للمسافر قَصْرُ العدد، فجاء ذِكْرهُ لكونهم مسافرين إذ ذاك، ولا تَعَلُّقَ لهذا القيد بِقَصْر المُسَافر (١).
الفائدة السادسة: فيما اختاره البخاري من تلك الصفات: والظاهر أن البخاري اختار منها صِفَةَ الحنفية وكأَنَّ أقربَ الصفاتِ عنده بِنَظْم النص هي تلك. ولذا تلا الآية ثم ذَكر تلك الصفةَ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وحديثُهُ أصحُّ ما في الباب. ثم إنه لم يخرِّج صفة الشافعية في هذا الباب، وأخرجها في المغازي، وهذا أوْضَحُ القرائن على أنه اختار صفةَ الحنفية إن شاء اللَّهُ تعالى.
الفائدة السابعة: في شَرْح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: فاعلم أنَّ حديثَ ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه يدلُّ على أن الطائفة الأُولى بعد الركعة انصرفت وِجَاهَ العَدُو. ثُمَّ جاءت الطائفةُ الثانيةُ ورَكعتْ مع الإِمام ركعةً ثم سَلَّم الإِمام.
وهذا القَدْر موافِقٌ لمذهب الإمام، ولا يتأتى الحديثُ على مذهب الشافعية أصلا. نعم فيه قوله: «فقام كلُّ واحدٍ منهم فَرَكعَ لِنَفْسِه»، ففيه إبهامٌ أنهما كيف أَتَمَّا الركعة الثانية؟ والظاهر منه صِفَةُ الشروح على ما مَرَّت.
٢ - باب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا
رَاجِلٌ: قَائِمٌ.
٩٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا. وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا». أطرافه ٩٤٢، ٤١٣٢، ٤١٣٣، ٤٥٣٥ - تحفة ٨٤٥٦
ولا صلاة عندنا ماشيًا ولا في حال المُسَايفة. والصلاةُ ماشيًا غيرُ المَشْي في الصلاة، فلا تَخْلِط بينهما. وكان الظاهرُ من قوله: «راجلا» أن تكون صلاةُ الخوفِ جائزةً ماشيًا، لكنه لما فَسَّرَهُ بالقائم دَلَّ أنه اختار مذهب الحنفية، ولم يجوِّز الصلاةَ ماشيًا. وكذا لا تجوزُ عندنا راكِبًا إذا كانت تسيرُ دابَّتُهُ، إلا إذا كان مطلوبًا.
٩٤٣ - قوله: (عن ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه نحوًا مِنْ قولِ مجاهد) وفيه إشكالٌ شديدٌ وإيهام نضيد. أما أولا: فلأنه لم ينقل قول ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه ما هو. وأما ثانيًا: فلأنه عَكَس في العبارة، والظاهر «عن مجاهدَ نحوًا من قول ابن عمرَ رضي الله تعالى عنه» فإنَّ مجاهدًا
стр. 912
تابعي، وابنَ عمرَ رضي الله تعالى عنه صحابيٌّ، فينبغي إحالةُ التابعي على قولِ الصحابي. وأما ثالثًا: فلأن ما نَقَلَهُ لا يُفَهم له معنىً، ولذا اختلف الشارحان في تحصيل مرادِه، لأنه ذَكَر الشَّرْط ولم يذكر جزاءه، فقال: عن ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنه نحوًا من قول مجاهِدَ.
قوله: (إِذَا اخْتَلَطُوا قِيامًا) ... إلخ وهذا كما ترى لا يظهَرُ له معنىً، فقال (١) الحافظ رحمه الله تعالى: إن «قيامًا» تصحيفُ «إنما». وحاصل مقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنهم إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنَّما هو الإشارة بالرأس. وأما قولُ مجاهد إذا اختلطوا فإنما هو إشارةُ الرأس. ولما كان بين قول ابن عمر ﵁ وقول مجاهد مغايرةٌ يسيرةٌ زاد لفظ: «نَحْوًا» من قول مجاهد، لأنه ليس لفظ الذِّكر في قول مجاهد، وإنما هو في قول ابن عمر ﵁.
وحاصله: أن الإشارةُ بالرأس تكفي عند القتال إذا تعذبت الصلاة، وتجوز الإشارة عندنا أيضًا للراكب. وجوَّز محمد رحمه الله تعالى جماعةَ الراكبين خلافًا للشيخين. وراجع التفصيل في الفقه: قلتُ: وأخرج مالك رحمه الله تعالى صفتها عن ابن عمر ﵁ في «موطئه» وليس فيه ذِكْرُ مجاهد، ولا ذِكْر الإشارة بالرأس، فليحرره.
стр. 913
٣ - باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِى صَلَاةِ الْخَوْفِ
٩٤٤ - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِىِّ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ، وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ، وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِى صَلَاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. تحفة ٥٨٤٧
ولم أتحصَّل هذه الترجمةَ، فإن الحراسة مرعية في الصفات كلها، ولا اختصاص لها بصفة دونَ صفة. ولقائل أن يقول: إنه تَرْجَم به لِذِكْر الحراسة في متن الحديث. فهذه الترجمةُ نظرًا إلى لفظِ الحديث لا إشارةً إلى مسألةٍ أو دَفْعَا لمغلطة. ثم إن الصورةَ المذكورة في الحديث أنفعُ فيما لو كان العَدُوُّ قِبَلَ القِبْلَةِ.
٩٤٤ - قوله: (فَكَبَّر وَكَبَّرُوا مَعَه) فاشتركوا كلّهم في التحريمة إلى الركوع، ثُمَّ اختلفوا في الركوع وتناوبوا فيه، وكذلك في السجود لاحتياجهم إلى الحراسة فيهما.
قوله: (وَأَتَتِ الطائفةُ الأُخْرَى) يعني أن الطائفة الأُولى تَسْتَأَخِرُ بعد ركعةٍ وتتقدم الطائفةُ الأُخْرَى إلى مكانِ الأُوْلى، لا أنها كانَتْ ذهبتَ لَوَجْهٍ، ثم أتت ههنا، ولا أدري لِتَقَدُّم هؤلاء وتأخُّر هؤلاء وجهًا غير أنه أُرِيد به استيفاءُ أَجْر الصفِّ الأول للطائفةِ الثانية أيضًا. فإن قلتَ: إذا لم يَعْتَن بالصفِّ الأول في الصلوات الخمس بهذه المناسبةِ، فَمَنْ سَبَق إليه سَبَق، فأيّ اعتناء به ههنا حيث يتقدَّمُ هذا ويتأخَّرُ هذا. قلتُ: والوَجْه أن التأخُّر في الصلوات الخمس كان مِنْ جهته، بخلافه ههنا، فإنَّ الإِمامَ جَعَلَهُمْ صَفَّين فتقدَّم بعضٌ وتأَخَّر بعضٌ بِأَمْرِه، فتدارَكَهُ بهذا الطريق.
٤ - باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ
وَقَالَ الأَوْزَاعِىُّ إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ، حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَاّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِى مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. وَقَالَ أَنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِىِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ. فَقَالَ
стр. 914
النَّبِىُّ ﷺ «وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ». قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا. أطرافه ٥٩٦، ٥٩٨، ٦٤١، ٤١١٢ - تحفة ٣١٥٠ - ١٩/ ٢
يعني إذا نهض كلُّ فريقٍ إلى صاحبِهِ ودخل في الحرب، وقد علمتَ أنه لا صلاةَ عندنا في حال المُسَايفة، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّها يومَ الأَحزاب.
قوله: (تُسْتَر) مُعَرَّب «شوستر». و «ما يَسُرُّني بِتلك الصلاةِ الدُّنْيا وما فيها». قيل: يعني بها الفائتةَ، قاله تَأَسُّفًا على فواتها. أقول: ولعلَّ المراد بها الصلاةُ التي أَدَّاهَا، فإنها فَاتَتْ عنه لأَجْل شَغْل الجهاد.
٥ - باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، رَاكِبًا وَإِيمَاءً
وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِىِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ، وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَاّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ».
٩٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَاّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ». فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. طرفه ٤١١٩ - تحفة ٧٦١٥
وهذا عامٌّ في الخوف وغيره. وقد مرَّ أن صلاةَ الطَّالِب لا تصح عندنا بالإِيماء، بخلاف المطلوب على ظَهْرِ الدابة. ولا تمسُّك فيه، لأنهم كانوا مطلوبين.
قوله: (لا يُصَلِّيْنَّ أَحَدٌ العَصْر إلا فِي بني قُرَيْظَة) وكان هؤلاء طالبين، والظاهر أنَّ النبيَّ ﷺ إذا كان أَمَرَهُم بالتعجيل فَلَعَلَّهم لم ينزلوا عن ظهور دَوَابِّهِمْ وَصَلُّوا عليها.
قلتُ: وتَمَسُّكُ المصنِّف رحمه الله تعالى به في غاية الضَّعْف، فإنَّه تَمَسَّكَ بالسكوتِ وليس فيه أنهم صلوا رُكْبَانَا أَوْ قائمين. ثُمَّ إِنَّ أَمْرَ النبيَّ ﷺ إياهم بهذا التعجيل على نظير تعجيل موسى ﵇، حين أُمِر أَنْ يذهب إلى فرعونَ، وتَرَك زوجتَهُ وهي في المَخَاضِ، وكتعجيلِ إِبراهيم ﵊ حيثُ تَرَكع زوجتَهُ وهي في العَرْصَةِ الخالية، حيث لا ماء ولا كلأَ. فهذا نحو تَأَسَ بالأنبياء ﵈ في التبادر بالامتثال.
٦ - باب التَّبْكِيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ
٩٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ «اللَّهُ أَكْبَرُ
стр. 915
خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ». فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِى السِّكَكِ وَيَقُولُونَ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ - قَالَ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ - فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِىَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِىِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا. فَتَبَسَّمَ. أطرافه ٣٧١، ٦١٠، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٥٩٦٨، ٦١٨٥، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣ تحفة ٣٠١، ٢٩١، ١٠١٧، ١٠١٥
وهذا هو التكبير الذي كان في الجيوش، وعند الحروب. وفي نسخة: التكبير.
٩٤٧ - قوله: (وصَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَس) يعني في غزوة خَيْبر، لا أنه كان سُنَّةً مستمرةً ليُسْتَدلَّ به في مسألةِ المواقيت.
***
стр. 916
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٣ - كتاب العِيدَين
١ - باب فِى الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ
٩٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِى السُّوقِ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ». وَأَرْسَلْتَ إِلَىَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ». أطرافه ٨٨٦، ٢١٠٤، ٢٦١٢، ٢٦١٩، ٣٠٥٤، ٥٨٤١، ٥٩٨١، ٦٠٨١ تحفة ٦٨٤٥ - ٢٠/ ٢
وعندنا شرائِطُهما شرائِطُ الجُمعة، وكذا تكبيراتُ التشريق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، خلافًا لصاحبيه، فإِنه يكبِّرُ في القُرى أيضًا.
٩٤٨ - قوله: (من إِسْتَبْرَقٍ) وهو الحريرُ الغليظ، ويقال للرقيق السُّنْدُس. وقد علمت أن المِلْك يعتمد على الاستمتاع في الجملة، والحريرُ جائزٌ للنِّسَاءِ فلا بَأْسَ بِبَيْعه وشرائِهِ.
٢ - باب الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِىَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِى وَقَالَ مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ «دَعْهُمَا» فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. أطرافه ٩٥٢، ٩٨٧، ٢٩٠٧، ٣٥٣٠، ٣٩٣١ - تحفة ١٦٣٩١
٩٤٩ - قوله: (جَارِيَتَانِ تَغَنِّيَانِ) وقد مرَّ معنا أن النَّظر إلى الأجنبية: وجهها وكَفَّيها يجوزُ في المذهب عند الأمن من الفتنة، ويُمْنَع عنه في الفتوى سدًّا للباب. وفي «الخارج»: أنهما كانتا تدففان أيضًا.
٩٤٩ - قوله: (فَاضْطَجَع على الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) وفي رواية: أنهما اتَّقَتَا الدُّفَّ لما دخل عمرُ
стр. 917
رضي الله تعالى عنه. فقال النبيُّ ﷺ «إن الشيطانَ لا يدخُلُ فَجَا دَخَلَ فيه عمر (١) رضي الله تعالى عنه»، أو كما قال. واستُشْكِل أنه إذا أباح غناءهن أولا، فكيف عدَّه من الأمور المُنْكَرة التي تَحْضُرُها الشياطين آخِرًا.
قلتُ: وليعلم أن المُغَنِّي يُسمَّى مَنْ يَنْشُد بتمطيطٍ، وتكسير وتهييج، وتشويق بما فيه تعريضٌ بالفواحش، أو تصريحٌ بها. وفي الحديث الآتي عند البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «وَلَيْسَتَا بِمُغْنِّيَتَيْنِ». قال القُرْطُبِي في «شرحه»: لَيْسَتَا مِمَّنْ يعرفُ الغِنَاء كما تعرِفْه المغنياتُ المعروفات بذلك. ولا أرى المُحَدِّثين يبيحون الغناءَ. أما المعازف فَنَقَل قومٌ الإِجماع على تحريمها. ونَقَل العيني رحمه الله تعالى في «شرح الكنز» عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في: باب ردّ الشهادة حُرْمَةُ التغني مطلقًا، ولي جَزْمٌ بأنه ليس نَفْيًا للأصل، بل بِحَسَب الأحوال. وأَبَاحَهُ ابنُ حَزْم، وإليه مال الغزالي في «الإِحْيَاء». ثم حُرِّر أن بعضَ المباحات تصِيْرُ صغيرةٍ بالإِصرار على نحو ما قالوا: إن الصغيرةَ تصيرُ بالإِصرار كبيرة.
قلتُ: وهو تحقيقٌ جيدٌ أَحْرى بالقَبول. وأيُّ بُعْدٍ في صيرورةِ المباح صغيرةً إذا كان بعضُ المباحات أَبغضَ عند الله تعالى، كما عند ابن ماجه: «أن أبغض المباحاتِ عند الله الطلاقُ»، فوَصَفَ الطلاقَ المباح بكونه مبغوضًا، وحينئذٍ لا بُعْد في بلوغه مرتبةَ الصغيرة بالإِصرار.
ومن هذا الباب ما عند أببي داود: «مَنْ سَرَّه أَنْ يَتَمَثَّل له الناسُ قيامًا فليتبوأ مقعدَهُ من
стр. 918
النار». ومع ذلك ثبت عن النبيِّ ﷺ في باب ذَهاب النساءِ والصِّبيان إلى العرس عند البخاري «أنه قام لهم مُمتنًا». وفي نسخة: «مثيلا». وفي لفظ: «ممثلا». اهـ. وذلك لاختلاف الأحوال فيه. فالشيء قد يكون مِنْ آخِر مراتب الإِباحة بحيث لا تبقى بعدها إلا مرتبةُ المنع. وفيها تتجاذبُ الإباحة والنهي فيبَاحُ لكونها كذلك في نَفْس الأمر. ويُنْهَى عنه لكونِهِ يُخشى أن تَنْجَرَّ فتقع في الحرام. وأحسنُ الطُّرق وأعدلُهَا ما اختاره النبيُّ ﷺ فَحَوَّل وجهه عنه. وفي رواية: «غط»، دلالةٌ على أنه وإن أغمضَ وسامح عنه، لكنه ليس راضيًا ولا مُتَلَذِّذًا به. فلو نهى عنه صراحةً لَفُقِدت الإباحة، ولو لم يَغْمُض عنه وَحَظِي به لارتفعت الكراهة أصلا. وهذا هو حالُ الإِباحة المرجوحة.
ولعلك عَلِمْت منه الفَرْقَ بين طريق النبي ﷺ وبين أبي بكر ﵁ حيثُ كان طريقُه الإِغْماض، وطريقُ أبي بكر السَّخَطَ والاغتياظ، فلو سلك النبيُّ ﷺ طريقَ أبي بكر ﵁ لَحَرَّمَ الغناء، ولم تَبْقَ منه مرتبةٌ في حدِّ الجواز. ولو فَعَل أبو بكر ﵁ مِثْلَ ما فعله النبي ﷺ لم يُسْتَحْسن منه، لأنه لا يُحرَّم ولا يَحِل بإِنكاره شيءٌ، فالأليق بشأنهِ ما يَنْسَدُّ به الباب.
وقال الشاه إسماعيل: إنه كان فِعْل الشيطان، لكن ليس كُلُّ فِعْلِه حرامًا وإن كان قبيحًا. وهو أيضًا يؤوَّلُ إلى ما قلنا آنِفًا. وحينئذٍ فالحاصل أنه فرّق بين قليل الغناء وكثيرهِ، والاعتيادِ به وعدِمه. فالقليل منه مباحٌ والإِصْرار يَبْلُغُ حَدَّ الْمُنْع، وبِمْثله الفَرْقُ في الدُّفِّ.
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لو كان بطريق الإِلهام فممنوعٌ. ثم إن الفَرْق بالقلة والكثرة شَائِعٌ: ففي فِقْهنا أنالأشربة من غير الأربعة يجوزُ القليلُ منها دون الكثير، وكذا الحرير يجوزُ بِقَدْر الأصابع الأربعة دون الكثير، وهكذا في القرآن: ﴿إلا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفةً مِنْهُ﴾ (البقرة: ٢٤٩) فأباح الغَرْفة ومنع عمَّا زاد. ومن هذا الباب حديث الائتمام: «إنما جُعِل الإِمَامُ لِيؤتَمَّ به»، وفيه: «إِذَا صلى قاعِدًا فصلوا قعودًا». ليس فيه إلا أَحَبِّيةُ القعودِ وجوازُ القيام كما استقرَّ عليه الحافظ رحمه الله تعالى. وراجع مسألة القيام من «المدخل» لابن الحاج المالكي.
قوله: (مِزْمَارةُ الشَّيْطَانِ) (بانسرى)، وذكرها بطريق الإِلزام وإلاّ فلم تكن هناك مِزْمَارة.
٩٥٠ - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَإِمَّا قَالَ «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ». فَقُلْتُ نَعَمْ. فَأَقَامَنِى وَرَاءَهُ خَدِّى عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ «دُونَكُمْ يَا بَنِى أَرْفِدَةَ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ «حَسْبُكِ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَاذْهَبِى». أطرافه ٤٥٤، ٤٥٥، ٩٨٨، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٥١٩٠، ٥٢٣٦ - تحفة ١٦٣٩١
٩٥٠ - قوله: (بَنُو أَرْفِدَة) لَقَبٌ للحبشَةِ، ثم قيل: إنها واقِعَةٌ قبل نزولِ الحِجَاب (١).
الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِى فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ. فَقَالَ أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ. فَقُلْتُ مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ. فَقَالَ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ. تحفة ٤٢٧١
واعلم أن السُّنة أن يخرجَ الإِمام بدون مِنْبر. فإن النبيَّ ﷺ هكذا كان يخرج ولم يكن مِنْبرٌ بالمُصلَّى أيضًا. نعم يُعْلم من الروايات أنه كان هناك موضعٌ مرتَفع يخطُب عليه، لما في البخاري «ثُمَّ نَزَل»، ثم بَنَاهُ كَثِير بن الصَّلْت في عهد الخلفاء من لَبِن وطِين. ثم إن من السُّنة تقديمَ الصلاةِ على الخُطبة. وإنما قَدَّمها مراونُ على الصلاةِ لأنه كان يَسُبُّ عليًا ﵁ وكان الناس يقومون عنها، فقدَّمها على الصلاةِ لهذا. وأما تقديمُ عثمانَ ﵁ فكان لِمَصْلَحةٍ أُخرى (١).
٧ - باب الْمَشْىِ وَالرُّكُوبِ إِلَى الْعِيدِ والصلاة قبل الخطبة بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ
٩٥٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى فِى الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. طرفه ٩٦٣ - تحفة ٧٨٠٥
٩٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. طرفاه ٩٦١، ٩٧٨ - تحفة ٢٤٤٩
٩٥٩ - قَالَ وَأَخْبَرَنِى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِى أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ. تحفة ٥٩٢٠
٩٦٠ - وَأَخْبَرَنِى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى. تحفة ٥٩٢٠، ٢٤٥٦ - ٢٣/ ٢
٩٦١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَّمَا فَرَغَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهْوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِى فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً. قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَتَرَى حَقًّا عَلَى
стр. 922
الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِىَ النِّسَاءَ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا طرفاه ٩٥٨، ٩٧٨ - تحفة ٢٤٥٦
واعلم أنه لم يَثْبُ الأذانُ والإِقامةُ للعيدين في عهد النبيِّ ﷺ وإنما تفرَّد به ابنُ الزُّبير ﵁. وكم له مِثْلُ هذه التفردات كما مرَّ من قبل. نعم كان بلالٌ ينادي بالصلاة جامعةً، ولذا أُجيز بنحوه في الكُسوف أيضًا. ونعم ما قال أحمد رحمه الله تعالى: الأصلُ في العبادات أن لا يُشْرِع منها إلا ما شرعه اللَّهُ، والأَصل في المعاملات أن لا يُحْذَر منها إلا ما حَذَّرَ اللَّهُ منه.
٨ - باب الْخُطْبَةِ بَعْدَ الْعِيدِ
٩٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - رضى الله عنهم - فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. أطرافه ٩٨، ٨٦٣، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - تحفة ٥٦٩٨
٩٦٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رضى الله عنهما - يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. طرفه ٩٥٧ - تحفة ٧٨٢٣
٩٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ، تُلْقِى الْمَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا. أطرافه ٩٨، ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - تحفة ٥٥٥٨
٩٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ الشَّعْبِىَّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِى يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّىَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِى شَىْءٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ وَعِنْدِى جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ «اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ تُوفِىَ أَوْ تَجْزِىَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». أطرافه ٩٥١، ٩٥٥، ٩٦٨، ٩٧٦، ٩٨٣، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣ - تحفة ١٧٦٩
حدثنا أبو عاصم: أخبرنا ابن جُرَيج قال: أخبرني حسن بن مسلم، عن طاوس. واعلم أن الحسن هذا من أَخصِّ تلامذة طَاوُس وهو يسأل عن رَفْع اليدين ويحقِّقُه عن طَاوُس. فعلم أن رَفْعَ اليدين ليس شيئًا بديهيًا كما فَهِمه الخُصومُ. ثم الحسنُ هذا من رواة البخاري.
٩٦٤ - قوله: (لم يُصَلِّ قَبْلَها ولا بَعْدَهَا). وفي «البحر»: لا يُصلِّي فيه صلاةَ الضُّحَى أيضًا وإن اعتاد عليها. وعن عليَ ﵁ أنه رأى رجلا يُصلِّي بالمُصَلَّى، فقال له الناس: «ألا
стр. 923
تَنْهَى عنها؟ قال: لم أَرَ النبيَّ ﷺ يصليها في ذلك اليوم، إلا أني لا أمنُعه خشيةَ أن أدخل في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٩، ١٠]. وقال مولانا عبد الحيِّ رحمه الله تعالى: إن عدَمَ ثبوتِ الصلاة عن النبيِّ ﷺ بالمُصَلَّى، لا يدل على كراهة الصلاة فيه في ذلك اليوم. قلتُ: بل يَصْلُحُ حجةً عند المجتهد، فله أن يَحْمِل هذا العدمَ لكون الصلاةِ في ذلك مكروهةً بالمصلى، كما قررت في مسألة المحاذاة. ومطالبةُ النصوص في مواضع الاجتهاد وليس دأبًا صحيحًا.
٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِى الْعِيدِ وَالْحَرَمِ
وَقَالَ الْحَسَنُ نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ يَوْمَ عِيدٍ إِلَاّ أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا.
٩٦٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِى أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ فَقَالَ الْحَجَّاجُ لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَنْتَ أَصَبْتَنِى. قَالَ وَكَيْفَ قَالَ حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِى يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ وَلَمْ يَكُنِ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ. طرفه ٩٦٧ - تحفة ٧٠٦٣ - ٢٤/ ٢
٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ كَيْفَ هُوَ فَقَالَ صَالِحٌ. فَقَالَ مَنْ أَصَابَكَ قَالَ أَصَابَنِى مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِى يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ، يَعْنِى الْحَجَّاجَ. طرفه ٩٦٦ - تحفة ٧٠٧٨
ولم يُتعرَّض إلى هذه المسألة في كُتُبنا لا نَفْيًا ولا إثباتًا. وأتى المصنف رحمه الله تعالى بلفظ «من» - وهي للتبعيض عندي - في جميع كتابه، فتكون إشارةً إلى التقسيم فيه.
٩٦٦ - قوله: (أَنْتَ أَصَبْتَنِي) معناه أَنك صِرْتَ سببًا لذلك، لأنك إذا أجَزْتَ حَمْلَ السلاح في ذلك اليوم، فأصابتني جِراحةٌ من حَرْبة، فكأَنك أصبتني بها. ولولا أنت أجزت حَمْلَ السلاح لما كان كذلك. أو يقال: إن الحجَّاج حَسَد على ابن عمر ﵁، وأراد أن لا يرجِع إليه الناسُ في فتاواهم. فأشارَ إلى رجلٍ أن يُصِيبَهُ بحربة مسمومةٍ ففعل، ومات ابنُ عمرَ ﵁ من أثر هذه الجراحةِ، فَعَرَّض إلى ذلك.
١٠ - باب التَّبْكِيرِ إِلَى الْعِيدِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِى هَذِهِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ.
٩٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ خَطَبَنَا النَّبِىُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِى يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّىَ
стр. 924
ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِى شَىْءٍ». فَقَامَ خَالِى أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّىَ وَعِنْدِى جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. قَالَ «اجْعَلْهَا مَكَانَهَا - أَوْ قَالَ اذْبَحْهَا - وَلَنْ تَجْزِىَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». أطرافه ٩٥١، ٩٥٥، ٩٦٥، ٩٧٦، ٩٨٣، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣ تحفة ١٧٦٩
واعلم أن السُّنة في العيد أن تُصَلَّى عَقِيْبَ خروجِ وَقْت الكراهة، فإنْ قضيَتْ في أول يوم فلا قضاء لها عند الإِمام رحمه الله تعالى، إلا عِنْد صاحبيه رحمهما لله تعالى، فإنها تجوز في اليوم الثاني أيضًا. وراجع التفصيل في الفقه. وفي نسخة: «التكبير» بدل «التبكير».
والتكبير سنةٌ جهرًا للأضحى، وللفِطْر سِرًّا عند ابن الهمام رحمه الله تعالى. ومنع منه «صاحبُ البحر» أصلا.
قال الشيخ ابنُ الهُمَام رحمه الله تعالى: إن التكبيرَ ذِكْرُ الله، كيف يُنْهى عنه فهو في الأحوال كلِّها. وقال ابن نُجَيم رحمه الله تعالى: إنَّ حقيقة البدعة هي - هو يعني - جَعْلُ أَمْرٍ لم يثبت عن السلف رحمهم الله تعالى معمولا به.
قلتُ: والقويُّ ما ذهب إليه ابنُ الهُمام، فقد أخرج الطحاوي رحمه الله تعالى رواياتٍ تَدُلُّ على ثبوتِ التكبير عند السَّلف، بل على الجَهْر أيضًا، فالمختار عندي أن يأتي به في الفِطْر أيضًا.
١١ - باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ أَيَّامُ الْعَشْرِ، وَالأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِى أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِىٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ.
واعلم أن العبادة في تلك العشرة أفضلُ منها في سائر السَّنَة، حتى قيل: إن أفضلَ النُّهُرِ نُهُر عشرةٍ ذي الحِجَّة، وأفضلَ الليالي ليالي رمضانَ، ثُمَّ عَمَلُ السَّلَف في تلك العشرة ماذاكان؟ فلم يظهَر لي غيرُ الصيام والتكبير. فالعبادةُ الخاصَّة في هذه الأيام هي هاتان فقط. وثبت فيها التكبيرُ من غُرَّة ذي الحِجة، كأنه شِعَارٌ لهذه الأيام، بل شعاريتُهُ أَزْيدُ من التلبية. فما في المتونِ فهو بيانٌ للواجب لا لوظيفةِ هذه الأيام. وعليه فَلْيُحْمَل ما رُوي عن الإِمام رحمه الله تعالى أَن شرائطَ التكبير شرائطُ الجمعة. فإنه يجوزُ لأصحاب القرى أيضًا.
وذِكْرُ اللَّهِ لا حَجْر عنه بحال، واستدل عليه بما روي عن عليَ رضي الله تعالى عنه: «ولا جُمْعَةَ ولا تَشْرِيق» ... إلخ.
وتتبَّعْتُ أنه هل أرادَ أَحَدٌ من التشريقِ أيضًا؟ فرأيت في «غريب الحديث» لأبي عبيد أنه لم يَبْلُغْه عن أحدٍ منهم غيرُ الإمام رحمه الله تعالى. وأبو عبيد هذا تلميذُ الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومستفيدٌ من مُحمدٍ، ومدوِّن لِعِلْم غريب الحديث، ويُعَدَّ في الفِقْه مِثْل محمد.
стр. 925
وعن بَعْض السَّلف رَحِمهم الله تعالى أنهم حملوا قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] على تلك التكبيرات الفاضلة في الخارج أيضًا.
قوله: (﴿أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ﴾) أيَّام العَشْر، والأَيَامُ المعدوداتُ أيامُ التشريق. إنما فَسَّر ابنُ عباس رضي الله تعالى عنه المعدودات بِأَيَّامِ التشريق لكونِ لَفْظِ المعدوداتِ مُشْعِرًا بالقلة، أيَّامِ التشريق ثلاثة، فَفَسَّرها بها.
قوله: (وكان ابنُ عمرَ رضي الله تعالى عنه وأبو هريرةَ يَخْرُجَانِ إلى السُّوْقِ في الأيامِ العَشْر يكبران) وقد مر معنا أن التكبير من وظائف هذه الأيام. وهو مَحْمَلُ تكبير محمد بن علي الباقر بعد النافلة. وأما ما في الفِقْه من إتيانِهِ دُبُرَ الصلواتِ المكتوبات فقط، فهو بيانٌ للواجب. فعند الإمام رحمه الله تعالى من صبيحة عرفةَ إلى عَصْر يوم النَّحْر، وعند صاحبيه إلى عَصْر اليوم الرابع.
قوله: (ويكبر الناس بتكبيرهما) ويُستفاد منه ومما أخرجه البخاريُّ من الآثار في الترجمة التالية: أنَّ المطلوبَ في التكبير الموافقةُ فيه مِمَّن في حواليه (١). وعليه ما عند الترمذي: «أن الله أكبر يملأ الميزان» ولم يَحْكُمْ عليه الترمذي. وعند مسلم: «أن سبحانَ الله نِصْفُ المِيْزان»، وكذلك «الحمد لله». فلو صَحَّ ما عند الترمذي فَوَجْه الفَرْق بين كون «الله أكبر» الميزانَ كلَّه وسائر الأذكارُ «نِصْفُ الميزان»: أن التكبير يطلب الموافقة وذلك بالجَهْر، وعند ذلك يملأُ الجوَّ بما فيه فيكون الميزان كله. لأن كِفَّةَ ميزانِ الآخرة كما بين السماءِ والأرض كما يُسْتفاد من الأحاديث وسنقرِّرُه. وليست هذه الخصوصيةُ في الأذكار غيرَه.
ثم اعلم أنهم يُطْلِقون الأيَامَ العَشْر - والعاشر منها يومُ النَّحْر والصومُ فيه حَرامٌ - فيذكرون العَشْر ويريدون به التِّسْع. وقد يَخْطُر بالبال أنَّ الإمساك في نصف يوم النحر كأنه نِصْفُ صَوْمٍ في نَظر الشارع، فإنَّ المستحبَّ في هذا اليوم الأكلُ من أُضحيته، ولا تكون إلا بعد الصلاةِ فلزِم الإِمساكُ، وعليه ما في «المُسْتَطْرَف» من حكاية العجوز.
٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا الْعَمَلُ فِى أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِى هَذِهِ». قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ قَالَ «وَلَا الْجِهَادُ، إِلَاّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ». تحفة ٥٦١٤ - ٢٥/ ٢
٩٦٩ - قوله: (ما الْعَمَلَ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا في هذه) وفي نسخة: «ما العَمَلُ فِي أَيَّامِ العَشْرِ أَفْضَلَ من العملِ في هذه». وهذا يقتضي نَفْيَ أَفضليةِ العمل في أيامِ العَشْر على العمل في هذه الأيام. قلتُ: وهو تَصْحِيْفٌ عِنْدي. والصواب كما في الصُّلب، لأن هذا الحديث كثيرُ
стр. 926
الطُّرُق، وفي سائرها ذُكر فَضْلُ العمل في الأيام العَشْر، وقد أطال الحافظ رحمه الله تعالى الكلام فيه.
قوله: (قال: ولا الجِهَادُ في سبيلِ اللَّهِ) وحاصلُ الحديث على ما قالوا أَنَّ العملَ في هذه الأيام أفضل من ذلك العملِ إذا كان في غير هذه الأيام. فليس فيه تفضيلُ الشيء على نَفْسه باعتبار زمان واحدٍ ليلزم المُحال، بل باعتبار الأزمنة المختلفة. ثم قالوا: إنه ماذا يكون حينئذٍ معنى قوله: «ولا الجهادُ في سبيل الله»؟ فقالوا: إنَّ كونَهُ مَفْضُوْلا أيضًا معقولٌ، لأن الاشتغال بالجهاد فيها يوجِب فواتَ الحج.
أقول: والصوابُ عندي أنْ تفضل الأَعمال المختَصَّة بهذه الأيام على جميع الأعمال في سائر السَّنة. وقد علمت أنها بعد التتبع ليست إلا الصيام والتكبير. وإذَن معناه أَنَّ التكبير والصيام في هذه الأيام أَفضَلُ من سائر الأعمال فيما سواها. فالعملُ وإن كان عامًّا في اللفظ لكنه خَصَّصْناه بهذين نظرًا إلى الخارج. ولا ريب أن الفَضْل في تقديم الوظيفةِ الوقتية. وهذا الشرح أخذتُهُ مِنْ الزَّيْلعي. ثم هذا كلُّه إذا لم يكن الجِهَادُ فرضًا، فإن الكلام في الفضائل دون الفرائض.
١٢ - باب التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ
وَكَانَ عُمَرُ - رضى الله عنه - يُكَبِّرُ فِى قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِى فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا. وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ. وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزَ لَيَالِىَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِى الْمَسْجِدِ.
وهو يومان إنْ تَعَجَّل، فإن تأخَّر فالثالثة أيضًا.
قوله: (وإذا غَدَا إلى عَرَفَة) هذا هو التاسعة.
قوله: (وكان عُمَرُ ﵁ يُكَبِّرُ في قُبَّةٍ بمنَى) وهذا ما قلت: إنَّ التكبير من سُنَّة هذه الأيام، وأما بعد الصلوات فواجِبٌ.
قوله: (وكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ) ولا دليلَ فيه على جَهْرِهنَّ بها كما يدلُّ عليه حديثُ الترمذي.
٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ الثَّقَفِىُّ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ كَانَ يُلَبِّى الْمُلَبِّى لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. طرفه ١٦٥٩ - تحفة ١٤٥٢
٩٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى عَنْ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ
стр. 927
خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ. أطرافه ٣٢٤، ٣٥١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢ - تحفة ١٨١٢٨
٩٧٠ - قوله: (ويُكَبِّرُ المُكَبِّرُ فلا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) وشعارية التكبير في هذه الأيامِ أَزْيَدُ من شعارية التلبيةِ. حدثنا محمد - وهو البخاري نفسه - حتى تَخْرُجَ الْحَيْضُ، وليس لهن غيرُ التكبير ويدعون بدعائهم، أي بدعائهم للمؤمنين في خلال الخُطبة، لأنه لم يَثْبُت عنه ﷺ بعد صلاةِ العيدين دعاءٌ، فالسُّنة الخاصَّة في ذلك قاضيةٌ على عموم الأحاديث في الأذكار بعد الصلوات.
وفي «المدخل» لابن الحاج المالكي: أن السَّلف الصالحين كانوا يجلِسُون بعد الصبح والعصر في المسجد، لهم زَمْزَمةٌ وَدَوِيُّ كَدَوِيِّ النَّحْل، فهذه أحوالهم لأنفسِهم دونَ حالِ الجماعة.
١٣ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ يُصَلِّى. أطرافه ٤٩٤، ٤٩٨، ٩٧٣ - تحفة ٨٠٣٥
١٤ - باب حَمْلِ الْعَنَزَةِ أَوِ الْحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَىِ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا. أطرافه ٤٩٤، ٤٩٨، ٩٧٢ - تحفة ٧٧٥٧ - ٢٦/ ٢
قد كان ترجم أولا: بأن لا يُحْمل السلاح يومَ العيد، وترجم ههنا بجواز الخروج مع الحربة ليجعلها سُتْرةً.
١٥ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ وَالْحُيَّضِ إِلَى الْمُصَلَّى
٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ. وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوِهِ. وَزَادَ فِى حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ أَوْ قَالَتِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى. أطرافه ٣٢٤، ٣٥١، ٩٧١، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢ - تحفة ١٨٠٩٥، ١٨١١٨
١٦ - باب خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى الْمُصَلَّى
٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ. أطرافه ٩٨، ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - تحفة ٥٨١٦
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ أَوِ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَاّهُمْ. أطرافه ٣٢٤، ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ١٦٥٢ - تحفة ١٨١٠٥
فائدة مهمة في: بيانِ ما وقعَ منهم في الْجَرْح والتعديل يَنْبَغي الاعتناءُ بها
واعلم أن ما جَرَّبناه في هذا الباب وَسَيُجَرِّبُهُ مَنْ كان لم يجرِّبْه: أنهم في غير مَوْضع الخلاف لا يَرَوْن ألا حال الرَّاوي بحسب الظاهر. فإن كان عندهم قائمًا صائمًا لا يخالِفُ ظاهرَ الشَّرْع ويتعاطى العلم يوثِّقُونه بلا نكير، حتى رأيتُ أنه وَثَّقُوا بَعْضَ مَنْ رُمُوا بالكُفْر ولم يجرِّحُوه بإِكْفَارٍ أحدٍ عند ثبوت صلاحه عندهم، نعم إذا دخلوا في موضع الخلاف فليست لهمِ ضابطةٌ فيه ولا سيما في حقِّ الحنفية. فإنَّ المحدِّثين لم يزالوا منهم في سَخَط، حتى إن بَعْضَهُم تأخَّر عن أَخْذِ حديثهم أيضًا. فانْظُر إلى تَحَامُلِ القوم إنهم يأخذون من نحو عبد الرَّزَّاقِ مع كونه شِيعيًا وإن لم يكن سابًا للصحابة ﵃ وهم مع ذلك عن أحاديث الحنفية لمعرِضُون.
فالذي ينبغي الاعتماد عليه في هذا الباب أن يُنْظَر إلى حال الرَّجُل نَفْسِه، فإنْ تحقَّقَ عندنا بعد السَّبْرِ صلاحُهُ وحِفْظُهُ فإِذَن لا نعمل فيه بقوْلهم، إن رضا الناس غايةٌ لا تُدْرِك، ونعملُ بما جَرَّبنا فيه وعَلِمنا من حاله، فإن البيان ليس كالعيان. نعم إذا لم تُعْلم حالهُ فإذن ليس لنا فيه سبيلٌ إلاّ بالاعتماد على ما قالوا. لا أريد به رَفْعَ الأمانِ عن ما قالوه، بل أريدُ بيانَ مرتبة الأَخْذِ بما قالوه. فعليك أن تتأمل فيه لتنجلي لك حقيقةُ الحال.
٢٢ - باب النَّحْرِ وَالذَّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُصَلَّى
٩٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَنْحَرُ أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى. أطرافه ١٧١٠، ١٧١١، ٥٥٥١، ٥٥٥٢ - تحفة ٨٢٦١
النحِر مُخْتَصُّ بالإِبِل، والذَّبْح فيما سواه، ثُمَّ الْفَرْق بينهما مستحب، وكذلك الأضحية مُسْتَحَبَّة في المُصَلَّى.
٢٣ - باب كَلَامِ الإِمَامِ وَالنَّاسِ فِى خُطْبَةِ الْعِيدِ، وَإِذَا سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ شَىْءٍ وَهْوَ يَخْطُبُ
٩٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَنَسَكَ نُسْكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ». فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ وَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِى وَجِيرَانِى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ». قَالَ فَإِنَّ عِنْدِى عَنَاقَ جَذَعَةٍ، هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ
стр. 931
لَحْمٍ، فَهَلْ تَجْزِى عَنِّى قَالَ «نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِىَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». أطرافه ٩٥١، ٩٥٥، ٩٦٥، ٩٦٨، ٩٧٦، ٥٥٤٥، ٥٥٥٦، ٥٥٥٧، ٥٥٦٠، ٥٥٦٣، ٦٦٧٣ تحفة ١٧٦٩
٩٨٣ - قوله: (فهل تُجزىءُ عني) ومن استعمالاته: أجزأ الإِبِل بالرُّطْب عن الماء، وأجزأ اللبن عن الطعام والشراب، وأما لفظ صح فمقابل للكسر، وقد مَرَّ تحقيقُ هذين اللفظين.
وقد مر منا تحقيق المسألة، والتَّصْريح عن ابن الهُمَام بأن مسألة الاستماع مقتصِرة على ما سوى الإمام. ولعل المُصنِّف رحمه الله تعالى يُشِير إلى أنَّ في خُطبة العيدين سعةً بالنسبة إلى خُطبة الجمعة. وهو المختار عندي وإن كان في كُتُبنا أنهما سواء.
٩٨٤ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِيرَانٌ لِى - إِمَّا قَالَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَإِمَّا قَالَ بِهِمْ فَقْرٌ - وَإِنِّى ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَعِنْدِى عَنَاقٌ لِى أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ. فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا. أطرافه ٩٥٤، ٥٥٤٦، ٥٥٤٩، ٥٥٦١ - تحفة ١٤٥٥ - ٢٩/ ٢
٩٨٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّىَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ». أطرافه ٥٥٠٠، ٥٥٦٢، ٦٦٧٤، ٧٤٠٠ - تحفة ٣٢٥١
٩٨٥ - قوله: (فَلْيَذْبَحِ بِاسْمِ اللَّه) وصيغة «بسم الله والله أكبر» بالواو وبدونها، وهكذا على الطعام مجملة، ولفظُهُ قبل الوضوء كما في «معجم الطبراني»: «بسم الله والحمد لله». وحَسَّن العَيْنيُّ إسناده، ورأيتُ فيه عِلَّة. ثُمَّ إنَّه لم يجيء للإِهلال غيرُ التكبير، ولذا ورد قُبَيل الصلاة، وقُبَيل الذبح، بخلاف التسبيح وغيره، فإنه لم يرد لهذا. وأعني بالإهلال جَعْلَ شيئًا خالِصًا لله تعالى.
٢٤ - باب مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ فُلَيْحٍ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. تحفة ٢٢٥٤، ١٢٩٣٧
قيل: للتفاؤل، لأن العَوْد من طريقٍ بدأ منه يُشْبِ نَقْضَ العمل. وقيل: إظهارًا لشوكة المسلمين.
٩٨٦ - قوله: (تَابَعَهُ) وإطلاقُ المتابعةِ فيه خلافُ مُصْطَلَحِهِم لِتَغَايُر الصحابي رضي الله تعالى عنه، فهو إذن شاهد، نعم يُعْلم من بَعْض النُّسخ أنها متابعةٌ على اصطلاحهم أيضًا.
стр. 932
٢٥ - باب إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَنْ كَانَ فِى الْبُيُوتِ وَالْقُرَى
لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ». وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمُ ابْنَ أَبِى عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِى الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ. وَقَالَ عَطَاءٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
٩٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضى الله عنه - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِى أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِىُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِىُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ». وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى. أطرافه ٩٤٩، ٩٥٢، ٢٩٠٧، ٣٥٣٠، ٣٩٣١ - تحفة ١٦٥٦٢
٩٨٨ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَسْتُرُنِى، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِى الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِى أَرْفِدَةَ». يَعْنِى مِنَ الأَمْنِ. أطرافه ٤٥٤، ٤٥٥، ٩٥٠، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٥١٩٠، ٥٢٣٦ - تحفة ١٦٥٦٢ - ٣٠/ ٢
واعلم أن قضاءَ ركعتي العيد بعد الفوات مسألةٌ أُخرى، ويتأتَّى على مذهب مَنْ لا يقول بالجُمعة في القُرى أيضًا. ففي مبسوطات فِقْهنا: مَنْ فاتتهه سئخنَّةُ العيد. فإنه يصلِّي ركعتين أو أربعًا في بيته. ولم يكتب أحَدُهم ماذا يفعلُ مع التكبيرات. ثم إن هذا القضاءَ ليس كقضاءِ المكتوبات، فإنه يَبْقَى واجِبًا بعد الفوات أيضًا، بل هو كقضاء السُّنة.
وفي «العناية»: أن للسُّنة أيضًا قضاءً، ولكنها تَنْحَطُّ عن السُّنية إلى الاستحباب. والسرُّ فيه أن السُّنة تثبت باستمرار فِعْله ﷺ وتكون محفوفةً بالخصوصية الوقتية، فلا يبقى له طالبٌ بعد الفوات، بخلاف الواجب والفَرْض، فإنه يَثْبُبُ بالأمر، فإذا فات عن وقته بقي الأَمْرُ طالبًا له. وهذا معنى ما كتبه الأصوليون أن الموجِب في الوقت هو الأَمْرُ، فإذا لم يؤده في الوقت استمر طلب الأَمْرِ منه، وليس هكذا حال السنة فإنها تكون محفوفة بالخصوصية، فإذا فاتتا عن وقتها لا يبقى لها طالب بعده. ومن العجائب ما في «مختصر خليل» أن قضاءَ السنن حرامٌ.
قوله: (قال عِطاءٌ: إذا فَاتَهُ العِيْدُ صَلَّى رَكْعَتَيْن) فعطاء يقول بالقضاءِ، مع أنه قد مَرَّ عنه في باب الجمعة ما أَصْرَحُ منه في موافقته للحنفية: أن لا جُمْعَة في القُرَى. ولذا ينبغي التمييز بين مسألة الجمعة في القُرى وقضاءَ العيدين.
ثم إن مسألته في العيد في الفائتة دون المؤداة ولا نزاع فيها، والمصنف جمع بينهما، ولا دليلَ في كلام المصنف رحمه الله تعالى أنه أجاز العيد في القُرى أو لا، لأنه بَوَّب بالفائتة دون المؤادة. فيجوزُ أن تكون الإعادةُ من جهة الفوات لا لكونِ العيد في القرى. ثُمَّ إنهم لم يقولوا
стр. 933
بالقضاء عن الجُمْعةِ، بل يُصلِّي الظهر، لأن الجمعة بَدَلٌ عنها فلا تقام بها إلا عند استجماع شرائِطِهَا، والاستيقان بتحقيقها.
قوله: (وَصَلَّى كَصَلاةِ أَهْلِ المِصْرِ) وقد ثبت عندي أنه فاتَتْهُ العيدُ فَصَلَّى كذلك، وحينئذٍ خرج أَثَرُ أَنَس رضي الله تعالى عنه عن مَوْضِع النِّزَاع، فإنَّ القضاء لا يُنْكَرُ هنا أيضًا. نعم، أَثَرُ عِكْرِمَةَ صريحٌ في إقامة العيد في القُرى (١).
٢٦ - باب الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا
وَقَالَ أَبُو الْمُعَلَّى سَمِعْتُ سَعِيدًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعِيدِ. تحفة ٥٦٥٤
٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى عَدِىُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ. أطرافه ٩٨، ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥ - تحفة ٥٥٥٨
الصلاةُ قَبْلها مكروهةٌ حتى الإِشراق أيضًا، وأما بعدها فجازت في البيتِ دون المُصَلَّى.
...
стр. 934
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٤ - كتاب الوِتْر
١ - باب مَا جَاءَ فِى الْوِتْرِ
واعلم أن الكلام في أبواب الوِتْر في مواضع: في الفَرْق بينها وبين صلاةِ الليل، وفي صفتها أواجبة هي أم سنة؟ وفي ركعات الوتر، وأنها بتسليمةٍ أو بتسليمتين. فنقول: والذي يتَّضِح من صَنِيْع المحدِّثين كافةً أنهما صلاتانِ متغايرتان عندهم. فإنهم يُبَوِّبُون لكلَ منهما بابًا بابًا، ثم يذكرون صلاةَ الليل في أبواب الوِتربوالعكس، لارتباطٍ بينهما. وهو نَظَرُ الحنفية، فإنهم قالوا: إن الوِتْرِ قِطْعةٌ من صلاةِ الليل صارت صلاةً برأسِعا مستقلةً بقراءتها، وصفتِها، وركعاتها.
وأما الشافعية رحمهم الله تعالى فلا فرق عندهم بينهم، إلا أنَّ أَقلَّ الوِتْر عندهم ركعةٌ، واتفقوا على أَنَّ أكثَرَهَا إحدى عشرة ركعةً، واختلفوا في ثلاثَ عشرةَ، وأما من حيثُ كونُها صلاةَ الليل فتجوز عندهم ألفَ ركعةٍ بسلامٍ واحدةٍ، وسنوضِّحُه في صلاة الليل.
ومِنْ ثَمَّة اختلفوا في صفتها: فَمَنْ لم يفرِّق بينها وبين صلاةِ الليل لم يَسُغ له القولُ بوجوبها. ومَنْ فَرَّقَ بينهما ساغ له أن يفرِّق بين صِفَتَيْهِمعا فيقول بوجوب الوِتْر وسُنِّيةِ صلاةِ الليل أو استحبابها. وقد مرَّ أن في إيقاظ النبيِّ ﷺ أَهْلَهُ للوِتْر دون صلاة الليل، والأَمْرَ بأدائها في أوَّل الليل لِمَنْ لا يَثِقُ بالانتباه في آخر الليل، وإيجاب القضاء على مَنْ فاتته، وإفرازها بالقراءة، وتعيين وقتها وركعاتِهَا لآياتٌ دالَّةٌ على الوجوب (١). واتفقوا على عدم جواز تَرْكها أيضًا. فحينئذٍ
стр. 935
لم يَبْقَ نِزَاعٌ إلا في إطلاق لَفْظ الوجوب، وهذا كما ترى مما لا ينبغي فيه النزاع.
ثم الأفضل عندهم أَنَّ الوِتْر ثلاثٌ بتسليمتين، فإنْ كانت بتسليمةٍ فالأفضلُ أن تكون بقعدةٍ على الأخيرة. فإن صلاها بقعدتين على الثانية والثالة مع تسليمةٍ واحدةٍ، فقيل إنه مَفْضولٌ، وقيل: غير صحيح. ثم قالوا: إنه إن صلاها خمسًا فطريقُها أن يصليها بقعدةٍ على الأخيرة، أو بقعدتين على الرابعةِ والخامسةِ، ثم إن شاءَ سَلَّم على الرابعة والخامسة فقط، وقِسّ عليها حالَها إلى إحدى عشرةَ. وإن أَرَدْتَ أن تكتفي بواحدةِ الوِتْر فذا عندهم جائزٌ أيضًا.
أما عند مالك فظاهرُ موطئة إن الوِتْر ثلاثٌ بتسليمتين وجوبًا ولا تصح بواحدةٍ. وتأوَّله الشارحون وقالوا معناه نَفْيُ الكمال، وذهبوا إلى استحباب الثلاثِ مع صحَّة الواحدة. وقريبٌ منه مذهبُ أَحمد رحمه الله تعالى.
قلتُ: لم يَثْبتُ عن النبيّ لله الاكتفاءُ بركعةٍ واحدةٍ قط بحيث لا يكون قَبْلَها شيءٌ ولا بَعْدَها شيءٌ، كما أقرَّ به الشيخُ عمرو بنُ الصَّلاح. وكذا ليس عندهم للفَصْل بينَ ركعاتِ الوتر شيءٌ غير المُبْهَمَاتِ.
ولنا في كونها ثلاثَ ركعاتٍ وأن لا تسليمَ بينها صرائح ضوامَر من النصوص. وأما المصنِّف رَحِمه الله تعالى فقد وَافَقَنَا في تَغَايُرِ الصلاتين. ولعلَّه وافقنا في الوجوب أيضًا، كما سيجيء تقريره، وكذا في أنه ثلاثُ ركعات ولذا لم يُخرِّج في الباب الأَحاديثَ التي تَدُلُّ على كونِ الوِتْر خَمْسَا إلى ثلاثةَ عشرَ، نعم خالفنا في كونها بتسليمةٍ وجَزَم بكونها بتسليمتين. ثُمَّ لم يستطع أن يستدلَّ عليه إلا بأثرٍ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه. فلنا أيضًا آثارٌ عن عمر، وعليَ، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم.
стр. 936
وفي «المُدَونة» من قِيام رمضان: أَنَّ آخِرَ ما صلَّى بها الوِتْر بعد التراويح ثلاثُ ركعاتٍ، وعند الطحاوي: أنَّ عمرَ بن عبد العزيز أَثْبَتَ الوِتْر بالمدينة بقولِ الفقهاءِ ثلاثًا لا يُسلِّم إلا في آخِرِهنَّ. وعنده عن أبي الزِّنَادِ عن السبعة: سعيد بن المسيَّب، وعروةَ بن الزُّبير، والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وخارجةً بنِ زيد، وعبيد الله بن عبد الله، وسُلَيمان بن يَسَار، في مشيخةٍ سواهم أَهلَ فِقْهٍ وصلاحٍ وفضلٍ، وربمااختلفوا في الشيء، فأخذ بقول أَكثرِهم وأفضلِهم رأيًا، فكان مِمَّا وَعَيْت عنهم على هذه الصفة: أن الوِتْر ثلاثٌ لا يُسلَم في آخَرِهنَّ ... إلخ. وفيه عبدُ الرحمن بن أبي الزِّناد، وفيه لَيِّن.
قلتُ: وعَلَّق عنه البخاري في الاستسقاء.
٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِىَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى». أطرافه ٤٧٢، ٤٧٣، ٩٩٣، ٩٩٥، ١١٣٧ - تحفة ٨٣٤٦، ٧٢٢٥
٩٩٠ - قوله: (صلاةُ الليلِ مَثْنَى مَثْنَى). واعلم أنه قد تكلَّمنا عليه مرةً في: بابِ الحِلَق في المساجد، والآن سُنِح لنا أن نعود إليه ثانيًا مع إفادات جديدةٍ تركناها مِنْ قبل. فاعلم أَنَّ أَخْذَ المَثْنى في التعبير ليس لنكتةٍ فيها، بل التدرُّج من الأقل - إذا لَمْ يُدْر أنه كم يُصلَّى - طريقٌ فطري أو هو لِدَفْع مضرةٍ في ذِكْر غيره من العدد. فإنه لو قال: صلاةُ الليل أربعٌ، لانحصرت صلاةُ الليل فيه، لكونِ هذا العددِ أقلَّ من الأكثر، وأكثرَ من الأقلّ، فلا بد للتخصيص من نكتةٍ، وحينئذٍ تبادر إلى الذِّهن اختصاصُ صلاةِ الليل به، ولانحصر الوِتْر في الخَمْس، وقد مرَّ تقريره.
فإن قلت: إنَّ المثنويةَ إذا قامت بالسلام ثَبَتَ أنها ثلاثُ ركعاتٍ بتسليمتين. فترجَّح ما ذهبوا إليه ولا سيما إذا كان هذا الحديثُ قوليًا، وخلافُهُ إِنْ ثَبَتَ فإنه فِعْلِيُّ، والقولي مقدَّم.
قلتُ: إما ترجيحُ القولِ على الفعل فلكون القولِ تشريعًا عامًا والفعل واقعةً جزئيةً غيرَ معلومةِ الحال على الأَغْلَب، والأَمرُ ههنا بِالعْكْس. فإن فِعْلَه ﷺ ههنا مدّةَ عُمره على الوَصْل كما يرويه مَنْ رأَى وِتْرَه الدهر كلَّه. وهي عائشة ﵂، ومَنْ كَان ذهب لرؤية وِتره وهو ابن عباس ﵁، لا يحكي إلا أنها ثلاث بسلامٍ واحدٍ في آخِرِهنَّ. وأمَّا القول فَهو مُبْهَم يحتمل الوّجُوهَ ولا يقولُ عاقلٌ بترجيح هذا النحو من الفِعْل على مِثْل هذا القول.
ثم اعلم أَنَّ كلَّ أَمْرٍ حُمِل على خصوصيته ﷺ لا بد أن يكونَ أفضلَ وأَحْرَى في باب العبادات، فإنَّ اختصاصَ النبيِّ ﷺ لا يكون إلا بما هو أَفْضَلُ، كالوصالِ وغيرهِ، بخلاف نحوِ الاستقبالِ والاستدبارِ. فإِنَّا لو حملناه على الخصوصيةِ لا يكون دليلا على أفضليتِهِ، بل يجوزُ أن يكون استقبالُهُ ﷺ لكونِهِ أَشرفَ في نفسه من الكعبة، فانتفَتْ عِلَّة الكراهة وهي الاستهانة.
على أنه قد مر معنا أَنَّ مسألةَ صلاة الليل فيه تمهيدي. والمَسُوق له بيانُ نَضَد الوِتْر بصلاة الليل، وأنه كيف يجعلُهَا آخِرًا؟ فهداه أنه يَجْعَلُهَا آخِرًا بأن يَضُمَّ معها واحدةً في الآخِر، فيصيرُ
стр. 937
ما قد صَلَّى مِنْ مَثْنَاه قبلَه، أو مجموع صلاة الليل وِتْرًا إن اعتبرناه على طريقِ صِفَةِ الشيء بحال متعلقة، فبناؤه على أَنَّ الوِتْر ثلاثٌ، أما كونُهَا مفصولةً بسَلام، فهو أَمْرٌ آخَرُ لم يتعرض إليه في هذا الحديث، ولا أُريد تَعْلِيمُهُ منه، وإنما عَلَّمه منه نَضْدَ الوِتْر بصلاةِ الليل، كما مر عن صحيح مسلم - ص ٢٩٨: إنَّ سائلا سأله: كيف أوتر صلاة الليل؟ وإذا لم يبين له عددًا لأنه في إبان الصبح لا يدرى كم يدرك من الركعات، بدأ من مثنى لأنها أقل، ولعله يكتفي بها فقط. فالتسليم على كلِّ مَثْنى ليس مقصودًا، بل هو لِفَرْض أن صلاتَه هذا القدر فقط إن لم يدرك وقتًا بعدها، أو يزيد عليها مَثْنَى أُخْرَى إن أدرك وقتًا، ثم إذا خَشِي الصبح يُبادر إلى الوِتْر. ولما كان الوِتْر مُركَّبَا من مَثْنَى وركعة، فَصل الراوي مثناها في الذِّكْر فقط، ونَبَّه على أن حقيقة الإتسان قامت بواحدةٍ، فهي في النظر فقط بيانٌ للإيتار لا للفَصْل في العمل أيضًا.
وبالجملة أنَّ المَثْنَويَّة عندنا قامت بالقعدة، وعند الشافعية بالسلام، فلزِمهم أن يقولوا بالتسليم على مَثْنَى الوتر أيضًا. فثبتَ التسليمُ بين الركعتين، والركعة من الوتر بخلافِهَا عندنا، فإنها باعتبار القعدة سواءٌ كان فيها التسليم أو لا، وهذا القَدْر قد بَيَّناه مِنْ قبل.
والآن نريد الخوض في لَفْظ: «تُوْتِرُ له مَا قَدْ صَلَّى» أنه ما يفيد؟ وأنه ما الفَرْقُ بينه وبين قوله: «فاوتر بواحدة». وقد وعدناك بيانَه مرارًا وأَوفيناه أيضًا، ولكنا نفيدك الآن فائدةً لم تكن على خبرةٍ منها بعد.
فاعلم أنا قد مَهدنا مِنْ قبل أن الفِعْل المتعدي إذا اعتبرت فيه المعهودية يصيرُ لازِمَا، وحيئنذٍ يتعدى بحرف الجر، كقوله: قرأ الفاتحة، وقرأ بالفاتحة، ومسح رأسه، ومسح برأسه. ومِنْ هذا الباب أَوْتَره وأوتر به. وحينئذٍ معنى قوله: أَوْتِر به أَن الواحدة هي الوِتْر المعهود عند الشرع. ومعنى الأَيثار بها أن يفعل بها فِعْل الوتر، وحينئذٍ يكون الحديثُ دليلا على أن الوِتْر ركعةً كما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله تعالى.
قلتُ: وإن كان حقُّ اللفظ هو هذا، إلا أنَّه لما تبين لنا انتفاءُ كونِ الركعة صلاةً مُعتبرة من جهة صاحب الشرع، وتَرَكْنا تبادُرَه. فإن مِثْل تلك النِّكَات إنما يجري في القرآن للتيقُّنِ بِحِفْظ. أما في الأحاديث فَلِفُشُوِّ الرواية بالمعنى، لا يُؤْمَنُ بِهَا أنه من لَفْظ النبيِّ ﷺ أو لا. ولنا أن نعارِض بما في البخاري في عين هذا الحديث: «تُوْتِرُ لَهُ ما قد صَلَّى» مكان «أَوْتِر بواحدةٍ»، وهذا أَقْعَدُ على نَظَرِ الحنفية. فإنَّ الإيتار فيه على صرافة اللغة فلا بد أَنْ يكون هناك مُوْتِرًا - بالفتح - يُؤتَر بتلك الواحدةِ، وهو مَثْنَى بِنَصِّ الحديث، فخرج أَنَّ الوِتْر ثلاثٌ.
فإن قلت: إنَّ قوله: «أَوْتِر بواحدةٍ» كقولهم: أَنتِ واحدةٌ فهي للبينونة. وحينئذٍ تكونُ تلك الواحدةُ منفصلةً من المَثْنَى الأخيرة أيضًا، كانفصالها عن سائر المَثْنَوياتِ وذلك بالتسليم، فيثْبُتُ التَّسْلِيْمُ بين الرَّكْعتين والركعة.
قلتُ: أولا في تفتيش لفظ الواحدِ: إنه يستعملُ بمعنيين: الأول لمفتتح العدد، ويقابله الاثنانِ والثلاثُ، وترجمته «إيك». والثاني بمعنى المنفرد. قال التِّبْرِيزي في شرح قول الحماسي:
стр. 938
طاروا إليه زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانا
وترجمته "أكيلا"، فهذا يدل على الفصل: أَنَّ الوُحْدَانَ جَمْعُ الواحد بمعنى المنفرد، دون الواحد بمعنى أوَّل العدد، وذلك لأنه فَهِم أن الواحد في سلسلة الأعداد لا يكون إلا واحدًا، أو غيرُه إِمَّا يكون اثنين أو ثلاثًا إلى غيرِ ذلك، وهو سَهْوٌ عندي، لأن الاثنين يتركَّبُ من واحدٍ وواحدٍ آخَر، وهكذا في الثلاث ثلاثُ وُحْدان، وعلى هذا القياس. ففي المائة مائة واحدة، لا أن الواحد في سلسلة العدد هو الأول فقط. وحينئذٍ لا بأس لو كان الوحدان جَمْعًا للواحد الذي في سلسلة الأَعداد أيضًا. وحينئذٍ فالفَرْقُ أن الواحِد بمعنى المنفرد يعتبر فيه الانفراد عن الغير، بخلاف ما في سلسلة الأعداد، فإنه لا يعتبر فيه ذلك. بل أقول: إن الواحدَ الذي لِمفتَتَح العدد يقتضي تَحَقُّقَ ما سواه أيضًا، نعم الواحد بمعنى المنفرد ينافي ذلك. فتقول: أنا وحدي فعلت كذا إذا فعلته بحيث لا يكون معك غيرُك، وحينئذٍ لا يجبُ أن يكون قولهُ: "أوْتِر بواحدة" دالًا على أن تلك الركعة ليس معها غَيْرُها، بل يجوزُ أن تكونَ الواحدةُ فيه ما هو في مفتَتَح العدد، بمعنى أنه أوتر بواحدةٍ من تلك الثلاث، وترجمته حينئذٍ "إيك" لا "أكيلا".
فإن قلتُ: إنَّ الواحدة مقابلة للمَثْنَى فتكون منفصلة بسلامٍ كانفصالها. قلت: إن الواحدةَ لو كانت مقابلة للمَثْنَى لكان الكلامُ هكذا: صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيت الصُّبْحُ فواحدة. وحينئذٍ استقامت المقابلةُ بين المَثْنَى والواحدةِ، وانساق إلى الذِّهن أن الأَمْرَ الذي قامت به المَثْنَويةُ قامت به الوحدة أيضًا، وهو السلام، ولكن الشارع عَدَل عنه، وقابل بين المَثْنَى والإِيتار بالواحدة لإفادة التفصِّي شيئًا فشيئًا، وحينئذٍ لا يتم ما راموه.
ثُمَّ إنَّ مما يَدُلُّك على أن الواحدةَ في مِثْله تتعلَّقُ بالأخيرة، ولا يجِبُ أن يكون حالُهَا مع الأخير كحالها مع ما قَبْلِها ما قال الفرَّاءُ: معي عشرةٌ فَأَحِّدْهُنَّ، أي اجعلهن أحدَ عشرَ، أي بزيادةِ واحدةٍ بعد العشرة. فدلَّ على تَعَلُّقِهِ بالأخير، وإنْ كان أثَرُهُ على ما قَبْلَه أيضًا. ونُقِل أن ثالثَ ثلاثةٍ معناه جَاعِلُ الاثنين ثلاثًا بعد كونه معدودًا فيها. وحُكِي عن سيبويه في ثَالِث ثلاثةٍ عشرةَ وجهان: بتنوين ثالث، وبدونها، أي مع الإضافة، ولذا ذكر له الرَّضِيُّ معنيين: الأول الثالثةَ عشرةَ من ثلاثةَ عشرةَ، والثاني الثالثَ من ثلاثَ عشرةَ ودلَّ الأوّلُ على تعَلُّقِهِ بالأخير - يعني تيره مير سي تيره تير هوان ياتيره مير سي تيسرا - ثُم قال الشافعية: معنى قوله: «أوْتِر بواحدةٍ» أي مجموع ما صَلَّيْت قَبْلَه، فيكون حالُهَا مع المَثْنى الأخيرة كحالِهَا مع سائر المثنويات، فهي منفصلةٌ بسلام. وقلنا: بل معناه: أَوْتِر بها الشَّفْعَ الأخيرةَ حقيقةً وإن انسحب الحُكْم على ما قَبْلَهِا أيضًا حُكْمَا، على طريق صفة الشيء بحالِ مُتعلَّقِة. والحديث يدل مَنْ حاقه على أن الواحدة متعلقة بالمَثْنَى الأخيرة فقط، فالمعنى: أوتر بها الشفعَ الأخيرة، فإنَّ قوله ﷺ «واجعل آخِرَ صلاتِكَ وترًا» صريحٌ في أنه أُريد بالإيتار المَثْنَى الأخيرة فقط، وهي آخِرَ صلاته. وحينئذٍ تكون تلك وترًا حقيقةً، وسائرُ الصلاةِ وترًا على طور وَصْفِ الشيء بحال مُتَعلِّقِه، كيف وأنَّه نَفْسَه قد وصف أوَّل صلاتِهِ بالمَثْنَوية فقال: «صلاةُ الليل مَثْنَى مَثْنَى» فهي مَثْنَى حقيقةً فلا تكون وِتْرًا. كذلك وإنَّما تَصِحُّ وِتْرِيتُهُ على طريق ما قلنا، فهي شَفْعٌ حقيقةً ووِتْرٌ مجازًا. وإذا علمت أن حالَ المَثْنَى الأخيرةَ غيرُ حالِ سائر المثنويات، لم يجب أن يكون حالُهَا في الفصل
стр. 939
عَمَّا قبلها كحالِ سائر المثنويات، وجاز أن تكون المثنوياتُ كُلُّهَا مفصولةً بسلام، وتلك موصولة بواحدة. وهذا معنى ما رواه ابن أبي شَيْبة - وصححه العِراقي - «صلاةُ المغربِ وِتْرِ صلاةِ النهار، فأوتروا صلاةَ الليل» لم يذهب فيه أحدٌ إلى أن صلاةَ المَغْرب أوترت النهايات كُلَّها. بل المعنى أنها خرجت من بينها وِتْرًا بنفسها، وإن اتصفت النارياتُ بالوِتْرية، فعلى طور صِفة الشَّيء بحال متعلَّقِه فليُقَس عليها حالُ الإيتار وظيفة الليل أيضًا. فليس معناه أن الواحدة جعلت مجموعَ صلاةِ الليل وِتْرًا. فحالها مع المَثْنَى الأخيرة والتي قبلها سواء، بل معناه أنها مع المَثْنَى الأخيرة خرجت وِتْرًا من بين سائر صلاة الليل.
والحاصل: أن النهاريات كما اختتمت بصلاةِ وِتْرٍ كذلك اختموا صلاةَ الليلِ بالوتر، وعلى الوتر - وبعبارةٍ أخرى - إن وِتْر النهار كما لم يكن مقومًا لسائر النهاريات، كذلك وتر الليل ليس مقومًا لسائر ركعات الليل ليكون تَعَلُّقُه بالجميع سواء، بل معناه أن آخِرَ النهاريات صلاةً وِتْرٌ كذلك فلتكن صلاةُ الليل وترًا، لتصير الوظيفتان - أي وظيفة الليل والنهار - على شاكلةٍ واحدة. وتتصف الوظيفتان بصفة الوترية فتجلبان معنى الأَحِبَّية، «إن اللَّهَ وِتْرُ يحِبُّ الوِتْر» فكان الإيتار لمعنىً والناسُ حملوه على معنىً. فافهم ولا تعجل لتنجلي لك حقيقةُ الحال. وإنما تكلمنا عليه الآن بحسَبَ أذواق العربية وإن كان الأَمُرُ يبتني على ما ثبت عنه في الخارج ولا يبنى ولا ينهدم من الألفاظ شيء. وقد بقي بَعْدُ خبايا في زوايا الكلام، وفيه كلام أطول من هذا، وليراجع له رسالتي «كَشْف السِّتر في مسألة الوِتْر» (١).
كان من عادته، حتى إنه كان يتكلم بين الركعة والركعتين أيضًا، فهو لكمالِ الانفصال. وقد استدلَّ صاحبُ «الْمُغْني» على كونها للترقيِّ من قول الشاعر:
*وكان امرؤٌ من جُنْدِ إبليس فارتقى ... به الحالُ حتى صار إبليسُ من جُنْدِهِ
قلتُ: ولعل «حتى للتَرَقِّي» هي «حتى العاطفة» للغاية كما في قولهم: مرض فلانٌ حتى لا يرجونه، ومات الناسُ حتى الأنبياءُ، ومن جزئياته حتى للتَرَّقي فاخترعوا لها اسمًا على حِدة، وشرطوا لها شرائِطَ، ولذا احتاجوا إلى إثباتها. ولو قالوا: إنها هي العاطفة، وقد تفيد الترَّقي أيضًا لما احتاجوا إلى تَجَشُّمِ الاستدلال، ولا وجه لإنكارها، وكيفما كان ثبتَ السَّلامُ عن ابن عمر ﵁ في الوسط.
قلتُ: ويَرْوي هذا الحديثَ آخَرُون أيضًا، ومذهبهم أن الوِتْر ثلاثٌ بسلام واحدٍ، فعلم أن الحديثِ ليسَ نصًّا في الفصل، إنما هو اجتهادُهُ ثم إن مذهبَهُ نَقَضَ الوِتْر أيضًا، فهلاّ اختاروه أيضًا مع أنه لم يذهب إليه من الفقهاءِ الأربعةِ أحدٌ.
وفي قيام الليل ما يدل على أنه كان يفعلُ ذلك من رَأَيه، وليس فيه عنده عن النبيِّ ﷺ شيءٌ. وهكذا لم يثبت عن النبيِّ ﷺ الكلامُ أيضًا قط، فهو أيضًا من اجتهاده، ثم إِنَّ ظاهر هذا التعبيرِ الكلامُ بعد الركعة قبل الركعتين، ولم يختره الشافعيةُ رحمهم الله تعالى أيضًا. وقد يذهبُ وَهْلي إلى أنه يمكن أن يكون كلامُهُ هذا بين الركعة الأخيرة من الوِتْر وركعتي الفَجْر. وقد ثبت نَحْوُه عن عائشةَ ﵂ وإن كان الظاهرُ منه ما اختاره الشافعية.
وليُعْلَم أن الحافظ ﵀ بعد خَتْم باب التشهد نَبَّه على فائدة، وهي أنهم لم يختلفوا في ألفاظ التشهد الأول إلا ما رُوي في «مصنَّف» عبد الرزاق عن ابن عمر ﵁ أنه كان يرى قولَهُ «السلام عليك أيها النبي» ... إلخ نَسْخًا للصلاة، ولفظه: «وكان ابن عمر ﵁ يرى التسليمَ في التشهد نَسْخَا في الصلاة». وصرَّح نافعٌ أن المرادَ به السلامُ عليك أيّها النبيُّ ... إلخ.
قلتُ: ورأيت هذه الروايةَ بعينها عن سالم، عن ابن عمرَ ﵁ في «مصنِّف» ابن أبي شيبة أيضًا، ثم قال سالم: «أما أنا فَأُسلِّم». قلتُ: ومن ههنا عُلِم وَجْهُ اجتهادِ ابن عمرَ ﵁ في الكلام بين الركعة والركعتين من الوِتْر. فإنَّه إذا كان يرى النَّبيَّ ﷺ يسلم في تَشَهّدِه وكان عنده نَسْخَا للصلاة، حَمَله على الفصل وأنه فَرَغ من صلاته.
ثُمَّ عند مالك في «موطئه» عن ابن عمر ﵁: «أنه كان يقرأ بالسلام في تَشَهُّدهِ في صلاته»، وهذا يُوجِب أن لا تصح صلاتُهُ على الفَرْض المذكور. فإنَّه إذا كان التسليمُ عنده نَسْخًا فليزَم أنه كان ينسخُ صلاتَه بالتسليم في التشهد، مع أن اختلافَه لو كان، لكان في ركعات الوِتْر دون سائر الصلوات، فإنَّها متواترةٌ، فما لم يُفَصِّل مَاذَا كَانَ مَذْهَبُه؟ لا ينبغي التَّمَسُّك بحديثه. على أنه قد تبيَّن عندنا مَنْشَؤُه، وهو أن الرواية في النوافل ليست عنده إلا بالمَثْنَى، فَجَعَل الوِتْر أيضًا مَثْنَى وركعةً طردًا للباب، ولا يصِحُّ على طريقنا. وقد أوضحناه في تقرير الترمذي أبْسَط من هذا.
стр. 944
ثم ههنا حديث في «مستدرَك» الحاكم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: أنه كان يتكلم بين الركعتين والركعة من الوِتْر، وهو صَعْبٌ جدًا، وقد كشف اللَّهُ علي سبحانه مرادَه بعد عشر سنين ونَيِّف. وصورة الجواب: أَن الركعة هي واحدةُ الوِتر، أما الركعتان فهي سُنَّةُ الفَجْر، والمقصودُ منه إثباتُ الكلام بين الوِتْر وسُنَّة الفجر. ولما كانت الواحدةُ ثالثةَ الوِتر وذكرتها بالواحدة تَبَادَرَ إلى الذِّهْن أنها ثالثةٌ الوِتْر، والركعتان هما مثناه، مع أن الأمر ما قلنا، والدليلُ عليه ما في «الصحيحين» عنها: أن النبيَّ ﷺ كان يحدِّثُها بعد الوتر إن كانت مستيقظَةً، ثم يُصلِّي سُنَّةَ الفَجْر وسندُه وسَنَدُ حديث «المستدرَك» واحدٌ، وتمامه في رسالتي «كَشْف السِّتْر».
فائدة
واعلم أن محمد بن نَصْر، ومحمد بن مُنذر، ومحمد بن خْزَيمة، ومحمد بن جَرِير يقال لهم: المحمدون الأربعة. قيل: إنهم كانوا في أوَّلِ أَمْرِهم على مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى، ثُمَّ صاروا مُستقلِّين بالاجتهاد.
قوله: (قال القاسِمُ: ورأينا أُنَاسَا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوْتِرُون بثلاثٍ، وإنَّ كُلاًّ لَوَاسِعْ، وأرجو أن لا يكونَ بشيءٍ منه بأسٌ) وكلام قاسم هذا صريحٌ في علم العامة أنه كان بالثلاثِ، وهو تابعيٌ فقيه. وأما رأيه فعلى رأي الحافظ جوازُها بالركعة أيضًا، لأنه حَمَلُهُ على كونِها واحدةً أو ثلاثًا.
قلتُ: ولِمَ لا يجوزْ أن يكون مرادُهُ التعميمَ في الثلاثِ والخَمْس وغيره، بأن تكونَ الركعتان أو أزيد قُبَيل الثلاث، ولا سيما مامر معنا عن الطحاوي من مذهبه في هذا البابَ، فإن كان مذهبُهُ هوالثلاثَ - كما هو ظَاهِرُ لَفْظِ الطحاوي - تَعَيَّن أن التخييرَ منه في الثلاثِ، وفي ما فوقه لا فيما دونَ الثلاثِ، كما فَهِمه الحافظ رحمه الله تعالى.
قوله: (فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلك قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحدُكُمْ خمسينَ آية) ... إلخ فهذه السجدةُ في داخل الركعات لا أنها خارج الصلاة بعد الوتر، كما شاع في بعض البلاد. وفي «المنية»: أنها بِدْعَةٌ. وترجم عليها النَّسائي. قلتُ: وكان المناسبُ أن لا يترجم عليها، لأنها لم يَظْهَر بها العملُ. وكذلك فَعَل النسائي في حديث: «فأذِّنا فأقَيما» فترجم بتعدد الأذان في السفرِ، ولم يذهب إليه أحدٌ. وقد مرَّ الكلام فيه.
٢ - باب سَاعَاتِ الْوِتْرِ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْصَانِى النَّبِىُّ ﷺ بِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ.
٩٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ فَقَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ وَيُصَلِّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ. قَالَ حَمَّادٌ أَىْ سُرْعَةً. أطرافه ٤٧٢، ٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ١١٣٧ - تحفة ٦٦٥٢
٩٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِى
стр. 945
مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. تحفة ١٧٦٣٩
والكلُّ ثابت، واستقرت عادتُهُ على الآخِر وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوتر أول الليل لعدّم اعتماده على نفسه وعمر رضي الله تعالى عنه في آخر الليل. وعند أبي داود حذر هذا، وقوَّى هذا.
٣ - باب إِيقَاظِ النَّبِىِّ ﷺ أَهْلَهُ بِالْوِتْرِ
٩٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى، وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِى فَأَوْتَرْتُ. أطرافه ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٤، ٥٠٨، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ١٢٠٩، ٦٢٧٦ - تحفة ١٧٣١٢
دلَّ على تَغَايُرِ الصلاتين قطعًا.
٤ - باب لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا
٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». تحفة ٨١٤٥
٩٩٨ - قوله: (اجْعَلُوا آخِرَ صلاتِكُمْ بالليل وِتْرًا) وهذا دليلٌ على أن الوِتْر ثلاثٌ إنْ جعلت «الآخِر» مفعولَه الأول، «والوِتْر» مفعوله الثاني. ولو جعلت «الآخِر» ظرفًا «والوِتْر» مفعولَه الأول لم يحصل منه هذا المُرَادُ.
٥ - باب الْوِتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ (١)
٩٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
стр. 946
بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ سَعِيدٌ فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَيْنَ كُنْتَ فَقُلْتُ خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَلَيْسَ لَكَ فِى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَقُلْتُ بَلَى وَاللَّهِ. قَالَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ. أطرافه ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥ - تحفة ٧٠٨٥ - ٣٢/ ٢
قال الحافظ: ولولا أنَّ البخاري ترجم بهذه لدلَّ على اختيارِه وجوبَ الوِتْر، لأن صنيعَ تراجِمِه يشيرُ إلى الوجوبِ، ولكنه لما جَوَّزَ الوِتْر على الدَّابة عُلِم أنه لم يذهب إليه.
قلتُ: بل هذا الاحتمال قائمٌ بعد، لجواز أن يكون البخاريُّ يختارُ جواز أداءِ الواجب على الدَّابة. فإنه لا نصَّ فيه، وهو مختارٌ في مسائله، ولا يلزم من عدمِ اختيار الحنفية والشافعية رحمهم الله تعالى تلك المسألةَ أن لا يختارها البخاريُّ أيضًا. أما ابن عمر ﵁ فالجوابُ عنه عندي أنه مِمَّنْ لَمْ يكن يُفَرِّق بين الوِتْر وصلاةِ الليل، وكان يُطْلِقُ الوِتْر على المجموع. فيمكن أن يكونَ ما ذكره مِنْ وِتْره على الدَّابة هي صلاةَ الليل، وما ذكره عند الطحاوي أنه كان ينزل لها هي وِتْر الحنفية، وبه يَحْصُلُ الْجَمْعُ بين الروايتين. وعن ابن عمر ﵁ آثارٌ عديدةٌ في «النزول» عند محمد في «مُوطَّئه»، وفي إسناده محمدُ بنُ أَبَان بن صالح وهو مُتَكلَّم فيه، وباقي الإسناد صحيحٌ. وقد ثبت له النزولُ عن غيرِ واحدٍ منهم مع عمرَ ﵁ أيضًا، وهو في «المصنَّف» لابن أبي شَيبة. ولفظه: «كانوا يَنْزِلُون على الأرْضِ للوِتْر».
٦ - باب الْوِتْرِ فِى السَّفَرِ
١٠٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى فِى السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً، صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَاّ الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. أطرافه ٩٩٩، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥ - تحفة ٧٦١٩
ولم يكن عنده حديثٌ في قنوت الوِتْر، فأخرج قنوتَ النازلةِ إشارةً إلى قنوتِ الوِتْر، وهو عندنا في جميع السَّنة، ولا قنوتَ في الفجر. أما عند الشافعي رحمه الله تعالى فهو في الفَجْر في السَّنَة كلِّها، وفي الوتر في آخِر رمضان. ثم القُنوتُ الراتبةُ قبل الركوع عندنا. وأما قنوتُ النازلة فيجوز قَبْلَه وبعدَه، والظاهر أن الأوْلَى بعده.
٧ - باب الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ
١٠٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ أَقَنَتَ النَّبِىُّ ﷺ فِى الصُّبْحِ قَالَ نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ قَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا. أطرافه ١٠٠٢، ١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١ - تحفة ١٤٥٣
١٠٠١ - قوله: (قَنَت بعدَ الرُّكوعِ يسيرًا) وهو في قِصة أصحاب بئر مَعُونة حين بعث سبعين نَفَرَا واسْتُشْهد منهم تسعةٌ وستّون، فقنت فيها أربعينَ يومًا، أو شهرًا: هكذا شَكَّ فيه الراوي.
стр. 947
١٠٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ. فَقَالَ قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ. قُلْتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ. قَالَ فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِى عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا - أُرَاهُ - كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلاً إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ. أطرافه ١٠٠١، ١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١ - تحفة ٩٣١
١٠٠٢ - قوله: (قلت: قَبْل الرُّكوعِ أو بَعْدَه) ولعل هذا قنوتُ الراتبة وهو في الوتر عندنا، وفي الفجر عند الشافعية رحمهم الله تعالى.
قوله: (فقال: كَذَبَ) ... إلخ. وهذا قُنوت النازلة.
وحاصله: أن النبيَّ ﷺ لم يَقْنُت للنازلةِ إلا شَهْرًا بعد الركوع - قال الحافظ: معناه لم يقنت متواليًا - أما الرَّاتِبة فَقَنَتها قبل الركوع. وقال النيموي في «آثار السنن»: إنها في الوِتْر.
قلتُ: وليس في لفظ الحديث أنها في الوتر، فتكون عندنا في الوِتْر، وعند الشافعية رحمهم الله تعالى في الفجر.
قوله: (إلى قومٍ مُشْرِكينَ دونَ أُولئك) يعني أن النبيَّ ﷺ لم يكن بَعَثَ هؤلاء إلى أولئك الذين عَدُروا، لأنه كان بينهم وبينه ﷺ معاهدةٌ، وإنما كان بَعَثَهم إلى قومٍ مشركين، ولكنْ غَدَرَ أولئك.
١٠٠٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنِ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِى مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَنَتَ النَّبِىُّ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ. أطرافه ١٠٠١، ١٠٠٢، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٨٩، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١ - تحفة ١٦٥٠
١٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ الْقُنُوتُ فِى الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ. طرفه ٧٩٨ - تحفة ٩٥٤
١٠٠٤ - قوله: (عن أنسٍ قال: كان القُنوت في المَغْرِب والفَجْر) قال أحمد: إن القنوتَ في الْمَغْرِب نادرٌ. قلتُ: وذلك لكون الركعة الأخيرة فيها سرًا، فإن يَقْنُت فيها يقنت جهرًا، والجهر في السرية غيرُ معروفٍ، وإنْ أسرَّ به يبقى القوم غافلين لا يدرون ما يفعلُ إمامُهُم. ثم لم يَكْتُب أحدٌ منهم أنه كيف قَنَت في السِّريَّة. ولعلَّه قرأه حهرًا. وأما في رمضان في الوِتْر فلما كان بعد الجهر يَعْلَمُ القومُ أَنه قانتٌ فيقنتون لأنفُسِهم أيضًا.
***
стр. 948
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٥ - كتاب الاسْتِسْقَاء
١ - باب الاِسْتِسْقَاءِ وَخُرُوجِ النَّبِىِّ ﷺ فِى الاِسْتِسْقَاءِ
١٠٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَسْقِى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. أطرافه ١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣ تحفة ٥٢٩٧ - ٣٣/ ٢
قال صاحب «الهداية»: الاستسقاءُ عندنا دعاءٌ واستغفار. فتوهمَّ منه بعضٌ نَفْيَ الصلاةِ رأسًا، مع أنه قال بُعَيْده: «قلنا: إنه فَعَله مرةً وترَكه أخرى فلم يكن سنةً»، فخرج أنه أنكر السُّنية دونَ الجواز. وقد حققه المحقق ابنُ أمير الحاج وبسطه جدًا.
قلتُ: والسرُّ فيه أن الاستسقاء على أنحاء: بِرَفْع الأَيدي في عامَّة الأحوال، ودُبُر الصلوات، وفي المُصَلَّى، وفيه التفاصيل والخلاف. ويُشترط له الإمامُ الأكبر فَحُكْمِ الإمام على المجموع، فلم يَسَع له الحُكْمُ بالسُّنية. وأفرز الشافعي رحمه الله تعالى الثالث فقط، فوَسِعِ ذلك، ونظيره الوِتْر على ما مَرَّ. فمن حَكَم على المجموعِ حَكَم عليه بالسُّنية، ومن أفرز القِطعةَ الأخيرةَ منه حَكَم بالوجوب، ونحوه الجماعة فَمَنْ حَكَمْ على مجموع ما وردَ فيها من الأَوامر وأَعْذَار الترك حَكَم بالسُّنية، ومن نظر إلى الأَوامر فقط حَكَم بالوجوب. وقد مرَّ تقريره.
ويقرأ فيها سرًا، ولا تُسنُّ الخطبة، ولصاحبيه خلافٌ فيهما، والعمل على مَذْهب الصاحبين. ويستحبُ تحويلُ الرِّدَاء للإمام عندنا دون القوم كما في «فتح القدير». والنفي في المتون محمولٌ على نَفْي الوجوب. راجع تفصيله في شَرْحِ «المِنية» لابن أمير الحاج.
ونقل الشيخ شمس الدين السَّرُوجي في "شرح الهداية" رواية وجوب العيدين والكسوف، ووجوب الاستسقاء بأمر الإمام. وقد صرَّح الحموي في «حاشية الأشباه»: أن الصوم يجب بأمر القاضي، وحينئذٍ لو أَمَرَ بالاستسقاء يَجِبُ أيضًا. وبه أَفْتَى النووي، أي بالوجوب بأمر الإمام، كما في شرح «الجامع الصغير». وكان العلماء خَالَفُوه في زمنه. وقد تحقَّق عندي أن فتاوى الحموي تكون أكثرها مأخوذةً من النووي. وقد مرَّ مني عن قريبٍ: أن الوجوبَ من جهة أمر الإمام عارضي يَقْتَصِرُ على زمانِ إمارته، فهو وجوبٌ وَقْتِيٌّ. ومن هذا الباب: حرمة الدخان كما قاله المُنَاوي. فإذا مات الأميرُ، انتهت الحرمة، وعادت الحِلَّةُ على الأصل، وهذا كلُّه في الأمور الانتظامية، أمَّا في الأمور الشرعية، فلا دَخْل لأمر الإمام فيها. ثم إن أمرَ الخلفاء الأربعة فوق أمر الأمير وتحت التشريع، فَيُتَّبَعُ بهم في بعض الأمور الانتظامية كالتشريع، كالجماعة في التراويح. وأَرَى كثيرًا من
стр. 949
الأمور الانتظامية فَعَلَها عمرُ ﵁ في زمنه، ثم الحنفية جَعَلُوها مذهبًا وعَامَلُوا معها ما يُعَامَلُ مع الشرعيات. ونظائرُها تُوجَدُ في المذاهب الأربعة، وهكذا ينبغي لقوله ﷺ «اقتدوا بالَّذَيْن من بعدي: أبي بكر، وعمر ﵄». ولعلَّ منصبهم بين بين. ومرَّ الرازي على تفسير آية الإطاعة: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤] ثم أُولي الأمر: بالإجماع. وفسَّره في الآية الثانية: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] أنه أبو بكرٍ ﵁، مع أنه لم يكن خليفةً في حياته، ولا حاكمًا.
٢ - باب دُعَاءِ النَّبِىِّ ﷺ «اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ»
١٠٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِى يُوسُفَ». وَأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ». قَالَ ابْنُ أَبِى الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ هَذَا كُلُّهُ فِى الصُّبْحِ. أطرافه ٧٩٧، ٨٠٤، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠ تحفة ١٣٨٨٦، ١٣٨٨٦ أ، ١٣٧٨٧
١٠٠٦ - قوله: (اجعلها سِنينَ كَسِنِي يوسفَ ﵇. وهذا ضدُّ الاستسقاء، وهو دعاءُ القَحْط، فظهرت المناسبة. وفي إسناد عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد. وهذا هو الراوي في إسناد الطَّحَاويِّ في فَتْوى الفقهاء السبعة: على كونِ الوتر ثلاثًا لا يُسَلِّم إلا في آخِرِهِنَّ.
قوله: (هذا كلُّه في الصُّبْح) أي مع الجهر، كما سيجيءُ في التفسيرِ.
١٠٠٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ «اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ». فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَىْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إِلَى قَوْلِهِ (عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى) فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ. أطرافه ١٠٢٠، ٤٦٩٣، ٤٧٦٧، ٤٧٧٤، ٤٨٠٩، ٤٨٢٠، ٤٨٢١، ٤٨٢٢، ٤٨٢٣، ٤٨٢٤، ٤٨٢٥ - تحفة ٩٥٧٤
١٠٠٧ - قوله: (إدبارًا) (روكردانى).
قوله: (الدُّخان) (ذهند).
قوله: (فقال: يا محمَّدُ) ... إلخ لأنه كان مُسْتَجَابَ الدعوات فيما بينهم أيضًا.
قوله: (فقد مضت الدخان) ... إلخ والمرادُ من الدُّخَان عند الجمهور ما هو من أشراط الساعة، وبعدها الساعة بمئة سَنة فخرج الجوابُ عن الآية التي أوردها ابنُ مسعود رضي الله
стр. 950
عنه. وهي: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. نعم لو قامت الساعة بعد الدُّخَان بدون فاصلة لَوَرَدَتْ الآيةُ على الجمهورِ.
فائدة:
واعلم أنه إذا تَعَارَض العمومان القطعيَّان في جزئي ولا يُدْرَى أنه يَدْخُل في أيِّ العمومين، يتردَّد فيه النظر. ومن ههنا اندفع ما عُرِضَ للمعتزلةِ في القول: بالمنزلةِ بين المنزلتين. فإنهم جَعَلُوا ارتكابَ المعصية نَقْصًا في إذعانه، وقد مرَّ تفصيله في كتاب الإيمان.
٣ - باب سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الاِسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا
١٠٠٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِى طَالِبٍ وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ طرفه ١٠٠٩ - تحفة ٧٢٠٣
* وَأَبْيضُ يُسْتَسْقَى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
١٠٠٩ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِىِّ ﷺ يَسْتَسْقِى، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ. وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلأَرَامِلِ وَهْوَ قَوْلُ أَبِى طَالِبٍ. طرفه ١٠٠٨ - تحفة ٦٧٧٥ - ٣٤/ ٢
* وَأَبْيضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
وَهُوَ قَوْلُ أبِي طَالِبٍ.
١٠١٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ فَيُسْقَوْنَ. طرفه ٣٧١٠ - تحفة ١٠٤١١
١٠١٠ - قوله: (اللهُمَّ أَنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إليك بِنَبِيِّنَا ﷺ ليس فيه التوصُّلُ المعهودُ الذي يكون بالغائب حتى قد لايكون به شعورٌ أصلا، بل فيه توسُّلُ السَّلف، وهو أن يُقَدِّم رجلا وذا وجاهةٍ عند الله تعالى ويأمرَه أن يدعو لهم، ثم يحيل عليه في دعائه، كما فُعل بالعبَّاس ﵁ عَمِّ النبيِّ ﷺ ولو كان فيه توسُّلُ المتأخرين لما احتاجوا إلى إِذْهَاب العبّاس ﵁ معهم، ولكفى لهم التوسُّل بنبيهم بعد وفاتِه أيضًا، أو بالعباس ﵁ مع عدمِ شهوده معهم.
وهذا النحو جائزٌ عند المتأخرين وَمَنَع منه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى وإني متردِّدُ فيه، لأنه أَتى بعبارةٍ عن الإِمام من «تجريد القُدوري» أن الإقسام على اللهِ بغير أسمائه لا يجوزُ، فتمسَّك بنفي الإِقسام على نفي التوسل. فإن كان التوسُّل إقْسَامًا فالمسألة فيه كما ذهب إليها ابن