إخوتاه
لا بد من تربية الشباب على هذا، فمعرفة هذه الأمور لها شأنه في الاستنباط والاجتهاد والفهم من النصوص، فليس لأحد أن ينكر على الآخرين ما يفهمونه من النص من فهم مخالف ما دام اللفظ يحتمله، والدليل يتسع له، ونصوص الشرع الأخرى لا تناقضه فهذه ثلاثة ضوابط للفهم:
(١) اللفظ يحتمل.
(٢) الدليل يتسع له.
(٣) نصوص الشرع لا تناقضه.
إخوتاه
معظم الأحكام المتعلقة بالفروع التي تتناول الجوانب العملية تجدها من هذا الباب، يتسع للناس فيها مجال الاجتهاد، والشارع قد جعل مقصد الشريعة الأساسي تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، وآذن برفع الحرج عنهم والعمل على التيسير دون التعسير.
ما دام الأمر كذلك فلا يليق بأحدٍ أن ينسب مخالفيه في الرأي إلى الكفر والفسق والبدعة، بل يلتمس لهم العذر، ويجعل حبل الود موصولاً وإن اختلفت آراؤهم.
إخوتاه
القاعدة والأصل الثاني في باب "آداب الخلاف" أن ندرك جميعاً أن
(٢) الأخوة الإيمانية ووحدة الصف ونبذ الفرقة من أهم الواجبات على كل مسلم ، وعلى ذلك فينبغي الحفاظ على صرح الأخوة، ونبذ كل ما يسيء إليها أو يضعف من عراها.
стр. 107
علينا أن نتعامل مع الأمر على أنه قربة من القربات وعبادة كلفنا الله بها، فإننا بتلك الأخوة نقوى على التصدي لكل العقبات التي لا ترضى الله ورسوله.
ينبغي أن ننتبه إلى أن التفريط في الأخوة الإيمانية أو المساس بها لمجرد الاختلاف في الرأي لا يجوز لمسلم أن يفعله، أو أن يسقط في شراكه، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تداعت فيها الأمم على أمتنا الإسلامية، تريد أن تطفئ جذوة الإيمان التي تتقد في قلوب المؤمنين، إن هذه الجموع المتكالبة لحرب الدين تريد استئصال شأفة المسلمين، تريد أن تبيد هذه البذرة الطيبة التي بدأت تشق طريقها مع وجود من ينهال عليها ويحاول اجترارها واجتثاثها.
إخوتاه
إن الأخوة في الله ووحدة القلوب لمن أولى الفروض وأعلى الواجبات، إنها شقيقة التوحيد وقرينته، والواجبات مراتب بعضها آكد من بعض، وكذلك شأن المنهيات، فزنا الفرج أكبر من زنا العين وهكذا وإن كان الجميع منهياً عنه، وهكذا شأن النيل من الأخوة يأتي في صدارة المنهيات لما فيه من إتلاف وإفساد لذات البين، وتفريق لوحدة المسلمين.
كان سلفنا الصالح يتركون الفاضل أحياناً، ويعملون بالمفضول حفاظاً على الائتلاف ومخافة الوقوع في الخلاف.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى الأئمة الأربعة يصلون بعضهم خلف بعض (١)، ومن أنكر ذلك مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة
стр. 108
بإجماع المسلمين. (١) لقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلى خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه يصنعون، والشافعي يصلى خلف أئمة بالمدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرءون بالبسملة لا سراً ولا جهراً، هذا كله وارد وصحيح.
يقول شيخ الإسلام: وصلى أبو يوسف (صاحب الإمام أبى حنيفة) خلف الرشيد وقد احتجم (الحجامة خروج الدم بطريقة معينة) وقد أفتاه مالك بعدم الوضوء، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يُعد، هذا مع أن صلاة الرشيد بهذه الكيفية باطلة، لأنَّه انتقض وضوءه بالحجامة.
وكان الإمام أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف (نزيف الأنف) فقيل له: إنْ كان إمامى قد خرج منه الدم ولم يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال الإمام أحمد: كيف لا تصلى خلف سعيد بن المسيب ومالك، يريد ﵀ أنَّ سعيد بن المسيب ومالكاً ـ رحمهما الله ـ يريان أن الوضوء لا ينتقض بالرعاف.
إخوتاه
أين نحن من هؤلاء؟ انظر إلى الأدب في احترام قول المعارض بل وتوقير صاحبه، فهذا الذي يقال بيننا من طرح قول المخالف كائناً من كان لا ينبغي أن نردده دون وعي، فالخلاف العقدي شيء، والخلاف في الفروع والمسائل الفقهية شيء آخر.
اختلاف في الفروع لا مانع مطلقاً دون أن يفسد المودة والمحبة والأخوة الإيمانية.
أما قضايا العقيدة التي لا تحتمل التأويل فشيء أخر، فلا ينبغي أن نفهم أن قبول الآخر يعنى التمييع وعدم وجود للهوية، وينبغي أن ندرك من هذا الآخر الذي نقبل قوله،
стр. 109
وفي أي شيء يُقبل، فإنَّ مجابهتنا لأعداء الأمة لا يدفعنا إلى أن نضع أيدينا في أيدي الذين لم يصيبوا من الإسلام إلا اسمه بدعوى الحرص على الأخوة فليتدبر ذلك.
الأصل الثالث في قضية "آداب الخلاف"
(٣) معرفة أسباب الخلاف الفقهي .
وقد صنف العلماء في بيان ذلك الرسائل الماتعة، ومن أبرز هذه الرسائل ما سطرته يد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته الرائعة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، وأنا أوصى الأخوة باقتناء هذه الرسالة وتدبرها جيداً، وهي مع صغرها عظيمة الإفادة.
فتعرف من خلالها أن أهل العلم قد يختلفون لأسباب عدة: بداية من معرفة الدليل أو ثبوته عندهم أو الاختلاف في تأويله أو وجود المعارض أو اختلافهم في الجمع بين الأدلة أو .. أو .. الخ.
فينقدح في ذهنك أنَّ الأمر رحب واسع، وليس كما يتصوره بعضنا حين ينال من العلم شبراً، وستقول يوماً وأنت تعض أصابع الندم " أُكِلْتُ يوم أُكِل الثور الأبيض "
الأصل الرابع:
(٤) الإلمام بفقه الواقع .
فإنَّ معرفة المخاطر الهائلة والتحديات الخطيرة التي تواجه الأمة في عصرنا الحالي، يبعث هذا على ضرورة التكاتف ونبذ الخلاف، ولا يكون ذلك إلا من خلال السلوك الأخلاقي والتأدب بآداب الإسلام في اختلافاتنا، فإنَّ هؤلاء لا يريدون أن يبقوا للإسلام قائمة، لا يتركون أسود ولا أبيض فالجميع سيؤكل إن آجلاً أو عاجلاً.
لذلك فإنَّ إثارة الاختلافات بين المسلمين وتنمية الخصومات في مثل هذا الزمان يُعد خيانة عظمى للأمة بأسرها، بل علينا أن نحض القوم على التأدب بآداب الخلاف، فيلتمس للمخالف الأعذار، ويتسع الصدر لاختلاف وجهات النظر، ولا تنخلع من القلوب المودة والمحبة المشتركة من خلال نسيج الأخوة الإيمانية.
стр. 110
الأصل الخامس
(٥) التقوى
قبل أي شيء وبعده لا بد أن يتعلم الجميع أنَّه لا مناص من الالتزام بتقوى الله في السر والعلن، وأن يبتغى وجه الله في حالتي الوفاق والخلاف.
إخوتاه
إياكم والهوى .. إياكم ونزغات الشيطان فإنَّه يقعد لكم بكل طريق، يريد أن يصدكم عن دينكم ويلبس عليكم أمر رشدكم، بحسبكم ما لقيت الأمة وعانت على مدار هذه القرون من الذل والمهانة، آن الأوان لتعود الأمة إلى وضعها الطبيعي، آن الأوان أن تسير الأمة بنور الكتاب والسنة.
إخوتاه
أمَا تشتاقون إلى نصرة دين الله على أيديكم، أما ترجون أن يمكن الله لكم في الأرض، فاللهم مكن لدينك في الأرض يا رب، إذا صدقنا النية مع الله، واتخذنا من السبل ما هو كفيل لقيادة الركب لبر الأمان فعسى أن ننال ذلك بعد أن طال ليل التيه والضلال.
إخوتاه
سلوا الله أن يسدد خطانا، لا يبخلن الصالحون منكم بالدعاء للعصبة المؤمنة بالسداد والتوفيق، نسأل الله أن يهدى المسلمين، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يصرف عنهم نزغات الشياطين.
стр. 111
سد باب النقل ورد قالة السوء
من سمع كلمة يكرهها فردها وأنكر انقطع عنه ما يكره فإن سكت سمع أكثر مما يكره
стр. 112
السبب السادس لتعميق أواصر الأخوة
سادسا: سد باب النقل ورد قالة السوء
قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " [الحجرات /٦] وفي القراءة الأخرى " فتثبتوا ".
فإذا أردت سعة الصدر، وطيب القلب والخاطر فلا تسمع أحداً عن أحدٍ، ولا تلتفت إلى حديثهم، أما علمت أن كثيراً منهم لا يعقلون ولا يتثبتون.
وصفهم بعض السلف فقال: هؤلاء إذا رأوا خيراً كتموه، وإن رأوا شراً أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا.
فهم في جميع الأحوال أعداءٌ، أرباب الفتنة، مثيرو الشغب، فالنمام رجل مريض قد امتلأ عقله بالتخيلات، وقلبه بالظنون السيئة، فالناس معه بالهمز واللمز والطعن، الناس دائماً من وجهة نظره لا يتكلمون إلا في العيب والتلصص، شُغل بالناس عن خويصة نفسه وشئونه، ولو علم أن لو كانت مناقب الناس ملء الأرض لن تنفعه، ولو كانت للناس مساوئ ملء الأرض لن يضيره شيء، كان في نفسه شُغل، وأي شغل؟!
إخوتاه
يقول الإمام الشافعي: "نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا، كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه فيعرض على أن يفرغه في أوعيتكم، ولو ردَّت كلمة السفيه لسعد رادُّها كما شقي بها قائلها ".
стр. 113
وذلك لأنَّ النمام الساعي بقالة السوء يبتغي بذلك سلماً إلى الفتنة، وإفساد صفو الإخوان، وعلى هذا ينبغي محاربته وصده عن طريقته لعله يتدارك ما فرط منه، وإلا كنا شركاء له في إثمه وإفساده.
إخوتاه
يقول الإمام الشافعي: قبول السعاية أضر من السعاية، لأنَّ السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز" أهـ
السعاية بمعنى النميمة، سميت هكذا لأنَّ المقصود بالكلام لم يحضر، ولكن شخصاً يسمع فيسعى بصفة المنافقين، تراه في الحق نائماً، وفي الباطل على الأقدام، وهكذا انعكست الصورة عما كان عليه السلف.
إخوتاه
عن ابن مسعود ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهو بين أبى بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلى، وإذا هو يقرأ النساء فانتهي إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلى، فقال النَّبي ﷺ : " اسأل تعطه، اسأل تعطه ". ثم قال: " من سرَّه أنْ يقرأ القرآن غضاً كما نزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ".
فلما أصبح غدا إليه أبو بكر ﵁ ليبشره، وقال له: ما سألت البارحة. قال: قلت: اللهم إنِّي أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمَّد في أعلى جنة الخلد. ثم جاء عمر ﵁ فقيل له: إنَّ أبا بكر قد سبقك. قال: يرحم الله أبا بكر ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه. (١)
стр. 114
فانظر كيف يسعد المسلم بالخير الذي يناله أخوه، ويسعى لبشارته، فنسأل الله لنا ولكم العافية، هذه سعاية بالحق والصدق والخير، لا السعاية بالباطل والإثم والعدوان.
إخوتاه ..
الساعي منقوص إن كان صادقاً لهتكه العورة، وإضاعته الحرمة، ومعاقب إن كان كاذباً لمبارزته الله بالبهتان وشهادة الزور، فالنمام مريض ينبغي أن نعالجه، فإن لم يكن ثم دواء فعلينا أن نستأصل هذا العضو حفاظاً على بقية الجسد.
إخوتاه ..
أين هؤلاء من صدى صوت رسول الله ﷺ وهو يقول: " لا يدخل الجنة قتات " (١) " لن يدخل الجنة نمام " (٢)؟!
أين هؤلاء من قول النبي ﷺ : " المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه " (٣)
ألا يخشى هؤلاء من تهديد ووعيد رسول الله ﷺ " يا معشر من آمن بلسانه ولم تؤمن قلوبهم لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة المسلم تتبع الله عورته " (٤) نعم هؤلاء مَرضى، والذي يقبل منهم أشد مرضاً وأسوأ خلقاً، أليس من
стр. 115
هؤلاء من قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ بعد أن قاموا بعملية إحصاء دقيقة لكل اجتهاداته، وصوروها بحسب ما يتخيلون بعقولهم المريضة، وما يظنون من قِبل قلوبهم الضعيفة فاتخذوا ذلك سلماً للفتنة.
لما قتل عثمان بن عفان ﵁ صعد حذيفة بن اليمان على المنبر فخطب فقال: اللهم العن قتلته وشتامه، اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سلماً إلى الفتنة، اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف.
إخوتاه
لا ينبغي أن تتخذ الأخطاء سلماً إلى الفتنة، نحن في وقت نحتاج فيه لتأليف القلوب لا إشاعة الفتن، فأين هؤلاء من قول الله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون" [النور/١٩]؟!!
إنَّ الأبواب كلها مغلقة، والطرق كلها مسدودة أمام النمام إلا أن يتوب إلى الله جل وعلا، " والله تعالى يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار " (١)
حبيبي في الله ..
لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفاً. يقول الفضيل بن عياض: لم يُدرك عندنا ما أُدرِك إلا بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للمسلمين.
بمعنى أن الدرجة العليا من الإيمان لا تُنال إلا بهذه الثلاثة، إنها وصية غالية لمن أراد سلوك الطريق الآمنة التي يتحصل فيها الإيمان، وتغسل فيها الخطايا والذنوب العظام.
стр. 116
إخوتاه
ليكن شعارك دائماً " النظافة "، فنحن لا نريد نظافة الظاهر فحسب، بل آكد من ذلك نظافة الباطن، نظافة الضمير والتفكير، نظافة اللسان واليد والجنان، النظافة في التعامل والمسلك، نظافة القلب من الأحقاد والأدران. اللهم طهر قلوبنا يا رب.
ولم يكن رسول الله ﷺ سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً، كان يقول عند المعتبة: " ماله ترب جبينه " (١)
فالمسلم " من سلم المسلمون من لسانه ويده " (٢)، نريد نظافة للجوارح، ونظافة للقلب من الشبهات والشهوات.
قال الله تعالى " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين " [البقرة / ٢٢٢] نسأل الله أن يجعلنا منهم.
إخوتاه
لابد من سد هذا الباب حتى لا تسمع أحدا يتكلم في أحد، حتى لا تقبل كلام شخص في شخص، حتى تعيش سليم الصدر، هادئ البال، مرتاح الضمير، نريد حسن الظن بيننا.
أريدك ـ أخي ـ أن تقول للنمام إذا جاءك: سل الله أن يغفر لي ولك وله، أريدك أن تصده، فلينصرف راشدا دون أن تسمع منه ما يؤذيك، فإنَّ السبيل شائكة.
يقول ﷺ " سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا يا رسول الله: ـ وما داء الأمم؟
стр. 117
قال: ـ الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ". (١)
اللهم اهد أمة حبيبك محمد ﷺ ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين.
عن الزبير بن العوام أنَّ النبي ﷺ قال: " دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلكم لكم أفشوا السلام بينكم " (٢).
إخوتاه
أخاف على الذين يسعون في إيقاع الفتن بين المسلمين، أخاف على الذين يمشون بالنميمة من سوء المنقلب غدا، وأنتم تعرفون قصة هذين الرجلين اللذين أخبر رسول الله ﷺ أنهما يعذبان وما يعذبان في كبير فالأول: ـ كان لا يستتر من بوله والثاني: ـ كان يمشي بالنميمة (٣).
يا هذا لتقل خيرا أو لتصمت، انشغل بعيب نفسك، واترك ما لا يعنيك، وإياك أن تكون سبب الخصومات والعداوات بين المسلمين، أخاف أن يحلق دينك بإفسادك لذات البين.
стр. 118
عن أبى الدرداء ﵁ قال: ـ قال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: ـ بلى. قال: صلاح ذات البين، فإنَّ فساد ذات البين هي الحالقة (١).
إخوتاه
كم من أخ لنا هجر أخاه بسبب الوشاية والنميمة، كان يأتي منشرح الصدر وسط إخوانه الذين يحبونه، فما إن دخل هذا الشيطان المريد حتى ودبت البغضاء في دمائهم وفسدت القلوب، وبدأ يهجر المسجد، وصار عونا للشيطان.
أُخَيَّ
تذكر دائما لإخوانك لحظات القرب، كيف كنت تتعاون معه على طلب العلم، كيف كان يذكرك بالله؟ كيف كان يوقظك لصلاة الصبح، أنسيت كل هذا؟ واستمعت لقالة السوء فضاع الدين بسبب البغض والغل الذي ملأ الصدور.
" رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [الحشر / ١٠].
إخوتاه
إذا أردنا سعة الصدر، وطيب القلب والخاطر فعلينا ألا نسمع في أحد شيئا إلا ما كان حسنا، ويخبرك السلف بحقيقة شأن من تسمع له وتترك أخاك من أجل تلك السموم التي ينفثها في صدرك.
стр. 119
يقولون: إنَّ أول سبب لهذا المرض هو " الدفاع عن النفس " فأصحاب العيوب يتوقعون نقدا لهم من ناصح أمين، ويظنون هذا النصح هجوما، فيهرولون لأخذ زمام المبادرة، وتحويل الهجوم بهمز ولمز وغمز من وراء ظهر.
فأجرأ من ترى يغتاب ويعيب الناس هم أصحاب العيوب والذنوب فيعيرون الناس، وأصحاب الأخطاء ـ دائماً ـ يبحثون عن أخطاء الناس ويشيعون عنهم ما لا يستطاب، والأمر مشاهد لا يحتاج إلى فراسة، هذه الخصلة ملازمة لكل ذي لسان طويل.
قال السامع للمهزار: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس؛ لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها.
قال بعض السلف: ما رأيت شيئا أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب، ولا أسرع في هلاك العبد، ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت، ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة: من قلة معرفة العبد لنفسه، وكثرة نظره في عيوب الناس.
اللهم ارزقنا غضَّ أبصارنا عن عيوب الناس، إذ من يرى عيب الناس يغتر، ويعجب بنفسه فهو منشغل بعيوب الناس عن عيب نفسه.
إخوتاه
(٢) من أسباب الوقوع في هذا المرض الخطير " الغفلة "
يقول التابعي الجليل عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ما أحسب أحداً تفرغَ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه.
فالغفلة شئ ظاهر، ولا شك فلولاها لاعتنى بملكه واشتغل بفرسه وجنى الثمار، أما هؤلاء فأعداء المروءة، بنو عم السوء، إذا رأوا حسنا كتموه، وإذا رأوا عيبا أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا، نسأل الله أن يقينا شرهم.
стр. 120
فأصحاب هذه النفوس الدودية لا يقعون على شئ حتى يتسخ، أصحاب نفوس ذبابية لا تقع إلا على القاذورات، يبصر أحدهم القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه.
إخوتاه
سدوا مسامعكم عن قالة السوء؛ فإن السامع شريك القائل، اهجروا هؤلاء وانصحوهم في الله أن يكفوا عن نقل الأخبار السيئة، فلا نريد الولوغ في أعراض المسلمين، ولا تسمعوا لمن يقول: هذا من أجل خدمة الدين، هذا لبيان المجروح ممن يتصف بالعدالة، لا .. لا .. لا تسمع .. قل له: أخي عرضه عرضي، لا أقبل أن أسمع عنه ما يشينه وانتهت المسألة.
وقفة لتجديد النية
لماذا تقرأ هذا الكتاب، هل سألت نفسك هذا السؤال على مدى هذه اللحظات التي قلبت فيها صفحات الكتاب؟
هل تذكر العهد الذي أخذته عليك، واتفقت أن تصحبني هذه اللحظات لنقيم معا صرح الأخوة، لتخرج بعدها تصحح علاقاتك الأخوية الإيمانية، لتعرف كيف تتعامل مع إخوانك؟
إخوتاه
لا أريد أن أذكركم أنكم ـ معشر الملتزمين ـ تحملون العبء الثقيل في إعادة الاتزان للأمة، فأنتم رمانة الميزان، أنتم الصفوة التي اختارها الله لإقامة دينه في أرضه،
стр. 121
فإذا كان وجه الأرض قد تغير، ولا تجد إلا ما يزري ويخجل من إسلام مشوه، ودين مميع، وأخلاق تأنف الحيوانات أن تتخذها، وإذا كنت تجد البلاء عاما يئن تحته الفرد فثمَّ خلل فينا، فإنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
إخوتاه
حرام ...أن تولى ظهرك لهذا الحال المزري للأمة ولا ترجع باللائمة على نفسك.
حرام ...أن تنشغل بأي شئ عن إصلاح نفسك وأمتك التي تفت الأدواء من عضدها.
حرام ...أن يكون فينا من يسلم أعداء الإسلام من لسانه ولا يسلم المسلمون منه.
صدق ابن المبارك لمَّا جاءه الرجل يغتاب مسلما فقال له: ـ أغزوت الروم.
فقال: لا. قال: أغزوت الفرس. قال: لا. قال: غزوت الهند والسند.
فقال: لا. قال: سلمت منك فارس والروم والهند والسند، ولم يسلم منك أخوك المسلم.
إخوتاه
الوقت حرج ـ والله ـ، نحن في حاجة لجهودك في الذب عن الأمة، للدفاع عن أبجدياتها المطعون فيها من كل سفيه، نحتاج إلى النفوس النفيسة والقلوب النقية، نريد من يكف عنا أذى المؤذين الذين ينشبون أظفارهم في جلود المسلمين، وينهشون في أعرضهم ويطلقون ألسنتهم في تجريحهم.
إخوتاه
نريد " صرح الأخوة "، فالأخوة منحة قدسية إلهية، إشراقة ربانية، منة عظيمة
стр. 122
لمن يقدرها، نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده، يقذفها في قلوب المخلصين من أوليائه لإعلاء دينه.
إخوتاه
الأخوة قوة إيمانية نفسية تورث الشعور العميق بالمحبة والاحترام والود والثقة المتبادلة والإكرام وغض الطرف واحتمال الأذى وبذل الندى.
كل ذلك يكمن في ذات الأخوة القائمة على رباط العقيدة والإيمان، فإنَّ الشعور الأخوي إذا صدق يولد في القلب مجموعة من الصفات الإيجابية والسلبية على السواء، فتجد التعاون والإيثار والرحمة والعفو والتكاتف، وفي نفس الوقت ترى الابتعاد عن كل ما يضر الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ترى ترك الإنسان لما لا يعنيه.
إخوتاه
لا أخوة بلا إيمان، ولا إيمان بلا أخوة " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " [الحجرات/ ١٠] و "إنما" للحصر، فإذا كنت مؤمنا حقا فلابد من أخوة.
وقال ﷺ " من أحب لله وأبغض لله وأعطى له ومنع لله فقد استكمل الإيمان " (١)
مفهوم ذلك أن من لم يصنع ذلك فإنَّه لم يستكمل الإيمان.
стр. 123
إخوتاه
ومن الباب ذاته أقول لكم: لا صداقة بدون تقوى، ولا تقوى بلا صداقة.
قال تعالى: " الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " [الزخرف / ٦٧]
فالأخوة إذا انعدمت التقت النفوس على المصالح الذاتية والمنافع الشخصية، والصداقة إذا انسلخت من التقوى قامت على توريث العداوة والبغضاء.
وإذا رأيت إيمانا وتقوى ولم تجد أخوة فهذا إيمان ناقص وتقوى مزعومة. قال ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه " (١).
وقال تعالى ـ مخاطبا أهل الإيمان ـ: " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [المائدة / ٢] فالأتقياء والصالحون على قلب رجل واحد، تحوطهم مشاعر الصدق والصفاء؛ لذلك يستشعرون الأنس من أول لقاء.
إخوتاه
والله ما أجملها من حياة وما أمتعها وألذها من معيشة إذا تنسمنا هذا النعيم في حياتنا، إنه نعيم جنة الدنيا، وبذلك نعيش حياة حقيقية لا تعرف هذا الضنك الذي يشعر به من جراء الإعراض عن الله واتباع غير سبيل المؤمنين.
إخوتاه
كونوا يداً واحدة فإنَّ الأخطار تستشرف بوجهها الكالح وأنتم بغير سلاح، تعاونوا توافقوا فهل ينهض البازي بغير جناح؟! وكما قيل: حافظ على الصديق ولو في الحريق، فهدُّ الأركان فقد الإخوان. فتدبر!!
السبب السابع
سابعا: استعمال الرحمة والرفق وخفض الجناح
قال الله تعالى ـ مناديا النبي ﷺ ـ " وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " (الشعراء/٢١٥).
آه ..." خفض الجناح " إنها كلمة تأسرني تستثيرني، وقد أمرنا الله بذلك تجاه الوالدين فقال: " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا " (الإسراء/٢٤) ووصف الله المؤمنين بأنهم " أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين" (المائدة/٥٤)
نعم هؤلاء قوم يحبهم الله ويحبونه، يذلون لإخوانهم يتواصون بالرحمة فيما بينهم يقول الله في وصف أحباب النبي محمد ﷺ " أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم " (الفتح/٢٩)
إخوتاه
إننا بحاجة إلى لم شمل المؤمنين، إلى جمع كلمة المسلمين، إلى تأليف قلوب الناس أجمعين، وليس ثمَّ مدخل لذلك أسمى من الرفق، ذُكِرَ عن الإمام علي ﵁ أنَّه قال: القلوب وحشية فمن تألفها أقبلت عليه.
القلوب وحشية بمعنى أنها نافرة تبتعد عن الألفة، القلوب كأنها دواب وحشية لا تعرف الرقة في طبعها، إذا اقتربت منها تهرب بعيدا، أو هي من منطلق "الدفاع عن النفس" تهجم عليه لتؤذيه، فمن كان صاحب فطنة قام بترويض هذه الوحوش
стр. 126
وتأليفها، فإنه بذلك يستطيع - بحول الله وقوته ـ أن يقلب طبيعتها الوحشية إلى طبيعة أليفة فتقبل عليه وتلتصق به كما تلتصق الهرة إذا مسحت على ظهرها مداعبا، فالقلوب كذلك تحتاج إلى شيء من الرفق، وفي سيرة النبي ﷺ أمثلة حية على ذلك:
عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: جلس عمير بن وهب الجمحي وصفوان ابن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش في الحجر بيسير، وكان عمير شيطانا من شياطين قريش وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ وأصحابه ويلقون منه عناء أذاهم بمكة، وكان ابن وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر.
قال: فذكر أصحاب القليب بمصابهم. فقال: إنْ في العيش خير بعدهم.
فقال عمير بن وهب: صدقت والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه وعيالي أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي فيهم علة، ابني عندهم، أسير في أيديهم.
قال: فاغتنمها صفوان فقال: عليَّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أسويهم ما بقوا، لا نسعهم بعجز عنهم.
قال عمير: اكتم عني شأني وشأنك. قال: أفعل. ثم أمر عمير بسيفه فشحذ وسم ثم انطلق إلى المدينة، فبينما عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة في نفر من المسلمين يتذاكرون يوم بدر، وما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر إلى عمير بن وهب قد أناخ بباب المسجد متوشح السيف.
فقال: هذا الكلب والله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر، هذا الذي حرش بيننا وحرزنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هذا عمير بن وهب قد جاء متوشحا بالسيف، قال: فأدخله.
فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال عمر لرجال من
стр. 127
الأنصار ممن كان معه: ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده واحذروا هذا الكلب عليه فإنَّه غير مأمون. ثم دخل على رسول الله ﷺ به وعمر آخذ بحمالة سيفه، فقال: أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا.
فقال: انعموا صباحا ـ وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم ـ.
فقال رسول الله صلى عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، السلام تحية أهل الجنة.
فقال: أما والله يا محمد إن كنت لحديث العهد بها.
قال فما جاء بك؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم.
فأحسبه قال: فما بال السيف في عنقك.
قال: قبحها الله من سيوف، فهل أغنت عنا شيئا.
قال: اصدقني ما الذي جئت له؟
قال: ما جئت إلا لهذا. قال: بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فتذاكرتما أصحاب القليب من قريش، فقلت: لولا دين علي وعيالي لخرجت حتى أقتل محمداً، فتحمل صفوان لك بدينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك.
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إنَّي لأعلم ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق.
فقال رسول الله ﷺ : فقهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القرآن وأطلقوا له أسيره" أهـ (١)
стр. 128
ثم مضى عمير إلى مكة، وأخذ يدعو أهلها بعد إسلامه فاغتاظ المشركون وعلى رأسهم صفوان بن أمية حتى لعنوه.
وممَّا يَجمُل ذكره أنَّ عمر بن الخطاب قال: لخنزيرٌ كان أحب إليَّ منه حين اطلع، وهو اليوم أحب إلي من بعض بنيِّ.
إخوتاه
انظر لرفق رسول الله ﷺ بالرجل ومحاورته الهادئة معه، فعلم أنَّ رسول الله ﷺ كان يدري حقيقة أمره، ورغم ذلك لم يأمر بضرب عنقه ولا بقتله.
وانظر إلى الأخوة الإيمانية ومفعولها السحري، الرجل كان بغيضا أشد ما يكون البغض لقلب عمر ﵁ وبمجرد أن أسلم صار أحب إليه من بعض أولاده.
هذا الذي ندعو إليه ـ الآن ـ، هذا الذي ألتمسه في معاملاتكم، هذا الذي أنقب عنه في صدوركم، آه .. لو تستجيبون ...آه لو تعلمون، اللهم حببنا في كل من يحبك وارزقنا حب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك.
إخوتاه
تحتاج أن تضع يدك على من يعنفك حين تدعوه وتقول: اللهم اشرح صدره، واهد
стр. 129
قلبه، وأصلح حاله، ويسر أمره، واعف عنه.
فبمجرد أن يراك تدعو له، سينشرح صدره، وإذا زاد تعنيفه لك فقل له: أسأل الله أن يعفو عني وعنك.
يقول لك: أنت تحسب نفسك عالما، من أنت حتى تنصحني؟!! فقل: أحسنت ما شاء الله، بارك الله فيك، غفر الله لي ولك وعفا عني وعنك، وهداني وإياك، انصحني ـ أخي ـ فقد ترى من عيبي مالا أبصره، جزاك الله خيرا فقد كنت ألتمس أن نتواصى بالحق ونتناصح في الدين.
وهكذا فستجد بإذن الله استجابة وألفة ومحبة يلقيها الله في صدره ولا تيأس، فما دخل الرفق في شيء إلا زانه. قال تعالى: " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ " [فصلت /٣٤]
إخوتاه
إن الدعوة بالكلام وحده لا تكفي، فلابد من السمت الطيب والمعاملة الحسنة، والرفق الذي يجذب قلوب الناس، ولابد من المبالغة في ذلك، فالنفوس مختلفة، والبيئات مختلفة، والتنشئة والتربية مختلفة، والناس معادن فمنهم كالذهب، ومنهم كالفضة، ومنهم كالحديد...وهكذا، فليس كل الناس يصلح لهم أسلوب معين لدعوتهم، وجميعهم يحتاجون إلى عمليات صهر حتى تنصهر جميعا في بوتقة الأخوة، فيصيرون على قلب رجل واحد كأنهم قالب واحد. اللهم ألف بين قلوبنا ولا تجعل لغيرك فيها شيئا.
إخوتاه
لابد من رفق يناسب كل معدن من تلك المعادن، لابد أن تكون ذا يد حساسة تشعر بنوع ما تلمسه، ثم تستطيع بعد ذلك أن تصلحه وتعامله مرة أخرى، حينها تجتمع
стр. 130
القلوب كما يجتمع النَّمل على قطعة السكر.
إخوتاه
الرفق كلمة جميلة ترفقت بها كثيرا قبل إيرادها في هذه الورقات، وضعتها بيسر على الخطوط كي يتلاءم معناها مع مغزاها، إنني وضعت كلمة "الرفق" برفق حتى تصل إلى الأخ الفاضل ـ حبيبي وأخي في الله ـ لينة سهلة، فنستطيع بعد ذلك استثمار معانيها وترجمتها إلى واقع حي.
إخوتاه
قال الله لنبيه ﷺ : " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " (آل عمران/١٥٩) نعم إنَّ الله يعلم نبيه كيف يدعو الناس، وهو أحسن الناس خلقا، زكاه الله فقال: " وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ " (القلم/٤) إلا أنَّ شأن الدعوة خطير، ويحتاج إلى تدريب وممارسة.
يقول: " فبما رحمة من الله لنت لهم " فاللين نتج عن محض رحمة الله جل وعلا، فاللهم هبْ لنا الرحمة من عندك تهدِ بها قلوبنا وتؤلف بيننا.
كان عمر- ﵁ حين تولى الخلافة يدعو ربه في جوف الليل فيقول: اللهم إنِّي حديد فليني للمسلمين.
فالله وحده الذي يسبغ على عباده هذه الرحمات فتلين القلوب، وما الصنيع إن نزع الله الرحمة من قلوب الغلاظ الأشداء، فسل الله قلبا لينا.
стр. 131
إخوتاه
دعونا نتصارح، ألست محتاجا إلى كنف رحيم، ألسنا جميعا بحاجة إلى رعاية فائقة، إلى بشاشة وسماحة، إلى ود وألفة، إلى محبة تسعنا وحلم لن يضيق علينا بجهلنا وضعفنا ونقصنا، والله إنَّنا ـ جميعاً ـ لفي أمس الحاجة إلى القلوب الكبيرة التي تسعنا وتعطينا ولا تأخذ منا.
فإنَّ قسوة الظروف وضراوة التحدي وعمق المأساة التي يعانيها المسلمون، والتي يتكبدها الملتزمون على وجه الخصوص، هذا كله يجعلنا في حاجة إلى " الأخوة الصادقة " التي لا تعرف المصالح، بل قانون المنفعة الذي يحكمها هو" زيادة الإيمان " فأنت تنفعني في ديني وأنا أنفعك في دينك.
هذه القلوب الكبيرة أين هي؟ هذه الصدور الحنونة التي نريح عليها رؤوسنا أين ـ بالله ـ نجدها؟ نريد من نبكي على صدره ويحمل همومنا ولا يعنينا بحمل همه، نريد من يهتم بنا ويرعانا يعطف علينا، يعاملنا بالسماحة والرضا والود، نريد أصحاب الوجوه البشوشة، أصحاب البسمة العطرة والكلمة الندية.
أين نحن من رسول الله ﷺ وقد كان الصحابة إذا حزبهم أمرٌ أتوه، فبمجرد أن ينظروا إليه تنشرح صدورهم وينقلب غمهم سرورا ﷺ .
إخوتاه
هذا واجبكم وواجب الدعاة في كل زمان أن يحملوا همَّ الناس ولا يتعبوا الناس بحمل همومهم، أن يبشوا في وجوه الناس ولا يطلبون من الناس تلك البشاشة، أن يحسنوا إلى الناس ولا ينتظرون جزاء الإحسان، أن يساعدوا الناس ولا ينتظرون مساعدة من أحد، هذا واجبك؛ لأنَّ الدعوة واجبة على كل مسلم.
стр. 132
إخوتاه
من أسباب ضياع معاني الأخوة، أن تنتظر من أخيك أن يصنع ما هو أفضل دائما، علينا أن نأخذ زمام المبادرة وقصب السبق حتى لا تنتكص على عقبيك مخذولا، ويتسلل إليك الفتور، وتبتلى بالحور بعد الكور، والوقوع في الضلال بعد الهدى.
وتذكرها دائما واجعلها نصب عينيك" إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا " " [الإنسان/٩ـ١٠]
قل كما قالت الرسل في كل زمان " يَا قَوْم لا أسألكم عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ " (هود/٥١)
حين تفطن إلى ذلك وتصير ذلك القلب الكبير فعليك أن تدرك أنَّ أول الأمر وغايته ومنتهاه يكمن في الرحمة والرقة واللين والوداعة وطيب النفس والخلق فإنَّها أدواتك حتى يتسع قلبك للناس جميعا.
إخوتاه
لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إلا من كان فقيها فيما ينهي عنه، وفقيها فيما يأمر به، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهي عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهي عنه.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " أورده من كلام بعض السلف، وعليك أن تتدبره جيدا فإنَّه ثمين للغاية، فانظر كيف أنَّ أبجديات الدعوة إلى الله تقوم على هذه الخصال الثلاثة: الفقه والرفق والحلم حتى لا ينفر الناس.
الرفق في أخذ هذا الدين عامل رئيس في تكوين صورة المسلم، فالاتزان في الالتزام نتيجة التعامل مع الفطرة ومع الدين، فإنَّ السبب الرئيسي للتفلت أخذ الدين بصورة
стр. 133
غير طبيعية بشيء من العنف وعدم الرفق فينتج عنه هذا الاعوجاج.
قال ﷺ " إنَّ هذا الدين فأوغلوا فيه برفق " (١)
فعليك بالرفق في أخذ تعاليم الإسلام، وعليك بالرفق في تطبيقها، وإياك أن تظن أن معنى الترفق في الأمور هو الوقوع في المحظور، فهذا مالا ينبغي أن يتطرق إليه فهمك، بل المقصود الترفق في تلقي الأمور.
قال ﷺ " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)
ففي المنهيات لا يوجد تفاهم، أما الأوامر فشأنها أوسع.
إخوتاه
لابد من التدرج، ولا يكون التدرج تكأة يتكأ عليها من لا يدرك فيذهب في غمرات الغفلة، وإنما التدرج يكون بالتمهيد للعمل ثم نعمل ونمهد لغيره حتى نصل.
التدرج هنا أن يتصاعد بك مؤشر إيمانك، فتبدأ بإدامة الصلوات الخمس في جماعة، ثم المحافظة على السنن الرواتب، ثم تحافظ على قيام الليل، ثم تنشط في صيام النوافل، لا بأس بثلاثة أيام من كل شهر، ثم تداوم على صيام الاثنين والخميس، ثم يرتقي بك الحال لصيام يوم وإفطار يوم على هيئة صيام نبي الله داود ـ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ـ وهكذا. هنا نقول لمن يريد الوصول لهذه المرتبة من اللحظة الأولى ارفق بنفسك، لا أنَّ الترفق يكون بترك الأوامر وفعل المحظورات، بل هذا في باب
стр. 134
المندوبات والمستحبات من الأعمال. " ومازال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ". (١)
فالدين كلٌ واحد، قال تعالى: " يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي الْسِّلْمِ كَافَّةً " (البقرة/ ٢٠٨)
فالمقصود ـ إخوتاه ـ أن نتبصر حقيقة الرفق.
قال ﷺ : " لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " (٢)
إخوتاه
حين آمركم بالتواصي بالرفق في معاملة الناس، وبتحري الرفق في علاقاتكم الأخوية أريدك أن تدرك أن ذلك من مقاصد شريعة الإسلام، فالتيسير أمر مراد، " يُرِيدُ اللَّهَ بِكُم الْيُسْرَ " (البقرة/١٨٥) والتعسير أمر غير مستطاب " وَلَا يُرِيدُ بِكُم الْعُسْرَ" (البقرة/١٨٥)
وهذا لا يعني أن ننحرف لذوي الأفهام السقيمة من المبتدعة وأهل الأهواء حين يظنون أن الرفق يقتضي الوقوع فيما حرم الله بدعوى التيسير، بل كل ما جاءت به شريعة الرحمن فهو لجلب المصالح (سواء كانت معلومة أو خافية عن العبد) ودرء المفاسد، وليس الدين باتباع الهوى.
إخوتاه
أسأل الله لي ولكم السداد، آه لو أنعمنا البصيرة، فانظر كيف ربط رسول الله
стр. 135
- ﷺ بين الرفق والسداد، وكأنها وصية الوقت، فإنَّ السداد يعني التركيز على الهدف لإصابته، أي ليكن شغلك الشاغل منصبا على هدفك وهو"الجنَّة" فإن كنت لا تستطيع ذلك فلا بأس بالمقاربة، وطالما الأمر كذلك فأبشر، لكن لا تطمئن لعملك بل عليك بالمزيد فأكثر من فعل الصالحات واغتنم الأوقات، وهذا شأن تلقيك للأوامر توجه للهدف، حاول مرة بعد أخرى، لا تمل، ولا تيأس، بل أبشر، وابدأ في التدرج في الزيادة، والله يعينك. انظر لبساطة الموضوع والرفق في توضيحه حتى لا تنوء بنا الطرق لغياهب الغلو والشطط.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
إخوتاه
قال ﷺ : " إنَّ الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف " (١)
يقول ابن المنير: " هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وقد رأينا ورأى الناس قبلنا أنَّ كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع الطلب الأكمل في العبادة فإنَّه من الأمور المحمودة، بل المراد منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة المفضية إلى ترك الأفضل أو إخراج الفرض عن وقته".
إخوتاه .. الرفق بالنفس .. الرفق بالمسلمين، فما نزع الرفق من شيء إلا شانه، فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أعظم مراتب الإيمان حسن الخلق، ومن أجل الأخلاق فضلا الرفق،
стр. 136
فعن أبي هريرة ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" (١)
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ " إنَّ من أحبكم إليَّ أحسنكم أخلاقا " (٢)
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ " إنَّ من خياركم أحسنكم أخلاقا " (٣)
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار" (٤)
أما حسن خلقه ﷺ ورفقه فنسيج وحده.
عن أنس بن مالك قال: كانت امرأة في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إنَّ لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها ثم رجع. (٥)
كان ﷺ -إذا جاء الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، ما يؤتي بإناء إلا غمس يده فيه وربما جاؤوا في الغداة الباردة فيغمس يده فيها. (٦)
стр. 137
فهؤلاء كانوا يلتمسون بركة النبي ﷺ يأتون بإناء فيه ماء ليضع الرسول ﷺ يده فيه ثم يشربون منه أو ينتفعون به، فربما يأتون في اليوم البارد والماء كأنه ثلج، ومع ذلك يضع يده ﷺ .
أما الصحابة والسلف الصالح فشيء عجيب شأنهم، انظر للرجل الذي جاء لعمر بن الخطاب ﵁ بصدقة ماله، فقال له عمر: بارك الله لك في مالك.
قال الرجل: يا أمير المؤمنين وأهلي؟
قال: ولك أهل؟
قال: يكون إن شاء الله.
قال عمر: وأهلك إن كانوا معك إن شاء الله.
فانظر لرفق عمر وطيب معاملته للرجل، فكأنه رأى صغره أو علم أنَّه غير متزوج فيتعجب لطلب الرجل أن يدعو لأهله، ثم يلاطفه ويداعبه ويدعو له ولأهله إن كانوا إن شاء الله.
أمير المؤمنين يلاطف الناس ويداعبهم مع ما علم عن شدته في دين الله، لكنَّها شدة في الحق لا عن غلظ وقساوة، كيف وعمر أرق الناس قلبا، وخشيته لله معلومة، ووجله وخوفه معروف تشهد له المواقف الكثيرة.
وانظر إلى غاية الأدب في شخص الإمام أحمد ﵁ -إمام أهل السنة.
يقول سلمة بن شبيب: سألت الإمام أحمد بن حنبل عن محمد بن معاوية النيسابوري.
فقال: نعم الرجل يحيى بن يحيى.
فمحمد بن معاوية متروك كما يقول عنه الحافظ في التقريب وكان يتلقن، وقال عنه ابن معين: كذاب.
فعندما سئل الإمام أحمد عنه ترك الكلام فيه، وأخبر السائل عن رجل آخر هو من
стр. 138
الأثبات الثقات "يحيى ين يحيى".
إخوتاه ..
لقد كانوا يحبون الرفق في كل شيء حتى في اللفظ، كانوا يوصون باستخدام الألفاظ الحسنة الطيبة دون الألفاظ الخشنة.
يقول الإمام الشافعي: حَسِّن ألفاظك، لا تقل: كذاب، وقل: ليس بشيء.
إخوتاه ..
لقد كان الناس ينالون من الأئمة وربما آذوهم بكلام شديد، ولا يزيدهم جهل الجهال إلا حلما.
كان بلال الأجوري صاحباً للإمام أحمد فتكلم عن أبي حنيفة ﵁ فأعرض الإمام أحمد عنه. (١)
والأئمة كانوا يشددون على المخطئ حتى لا يشيع خطؤه بين الناس، وبلال الأجوري كان معظماً لأبي حنيفة ﵁ -فلما أعرض عنه الإمام أحمد، قال له: كان بول أبي حنيفة أكبر من ملء الأرض مثلك. يقول: فنظر إليَّ وقال: سلام عليك، ومضى.
فلما كان من السَّحر، بكرت إليه فقلت: يا أبا عبد الله، إنَّ الذي كان منِّي كان على غير تعمد فأرجو أن تجعلني في حل.
стр. 139
فقال: سبحان الله، والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى سامحتك ودعوت لك.
إخوتاه ..
هكذا كانت الأخلاقيات، كان الأدب وحسن الخلق، كان الرفق في أجمل معانيه وتجلياته.
وانظر ـ أيضًا ـ ما يرويه الإمام السخاوي في " أدب الشيخين "عن صنيع القاضي أحمد بن إبراهيم الحماد المالكي، والإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي.
وهذه الحادثة ستتعلم منها أدب السلف عند الاختلاف، وكيف كانوا يعيشون دون تعصب وتنافر مما أحدثه المتأخرون المقلدون.
فالقاضي أحمد بن إبراهيم كان قاضي القضاة وكان مالكيا، ومع ذلك ما كان يتورع من الذهاب لمجلس الإمام الطحاوي ليسمع من تصانيفه المفيدة (١)
فاتفق مجيء شخص لاستفتاء الإمام الطحاوي عن مسألة بحضرة القاضي، فقال الإمام الطحاوي: مذهب القاضي ـ أيده الله ـ كذا وكذا، فقال السائل: ما جئت لأسأل القاضي، إنما جئت لأسألك أنت، فقال: يا هذا ليس عندي إلا ما ذكرت لك، ورد السائل.
فقال له القاضي: أفته أيدك الله.
فقال له الطحاوي: طالما أمرني القاضي فلا يسعني إلا الطاعة، الجواب كذا وكذا.
إخوتاه
الرفق من أعظم دواعي المحبة والألفة بين الإخوة والأصحاب، فالرفق يجعل نفوس
стр. 140
المتحابين وأموالهم ليست لهم بل هي قسمة وشركة بينهم، وما اتحفت النفوس بمثل استعمال الرفق والرحمة، فإنهما ما كانا في شيء إلا زان، وما نزعا من شيء إلا شان، فإنَّ الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، فمن أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير كله.
إخوتاه
تأملوا قوله ﷺ " إنِّي لأقوم في الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه" (١)
كيف كان رفيقا ﷺ يستشعر حال الناس، ويقدر ظروفهم، وما يمنعه شيء عن رحمتهم والإحسان إليهم.
قال ﷺ : " إنَّ الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً " (٢)
وعن معاوية بن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ " إذا عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم.
فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت.
فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. قال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " (٣)
стр. 141
إخوتاه
لا تكونوا منفرين، لما قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، قال لهم رسول الله ﷺ : " دعوه واهرقوا على بوله سجلا من ماء ـ أو ذنوبا من ماء ـ فإنَّما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين " (١)
إخوتاه
ينبغي أن ننتبه لاستخدام الرفق والرحمة، فما يضع الله رحمته إلا على رحيم، فاللهم اجعلنا من الرحماء.
قال ﷺ " والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه يرحم الناس كافة " (٢)
وفي تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكرـ ﵀ أنَّ معاوية بن الحارث كان عاملا لعمر بن عبد العزيز على غزاة، فلما انتهت الغزوة أرسل إلى عمر يبلغه النصر.
فقال عمر بن عبد العزيز: هل سلم المسلمون في الغزوة؟ قال: نعم، قال: كلهم؟ قال: نعم كلهم إلا رجلا واحدا عدلت به دابته فساح في الثلج.
قال عمر: فصنع ماذا؟ قال الرجل: فهلك.
стр. 142
فغضب عمر ﵁ غضبا شديدا، وقام من مجلسه، وقال: لقد أطلقتها غير مكترث علي بفلان. فكتب إلى معاوية بن الحارث " إياك وغارات الشتاء، فوالله لرجل من المسلمين أحب إلي من الروم وما حوت ".
إخوتاه
هكذا الأخوة والحب في الله، فوالله الذي لا إله إلا هو ما أحب إنسان في الله ولله إلا وجد ما وجد عمر بن عبد العزيز أنَّ رجلا من المسلمين بالدنيا وما فيها.
إنَّه الحب في الله ولله، ينشئ هذه الصور الجميلة، هذا الإحساس الطيب اللطيف نحو المسلمين، إنَّه شعور الرحمة والشفقة والرفق.
أحد الدعاة دخلت عليه أمه وهو يبكي ففزعت وقالت: أمسلم في الهند مات؟
أه ... نعم ينبغي أن تهتم بحال الناس جميعا، لابد أن تحزن لموت أي مسلم، كيف لا وهو أخوك.
إخوتاه
تأملوا هذه القصة العجيبة، يقول هارون بن عبد الله الحمال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب علي، فقلت: من هذا؟
فقال: أحمد بن حنبل، فبادرت إليه وخرجت.
قلت: مرحبا يا أبا عبد الله، لو دعوتني لجئتك، ما حاجتك؟
قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: مررت عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس، أنت في الظل والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فأقعد الناس.
فانظر إلى هذه الرحمة البالغة، والحرص على المسلمين، فأي قلوب هذه؟! وأي
стр. 143
رقة كانوا يتحلون بها؟!
كان " أبو حندول الطيب " أحد القراء المشهورين، وكانت له صحيفة بها ثلاثمائة من أصدقائه يدعو لهم كل ليلة، ففي ليلة من الليالي تركهم ونام، فأتاه في المنام من يقول: يا أبا حندول لِمَ لَمْ تسرج مصابيحك الليلة؟ فقام وأخذ الصحيفة ودعا لواحد واحد حتى فرغ.
المؤمن للمؤمن كالبنيان، المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
إخوتاه
إنَّ الرفق أول طريق النجاح، وبداية للأخوة الإيمانية الحقيقية، فأحسن إلى أخيك وارحمه وارفق به ـ والله الموفق ـ
стр. 144
دوام الصلة والتزاور في الله
لو كان للفراق صورة لارتاعت لها القلوب ولهدت الجبال
стр. 145
السبب الثامن
ثامنا: دوام الصلة والتزاور في الله
إخوتاه
إن كان الله وعد الرحم أنَّ من وصلها وصله، ومن قطعها قطعه فإنَّ رحم الإسلام موصولة دائمًا.
رحم الإسلام هي الأخوة في الله، هذه الوشيجة التي لا تنقطع ولا تنفصل، هذه الرابطة التي لا تزول أبدا حتى بعد الممات؛ فإنكما يوم القيامة تتلاقيان فتتعارفان، قال تعالى " الْأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " [الزخرف/٦٧]
إخوتاه
لابد للأخوة من صلة، وعلينا أن نلفت النظر هنا لضياع صلة الأرحام في زماننا، وهذه المسألة لا نفتأ نذكرها ونلح عليها؛ لأن الأخوة فرطوا كثيرا في هذا الشأن، صلوا أرحامكم، فإنَّ الرحم متعلقة على الصراط يوم القيامة ومعها الأمانة، فمن أدى الأمانة ووصل الرحم نجا وإلا هويا به في النار وطلب أن يأتي بهما من قعر النار؛ لذلك آمركم وأشدد عليكم بصلة الأرحام.
قد يتعلل بعض الأخوة بأنَّ بعض أرحامه من العصاة فنقول: إنَّ رسول الله ﷺ قال: " ألا إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنَّما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها " (١)