره البخاري من تلك الصفات: والظاهر أن البخاري اختار منها صِفَةَ الحنفية وكأَنَّ أقربَ الصفاتِ عنده بِنَظْم النص هي تلك. ولذا تلا الآية ثم ذَكر تلك الصفةَ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وحديثُهُ أصحُّ ما في الباب. ثم إنه لم يخرِّج صفة الشافعية في هذا الباب، وأخرجها في المغازي، وهذا أوْضَحُ القرائن على أنه اختار صفةَ الحنفية إن شاء اللَّهُ تعالى. الفائدة السابعة: في شَرْح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: فاعلم أنَّ حديثَ ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه يدلُّ على أن الطائفة الأُولى بعد الركعة انصرفت وِجَاهَ العَدُو. ثُمَّ جاءت الطائفةُ الثانيةُ ورَكعتْ مع الإِمام ركعةً ثم سَلَّم الإِمام. وهذا القَدْر موافِقٌ لمذهب الإمام، ولا يتأتى الحديثُ على مذهب الشافعية أصلا. نعم فيه قوله: «فقام كلُّ واحدٍ منهم فَرَكعَ لِنَفْسِه»، ففيه إبهامٌ أنهما كيف أَتَمَّا الركعة الثانية؟ والظاهر منه صِفَةُ الشروح على ما مَرَّت. ٢ - باب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ: قَائِمٌ. ٩٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا». أطرافه ٩٤٢، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥ - تحفة ٨٤٥٦ ولا صلاة عندنا ماشيًا ولا في حال المُسَايفة. والصلاةُ ماشيًا غيرُ المَشْي في الصلاة، فلا تَخْلِط بينهما. وكان الظاهرُ من قوله: «راجلا» أن تكون صلاةُ الخوفِ جائزةً ماشيًا، لكنه لما فَسَّرَهُ بالقائم دَلَّ أنه اختار مذهب الحنفية، ولم يجوِّز الصلاةَ ماشيًا. وكذا لا تجوزُ عندنا راكِبًا إذا كانت تسيرُ دابَّتُهُ، إلا إذا كان مطلوبًا. ٩٤٣ - قوله: (عن ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه نحوًا مِنْ قولِ مجاهد) وفيه إشكالٌ شديدٌ وإيهام نضيد. أما أولا: فلأنه لم ينقل قول ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه ما هو. وأما ثانيًا: فلأنه عَكَس في العبارة، والظاهر «عن مجاهدَ نحوًا من قول ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه» فإنَّ مجاهدًا

стр. 912

تابعي، وابنَ عمرَ رضي الله تعالى عنه صحابيٌّ، فينبغي إحالةُ التابعي على قولِ الصحابي. وأما ثالثًا: فلأن ما نَقَلَهُ لا يُفَهم له معنىً، ولذا اختلف الشارحان في تحصيل مرادِه، لأنه ذَكَر الشَّرْط ولم يذكر جزاءه، فقال: عن ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنه نحوًا من قول مجاهِدَ. قوله: (إِذَا اخْتَلَطُوا قِيامًا) ... إلخ وهذا كما ترى لا يظهَرُ له معنىً، فقال (١) الحافظ رحمه الله تعالى: إن «قيامًا» تصحيفُ «إنما». وحاصل مقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنهم إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنَّما هو الإشارة بالرأس. وأما قولُ مجاهد إذا اختلطوا فإنما هو إشارةُ الرأس. ولما كان بين قول ابن عمر ﵁ وقول مجاهد مغايرةٌ يسيرةٌ زاد لفظ: «نَحْوًا» من قول مجاهد، لأنه ليس لفظ الذِّكر في قول مجاهد، وإنما هو في قول ابن عمر ﵁. وحاصله: أن الإشارةُ بالرأس تكفي عند القتال إذا تعذبت الصلاة، وتجوز الإشارة عندنا أيضًا للراكب. وجوَّز محمد رحمه الله تعالى جماعةَ الراكبين خلافًا للشيخين. وراجع التفصيل في الفقه: قلتُ: وأخرج مالك رحمه الله تعالى صفتها عن ابن عمر ﵁ في «موطئه» وليس فيه ذِكْرُ مجاهد، ولا ذِكْر الإشارة بالرأس، فليحرره.

стр. 913

٣ - باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِى صَلَاةِ الْخَوْفِ ٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِىِّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِى صَلَاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. تحفة ٥٨٤٧ ولم أتحصَّل هذه الترجمةَ، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها بصفة دونَ صفة. ولقائل أن يقول: إنه تَرْجَم به لِذِكْر الحراسة في متن الحديث. فهذه الترجمةُ نظرًا إلى لفظِ الحديث لا إشارةً إلى مسألةٍ أو دَفْعَا لمغلطة. ثم إن الصورةَ المذكورة في الحديث أنفعُ فيما لو كان العَدُوُّ قِبَلَ القِبْلَةِ. ٩٤٤ - قوله: (فَكَبَّر وَكَبَّرُوا مَعَه) فاشتركوا كلّهم في التحريمة إلى الركوع، ثُمَّ اختلفوا في الركوع وتناوبوا فيه، وكذلك في السجود لاحتياجهم إلى الحراسة فيهما. قوله: (وَأَتَتِ الطائفةُ الأُخْرَى) يعني أن الطائفة الأُولى تَسْتَأَخِرُ بعد ركعةٍ وتتقدم الطائفةُ الأُخْرَى إلى مكانِ الأُوْلى، لا أنها كانَتْ ذهبتَ لَوَجْهٍ، ثم أتت ههنا، ولا أدري لِتَقَدُّم هؤلاء وتأخُّر هؤلاء وجهًا غير أنه أُرِيد به استيفاءُ أَجْر الصفِّ الأول للطائفةِ الثانية أيضًا. فإن قلتَ: إذا لم يَعْتَن بالصفِّ الأول في الصلوات الخمس بهذه المناسبةِ، فَمَنْ سَبَق إليه سَبَق، فأيّ اعتناء به ههنا حيث يتقدَّمُ هذا ويتأخَّرُ هذا. قلتُ: والوَجْه أن التأخُّر في الصلوات الخمس كان مِنْ جهته، بخلافه ههنا، فإنَّ الإِمامَ جَعَلَهُمْ صَفَّين فتقدَّم بعضٌ وتأَخَّر بعضٌ بِأَمْرِه، فتدارَكَهُ بهذا الطريق. ٤ - باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَقَالَ الأَوْزَاعِىُّ إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَاّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِى مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أَنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. ٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ

стр. 914

النَّبِىُّ ﷺ «وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ». قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا. أطرافه ٥٩٦، ٥٩٨، ٦٤١، ٤١١٢ - تحفة ٣١٥٠ - ١٩/ ٢ يعني إذا نهض كلُّ فريقٍ إلى صاحبِهِ ودخل في الحرب، وقد علمتَ أنه لا صلاةَ عندنا في حال المُسَايفة، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّها يومَ الأَحزاب. قوله: (تُسْتَر) مُعَرَّب «شوستر». و «ما يَسُرُّني بِتلك الصلاةِ الدُّنْيا وما فيها». قيل: يعني بها الفائتةَ، قاله تَأَسُّفًا على فواتها. أقول: ولعلَّ المراد بها الصلاةُ التي أَدَّاهَا، فإنها فَاتَتْ عنه لأَجْل شَغْل الجهاد. ٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِىِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ، وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَاّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ». ٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَاّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ». فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. طرفه ٤١١٩ - تحفة ٧٦١٥ وهذا عامٌّ في الخوف وغيره. وقد مرَّ أن صلاةَ الطَّالِب لا تصح عندنا بالإِيماء، بخلاف المطلوب على ظَهْرِ الدابة. ولا تمسُّك فيه، لأنهم كانوا مطلوبين. قوله: (لا يُصَلِّيْنَّ أَحَدٌ العَصْر إلا فِي بني قُرَيْظَة) وكان هؤلاء طالبين، والظاهر أنَّ النبيَّ ﷺ إذا كان أَمَرَهُم بالتعجيل فَلَعَلَّهم لم ينزلوا عن ظهور دَوَابِّهِمْ وَصَلُّوا عليها. قلتُ: وتَمَسُّكُ المصنِّف رحمه الله تعالى به في غاية الضَّعْف، فإنَّه تَمَسَّكَ بالسكوتِ وليس فيه أنهم صلوا رُكْبَانَا أَوْ قائمين. ثُمَّ إِنَّ أَمْرَ النبيَّ ﷺ إياهم بهذا التعجيل على نظير تعجيل موسى ﵇، حين أُمِر أَنْ يذهب إلى فرعونَ، وتَرَك زوجتَهُ وهي في المَخَاضِ، وكتعجيلِ إِبراهيم ﵊ حيثُ تَرَكع زوجتَهُ وهي في العَرْصَةِ الخالية، حيث لا ماء ولا كلأَ. فهذا نحو تَأَسَ بالأنبياء ﵈ في التبادر بالامتثال. ٦ - باب التَّبْكِيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ ٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ

стр. 915

خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِى السِّكَكِ وَيَقُولُونَ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ - قَالَ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ - فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِىَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِىِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. أطرافه ٣٧١، ٦١٠، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٥٩٦٨، ٦١٨٥، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣ تحفة ٣٠١، ٢٩١، ١٠١٧، ١٠١٥ وهذا هو التكبير الذي كان في الجيوش، وعند الحروب. وفي نسخة: التكبير. ٩٤٧ - قوله: (وصَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَس) يعني في غزوة خَيْبر، لا أنه كان سُنَّةً مستمرةً ليُسْتَدلَّ به في مسألةِ المواقيت. ***
следующие страницы →