فقال سَلْمانُ: «ما لهذا غدونا». أي إنَّما غَدَوْنِا لأَجْل الصلاةِ. وقال عثمان: إنما السجدةُ على مَنْ اسْتَمَعها. وظاهرُهُ أنه ذَهَب إلى السنية. أما فَرْقُ السماعِ والاستماع فغيرُ متأتٍ عندي، لكونه من الأمور القلبية، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ [الأَعْراف: ٢٠٤] مع أَنَّه لا يستمِعُ إلا مَنْ شاء الله.
قوله: (لا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ) وفي الفِقه: لو ذكر اسمَ اللَّهِ على عادتِهِم عند السؤال، لا يُنْدَبُ للسامع أن يقول: جَلَّ ذِكْرُهُ أو نحوُهُ، بخلافِ ما لو سمعه من غيرهِ فأَنَّه يُنْدبُ له أن يقول كلمة مشعرة بالتعظيم، كما يُنْدَبُ الصلاةُ عند سماعِ اسمِ النبيِّ ﷺ قلتُ: بل يُنْدبُ عند السماع من سائلٍ أيضًا.
١٠٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِىِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ التَّيْمِىِّ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ - رضى الله عنه. وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَاّ أَنْ نَشَاءَ. تحفة ١٠٤٣٨، ١٠٥٦٤
١٠٧٧ - قوله: (عَمَّا حَضَرَ) قال الحافظ رحمه الله تعالى: متعلِّقٌ بقوله: أخبرني، أي أخبرني راوٍ عن عثمانَ، عن رَبِيْعَةَ عن قِصَّةِ حُضُورِه مَجْلِسَ عمرَ رضي الله تعالى عنه.
قوله: (وَزَاد نافِعٌ عن ابنِ عمرَ رضي اللَّهُ تعالى عنه: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلا أَنْ نَشَاءَ) قال الحافظ رحمه الله تعالى: أي زاد نافعٌ في مَقُولةِ عمرَ رضي الله تعالى عنه. وقال العَيْني رحمه الله تعالى: في مقولةِ ابن عمرَ رضي اللَّهُ تعالى عنه.
قلتُ: وقِصَّةُ عمرَ ﵁ هذه أقوى ما يُمكنُ أن يُحتجَّ به على سُنِّيةِ السجودِ، فإنه تلا سورةَ النَّمل يومَ الجمعة فسجد لها مرةً، ثُمَّ لم يَسْجُد لها في الجمعة التالية، ثُمَّ قال: «إنَّما نَمُرُّ بالسجودِ فَمَنْ سجد فقد أصاب، وَمَنْ لم يسجد فلا إِثْم عليه». وذلك بِمَحْضَرٍ من الصحابة ﵃، ولم أَرَ عنه جوابًا شَافيًا بعدُ، وما فتح الله عليّ أنه تبين لي أن الأُسوةَ لعمرَ ﵁ في صنيعه في السجود - في جُمعةٍ دون جمعة - ما عند أبي داود عن أبي سعيد الخُدْري أنه قال: «قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو على المنبر «ص»، فلما بَلَغ السجدةَ نعزَل فَسَجَد وسجد الناسُ معه، فلما كان يومٌ آخَر قرأها، فلما بلغَ السجدةَ تَشَزَّنَ الناسُ للسجود، فقال رسول الله ﷺ «إنما هي تَوْبَةُ نَبِيَ، ولكني رأيتُكُمْ تَشَزَّنْتُم للسجودِ، فنزل فَسَجَدَ وسَجَدُوا» اهـ. فخرج منه وَجْهُ اجتهاد عمرَ ﵁ في ذلك.
قوله: (وإنْ كان سجودُهُ في «النَّمل»، وسجودُهُ ﷺ في «ص») فهذا هو الذي دعا عمرَ
стр. 982
رضي الله عنه إلى سجودِهِ في جُمْعةٍ دون أخرى، فإنَّه اتَّبع فيه ما كان عنده من أُسْوَةِ النبيِّ ﷺ وقد ثبت عندنا أن النبيَّ ﷺ كان التزمَ السجودَ فيها بعده، وكان يسجدُها. وإذن لم يَبْقَ قلقٌ فيما فَعَلَه عمرُ ﵁، فإنه حكايةٌ لِفِعْله حين كان لا يرى السجودَ فيها عزيمةً، كما أخرج أحمدُ رحمه الله تعالى في «مسنده»، والحاكم في «مُسْتدركِه»، والمُنْذرِي في «الترغيب» وقَوَّاه عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ فهذا أنه قال: «رأيتُ رؤيا: إنِّي أَكْتُبُ سورةَ «ص»، فلما بَلَغْتُ السجدةَ رأيتُ الدَّوَاةَ والقلمَ وكُلَّ شيءٍ يَحْضُرُني انقلبَ ساجِدًا. قال: فَقَصَصْتُهَا على رسولِ الله ﷺ فلم يَزَل يَسْجُدُ بِهَا» اهـ. ونحوه عند ابنِ كثير في «تفسيره».
وعند البيهقي «فَغَدَوْتُ على رسول الله ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَر بالسجودِ فيها». اهـ. ففيه دليلٌ على أنه كان في أوَّل أَمْرِه يرى فيها رُخْصَة، لما رأى أبو سعيد ﵁ رؤياه أَمَر بالسجودِ فيها.
والحاصل: أنه قد تبين عندنا عُمر ﵁، وانكشفَ وَجْهُه، وهو أنه كان فيما كان السجودُ رخصةَ، فإِذَا عَزَمَ الأَمْر تَحتمَّ بالسجود (١). ويمكنُ أن يقال: إن النفي راجِعٌ إلى القيد، والمعنى أَنَّ السجدةَ ليست واجبةً بِعَيْنهَا، فمن لم يسجد فلا أثم عليه، لأن الرُّكوعَ أيضًا ينوب عنها، وهو روايةٌ عندنا في خارج الصلاة أيضًا، كما في «الفتاوى الظهيرية».
وذكر الإمام الرازي في تفسيره: أنَّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى استدل عليه من قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. وفي «فتح الباري»: أنَّ بعضَ السَّلَف أنكروا سجدة «ص»، لعدم كونِ لَفْظِ السجود في آيتها.
قلتُ: وإذن ذَهَب بعضُ السَّلف إلى نَفْي السجود رأسًا نظرًا إلى لَفظ الركوع، فإثبات السجودِ فيها مع التزامِ أدائها بالركوع أَهْوَنُ. وحينئذٍ معنى مارواه ابن عمر ﵁: أنَّ اللَّهَ لم يَفْرِض السجودَ إلا أنْ نشاءَ، أي لم يَفْرِض علينا السجودَ بِخُصُوصه، بل كفى عنه الرُّكوعُ أيضًا، إلا أن نشاءَ السجدةَ فنأتي بها.
١١ - باب مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِى الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا
١٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ حَدَّثَنِى بَكْرٌ عَنْ
стр. 983
أَبِى رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فَسَجَدَ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ قَالَ سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. أطرافه ٧٦٦، ٧٦٨، ١٠٧٤ - تحفة ١٤٦٤٩
١٢ - باب مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ
١٠٧٩ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِى فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. طرفاه ١٠٧٥، ١٠٧٦ - تحفة ٨١٤٤ - ٥٣/ ٢
لو قرأ الإمامُ آيةَ السجدة، ثُمَّ ركع واجتزأ بركوعِهِ عن الجسود، فَسَدت صلاةُ القوم في بعض الصُّور، كما في «القِنية». وقال المخدوم الهاشم رحمه الله تعالى: إنَّ تفرداتِه غيرُ مقبولةٍ، لأنه معتزليُّ الاعتقاد وإن كان حنفيَّ المذهب. وقد استمدَّ كتابه من نحو خمسةَ عشرَ كتابًا من كُتُب المعتزلة.
***
стр. 984
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨ - كتاب تقْصيرِ الصَّلاة
١ - باب مَا جَاءَ فِى التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ
١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ أَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا. طرفاه ٤٢٩٨، ٤٢٩٩ - تحفة ٦١٣٤، ٦٠٣٣
١٠٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قُلْتُ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا قَالَ أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا. طرفه ٤٢٩٧ تحفة ١٦٥٢
قال الحافظ رحمه الله تعالى في هذه الترجمةِ أَشْكَالٌ، لأن الإقامةَ ليست سببًا للقَصْر، ولا القَصْرَ غايةُ الإِقامة. فقيل: إنه انقلب اللَّفْظُ. والمعنى: كم يَقْصُر حتى يقيمَ؟ وقيل: كم مدة يقيم حتى يَقْصُر، وعددُ الأيام المذكورة سببٌ لمعرفةِ جوازِ القَصْر فيها.
واعلم أنه لم يبلغ حديثٌ مرفوعٌ في تجديد مدةِ القَصْر إلى مَرْتبةِ الصحة، وحديث ابن عباس ﵁ في فَتْح مكةَ ومدة الإِقامة فيه تسعةَ عشرةَ (١)، على اختلافٍ فيه، وحديث
стр. 985
أنس ﵁ في حَجَّة الوَداع ومدة الإقامة فيها.
٢ - باب الصَّلَاةِ بِمِنًى
١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا. طرفه ١٦٥٥ - تحفة ٨١٥١
١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. طرفه ١٦٥٦ - تحفة ٣٢٨٤
١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رضى الله عنه - بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه - فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنه - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّى مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. طرفه ١٦٥٧ - تحفة ٩ ٣٨٣، ٩٨٢٤ - ٥٤/ ٢
٣ - باب كَمْ أَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ فِى حَجَّتِهِ
١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَاّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْىُ. تَابَعَهُ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ. أطرافه ١٥٦٤، ٢٥٠٥، ٣٨٣٢ - تحفة ٦٥٦٥، ٢٤٤٨
قال: «صليتُ مع النبيِّ ﷺ ركعتين بمنى، وأبي بكر وعمرَ، وعثمانَ ﵃ صدرًا من إمارته. ثُمَّ أَتَّمَهَا.
واعلم أن القَصْر رخصةٌ عند الشافعية، وعزيمةٌ عندنا. قال الحافظُ ابنُ تيميةَ رحمه الله تعالى: والذي عَلِمْنَاه مِنْ سُنة رسولِ الله ﷺ هو القَصْرُ لا غير، وهو مذهبُ أبي بكر وعمرَ ﵄، وكذلك مذهب عثمانَ ﵁ فوافقنا في المسألة. وأما إتمامُه فليس بناءً على جوازِ الإِتمام، بل بناء على التأويل. وقد نُقِلَ على وجوهٍ عند الطحاوي وأبي داود، وتكلَّلم فيها الحافظُ رحمه الله تعالى فَذَكَر أنها لا تُوْجِبُ الإِتمام.
قلتُ: وسها الحنفيةُ حيث أضاعوا وقتَهم في الجواب عن تلك التأويلات. فإنه لو كان فيها قَلَقٌ لكان في تأويل عثمانَ ﵁. أما مسأل القَصْر والإِتمام فلا أثر لها فيها، فإنه لم يَتِم إل بالتأويل، فَمَن كَانَ لا يرتضى بها فلينازع مَنْ كان أَتَمَّ بتلك التأويلاتِ إن كان له هِمَّةٌ
стр. 986
لمقاومته، وليس لهم حَقٌّ علنيا، فإنَّا لم نَقُل بجواز الإِتمام بتلك التأويلات. وقد غالط فيه بعضٌ من الشافعية، وغَلِظ فيه بتعضٌ من الحنفية، فجعل يتكلمُ في الجواب عما أوردَهُ، ولم يَدْرِ أن مسألةَ وجوبِ القَصْر غيرُ سألةِ جواز الإِتمام بتأويل دون تأويل. وليس للشافعيةِ في جواز التقصير إلا ما عند الدارقطني عن عائشةَ ﵂ أنها قَصَرَتْ في فتح مكةِ وأَتَمَّ النبيُّ ﷺ فلما أَخْبرَتْهُ قال: أَحْسَنْتِ. قال ابن تيمية: وهو موضوع.
قلتُ: كلا لا أَزْيَدَ من أن يكون معلولا، كما قال به ابنُ كثير، لأنها لم تكن في هذا السَّفَر مع النبيِّ ﷺ كما قال به محمد بن إسحاق في سيرته. ونَقَل تلك العلةَ عند المِزِّي في رواية النسائي فاستحسنها. وأيضًا فيه: «كان يَقْصُر ويتِمُّ، ويُفْظرُ ويَصُوْمُ». وإسنادُهُ مستقيمٌ. والجواب عندي أن هذا التحسينَ من باب عدم التعاقب على أمرٍ ماضٍ سبق عنها قبل الاستفسار مِنْ النبيِّ ﷺ فإنها لو كانت في هذا السَّفَر لكانت تابعةً، فلعلَّها نَوَت الإِقامةَ فَأَتمَّت ولم تدر أن نيةَ الإِقامةِ إنما تعتبرُ من المتبوع دون التابع، فإذا رَدَّت الأَمْرَ (١) إلى النبيِّ ﷺ لم يعاقِبْها عليه، وكأنه أَغْمَضَ عَمَّا فعلَتْه وهي غيرُ عالِمة.
وأُجيب عن الثانية أنَّ فيها تَصْحيفًا، والصحيح أن الضمائرَ فيها للمؤنث. أي تَقْصُر وتُتِمم ... إلخ فهو حكايةٌ عن فِعْل عائشةَ ﵂. وقيل: يَقْصُر أي في السفر. ويتِمُّ أي في الحَضَر، أو يَقْصُر في السفر إذا لم يَنْو الإِقامة ويتِمُّ إذا نواها.
وبالجملة لما لم يَثْبُتِ الإِتمامُ في السَّفَر إلا عن عثمانَ وعائشةَ ﵄، وهو أيضًا بالتأويل، ثبت أن المَذْهَبَ مَذْهَبُ الحنفية رحمهم الله تعالى، وإليه ذهب الجمهور. ولذلك لما بلغ إتمامُ عثمانَ ﵁ عَبْد الله بن مسعود ﵁ استرجع، كما في الحديث الآتي. فإن قلت: لَمَّا كان مذهبُ ابن مسعود ﵁ كما وصفت، فَلِمَ ائتم به وصَلَّى خَلْفَه أربعَ ركعاتٍ؟ على أنه يثبتُ عنه جوازُ اقتداءِ المفترضِ خَلْفَ المتنفل. فإنَّ عثمان ﵁ حينئذٍ متنفِّلٌ في الشَّفْع الأخير عنده، وهو باطِلٌ عندكم.
قلتُ: هذه المسألةُ مُجْتَهَدٌ فيها، والاقتداء في جِنْسِ هذه المسائلِ بجوزُ من واحدٍ لآخَر، كما في «الدر المختار» عند تعديد الواجبات، فَصَرَّح في ضِمْنه: أنَّ المتابعةَ تَصِحُّ عندنا في الاجتهادات كلها. وأَوْضَحَهُ الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى، ونقله الحافظ ابن تيمية عن الأئمة الأربعة.
قلتُ: فهذا بابٌ عندنا وسيعٌ، فيتَّبع الإمام في رَفْع اليدين والتأمين أيضًا لو اتفق الاقتداء
стр. 987
الشافعي رحمه الله تعالى. وقد قدمنا الكلام فيه مبسوطًا. ويَدُلُّ عليه أن الخليفةَ هارونَ الرشيد اقتصد مرةً فقام إلى الصلاةِ ولم يتوضأ، فاقتدى به أبو يوسف رحمه الله تعالى وما ذلك إلا لكون الاقتداء جائزًا، ولولا ذلك لما كان أبو يوسف رحمه الله تعالى ليقتدي به فإنه أَوْرَعُ من ذلك، كما في «البحر الرائق»: أنه كان يبكي عند نَزْعه، فسأله الحاضرون عن بكائِه، فقال: إنما أبكي من أجل ما قَصرتِ في قضائي عن هارون الرشيد، فإنه وذميًا ترافعا إليّ مرةً في أَمْرٍ فلم أعبأ بالأميرِ لكونه أميرًا، ورَكَنْتُ إلى الذِّمي. فَمَنْ كان بكاؤه لهذا، كيف يُظنُّ به أن يكون اقتدى بالخليفة مع عدم جوازه عنده؟ فإنه إذا لم يعبأ به في القضاء، فما في الاقتداء.
ثُمَّ لو تكلَّم إمامٌ شافعي لا يجوز الاقتداء به عندي، وذلك لأن نَقْض الطهارة من خارج غير السبيلين مختلفٌ فيه اختلافًا فاشيًا بين الصحابة ﵃، بخلاف مسألة الكلام، فإنه لا دليلَ له عندهم غيرُ واقعة مُبْهَمة لا يُدْرَى مُسْتقرُّها ومستودَعُها فافترقا.
قوله: (آمَنَ ما كَانَ) وصيغةُ التفضيل بينهما مضافٌ إلى المصدر، فتكون مَصْدرًا على ضَابطَتهم لكونها جزءًا من المضاف إليه فلا يصح حَمْلُهَا. قلت: ولكنَّ السيد الجُرْجَاني صَرَّح في «حاشية المتوسط»: أَنَّ الفِعْل بعد دخول حروفِ المَصْدر لا يَنْسلخ عن معناه بالكلية، ولا يأخذ جميعَ أحكام المصدر. وقر مر معنا الفرق في قوله: أعجبني أن يقوم زيدٌ، وقوله: «قيامُ زيدٍ. ثم إنَّه إشارةٌ إلى آية القرآن وهي: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]، وأنها في قَصْر الهيئة لا فِي قَصْر العدد، وقد مَرَّ البحثُ فيه.
٤ - باب فِى كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَسَمَّى النَّبِىُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهْىَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا.
١٠٨٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ قَالَ قُلْتُ لأَبِى أُسَامَةَ حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَاّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ». طرفه ١٠٨٧ - تحفة ٧٨٢٩
١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَاّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ». تَابَعَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . طرفه ١٠٨٦ - تحفة ٨١٤٧، ٧٩٣٤
١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِىُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ». تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ عَنِ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه. تحفة ١٤٣٢٣، ١٣٠٧٨، ١٢٩٦٠، ١٣٠١٠
стр. 988
ومسافةُ القَصْر في المذهب مسيرةُ ثلاثةِ أيام ولياليها. ثُمَّ حَوَّلُوها إلى التقدير بالمنازل، فاختلفوا فيه على أقوال: منها ستةَ عشرَ فَرْسخًا. كل فَرْسخ ثلاثةُ أميال، فتلك ثمانيةٌ وأربعونَ مِيْلا، كمافي الحديث. وبه أُفتي لكونه مذهبَ الآخَرِين. وهي عند الظاهري على اللغةِ، فكلُّ ما يطلقُ عليه السَّفَر لغةً تكون مسافةُ القَصْرِ عنده.
قوله: (وسَمَّى النبيُّ ﷺ يومًا وليلةً سفرًا) يعني جَعَله من جزئيات السَّفَر لا أنه قصره عليه. ولعل المصنف رحمه الله تعالى أرادَ الإِطلاق في السَّفَر كمذهب داود الظاهري.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفيه ما يدلُّ على اختياره أن أقلَّ مسافةِ القَصْر يومٌ وليلةٌ ولما لم يكن عند المصنف رحمه الله تعالى في القَصْر والإِتمام حديث، أخرج له حديثَ الحجِّ والسفر للحاجات العامة، كقوله: «لا تُسَافِر المرأةُ ثلاثًا»، فإنه لم يقع في مسألةِ الإِتمام والقَصْر، بل وَرَدَ في سَفَر الحاجات، واختلفت فيه الروايات. وفي بعضها: مَسيرةُ يومٍ ولَيْلَة، وهو عندي مُخْتَلِفٌ باختلاف الأحوال، والأحاديث في هذا الباب صُدِّرَت عن حضرةِ الرسالة تارةً كذا، وتارةً كذا، وليست محمولةً على اختلافِ الرواة. وفي كُتب الحنفية عَامَّةً عَدَمُ جوازِ السَّفَر إلا مع مَحْرَم.
قلتُ: ويجوزُ عندي مع غير مَحْرم أيضًا بِشَرْط الاعتماد والأَمْن من الفتنة. وقد وَجَدْتُ له مادةً كثيرةً في الأحاديث (١) أما في الفِقْه فهو من مسائل الفِتن.
٥ - باب يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ
وَخَرَجَ عَلِىٌّ ﵇ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى الْبُيُوتَ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الْكُوفَةُ. قَالَ لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا.
١٠٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. أطرافه ١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٤٨، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦ تحفة ١٦٦، ١٥٧٣
١٠٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتِ الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِىُّ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. طرفاه ٣٥٠، ٣٩٣٥ - تحفة ١٦٤٣٩ - ٥٥/ ٢
وهو المسألة عندنا.
стр. 989
١٠٨٩ - قوله: (وبِذِي الحُلَيْفَةَ رَكْعَتَيْن) أي قَصَر فيها وقد خَرَج للحجِّ، لا أنه قَصَد ذا الحُلَيفة وقَصَر فيها.
٦ - باب يُصَلِّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا فِى السَّفَرِ
١٠٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِى السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. أطرافه ١٠٩٢، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠ - تحفة ٦٨٤٤
١٠٩٢ - وَزَادَ اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَالِمٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ. قَالَ سَالِمٌ وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ الْمَغْرِبَ، وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِى عُبَيْدٍ فَقُلْتُ لَهُ الصَّلَاةُ. فَقَالَ سِرْ. فَقُلْتُ الصَّلَاةُ. فَقَالَ سِرْ. حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. أطرافه ١٠٩١، ١١٠٦، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠ - تحفة ٦٩٩٥
ونقل العَيْنِي أَنَّ ابن دِحْية المغربي - وهو مِنْ حُفَّاظ الحديث - أفتى بِقَصْرِ المَغْرِب أيضًا ولم يذهب إليه أَحَدٌ. وقد كَشَفَت عن مَنْشَأَ غَلَطه في رسالتي «كشف الستر» من أَواخرها، وخلاصته: أن منشأه ما رُوي عن أبي موسى الأشعري - كما في الهامش - أنه سَلَّم في الْمَغْرِب بين شَفْع المغرب وركعتها. فأخرجه الهَيْثَمي في سجود السهو، وأشار إلى أنه سَبَق منه التسليمُ سهوًا، لا أنه كان بناءً على القَصْر في الْمَغْرِب. وهذا هو منشأ غَلَط ابن دِحْية، وهو كثيرُ الغرائب فاعلمه.
١٠٩٢ - قوله: (وأَخَّر ابنُ عُمَر الْمَغْرِب، وكان استُصْرِخَ على امرأَتِهِ) ... إلخ. واختلف الرواة في بيان تأخيره تلك الليلة: ففي بعض الروايات أنه نزل بعد غيبوبة الشَّفق. وجمع بين المغرب والعشاء. وفي بَعْضٍ أَنَّه أَخَّرَ الْمَغْرِب إلى رُبُع الليل.
والصواب عندي أنه واقعةٌ واحدة، وهي على وجهها عند أبي داود وفيه: «حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نَزَل فَصلَّى المغربَ، ثم انتظر حتى غاب الشَّفَقُ فَصَلَّى العشاءَ، ثم قال: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا عَجِل به أَمْرٌ صَنَع مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتُ». اهـ. وحَمَله الحافظ رحمه الله تعالى على تَعَدُّد الواقعة، وهو بعيدٌ عندي، بل هو واقعةٌ واحدةٌ اختلف فيها الرواةُ من حيث المبالغةُ في بيانِ التأخيرِ والجمع فيها على عين مذهب الحنفية رحمهم الله تعالى. وفيها تفسيرٌ لِجَمْع النبيِّ ﷺ أيضًا أنه كيف كان. وما يدلُّك على أنها واقعةٌ واحدةٌ ما عند أبي داود، ولم يُرَ ابنُ عمرَ رضي الله تعالى عنه جَمَع بينهما إلا تلك الليلة، يعني ليلة اسْتُصْرِخَ على صفيةَ رضي الله
стр. 990
تعالى عنها. وعن مكحول عن نافع أَنَّ ابنَ عمرَ رضي الله تعالى عنه فَعَل ذلك مرةً أو مرتين -بالشَّكِ-.
وقد ذَكَرَ القاضي أبو الوليد الباجي: أن في لفظ الجَمْع إيماءً إلى أن الجَمْع كان صُوْرِيًا. وإلا فالأَظْهرُ أن يقال: صَلَّى الْمَغْرِبَ في وقت العشاء، ولكنه عدل عنه إلى لَفْظ الْجَمْع إفادةً لتأخير الصلاة الأُوْلى، وتعجيل الثاني، والجَمْع في وَقْتِيْهِما.
٧ - باب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِّ وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ
١٠٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يُصَلِّى عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. طرفاه ١٠٩٧، ١١٠٤ - تحفة ٥٠٣٣
١٠٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. أطرافه ٤٠٠، ١٠٩٩، ٤١٤٠ - تحفة ٢٥٨٨
١٠٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يُصَلِّى عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. أطرافه ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥ - تحفة ٨٤٧٧ - ٥٦/ ٢
والاستقبالُ شَرْطٌ عند التحريمة عند الشافعي رحمه الله تعالى، ومُستحبٌ عندنا. وعند أبي داود (ص ١٧٣) باب التطوع على الراحلة: «أنَّ سولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا سَافرَ فأراد أن يتطوَّعَ، استقبل بناقَتِهِ القِبْلة فَكَبَّر، ثُم صَلَّى حيث وَجَّهَهُ رِكَابُه». اهـ. وَحَمَلَهُ ابنُ أميرِ الحاجِّ على الاستحباب.
٨ - باب الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يُصَلِّى فِى السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ. وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ. أطرافه ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٨، ١١٠٥ - تحفة ٧٢١٣
وهو المسألة عندنا، فإنه لا يَقْدِرُ عليها إلا على الإيماء. ووسع أزيد منه، فراجع مسائل طهارة السَّرْج ونجاسته في الفِقْه.
٩ - باب يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ
١٠٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى
стр. 991
الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَىِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. أطرافه ١٠٩٣، ١١٠٤ - تحفة ٥٠٣٣
١٠٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ سَالِمٌ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّى عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ، مَا يُبَالِى حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَىِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّى عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ. أطرافه ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١١٠٥ - تحفة ٦٩٧٨
١٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ حَدَّثَنِى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّىَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. أطرافه ٤٠٠، ١٠٩٤، ٤١٤٠ - تحفة ٢٥٨٨
وهو المسألة عندنا وعندهم إلا إذا كان وَحَلٌ لا يمكن السجود على الأرض، فإنَّه يصليها في دابته، أو كان مطلوبُهُ «نحو المشرق» ولم تكن قِبْلته في تلك الجهة.
١٠ - باب صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْحِمَارِ
١١٠٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَبَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّى عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ، يَعْنِى عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ. فَقُلْتُ رَأَيْتُكَ تُصَلِّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. فَقَالَ لَوْلَا أَنِّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ. رَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . تحفة ٢٣٢
ترجم أولا بالصلاة على الدابة مطلقًا، ثم توجَّه إلى الحمار خصوصًا لكونه حرامًا. واختلف العلماءُ في ثبوتِ الصلاة على الحمارِ عن النبيِّ ﷺ مع اتفاقهم على جوازِ الصلاة عليه. وأما ترجمةُ المصنِّف رحمه الله تعالى فبناؤها على أَثر أَنس رضي الله تعالى عنه. وإنما كان أنسُ ذهب إلى الشام ليشكوَ لِعبدِ المَلِك مما يلقاه من الحَجّاج.
١١ - باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِى السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهَا
١١٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِى عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ قَالَ سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فَقَالَ صَحِبْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِى السَّفَرِ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). طرفه ١١٠٢ - تحفة ٦٦٩٣ - ٥٧/ ٢
١١٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِى السَّفَرِ
стр. 992
عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ - رضى الله عنهم. طرفه ١١٠١ - تحفة ٦٦٩٣
وفي نسخة: وقبلها، واختلفوا فيه، فقيل: لا يتطوع أصلا لا قبل المكتوبة ولا بَعْدَها، لأَنَّ المكتوبة إذا قُصِرت في السفر، فَتَرْك التطوع أَوْلى. وقيل: يُصلِّي البعدية دون القَبْلية. وذلك لأنَّ القَبْلة كانت تُؤدَّى في البيت، بخلاف البعدية فكانوا يَرَوْنه يصليها فلم يَسَع منهم نَفْيُها (١)، بخلاف القَبْلية فإنهم إذا يَرَوْه يصلِّيها حملوها على التَرْك. وقيل: بالفرق بين النهارية والليلية، فيصلِّي التهجُّد فقط. وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: يَتْرُكُهَا إن كان سائرًا، ويصلِّيها إن كان نازلا. وَمَنْ ذهب إلى إتيانِ الرواتب في السَّفَر قال: إن الرواتِبَ كانت من أَصْلِها منحطة عن المكتوبات، ولا تضاهيها، فلا يلزم بالقَصْر في المكتوبات تَرْك التطوع. فلو قلنا بإتيانها مع القَصْر في المكتوبات لم يلزم الخُلْف.
قلتُ: وقد روى ابنُ أَبي ليلى عند الترمذي مرفوعًا: «أن ابنَ عَمرَ رضي الله تعالى عنه صلَّى مع النبيِّ ﷺ الظُّهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين». قال أبو عيسى. وسَمِعْت محمدًا يقول: ما روى ابنُ أبي ليلى حديثًا أعجبُ إليَّ من هذا، فلا ينبغي إنكارُها مطلقًا، نعم لم يثبت عنه السُّننُ في الصِّحاح. والعمل عندي على ما قاله محمدُ بن الحسن رحمه الله تعالى.
قوله: (﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) [الأحزاب: ٢١] أي فِعْلا وتركًا. والأُسْوة صفةٌ مشبَّهة، وترجمته (بيشوا). فهو من باب التجريد على حَدِّ قوله: لقيت من فلانٍ بحرًا. فالبحر مأخوذ منه، والاثنيين ههنا تخييلية بأَخْذ الشيءِ من ذلك الشيء بعينه.
١١٠٢ - قوله: (صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فكان لا يزيدُ في السَّفَر على ركعتين وأبا بكر وعمرَ وعُثْمَانَ كذلك) وإنما لم يذكر عليًا لأنه بعد البَيْعة ذهب إلى الكوفة، فأين كان يَصْحبه ثُم الظاهر أنَّ قول ابن عمر رضي الله تعالى عنه هذا في بيان القَصْر لا في بيان تَرْك السُّنَن.
١٢ - باب مَنْ تَطَوَّعَ فِى السَّفَرِ فِى غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَقَبْلَهَا وَرَكَعَ النَّبِىُّ ﷺ رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ فِى السَّفَرِ
١١٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قَالَ مَا أَنْبَأَ أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِى بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. طرفاه ١١٧٦، ٤٢٩٢ - تحفة ١٨٠٠٧
١١٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِى السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. طرفاه ١٠٩٣، ١٠٩٧ - تحفة ٥٠٣٣
стр. 993
١١٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. أطرافه ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨ - تحفة ٦٨٤٧
وهذه النسخةُ هي الأرجح، وتُشْعر بأن نَفْي التطوع في السفر عنده محمولٌ على ما بعد الصلاة خاصَّةً، فلا يتناولُ ما قبلها وما لا تعلق له بها من النوافل المطلقة، كالتهجد والوِتْر، والضحى. والفَرْق بين ما قَبْلها وما بَعْدَها أن التطوعَ قَبْلَها لا يُظنّ أنه منها، لأنه يَنْفَصِل عنها بالإِقامة وانتظار الإِمام غالبًا ونَحْوٍ ذلك، بخلاف ما بعدها فإنَّه في الغالب يتصل بها، فقد يظنُ أنه منها: كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى. وفي بعض النُّسخ: في غير دُبُر الصلاةِ وقبلها وهو مرجوح (١)، فصلَّى ثماني ركعات. وعند أبي داود تصريحٌ بالسلام فيها على كل ركعتين. واختلفوا «أنها كانت شُكْرًا» للفتح وصادفت وَقْت الضحى، أو كانت صلاةَ الضُّحَى المعروفة.
١١٠٤ - قوله: (صلَّى السُّبْحَةَ باللَّيْل) هذه هي الليلية، وهي ثابتةٌ كثيرًا.
١٣ - باب الْجَمْعِ فِى السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
١١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. أطرافه ١٠٩١، ١٠٩٢، ١١٠٩، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠ - تحفة ٦٨٢٢
١١٠٧ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنِ الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. تحفة ٦٢٤٤
١١٠٨ - وَعَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِى السَّفَرِ. وَتَابَعَهُ عَلِىُّ بْنُ الْمُبَارَكِ وَحَرْبٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ حَفْصٍ عَنْ أَنَسٍ جَمَعَ النَّبِىُّ ﷺ . طرفه ١١١٠ - تحفة ٥٤٥ - ٥٨/ ٢
واعلم أن المصنف ﵀ إمَّا جنَح إلى الجمع صورةً أو الجمع فِعْلا على اصطلاحنا، أو لم يَحْكُمْ فيه بجانب، لأنه إمَّا ترجم بعينِ لَفْظِ الحديث، وهذا يُشْعِر أَنَّه لايريدُ فيه فَصْلا وإلا لزاد لفظًا يتعينُ به مرادُهُ في موضع الخلافِ، أو ترجم بالتأخير. وقد مَرَّ أن عُنوانَ تأخير صلاةٍ إلى صلاة أقربُ بِنَظَر الحنفية. ثُمَّ إنَّ البخاري صوَّبَ جَمْع التأخير وعلَّل جَمْعَ التقديم، فبوَّب
стр. 994
بتأخير الظهر إلى العصر، ولم يبوِّب بتقديم صلاةٍ إلى صلاة.
وقد صرَّح المالكيةُ أن الْجَمْعَ في التأخير فِعْليُّ فقط، وفي التقديم وقتي، فثَبت نَفْيُ جمع التقديم وقتًا من كلام البخاري رحمه الله تعالى، ونَفْيُ جمع التأخير وقتًا من تصريحِ المالكية، وهو مذهب الحنفية أن الجَمْعَ عندهم فِعْلٌ فقط، كما عرفت.
وقد مر معنا أن الجَمْع عندي محمولٌ على اشتراك الوقت فإنَّ المِثْل الأول للظهر خاصَّة، والثالث للعصر كذلك، والثاي مشترَكٌ يصلح لهما، إلا أن المطلوبَ هو الفَصْل، ويرتَفِع ذلك في السَّفر والمرض. وقد ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى جماعةً من السَّلَف ذهبوا إلى اشتراك الوقت.
قلتُ: ولاأحسبُهم إلا أنهم يكونون قائلين بالفَصْل بين الصلاتين في غير السَّفَر والمرض وإنْ ذهبوا إلى اشتراك الوقت، وهو معنى الموقوف كما مَرَّ. ثم ما هذا التأخير في التزام اشتراك الوقت، ألا ترى أنهم يكتبون وقتًا في صَدْر الباب، ثُمَّ يَقْسِمُونه إلى مستحبٍ وغيره، وقَسَمه الشافعيةُ إلى خمسةٍ، كما مرَّ. فإذا قالوا في صدر الباب: إنَّ وقت العصر إلى غروب الشمس، ثُمَّ صرحوا أن آخِر وقتها مكرُوهٌ تحريمًا، فأيُّ بُعْدٍ في تقسيم المِثْل الثاني بأنه وَقْتُ الظهر والعَصْر معًا، فهو وَقْتُ الظهر ويصِحُّ فيه العَصْرُ أيضًا، فإنَّه أيضًا قِسْم.
وبه يَنْحَلُّ حديثُ حَمنة ﵂ في باب الحيض، وفيه أنه أَمَرَها أن تَجْمَع الصلاتين في غُسْل، فإنَّه ينبني على اشتراك الوقت عندي كما مر، ولا سيما إذا رواه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في «مسند» أبي عَروبة الحَرَّانِي - تلميذ الطحاوي: فلا يقالُ: إنه اختار نَقْضَ طهارة المعذور بخروج الوقت، وهو لا يَدْري هذا الحديثَ، بل قالها وهو يعلم أن حَمنة ﵂ قد أُمِرَت أن تَجْمَع بين الصلاتينِ في غُسْل، وإذن وَجَب أن يكونَ اختار اشتراك الوقت، وجوَّز الوَصْلِ للمعذور مع مطلوبيةِ الفَصْل لغيره.
واعلم أنَّ أوَّل مَنْ دَوَّن مذاهبَ الصحابة ﵃ الطحاوي رحمه الله تعالى فَصَنَّف كتابه «اختلاف العلماء»، ثُمَّ محمد بن نصر، وابن جرير، وابن امُنْذر بعده، ثم أو عمرو خامس خمسة. والناسُ بعدَهم تَبَع لهم في هذا الباب، ولذا يُعتمد على الطحاوي رحمه الله تعالى في هذا الباب ما لا يُعَتَمدُ على غيرهِ.
١٤ - باب هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
١١٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِى السَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ. قَالَ سَالِمٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ، وَيُقِيمُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ الْعِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهَا بِرَكْعَةٍ، وَلَا بَعْدَ الْعِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. أطرافه ١٠٩١، ١٠٩٢، ١١٠٦، ١٦٦٨، ١٦٧٣، ١٨٠٥، ٣٠٠٠ - تحفة ٦٨٤٤
стр. 995
١١١٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا حَرْبٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِى حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِى السَّفَرِ. يَعْنِى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. طرفه ١١٠٨ - تحفة ٥٤٥
وقد مَرَّ أنه يُؤذن في السفر ويقيم لهما، فإن اكتُفِي بأذَانٍ مع تَعَدُّد الإقامة جاز.
١١٠٩ - قوله: (ولا يُسَبِّحُ) ... إلخ وعندي يُستفاد من الحديث حَذْف الرواتب لِمَنْ جمع بين الصلاتين. ولذا يقولُ الراوي عند ذِكر الجَمْع: سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا في العصرين والعشاءين. وقد صَرَّح العارف الجامي رحمه الله تعالى في مناسكهِ بِحَذْفِ الرواتب عند الجَمْع بالمُزْدَلِفة.
باب يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْر إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزيغَ الشَّمْس
١٥ - باب يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى الْعَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ
فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١١١١ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ الْوَاسِطِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. طرفه ١١١٢ - تحفة ١٥١٥
١٦ - باب إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ مَا زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ
١١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. طرفه ١١١١ - تحفة ١٥١٥
فترجم بتعبيرِ الحديث بعينه ولم يُفْصِح بشيء، وقد مَرَّ أنه أَصْدَقُ على مذهب الحنفية.
١١١٢ - قوله: (كان النبيُّ ﷺ إذا ارْتَحَل قَبْلَ أَنْ تَزِيْغَ الشَّمْسُ) ... إلخ. والمذكور فيه جَمْع التأخير فقط وعند الترمذي وغيره جَمْع التقديم أيضًا. ولفظه عند الترمذي عن معاذ ﵁: «وإذا ارْتَحَل بعد زَيْغ الشمس عَجَّل العصرَ إلى الظهر، وصلى الظُّهْر والعَصْر جميعًا ثُمَّ سَاروا» اهـ. وهذا صَرِيْحٌ في جَمْع التقديم وحَمْله على الجمع الصُّوري أو الجمع فعلا لعبد. فإنه إن قلنا أنه كان الجمع فعلا، لزم أن يقال: إنه كان يجلِسُ معطِّلا حتى إذا جاء آخِرُ وَقْتِ الظهر قام فصلَّى. ثُمَّ عجل العَصْر فصلاها مع الظُّهْر، وهذا يوجِب الإخلال بمقاصدِ السفر، لأن أكثرَ وقته يضيعُ في انتظارِ آخِر وقت الظهر، والمقصودُ قَطْعُ السفر لا تَطْوِيْلُه بالجُلُوس.
قلتُ: والجواب أنه معلولٌ وقد ذَكَرْتُ وَجْهَه في الترمذي، ولئن سلمت فالجواب: أن
стр. 996
الحالاتِ في السفر على أنحاء، قد يكونُ النَّفْع في السير عقيبَ الزوال: بأن يَرْتَحِل حتى إذَا كان آخِرُ وقت الظهر يَنْزل ويَجْمع بين العصرين، وقد يكون النَّفعُ في المُكْث حتى يمكنَه الْجَمْعُ بينهما فيجمع بينهما، ثُمَّ يَرْكَبُ مَطِيَّته ويتتابعُ في السير حتى ينزل للجَمْع بين العشاءين، ولا يحتاجُ إلى نزولهِ للعَصْر القَطْع لسَفَره. فالتمادي في الصورة الأُولى في الأول، وفي هذه في الآخِر.
ويَشْهَد له ما في «الفتح» عن البيهقي: «أنه كان إذا نَزَل مَنْزلا في السفر فأعجبه أقام فيه، حتى يَجْمَع بين الظهر والعَصْر ثم يَرْتَحِل، فإذا لم يتهيأ له المَنْزل مَدَّ في السَّير فسار، حتى ينزلَ فيجمع بين الظُّهر والعَصْرِ» اهـ. فدلَّ على أنه قد كان يقيمُ بالمنزل إذا أعجبه، ويَبْقى هناك حتى يَجْمَع بين العصرين ثم يرتحل، ويُتابع في السَّفر حتى يمكن له الجَمْعُ بين العشاءين، وإنْ لم يتهيأ له لم يكن يَنْزِل له.
وفي «الجامع» للترمذي: «أنه قد كان يُؤخِّر الظُّهر في السَّفر حتى يُساوي الفيءُ التُّلول». فدل على شِدَّة تأخيره وطول إقامته، ويحصل في مِثْله الجَمْعُ بدون تكلُّف. ولعلك علمتَ منه أن ما رواه الترمذي من حديث معاذ ﵁ أيضًا صحيحٌ، ولا حاجة إلى إعلاله كما فَعَله الجمهور. والاختلاف يُبنى على اختلاف صُوَر السفر، والجَمْعُ فيه جَمْعُ فِعلا في كل حالٍ، وما يتبادر فيه مِنْ جواز جَمْع التقديم فَفَرْطٌ من الوَهْم.
١٧ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ
واعلم أن المصنِّفَ رحمه الله تعالى لم يترجم للفَرْق في جوازِ القعود وعدمه بين التطوّعِ والفريضة، ولا أَوْمأ إليه في مَوْضع، مع اتفاق أهل الإجماع على عَدَم جوازه في المكتوبات إن قَدِر على القيام، لأنه عَلِم أن لا تفصيلَ فيه في الأحاديثِ القوليةِ، ففوَّضه إلى الخارج، فمتى ما أجازت له الشريعةُ بالقعودِ جاز له القعودُ، وأينما نَهَت عنه لم يَجُز له. ألا ترى إلى حديث عِمْرَان عند البخاريّ رحمه الله تعالى - كما سيأتي بعد عدة أحاديث: أنه سأل رسول الله ﷺ عن صلاةِ الرَّجُل قاعدًا فقال: «إنْ صلَّى قائمًا فهو أَفْضَلُ، ومَنْ صلَّى قاعِدًا فله نِصْفُ أَجْر القائم، ومَنْ صَلَّى نائمًا فله نِصْفُ أَجْرِ القاعد «اهـ. فلم يتعرَّضِ فيه إلى تفصيلٍ (١) بين القيام والقعود، متى يجوزُ ومتى لا يجوز، لأن الحديث سِيق لبيانِ التَّنْصِبف.
وأما مسائلُ القيام والقعود فكما قد عَلَّمته الشريعةُ مِنْ قَبْل، فيكون بَني ما في الحديث وبين تفاصيل القيام والقعود عمومٌ وخصوصٌ من وجه. ومِن ههنا تَبيَّن جوابُ ما قيل إنَّ حديثَ
стр. 997
عمران لا يَصْدُق على الفريضةِ ولا على التطوع. فإنَّا إنْ حملناه على الفريضةِ لَمْ يَصِحَّ أَوَّلُ الحديثِ: «إنْ صلّى قائمًا فهو أَفْضَلُ»، لأنَّ القيامَ فَرْضٌ فيها، وإنْ حَمَلناه على التطوع لَم يَصِحَّ آخِرهُ، لأنَّ التطوُّعَ لا يجوز نائمًا عند أحدٍ إلا ما في «الغاية» عن الشيخ شمس الدين: أَنَّها تجوزُ مُضْطَّجِعَا أيضًا في قول، وقال ابن الهُمام رحمه الله تعالى: لا أعرف قولا بجواز النافلة مضطجعًا عن أحد من أصحابنا، وكذا قوله: «وَمَنْ صلَّى قاعدًا» ... إلخ، لا يأتي على المكتوبةِ ولا على التطوُّع، فإنه إنْ أخذناه بلا عُذْرٍ لم يصدق في حَقِّ المكتوبة لأن المكتوبة قاعدًا بدون لاعُذر لا تصح مطلقًا فلا أحر فيها أصلا وإن أخذناه مع العُذْر لا يستقيمُ عليه تَنْصِيفُ الأَجْر. فالجواب أن الحديثَ وَرَد في مسألة التنْصِيف فقط. وأَما مسائلُ جوازِ القعود والقيام فتبقى على ما مَهدها الشَّرْعُ، ويبقى معها عُمومٌ وخصوصٌ من وَجْه.
ثُمَّ اعلم أن التنْصِيف في الحديث ليس باعتبار قيام الأَصِحَّاء، بل باعتبارِ قيام المَعْذُورين وقعودِهم. وقد صَرَّح ابنُ الهُمَام (١) رحمه الله تعالى: أن العَجْز على نَحْوين: حقيقي، وحُكْمي. والأول أن يَتَعَذَّر عليه القِيَامُ ولا يُمكَّنُ منه أصلا، والحُكْمِي أن يُرَخِّص له الشَّرْعُ بالقعود، مع أنه لو تَكَلَّفَ على نَفْسِهِ أُمْكِن له القيامُ أيضًا، فهذا القاعدُ المعذورُ إن صلَّى قاعدًا فله نِصْفُ أَجْرِ قيامه لو تكلَّفَ وصلَّى قائمًا، لا نِصْف أَجْرِ الصحيح، فإنَّ قعودَه إذا كان بالعُذْر فهو كقيامِ الصحيح.
١١١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّهَا قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا». أطرافه ٦٨٨، ١٢٣٦، ٥٦٥٨ - تحفة ١٧١٥٦ - ٥٩/ ٢
١١١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ - أَوْ فَجُحِشَ - شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا قُعُودًا وَقَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ،
стр. 998
فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». أطرافه ٣٧٨، ٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤ تحفة ١٤٨٥
١١١٣ - قوله: (إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَّمَ بِهِ) أي جُعِلَ الإمامُ ليُقْتدى به في أقواله، فيسمع المؤتمُّ ما يَقُوْلُهُ، ويتبع فيه، ولا يكون الإِمامُ مَنْ لا يُسْمع لِقَوله، ولا يُبَالي بِأَمْرِه، فالتقدُّمُ والتأخُّرُ في الأفعال ليس من الائتمام في شيءٍ، وحينئذٍ صَلُح الحديثُ أن يُسْتدَّل به على تَرْك الفاتحةِ خَلْف الإمام، فإنَّ الإمام يجهرُ بِهَا كي يسمعَها المقتدي، وهذا يَقْرأُ ولا يُصْغِي لقراءته، فهل تعدُّ مُتَّبِعًا أم مُشَاغِبَا (١).
ثُم لا بأس أن نعودَ إلى مسألةِ وجوبِ القعود خَلْفَ الإمام القاعد أو عدَمِه وإن فَصَّلناها مِنْ قبل، لأَنَّا قد دخلنا الآنَ في حديث الجُحُوش، فبانَ لنا أن نُعِيد أشياءَ، لعلَّ اللَّهَ ينفعك بها.
فاعلم أن النبيَّ ﷺ كما لم يفصل بين التطوُّع والفريضةِ في حديثِ عمران كما علمت، كذلك لم يفصل بينهما في حديث الجحوش. والجمهور على أنه في الفريضةِ إلا ابنَ القاسم، فإنه ذَهب إلى أنَّه في النافلة. أما قوله في البخاري: «فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ» فليس صريحًا في كونهِ في الفريضة، لأنه وَقَع هذا اللَّفْظِ في النافلة أيضًا عند البخاري رحمه الله تعالى، ولستُ أَدَّعِي أنه في حَقِّ النافلة، ولكن أقولُ: إنَّ له وجهًا أيضًا.
١١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَأَلَ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ . أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - وَكَانَ مَبْسُورًا - قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا فَقَالَ «إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ». طرفاه ١١١٦، ١١١٧ - تحفة ١٠٨٣١
١١١٥ - قوله: (إن صلَّى قائمًا) ... إلخ. وحاصِلهُ عندي أن الإمام إن اضطر إلى القعودِ لِعُذْر وصلَّى في بيته قاعدًا، فلم لا تصلون أنتم خَلْفَه لِيناسِب لكم القعودُ أيضًا من حيث رعايةُ الإمامة والاقتداء؟ بل عليكم أن تبتغوا إمَامًا آخَر صحيحًا يصلِّي بكم قائمًا لتتمكنوا مِنْ القيام خَلْفَه.
فالحاصل: أنَّ الحديث سِيق لِذمِّ التعنُّت في الاقتداء بالإِمام المعذور، لا لإِيجاب القعودِ على المقتدي، وإنْ كان قادِرًا على القايم فليس فيه إلا تحسينُ القعودِ عند قعود الإمام. ولا يخرجُ منه تحريمُ القيامِ خَلْف القاعد ولا حَرْف، مع أنَّ الواجِب عند أحمد رحمه الله تعالى هو القعودُ ويَحْرُم القيام.
стр. 999
وما قاله المالكية رحمهم الله تعالى: إنَّ الجالِس ليس له أن يؤمَّ القائمين ولا الجالسين، فمرادُهم أيضًا أنه لا ينبغي له ذلك، وأيُّ حاجةٍ إلى إِمامتِهِ إذا تيسَّر له الإمامُ الصحيح. لأن الوليد بنَ مسلم روى عن مالك رحمه الله تعالى أن الجالسَ لو قام خَلْفَ القاعِدِ فهو جائزٌ. فانكشف منه أَنَّ نهيه عن إمامةِ المعذور كان على طريقِ الأنبياء.
وأما أحمدُ رحمه الله تعالى فإنَّه فَرَّق بين القعودِ الأَصلي والطارىء. وذلك لأنه فَهِم أن تقبيحَ القيامِ خَلْفَ القاعد لمشابهةِ الأعاجم في قيامهم لعظمائهم، فإذا كان القعودُ طارئًا ارْتَفَعَ مناطُ التقبيح، لأن قعودَ الإمام مِنْ عُذْر سماوي ولا ذَنْب فيه للمُقْتَدِين فلا لَوْم عليهم في قيامهم، لأنه لا يكون حينئذٍ من قيامِ الأعاجم كما هو ظاهر. ولذا عَنَّفهم في واقعة الجحوش، لكونه مُصَلِّيَا في بيته، وتعنَّت هؤلاءِ في الاقتداء به في اليوم الثاني أيضًا. وإنما أغمض عنهم في قِصة مَرَضِ الموت لأنه هو الذي خرج إليهم فأمَّهُم، فلم يكونوا مْتَعَنِّتِين أصلا. وما فَصَّله ابن حِبان من كون الصلاةِ في تلك الواقعة فريضةً أو نافلةً فلا دخل له أصلا، ولا إيماءً إليه في لفظه ﷺ والله تعالى أعلم.
١٨ - باب صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالإِيمَاءِ
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - وَكَانَ رَجُلاً مَبْسُورًا - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً عَنْ عِمْرَانَ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ نَائِمًا عِنْدِى مُضْطَجِعًا هَا هُنَا. طرفاه ١١١٥، ١١١٧ - تحفة ١٠٨٣١
قيل: إن الحديثَ لا ذِكْر فيه للإِيماء، فكيف ترجم به؟ وأجيب أنه يمكن أن يكونَ في نسخة المصنف «بإيماء» مكان نائمًا، وقيل: إن نظره إلى لفظ النَّسائي وفيه «بإيماء». ثم اتفق المحدِّثون على أنه تصحيفٌ، والصواب «نائمًا»، فلا يمكن بناءُ الترجمة عليها أيضًا. فإن قلت: إن النائِمَ فَسَّره المُحشِّي بالمضطجع، والمضطجع لا يصلِّي إلا بالإيماء فَثَبَتْ ترجَمَتُهُ. قلتُ: هَبَّ، لكنَّ المصنف رحمه الله تعالى ترجم بإيماء القاعد دون المضطجع. ويمكن أن تُحمل ترجمتُهُ على رأي الذين يُجوِّزون الإيماءَ حالَ القعود أيضًا، كما في «الفتح»، فتصِحُّ ترجمته على مذهبِ هذا البعض. وعندي نَظَرُهُ إلى أَنَّ القاعِدَ له نِصْفُ الأجر كما نطق به الحديثُ، مع أنه لم يترك إلا القيامَ، فلا وَجْه له إلا أنه بالقعود نَقَص في ركوعه وسجوده أيضًا، كما في الحِسّ أنَّ الرُّكوعَ من القيام أتمُّ منه من القعود، وكذلك السجود، فإنَّ الانخفاضَ في سجدةِ القائم يَحْصُل ما لا يَحْصُل في سجدة القاعد، فإذا أدخل النقيصةَ في أركان الصلاة، وكانت تلك الثلاثةُ أركانَها، حَسُن تنصيفُ الأَجر، ثم إنه لا بُعْد أن يُعبِّر عن هذين الركوع والسجود الناقِصَين بالإِيماء وإن عَبَّر عنهما الفقهاءُ بالركوع والسجود. ولا يجب على المصنف رحمه الله تعالى أن يَتَّبِعهم في التعبير أيضًا، ألا ترى أنَّ الحديثَ سَمَّى سجودَ تارك التعديل
стр. 1000
نَقْرًا. فهذه تعبيراتٌ وملاحظاتٌ لا حَجْر فيها، فعبَّر كيف شئت ولا حرج.
١٩ - باب إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ
وَقَالَ عَطَاءٌ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ.
١١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَتْ بِى بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». طرفاه ١١١٥، ١١١٦ - تحفة ١٠٨٣١ - ٦٠/ ٢
بوَّب بالاضطجاع وتَرَك الاستلقاء، وهو المختار عند الشافعية. ويجوز عندنا الاستلقاء أيضًا. واستدل له الزَّيْلَعِي بما أخرجه النَّسائي، وليس في «صغراه»، فالظاهر أنه يكون في «الكبرى»، وفيه الاستلقاء أيضًا. وتمسَّك الشافعيةُ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] حيث اقتصر على الصُّور الثلاثِ ولم يتعرَّض إلى الاستلقاء (١).
قوله: (وقال عَطَاء) ... إلخ سقط عنه الاستقبال. ثُمَّ في القدرةِ بالغير كلامٌ في كُتُبِنَا، وليراجع له «شَرْحُ الوِقاية».
١١١٧ - قوله: (فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب) ... إلخ. واعلم أن الصحابي في هذا الحديث، وفي حديث تنصيفِ الأجر - المار آنفًا - واحدٌ، ولكنَّ الظاهر أنهما حديثانِ مختلفانِ لاختلاف مَتْنِ الحديثين. ثم لا يخفى عليك أنَّ الحديث لم يفصل فيه بين مُتنفلٍ ومُفْتَرِض مع أنه لا يأتي إلا على النافلةِ، وعليه فليعتبر قوله: «إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» ... إلخ. لم يَسُقْه في الفريضة أو النافلة خاصَّةً، بل أطلقه، فيحملُ على ما لا يخالِفُ قواعِدَ الشَّرْع.
فشاكلةُ حديثِ الجحوش، والسقوط عن الفرس كشاكلةِ أحاديثِ تنصيفِ الأجر، والتخيير بين الصلاة قائمًا وقاعدًا وعلى جَنْب، وشاكلةُ أحاديثِ الائتمام: «إنَّما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به». فيبقى بين هذه الأحاديثِ ومسائل جواز القعود وعدمِه عمومٌ وخصوصٌ من وَجْهٍ، قد تجتمعُ في مادة وقد لا تجتمع في أخرى، فعليك أن تَحْمِلها على مَحَالِّهَا، وتأتي البيوتَ من أبوابها. ثم معنى قوله في الحديث: «فإنْ لم تستطع» أي فإن لم ترغب، والمرادُ منه في الفِقْه عدمُ القدرة لا عدمُ الرغبة.
٢٠ - باب إِذَا صَلَّى قَاعِدًا ثُمَّ صَحَّ أَوْ وَجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ مَا بَقِىَ
وَقَالَ الْحَسَنُ إِنْ شَاءَ الْمَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا.
١١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ
стр. 1001
أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. أطرافه ١١١٩، ١١٤٨، ١١٦١، ١١٦٨، ٤٨٣٧ - تحفة ١٧١٦٧
وهو مذهبُ الإماام رحمه الله تعالى، خلافًا لمحمد رحمه الله تعالى بناءً على خلافية أُخْرى، وهي اقتداءُ القائم بالقاعد، فإذا لم يَجُز عنده هناك عَدَل عنه في هذه أيضًا. ودلَّ ذلك على شِدَّةِ مراعاتِهِ بين شاكلةِ الإِمام والمقتدي، حتى لم يتحمَّل الاختلاف بينهما في القعود والقيام أيضًا. ومن فروعه عَدَمُ جوازِ اقتداء المتوضىء خَلْفَ المتيمم عنده، ثُمَّ هذا من مراحل الاجتهاد، ويعتبرُهُ المجتهد إلى أيِّ مرتبة شاء.
وأما صلاةُ النبيِّ ﷺ فتنقل على الأَنحاء كلها، وقد صلَّى قائمًا وركع وسجد وهو قائم، وقد صلَّى قاعدًا وركع وسجد كذلك، وقد صلَّى قاعدًا، فإذا بلغ قبيل الركوع قام وركع وسجد وهو قائم. وهذا يُشْعِر بأنَّ الأحبَّ عند الشارع أن يكونَ الركوعُ والسجودُ عقيبَ الكلام، وهذا الذي كنتُ نَبَّهتك عليه: أَنَّ ركوعَ القائم وسجوده أَتمَّ ولذا عَبَّر البخاري رحمه الله تعالى عن رُكوعِ القاعد وسجوده بالإِيماء.
ثُم إنَّ ابنَ شاهين أخرج حديثًا في «كتاب الناسخ والمنسوخ» يدُلُّ على عدم جواز اقتداء المتوضىء بالمتيمم، وادَّعى أنه منسوخٌ. والذي تبين أنَّه من باب الاقتداء بالقاعد، أعني أن الشارع رَغَّب في كونِ حالِ الإمام أقوى من المقتدي، فعليه أن لا يتحرَّى الاقتداء بالمعذور، كالقاعد والمتيمم مثلا، بل ينبغي له أن يكون إمامُهُ على حال قويَ مِثْله. فإذا كان يَقْدر على القيام نَاسَب له أن يكون إمامُهُ أيضًا مِثْلَه، وكذلك إِنْ كان متوضئًا حَسُن أن يكون إمامُهُ أيضًا كذلك. فالنهي عنه مَحْمولٌ على نَهْي التحري عنه والتَطُّلبِ له، وليس فيه مسألةُ الجواز وعدمه، والله تعالى أعلم.
١١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِىَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، يَفْعَلُ فِى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِى، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ. أطرافه ١١١٨، ١١٤٨، ١١٦١، ١١٦٨، ٤٨٣٧ - تحفة ١٧٧٣٢، ١٧٧٠٩
١١١٩ - قوله: (فإنْ كُنْتَ يَقْظي تَحَدَّثَ مَعِي) واعلم أنَّ في الكلام بعد سُنة الفجر ضَيِّقٌ عند الحنفية. وثبت عن السلف أنهم كانوا يكرهونه أيضًا، وفيهم أسوةٌ للحنفية، ومَنْ أَراد الاطلاعَ على آثارهم فلييراجع «مصنف» ابن أبي شيبة، نعم ثَبَت عن النبيِّ ﷺ الكلامَ بعدها، ولا
стр. 1002
يُقاس كلامُ أَحَدٍ على كلامِهِ.
١١١٩ - قوله: (وإنْ كُنْتُ نائمةً اضْطَجَعَ). قال النَخَعي: إن الاضجطاع بِدْعَةٌ .. ثُمَّ نُسِبَ ذلك إلى الحنفية، مع أنه لم يَقُلْهُ مِنَّا أَحَدٌ. والصواب أنَّ الكلَّ ثابتٌ، ولكنه لم يكن من العبادات، بل كان عادةً له ﷺ فمَنْ أرادَ تحصيلَ الأَجْر في اتباع عاداتِهِ ﷺ فله في ذلك سلفٌ، فَلْيُحْرِزِ الأَجْر ولا حَرَج. ومَنْ قصد أن يَتَّبع في عباداتِهِ فليفعل، ولْيَحْظَى بما قدر له.
***
стр. 1003
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٩ - كتاب التَّهَجُّد
١ - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ
وَقَوْلِهِ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
١١٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِى مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ - أَوْ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ -». قَالَ سُفْيَانُ وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ». قَالَ سُفْيَانُ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِى مُسْلِمٍ سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩ - تحفة ٥٧٠٢ - ٦١/ ٢
واعلم أن التفعُّل ههنا للتجنُّب، بمعنى إزالة الهُجُود. وقال العلماء: إنَّ اسم التَّهَجُّد لا يَصْدُق إلا بعد الهُجُود، فلا يطلق على صلاة الليل قبل الهُجُود. وفي «المِشْكَاة»: «أن هذا السفر جهد وثقل، فَمَنْ صلَّى ركعتين بعد العشاء في أوليهما: «إذا زُلْزلت»، وفي الثانية: «قل يا أيُّهَا الكافرون» كَفَتاه عن التَّهَجُّد». فهذا تهجُّدُهُ قبل النوم، ولكنه لا يخالفُ ما قاله العلماءُ، فإنه تَهَجُّدٌ حُكْمِي. وباب آخَر: ألا ترى أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَر النَّاسَ أن يجعلوا الوِتْر في آخِر صلاةِ الليل، ثُمَّ أَوْصَى للبعض أن يُصَلُّوه قبل النوم. فهذا كلُّه تقسيمٌ على الأَحوال.
ثم إنَّ التَّهَجُّد - وهي صلاة الليل - مُغَايرٌ للوِتْر عندنا ذاتًا، وهما مُتَّحِدَان عند الشافعية، فإنْ صلاهَا قبل النوم سُمِّيت صلاةَ الليل، وإنْ صلاها بعدما استيقظ من نومه سُمِّيت تَهجُّدًا. فالفرق بينهما وصفي، وكذا الوِتْر عندهم. فالوِتْر والتهجُّد وصلاةُ الليل كلُّها عندهم متحدةٌ ماصَدُقًا، ومتباينةٌ مفهومًا واعتبارًا، وهي إحدى عشرةَ ركعةً، ثم قالوا: إنَّ ههنا صلاةً أخرى، وهي النَّفْل مطلقًا والرجل مخير فيها إن شاء صلاها مئة فصاعدًا، بخلاف الوِتْر فإِنَّها لم تثبت فوق إحدى
стр. 1004
عشرةَ في أَصَحِّ الروايات، فلها رَكَعَاتٌ معدودة.
وقلنا: أما الفَرْقُ بين صلاة الليل والتهجُّد فكما ذكرتم، لكنَّ الوِتْرَ صلاةٌ مستقلة، مغايرة ذاتية، متميزة بوقتها، وقضائها، وركعاتها، وتعيين قراءتها. وإنَّما التبست في بادىء النَّظر لارتباطِهَا بصلاة الليل شَيْئَا. فَإِذَا تَقدَّمت وصُلِّيت بعد العشاء قبل النوم، كما كان أبو هريرة وبعضٌ آخَرون يَفعَلُه امتازت عن شاكلةِ صلاة الليل. وقد مرَّ أنها ليست للإيتار فقط، بل صارت صلاةً برأسها، وهو معنى قوله ﷺ «إن الله أمدكم بصلاة» ... إلخ فدلَّ على أن الوِتْر صلاةٌ مستقلة لا أنه للإيتار فقط.
وأما الأحاديث فلا ريبَ أنها وردت بالنَّحْوين: فحديثُ عائشة ﵂ عند أبي داود وغيرِهِ: «كَان يُوْتِر بأربعٍ، وثلاثٍ» ... إلخ، يُبنى على نظر الحنفية، وفصل الوتر عن صلاة الليل. وحديث ابنِ عمرَ ﵁ يُبنى على إطلاقِ صلاةِ الليل على المجموع. فعن ابن عمَر ﵁: أنَّ النبيَ ﷺ كان يُوْتِر على الدابة. أطلق فيه الوِتْر على صلاةِ الليل، ولا حَرَج، فإنَّ الوِتْر منها في الحِسِّ. وفي بعض الملاحظات. وروى الطحاوي عنه مرفوعًا: «أنه ﷺ كان يَنْزلُ له». فلعلَّه أرادَ به الوِتْر من صلاةِ الليل. فروايته الأولى تُبْنَى على إطلاقِ الوِتْر على مجموع صلاة الليل. والثانية على فَصْله منها فلا تعارض. وقد أشكل عليهم الْجَمْعُ بينهما، فحمله الشافعيةُ على مذهبهم، وحمله الطحاويُّ على أنَّ الوِتْر على الدابة كان فيما كان فيه توسيعًا، فإذا عزم الأَمْر وتحتم الوِتْر نزل لها ﷺ والمختار عندي ما سمعتَ آنفًا.
ثُم إنَّ هذه من أنظار الرواة واعتباراتهم لا يُعقد منها شيءٌ ولا ينقض، ولا يصاغ منها أمرٌ ولا يكسر. والقومُ قد بَثُّوا مسائلهم على تعبيراتِهم فقط، فوقعوا في حيرة. والأمر ما حَقَّقْناه في مَوْضعه فتذكره. وما يُعْلَم من صنيع الأئمة أَنَّهما صلاتانِ متغايرتان عندهم كالبخاري. فإنَّه بَوَّبَ للوِتْر، ثُمَّ بَوَّب للتهجد وصلاة الليل. فهذا يدلُّ على أنهما صلاتان عنده. وهكذا صنيعُ غيرهِ. ثم إنَّ الشافعية إذا دخلوا في باب الوتر قالوا: إن الوِتْر ثلاثٌ بالتسليمتين، وكتبوا في آخِر بابه أنه يجوزُ بركعةٍ أيضًا. فاختاروا للعَمل الصورةَ الأُولى فقط، وإذا نزلوا على الجائزات وَسَّعوا بركعةٍ وغيرها. فَعُلِم أن الخلافَ بِحَسَب العمل قليلٌ، وإنما يظهَرُ الجدلُ عند بيانِ الصور الجائزة.
قوله: (﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾) [الإسراء: ٧٩] واختُلِفَ في تفسيرِ النافلة، فقيل: فريضة زائدة لك، خُصِّصْتَ بها من بين أمتك. ثُمَّ ادَّعى النوويُّ رحمه الله تعالى أنه نُسِخ عنه أيضًا. وقيل: عبادة زائدة في فرائضك، وقيل: زائدة لك خاصَّة وليست كفَّارةً بخلافِ أُمَّتِك، لكونك لا ذَنْبَ عليك.
أقول: إنَّ النَّفْل ههنا على صرافة اللغة، لا ما في الفِقْه بالمعنى المقابل للفَرْض، فإنَّه وُضِع له لَفْظُ التطوُّع الدال على كونه من طَوَع العبد بدون إيجابٍ من الله تعالى، أو إعطاء من عنده، بخلاف النَّفْل فإنه يكون من جهةِ النافل بمعنى إعطاءِ الزيادة من جانبه، ومنه نَفَّل الغنيمةَ. فالسَّهم هو الحِصةُ المعيَّنةُ، وما يزيدُهُ الإمام من جانبه لأحد يقال له النَّفْل، لأنه إعطاءٌ منه زائدًا على حِصته، وفَضْلُ منه، فالنَّفل صِفةُ النافل، والتطوع من جانب العبد، فقال: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾
стр. 1005
[الأنبياء: ٧٢] أي مِنْ الله تعالى، لا نافلةً مِنك لله تعالى. وعليه قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] (بخشش) فَنَسب النَّفْل إلى نَفْسه، أي أعطيناك إسحاقَ ويعقوبَ عطية من عندنا. فإِذَن هو بمعنى بلا شيءٍ واستحقاق منك، وترجمته (مفت) أيمجانًا، أو هو فَضْلٌ لك وترجمتُه (بحت).
لكن علي طَور ما قلنا، والنَّفْل بهذا المعنى لا يَضَادُّ الْفَرْض كما في «المشكاة» في أحاديث فَضْل الوضوءِ: «إنَّ الوضوءَ يُكفِّر من الخطايا حتى تكونَ صلاتُهُ نافلة»، أو كما في أحاديث أمراءِ الجَوْر: «فإن صَلَّيت لِوَقْتِهَا كانت لك نافلةً» على شَرْح الحنفية، فإنَّ النافلة أطلقت على الصلاة المتكوبة في الموضعين، كيف وقد مر أنَّ بِنِيَّة النافلةِ والفريضةِ واحدةٌ، وإنَّما الفَرْق من حيثُ لحوقُ الأوامر بواحدةٍ دون أخرى، وذلك من الطوارىء، فالصلاة اسمٌ للهيئةِ المشاهدة المخصوصةِ فقط، ولا تَعَلُّقَ لمسمَّاها بكونِها نافلةً أو مكتوبةً.
وأخطأ الرازيّ حيثُ زعم أن الصلاةَ لَفْظٌ مشتَرَكٌ بين النافلة والمكتوبة، فجعلهما حقيقتَيْنِ مختلفتين مع أنَّ الصوابَ ما قلنا، لأن اختلافَ النَّفْلية والفَرْضية حَدَث من قبلِ الخارج، وذلك لا يُوْجِب اختلافَ الحقيقة. ولعلك عَلِمت منه أنَّ الآية لا تدلُّ على كونِ التهجُّد تَطَوُّعَا في حقِّه ﷺ ومَنْ استدل عليه فكأَنَّه لم يُمْعِن النَّظر. وقد بَيَّنا أنَّ صلاةَ الليل كانت واجبةً أولا، ثُم لم يُنْسخ حرفٌ منها، غيرَ أنه نَزَل الأَمْرُ إلى التيسير، فَحَملُوه على نَسْخ الأَصْلِ. نَعم غُيرت في صفةٍ منها شيئًا، فأُكِّدت منها قطعةٌ سُمِّيْت بِاسمٍ على حِدَة، وهو الوِتْر، وجُعِل له وَقْتٌ وهو آخِرُ الليل لِمَنْ يَعْتَمِد الانتباه وإلا فأوَّلُ الليل، وأَمَرَ بقضائه.
ورُدِّد في وقتِ العِشاء مراعاةً لِوَقْت الوِتْر، ففي بعض الروايات وَقْت العشاءِ إلى النِّصف، وفي البعض إلى الثُّلُث، وإلى جميع الليل. والنَّاسُ زَعَمُوه اختلافًا فتصدُّوا إلى وَجْه التوفيق.
وعندي: هذا الترديدُ مَبنِيٌّ على ترديد القرآن في صلاة الليل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾.
وحاصله: أن الليل كلَّه مَقْسومٌ بين العشاءِ وصلاةِ الليل، فإن صلَّى العشاءَ في النصف الأول يُصلِّي التهجُّد في النصفِ الآخر، وهكذا في جانب القِلَّة والزيادة. ومِنْ ههنا جاء الترديدُ في نزولِ الربِّ ﵎، فإنَّه على النِّصْفِ، والثلث، حَسَب الترديد في صلاةِ الليل. فَرَاع هذه الترديدات كلَّها كيف تَنْحَطُّ على مَحَطَ واحدٍ واعتبره، ولا تَزْعُمْها شكَّا من الرواة. وإذا دريت أن الوِتْر قطعةٌ من صلاةِ الليل، هان عليك أن تَدَّعِي وجوبه، ولولا طريقُهُ. طنيًّا لَقُلْنَا بافتراضه، إلا أنَّ كونَ هذا المقطوعِ والمُؤكَّد وِترًا وعُلِم من أخبارِ الآحاد فاكتفينا بالقَوْل بوجوبهِ. والبسط في رسالتنا «فَصْل الخِطَاب في مسألة أمِّ الكِتَاب».
١١٢٠ - قوله: (قال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) ... إلخ. ولَعَلَّه كان يَدْعُو بهذا الدعاء عقيبَ اليقظة قُبَيْلَ الوضوءِ.
قوله: (أَنْتَ قَيِّمُ السمواتِ) وهي علاقة الَقيُّومِيّة التي اعتبرها الشَّرْع، وهي أَقْرَبُ من عَلاقَةِ الخالقية، وليست تلك عِنْدَ الفلاسفةِ، وعندهم عَلاقَة العِلِّية والمبدئية. فاللَّهُ عندنا حَاكِمٌ على
стр. 1006
الإطلاق، يفعلُ ما يشاءُ ويَحْكُمْ ما يريدُ، وعِلَّةٌ عند الفلاسفة، فإنه لا قدرةَ عندهم له إلا على جانبِ واحد، تعالى اللَّهِ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، كذا نقله الحافِظ ابنُ تيمية رحمه الله تعالى.
قلتُ: وهوالصوابُ من مذهبهم، فإنَّ ابن رشد لَخصَّ «مقالات أرسطو» وذكر فيه: أنَّ المُمْكِنَ عنده مايوجَدُ تارةً وينعدِمُ أخرى، والممتَنِعُ ما لا يوجَدُ أبدًا، والضصروريُّ ما يوجَدُ أبدًا. وصرَّحوا أن الفَلَك ضروريُّ. وعلى هذا لا يُقال في البسيط أن فيه حَيْثِّيثن: حيثية الإمكان بِحَسَب ذاته، والامتناع باعتبارِ الغير. نعم يمكن أن يُقال إنه واجِبٌ باعتبار ذاتِه، ومُمْكِنٌ باعتبارِ حركتِه. فحيثيةُ الإمكان ليست بالنَّظَر إلى الذاتِ، بل باعتبار الحركة. أما كونُ ذاتِهِ ممكنًا باعتبار، وواجبًا باعتبار، فهذا مما لا يُسَوَّغُ عنده. ثم قال: إنَّ أوَّلَ مَنْ أوجده ابنُ سينا، فهو يَنْظُر إلى طبيعةِ الشيء ودوام وجودِهِ، فيحْكُمْ عليه بِحُكْم النَّظر إلى طبيعتهِ، وبِحُكْمٍ آخَر بالنظر إلى وجودِهِ، بخلاف الفلاسفة، فإنَّهم عدلوا عن إخراج الاعتبارين في الأشياء الدائمة. وحيئنذٍ لم يَبْقَ لاسمِ واجبِ الوجود مَزَّيَتُهُ، فإن الفَلَكِ عندهم أيضًا واجِبُ الوجودِ.
ومِنْ ههنَا تَبَيَّنَ أن ما استدل به ابنُ سينا على إثباتِ الواجب لا يتأتَّى على قواعدِهِمْ. فإنَّه قال: إنَّ من الأشياءِ ما هي ممكنةٌ بحسبِ ذواتها، دائمةٌ باعتبارِ وجودها، فلا بد أن تنتهي إلى عِلة واجبةٍ، فإن الدوام لا يَخْلو عن سببٍ، فثبت الواجب. وهذا كما ترى يُبنى على القولِ باعتبارين في شيءٍ واحدٍ وقد أنكروه. نعم للفلاسفة على هذا المطلب دَلِيلٌ آخَر على طورهم، وهو أنَّ التسلسلَ في العلل مُحال، فلا بد أن تنتهي إلى واجب وهو المراد. وراجع التفصيل في مواضعه.
قوله: (أَنْتَ نُوْرُ السَّموَاتِ) ... إلخ. وفي «المِشْكَاةِ»: «إنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ الأَشياءَ في الظلمة، فَرَشَّ عليها مِنْ نُورِهِ، فمن أصابَه اهتدى، ومَنْ أخطأه ضَلَّ» أو كما قال.
قوله: (أَنْتَ مِلْكُ السَّموَاتِ) .. إلخ. وذكر عَلاقَة المِلْكية.
قوله: (أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ ولقاؤَكَ حَقُّ) ففي الأَوَّلِيْنَ قَصَر، وأما اللقاء فلم يكن من أشياءِ القَصْر فَنَكَّرَه.
قوله: (وَبِكَ خَاصَمْتَ) أي في الدَّيْن، (وإليك حَاكَمْتِ) أي فيه.
قوله: (وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيْم) ... إلخ. وهو ابن أبي الْمُخَارِق. ضَعَّفَه الترمذي في جميع المواضع، وليس الجَزَري وهو ثقة. وعَدَّه المُنْذِرِي في الترغيب والترهيب من رجال البخاري وإن كان في المتابعات، وردَّ عليه الحافظ رحمه الله تعالى وقال: ذكره في سَرْد القصة لا في الإسناد، وهذا كَذِكْر الشيطانِ وأمثالِهِ في قَصَص القرآن ولا يَلْزِم مِنْ الذِّكْر في ذيل القِصَّة ثِقَتُهُ أصلا.
قلت: والصواب ما قاله الحافِظُ رحمه الله تعالى. ثم أقولُ إنَّ «عبد الكريم» هذا وإن لم يكن مِنْ رِجال البخاري، إلا أنَّه يمكنُ أن يكونَ البخاريُ أخرج عنه قِطعةً ههنا لِما شَهِد بِصِدْقِه قَلْبُهُ في خصوصِ هذا المقام.
стр. 1007
٢ - باب فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَحَدَّثَنِى مَحْمُودٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِى حَيَاةِ النَّبِىِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِى الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَيْتُ فِى النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِى فَذَهَبَا بِى إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِىَ مَطْوِيَّةٌ كَطَىِّ الْبِئْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ - قَالَ - فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِى لَمْ تُرَعْ. أطرافه ٤٤٠، ١١٥٦، ٣٧٣٨، ٣٧٤٠، ٧٠١٥، ٧٠٢٨، ٧٠٣٠ - تحفة ٦٩٣٦
١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ». فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَاّ قَلِيلاً. أطرافه ١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٢٩، ٧٠٣١ - تحفة ١٥٨٠٥
١١٢١ - قوله: (وكُنْتُ أَنَامُ في المسجد) وقد عَلِمْت أَنَّ ابنَ عمرَ ﵁ كان مِمَّنْ أرادَ أن يبني بيتًا من مَدَر، فلم يُعِنْه النَّاسُ عليه، فلا بأس لِمِثْلِهِ أن ينامَ في المسجدِ.
قوله: (كَطَيِّ البِئْر) كنوئين كي من.
قوله: (لم تُرَع) وهو وإنْ كان جَحْدًا لكنَّ ترجمتَه النهيُّ، أي لا تُرَاعُوا، ويمكن حَمْلُهُ على الجَحْد أيضًا.
٣ - باب طُولِ السُّجُودِ فِى قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِى لِلصَّلَاةِ. أطرافه ٦٢٦، ٩٩٤، ١١٦٠، ١١٧٠، ٦٣١٠ - تحفة ١٦٤٧٢ - ٦٢/ ٢
١١٢٣ - قوله: (يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ ما يقرأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِيْنَ آيةً) واعلم أنَّ النبيَّ ﷺ كان نهاهم عن الاقتداءِ به في صلاةِ الليل، لأنَّه لم يكن يُرَاعي فيه حال الضفعاء، والمَرْضَى. ودل هذا أَنَّ بناءَها كان على الانفراد، وإليه أشار القرآنُ بقوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] فَفَصَلَهُ عن الخمسة وقال: ﴿أَقِمْ الصلاةَ لِدُلُوك الشَّمْسِ إلى غَسَقِ الليل وقرآنَ الفَجْرِ﴾ فهذه خَمْسُ صلوات أَمَرَ بِإِقَامتِهَا، وإقامتُهَا أَنْ يُؤَدِّيَهَا مع الجماعاتِ في مساجدَ يُنَادَى بِهَا، ثُم ذَكَر التهجُّدِ فقال: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ فعبَّر عنها بالنافلة لعدم شَركة الجماعةِ فيها، فإنَّ الصلواتِ الخَمْسَ فيها شركاءُ معك، كالسَّهْم يشترِكُ فيه الغانمون كلُّهم.
стр. 1008
وأما النَّفْل فلا يكون فيه للجماعةِ حَقٌّ، كذلك هذه الصلاة نافلةً لك، فلا تدخل الجماعةُ معك فيها، فهي حالُكِ الأحاديُّ وَوِظِيْفتُكَ الانفرادية، ولذا قال إمامنا رحمه الله تعالى: إن التداعِي في صلاةِ الليل مكروهةٌ. وَحَدُّ التداعي عندي - كما في العُرْف - بِأَنْ يُدْعَى لها الناسُ. وما ذَكَرَه المُفْتُون فهو تحديدٌ للعَمَل لا أنه مَنْقُولٌ عن صاحبِ المذهب.
ثُمَّ إنَّ النَّسائي بَوَّب عليه بأن تلك السجدةَ الطويلةَ كانت على حِدَة لا في ضمن الصلاة.
قلتُ: وهو بعيدٌ عن الصواب، بل كانت ممن أركانِ الصلاة. أمَّا السجدةُ المفردة فاستحبَّها الشافعيةُ في أوقاتٍ مختلفة: بِأَنْ يسجدَ بها متى شاءَ، وهذا في غَيْر مَوْضع الشُّكْر أيضًا.
قلتُ: ولا أَصْلَ لها عندنا، نعم في الكتب في سجدة الشكر قولان، ولا بُدَّ من القول بالجواز. وأمَّا ما اعتاد بها الناسُ بعد الوِتْر والتراويح فمنع منها في «الكبيري شَرْح المنية».
٤ - باب تَرْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ
١١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ اشْتَكَى النَّبِىُّ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ. أطرافه ١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣ - تحفة ٣٢٤٩
١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. أطرافه ١١٢٤، ٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣ - تحفة ٣٢٤٩
واعلم أن المصنف رحمه الله تعالى أخرج ههنا متنًا واحدًا له سَنَدَانِ وَحَوَّل بينهما، وجعل في كتاب التفسير في تفسير سورة «والضحى» (ج ٢/ ٢٧٣٨) متنَين بِسَنَدَيْن، هكذا قال: سَمِعت جُنْدُب بن سفيان قال: اشتكى رسولُ اللَّهِ ﷺ فلم يَقُم ليلةً، أو ليلتين، أو ثلاثًا، فجاءت امرأةٌ فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكونَ شيطانُك قد تَرَكَكَ» ... إلخ. والمرأةُ هذه امرأةُ أبي لَهَب كما يَنْطِقُ به خُبْثُ تعبيرِهَا. وعنه قالت امرأةٌ: «يا رسولَ الله مَا أَرَى صَاحِبَك إلا أَبْطَأَك» ... إلخ. والمرأةُ هذه هي أُمُّ المؤمنين خديجةُ رضي الله تعالى عنها كما يُشْعِرُ به مخاطَبَتُهَا إيَّاهُ ﷺ وإنَّما ذَكَرَتْهَا تَحَسُّرًا، ثم ذَكَر فيهما نُزولَ الآيةِ، ولا يُتَوهَّم الاضطرابُ بينهما.
والجواب: أنَّ الآيةَ نَزَلَتْ بعدهما، إلا أنه ليس مَوْضِع التحويل، فإنَّه يدل على كونهما قصةً واحدةً، ومتنًا واحدًا من إسنادين مع أنهما متنانِ مختلفان بإسنادين كذلك، كما يتضِحُ من كتاب التفسير، وفي مِثْله لا يناسب التحويلُ، إلا أنَّ المصنِّفَ رحمه الله تعالى لما أخرجهما في كتاب التفسير لم يبالِ بهذاالإيهام. ولعلَّ غَرَضَه ههنا التنبيه على كَوْنِ هاتين القطعتين في واقعةٍ
قلتُ: بل إذا أُريد به اللفظُ يصبر عَلَمًا لِنَفْسِهِ، وحينئذٍ تكون هي المُنَادى.
واعلم أن محمدَ بنَ مقاتل هذا تمليذ عبد الله بنِ المبارك، وهو تلميذُ الإمام أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى، فإذَن هو حنفيُ يُرْوى عنه في الفقه.
قوله: ﴿وكانَ الإنسانُ أكْثَرَ شيءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَتَرْكُ العملِ والاعتمادُ على القَدَر سَمَّاه القرآنُ جدلا. وحَاصِله أن النبيَّ ﷺ لم يَرْضَ مِنْ تَمَسُّكِهِ بِالقَدَر، فإنَّ المرءَ إذا لم يستطع القيامَ على شيء فهو عُذْرٌ صحيح، ويغمض عنه عند الكرام. أمَّا إذا لم يهيىء نَفْسَه واحتال بالقَدَر ولاذَ به فهو مُجَادِلٌ لا معذورٌ، ولذا لم يَرْضَ به النبيُّ ﷺ .
١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِى صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِى مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَاّ أَنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ»، وَذَلِكَ فِى رَمَضَانَ. أطرافه ٧٢٩، ٧٣٠، ٩٢٤، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٥٨٦١ - تحفة ١٦٥٩٤ - ٦٣/ ٢
١١٢٩ - قوله: (إنِّي خَشِيْتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) وهل من السُّنَن الإلهية إيجابٌ شيءٍ بالتزام الناسِ أمرًا كالتزام الفريضة في زمن نُزولِ الوحي؟ فما يُعْلَم من سُنَن الدين أنه قد يُوْجَبُ لكونِهِ محبوبًا عند الله . كالتراويح، فإنهم إذا التزموه خَشِي النبيُّ ﷺ افتراضَه، وقد يُشَدَّد من جهةِ الله سبحانه معاتبةً أيضًا، وهذا إذا شدَّد المرءُ على نَفْسه مضادةً كما في قصة البقرة.
ثُمَّ في «البدائع» عن القاضي عياض: أنَّ الشُّروعَ في النَّفْل نَذْر فِعْلِيّ، فيجبُ كالنذر القولي، وهذا يفيد الحنفية. قلتُ: ويُسْتأَنسُ له من هذا الحديث أيضًا، فإنَّه يُشْعِر بأن الشيءَ قد يَجِب بالالتزام أيضًا.
٦ - باب قِيَامِ النَّبِىِّ ﷺ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ. وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ، ﴿انْفَطَرَتْ﴾ انْشَقَّتْ.
كان يَفْعَلُ ذلك عند نزول أوائل المُزَّمِّل صيانةً للقَدْر المفروض، فإنه أَمْرٌ بقيامِ الليل كلِّه إلا قليلا. وفي الروايات: أنَّ اللَّهَ سبحانه كان خَيَّره في قيام الليل فأحيا كله إلى سَنَةٍ من عند نَفْسِه حتى تورَّمت قدماه، ونزل التيسير. وقد مَرَّ معنا التردُّد في كتاب الإيمان، أنَّ المأمورَ به كان هو القيامَ بالليل كلِّه أو بَعْضِه، كما يُشْعِر به أوَّلُهَا، أو القرآن كما يُشْعِر به قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] والقيامُ يتأدَّى بِتَرْك الهُجُود فقط. فالنظرُ يَدُور في أن الأصلَ هو القيامُ والترتيل تكميلٌ له، أو الأصلَ هو الترتيلُ والقيامُ لأجْل الترتيل والذي ظهر لي أنَّ المأمورَ به هو
стр. 1011
القيامُ، والترتيلُ تكميلٌ له، ولذا أشار إليه الحافظُ رحمه الله تعالى أن قيامَ الليل يتأدَّى في ضِمْن الأذكارِ وغيرِهَا أيضًا (١).
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّىَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا». طرفاه ٤٨٣٦، ٦٤٧١ - تحفة ١١٤٩٨
١١٣٠ - قوله: (أفلا أَكُوْنُ عَبْدًا شَكُورًا) قيل: إنَّ الهمزةَ تقتضي الصَّدْر، والفاء تقتضي الدَّرْج، فكيف التوفيقُ بين مقتضاهما؟ فَقَدَّرَ له الزمخشريُّ فِعْلا وقال: أصله أأتركُ قيامَ الليلِ فلا أكونُ عبدًا شكورًا، فيكونُ الفِعْلُ الأول سببًا، والثاني مُسبَّبًا. وحاصِلَهُ أنه لو تَرَك الصلاةَ لم يكن عبدًا شكورًا، وخاصله جمهورُ النحاةِ وقالوا بترجيح حَقِّ الاستفهام على حَقِّ الفاء، فبقي الاستفهام على صَدَارَتِهِ، والعطف وإن اقْتَضَى الدرج لكنه تُرِكَ مقتضاه ههنا. وحينئذٍ حاصله أن المغفرةَ لا تقتضي تَرْكَ الاجتهادِ والعبادة، فإن الاجتهادَ قد يكونُ لتكفيرٍ، وقد يكون لأداء الشُّكْر، وهذا هو الأَصوب عندي، وإليه يشيرُ قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وفي قوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ... إلخ إشارةٌ بليغةٌ إلى أنَّ للتهجُّدِ دخلا في وصولِ المقام المحمود. ثُمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقْسِمُ لَيْلَه أسداسًا: السدسان الأَوَّلان - وهما الثلث - للعَشَاء، ثم السُّدس للاستراحة، ثُم السدسُ الرابع والخامس في العبادة، ثُمَّ للاستراحةِ، وهذا في الأَغلب.
٧ - باب مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
١١٣١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضى الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇ وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا». أطرافه ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧ - تحفة ٨٨٩٧
стр. 1012
١١٣٢ - حَدَّثَنِى عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَىُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ قَالَتِ الدَّائِمُ. قُلْتُ مَتَى كَانَ يَقُومُ قَالَتْ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى. طرفاه ٦٤٦١، ٦٤٦٢ - تحفة ١٧٦٥٩
١١٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ذَكَرَ أَبِى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِى إِلَاّ نَائِمًا. تَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ .
تحفة ١٧٧١٥
والسَّحَر سُدُسُ اللَّيل الآخِر.
١١٣٢ - قوله: (الصَّارِخ) وفي «سيرة العراقي» أنه كان عندَ النبيُّ ﷺ دِيكٌ أَبْيض.
*وكان عند النبيِّ الديك أبيض له ... كذا المُحِبُّ الطبريُّ نَقَلَه
٨ - باب مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ
١١٣٤ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضى الله عنه - تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِى الصَّلَاةِ قَالَ كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. طرفه ٥٧٦ - تحفة ١١٨٧ - ٦٤/ ٢
يعني ثبت عنه النَّوْمُ عند السَّحَر بعد قيامِ اللَّيل، كما في الباب السابق. وثَبَت عنه أنه تَسَحَّر فلم ينم حتى صَلَّى الصُّبْح، وذلك في رمضانَ غالبًا.
قوله: (خمسين آية) وتعجَّب الحافِظُ رحمه الله تعالى على قِلَّة تلك الفاصِلة. قلتُ: ولا عجب فيه من صاحبِ الوحي، فإنه تنامُ عيناه ولا يَنَامُ قَلْبُهُ.
٩ - باب طُولِ الْقِيَامِ فِى صَلَاةِ اللَّيْلِ
١١٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلْنَا وَمَا هَمَمْتَ قَالَ هَمَمْتَ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِىَّ ﷺ . تحفة ٩٢٤٩
١١٣٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِى
стр. 1013
وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. طرفاه ٢٤٥، ٨٨٩ - تحفة ٣٣٣٦
١٠ - باب كَيْفَ كَانَت صَلَاةُ النَّبِىِّ ﷺ ، وَكَمْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ
١١٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ إِنَّ رَجُلاً قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ قَالَ «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». أطرافه ٤٧٢، ٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ٩٩٥ - تحفة ٦٨٤٣
١١٣٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِىِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِى بِاللَّيْلِ. تحفة ٦٥٢٥
١١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ. فَقَالَتْ سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتَىِ الْفَجْرِ. تحفة ١٧٦٥٤
١١٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. تحفة ١٧٤٤٨
وقد مر معنا أن الحافظ رحمه الله تعالى جعَل سُؤاله راجعًا إلى العدد، كأنه لم يكن عالِمَا بِعَدد صلاةِ اللَّيل فَعَلِمه أنها مَثْنَى مثنى. وسؤاله عندي عن نَضْد الوِتْر مع صلاةِ الليل، أي أين يضَعُهُ، بعدَها أَم قَبْلَها؟ فكأَنَّه كان عالِمَا بصلاةِ الليل والوِتْر من قَبْل، فأرادَ أن يتحقَّقَ عن تَرِتِيبهِمَا، فأجابه أن يجعلَ الوِتْر في آخِر صلاتِهِ، فيجعلها وِتْرًا. وهذا هو المُصرَّح في سياق «مسلم». ونكتةُ قوله: «مَثْنَى مَثْنَى» قد قَدَّمناها مِنْ قَبْل مشروحةً ومُفَصّلة.
ثم إنَّ صلاةَ لَيْلِهِ ﷺ ثبتت إحدى عشرةَ، وثلث عشرة ركعة، وإن وهم بعض الرواة في
بعض الروايات فذكر الأول مكان الآخر فذاك وَهَمٌ في الرواية فقط، أمَّا عادتُهُ ﷺ فقد ثَبَتتَ بالنَّحْوَين.
١١٤٠ - قوله: (مِنْهَا الوِتْر وَرَكْعَتَا الفَجْر) وإنما يَذْكُرُهما الراوي مع الوِتْر لاتحاد مَوْضِعِهِما. فإنَّه كان يُصلِّيهما حيث كان يصلِّي الوِتْر. وهما في الحقيقةِ صلاتانِ مختلفتانِ. وكأن لهاتين شَبَهًا بصلاةِ الليل وشَبَهًا بصلاةِ النَّهار، فيعدهما الراوي تارةً في الليليةِ، وأُخْرى في النهاريةِ، رعايةً للشَّبَهَيْن، فإنَّهما في آخِر جزءٍ من الليل، وأوَّل جزءٍ من النهار.
ثُم اعلم أنَّ روايةَ القاسِم بن محمد عن عائشةَ ﵂ هذه أخرجها الدارقطنيُّ أيضًا، وفيها: أن وِتْره كان بواحدةٍ، وليس فيها ذِكْر سائر صلاةَ لَيْلهِ ﷺ فظنَّه الشيخُ النِّيمَوِي
стр. 1014
رحمه الله تعالى دليلا على كونِ الوِتْر بواحدةٍ.
قلتُ: وتلك الروايةُ هي هذه الرواية بعينها متنًا وسندًا، واختُصِرت عند الدارقطنيِّ رحمه الله تعالى. وأخرجها البخاريُّ رحمه الله تعالى مُفَصلةً، وفيها وِتْرُهُ بثلاثَ عشرةَ ركعةً كما رأيت، فليُتَنَبَّه. ومِثْل هذا قد وقع من الرواةِ كثيرًا، ومَنْ لا ينظرُ إلى طُرُق الروايات يقع له مِثْلُهُ كثيرًا. وقد كَشَفْنَا عن وُجوهِ التعبير وما رامه الرواة شيئًا من قبل فتذكره. والتفصيل في «كَشْف السِّتر عن مسألة الوِتْر».
١١ - باب قِيَامِ النَّبِىِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ [المزمل: ١ - ٧] وَقَوْلِهِ ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ، ﴿وِطَاءً﴾ قَالَ مُوَاطَأَةَ الْقُرْآنِ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ [التوبة: ٣٧] لِيُوَافِقُوا.
وهذا الذي نَبَّهْتُكَ عليه: إنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى ذَهَب إلى شرعيةِ بَعْضِ صلاةِ الليل، ونَسْخ البَعْض، ولذا أتى بِحَرْف التَّبْعِيْض. ثُمَّ هذه الإشارةُ على ما حَرَّرْتُ من قبل، أَنَّ «مِنْ» في سائر كتابه للتبعيض. والشارحون قد يجعلونَها بيانيةً، وقد يجعلونها تَبْعِيْضيَّةً. وإنَّما اخترت ما اخترت ليكونَ النَّسق في جميع كتابه واحدًا. وراجع كلامَ الرَّضِيِّ للفَرْق بين البيانيةِ والتبعيضية.
ومِمَّنْ صَرَّح بِعَدِم نَسْخِهَا القاضي أبو بكر العربي (١) وهو المختار عندي. وَلَعلَّهَا كانت مشروعةً من الابتداء حين كانت الصلاتان فقط، ولذا نَجِدُ ذِكْرَها مع الصلاتين في غيرِ واحدٍ من الآياتِ. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ [ق: ٣٩، ٤٠] ... إلخ، ثُمَّ بقيت حِصَّةٌ منها إلى زَمن افتراضَه الخَمْسِ وإن تَغَيَّرت شَاكِلَتُهَا شيئًا.
стр. 1015
تحقيق ما يستفاد من ترديد القرآن في صلاة الليل في سورة الزمل
واعلم أن هذه الآيةَ جَعَلت الثُّلُثَ الأوَّل للعشاء خاصةً، والثُّلُبَ الآخِر لصلاةِ الليل خاصةً. ثُمَّ جعَلَت السُّدُسَ الأَوْسَطَ صالحًا لهما (١). فإن صَلَّى فيه العشاء صار النِّصفُ لها، وإن صَلَّى فيه صلاةَ الليل صار الثُّلُثَانِ لها. ثُمَّ جَعَلَتْ النِّصْفَ دعامةً في هذا التقسيم، أي ينبغي لك يا محمدُ أن يكونَ النِّصْفُ بِمَرأَى عَيْنَيك حتى تَقْسِمَ ليلَك بين العِشَاءِ وصلاةِ الليل بِحَسَبه. ولذا قال الفقهاء: إنَّ تأخيرَ العِشَاء بعد النِّصْف مَكْروهٌ تنزيهًا أو تحريمًا على القولين. والمختارُ عندي الأوَّل، كما هو عند الطَّحَاوي. فإن زِدْت عليه شيئًا فلك فيه خيرٌ، وإن انتقَصْت منه فلا بأسَ عليك. فأنت في الصُّوَرَ كُلِّها على خِيَرة بعد أن يكون النِّصْفُ ملحوظًا في ذِهْنِك، ولذا جاء التعبيرُ في النَّصِّ كما رأيتَ مردِّدًا (٢).
стр. 1016
قوله: (وَطَاءً مُواطأة). قلتُ: والتفسيرُ في غَيْرِ مَوْضِعه. والذي يلائِمُهُ هو تفسيرُ الوطأ به. فإنَّ الوِطَاء - بالكسر - معناه المواطأة والموافقة، أي ما يخرجُ من اللسانِ يوافِقُه القَلْبُ. أما الوَطَأ - بالفتح - فمعناه وَطأ الشيء أي دَاسه. ومن العجائب أنَّ المشهورَ في كُتب التجويدِ من قراءة حَفْص هو الوِطَاء - بالكسر - مع أن قراءةَ أهلِ الهند هو الوَطَاء - بالفتح: وهُم يقرؤون قِراءَةَ حَفْص، فلا أدري من أين اشتهر هذا. ولَعَلَّك عَلِمْت أنَّ ابنَ عباس رضي الله تعالى عنه إنَّمَا فَسَّر قراءةَ الكسر دون الفتح.
١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا - رضى الله عنه - يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَاّ رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلَاّ رَأَيْتَهُ. تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ. أطرافه ١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١ - تحفة ٧٤٢، ٦٨٢، ٦٨٠
١١٤١ - قوله: (يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لا يَصُومَ مِنْهُ). ولَمَّا لم يُوَاظِب النبيُّ ﷺ في باب الصيامِ والصلواتِ على عادةٍ كلية، لا باعتبارِ حِصَص الليل، ولا باعتبارِ المِقْدَار، بقي تعبيرُ الرواةِ عن وظائِفِه كما ترى، فاعلمه.
١٢ - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ
١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا
стр. 1017
طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَاّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ». طرفه ٣٢٦٩ - تحفة ١٣٨٢٥
وفي «الفتح»: أَنَّ الشيطانَ يأتي بِحَبْلٍ طَوِيْلٍ، ثُمَّ يَنْفِثُ فيه يقول: عليك لَيْلٌ طَوِيْلٌ ... إلخ، ويَعْقِد عُقدة. قلتُ: وَلَعَلَّ حَبْلَه هذا من عالم المِثَال. وَتَفَطَّن الحافِظُ رحمه الله تعالى من هذا العَقْد أنه مُشيرٌ إلى وجوبِ صلاةِ الليل شيئًا، فإنَّ حقيقةَ النَّفْلية لا يليق بها العَقْدُ، فاحتال لِدَرء الوجوب وقال: إنَّ هذا العَقْدَ فِيْمَن نام عن صلاةِ العِشَاء. وسيجيء ما فيه عندي.
١١٤٢ - قوله: (فَذَكَرَ الله) ... إلخ. وهذه الأذكارُ مما جاء قَبْل الوضوءِ عقيبَ النوم، كالحمد الذي مَرَّ في أَوَّل التَّهَجُّد.
قوله: (نَشِيْطَا) (سبك جان - هلكى طبيعت).
١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فِى الرُّؤْيَا قَالَ «أَمَّا الَّذِى يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ». أطرافه ٨٤٥، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٣٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٤٧ تحفة ٤٦٣٠ - ٦٦/ ٢
١١٤٣ - قوله: (أَمَّا الذي يُثْلَغُ رَأْسُهُ) ... إلخ. واعلم أنَّ الذي نام عن صلاتِهِ في الليلِ وَرَد فيه ثلاثةُ ألفاظ: العَقْدُ على القَفَا، وثَلْغُ الرأس، والبَوْل في الأُذن. والدليل على الوجوب هو الثاني فقط، بخلاف الأَوَّل والثالث، فإنَّهما مَضَرَّتَان كَوْنِيَّتَان. وذلك لأنَّ ثَلْغَ الرأسِ عذابٌ من جهةِ اللَّهِ . فَصَلَحَ حُجَّةً على الوجوبِ، بخلاف العَقْد والبول فإنَّهما ضَرَرانِ من جهة الشيطان كَوْنًا، أي يسقط هو عليه، فلا يثبت منه الوجوبُ. فإن الشيطانَ في سجيته عداوةُ الإنسان، فيراقبه في الأحوال كلِّها حتى يُفْسِد عليه طعامَه، وشرابَه ونومَه، وأَمْرَه كُلَّه، فإذا وَجَد موضِعَا يمكنُ أن يُفْسِده، لم يُفلِته حتى يُفْسِدَه، فلم يكن من نوع العذاب. ألا ترى أنَّ الجُنُب لو نام على حالِهِ، ولم يَغْتَسل ومات على جنابته لا تحضُرُه الملائكة. فهذا ضَررٌ عظيم له، إلا أنه لا يثبتُ به الوجوبُ حتى جاز له أن ينامَ على جنابته وإنْ كُرِه. وقد علمت فيما مَرَّ أَنَّ الحِلَّ والحُرمة والإيجاب والنهي إنما تَثْبُت بِتَوجُّهِ الخطابِ من صاحبِ الشرع ولا دَخْل فيها للأنظار المعنوية، بمعنى أنها لا تدورُ عليها، وإن كان المأمورُ به مما ينبغي أن يكونَ حَسنًا، وكذلك المنهي عنه قَبِيْحًا، ولكن ليس كلُّ قبيحٍ منهيًا عنه، ولا كُلُّ حسن مأمورًا به. والتفصيل قد سبق غير مرة.
ثم قوله في حديث سَمُرَةَ - مرفوعًا - الآتي «وينامُ عن الصلاة المكتوبةِ» ودليلٌ على أنَّ ثَلْغَ الرأس جزاءٌ لِتَرْك المكتوبة دون صلاةِ الليل. وهذا الذي حَمَل الحافِظَ رحمه الله تعالى على تأويل السابق. فلا يقومُ حجةً على وجوبِ صلاةِ الليل، فيخالفُ ما قَرَّرتُ سابقًا.
قلتُ: بل الثَّلْغُ جزاءٌ لِتَرْكِهِ صلاةَ الليل. وإنَّما جاء ذِكْر تَرْكِهِ المكتوبة في السياق لكونه تَرَكَها أيضًا، وذلك لأن هذه الرواية تأتي في الجنائز أيضًا في صَدْر الجزء السادس ممن الصحيح (ج ١/ ١٨٥) والراوي اقتصر فيها على تَرْك القرآنِ فقط، ولم يذكر تَرْك المكتوبةِ. فظهر به
стр. 1018
المناط. وإنَّ ذِكْر المكتوبة كان في ذيل تقبيحه. ففيها: «والذي رأيتُهُ يَشْدَخُ رأسَه فرجلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يَعْمَل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة» ... إلخ فَتَرْكُ المكتوبةِ جريرةٌ عظيمةٌ، إلا أن هذا الجزاءَ المخصوص لِرَفْض القرآن، وله المدخل فيه خاصَّةً. ولذا ترى يذكُر معه تَرْكَ المكتوبةِ تارةً، ولا يذكُر أخرى. وهناك أتى الحافظ (١) رحمه الله تعالى برواية: «إنَّ الشيطانَ يأتي بحبل في سبعينَ ذراعًا. فَيَنْفُثُ فيه: عليك ليلٌ طويل». فيفوتُ عنه وِتْرُهُ - بالمعنى. وفيها لفظُ الوِتْر، فهذا يفيدُ الحنفية رحمهم الله تعالى.
فإن قلتُ: الذي نام بعد ما صلَّى العشاءَ فذلك رجلٌ نام على خير، فَلِم مَكَّنَ اللَّهُ تعالى منه الشيطانَ؟ قلتُ: ومِثْلُه يَرِد على طَعَامِ مَنْ ترَك التسميةَ أيضًا. والوجه أنَّ في مِثْلِه وَرَدَالتقبيحُ من الشارِع فَحَسْب، أما بابُ الإِيجابِ فَأَمْرُ آخَر. ثم إنَّ البخاري أخرجه في باب تعبير الرؤيا (ج ٢/ ١٠٤٣) وفيه في ذلك الرجل: «إنا أَتينا على رجلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائمً عليه بصخرةٍ» ... إلخ. وفي صدر الجزء السادس: «مضطجعٌ على قَفَاه».
وإنما عُذِّب مُضْطَجِعًا على قَفَاه، لأنه كان نامَ عن قرآنه كذلك. ولَمَّا كان القرآنُ في الرأسِ، ثَلَغ رأسَه جزاءً من جِنْسٍ عَمِلَه. فَذِكْر النَّوْمِ عنه بالليل، وتَرْك العملِ به في النهار يؤيده أيضًا، فإنَّ الصلواتِ سواءٌ كانت ليليةً أو نهاريةً تَرْكُهَا سواء، فَلا دَخْلَ لليلتها في ثَلْغ الرأس، فالعذابُ بِتَرك المكتوباتِ على تَرْك الليلةِ والنهاريةِ سواء، فلا تَظَهر لِذِكْر الليل فائدة. على أن ثَلْغَ الرأسِ لا يناسِبُ جزاءً لِتَرْكِ الصلاةِ بخلاف تَرْك القرآن. فهو جزاءٌ لِتَرْك القرآنِ قطعًا، ولأجله شُرِعَت صلاةُ الليلِ، وهو الذي يَتَرشَّح من قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] فالمأمورُ به هو القرآنُ والصلاة لأَجْلِ ترتيلِ القرآنِ فيها. ولذا خَصَّصَ أَهْلَ القرآنِ بمزيدِ التأكيدِ بها وقال: «فأوتُرُوا يا أهلَ القرآنِ».
والحاصل: أنَّ المقصودَ أولا هو حِفَاظةُ القرآنِ وهي أَوْكَدُ على الحِفَاظ. ثُمَّ عمَّت الوظيفةُ لسائر الناسِ، ووجب الوتر في صلاة الليل على مَنْ حَفِظَ القرآن ومَنْ لم يَحْفَظه.
١٣ - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِى أُذُنِهِ
١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ «بَالَ الشَّيْطَانُ فِى أُذُنِهِ». طرفه ٣٢٧٠ - تحفة ٩٢٩٧
وبوله أَخَفُّ من الوعيد وأَرْفع من التقبيح. فأشدُّهَا الثَّلْغُ، ثُمَّ البول، والعقد أخفُّهَا. وبالجملة هو ضررٌ كونيٌّ لا يقومُ حجَّةً على الوجوب وإن استشعر الحافظ رحمه الله تعالى منه الوجوبَ، ثُمَّ رام عنه التفضيِّ بوَجْهٍ مَرَّ ذِكْرُهُ.
стр. 1019
١١٤٤ - قوله: (ذُكِرَ عند النبيِّ ﷺ رجلٌ) ... إلخ. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو ابنُ مسعود رضي الله تعالى عنه. قلت: بل هو رجلٌ آخَرُ، ولو كان هو لما أخفى اسمه، كما صرح به في رواية أُخْرى، وقال: وبال الشيطانُ مرةً في أُذُنِ صاحبِكم، يعني نَفْسه بالمعنى.
١٤ - باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَقَالَ الله : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾: أَىْ مَا يَنَامُونَ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ وَأَبِى عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ». طرفاه ٦٣٢١، ٧٤٩٤ - تحفة ١٣٤٦٣، ١٥٢٤١
١٥ - باب مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ
وَقَالَ سَلْمَانُ لأَبِى الدَّرْدَاءِ - رضى الله عنهما - نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ قُمْ. قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «صَدَقَ سَلْمَانُ».
١١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِىِّ ﷺ بِاللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّى ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وَإِلَاّ تَوَضَّأَ وَخَرَجَ. تحفة ١٦٠٢٩
قوله: (مَنْ يَدْعُوْنيِ) ... إلخ. وهذا النِّدَاءُ عندما يَنْزِلُ الربُّ ﵎. وفي «الفتح» - في المجلد الأخير - نَقْلا عن البيهقي: أن الأئمةَ الأربعةَ اتفقوا على أنَّ النزولَ لا يَكْتَنِهُ معناه، ونؤمنُ به كما هو، ولا نَبْحَثُ عن كيف. فراجعه فإنَّه مهم، لأنَّ البخاريَّ رَمَى محمدًا ﵀ بالجَهْمِيَّة وقال: إنَّه جَهْمِي. مع أن محمدًا صرَّح بنفسه: أنَّ الاستواءَ على العرش وَنَحْوَهُ مَعْلومٌ وكَيْفَهُ مَجْهولٌ. ثُمَّ إنَّ الرواةَ اختلفوا في وقت النزول، ومال الحافظ ﵀ إلى الترجيح.
قلتُ: بل الكلُّ صحيحٌ، ولعل النزولاتِ متعددةٌ، وتنوُّعُهُ بِحَسَب ترديدِ القرآن (١) في وقتِ صلاةِ الليل من النِّصْف وغيرِهِ، وإنما خُصَّ الليلُ بالنزولِ لكونه فَارِغَا من الشُّغْل بغيرِ الله تعالى.
стр. 1020
ثم إنَّ النزولَ في لسان الصوفية رحمهم الله تعالى عبارةٌ عن نَحْو تَجَلَ من الله . وسيمُرّ عليك كلماتٌ في تفسسير التجلِّي، وهو أَشْكلُ المسائلِ عند الصوفية. وهو مخلوقٌ عندهم وصورةٌ من صُورِ الأفعال الإلهية، تُنْصَبُ بين العبدِ ورَبِّه لمعرفتِهِ تعالى، ويُنْسب إليها ما يُنْسَب إليه تعالى مع كونه مُنْفَصِلا عنها.
واعلم أنَّ المتكلمينَ على طائفتين: طائفةٌ تُسَمَّى بالأشعرية، وهم المنسوبون إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري. وتَبِعَه أكثرُ الشافعية والمالكية ﵏. وطائفة ثانية تُسَمى بالماتُرِيدية، وهم المنسوبون إلى الشيخ أبي منصور الماتُرِيدي.
وكان الشيخانِ معاصرين، وأبو منصور كان أصغرَهما وتبعه أكثرُ الحنفية. وليس الخلافُ بينهما إلا في نزر مِنْ مسائلَ ذكرَها العلماءُ.
فذهَبَتِ الأشاعرةُ إلى أَنَّ الله تعالى قديمٌ وكذا صِفَاتِهِ السَّبْع. وأما نحو الترزيق والإحياء والإماتة فَسَمَّوها صفاتِ أفعال، وهي عندهم اعبتاراتٌ وإضافاتٌ لا أنها صفاتٌ حقيقيةٌ زائدةٌ على الذَّات. فالخلق باعتبارِ إضافته إلى الرِّزْق يُسمَّى ترزيقًا وهكذا، وتلك الإضافةُ حادثةٌ ليست قائمةً بالباري تعالى. قلتُ: ولا دليلَ عندهم على ذلك، فإنَّ للقدرةِ والإرادة أيضًا تعلّقَا بالحوادثِ ولم يذهب أحدٌ إلى حْدُوثها.
وأما الماتُرِيدية فقسموا الصفات إلى صفات ذاتية: وهي ما يُوْصَفُ بها تعالى ولا يوصف بضِدِّهَا كالعلم والقدرة، وإلى صفاتٍ فعليةٍ: وهي ما يوصَفُ بها تعالى وبأَصْدادها كالإحياء والإماتة، فإنَّ اللَّهَ تعالى يُوْصَف بالإحياءِ والإماتة معًا. فصفاتُ الفِعْل عندهم أيضًا قديمةٌ، كالصفات الذاتية. ولم أجد هذا التعريفَ في كُتُب الكلام، نعم هو في «الدر المختار» من كتابِ الأيمان.
ثُمَّ نحو الإحياء وغيرهِ عند هؤلاء راجع إلى صِفةٍ حقيقة سَمَّوها بالتكوين، واختارها البخاريُّ أيضًا. فصفةُ التكوِين اسمٌ لصفةِ كليةٍ تحتها جزئياتٌ، كالترزيق، والتصوير، والإحياء، والإماتة، وهي قديمةٌ.
أقول: إنَّ ههنا أمورًا غير هذه تُنْسَبُ إلى الباري تعالى، كالنزول إلى السماءِ وغيره أُسمِّيةِ أَفْعَالا وليس نوعُهُ قديمًا، بل كُلُّهَا حوادثُ. وهي عند الماتُرِيدية حادثةٌ مخلوقةٌ للباري تعالى. وأما على مَشربِ الحافظ ابن تيميةَ ﵁ فالصفاتُ الحادثةُ قائمةٌ بالباري وليست بمخلوقةٌ. فإنه لا يرى بقيامِ الحوادث بالقديم بأسًا. ويدَّعِي أنَّ ذلك هو مذهبُ السَّلَف، ويُنكر استحالةَ قيامِ الحوادثِ بالقديم. وفَرَّقَ بينَ الحادثِ والمخلوق: بأنَّ المخلوقَ يُطْلَقُ على المنفصل، فسائِرُ العالمَ حادثٌ ومخلوقٌ، بخلافِ الصفات فإنَّها حادثةٌ وليست بمخلوقةٍ لقيامها بالباري تعالى.
قلتُ: وتساعِدُهُ اللغةُ. فإنَّه يُقالُ: إنَّ زيدًا مُتَّصِفٌ بالقيام، ولا يقالُ إنَّه خالقٌ له، فكذلك يقالُ: إنَّ اللَّهَ تعالى مُتَّصِفٌ بالنزول ولا يقال: إنه خَالقٌ له. وإليه جَنَح البخاريُّ رضي الله تعالى عنه وصرَّح أنَّ الله تعالى مُتَّصِفٌ بصفاتٍ حادثةٍ، غير أنَّ الشارحين أوَّلُوا كلامه.